سؤال وجواب
نقدم لك - أيها القارئ الكريم - ونضع بين يديك مجموعة من التساؤلات والاستفسارات نسمعها وتسمعها من حين لآخر يضعها الغلاة وأهل الشبه، ممن يريدون أن يقذفوا بأحقادهم، وينفثوا بسمومهم في عقول المسلمين، ليستبيحوا الطعن في من صحبوا رسول الله - ﵌ - من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين ﵃ في صريح الكتاب، الذين أفنوا زهرة شبابهم في سبيل الله، حبا لله ورسوله وجهادًا في سبيله وبادلهم الرسول - ﵌ - هذا الحب وتوفاه الله وهو عنهم راضٍ.
هل يعقل أنهم بعد كل هذه التضحيات، يحبطون ثوا ب جهادهم وحجهم وعبادتهم مع رسول الله - ﵌ - من أجل البيعة لأبي بكر ولو كان مصيرهم بعد ذلك خلود في النار!
إن مثل هذا الأمر لا يصدر من مسلم تربى في مدرسة رسول الله - ﵌ -، والذين يبثون هذه الروايات المكذوبة يريدون من ورائها أن يقطعوا الصلة بين المسلمين وذلك الجيل المشرق الذي صحب رسول الله - ﵌ - الله ويجهل هؤلاء أن طعنهم لا يضر تلك الجبال الراسية
كناطح صخرة يومًا ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
وما ستقع عليه عيناك هي مجموعة من هذه الشّبه التي يتعلق بها هؤلاء الذين غفلوا عن حقائق تاريخنا الإسلامي المشرق تجاه من سبقنا في اتباع منهج النبي - ﵌ -، وقد جعلت هذه الشّبهات على شكل أسئلة يلحق كل سؤال الجواب عليه ليستبين الحق بإذن الله تعالى.
[ ٩٩ ]
السؤال الأول: «القول بردة الصحابة»:
كيف يمكن لنا أن نقول بعدالة الصحابة جميعًا، والله ﵎ قد صرح بردتهم جميعًا بعد وفاة نبيه إلا ثلاثة منهم (^١)، مثلما جاء في قوله ﵎: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤].
الجواب:
أولًا: يجب على القارئ لكتب التفسير أن يختار من يقرأ له من المفسرين، فيتحرى أصحاب العقائد الصحيحة، ممن شهد له العلماء المجتهدون بالعلم والفضل، ويكون على إلمام بأصول التفسير كأسباب نزول القرآن، والناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، وغيره حتى لا يفسر أو يؤّول كلام الله تعالى من غير علم.
ثانيًا: ذكر علماء التاريخ، وكذا المفسرون أن تلك الآية نزلت في واقعة محددة معلومة وهي انهزام المسلمين في غزوة أحد، وكانت هذه الواقعة من أوائل الغزوات التي قاتل فيها المسلمون، فكيف يكون ما نَزَل من القرآن في بداية الهجرة، وفي حادثة معينة محددة، دليلًا على ردة الصحابة بعد وفاة النبي - ﵌ -؟!
قال ابن كثير في تفسيره: لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد وقتل من قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدا قد قتل، ورجع ابن قَمِيئَةَ إلى المشركين، فقال لهم: قتلت محمدا، وإنما كان قد ضرب رسول الله - ﵌ - فشجه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أن رسول الله - ﵌ - قد قتل، وجوزوا عليه ذلك، فحصل ضعف ووهن
_________________
(١) انظر: رجال الكشي: (ص: ١١)، بحار الأنوار: (٢٨/ ٢٥٩) (٧١/ ٢٢٠)، الاختصاص (ص ٦).
[ ١٠١ ]
وتأخر عن القتال، ففي ذلك أنزل الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أي له أسوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه (^١)
وقال الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره: سبب النزول، أن الآية الأولى من هاتين الآيتين ناظرة أيضًا إلى حادثة أخرى من حوادث معركة أحد، وهي الصيحة التي ارتفعت فجأة في ذروة القتال بين المسلمين والوثنين: أن قتلت محمدًا، قتلت محمدًا (^٢).
وقال محمد جواد مغنية في تفسيره: تشير هذه الآية إلى واقعة معينة وهي واقعة أحد (^٣).
ثالثًا: سياق الآية لا يدل على ردة الصحابة، بل فيه معاتبة وإرشاد من الله ﷿ للصحابة على ما كان منهم من هلع وجزع في غزوة أحد، عندما قيل لهم: إن النبي - ﵌ - قد قُتل، فيخبر الله هؤلاء النفر: أن محمدًا بشر، اختاره الله لرسالته إلى خلقه وقد مضت قبله رسل، بعثهم الله لأقوامهم فأدوا الرسالة ومضوا وماتوا وقُتل بعضهم، وأنه - ﵌ - حاله كحال الرسل في الحياة والممات فقال تعالى مبيًا هذا المعنى بصيغة الاستفهام الإستنكاري: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] فمعناه: أفإن أمات الله نبيه، أو قتله الكفار ارتددتم كفارًا بعد إيمانكم؟! فسمي الارتداد انقلابًا على العقب: وهو الرجوع القهقرى لأن الردة رجوع إلى أقبح الأديان، كما أن الانقلاب رجوع عن الإقدام، والألف في قوله ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾: ألف إنكار، صورته صورة الاستفهام، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء: ٣٤]، فهذه الآية ليست إخبارًا من الله بخلود
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم: (٢/ ١١١).
(٢) تفسير الأمثل: (٢/ ١٦٩).
(٣) تفسير الكاشف: (٢/ ٥٥٤).
[ ١٠٢ ]
الصحابة بعد موت النبي - ﵌ -، كما أن الآية الأولى ليست إخبارًا بردتهم بعده - ﵌ -.
رابعًا: كيف نحكم على من انهزم من الصحابة بالردة وقد عفا الله عنهم بقوله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾ [آل عمران: ١٥٥]؟!
خامسًا: إن هذه الآية تذكرنا بموقف أبي بكر الصديق - ﵁ -، وشجاعته وقوة تعلقه بالله واستحضاره للأدلة القرآنية عند المواقف العصبية بعد موت رسول الله - ﵌ - بقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤]، حينما كان أصحاب النبي - ﵌ - في صدمة من شدة الموقف، فمنهم من أنكر موت النبي - ﵌ - كعمر بن الخطاب - ﵁ - لشدة تعلق قلبه بحبيبه، ومنهم من التزم الصمت بسبب موت النبي - ﵌ -.
سادسًا: من المعلوم أن الذي يرتد عن الإسلام بعد وفاة النبي - ﵌ - لا يقال عنه صحابي لأن الصحابي في الشرع كما أسلفنا هو من لقي النبي مؤمنًا به ومات على الإسلام، والذي يرتد عن الإسلام لا يكون منهم إلا إذا رجع إلى الإسلام من جديد.
واختم هذا المبحث بتساؤل مهم ألا وهو: كيف يأتي الثناء العام من الله ﷾ - مثلما مرَّ معنا سابقًا - وكذا أهل بيت النبي - ﵌ - على عموم الصحابة، ثم يقع التغيير المخالف لهذه الأقوال المباركة أليس هذا فيه طعن في علم الله السابق وأيضًا لعلم أهل بيت النبي - ﵌ - المستمد من كتاب الله وهدي المصطفى - ﵌ -؟!
[ ١٠٣ ]
السؤال الثاني: «حديث الحوض»:
كيف يمكن لنا أن نحكم على عدالة وصدق من حكم الله على ردتهم وتبديلهم لدينهم يوم القيامة، مثلما هو وارد في حديث الحوض، والذين قال فيهم النبي - ﵌ -: (أصحابي أصحابي)، ثم أتاه الجواب الحاسم من ربه: إنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم؟
الجواب:
أنه وفقًا لما سبق بيانه من تعريف وتوضيح للمقصود (بالصحابي) فإن أهل البيت - ﵈ - والصحابة لما سمعوا حديث النبي - ﵌ - (الحوض) زادهم ذلك خوفًا من النفاق، فجدوا في إخلاص العمل لله تعالى، رغم أنهم يعلمون أن المقصود من قول النبي - ﵌ - (أصحابي أصحابي) أُناسٌ لهم أوصاف معلومة مخالفة لمنهج الحق هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يمكن توجيه هذا الحديث إلى أن المراد (بالصحابي) أحد الأصناف التالية:
أولًا: أن المراد بالأصحاب هنا هم المنافقون الذين كانوا يظهرون الإسلام في عهد النبي - ﵌ -، كما قال الله ﵎: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١].
والمنافقون فيهم من عَلِمَ النبي - ﵌ - باطنه - وهم الأكثر- وفيهم من لم يعلمه وأولئك الذين قال فيهم النبي - ﵌ -: (أصحابي أصحابي) كانوا من المنافقين الذين خفي باطنهم على النبي - ﵌ -، كما قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ [التوبة: ١٠١].
[ ١٠٥ ]
فالذين قال فيهم (أصحابي) عند الحوض كانوا من المنافقين المتواجدين في المدينة والذين كان يظن - ﵌ - أنهم من الصحابة، ولم يكونوا كذلك، لعدم معرفته - ﵌ - للغيب وأحوال الناس الباطنة، وكان الحكم الشرعي يقتضي الحكم على الظاهر فقط.
ثانيًا: قد يكون المراد بالأصحاب هنا أولئك الذين ارتدوا بعد وفاة النبي - ﵌ -، كحال الكثير من العرب المرتدين، وممن أسلموا في السنوات الأخيرة.
روى المجلسي في البحار عن السيد ابن طاوس أنه قال: ذكر العباس بن عبد الرحيم المروزي في تاريخه: لم يلبث الإسلام بعد فوت النبي - ﵌ - في طوايف العرب إلا في أهل المدينة وأهل مكة وأهل الطائف، وارتد ساير الناس.
ثم قال: ارتد بنو تميم والرباب واجتمعوا على مالك بن نويرة اليربوعي، وارتدت ربيعة كلها، وكانت لهم ثلاث عساكر، باليمامة مع مسيلمة الكذاب، وعسكر مع معرور الشيباني وفيه بنو شيبان وعامة بكر بن وايل وعسكر مع الحطيم العبدي، وارتد أهل اليمن ارتد الأشعث بن قيس في كندة، وارتد أهل مأرب مع الأسود العنسي وارتد بنو عامر إلا علقة بن علاثة (^١).
ثالثًا: قد يراد بكلمة (أصحابي) كل من صحب النبي - ﵌ - على هذا الطريق القويم، ولو لم يره، ويدل على هذا رواية: (أمتي، أمتي) ورواية: (إنهم أمتي).
وأما قول النبي - ﵌ -: (أعرفهم)، فالنبي - ﵌ - قد بين أنه يعرف هذه الأمة من آثار الوضوء، وهذا كما قال الله ﷿ على لسان النبي - ﵌ -: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ [الفرقان: ٣٠] فالنبي - ﵌ - لا يقصد بالقوم أصحابه ومن كان في
_________________
(١) بحار الأنوار (٢٨/ ١١).
[ ١٠٦ ]
زمنه، بل هذا تحذير عام لجميع أمته من هجرهم القرآن بعده، فهؤلاء هم الذين يقول فيهم النبي - ﵌ -: (أصحابي أصحابي). فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.. أي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أدبارهم منذ فارقتهم.
وخلاصة ما سبق:
يمكن القول بأن أهل البيت - ﵈ - قد فهموا مراد النبي - ﵌ - من الحديث، وهذا الفهم منهم ظهر جليًا في حياتهم بأقوالهم وأفعالهم مع الصحابة وذلك من خلال توثيق الصلة بهم تجلى ذلك في المصاهرات بين الصحابة وأهل البيت وهو أمر يدل على شيوع المحبة والمودة بينهم، كما أنه لم يثبت عن أي أحدٍ من أهل بيت النبي - ﵌ - أنه أطلق كلمة النفاق على أحدٍ من الصحابة - ﵃ -، وهذا فيه دلالة صادقة منهم على ترابطهم مع الصحابة بعيدًا عن المنافقين.
[ ١٠٧ ]
السؤال الثالث: «القول بذم الله طائفة من الصحابة»:
كيف تقول بعدالة الصحابة، والله قد ذمهم في عدة مواضع في كتابه بآيات صريحة:
مثل قوله سبحانه عند تثاقلهم عن الجهاد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ [التوبة: ٣٨].
وجاء وعيد الله وتحذيره لهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤].
وأيضًا ذم الله عدم خشوع قلوبهم لذكره، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾ [الحديد: ١٦].
أو عند تركهم للنبي - ﵌ - عند قدوم التجارة، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ [الجمعة: ١١].
الجواب:
أولًا: يجب على المسلم أن يكون باحثًا عن الحق تاركًا للتعصب الفكري، طالبًا للهداية كما نقرأ في صلاتنا قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]، وأن يجتنب الباطل ولو كان صادرًا من عالم أو شيخ يقلده؛ لأن الله ذم أهل التعصب، الذين قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا
[ ١٠٩ ]
آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ [الزخرف: ٢٣].
ثانيًا: لا بد أن نعلم أن أصحاب النبي - ﵌ - غير معصومين من الخطأ، والإسلام حفظهم من رذائل الجاهلية التي كانت متفشية في مجتمعاتهم.
فلما أتاهم النبي - ﵌ - داعيًا إلى توحيد الله بفعل الطيبات، وترك ما كانوا عليه من مفاسد، استجابوا له وآمنوا به اختيارًا منهم، فَعَلَّمهم الله وَوَجَّههم إلى الخير والصلاح ونهاهم وحذرهم من المحرمات، فكان يناديهم في كتابه العزيز بقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
فالصحابة - ﵃ - قد تعلموا عن طريق الأخطاء الناتجة من بعضهم بسبب جهلهم بهذا الدين الجديد أو تأثرهم بالجاهلية، وهذا يشمل الصحابة من أهل بيت النبي - ﵌ - كالعباس وحمزة وجعفر الطيار وغيرهم من الصحابة من غير أهل البيت.
وهذه الأوامر والنواهي والتحذيرات لم ولن تختص بأصحاب النبي - ﵌ - فقط بل هي حجة على الأمم المتبعة لهدي المصطفى - ﵌ -، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثالثًا: لنفترض جدلًا أننا وإن لم نفهم القرآن ونفقه تفسيره، ماذا سيكون جوابنا حينما يقول لنا أحد المستشرقين المتعصبين: إن نبي الإسلام محمد بن عبد الله يطيع الكفار والمنافقين مثلما جاء في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١)﴾ [الأحزاب: ١].
بل يدعي على ديننا فيقول: إن نبيكم يحلل ما حرمه الله فقط لإرضاء زوجاته، مثل ما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾ [التحريم: ١]، أو أن نبيكم كان يريد أن يصلي على المنافقين ليترحم عليهم: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ
[ ١١٠ ]
مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ [التوبة: ٨٤] فلابد أن يكون جوابك أيها المحب بأن النبي - ﵌ - لا يعصي ربه فيما أمره به والآيات تفيد بأن الله تعالى يعلّم نبيه شرعه ودينه ليبلغه للناس، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب: ٤٥].
رابعًا: ما جوابنا حينما يقول لنا ناصبي مبغض لأهل بيت النبي - ﵌ -: لماذا لم يقاتل النبي المنافقين ويغلظ عليهم، وقد أمره الله بذلك في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾؟
ثم لماذا لم يجاهد علي بن أبي طالب المرتدين والمنافقين من الصحابة بعد النبي - ﵌ - خاصة الذين غصبوا خلافته؟ (كما يزعم الغلاة).
فهل عاملهم بغلظة كما ورد في الآية الكريمة؟! أم خالف القرآن وعامل الصحابة بلين ونصح ومشورة كما ثبت في التاريخ؟! أليس ما فعله النبي - ﵌ - وأمير المؤمنين - ﵇ - مخالف للقرآن؟!
خامسًا: ما جوابنا حينما يسألنا الناصبي ويقول: إن عليا - ﵇ - هو المعني بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]
لأنه خالف القرآن واتخذ أعداء الله أولياء له! واستدل الناصبي لطعنه الباطل بظاهر القرآن والروايات الواردة عن النبي - ﵌ - أنه قال: (ما أنزل الله ﷿ آية وفيها قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلا وعلي - ﵇ - رأسها وأميرها) (^١).
_________________
(١) انظر اليقين في إمرة أمير المؤمنين: (ص: ١٧٤، ١٧٧)، بحار الأنوار: (٤٠/ ٢١).
[ ١١١ ]
واستدل أيضًا بما ثبت في صحيفة الإمام الرضا - ﵇ - أن النبي - ﵌ - قال: (ليس في هذا القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلا في حقنا) (^١)، ثم يقول هذا الناصبي: إذًا: إن عليًا في رأس هذه الآية وغيرها!.
ألا يستحق هذا الناصبي أن نقول إنه أظهر عداوته وطعنه في أمير المؤمنين - ﵇ - وانكشف حقده الدفين على أهل السبق في الإسلام الذين عرفوا بجهادهم مع رسول الله - ﵌ - والذين هم أقرب الناس إليه وأحبهم إلى قلبه من أمثال أمير المؤمنين علي - ﵇ -.
كما نقول: إن هذا الكلام باطل وتحريف كتحريف اليهود الذين يحرفون الكلم عن مواضعه وهو زيغ في قلوب الذين يتبعون المتشابه من الكلم، كما لايليق بأصحاب النبي - ﵌ - أن نصفهم بالردة والنفاق لأن ذلك يعد تحريفًا لكلام الله، وخلافا لظاهر القرآن، وخلافا لسنة النبي - ﵌ -، ومناف لمقتضى تكريم الله لنبيه - ﵌ -، حيث خصه بصحب كرام يرضى عنهم، كما أنه مخالف للعقل السليم وواقع الحال.
_________________
(١) المناقب: (٣/ ٥٣)، البرهان (سورة البقرة آية: ١٥٣).
[ ١١٢ ]
السؤال الرابع: «القول بمخالفة الصحابة أمر النبي - ﵌ - في صلح الحديبية»:
كيف تقول بعدالة الصحابة، وهم قد عارضوا النبي - ﵌ - في صلح الحديبية، بسبب عصيانهم لأمره، عندما أمرهم أن يحلقوا وينحروا فلم يستجيبوا لأمره؟ بل إن عمر صرح بالمعارضة لقرار النبي - ﵌ - في اتفاقه وصلحه مع المشركين فقال للنبي: (ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى، قال عمر: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، فقال عمر: فلم نعط الدنية من ديننا إذًا)؟
الجواب:
أولًا: يجب على المسلم ألا يقذف التهم جزافًا من غير تبيين وتمحيص لأسباب الحوادث وينبغي عليه أن يكون منصفًا إن أراد الحق، ولا يشنع ويقسو ابتداءً على أحد، وخاصة أصحاب النبي - ﵌ - بغير علم، ولابد أن يعرف مقدار حب الصحابة لنبيهم، والذي تجلى واضحًا في أحوال ومناسبات عديدة، ومنها مبادرتهم إلى التبرك بأثره - ﵌ - من أخذ فضل وضوئه، ولم يكن ليبصق - ﵌ - بصاقًا ولا يتنخم نخامة إلا ويتلقونها بأكفهم فيدلكوا بها وجوههم وأجسادهم، ولم تسقط منه شعرة - ﵌ - إلا ويبتدرون إلى أخذها لنيل البركة منه مثلما جاء في رواية عروة بن مسعود (^١).
ثانيًا: الصحابة في صلح الحديبية لم يعصوا النبي - ﵌ - عندما أمرهم، بل كان لهم شوق عظيم لبيت الله الحرام، فتمنوا عندما أمرهم النبي - ﵌ - بقطع العمرة والتحلل بحلق رؤوسهم لو يغيّر النبي - ﵌ - من حكمه، أو ينزل الله ﵎ شيئًا من الوحي يأمر نبيه - ﵌ - بأن يدخل مكة، فانتظروا جميعهم (بلا استثناء) لعل شيئًا من ذلك يقع!، ولذلك تمهلوا قليلًا في تنفيذ أمر النبي - ﵌ - رغبة في حدوث مثل هذا الرجاء، فلما خرج النبي - ﵌ -
_________________
(١) انظر: (ص: ٣٠) من هذا الكتاب.
[ ١١٣ ]
عليهم حالقًا وناحرًا هديه، علم الصحابة يقينًا حينئذ انقضاء رجائهم، وتحقق الأمر، فاستجابوا مباشرة عند ذلك لأمر الله ورسوله - ﵌ - فحلقوا رؤوسهم ونحروا هديهم دون تردد منهم فأنزل الله ﵎ فيهم:
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨].
ثالثًا: عمر بن الخطاب - ﵁ - لم يعارض قرار النبي - ﵌ - في الصلح، بل كان يتباحث معه ويشاوره في أمر الأمة، مثلما كانت عادة النبي - ﵌ - في مشاورته للصحابة وخاصة الكبار منهم، حيث إن المشاورة سنة يمتثلها النبي - ﵌ - مع أصحابه بأمر من الله ﷿، لما جاء في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
قال أبو جعفر الطبري:
وأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: إن الله ﷿ أمرَ نبيه - ﵌ - بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه ومكايد حربه، تألُّفًا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرةَ التي يُؤْمَنُ عليه معها فتنة الشيطان وتعريفًا منه أمته مأتى الأمور التي تحزُبهم من بعده ومطلبها، ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه في حياته - ﵌ - يفعله.
فأما النبي - ﵌ -، فإن الله كان يعرِّفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صوابَ ذلك. وأما أمته، فإنهم إذا تشاوروا مستنِّين بفعله في ذلك، على تصادُقٍ وتأخٍّ للحق، وإرادةِ (^١).
_________________
(١) تفسير جامع البيان: (٧/ ٣٤٥).
[ ١١٤ ]
وقال الفيض الكاشاني عن قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: في أمر الحرب وغيره، مما يصح أن يشاور فيه، استظهارًا برأيهم، وتطييبًا لنفوسهم، وتمهيدًا لسنة المشاورة للأمة عن النبي - ﵌ - لا وحدة أوحش من العُجب، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة. وجاء في نهج البلاغة: (من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها، وفي الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه). وفي الخصال عن الصادق - ﵇ -: (وشاور في أمرك الذين يخشون الله). اهـ (^١).
وفي تلك الحادثة أخذ النبي - ﵌ - مشورة عمر بن الخطاب - ﵁ -، في إرسال عثمان بن عفان - ﵁ - إلى أهل مكة للمفاوضة معهم.
وقد ذكر الشيخ الطبرسي في تفسيره مجمع البيان صلح الحديبية مختصرة فقال عن ابن عباس: (إن رسول الله - ﵌ - خرج يريد مكة، فلما بلغ الحديبية، وقفت ناقته، وزجرها فلم تنزجر، وبركت الناقة. فقال أصحابه: خلأت الناقة. فقال - ﵌ -: ما هذا لها عادة، ولكن حبسها حابس الفيل، ودعا عمر بن الخطاب ليرسله إلى أهل مكة، ليأذنوا له بأن يدخل مكة ويحل من عمرته، وينحر هديه، فقال: يا رسول الله! ما لي بها حميم، وإني أخاف قريشًا لشدة عداوتي إياها. ولكن أدلك على رجل هو أعز بها مني، عثمان بن عفان! فقال: صدقت) (^٢).
رابعًا: لماذا نشنع على عمر بن الخطاب - ﵁ - بسبب مشاورته للنبي - ﵌ - ونتهمه بمعارضة أمر النبي - ﵌ -، ونبني عليها طعونًا كثيرة، والنبي - ﵌ - لم ينهه عن ذلك الفعل، إن كان مستحقًا للنهي والزجر؟!
_________________
(١) تفسير الصافي، وانظر: تفسير مجمع البيان، الجوهر الثمين، تفسير معين، تفسير شبر: في تفسير (سورة آل عمران آية: ١٥٩).
(٢) تفسير مجمع البيان: (٩/ ١٩٤)، بحار الأنوار: (٢٠/ ٣٢٩).
[ ١١٥ ]
هل نحن أعلم وأفقه من نبينا - ﵌ - في تربية أصحابه، وفي كيفية تعاملهم مع كلامه؟!
أو أننا علمنا أمرًا قد خفي على النبي - ﵌ -؟! أو أن هناك سببًا آخر يدعو للغيظ والحنق على ما فعله عمر؟
إن مثل تلك المشاورة قد وقعت بين الإمام علي - ﵇ - وشيعته، من أمثال حجر بن عدي في معركة صفين، حينما نهى الإمام علي - ﵇ - جيشه عن لعن وسب معاوية - ﵁ - وجيشه وناقشه في هذه القضية حجر بن عدي وغيره، ومع ذلك لم يطعن الإمام علي - ﵇ - أو من جاء بعده على حجر بن عدي بسبب معارضته لأمر الإمام علي - ﵇ -.
فعن عبد الله بن شريك قال: (خرج حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يُظهران البراءة واللعن من أهل الشام، فأرسل إليهما علي - ﵇ -: أن كفّا عما يبلغني عنكما. فأتياه فقالا: يا أمير المؤمنين! ألسنا محقين؟ قال: بلى. قالا: أو ليسوا مبطلين؟ قال: بلى. قالا: فلم منعتنا من شتمهم؟ قال: كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين يشهدون ويتبرؤون) (^١).
خامسًا: لو سلمنا جدلًا بأن ما فعله عمر - ﵁ - كان مجانبًا للصواب بسبب معارضته لأمر النبي - ﵌ -، فماذا سيكون جوابنا إن قال لنا أحد النواصب: (إن عليًا - ﵇ - كان من رؤوس المعارضين للنبي - ﵌ - في صلح الحديبية، وقد عصى أمره مع سائر الصحابة في عدم حلق رؤوسهم وذبح هديهم؟
بل إن رفض علي بن أبي طالب لأمر النبي - ﵌ - يفوق معارضة عمر بن الخطاب وذلك حينما طلب - ﵌ - منه أن يمسح اسمه عندما كان يكتب كتاب الصلح مع مندوب قريش سهيل بن عمرو فرفض علي بن أبي طالب الانصياع لأمر المصطفى - ﵌ -؟
_________________
(١) مستدرك الوسائل: (١٢/ ٣٠٦)، بحار الأنوار: (٣٢/ ٣٩٩)، وقعة صفين: (ص: ١٠٢).
[ ١١٦ ]
ودليل ذلك ما جاء عن أبي عبد الله - ﵇ -، في حديث طويل في قصة صلح الحديبية: (إن أمير المؤمنين - ﵇ - كتب كتاب الصلح: باسمك (^١) اللهم، هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله - ﵌ -، والملأ من قريش، فقال سهيل بن عمرو: لو علمنا أنك رسول الله ما حاربناك اكتب هذا ما تقاضى عليه محمد بن عبد الله، أتأنف من نسبك يا محمد؟ فقال رسول الله - ﵌ -: أنا رسول الله وإن لم تقروا، ثم قال: امح يا علي! واكتب: محمد بن عبد الله، فقال أمير المؤمنين - ﵇ -: ما أمحو اسمك من النبوة أبدًا، فمحاه رسول الله - ﵌ - بيده) الخبر (^٢).
فبماذا سنرد على ذلك الناصبي حين يقول: لماذا يرفض علي بن أبي طالب أمر النبي - ﵌ - حينما طلب منه أن يمحو اسمه؟ أعلي بن أبي طالب أتقى وأحرص وأعلم من النبي - ﵌ - في عدم رغبته لمسح الاسم؟ بل تكررت منه المعارضة لأمر النبي - ﵌ - مثلما حصل في غزوة تبوك، حينما طلب منه النبي - ﵌ - أن يمكث بالمدينة، كحال بعض الصحابة من أهل الأعذار كابن أم مكتوم وغيره لأسباب معينة رآها النبي - ﵌ - لكنه خرج ولحق بالنبي - ﵌ - محاولًا أن يثنيه عن قراره ويأخذه معه للمعركة.
فعن عبد الله، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن سليمان بن بلال، عن جعيد بن عبد الرحمن عن عائشة بنت سعد، عن أبيها سعد أن عليًا - ﵇ - خرج مع النبي - ﵌ - حتى جاء ثنية الوداع وهو يبكي ويقول: تخلفني مع الخوالف؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة؟) (^٣).
_________________
(١) وفي المصدر: بسمك.
(٢) مستدرك الوسائل: (٨/ ٤٣٧).
(٣) بحار الأنوار: (٣٧/ ٢٦٢)، العمدة: (ص: ١٢٧).
[ ١١٧ ]
وبماذا نرد على الناصبي لو تساءل قائلًا: لماذا ينزعج علي بن أبي طالب من أمر النبي - ﵌ - له بتركه بالمدينة في غزوة تبوك؟ أيعصي علي النبي - ﵌ - في أمره؟ هل كان علي يجهل أن استخلافه في المدينة منقبة وفضل له أم لا؟ فإن كان يجهل فهذه مصيبة، وإن كان يعلم فالمصيبة.. أعظم.
والرد على كل هذه التقولات على أمير المؤمنين - ﵇ -، هو من مثل ما بيناه في حق أمير المؤمنين عمر - ﵁ -.. فالحق واحد، وإن تعددت صور الافتراءات.
[ ١١٨ ]
السؤال الخامس: «رزية يوم الخميس»:
ماذا تقول من فعل الصحابة يوم الخميس قبل وفاة النبي - ﵌ - بأربعة أيام، وما حصل بينهم من خلاف، ورفع أصواتهم عليه وعصيانهم لأمره - ﵌ - في عدم إحضارهم الكتف والدواة ليكتب لهم كتابًا لن يضلوا بعده، واتهموه (بالهجر) وقال عنه عمر بن الخطاب: (قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله) حتى غضب عليهم النبي - ﵌ - وأخرجهم من بيته، وعبّر ابن عباس عن تلك الحادثة بأنها رزية؟
الجواب:
أولًا: لابد لنا أن نسأل أنفسنا أولًا: كيف كانت حالة النبي - ﵌ - الصحية في تلك الفترة؟ وما سبب خلاف الصحابة عنده؟
إن تلك الحادثة حدثت قبل وفاة النبي - ﵌ - بأربعة أيام، وهو على فراشه، وكان يوعك وعكًا شديدًا من شدة الألم، بل كان - ﵌ - من قسوة الألم يغمى عليه تارة ويفيق تارة أخرى وقال للصحابة حينها: (ائتوني أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعدي أبدًا) فاختلف الصحابة فيما بينهم فمنهم من أراد أن لا يجهد النبي - ﵌ - في مرضه، وظن أن الأمر لم يكن بحتم واجب إنما كان على سبيل الاختيار والتذكير، ومنهم من أراد إحضار الكتف والدواة للكتابة.
ثانيًا: ليس بمقدور أي كائن بعد النبي - ﵌ - أن يتخيل ما دار في تلك اللحظة تخيلًا واضحًا، مثل أولئك الذين شهدوا تلك الحادثة، ونظروا إلى معاناة النبي - ﵌ - في مرض الموت، وخاصة أنه لم تمر عليهم حالة مشابهة من قبل فاختلفت آراؤهم لعدم سبق علم بها.
ثالثًا: التمسك بهذه الحادثة على أن فيها مغمزًا ومطعنًا في الصحابة - ﵃ - شيء جديد لم يسبق إليه أحد من قبل، ذلك أن الصحابة - ﵃ - مرت عليهم الواقعة مرور الكرام وعلموا
[ ١١٩ ]
أنها لم تتضمن أي شبهة في اتهام الصحابة بعضهم لبعض بالنفاق أو الكفر، فهل من تأخر عنهم يكون أعلم وأبصر من أولئك الجمع كلهم الذين عاشوا بعد النبي - ﵌ -؟!
رابعًا: لو حصرنا النقاط التي يمكن أن يكون فيها مطعن في عدالة الصحابة - ﵃ - من هذه الحادثة، لأمكن حصرها في النقاط التالية:
أ) رفض الصحابة الإذعان لأمر النبي - ﵌ -.
ب) اختلافهم عند النبي - ﵌ - وارتفاع أصواتهم الدالة على عدم التوقير.
ج) سوء كلام بعض الصحابة على مقام النبي - ﵌ - ووصفه بالهجر.
د) رفض عمر بن الخطاب الانصياع لطلب النبي - ﵌ -.
ويمكن بيان الرد موجزًا على هذه الشبه بالآتي من القول:
(رد أمر النبي - ﵌ -) الصحابة - ﵃ - لم يخالفوا طلب النبي - ﵌ -، ولكنهم كانوا يظنون أن المرض لربما غلب على النبي - ﵌ - مثل حال بقية الناس؛ لأنهم لم يرو النبي - ﵌ - على هذه الحالة من قبل، وكانوا يعلمون أن كتاب الله بين أيديهم، والدين قد تم بيانه وكمل تشريعه، فلذا كانوا مترددين لعدم علمهم بالمقصود من قول النبي - ﵌ -.
(اختلافهم وارتفاع أصواتهم) ليس هناك من دليل صريح يدل على ارتفاع أصواتهم على صوت النبي - ﵌ -، ولو صدر هذا منهم لنزل الوحي بالتوبيخ واللوم من الله، وبخاصة وأن سورة الحجرات قد تم فيها تفصيل الأدب من حيث كيفية الكلام مع النبي - ﵌ -.
والصحابة لم يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي - ﵌ - بل رفعوا أصواتهم على بعضهم بسبب اختلافهم في الاستفسار وفي المقصود من طلب النبي - ﵌ - الكتابة لهم، فلما طال نقاشهم فيما بينهم نهرهم النبي - ﵌ - عن هذا الخلاف فقط، ولو كان هناك أمر يتجاوز هذا الحد لنزل بهم أمر من الله سبحانه يجتث الخطأ من أساسه.
[ ١٢٠ ]
(مقولة بعض الحاضرين: أهجر) ينبغي علينا أولًا أن نعلم أن الرواية لم تحدد من قال هذه الكلمة، فلعله أحد المنافقين الحاضرين، أو صحابي استفسر مستفهمًا عن صحة النبي - ﵌ - بعد مقولته عن الكتابة فقال: هل يقع منه الهجر كما يقع من أحدنا؟ فاختصر كل هذا القول بكلمة واحد، أو لعلها من استفهام القائل: كيف لا نأتي بالكتف والدواة؟! أيُظن أن النبي - ﵌ - يهجر بالكلام ويقول بالهذيان كغيره! لأنه ربما اختلط عليه سماع كلام النبي - ﵌ - وذلك لبحَّة في صوته أو غلبة اليبس بالحرارة على لسانه، مثلما يقع في الحميات الحارة، وقد ثبت بإجماع أهل السير أن نبينا - ﵌ - كانت فيه بحة صوت عارضة له في مرض موته - ﵌ -.
وعليه فالسبل التي يمكن أن توجه فيها هذه الكلمة كثيرة، ومن أراد فعليه الرجوع إلى كتب اللغة العربية ليستوضح دلالات هذه الكلمة، فليس هناك من يعرف على وجه الدقة من كان موجودا في ذلك الموقف قرب النبي - ﵌ - إلا عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس، ويجب ألا يستغرب القارئ من كثرة هذه التعليلات تجاه هذه الكلمة، لأن من قيلت أمامهم هذه الكلمة لم ينكروها أو يذموا قائلها.
(رفض عمر الامتثال لأمر النبي - ﵌ -) كيف يظن بعمر - ﵁ - أنه يرفض طلبًا يسيرًا للنبي - ﵌ -، وهو الذي لم يبخل بشيء طوال مرافقته للنبي - ﵌ -؟
وأما قول عمر بن الخطاب للصحابة: (قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله) فيمكن أن يوجه كالتالي:
أن عمر بن الخطاب - ﵁ - أراد من الصحابة أن لا يجهدوا النبي - ﵌ - بالكلام وكثرة الأسئلة، وهو في المرض الشديد، شفقة عليه، وهذا ما يبينه قوله: (وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله) أي إن الله أكمل دينه وبيّن شرائعه في قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾
[ ١٢١ ]
وكما في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾.
والذي يظهر أنما أراد النبي - ﵌ - أن يكتبه هو من باب الإرشاد والإصلاح والتذكير وليس بالأمر الجديد الواجب تبليغه للأمة، إذ لو كانت الكتابة واجبة لألزم الصحابة بما يريد كتابته، ولكان حاله مثل حال الكتاب الذي سطّره أمير المؤمنين علي في صلح الحديبية حيث ألزمه النبي - ﵌ - بما أراد كتابته عند عقد الصلح مع قريش.
ويمكن القول إنه لو فهم أهل بيت النبي - ﵌ - أن هناك أمرًا واجبًا لا مناص منه لحرصوا على تدوينه وكتابته لكنهم فهموا أن المراد هو التأكيد على أمور سبق للنبي - ﵌ - بيانها للأمة مثل التمسك بالتوحيد والصلاة.
ومن خلال ما سبق، يتبين لنا أنه لو كان النبي - ﵌ - مأمورًا بتبليغ شيء واجب بالنص لا غنى للأمة عنه، لبلغه في جميع الأحوال امتثالًا لقوله تعالى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧] كما أنه ليس من عادته ترك التبليغ مراعات لخواطر الناس في بداية الدعوة، فكيف يترك ذلك في آخر حياته، وبعد أن مكن الله له وصارت الكلمة تنتهي إليه، فدل تركه - ﵌ - للكتابة على أنها لم تكن واجبة عليه، بل هو أمر محمول على الندب والتذكير لا على الوجوب والتشريع وقد عاش - ﵌ - أربعة أيام بعد ذلك، ولم يأمرهم بإعادة الكتابة.
خامسًا: لابد للمسلم أن يُطهِّر قلبه من الحقد والبغض تجاه أصحاب النبي - ﵌ -، وأن يحبهم كما كان هدي الأئمة - ﵈ -، ونقول له: إن التبس عليك أمر في حق الصحابة - ﵃ - أو غيرهم، فالتمس لهم العذر، كما ثبت عن الأئمة - ﵈ - أنهم قالوا: (احمل أخاك المؤمن على سبعين محملًا من الخير.. الحديث). وقولهم - ﵈ - (كذّب سمعك وبصرك عن أخيك).
وما روي في الكافي عن الحسين بن المختار عن أبي عبد الله - ﵇ - قال: قال أمير المؤمنين - ﵇ - في كلام له: (ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه، ولا تظنن
[ ١٢٢ ]
بكلمة -خرجت من أخيك- سوءًا؛ وأنت تجد لها في الخير محلًا) عن أبي بن كعب: (إذا رأيتم أحد إخوانكم في خصلة تستنكرونها منه فتأولوا لها سبعين تأويلًا..) (^١) انتهى.
فمن الأولى بنا أن نسير على هدي الأئمة - ﵈ -، وأن نلتمس العذر لأصحاب النبي - ﵌ - وما كانوا فيه من هلع وحيرة عند مشاهدتهم لحبيبهم وما يعانيه من ألم مبرح.
وقد أثنى الله ﵎ عليهم وقال عنهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقد كانوا ينكرون على بعضهم في مسائل فقهية أقل من ذلك.
لماذا الطعن الآن بعد مضي تلك القرون الكثيرة على أصحاب النبي - ﵌ - وعلى هذه الحادثة وغيرها؟! وما الهدف من ذلك؟
أهؤلاء أعلم وأحرص على النبي - ﵌ - من نفسه؟!
أم يحبون النبي - ﵌ - أكثر من أصحابه؟! أم هو إتباع هوى؟!
سادسًا: أن وصف ابن عباس - ﵁ - لما جرى (بالرزية)، لم يكن وقت حصول الحادثة ولكنه قالها بعد ذلك بسنين عندما تذكر حزنه على وفاة النبي - ﵌ -.
سابعًا: لو سرنا في دروب الطعن والتفتيش عن سراب الشبه، فماذا سيكون ردنا لو قال لنا أحد النواصب: إن علي بن أبي طالب هو سبب تلك المشاكل؛ لأنه كان في بعض الأحيان يعارض النبي - ﵌ -، ولا يمتثل لأمره ابتداءً، مثلما حدث منه في صلح الحديبية من عدم مسح اسم النبي - ﵌ -، وعدم حلق رأسه ونحر هديه كغيره من الصحابة، وعدم قبوله بالاستخلاف بالمدينة في غزوة تبوك.
بل شارك في رفض أمر النبي - ﵌ - وهو على فراش الموت عندما طلب منه النبي - ﵌ -
_________________
(١) انظر: الحدائق الناضرة: (١٥/ ٣٥٣).
[ ١٢٣ ]
ومن غيره أن يحضروا له الكتف والدواة حتى لا يضل المسلمون، فلم يستجب لذلك حتى مات النبي - ﵌ -، بل غيّر أحكام الشريعة الإسلامية في الحكم على الغلاة فعاقبهم بالإحراق بدلًا من القصاص الشرعي (^١).
فبهذا السؤال يتضح لنا منهجية أعداء الإسلام ومن ناصب العداء لأهل بيت النبي - ﵌ - ومن ناصب العداء لأصحاب النبي - ﵌ -.
_________________
(١) انظر: بحار الأنوار (٣٤/ ٤١٤).
[ ١٢٤ ]
السؤال السادس: «موقف أبي بكر من ميراث فدك»:
لو قال لنا قائل: ماذا ستقول أيها المسلم في موقف أبي بكر الصديق - ﵁ - حين لم يعط فاطمة حقها من ميراثها في أرض فدك وغيرها، بعد وفاة أبيها - ﵌ -، وماتت وهي لا تكلمه؟ مع أن الله ﵎ قرر الميراث في كتابه العزيز فقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وقرره كذلك بين الأنبياء، فقال عن زكريا - ﵇ -: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٥ - ٦]، وقال تعالى عن سليمان - ﵇ -: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦].
وبسبب هذا التصرف تجاه سيدة نساء العالمين ﵇، فإنه يكون قد أغضب النبي - ﵌ - لقوله في حقها: (إن فاطمة بضعة مني، من أغضبها أغضبني).
الجواب:
أولًا: ينبغي أن لا ننسى أن لفاطمة وزوجها - ﵈ - مكانة عظيمة عند أبي بكر الصديق - ﵁ - وغيره من الصحابة - ﵃ -.
ومن دلالة تلك المكانة أن أبا بكر - ﵁ - هو الذي أشار على أمير المؤمنين علي - ﵇ - بالزواج من الزهراء (^١)، وأمره النبي - ﵌ - بالإشراف على تجهيزها للزواج (^٢) وشاركته زوجته أسماء بنت عميس أيضًا في هذا التجهيز لفاطمة في يوم زفافها (^٣) ولما ماتت فاطمة الزهراء
_________________
(١) بحار الأنوار: (٤٣/ ٩٣) (١٩/ ١١٢).
(٢) بحار الأنوار: (٤٣/ ٩٤)، الأمالي للطوسي: (ص: ٤٠).
(٣) بحار الأنوار: (٤٣/ ١٣٨).
[ ١٢٥ ]
﵇ قامت زوجة أبي بكر - ﵂ - نفسها بعد ذلك بتجهيز كفن الزهراء وتغسيلها (^١).
ثانيًا: لعل الكثير من المسلمين في الزمن المعاصر يجهل أن أرض فدك كانت فيئًا من الله على رسوله - ﵌ - من خيبر، والفيء ما يكون من غنيمة من غير حرب، والقصة مذكورة بتمامها في سورة الحشر قال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وما أفاءه الله على رسوله - ﵌ - فهو له، وقد جعلها النبي - ﵌ - لحاجته وأهل بيته وصدقته، وكان يشرف على هذه الأرض ويرعاها، ولم يورثها أحدًا من أهله، وهذا مسطور في كتب التاريخ، فلما توفي كان خليفته أبوبكر يقوم مقامه في ذلك، وفي خلافة عمر طلب الإمام علي بن أبي طالب والعباس أن يقوما بالإشراف عليها فوافق على طلبهما، حتى وصلت الخلافة إلى الإمام علي فاستمرت في يده في عهد عمر وعهد عثمان وعهده، وبعد وفاة الإمام علي أشرف عليها الإمام الحسن بن علي، ثم الإمام الحسين، ثم الحسن بن الحسن (الحسن المثنى)، ومعه علي بن الحسين، ثم زيد بن الحسن، ولم يتملكها أحد.
ثالثًا: أما عن قضية الميراث، فقد أخبر النبي - ﵌ - أصحابه بأن الأنبياء لا يورثون الأموال والدنانير بعد مماتهم كسائر الناس، فما تبقى عندهم من الأموال بعد مماتهم فهو صدقة، وهذا ما علِمه وبينه الأئمة - ﵈ - من بعده.
فعن أبي هريرة ﵁، قال: قال قال رسول الله - ﵌ -: (من سلك طريقا يلتمس فيه
_________________
(١) بحار الأنوار: (٤٣/ ١٨٥).
[ ١٢٦ ]
علما سهل الله له طريقا إلى الجنة). (^١).
وعن أبي عبد الله - ﵇ - قال: قال رسول الله - ﵌ -: (من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به وإنه يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض؛ حتى الحوت في البحر وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر) (^٢).
وقال أبو عبد الله - ﵇ - أيضًا: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وذاك أن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظًا وافرًا) (^٣).
وعن جعفر عن أبيه - ﵇ -: (إن رسول الله - ﵌ - لم يورث دينارًا ولا درهمًا، ولا عبدًا ولا وليدةً، ولا شاةً ولا بعيرًا، ولقد قُبِض رسول الله - ﵌ - وإن درعه مرهونة عند يهودي من يهود المدينة بعشرين صاعًا من شعير، استسلفها نفقة لأهله) (^٤).
وقال أمير المؤمنين - ﵇ -: (العلم أفضل من المال بسبعة: الأول: أنه ميراث الأنبياء والمال ميراث الفراعنة، الثاني: العلم لا ينقص بالنفقة، والمال ينقص بها، الثالث: يحتاج المال إلى الحافظ، والعلم يحفظ صاحبه، الرابع: العلم يدخل في الكفن، ويبقى المال، الخامس: المال
_________________
(١) الحاكم في المستدرك: (١/ ١٦٥)، (ص: ٣)، ثواب الأعمال: (ص: ١٣١)، عوالي اللآلي: (١/ ٣٥٨).
(٢) الكافي: (١/ ٣٤)، بحار الأنوار: (١/ ١٦٤)، أمالي الصدوق: (ص: ٦٠)، بصائر الدرجات: (ص: ٣)، ثواب الأعمال: (ص: ١٣١)، عوالي اللآلي: (١/ ٣٥٨).
(٣) الكافي: (١/ ٣٢)، وسائل الشيعة: (٢٧/ ٧٨)، مستدرك الوسائل: (١٧/ ٢٩٩)، الاختصاص: (ص: ٤) بصائر الدرجات: (ص: ١٠).
(٤) قرب الإسناد: (ص: ٤٤)، بحار الأنوار: (١٦/ ٢١٩).
[ ١٢٧ ]
يحصل للمؤمن والكافر، والعلم لا يحصل إلا للمؤمن خاصة، السادس: جميع الناس يحتاجون إلى صاحب العلم في أمر دينهم، ولا يحتاجون إلى صاحب المال، السابع: العلم يقوي الرجل على المرور على الصراط، والمال يمنعه) (^١). انتهى.
رابعًا: وأما القول بأحقية فاطمة ﵇ في ميراث والدها استدلالًا بقوله تعالى:
﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ [مريم: ٦].
وقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]، فهذا الإستدلال مقطوع عن سياق الآية، وهو في غير محله لأن الوراثة في هاتين الآيتين وراثة نبوة وعلم وحكمة، وليست وراثة المال، ويتضح ذلك من خلال المناقشة التالية:
المبحث الأول: قوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦].
وردت هذه الآية في سياق دعاء نبي الله زكريا - ﵇ - ربه بأن يهبه ولدًا رغم كبر سنه وعقم زوجته، وذلك بعد ما رأى من علامات التقوى والصلاح من مريم ﵇ فكان ذلك حافزًا له لأن يدعوا الله ﵎ أن يرزقه الذرية الطيبة الصالحة، فتوجه بهذا الدعاء إلى الله قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨)﴾ [آل عمران: ٣٨]، وعلل رغبته هذه بالقول كما قال الله عنه ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ فكل هذا السياق يدل على أن بغية زكريا - ﵇ - أن يرزقه الله ابنًا صالحًا يرث علمه ونبوته.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: أي: عبدا صالحا ترضاه وتحببه إلى عبادك، والحاصل
_________________
(١) بحار الأنوار: (١/ ١٨٥).
[ ١٢٨ ]
أنه سأل الله ولدا، ذكرا، صالحا، يبق بعد موته، ويكون وليا من بعده، ويكون نبيا مرضيا عند الله وعند خلقه، وهذا أفضل ما يكون من الأولاد، ومن رحمة الله بعبده، أن يرزقه ولدا صالحا، جامعا لمكارم الأخلاق ومحامد الشيم. فرحمه ربه واستجاب دعوته (^١).
وقال السيد محمد حسين فضل الله في تفسيره: ليكون امتدادا للخط الرسالي الذين يدعو إلى الله ويعمل له، ويجاهد في سبيله، ولتستمر به الرسالة في روحه وفكره وعمله (^٢).
أما تفسير هذه الآية بأن المراد وراثة مال فإنها تؤدي إلى الإشكالات التالية:
١ - إن نبي الله زكريا - ﵇ - لم يكن غنيا حتى يُوَرِّث المال؛ بل كان نجارا يأكل من عمل يده، فهل الأولى أن نقول إن طلب نبي الله زكريا - ﵇ - ذرية طيبة وولدًا صالحًا يرثه يقصد منه وراثة المال الذي لا وجود له أصلًا؟ أم وراثة العلم والنبوة التي يتمتع بها زكريا - ﵇ - كما يفهم من سياق الآية: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾.
٢ - إذا قلنا إن وراثة يحيى لآل يعقوب وراثة مالٍ، فكيف يرث يحيى آل يعقوب، علمًا بأنها تطلق على بني إسرائيل جميعهم؟! والذي يجعلنا على يقين من أن قوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ يراد به العلم والنبوة هو ما كان عليه حال زكريا - ﵇ - من العلم والنبوة، ومن مقتضىت المنطق السليم أن نقول إن زكريا - ﵇ - إنما أراد أن يرث ابنه النبوة والحكمة، ودليل ذلك ما ذكره الله تعالى من منة على زكريا - ﵇ - حين أجاب دعاءه فقال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾ [آل عمران: ٣٩] فلم يذكر الله من بين هذه الأمور ما
_________________
(١) تيسير الكريم المنان: (١/ ٤٨٩).
(٢) تفسير من وحي القرآن (سورة مريم: ٦).
[ ١٢٩ ]
يتعلق بوراثة المال، وإنما ذكر السيادة والصلاح والنبوة، وهذا ما يبتغيه زكريا - ﵇ -.
المبحث الثاني: قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]
أخبر الله تعالى عمّا خصَّ به نبيه سليمان - ﵇ - من ميراث للنبوة والملك من أبيه داود - ﵇ - دون بقية أبنائه تفضلًا منه ﷾.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: أي: ورث علمه ونبوته فانضم علم أبيه إلى علمه، فلعله تعلم من أبيه ما عنده من العلم مع ما كان عليه من العلم وقت أبيه (^١).
وقال الشيخ محمد السبزواري النجفي: أي ورث الملك والنبوة بأن قام مقامه دون سائر بنيه وهم تسعة عشر (^٢).
هذا هو السياق الذي تدل عليه الآية، وتفسيرها على غير هذا الوجه كالقول بأن المراد وراثة مال مخالف لما تضمنته الآية من حكمة في اختصاص نبي الله سليمان - ﵇ - دون سائر إخوته، كما أنها مخالفة للوقائع التاريخية وتصطدم بالإشكالات التالية:
١ - من المعلوم تاريخيًا أن نبي الله داود - ﵇ - له الكثير من الزوجات والجواري، وله العديد من الأبناء، فهل من العدل أن يرث داود - ﵇ - واحدٌ من أبنائه فقط؟!
٢ - مما يؤيد أنَّ ميراث سليمان لداود ﵉ كان ميراث نبوة وملك، أنه لو كان متعلقًا بالمال لكان من الطبيعي أن يشترك فيه جميع الأخوة، ولما خُصَّ به سليمان من بين أبناء داود، ثم ما الفائدة من ذكر هذا الميراث الدنيوي في كتاب الله على سبيل الإخبار؟! لأنه من الطبيعي أن الولد يرث والده! فأين البلاغة أو الحكمة من ذكر شيء معلوم حدوثه ووقوعه
_________________
(١) تيسير الكريم المنان: (١/ ٦٠٢).
(٢) تفسير الجديد، وانظر: تفسير معين (سورة النمل: ١٦).
[ ١٣٠ ]
بين الناس؟!
وأخيرًا نقول: إنما سبق بيانه من نصوص يوضح لنا أن ميراث الأنبياء هو ما تركوه من علم وحكمة يهتدي بها الناس، وأن الله خص بعض أنبيائه بجعل النبوة في بعض ذريتهم ولأن نبينا محمد - ﵌ - هو خاتم الأنبياء والمرسلين فإن ما تركه من علم وحكمة هو لجميع أمته، ويتعزز هذا المعنى ويتضح مضمونه من خلال المناقشة التالية:
خامسًا: قد يقف البعض متسائلًا: هل فاطمة الزهراء ﵇ طلبت فدك من أبي بكر - ﵁ - على أنه من باب الإرث أم أنه كان هبة وهدية من أبيها - ﵌ - وهبها وأهداها إياها بعد فتح خيبر؟
ذلك أن المقصود من هذا التساؤل ستظهر ثمرته تحديدًا في نهاية القصة، فمن المتفق عليه أن فاطمة ﵇ بعد سؤالها لفدك من أبي بكر، وذكر أبو بكر دليله على المنع ذهبت ولم تكلمه، فهل كانت تريد هذا الشيء على أنه كان إرثًا أو هبة من أبيها - ﵌ -؟!
فإن كان إرثًا فالأنبياء لا يورثون لا دينارًا ولا متاعًا كما بينا في القول، وإن كان هبة وهدية أهداها النبي - ﵌ - لفاطمة، فلنا وقفة وتساؤل أيضًا في هذا.. فنقول:
١ - لم يعط النبي - ﵌ - فدك لفاطمة ﵇ في أي وقت من الأوقات، وقد علمت ذلك الزهراء ﵇ حين طلبت فدك من أبي بكر - ﵁ -، لأنها طلبته على أنه من باب الإرث، لا من باب الهبة، ومن المعلوم تاريخيًا أن فتح خيبر تم في أول السنة السابعة من الهجرة، وزينب بنت النبي - ﵌ - توفيت في السنة الثامنة، وأختها أم كلثوم توفيت في السنة التاسعة، فكيف يخص النبي - ﵌ - بالعطية فاطمة لوحدها ويدع أختها أم كلثوم وزينب عليهن السلام؟! فهذا اتهام صريح مباشر للنبي - ﵌ - من أنه كان يفرق بين أولاده، وحاشاه عن ذلك.
[ ١٣١ ]
٢ - وعلى سبيل الإفتراض، لو قلنا: إن أرض فدك كانت هبة لفاطمة ﵇ فهي إما أن تكون قد قبضتها وتصرفت فيها في حياة النبي - ﵌ - أو لم تقبضها؟
فإن كانت قبضتها، فلماذا تأتي أبا بكر - ﵁ - وتطالبه بما هو تحت يدها؟
وإن لم تكن قد تسلمتها فإن الهبة إذا لم تقبض تكون باطلة شرعًا، وتكون حينئذ للورثة بعد موت الواهب.
سادسًا: من المعلوم في الفقه لدى محبي أهل البيت! أنه ليس للنساء ميراث في عقار الأراضي بل يؤخذ لهن من قيمته، وهذا ما يروى عن الأئمة - ﵈ -:
فعن يزيد الصائغ قال: (سألتُ أبا عبد الله - ﵇ - عن النساء هل يرثن الأرض؟ فقال: لا ولكن يرثن قيمة البناء، قال: قلت فإن الناس لا يرضون بذا، فقال: إذا وُلينا فلم يرضوا ضربناهم بالسوط، فإن لم يستقيموا ضربناهم بالسيف) (^١).
وعن أبان الأحمر قال: (لا أعلمه إلا عن ميسر بياع الزطي، قال: سألته - يعني أبا عبدالله- عن النساء ما لهن من الميراث؟ قال: لهن قيمة الطوب والبناء والخشب والقصب وأما الأرض والعقارات فلا ميراث لهن فيها، قال: قلت: فالثياب؟ قال: الثياب لهن نصيبهن قال: قلت: كيف صار ذا ولهذه الثمن ولهذه الربع مسمى؟ قال: لأن المرأة ليس لها نسب ترث به، وإنما هي دخيل عليهم، وإنما صار هذا كذا كي لا تتزوج المرأة فيجيء زوجها أو ولدها من قوم آخرين فيزاحم قومًا في عقارهم) (^٢).
سابعًا: التعليل الصحيح لما جرى بين الزهراء وأبي بكر - ﵃ - هو الآتي:
أن سيدة نساء أهل الجنة ﵇ طالبت بما ظنته حقًا لها، ولما بيّن لها أبو بكر - ﵁ -
_________________
(١) الكافي: (٧/ ١٢٩)، وانظر: وسائل الشيعة: (٢٦/ ٧٠)، تهذيب الأحكام: (٩/ ٢٩٩).
(٢) الكافي: (٧/ ١٣٠).
[ ١٣٢ ]
سبب منعها من الميراث، ذهبت ﵇ ولم تكلمه في هذا الأمر مرة أخرى.
والذي يشهد لصواب ما ذهب إليه أبو بكر الصديق - ﵁ - ما سار عليه الإمام علي - ﵇ - حيث لم يعط أولاده من فاطمة ﵇ فدك حينما استلم خلافة المسلمين، وعندما سُئل في رد فدك قال: (إني لأستحي من الله أن أرد شيئًا منع منه أبو بكر، وأمضاه عمر) (^١) فإذا كان الحكم على أبي بكر - ﵁ - أنه كان ظالمًا لمنعه حق الزهراء ﵇، فهل ينطبق هذا الحكم على الإمام علي - ﵇ - والعياذ بالله- لأنه لم يُرجع لأولاده الحق في ميراث والدتهم؟ والمحب لأهل البيت وللمسلمين ينزه الجميع عن الظلم، ويبتعد عن سوء الظن بأبي بكر - ﵁ - وغيره، وهذا ما تبينه النقطتان الآتيتان:
ثامنا: لم يدّع أبو بكر الصديق - ﵁ - هذا المال لابنته عائشة أو لغيرها من أمهات المؤمنين، بل تضمن تحريم الميراث جميع أهل بيت النبي - ﵌ - (^٢) وما فعل أبو بكر الصديق - ﵁ - هذا الفعل إلا عملًا بوصية النبي، فهل تمسك أبي بكر بوصية النبي - ﵌ - خطأ؟!
تاسعا: لا يستلزم من عدم إعطاء أبي بكر الصديق - ﵁ - الميراث لفاطمة أن يكون مبنيًا على الكراهية والعداوة كما يروّج له أصحاب الفتن.
فالنبي - ﵌ - كذلك لم يعط ابنته فاطمة خادمة تساعدها على شؤون المنزل حينما طلبت منه، وهذا من المباح في الشرع، وفق المتيسر أو ما يراه صاحب الأمر، فهل نطعن كذلك في عدالة نبي هذه الأمة - ﵌ -؟!
قال الإمام علي - ﵇ - في حديث طويل: ( ثم قام رسول الله - ﵌ - لينصرف فقالت له فاطمة: يا أبتِ لا طاقة لي بخدمة البيت، فأخدمني خادمًا تخدمني وتعينني على أمر البيت
_________________
(١) شرح نهج البلاغة: (١٦/ ٢٥٢).
(٢) بحار الأنوار: (٢٩/ ٧٠).
[ ١٣٣ ]
فقال لها: يا فاطمة! أولا تريدين خيرًا من الخادم؟ فقال علي: قولي: بلى، قالت: يا أبت! خيرًا من الخادم؟ فقال: تسبحين الله ﷿، في كل يوم ثلاثًا وثلاثين مرة، وتحمدينه ثلاثًا وثلاثين مرة، وتكبرينه أربعًا وثلاثين مرة، فذلك مئة باللسان وألف حسنة في الميزان) (^١).
عاشرا: القول بأن النبي - ﵌ - كان يغضب لغضب فاطمة، قول صحيح ولا يختلف عليه اثنان، ولكن نقول إنَّ منع أبي بكر الصديق - ﵁ - لم يكن بقصد إغضابها؛ لأن المنع كان استجابة منه لأمر النبي - ﵌ -، وهذا لا يعيب أبا بكر الصديق - ﵁ -، ولا غيره إن فعله، كما لا يلزم منه أن كل غضب تغضبه الزهراء ﵇ يغضب لأجله النبي - ﵌ -.
فقد حدثت خلافات أسرية بين الإمام علي والزهراء مثل ما يقع بين الأزواج عادة، فهل يمكن الطعن في عدالة الإمام علي - ﵇ - على هذا الأساس، ونقول إنه أغضب رسول الله - ﵌ - لإغضابه الزهراء؟! كما تدل عليه الروايات التالية:
عن أبى ذر - ﵁ - قال: (كنت أنا وجعفر بن أبي طالب مهاجرين إلى بلاد الحبشة فأهديت لجعفر جارية قيمتها أربعة آلاف درهم، فلما قدِمنا المدينة أهداها لعلي - ﵇ - تخدمه فجعلها علي - ﵇ - في منزل فاطمة، فدخلت فاطمة ﵇ يوما فنظرت إلى رأس علي - ﵇ - في حجر الجارية، فقالت: يا أبا الحسن! فعلتها؟ فقال: لا، والله! يا بنت محمد! ما فعلت شيئًا، فما الذي تريدين؟ قالت: تأذن لي في المصير إلى منزل أبي رسول الله - ﵌ -؟ فقال لها: قد أذنت لك. فتجلببت بجلبابها، وتبرقعت ببرقعها، وأرادت النبي - ﵌ -، فهبط جبرائيل - ﵇ - فقال: يا محمد! إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: إن هذه فاطمة قد أقبلت إليك تشكو عليًا فلا تقبل منها في علي شيئًا!!، فدخلت فاطمة فقال لها رسول الله - ﵌ -: جئت تشكين عليًا؟ قالت: إي؛ ورب الكعبة! فقال لها: ارجعي إليه، فقولي له: رغِم أنفي
_________________
(١) كشف الغمة: (١/ ٣٦٢)، بحار الأنوار: (٤٣/ ١٣٤).
[ ١٣٤ ]
لرضاكَ) (^١).
وعن جعفر بن محمد - ﵁ - قال: (شكت فاطمة إلى رسول الله - ﵌ - عليًا، فقالت: يا رسول الله! لا يدع شيئًا من رزقه إلا وزعه على المساكين! فقال لها: يا فاطمة! أتسخّطيني في أخي وابن عمي، إن سخطه سخطي، وإن سخطي سخط الله ﷿) (^٢).
الحادي عشر: لنتذكر ابتداء أن من أهم أهداف أعداء الإسلام تفكيك وحدة المسلمين من خلال ترويج مقولات باطلة، ونشرأخبار مفتراة تتحدث عن وجود البغضاء والشحناء في الجيل الأول المبارك، ولوسألنا أنفسنا واستخدامنا عقولنا، ماذا سنستفيد من قصص تلوكها بعض الألسنة ويُرَدِّدها بعض المسلمين في مجالسهم سنويًا بقصد إثارة العواطف وتهييج النعرات للوصول إلى حالة نفسية نهايتها إثارة شائعات تروج لوجود عداوة مترسخة تجاه أهل بيت النبي - ﵌ -، ذلك أن المنصف العاقل لو فتش فيما فعله أبو بكر - ﵁ - تجاه فاطمة ﵇ عند مطالبتها بأرض فدك، لوجد أن ما حكم به أبو بكر الصديق تجاه فدك ما كان إلا بموجب نص شرعي مستقى من قول المعصوم - ﵌ - الذي طاعته أمر مفروض، فما ذنبه تجاه ما أمر به فانقاد إليه؟! ولذا ماذا سنقول لمن يطعن من النواصب في سيدة نساء أهل الجنة ويقول: غريب أمر فاطمة! تغضب وتخالف عموم المسلمين، حتى يصل خصامها وغضبها للهجر الأبدي الذي ينهى عنه الإسلام، وما كان ذلك إلا عن هوى وعناد في نفسها، رغبة في جمع المال وأوساخ الدنيا الفانية، كما حدث بينها وبين خليفة رسول الله أبي الصديق في طلبها للميراث، وعدم الامتثال لوصية أبيها النبي - ﵌ -، وكانت أيضا قبل ذلك كثيرة الإزعاج للنبي - ﵌ - في احتجاجها المتواصل على زواجها من علي بن أبي طالب بسبب فقره وقلة ماله
_________________
(١) علل الشرائع: (١/ ١٦٣)، المناقب: (٣/ ٣٤٢)، بحار الأنوار: (٣٩/ ٢٠٨).
(٢) بحار الأنوار: (٤٣/ ١٥٣)، وانظر كشف الغمة: (١/ ٤٧٣).
[ ١٣٥ ]
في بداية زواجهما، وبعد ذلك، وهذا ما ذكرته الروايات الثابتة، فعن أبي إسحاق السبيع عن الحارث، عن علي قال: (إن فاطمة شكت إلى رسول الله - ﵌ -، فقال: ألا ترضين أني زوجتك أقدم أمتي سلمًا، وأحلمهم حلمًا، وأكثرهم علمًا؟ أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة، إلا ما جعل الله لمريم بنت عمران، وأن ابنيك سيدا شباب أهل الجنة) (^١).
وعن أبي صالح عن ابن عباس: (أن فاطمة ﵇ بكت للجوع والعري، فقال النبي - ﵌ -: اقنعي -يا فاطمة- بزوجك، فوالله: إنه سيد في الدنيا سيد في الآخرة، وأصلح بينهما) (^٢).
فيا أيها المحب لأهل بيت النبي - ﵌ -: أترضى أن تكون في زمرة المبغضين الحاقدين لأهل البيت الطاهرين كالنواصب وغيرهم؟ أو أنك تدافع عن حمى أهل بيت نبيك - ﵌ - من خلال تمسكك بالهدي الصحيح المبارك، مع سلامة قلبك تجاه من كانوا مع سيد البشر محمد - ﵌ -؟ فأي الفريقين تختار؟
_________________
(١) أمالي الطوسي: (٢٤٨).
(٢) المناقب: (٣/ ٣١٩)، بحار الانوار: (٢٤/ ٩٩).
[ ١٣٦ ]
السؤال السابع: «القول بإهانة أبي بكر لفاطمة»:
لو قال لنا قائل: ماذا تقول فيما فعله أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد - ﵃ - بعد وفاة النبي - ﵌ - عند مهاجمتهم بيت الإمام علي - ﵇ -، وقيامهم بربطه، وضرب زوجته حتى كسروا ضلعها وأسقطوا جنينها، ثم أحرقوا منزلهم، على ما ذكرت الروايات التاريخية، فهل مثل هذه الأفعال المشينة تدل على الحب والوئام، أم على السخط والكراهية والشقاق لأهل بيت النبي - ﵌ -؟
الجواب:
أولًا: لا ينبغي لطالب الحق أن ينجرف بمجرد أن يقرأ رواية تاريخية وغيرها تتكلم عن أحبابه، ولا يعرف مصدرها، فضلًا عن أن يعلم صحيحها من سقيمها، ثم يحدث بها وينشرها بين العامة، والغريب أن نجد من يطلق العنان للعاطفة متأثرًا بهذه الروايات فيمتلئ قلبه حقدًا وبغضًا لأصحاب النبي - ﵌ - دون تأمل في سذاجة من افتراها، ودون تأمل لبيان مناقضتها لكرامة أمير المؤمنين وشجاعته المعروفة.
لكن الواجب على من يحب أهل بيت النبي - ﵌ - أن يجتهد ويتحرى، حتى يكون دقيقًا في أخذه للروايات، فيتمسك بالصحيح الذي تنطبق عليه قواعد وشروط الحديث الصحيح ولا يغتر بكثرة الروايات الموضوعة في حادثة معينة ولو اشتهرت.
ثانيًا: إن هذه القصة من الأكذوبات التي يستخدمها أهل الفتن في تمزيق وتفريق صفوف المسلمين، لذلك فإننا نطالب كل باحث للحق أن يجتهد ويبحث عن رواية واحدة صحيحة تثبت وتسند تلك القصة المختلقة، وتنطبق عليها قواعد وشروط الحديث الصحيح، من اتصال في السند، ومن رواية العدل الإمامي الضابط في حفظه.
[ ١٣٧ ]
ومن الغريب أننا نجد كثيرًا من المتمسكين بهذه القصة يؤمنون يقينًا بتلك الرواية، تبعًا للعاطفة ولا ينظرون في صحة الإسناد وضعفه!
قال السيد هاشم معروف الحسني بعد ما أورد الروايات التي تتحدث عما جرى للزهراء ﵇.. إلى كثير من الروايات التي لا تثبت أسانيدها في مقابل النقد العلمي (^١).
وقال أيضًا: ومهما كان الحال، فالحديث عن فدك وميراث الزهراء من أبيها ومواقفها من ذلك ومن الخلافة طويل وكثير، وبلا شك فإن الأصحاب والأعداء قد وضعوا القسم الأكبر مما هو بين أيدي الرواة ولا يثبت بعد التمحيص والتدقيق في تلك المرويات إلا قليل القليل (^٢).
وقال كاشف الغطاء: ولكن قضية ضرب الزهراء، ولطم خدها، مما لا يكاد يقبله وجداني، ويتقبله عقلي، ويقتنع به مشاعري، لا لأن القوم يتحرجون ويتورعون من هذه الجرأة العظيمة، بل لأن السجايا العربية والتقاليد الجاهلية -التي ركزتها الشريعة الإسلامية وزادتها تأييدًا وتأكيدًا- تمنع بشدة أن تضرب المرأة (^٣).
وقد سئل السيد الخوئي عن صحة رواية كسر ضلع الزهراء فأجابهم: على المشهور، ولم يحكم بصحتها (^٤).
ثالثًا: قد يقول قائل: إن عليا أُمِر بعدم مقاتلة الصحابة حين اعتدوا على زوجه سيدة نساء العالمين ﵇، لحفظ راية الإسلام من سقوطها وافتراق أهل الملة بعد وفاة النبي - ﵌ -، وأمره بالصبر على أذاهم.
_________________
(١) انظر: سيرة الأئمة الاثني عشر: (١/ ١٣٣).
(٢) المصدر السابق: (١/ ١٤٠).
(٣) انظر: جنة المأوى: (ص: ١٣٥).
(٤) انظر: صراط النجاة: (٣/ ٣١٤).
[ ١٣٨ ]
ويمكننا أن نقول: إن هذه المقولة أبعد ما تكون عن الصحة، وعلى فرض التسليم بصحتها فلنا أن نتساءل: لماذا قاتل أمير المؤمنين - ﵇ - يوم الجمل طلحة وأم المؤمنين عائشة لما خرجوا إلى الكوفة - وكان هو في مكة - ثم قاتل بعد ذلك جيش معاوية في صفين، وكذلك في النهروان قاتل الخوارج؟! ولم وقع منه كل هذا القتال وسفك الدماء أليس في تلك الفعال دلالة منه على نبذ وصية النبي - ﵌ - بعدم تفريق جماعة المسلمين؟!
لكن الصحيح الذي يتسق مع مجريات الواقع أن عليًا لم يأمره أحد بعدم المقاتلة إن وقع عليه ظلمٌ أو انتهكت حرمات الله، ومن ذلك ما يُدَّعى من وقوع ظلم على زوجه الكريمة وأنه لم ينتصر لها، وهذه الرواية قبل أن يتلفظ بها لسان مسلم عليه أن يتذكر حال أمير المؤمنين وغيرتَه على دين الله، ثم على أهله، وقد ثبت أن النبي - ﵌ - قال: (من قتل دون ماله فهو شهيد) (^١).
وعن الإمام الصادق - ﵇ - أنه قال: (من قُتِل دون مظلمته فهو شهيد) (^٢)، فهل هذا المعتقد خافٍ عن أمير المؤمنين وفارس الشجعان؟!
وحذار أن يتلفظ مسلم عاقل بكلام يكون عليه لا له، وليس فيه نصرة لأهل بيت النبي - ﵌ - ذلك أن من يدعي أن عليًا قاتل جيش طلحة، ومن بعده أهل صفين نصرة لقضية الإمامة فلِمَ كان بعيدًا عن نصرة أهل بيته حين ضربوا حتى كادوا أن يموتوا؟!
إن هذا الأمر يأنف منه ضعفاء البشر فضلًا عن فضلائهم وأصحاب المكانة.
رابعا: يستطيع كل صاحب فتنة -لا يتقيد بالروايات الصحيحة- أن يروي روايات بلا أسانيد صحيحة، لمجرد وجودها وانتشارها في بعض الكتب التاريخية أو الأدبية، ويؤمن بها
_________________
(١) صحيح البخاري: (٣/ ١٣٦).
(٢) انظر الكافي: (٥/ ٥٢)، تهذيب الأحكام: (٦/ ١٦٧)، وسائل الشيعة: (١٥/ ١٢١).
[ ١٣٩ ]
بعد ذلك، وتصبح عنده من المسلمات اليقينية التي لا تقبل التشكيك في صحتها.
بل يستطيع كذلك كل مبغض وكاذب على العترة - ﵈ - أن يدعي أن قضية ضرب الزهراء وإسقاط جنينها وإحراق بيتها مؤامرة مدبرة، قام بها أبو بكر وعمر بالاشتراك مع زوجها الإمام علي، في سبيل القضاء على الزهراء ﵇.
ويكون هذا الهذيان والاتهام الباطل مبنيًا وفق زعم ذلك الحاقد على دلائل ومؤشرات يستنبطها من القصة المختلقة نفسها، وتكون وفق زعمه كالآتي:
١ - قام أمير المؤمنين علي - ﵇ - بتمثيلية متقنة حين وافق على تقييده عن طريق الصحابة عند دخولهم المنزل وعلى ضربه، ليوهم أهل بيته بأنه ضحية هذا التجمع والتآمر، من قبل شخص عمره تجاوز الستين، والآخر جاوز الثالثة والخمسين، مع العلم بأن قوة أمير المؤمنين - ﵇ - لا يقاومها أحد من الإنس والجن، مثل ما نقل عنه أنه اقتلع باب خيبر العظيم لوحده بينما لا يستطيع حمله أربعون رجلًا.
٢ - أن اعتذار وتحجج أمير المؤمنين - ﵇ - عن عدم مقاومته للصحابة بسبب حرصه على حقن دماء المسلمين حجة واهية؛ لأن الصحابة قد ارتدوا بعد وفاة النبي إلا ثلاثة وفق ما تقرره الروايات عن أهل البيت - ﵈ -! فهل كان مقصود أمير المؤمنين - ﵇ - بدماء المسلمين هؤلاء الثلاثة فقط؟!! وهل دماء الصحابة أغلى وأزكى عنده من دم الزهراء ﵇ فلا يحافظ عليها ويدافع عنها؟!!
٣ - تزوج أمير المؤمنين علي - ﵇ - بعد وفاة الزهراء بتسع ليال بامرأة من بني حنيفة ولقب ولدها بابن الحنفية، ووافق بعد ذلك على تزويج أم كلثوم ابنة الزهراء ﵇ لعمر بن الخطاب أحد أعضاء المؤامرة، مما يدل على حرصه على توثيق الصلة مع أعداء زوجته، وعلى عدم حبه ووفائه للزهراء ﵇.
[ ١٤٠ ]
٤ - عندما أصبح الإمام علي قاضيًا ووزيرًا في زمن الخليفة الأول والثاني، كان هذا مثل المكافأة جزاء لما قام به من إتقانه للدور.
٥ - حرصه على تسمية أولاده بأسماء أبي بكر (^١) وعمر وعثمان، وتزوجه بأرملة أبي بكر فيه الدلالة على حرصه وافتخاره بما صنعوا في الماضي وسعيه إلى تخليد ما قاموا به من أعمال ولو كانت ضد الزهراء.
٦ - لم يعط أمير المؤمنين علي - ﵇ - أولاد فاطمة الزهراء ميراثهم من والدتهم من فدك حينما استلم خلافة المسلمين، وسار على طريقة أصحابه الخلفاء من قبله، بل ولم يمنع التراويح ولا أعاد المتعة.
فهل يقبل المحب لأهل البيت - ﵈ - أن ينسب ناصبيٌ مبغضٌ مثل هذه التهم لأصحاب النبي - ﵌ - بضربهم للزهراء وإحراق بيتها، ثم يقول بتخاذل أمير المؤمنين عن نصرتها ويستند إلى مرويات مكذوبة، ليست لها عند التأمل قيمة علمية، أم ينافح ويبين الصواب والحق الذي يجمع ولا يفرق؟!
_________________
(١) تأمل أخي الكريم أن الاسم هنا كنية، وهذا تعبير جلي من أمير المؤمنين - ﵇ - عن حبه لعبدالله بن أبي قحافة (الصديق) إذ أن هذه الكنية لم تشتهر لأحدٍ إلا له - ﵁ -.
[ ١٤١ ]
السؤال الثامن: «موقف خالد بن الوليد من مالك بن نويرة وزوجته»:
ماذا تقول عن موقف أبي بكر الصديق، وما وقع في أول خلافته من إرساله الصحابة بقيادة خالد بن الوليد وإستباحتهم دماء المسلمين لمجرد جهلهم المتمثل في عدم دفع الزكاة مثل ما فعلوا بقوم مالك بن نويرة، وقتل خالد له، ودخوله على زوجة مالك في نفس الليلة؟
الجواب:
أولًا: الزكاة أهم ركن من أركان الإسلام بعد الشهادتين والصلاة، وهي حق للفقراء والمساكين وغيرهم من مال الأغنياء، ولهذا كثيرًا ما يقرن الله ما بين الصلاة والزكاة في كتابه العزيز، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾ [البقرة: ١١٠].
وعن أبي جعفر - ﵇ - قال: (إن الله ﷿ قرن الزكاة بالصلاة فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فمن أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة لم يقم الصلاة) (^١).
وعن محمد بن مسلم وأبي بصير وبريد وفضيل كلهم عن أبي جعفر وأبي عبد الله - ﵁ - قالا: (فرض الله الزكاة مع الصلاة) (^٢)، لذلك فإن الحكم في تارك الزكاة كالحكم في تارك الصلاة ألا وهو القتل، وهذا ما أثبته الثقلان: (كتاب الله والأئمة - ﵈ -).
قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
_________________
(١) الكافي: (٣/ ٥٠٦)، من لا يحضره الفقيه: (٢/ ١٠)، وسائل الشيعة: (٩/ ٢٢).
(٢) الكافي: (٣/ ٤٩٧)، وسائل الشيعة: (٩/ ١٣).
[ ١٤٣ ]
رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: ٥]، وعن أبان بن تغلب قال: قال لي أبو عبد الله - ﵇ -: (دمان في الإسلام حلال من الله، لا يقضي فيهما أحد حتى يبعث الله قائمنا أهل البيت، فإذا بعث الله ﷿ قائمنا أهل البيت حكم فيهما بحكم الله، لا يريد عليهما بينة: الزاني المحصن يرجمه، ومانع الزكاة يضرب عنقه) (^١).
وعن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن ابن مسكان يرفعه، عن رجل، عن أبي جعفر - ﵇ - قال: (بينا رسول الله - ﵌ - في المسجد إذ قال: قم يا فلان! قم يا فلان! قم يا فلان! حتى أخرج خمسة نفر فقال: اخرجوا من مسجدنا لا تصلوا فيه وأنتم لا تزكون) (^٢).
ثانيًا: من المعلوم وفق الروايات التاريخية - التي رواها كبار العلماء - أنه قد ارتد الكثير من الأعراب عن الإسلام بعد موت النبي - ﵌ -، وترك بعضهم الزكاة وغيرها.
وقد ذكر الطوسي في الأمالي عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم، قال: ارتد الأشعث بن قيس وأناس من العرب لما مات النبي - ﵌ -، فقالوا: نصلي ولا نؤدي الزكاة، فأبى عليهم أبو بكر ذلك، وقال: لا أحُلّ عقدة عقدها رسول الله - ﵌ -، ولا أنقصكم شيئًا مما أخذ منكم نبي الله - ﵌ - ولأجاهدنكم، ولو منعتموني عقالا مما أخذ منكم نبي لجاهدتكم عليه، ثم قرأ
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] (^٣).
ولتدارك هذا الموقف أرسل أبو بكر الصديق - ﵁ - جيوش المسلمين بقيادة خالد بن
_________________
(١) الكافي: (٣/ ٥٠٣)، من لا يحضره الفقيه: (٢/ ١٢)، وسائل الشيعة: (٩/ ٣٣)، مستدرك الوسائل: (٧/ ٢٥)، بحار الأنوار: (٥٢/ ٣٢٥).
(٢) الكافي: (٣/ ٥٠٣)، من لا يحضره الفقيه: (٢/ ١٢)، وسائل الشيعة: (٩/ ٢٤)، تهذيب الأحكام: (٤/ ١١١).
(٣) الأمالي للطوسي: (ص: ٢٦٢)، بحار الأنوار: (٢٨/ ١١).
[ ١٤٤ ]
الوليد - ﵁ - لمحاربة هؤلاء المرتدين، ومن بين هؤلاء قوم مالك بن نويرة (^١)، الذين امتنعوا عن دفع الزكاة.
ثالثًا: شنع الكثير من أهل الأهواء والفتن على أبي بكر الصديق - ﵁ - في إرساله خالد بن الوليد في الغزوات والحروب، واتخذوا مسارعة وحزم خالد بن الوليد مع أعداء الإسلام ذريعة لاتهامه بقتل الناس واستباحة أموالهم زورا وبهتانًا، ومن ثم الطعن فيه وإخفاء حسناته بقصد تشويه تاريخه ومكانته في الإسلام.
ونقول لهؤلاء إن أبا بكر - ﵁ - فعل ذلك أسوة بالنبي - ﵌ - الذي أمَّر خالد بن الوليد في عدة سرايا وبعوثٍ خاصةً في آخر حياته - ﵌ -، كبعثه إلى الطائف، وأهل اليمن، وهدم العزى والبحرين، ودومة الجندل، وغيرها كثير، وهذه المزايا والصفات القيادية التي اتصف بها خالد بن الوليد - ﵁ -، تجعلنا نكرمه ونقدر دوره في دك معاقل الكفر، ولا ندعي الكمال والعصمة فيه ولا في غيره من الصحابة - ﵃ -.
رابعًا: قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]، هذه الشروط الثلاثة التي ذكرها الله في الآية: (الاستخلاف في الأرض، والتمكين لدين الله، وإبدال الخوف بالأمن) توفرت في زمن الصحابة - ﵃ -، ولم يحصل ذلك إلا حينما قاتلوا المرتدين بعد وفاة النبي - ﵌ -، وأسقطوا دولتي فارس والروم.
خامسًا: إن قصة قتل خالد بن الوليد - ﵁ - لمالك بن نويرة، جاء فيها ثلاث روايات:
_________________
(١) انظر: (ص: ٩٦) من هذا الكتاب.
[ ١٤٥ ]
الأولى: أن خالد بن الوليد - ﵁ - جاء لمالك بن نويرة وقومه، فقال لهم: أين زكاة الأموال؟ ما لكم فرقتم بين الصلاة والزكاة؟
فقال مالك بن نويرة: إن هذا المال كنا ندفعه لصاحبكم في حياته، فمات، فما بال أبي بكر؟ فغضب خالد بن الوليد وقال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟ فأمر ضرار بن الأزور أن يضرب عنقه.
وقيل: إن مالك بن نويرة قد تابع سجاح التي ادعت النبوة.
وهناك رواية ثالثة وهي: أن خالد بن الوليد - ﵁ - لما كلم قوم مالك بن نويرة، وزجرهم عن هذا الأمر وأسَرَ منهم من أسر، قال لأحد حراسه: أدفئوا أسراكم؟ وكانت ليلة شاتية وكان من لغة ثقيف (أدفئوا الرجل) تعني: اقتلوه، فظن الحارس أن خالدًا - ﵁ - يريد القتل فقتلهم وفق فهمه بدون أمر خالد بن الوليد - ﵁ -.
ولو تمسكنا بأي رواية مما سبق، فإن كان الخطأ قد وقع من خالد بن الوليد في قتل مالك بن نويرة، فإن العذر يلحقه من باب قتله لمانع للزكاة، أو لمتابعة لسجاح الكذابة، أو أنه كان متأولًا، وهذا التأويل ليس بمسوغ لإقامة الحد والقصاص على خالد - ﵁ -. ومثل ما وقع فيه خالد - ﵁ - من خطأ، فإنه قد حدث مثله مع الصحابي الجليل أسامة بن زيد - ﵄ -، حينما تأول في قتل الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، ولم يوجب النبي - ﵌ - عليه دية أو كفارة.
قال القمي في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤]: إنها نزلت لما رجع رسول الله - ﵌ - من غزوة خيبر، وبعث أسامة بن زيد في خيل إلى بعض قرى اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الإسلام، وكان رجل من اليهود يقال له: مرداس بن نهيك الفدكي في بعض القرى، فلما أحس بخيل رسول الله - ﵌ - جمع أهله وماله، وصار في ناحية
[ ١٤٦ ]
الجبل، فأقبل يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فمر به أسامة بن زيد فطعنه وقتله، فلما رجع إلى رسول الله - ﵌ - أخبره بذلك، فقال له رسول الله - ﵌ -: (قتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ فقال: يا رسول الله إنما قالها تعوذًا من القتل! فقال رسول الله - ﵌ -: فلا شققت الغطاء عن قلبه، لا ما قال بلسانه قبلت، ولا ما كان في نفسه علمت، فحلف أسامة بعد ذلك أنه لا يقاتل أحدًا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله) (^١).
سادسًا: القول بأن خالدا - ﵁ - قتل مالك بن نويرة، ثم تزوج امرأته في تلك الليلة قول باطل لا يستند إلى رواية صحيحة، وما قيل بشأن ذلك إتهام باطل.
خاصة إذا علمنا ان أهل الأهواء والفتن لم تكن لهم قدوة حسنة في حبهم لأصحاب النبي - ﵌ -، ولا الإنصاف لهم أو حسن الظن بهم، بل إنهم يهرعون إلى الروايات الضعيفة المتناثرة في الكتب مع تحريفهم لمعانيها، وتأويلهم لها تأويلًا باطلًا، كما هو الحال في قصة زواج خالد بن الوليد - ﵁ - من امرأة مالك بن نويرة، إذ جعلوا خالدًا - ﵁ - يحرص على قتل مالك لأجل الظفر بزوجته، وهذا من البهتان.
وهذا القول ليس بمستغرب على من يريد أن ينشر الفتنة في الناس من خلال الطعن في أصحاب النبي - ﵌ -، بل يستطيع كل صاحب فتنة أن يتأول ويحرف القصص والروايات والتاريخ على وفق ما يهواه من الكذب وغيره، من دون الرجوع إلى الأسانيد الصحيحة الموافقة للصواب، لهذا السبب نفسه استطاع المستشرقون أن يطعنوا في النبي - ﵌ - كما طُعن في خالد بن الوليد.
_________________
(١) تفسير القمي: (١/ ١٤٨)، بحار الأنوار: (٢١/ ١١)، مستدرك الوسائل: (١٦/ ٧٩).
[ ١٤٧ ]
فماذا سنقول ونرد لو قال لنا أحد المستشرقين الحاقدين: إن النبي - ﵌ - قد نظر إلى امرأة زيد بن حارثة وهي تغتسل وأعجب بها، وطلقها من زوجها حتى تحل له.
قال الرضا - ﵇ -: (إن رسول الله - ﵌ - قصد دار زيد بن حارثه بن شراحيل الكلبي في أمر أراده فرأى امرأته تغتسل فقال لها: سبحان الذي خلقك! وانما أراد بذلك تنزيه الباري ﷿ عن قول من زعم إن الملائكة بنات الله، فقال الله ﷿: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [الإسراء: ٤٠] فقال النبي: لما رآها تغتسل: سبحان الذي خلقك أن يتخذ له ولدًا يحتاج إلى هذا التطهير والاغتسال، فلما عاد زيد إلى منزله أخبرته امرأته بمجيء رسول الله - ﵌ - وقوله لها: سبحان الذي خلقك! فلم يعلم زيد ما أراد بذلك، وظن أنه قال ذلك لما أعجبه من حسنها، فجاء إلى النبي - ﵌ - وقال له: يا رسول الله! إن امرأتي في خلقها سوء، وإني أريد طلاقها! فقال النبي - ﵌ -: أمسك عليك زوجك واتق الله.
وقد كان الله ﷿ عرفه عدد أزواجه وأن تلك المرأة منهن فأخفى ذلك في نفسه ولم يبده لزيد وخشى الناس أن يقولوا: إن محمدًا يقول لمولاه: إن امرأتك ستكون لي زوجة، يعيبونه بذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] يعنى بالإسلام، ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ يعني بالعتق، ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ثم إن زيد بن حارثة طلقها واعتدت منه، فزوجها الله ﷿ من نبيه محمد - ﵌ - وأنزل بذلك قرآنا، فقال ﷿: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ [الأحزاب: ٣٧]) (^١).
_________________
(١) عيون أخبار الرضا: (١/ ٢٠٣)، الاحتجاج: (٢/ ٤٣١)، بحار الأنوار: (٢٢/ ٢١٦).
[ ١٤٨ ]
فالحاقدون من الكفار والمنافقين الظانين بالله ظن السوء يطيرون فرحًا بمثل هذه الأقاويل الواهية، لكن المحب للنبي - ﵌ - وصحابته لا يحرف الكلم، ولا يختلق القصص الباطلة والروايات الموضوعة، فينزه النبي - ﵌ - عن كل زلة أو هفوة تخل بعصمته، ويلتمس العذر لأصحاب النبي - ﵌ -، ويحسن الظن بهم إن وقع منهم ما يظن أنه زلة أو هفوة.
أما إن ثبت من الصحابة - ﵃ - ما يفيد الخطأ برواية معتمدة مقبولة، فإن الواجب على المسلم أن لا يُظهر المساوئ ويطير فرحا بصيدها، بل عليه أن يقذفها في بحار حسناتهم ويغضُ الطرف عنها ويمسك اللسان عن بيانها؛ لأن دلالة الحب العفو والصفح والغفران لأهل الفضل والإيمان، وأما الروايات الباطلة، فهي كما قال الله ﵎: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ [الرعد: ١٧].
[ ١٤٩ ]