القسم الأول: إرادة كونية
السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق].
قال ابن كثير ﵀: [في هذه الآية، تقرير للمعاد، لأن من قدر على خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن، قادر على أن يحي الموتى بطريق الأَولى والأَحرى، وقال قتادة: قالت اليهود عليهم لعائن الله: خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع وهو يوم السبت، وهم يسمونه يوم الراحة، فأنزل الله تعالى تكذيبهم فيما قالوه وتأولوه ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ أي: من إعياء ولا تعب ولا نصب.
١١ - الإرادة والمشيئة: جاء فى شرح "العقيدة الواسطية" لابن عثيمين -رحمه الله تعالى- ص ١٨٣، ١٨٤:
تنقسم الإرادة إلى قسمين:
القسم الأول: إرادة كونية: وهذه الإرادة مرادفة تمامًا للمشيئة، فـ "أراد" فيها بمعنى "شاء"، وهذه الإرادة:
[ ٤٥ ]
القسم الثاني: إرادة شرعية
أولًا: تتعلق فيما يحبه الله وفيما لا يحبه. وعلى هذا فإذا قال القائل: هل أراد الله الكفر؟ فقل: بالإرادة الكونية نعم أراده، ولو لم يرده الله ﷿ ما وقع.
ثانيًا: يلزم فيها وقوع المراد، يعنى: أن ما أراده الله فلا بد أن يقع، ولا يمكن أن يتخلف.
القسم الثاني: إرادة شرعية: وهى مرادفة للمحبة، فـ "أراد" فيها بمعنى "أحب" فهي:
أولًا: تختص بما يحبه الله، فلا يريد الله الكفر بالإرادة الشرعية ولا الفسق.
ثانيًا: أنه لا يلزم فيها وقوع المراد، بمعنى أن الله يريد شيئًا ولا يقع، فهو سبحانه يريد من الخلق أن يعبدوه، ولا يلزم وقوع هذا المراد، قد يعبدونه وقد لا يعبدونه، بخلاف الإرادة الكونية.
فصار الفرق بين الإرادتين من وجهين:
١ - الإرادة الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والشرعية لا يلزم.
[ ٤٦ ]
٢ - الإرادة الشرعية تختص فيما يحبه الله، والكونية عامة فيما يحبه الله وما لا يحبه.
فإذا قال قائل: كيف يريد الله تعالى كونًا ما لا يحبه؛ بمعنى: كيف يريد الكفر أو الفسق أو العصيان وهو لا يحبه؟! فالجواب: أن هذا محبوب إلى الله تعالى من وجه، مكروه إليه من وجه آخر، فهو محبوب إليه لما يتضمنه من المصالح العظيمة (١)، مكروه إليه لأنه معصية.
ولا مانع من أن يكون الشيء محبوبًا مكروهًا باعتبارين، فها هو الرجل يقدم طفله الذي هو فلذة كبده وثمرة فؤاده، يقدمه إلى الطبيب ليشق جلده ويخرج المادة المؤذية فيه، ولو أتى أحد من الناس يريد أن يشقه بظفره وليس بالمشرط، لقاتله، لكن هو يذهب إلى الطبيب ليشقه، وهو ينظر إليه، وهو فرح مسرور، يذهب به إلى الطبيب ليحمى الحديد على النار حتى تلتهب حمراء، ثم يأخذه ويكوى بها ابنه، وهو
_________________
(١) فلولا الكفر مَا كان هناك قتال بين المسلمين والكفار، ولولا الكفر والعصيان ما كان هناك غضب لله الواحد الدَّيَّان. (قل).
[ ٤٧ ]
الناحية الأولى
راض بذلك، لماذا يرضى بذلك وهو ألم للابن؟! لأنه مراد لغيره للمصلحة العظيمة التي تترتب على ذلك. اهـ. [من شرح العقيدة الواسطية].
فالخلاصة أن الإرادة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: إرادة كونية: بمعنى ما يشاء الله، لا بمعنى ما يحبه، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. مثال ذلك: خلق الله البشر: هذا أبيض، هذا أسمر.
القسم الثاني: إرادة دينية شرعية تتعلق بالطاعة، سواء وقعت أم لا، فهي بمعنى ما يحبه الله تعالى، وليست بمعنى ما يشاءه، ولا يلزم من محبة الله تعالى للشىء أن يقع.
ومما تقدم يظهر الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية من عدة نواحي:
الناحية الأولى: أ- الإرادة الكونية: لا بد من وقوعها: كطلوع الشمس من المشرق.
[ ٤٨ ]