ابْن بَطَّال: فِي هَذِهِ الآيَة وَالْحَدِيث دَلالَة عَلَى أَنَّ للهِ وَجْهًا وَهُوَ مِنْ صِفَة ذَاته، وَلَيْسَ بِجَارِحَةٍ (١)، وَلا كَالْوُجُوهِ الَّتي نُشَاهِدهَا مِنْ الْمَخْلُوقِينَ.
٢ - اليدان: وهما يدان حقيقيتان لله تعالى تليقان به، وليستا بجارحتين. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى]. قال الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ
_________________
(١) جاء في "كتاب أضواء البيان" للشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى ج ٧ ص ٣٦٧ ما يلي: (كل لفظ دل على صفة الخالق، ظاهره المتبادر منه أن يكون لائقًا بالخالق، منزهًا عن مشابهة صفات المخلوق. وكذلك اللفظ الدال على صفة الخلوق، لا يعقل أن تدخل فيه صفة الخالق، فالظاهر المتبادر من لفظ "اليد" بالنسبة للمخلوق، هو كونها جارحة: هي عظم ولحم ودم، وهذا هو الذي يتبادر إلى الذهن في نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. والظاهر المتبادر من "اليد" بالنسبة للخالق في نحو قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، أنها صفة كمال وجلال، لائقة بالله جل وعلا، ثابتة له على الوجه اللائق بكماله وجلاله). أ. هـ وبهذا المعنى يُفهم لفظ "الجارحة" في كل ما سيأتي إن شاء الله تعالى. (قل).
[ ٢٦ ]
مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]. وقال النبى - ﷺ - " «يَمِينُ اللهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ" إلى قوله: "وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضَ، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ» [رواه مسلم، ورواه البخاري بمعناه].
وأجمع السلف على إثبات اليدين لله، فيجب إثباتهما له بدون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، مع مراعاة أن كِلتا يدي الرحمن يمين، لقوله - ﷺ -: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ﷿، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا» [رواه مسلم].
الأوجه التي وردت عليها صفة اليدين وكيف نوفق بينها:
الأول: الإفراد كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]. الثاني: التثنية: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]. الثالث: الجمع كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس:٧١]. والتوفيق بين هذه الوجوه أن نقول: الوجه الأول مفرد مضاف، فيشمل كل ما ثبت لله من يدٍ، ولا ينافى الثنتين، وأما الجمع ﴿أَيْدِينَا﴾ فهو للتعظيم،
[ ٢٧ ]
لا لحقيقة العدد الذي هو ثلاثة فأكثر، وحينئذٍ لا ينافى التثنية، على أنه قد قيل: إن أقل الجمع اثنان، فإذا حمل الجمع على أقله، فلا معارضة بينه وبين التثنية أصلًا.
فائدة: الأشياء التي خلقها الرحمن بيده:
جاء في "كتاب العقيدة في الله" ما مختصره: المخلوقات التي خلقها الله تعالى بيده، وذكرها لنا -سبحانه- في كتابه، أو وردت في سنة رسوله - ﷺ - هي:
أ- آدم: وفي ذلك يقول الله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وفي حديث احتجاج آدم وموسى -﵉- "قال موسى لآدم: أنت الذي خلقك الله بيده، "قَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ" [رواه مسلم].
ب- كتب- سبحانه- التوواة بيده: ورد في بعض روايات حديث المحاجَّة بين آدم وموسى -﵉-: أن آدم قال لموسى: "أَنْتَ مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ" [صحيح سنن أبي داود]. وفي رواية في "الصحيحين": "اصْطَفَاكَ اللهُ بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ".
[ ٢٨ ]