الفصل الأول: دلالة السورة على توحيد الأسماء والصفات
المبحث الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات
المبحث الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات
هو: أن يعتقد العبد اعتقادًا جازمًا أن ما أخبر الله في كتابه من أوصافه العليا، وأسمائه الحسنى، وكذا ما جاءت به الأحاديث الصحيحة من أسمائه وصفاته هي على ما يليق بجلاله وعظمته وكبريائه.
جاء في لوامع الأنوار: "وتوحيد الصفات أن يوصف الله - تعالى - بما وصف به نفسه وبما وصفه به نبيه ﷺ نفيًا، وإثباتًا فيثبت له ما أثبته لنفسه وينفي عنه ما نفاه عن نفسه، وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه - ويثبتون له - ما أثبته من الصفات من غير إلحاد في الأسماء ولا في الآيات، فإنه تعالى ذم الملحدين في أسمائه وآياته" أ. هـ ١.
ولا يعرف الإنسان ربه إلا بمعرفته بصفاته وأسمائه، فإذا ما تم له معرفة ذلك عرف - ربه جل وعلا - وحينئذ يسأل ربه ويدعوه بأسمائه الحسنى كما أمر الله بذلك في محكم كتابه حيث قال: - عز شأنه ـ: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٤.
_________________
(١) لوامع الأنوار البهية ١/١٢٩، وانظر تيسير العزيز الحميد ص١٩.
(٢) سورة الأعراف، آية: ١٨٠.
(٣) سورة الإسراء، آية: ١١٠.
(٤) سورة طه، آية: ٨.
[ ٢٣ ]
وقد عرف السلف ربهم ومعبودهم عن طريق معرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلى التي أثبتها لنفسه في كتابه - العزيز - وأثبته له رسوله ﷺ في سنته الشريفة.
قال الصابوني١: مبينًا عقيدة السلف في أسماء الله - تعالى - وصفاته "أصحاب الحديث حفظ الله أحياءهم ورحم أمواتهم يشهدون لله - تعالى - بالوحدانية وللرسول ﷺ بالرسالة والنبوة ويعرفون ربهم ﷿ بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت الأخبار الصحاح به، ونقلته العدول الثقات عنه، ويثبتون له - جلّ وعلا - ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، ولا يعتقدون تشبيهًا لصفاته بصفات خلقه فيقولون: إنه خلق آدم بيده كما نص - سبحانه - وتعالى عليه في قوله عز من قائل: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٢ ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين ولا يكيفونهما بكيف أو تشبيههما بأيدي المخلوقين، وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف والتكييف، ومنَّ عليهم بالتعريف، والتفهيم حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه واتبعوا قول الله ﷿ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣.
وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن ووردت بها الأخبار الصحاح. من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة والعزة والعظمة والإرادة والمشيئة، والقول والكلام والرضا والسخط والحياة واليقظة والفرح والضحك وغيرها من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله - تعالى - وقاله رسوله ﷺ من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه ولا تكييف له ولا تشبيه ولا تحريف ولا تبديل" أ. هـ٤.
_________________
(١) هو: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل، أبو عثمان الصابوني مقدم أهل الحديث في بلاده خراسان، لقبه أهل السنة فيها بشيخ الإسلام فلا يعنون - عند إطلاقهم هذه اللفظة - غيره. ولد سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وتوفي سنة تسع وأربعين وأربعمائة هجرية. انظر ترجمته: "معجم الأدباء ٧/١٦، وتهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر ٣/٣٠ - ٣٦، الأعلام ١/٣١٤".
(٢) سورة ص، آية: ٧٥.
(٣) سورة الشورى، آية: ١١.
(٤) مجموع الرسائل المنيرية ١/١٠٦ - ١٠٧.
[ ٢٤ ]
ومن قبل الصابوني قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي١ مقررًا عقيدة السلف في صفات الله - تعالى ـ:
"الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى.
﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ ٢.
يعلم سر خلقه وجهرهم ويعلم ما يكسبون، نحمده بجميع محامده، ونصفه بما وصف به نفسه ووصف به الرسول فهو الله، الرحمن الرحيم قريب مجيب مريد ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ٣ الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء له الأمر من قبل ومن بعد و﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤ ﴿لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٥ يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، يقبض ويبسط ويتكلم ويرضى، ويسخط ويغضب، ويحب ويبغض، ويكره ويضحك، ويأمر وينهى. ذو الوجه الكريم، والسمع السميع والبصر البصير، والكلام المبين، واليدين والقبضتين، والقدرة والسلطان والعظمة والعلم الأزلي، لم يزل كذلك ولا يزال، استوى على عرشه فبان من خلقه لا تخفى عليه منهم خافية علمه بهم محيط وبصره بهم نافذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٦.
فبهذا الرب نؤمن وإياه نعبد وله نصلي ونسجد فمن قصد بعبادته إلى إله بخلاف هذه الصفات فإنما يعبد غير الله وليس معبوده بإله كفرانه لا غفرانه" أ. هـ٧.
هذا هو منهج السلف في تعرفهم على ربهم وهو معرفته لهم عن طريق معرفة أسمائه وصفاته التي أتصف بها كما نطق بها كتابه الكريم ونطقت بها سنة رسوله الأمين ﷺ، يدعونه - تعالى - بها ويتعبدونه بذكرها.
_________________
(١) هو: أبو سعيد عثمان بن سعيد بن خالد الدارمي الشافعي السجستاني الهروي. ولد سنة مائتين وتوفي سنة ثمانين ومائتين هجرية، وهو أحد الأعلام الثقات من أئمة الحديث والفقه، وكان شديد الرد على المحرفين للعقيدة الإسلامية. انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ ٢/٦٢١، الأعلام ٤/٢٠٥".
(٢) سورة سبأ، آية: ٣.
(٣) سورة البروج، آية: ١٦.
(٤) سورة الأعراف، آية: ٥٤.
(٥) سورة طه، آية: ٨.
(٦) سورة الشورى، آية: ١١.
(٧) الرد على الجهمية ص٣ - ٤.
[ ٢٥ ]
وهناك أمور ينبغي أن تعلم نحو أسمائه ﵎:
الأمر الأول:
أن أسماءه - تعالى - لا تدخل تحت حصر ولا يحويها عدد١ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما أصاب أحد قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله حزنه وأبدله مكانه فرجًا" ٢.
وأما ما ورد في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: "إن لله تسعًا وتسعين اسمًا - مائة إلا واحدة - من أحصاها دخل الجنة" ٣ فليس المراد منه حصر الأسماء وإنما المراد الإخبار بأن من أحصى هذه الأسماء دخل الجنة، وقد اختلف العلماء في معنى الإحصاء، وأقرب الأقوال إلى الصواب أن المراد بالإحصاء حفظها مع اعتقاد ما دلت عليه والعمل بذلك"٤.
الأمر الثاني:
إن من أسماء الله - تعالى - ما لا يطلق على الرب - سبحانه - إلا مقترنًا بمقابله، إذ لو أطلق عليه وحده أوهم نقصًا - تعالى الله عن ذلك - فمن تلك الأسماء المانع يذكر مع المعطي، والضار يذكر مع النافع، والقابض يذكر مع الباسط، والمذل يذكر مع المعز، والخافض يذكر مع الرافع، فمثل هذه الأسماء تطلق على الله مع ذكر مقابلها٥.
الأمر الثالث:
هناك بعض الأفعال أطلقها - البارئ سبحانه - على نفسه وهي تدل على صفات الله تعالى تليق به، ولا يجوز أن يشتق له أسماء من تلك الصفات.
_________________
(١) بدائع الفوائد ١/١٦٦.
(٢) رواه أحمد من حديث ابن مسعود المسند مع الفتح الرباني ١٤/٢٦٢ - ٢٦٣، قال الهيثمي: رواه أبو يعلي ورجال الحديث رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني، وقد وثقه ابن حبان. مجمع الزوائد ١٠/١٨٦.
(٣) صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٣٧٧، صحيح مسلم بشرح النووي ١٧/٥.
(٤) فتح الباري ١٣/٣٧٨.
(٥) بدائع الفوائد لابن القيم ١/١٦٧.
[ ٢٦ ]
مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ ١. ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله﴾ ٢ ومثل قوله تعالى: ﴿وإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ* اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ٣. ونحو ذلك من الآيات فهذه الصفات تتضمن مدحًا وكمالًا - للبارئ سبحانه - لكن لا يجوز أن يقال: الله مخادع، ماكر، مستهزئ، ولا يقال: الله يستهزئ، ويخادع ويمكر على سبيل الإطلاق دون ذكر الاستهزاء والمخادعة، والمكر بأعدائه٤.
الأمر الرابع:
أن دلالة أسمائه - تعالى - حق على حقيقتها مطابقة، وتضمنًا والتزمًا، فدلالة اسمه "الرحمن" على ذاته ﷿ مطابقة وعلى صفة الرحمة تضمنًا، وعلى الحياة وغيرها التزامًا وهكذا سائر أسمائه - تعالى - فإن الله ﵎ هو الإله وما سواه عبيد، وهو الرب وما سواه مربوب، وهو الخالق وما سواه مخلوق فلو كانت أسماء الله - تعالى - غيره، كما زعم ذلك أهل الأهواء لكانت مخلوقة مربوبة محدثة معرضة للفناء، إذ كل ما سواه - سبحانه - فانٍ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: في معرض بطلان قول القائلين بأن صفات الله - تعالى - غيره لأن مسمى اسم "الله" يدخل فيه صفاته بخلاف مسمى الذات فإنه لا يدخل فيه الصفات.
ولهذا لا يقال: "صفات الله زائدة عليه ﷾، وإن قيل: الصفات زائدة على الذات لأن المراد زائدة على ما أثبته المثبتون من الذات المجردة، والله هو الذات الموصوفة بصفاته اللازمة فليس "اسم الله" متناولًا لذات مجردة عن الصفات أصلًا، ولا يمكن وجود ذلك، ولهذا قال أحمد٥ ﵀ في
مناظرة الجهمية٦ لا
_________________
(١) سورة النساء، آية: ١٤٢.
(٢) سورة آل عمرا، آية: ٥٤.
(٣) سورة البقرة، آية: ١٤ - ١٥.
(٤) انظر بدائع الفوائد ١/١٦٢.
(٥) هو: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني المروزي ثم البغدادي الفقيه، الحافظ. ولد سنة أربع وستين ومائة. وتوفي سنة إحدى وأربعين ومائتين هجرية. انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ ٢/٤٣١، طبقات الحنابلة ١/٤، صفة الصفوة ٢/٣٣٦، تهذيب الكمال ١/٤٣٧.
(٦) هي: إحدى الطوائف المنحرفة تتبع الجهم بن صفوان الذي قال: بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات كلها وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان وزعم أيضًا: أن الإيمان هو المعرفة بالله - تعالى - فقط، وأن الكفر هو الجهل به فقط، وقال: لا فعل ولا عمل لأحد غير الله - تعالى - وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز، ونفي أسماء الله - تعالى - وصفاته كلية". انظر: "الفرق بين الفرق" ص٢١١، الملل والنحل ١/٨٦، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص٦٨.
[ ٢٧ ]
نقول: الله وعلمه، والله وقدرته والله ونوره، ولكن نقول: الله بعلمه وقدرته ونوره هو إله واحد"١.
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم ص٤٢١.
[ ٢٨ ]
المبحث الثاني: إثبات صفة العلو والفوقية
إن أول ما افتتحت به "سورة: الزمر" هو إثبات صفة العلو والفوقية - للباري جل وعلا - وذلك في خمس آيات منها:
قال تعالى ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهِ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .
وقال تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ . ففي هذه الآيات الخمس دلالة واضحة على إثبات علو الله - تعالى - وأنه فوق المخلوقات جميعها، لأن نزول الشيء يكون من أعلى إلى أسفل.
فالآية الأولى: من تلك الآيات المتقدمة هي قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ فيها إخبار منه - تعالى - بأن مبدأ تنزيل القرآن كائن منه - جل وعلا - ومن عنده ﵎.
وأما الآية الثانية: فهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾ الآية.
[ ٢٩ ]
أخبر تعالى بأنه أنزل الكتاب الذي هو القرآن على نبيه ﷺ من عنده بالحق الذي لا مرية فيه ولا شك.
وأما الآية الثالثة فهي قوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ الآية فقد دلت على علو الله - تعالى - لأن التنزيل يكون من أعلى إلى أسفل كما تضمنت وصف القرآن المنزل من عنده - تعالى - بثلاثة صفات هي: كونه متشابهًا أي: يشبه بعضه بعضًا في الكمال والجودة ويصدق بعضه بعضًا في المعنى ويماثله وكونه "مثاني" حيث ثنى الله فيه الأنباء والأخبار والقضاء والأحكام.
قال قتادة١ "ثنى الله فيه الفرائض والقضاء والحدود"٢.
وكونه تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم أي: تقشعر منه جلود الأبرار الذين يخشون ربهم لما يفهمون منه من الوعد والوعيد والتخويف والتهديد.
وأما الآية الرابعة فهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ ﴾ الآية.
فقد بين تعالى بأنه أنزل كتابه على رسوله من عنده - تعالى - فالآية دلت على علوه - تعالى - كما دلت أيضًا: أنه - تعالى - أنزل هذا الكتاب لجميع الخلق من الجن والإنس لينذرهم به، وأن من اهتدى منهم فإنما يعود نفع ذلك إلى نفسه، ومن ضل فإنما يعود وبال ضلاله عليه، وأن الرسول ﷺ ليس بموكل على هدايتهم، وإنما هو نذير عليه البلاغ، وعلى الله الحساب.
وأما الآية الخامسة: وهي قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ الآية.
فقد تضمنت أمرًا من الله - جل وعلا - لجميع عباده بأن يتبعوا ما أمرهم به - تعالى - في كتابه الذي أنزله على رسوله ﷺ، وبذلك دليل على علوه - سبحانه ـ.
_________________
(١) هو: قتادة بن دعامة السدوسي من أئمة التفسير، كان من أحفظ أهل البصرة. ولد سنة إحدى وستين، وتوفي سنة ثماني عشرة ومائة هجرية. أنظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ" ١/١٢٢ وما بعدها، "اللباب في تهذيب الأنساب" ٢/١٠٨، التهذيب ٨/٣٥١.
(٢) جامع البيان ٢٣/٢١٠.
[ ٣٠ ]
قال العلامة ابن جرير١: "فإن قال قائل: ومن القرآن شيء أحسن من شيء قيل له: القرآن كله حسن وليس معنى ذلك ما توهمت، وإنما معناه: واتبعوا مما أنزل إليكم ربكم من الأمر والنهي والخبر والمثل والقصص والجدل والوعد والوعيد أحسنه، وأحسنه أن تأتمروا لأمره وتنتهوا عما نهى عنه، لأن النهي مما أنزل في الكتاب، فلو عملوا بما نهوا عنه كانوا عاملين بأقبحه - أي العمل - فذلك وجهه" أ. هـ٢.
فهذه الآيات الخمس من الآيات المحكمة التي أثبتت علو - الباري سبحانه - على جميع خلقه وأنه ﷻ في السماء أي: "العلو" لا كما يزعمه أهل الباطل من الجهمية المعطلة من أنه - تعالى - في أسفل الأرضين، بل هو - تعالى - في السماء كما أخبر بذلك عن نفسه في مواضع كثيرة من كتابه، وأكد ذلك رسوله ﷺ في سنته المطهرة.
قال ابن خزيمة٣ - رحمه الله تعالى ـ: "إن الرب - جل وعلا - في السماء لا كما قالت الجهمية المعطلة أنه في أسفل الأرضيين فهو في السماء" أ. هـ٤.
وقد وردت آيات كثيرة في الكتاب العزيز كلها تدل دلالة قطعية على إثبات علوه - تعالى - على خلقه وأنه ليس تحت الأرض ولا في كل مكان كما يزعم ذلك أهل الزيغ والباطل ومن تلك الآيات ما يلي:
أحدها: أنه ﷾ صرح بفوقيته المقترنة بأداة "من" المعينة للفوقية بالذات. قال تعالى: ﴿وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) هو: محمد بن جرير بن يزيد الطبري، أبو جعفر، المؤرخ المفسر الإمام، ولد في آمل طبرستان، واستوطن بغداد وتوفي بها. ولد سنة أربع وعشرين ومائتين وتوفي سنة عشر وثلاثمائة. انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ ٢/٧١٠، وفيات الأعيان ١/٤٥٦، البداية والنهاية ١١/١٦٣ - ١٦٥، وانظر الأعلام ٦/٢٩٤.
(٢) جامع البيان ٢٤/١٧ - ١٨.
(٣) هو: محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي أبو بكر، إمام نيسابور في زمنه. كان فقيهًا مجتهدًا عالمًا بالحديث. ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وتوفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة هجرية. له مؤلفات كثيرة: لقب بإمام الأئمة. انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ" ٢/٧٢٠ وما بعدها، طبقات الحفاظ للسيوطي ص٣١٣ - ٣١٤، البداية والنهاية ١١/١٦٧
(٤) كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ص ١١٠.
(٥) سورة النحل آية: ٤٩ - ٥٠.
[ ٣١ ]
ففي الآية الثانية إعلام من الله - تعالى - بأنه فوق ملائكته، وفوق ما في السموات وما في الأرض من دابة، وأخبرنا بأن ملائكته يخافون ربهم الذي فوقهم والمعطلة يزعمون أن المعبود - سبحانه - تحت الملائكة تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
ثانيًا: ذكره تعالى الفوقية مجردة عن الأداة:
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ١ وهذه الآية فيها الإخبار منه - تعالى - بأنه فوق جميع عباده من الجن والإنس والملائكة الذين هم سكان السموات.
ثالثًا: إخباره تعالى بعروج الملائكة والروح إليه.
قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ٢ فقد أخبرنا - تعالى - في هذه الآية بأن الملائكة تعرج إليه، والعرج يكون من الأسفل إلى الأعلى.
رابعًا: التصريح منه - تعالى - بالصعود إليه:
قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٣.
والمفهوم من هذه الآية أن الرب ﷻ فوق من يتكلم بالكلمة الطيبة فتصعد إلى الله كلمته، لا كما تزعمه المعطلة الجهمية أنه تهبط إليه الكلمة الطيبة كما تصعد إليه وتأويلهم هذا يدل على تردي عقولهم وسوء فهمها لكتاب الله - تعالى ـ.
خامسًا: تصريحه تعالى برفع بعض المخلوقات إليه كرفعه لعيسى ﵊.
قال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٤ فمن المستحيل أن يهبط الإنسان من ظهر الأرض إلى بطنها، أو إلى أي مكان أخفض وأنزل فيقال: رفعه الله إليه، لأن الرفع في لغة العرب الذين بلغتهم خاطبنا الله لا يكون إلا من أسفل إلى أعلى وفوق.
سادسًا: تصريحه - تعالى - بعلوه المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتًا، وقدرًا، وقهرًا قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ٥.
_________________
(١) سورة الأنعام آية: ١٨.
(٢) سورة المعارج آية: ٤.
(٣) سورة فاطر آية: ١٠.
(٤) سورة النساء آية: ١٥٨.
(٥) سورة البقرة آية: ٢٥٥.
[ ٣٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١.
وقوله - عزَّ شأنه - ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ . ٢
فالعلي: هو الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه.
علو الذات: كونه فوق جميع المخلوقات.
علو القدر: فله من كل صفات الكمال أعلاها.
علو القهر: فهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير٣.
"وإذا كانت صفة العلو والفوقية صفة كمال لا نقص فيها ولا تستلزم نقصًا ولا توجب محذورًا ولا تخالف كتابًا ولا سنة ولا إجماعًا فنفي حقيقتها يكون عين الباطل، والمحال الذي لا تأتي به شريعة أصلًا فكيف إذا كان لا يمكن الإقرار بوجوده وتصديق رسله والإيمان بكتابه وبما جاء به رسوله إلا بذلك فكيف إذا انضم إلى ذلك شهادة العقول السليمة والفطرة المستقيمة، والنصوص الواردة المتنوعة المحكمة الدالة على علو الله على خلقه وكونه فوق عباده"٤.
سابعًا: تخصيصه بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ٦ ففرَّق - سبحانه - في هاتين الآيتين بين من له عمومًا وبين من عنده من ملائكته وعبيده خصوصًا.
ثامنًا: تصريحه تعالى بأنه في السماء:
_________________
(١) سورة سبأ آية: ٢٣.
(٢) سورة الأعلى آية: ١.
(٣) مدارج السالكين ١/٣١.
(٤) شرح الطحاوية ٣١٨ - ٣١٩.
(٥) سورة الأعراف آية: ٢٠٦.
(٦) سورة الأنبياء آية: ١٩.
[ ٣٣ ]
قال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ ١.
فهاتان الآيتان صريحتان في أن الله - تعالى - في السماء فلا تقبلان جدلًا ولا تأويلًا لأن "من" فيهما لا يمكن أن يراد بهما سوى - الرب جل شأنه - لا ملكه ولا أمره كما يزعم ذلك المعطلة النفاة.
وفي في الآيتين إما أن تكون بمعنى الظرفية، ويكون المراد بالسماء العلو.
وإما أن يراد بها معنى "على" ويكون المراد بالسماء المبنية.
وليس في هذا خلاف عند أهل الحق من أهل السنة والجماعة، ولا يجوز الحمل على غير ذلك.
تاسعًا: تصريحه تعالى بأنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه. قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ ٢.
واللغة العربية التي خاطبنا الله بها وفهمها العرب الفصحاء تبين بأن تدبير أمر السماء إلى الأرض إنما يدبره المدبر وهو في السماء لا في الأرض والمعروف عند العرب أن المعارج هي المصاعد.
عاشرًا: إخباره - تعالى - عن فرعون أنه حاول الصعود إلى السماء ليطلع إلى إله موسى فيكذبه فيما أخبره به ممن أنه - سبحانه - فوق السموات قال تعالى حكاية عن فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ ٣.
فالذي ينفي العلو من الجهمية فهو فرعوني، والذي أثبته فهو موسوي محمدي.
قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي:
"ففي هذه الآية بيان بين، ودلالة ظاهرة أن موسى كان يدعو فرعون إلى معرفة الله بأنه
_________________
(١) سورة الملك، آية: ١٦، ١٧.
(٢) سورة السجدة، آية: ٥.
(٣) سورة غافر، آية: ٣٦، ٣٧.
[ ٣٤ ]
فوق السماء فمن أجل ذلك أمر ببناء الصرح ورام الإطلاع وكذلك نمروذ فرعون إبراهيم، اتخذ التابوت والنسور ورام الإطلاع إلى الله لما كان يدعو إبراهيم إلى معرفته في السماء"١.
الحادي عشر: من الأدلة الدالة على علوه تعالى إخباره - تعالى - بأنه استوى على عرشه الذي هو أعلى مخلوقاته وقد ذكر هذه الصفة في كتابه في مواضع سبعة من كتابه، ومن العجيب أن الله - تعالى - ما يذكر هذه الصفة إلا وهي مقرونة بما ببهر العقول من صفات جلاله وكماله فهي صفة من صفات المدح التي مدح الله بها نفسه - سبحانه - وإليك المواضع التي ذكرت فيها صفة الاستواء الدالة على علوه - تعالى ـ.
١ـ قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢.
فهل لأحد أن يتجرأ وينفي هذه الصفة التي دلت على الجلال والكمال اللهم إلا من كان من أهل الزيغ والضلال.
٢ـ قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ ٣.
٣ـ قال تعالى: ﴿الله الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمّىً﴾ ٤.
٤ـ قال تعالى: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥.
٥ - قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ
_________________
(١) الرد على الجهمية ص٢١.
(٢) سورة الأعراف، آية: ٥٤.
(٣) سورة يونس، آية: ٣.
(٤) سورة الرعد، آية: ٢.
(٥) سورة طه آية: ١ - ٥.
[ ٣٥ ]
عِبَادِهِ خَبِيرًا * الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ١.
٦ - وقال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٢.
٧ - وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٣.
فهذه سبعة مواضع في كتاب الله - تعالى - أثبت الله - تعالى - لنفسه فيها صفة الاستواء، وهي تدل دلالة واضحة وصريحة على علوه تعالى فوق جميع مخلوقاته، كما تدل على أنه - تعالى - مستو على عرشه استواءً يليق بجلاله من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل.
قال العلامة ابن القيم٤ رحمه الله تعالى: " واستواءه وعلوه على عرشه سلام من أن يكون محتاجًا إلى ما يحمله، أو يستوي عليه، بل العرش محتاج إليه، وحملته محتاجون إليه فهو الغنى عن العرش وعن حملته وعن كل ما سواه، فهو استواء وعلو لا يشوبه حصر ولا حاجة إلى عرش ولا غيره ولا إحاطة شيء به - سبحانه - وتعالى، بل كان - سبحانه - ولا عرش، ولم يكن به حاجة إليه وهو الغني الحميد بل استواؤه على عرشه واستيلاؤه على خلقه من موجبات ملكه وقهره من غير حاجة إلى عرش ولا غيره بوجه ما"٥. أ. هـ
_________________
(١) سورة الفرقان، آية: ٥٨، ٥٩.
(٢) سورة السجدة، آية: ٤.
(٣) سورة الحديد، آية: ٤.
(٤) هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي أبو عبد الله شمس الدين من أركان الإصلاح الإسلامي وأحد كبار علماء الدين، ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة وتوفي سنة إحدى وخمسين وسبعمائة هجرية. له مؤلفات عديدة في مختلف العلوم والفنون. انظر ترجمته: في الدرر الكامنة ٣/٤٠٠، البداية والنهاية ١٤/٢٠٢ - ٢٠٤ ط. المتوسط - بيروت - لبنان، بدون تاريخ.
(٥) بدائع الفوائد ٢/١٣٦.
[ ٣٦ ]
وقال عثمان بن سعيد الدارمي بعد أن ساق كثيرًا من الآيات الدالة على علو الله - تعالى - رادًا على الجهمية ومبينًا بطلان مذهبهم في إنكار صفة العلو: " أقرت هذه العصابة - يعني الجهمية - بهذه الآيات بألسنتها وادعوا الإيمان بها، ثم نقضوا دعواهم بدعوى غيرها، فقالوا: الله في كل مكان لا يخلو منه مكان قلنا قد نقضتم دعواكم بالإيمان باستواء الرب على عرشه إذا ادعيتم أنه في كل مكان فقالوا: تفسيره عندنا: أنه استولى عليه وعلاه. قلنا فهل من مكان لم يستول عليه ولم يعله حتى خص العرش من بين الأمكنة بالاستواء عليه؟.
وكرر ذكره في مواضع كثيرة من كتابه فأي معنى إذًا لخصوص العرش إذا كان عندكم مستويًا على جميع الأشياء وكاستوائه على العرش ﵎ هذا محال وباطل في الكلام"١. أ. هـ.
فلو كان - الباري ﷾ في كل مكان على حسب زعم الجهمية لجعل كل شيء دكًا فإنه حين سأله كليمه موسى ﵇ أن يريه ينظر إليه قال له: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
قال ابن خزيمة في معنى هذه الآية "أفليس العلم محيطًا يا ذوي الألباب أن الله ﷿ لو كان في كل موضع ومع كل بشر وخلق كما زعمت - الجهمية - المعطلة لكان متجليًا لجميع أرضه سهلها ووعرها وجبالها وبراريها ومفاوزها ومدنها وقراها وعمارتها وخرابها وجميع ما فيها من نبات وبناء لجعلها دكًا كما جعل الله الجبل الذي تجلى له دكًا" أ. هـ٣.
وبالجملة فظاهر القرآن يدل على إثبات علو الله ﵎ وأنه على عرشه الذي هو أعلى المخلوقات وهو - سبحانه - بائن من خلقه ويغنينا في ذلك التنزيل ولا حاجة لنا إلى تأويل المكذبين به في أنفسهم ويتسترون عن ذلك باسم التأويل وليس هو تأويلًا، وإنما هو تحريف وتعطيل وتبديل.
_________________
(١) الرد على الجهمية ص١٨.
(٢) سورة الأعراف، آية: ١٤٣.
(٣) كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ص١١٢.
[ ٣٧ ]
والقاري للكتب التي ألفت في أسباب نزول آيات القرآن يجد أن الصحابة الذين فسروا كتاب الله - تعالى - وبينوا أحكامه، وفرائضه وحدوده، يقولون: نزلت آية كذا في كذا، ونزلت سورة كذا في مكان كذا ولم ينقل عن أحد منهم أنه قال: طلعت من تحت الأرض، ولا جاءت من أمام، ولا من خلف بل كل الآيات والسور يذكرون أنها نزلت من فوق لا من تحت الأرض، ولا خرجت منها.
وقد بين النبي ﷺ في أحاديث كثيرة أن الله - تعالى - متصف بصفة العلو والفوقية ومن تلك الأحاديث ما يلي:
١ - حديث معاوية بن الحكم السلمي قال: "كانت لي غنم بين أحد والجوانية١ فيها جارية لي، فأطلعتها ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة - وأنا رجل من بني آدم - فصككتها، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فعظَّم ذلك عليّ فقلت يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: ادعها: فدعوتها فقال لها أين الله؟ قالت في السماء. قال: من أنا؟ قالت: رسول الله. قال: اعتقها فإنها مؤمنة"٢.
فهذا الحديث من أنصع الأدلة وضوحًا على إبطال مذهب الجهمية وهو صفعة قوية لأهل التعطيل على رؤوسهم حيث شهد الرسول ﷺ للجارية بالإيمان حين وجّه لها سؤالين اختبر بهما إيمانها، ولما نجحت في الإجابة عليهما، وبالأخص السؤال الأول حيث أجابت بأن الله - تعالى - في السماء فرضي ﵊ إجابتها وأقرها عليها وشهد لها بالإيمان، وفي الحقيقة أن إجابة تلك الجارية لا يستطيع أن يجيب بها جهمي، ومن يدور في ركابه لما حل في قلبه من الإعتقاد الفاسد لأنه يعتقد أن الله - جل وعلا - في كل مكان ولو سألت معطلًا وقلت له أين الله؟ لقال: لا يسأل عن الله بأين. قال عثمان بن سعيد الدارمي بعد سياقه لحديث معاوية بن الحكم السلمي:"ففي حديث رسول الله ﷺ هذا دليل على أن الرجل إذا لم يعلم أن الله في السماء دون الأرض فليس بمؤمن ولو كان عبدًا فأعتق لم يجز في رقبة مؤمنة إذ لا يعلم أن الله في السماء"٣. أ. هـ.
لو كان الله في الأرض كما يدعيه ضلال الجهمية لأنكر عليها الرسول ﷺ وعلّمها،
_________________
(١) الجوانية: موضع شمالي المدينة بقرب أحد. "شرح النووي على مسلم ٥/٢٣".
(٢) صحيح مسلم ١/٣٨٢، وانظر: الرد على الجهمية للدارمي ص٢٢، كتاب التوحيد لابن خزيمة ص١٢١.
(٣) الرد على الجهمية ص٢٢.
[ ٣٨ ]
ولكنها علمت به فصدقها وشهد لها بالإيمان، ولو كان الله في الأرض لم يتم لها إيمان حتى تعرفه في الأرض كما عرفته في السماء.
٢ـ ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء زيد بن حارثة يشكو فجعل النبي ﷺ يقول: "اتق الله وأمسك عليك زوجك" قال أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذه قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات"١.
وهذا دليل واضح وصريح في أن الله - تعالى - عالٍ فوق سمواته وعلى جميع مخلوقاته وعلى هذا تلقت أم المؤمنين زينب ﵂ عقيدتها من النبي ﷺ.
٣ـ ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في قسمة الذهب الذي بعث به علي ابن أبي طالب من اليمن قال النبي ﷺ: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني الوحي صباحًا ومساءًا" ٢.
فقد بين ﷺ بأنه أمين من في السماء والذي في السماء والمشار إليه إنما هو الله - تعالى - لو كان الجهمية يعلمون، ولربهم ينزهون، ولقد تتلمذ الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - على رسول الله ﷺ في دينهم وعقيدتهم، ونطقوا بما نطق به الكتاب والسنة من أن الله تعالى في السماء وأقوالهم في أن الله - تعالى - في السماء كثيرة جدًا٣، واعتقادهم في أنه - تعالى - في السماء إنما تلقوا ذلك عن الرسول ﷺ وبلغوه إلى من وراءهم من التابعين لهم بإحسان فقد كان القول بأن الله - تعالى - في السماء متداولًا بينهم موقنين به.
قال الحافظ ٤ وأخرج البيهقي بسند جيد عن الأوزاعي٥ قال: كنا والتابعون
_________________
(١) ٤/٢٨١.
(٢) ١/١٦١ - ١٦٢.
(٣) انظر أقوال الصحابة في كتاب" العلو للذهبي" ص٦٢ وما بعدها.
(٤) هو: أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل شهاب الدين ابن حجر، من أئمة العلم والتاريخ أصله من عسقلان. له مؤلفات عديدة في مختلف الفنون والعلوم. ولد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، وتوفي سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة هجرية. انظر ترجمته في: "البدر الطالع للشوكاني ١/٨٧، الأعلام ١/١٧٣".
(٥) هو: عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، أبو عمرو عالم أهل الشام في زمانه. ولد سنة ثمان وثمانين، وتوفي سنة سبع وخمسين ومائة هجرية. انظر ترجمته في: "وفيات الأعيان ١/٢٧٥، حلية الأولياء ٦/١٣٥ - ١٤٩، الأعلام ٤/٩٤".
[ ٣٩ ]
متوافرون نقول: إن الله ﷿ فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته"١.
فالصحابة والتابعون أجمعوا على أن الله - تعالى - عالٍ على عرشه فوق سمواته وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية٢ - رحمه الله تعالى ـ: قال أبو عمر بن عبد البر - رحمه الله تعالى - في التمهيد:
"وعلماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا: في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ ٣ هو على العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك من يحتج به"٤ أ. هـ.
فابن عبد البر ينقل إجماع الصحابة والتابعين على أنه ﷾ عالٍ على جميع خلقه ولم يحدث القول بأن الله في كل مكان إلا الجهمية وقولهم لا قيمة له لأنه لا عبرة بخلافهم ولا يحتج بقولهم لأنهم ضلال مارقون.
ولذلك كفرهم الأئمة الأربعة وضللوهم، وبدعوهم، وحكموا عليهم بالكفر إن لم يرجعوا عن دعواهم بأن الله - تعالى - ليس في السماء.
فقد جاء عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة٥ عمن
_________________
(١) الفتح ١٣/٤٠٦، الأسماء والصفات للبيهقي ص٤٠٨، الذهبي في العلو ص١٠٢، الحموية ص٢٣.
(٢) هو: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر النمريري الحراني الدمشقي الحنبلي أبو العباس تقي الدين ابن تيمية الإمام، شيخ الإسلام كان آية في التفسير والأصول، فصيح اللسان برز في جميع الفنون جاهد المنحرفين عن الدين بقلمه، ولسانه، وسيفه. ولد سنة إحدى وستين وستمائة، وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبعمائة هجرية. انظر ترجمته في: "الدرر الكامنة ١/١٤٤، البداية والنهاية ١٤/١٢٥، النجوم الزاهرة ٩/٢٧١، فوات الوفيات ١/٧٤- ٨٠، الأعلام ١/١٤٠".
(٣) سورة المجادلة، آية: ٧.
(٤) العقيدة الحموية الكبرى ص٥١.
(٥) هو: النعمان بن ثابت التيمي بالولاء الكوفي، أبو حنيفة إمام الحنفية، الفقيه، المجتهد، المحقق أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة. ولد سنة ثمانين وتوفي سنة خمسين ومائة هجرية. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد ١٣/٣٢٣ - ٤٥٤، وفيات الأعيان ٢/١٦٣، النجوم الزاهرة ٢/١٢، البداية ١٠/١٠٧.
[ ٤٠ ]
يقول: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقال: قد كفر لأن الله - تعالى - يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ وعرشه فوق سمواته فقلت: إنه يقول: أقول على العرش استوى ولكن لا يدري العرش في السماء أو في الأرض قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر ٢.
وقال الإمام مالك بن أنس "الله في السماء وعلمه في كل مكان" ٣
وروى اللالكائي٤ في كتاب "السنة" عن جعفر بن عبد الله: جاء رجل إلى مالك بن أنس ٥ فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٦.
كيف استوى؟ قال: فما رأيت مالكًا وجد من شيء كموْجدته من مقالته وعلاه الرّحضاء٧ قال: وأطرق القوم وجعلوا ينظرون ما يأتي منه فيه قال: فسري عن مالك فقال: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، فإني أخاف أن تكون ضالًا وأمر به فأخرج"٨.
وأما الإمام الشافعي٩ فقد أثر عنه أنه قال: "السنة التي أن عليها ورأيت عليها
_________________
(١) سورة طه، آية: ٥.
(٢) ذكره عنه الذهبي في " العلو للعلي الغفار" ص١٠١.
(٣) المصدر السابق: ص١٠٣.
(٤) هو هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي أبو القاسم اللالكائي. حافظ، للحديث، من فقهاء الشافعية من أهل طبرستان. توفي سنة ثماني عشرة وأربعمائة هجرية. انظر ترجمته في "الكامل لابن الأثير ٩/٣٦٤، شذرات الذهب ٣/٢١١، تذكرة الحفاظ ٣/١٠٨٣، وما بعدها، الأعلام ٩/٥٧.
(٥) هو مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري أبو عبد الله إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة وإليه تنسب المالكية. كان صلبًا في دينه، بعيدًا عن الأمراء والملوك. ولد سنة ثلاث تسعين، وتوفي سنة تسع وسبعين ومائة هجرية. انظر ترجمته في: "الديباج المذهب ص١٧ - ٣٠، وفيات الأعيان ١/٤٣٩، تهذيب التهذيب ١٠/٥، صفوة الصفوة ٢/٩٩".
(٦) سورة طه، آية: ٥.
(٧) الرحضاء العرق.
(٨) ٣/٣٩٨، وانظر "كتاب العلو" للذهبي ص١٠٣، فتح الباري ١٣/٤٠٧".
(٩) هو: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي أبو عبد الله أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة وإليه تنسب الشافعية. ولد سنة خمسين ومائة، وتوفي سنة أربع ومائتين هجرية. انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ ١/٣٦١، تهذيب التهذيب ٩/٢٥، وفيات الأعيان ١/٤٤٧، صفوة الصفوة ٢/١٤٠، تاريخ بغداد ٢/٥٦.
[ ٤١ ]
الذين رأيتهم مثل سفيان ومالك وغيرهما إقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء، وينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء"١.
وأما الإمام أحمد بن حنبل فقد قال عنه يوسف بن موسى القطان شيخ أبي بكر الخلال قال: قيل لأبي عبد الله فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه، وقدرته وعلمه بكل مكان؟ قال: "نعم هو على عرشه لا يخلو شيء من علمه"٢، وكلام الأئمة وغيرهم في إثبات صفة العلو للباري - جل وعلا - كثير، وكلهم مجمعون على القول بعلو الله وفوقيته على جميع خلقه اتباعًا لكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وإجماع الصحابة والتابعين.
وكما تقرر إثبات علو الله تعالى وفوقيته على خلقه بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، كذلك دلت الفطرة والعقل على علوه - تعالى - وفوقيته.
"أما الفطرة فإنه قد تقرر في فطر بني آدم علمائهم وجهالهم، أحرارهم ومماليكهم ذكورهم وإناثهم، بالغيهم وأطفالهم، وحتى الكفار منهم يعلمون يقينًا بأنه - تعالى - عالٍ على جميع المخلوقات إذ كل من دعى الله منهم فإنما يرفع رأسه إلى السماء ويمد يديه إلى العلي الأعلى لا إلى أسفل"٣.
وكم من إنسان إذا أراد جلب ما ينفعه، أو كشف ما يضره شخص ببصره إلى السماء إضافة إلى رفع يديه إلى جهة العلو إلى من يعلم السر وأخفى فيتوجه إليه بقلبه لعلمه أن المعبود - سبحانه - فوقه، وأنه إنما يدعى من أعلى لا من أسفل، وليس الإنسان وحده فحسب هو الذي عرف أن الله يدعى من أعلى لا من أسفل بل الحيوانات قد عرفت أن الله - تعالى - في السماء أي - جهة العلو - ولذلك فإنها ترفع رأسها عند الجدب والقحط تستمطر ربها وفي هذا إبطال لقول الجهمية أن الله في كل مكان فقد أخرج الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "خرج نبي من الأنبياء يستسقي فإذا هو
_________________
(١) العلو للذهبي ص١٢٠، عون المعبود ١٣/٤١، الفتوى الحموية الكبرى ص٢٤.
(٢) ذكره الذهبي في "كتابه العلو" ص١٣٠.
(٣) انظر كتاب التوحيد لابن خزيمة ص١١٠، الفتوى الحموية الكبرى ص٢٩، شرح الطحاوية ص٣٢٥.
[ ٤٢ ]
بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء فقال ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل شأن النملة" ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه١ وأقره الذهبي٢ وفي "كتاب الزهد" للإمام أحمد "خرج سليمان بن داود ﵉ يستسقي فإذا هو بنملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن سقياك فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم"٣.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وأحرى بهذه النملة وأخواتها من النمل أن يكونوا أعرف بالله من الجهمية"٤
وفي هذا بيان واضح أن الحيوانات تعرف أن الله ﷿ إنما يدعى من أعلى كما يعرف ذلك المؤمنون، وهذا ما فطر الله عليه خلقه أجمعين وهذه ضرورة يحس بها الإنسان والحيوان.
ذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمذاني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين وهو يتكلم في نفي صفة العلو ويقول: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان!! فقال الشيخ أبو جعفر:
"أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا؟ فإنه ما قال عارف قط: يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة طلب العلو لا يلتفت يمنة، ولا يسرة فكيف ندفع بهذه الضرورة عن أنفسنا قال: فلطم أبو المعالي على رأسه ونزل! وأظنه قال: وبكى وقال: حيَّرني الهمذاني حيرني! أراد الشيخ أن هذا أمر فطر الله عليه عباده من غير أن يتلقوه من المرسلين يجدون في قلوبهم طلبًا ضروريًا يتوجه إلى الله ويطلبه في العلو"٥.
_________________
(١) المستدرك ١/٣٢٥ - ٣٢٦.
(٢) هو: محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله. حافظ، مؤرخ، علامة، محقق. ولد سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وتوفي سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. انظر ترجمته في "شذرات الذهب ٦/١٥٣، الدرر الكامنة ٣/٣٣٦، النجوم الزاهرة ١٠/١٨٢".
(٣) كتاب الزهد ص٨٧ إلا أن في إسناد أحمد زيد العمي وهو ضعيف. انظر "ميزان الإعتدال ٢/١٠٢، وانظر التقريب ١/٢٧٤".
(٤) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية ص١٣٣.
(٥) منهاج السنة النبوية ١/٢٦٣، شرح الطحاوية ص٣٢٥ـ ٣٣٦.
[ ٤٣ ]
وقال أبو الحسن الأشعري١: بعد أن ساق كلامًا كثيرًا يريد منه إثبات أن الله - تعالى - مستو على عرشه فوق سمواته قال ﵀: "ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله ﷿ مستو على العرش الذي هو فوق السموات فلولا أن الله ﷿ على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض"٢.
وأما دلالة العقل على ذلك فنقول: إن العقل قد دل على أن الله عال على جميع خلقه من وجو:
أحدها: العلم البديهي القاطع بأن كل موجودين، إما أن يكون أحدهما ساريًا في الآخر قائمًا به كالصفات، وإما أن يكون قائمًا بنفسه بائنًا من الآخر.
الثاني: أنه - تعالى - لما خلق العالم فإما أن يكون خلقه في ذاته أو خارجًا عن ذاته والأول باطل.
أما أولًا: فبالاتفاق، وأما ثانيًا: فلأنه يلزم أن يكون محلًا للخسائس، والقاذورات - تعالى الله - عن ذلك علوًا كبيرًا.
والثاني: يقتضي كون العالم واقعًا خارج ذاته، فيكون منفصلًا فتعينت المباينة لأن القول بأنه غير متصل بالعالم، وغير منفصل عنه غير معقول.
الثالث: أن كونه - تعالى - لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي نفي وجوده بالكلية لأنه غير معقول فيكون موجودًا، إما داخله وإما خارجه، والأول باطل، فتعيّن الثاني فلزمت المباينة٣.
وللجهمية في إنكارهم صفات الله ﷿ وقولهم أن الله ﷿ في كل
_________________
(١) هو: أبو الحسن الأشعري علي بن إسماعيل بن إسحاق من نسل الصحابي أبي موسى الأشعري. كان من الأئمة المجتهدين. ولد في البصرة سنة ستين ومائتين، وتوفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة هجرية. انظر ترجمته في: "طبقات الشافعية ٣/٣٤٧، البداية والنهاية ١١/٢١٠، اللباب ١/٦٤، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية ص٧٩".
(٢) الإبانة في أصول الديانة ص٣٠ـ٣١.
(٣) شرح الطحاوية ص٣٢٥.
[ ٤٤ ]
مكان شبه أجاب عنها أهل السنة ووضحوا بطلانها من ذلك استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ ١. على أنه - تعالى - في كل مكان ولا يخلو منه مكان فهو استدلال باطل وتفسير لكتاب الله - تعالى - بغير المراد منه فالآية: معناها إله من في السموات، وإله من في الأرض وهو على عرشه، وعلمه محيط بالعرش وما دون العرش، ولا يخلو مكان من علم الله ﷾ ولا يمكن أن يكون علمه في مكان دون مكان بل إنه - تعالى - قد أحاط بكل شيء علمًا فهذا هو المعنى الصحيح للآية.
قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - مبينًا بطلان استدلالهم بالآية السابقة على أن الله في كل مكان.
فقلنا لما أنكرتم أن يكون الله على العرش وقد قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢؟ فقالوا: هو تحت الأرض السابعة كما هو على العرش فهو على العرش، وفي السموات، وفي الأرض، وفي كل مكان، ولا يخلو منه مكان، وتلوا آية من القرآن ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ فقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظمة - الرب - شيء فقالوا: أي مكان؟ فقلنا: أجسامكم وأجوافكم، وأجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة ليس فيها من عظمة - الرب - شيء وقد أخبرنا أنه في السماء إلى أن قال - رحمه الله تعالى ـ: أليس تعلمون أن إبليس مكانه والشياطين مكانهم فلم يكن الله ليجتمع هو وإبليس في مكان واحد، وإنما معنى قول الله - جل ثناؤه - ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ ٣ يقول: هو إله من في السموات وإله من في الأرض وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، ولا يخلو من علم الله مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان فذلك قوله ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ٤.
_________________
(١) سورة الأنعام، آية: ٣.
(٢) سورة طه، آية: ٥.
(٣) سورة الأنعام، آية: ٣.
(٤) الرد على الجهمية والزنادقة ص١٣٥ـ ١٣٦ وآية رقم ١٢ من سورة الطلاق.
[ ٤٥ ]
وقال ابن كثير١: حول الآية: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية.. القائلين - تعالى - عن قولهم علوًا كبيرًا بأنه في كل مكان حيث حملوا الآية على ذلك فالأصح من الأقوال أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض أي يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض ويسمونه الله، ويدعونه رغبًا ورهبًا إلا من كفر من الجن والإنس، وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ ٢.
ومن الآيات التي احتج بها الجهمية على أن الله في كل مكان قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣.
ويقال لهم: إن معنى الآية ليس كما فهمتم منها بل معناها المراد منها أنه - تعالى - حاضر كل نجوى، ومع كل أحد من فوق عرشه بعلمه لأن علمه - سبحانه - محيط بجميع خلقه، وبصره نافذ فيهم لا يحجب علمه وبصره شيء ولا يستطيعون التواري منه بشيء وهو عالٍ على عرشه بائن من خلقه ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ ٤ لأنه - سبحانه - لا يبعد عليه شيء ولا تخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض فهو - سبحانه - رابعهم وخامسهم وسادسهم بعلمه المحيط بكل شيء كما بينت الآية ذلك بفاتحتها وخاتمتها"٥.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان فقل: أليس الله كان ولا شيء؟ فيقول: نعم فقل له: حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجًا من نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال لا بد له من واحد منها":
_________________
(١) هو: إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوّ بن درع القرشي البصري ثم الدمشقي أبو الفداء عماد الدين. حافظ، مؤرخ. فقيه. ولد سنة واحد وسبعمائة وتوفي سنة أربع وسبعين وسبعمائة هجرية. انظر ترجمته في: "طبقات المفسرين ١/١١١ـ١١٣، الدرر الكامنة١/٣٧٣، شذرات الذهب ٦/٢٣١، البدر الطالع ١/١٥٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٣/٧ وآية: ٨٤ من سورة الزخرف، وانظر أضواء البيان ٢/١٦٢.
(٣) سورة المجادلة، آية: ٧.
(٤) سورة طه، آية: ٧.
(٥) الرد على الجهمية للدارمي ص١٩ مع التصرف في بعض ألفاظه.
[ ٤٦ ]
١ـ إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر حين زعم أن الجن والإنس والشياطين في نفسه.
٢ـ وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا كفرًا أيضًا حين زعم أنه دخل في مكان وحش وقذر رديء.
٣ـ وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه، ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله أجمع وهو قول أهل السنة. أ. هـ١.
كذلك استدلوا على أنه - تعالى - في كل مكان:
بما رواه الترمذي٢ في سننه من حديث الحسن٣ عن أبي هريرة ﵁ قال: "بينما نبي الله جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله ﷺ: هل تدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال هذا العنان٤ هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه" والحديث طويل وفيه: لو أنكم دلّيتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبطتم على الله ثم قرأ ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٥. قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة٦.
هذا الحديث أفاض البحث حوله العلامة ابن القيم وبين أن العلماء انقسموا فيه إلى طائفتين.
_________________
(١) الرد على الجهمية والزنادقة ص١٣٩.
(٢) هو: محمد بن عيسى بن سورة السلمي البوغي الترمذي أبو عيسى من أئمة علماء الحديث وحفاظه من أهل ترمذكان يضرب به المثل في حفظ الحديث. ولد سنة تسع ومائتين وتوفي سنة تسع وسبعين ومائتين هجرية. انظر ترجمته في: "التهذيب" ٩/٣٨٧، والتذكرة ٢/٦٣٣ـ٦٣٥، وفيات الأعيان ١/٤٨٤، الأعلام ٧/٢١٣.
(٣) هو: الحسن بن يسار البصري أبو سعيد تابعي، كان إمام أهل البصرة وحبر الأمة في زمنه وهو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النساك. ولد سنة إحدى وعشرين، وتوفي سنة عشر ومائة هجرية. انظر ترجمته في: "تهذيب التهذيب" ٢/٢٦٣، حلية الأولياء ٢/١٣١ـ١٦١، الأعلام ٢/٢٤٢.
(٤) العنان: السحاب. النهاية ٣/٣١٣.
(٥) سورة الحديد، آية: ٣.
(٦) سنن الترمذي ٥/٧٧ـ٧٨.
[ ٤٧ ]
طائفة: قبلت الحديث على اعتبار أن سنده ثابت إلى الحسن.
وطائفة ثانية: رفضت الحديث بالكلية على اعتبار أن الحديث منقطع وأن الحسن لم ير أبا هريرة فضلًا عن أن يسمع منه، واكتشفوا فيه علة أخرى وهو أن عبد الرزاق بن همام الصنعاني رواه عن معمر عن قتادة عن النبي ﷺ فكان الحديث على هذا مرسلًا، والذين قبلوا الحديث اختلفوا في معناه على قولين:
قيل: إن المعنى يهبط على علم الله وقدرته وسلطانه إلى ما تحت التحت فلا يعزب عنه شيء وهذا القول حكاه الترمذي عن بعض أهل العلم١.
وقالت طائفة أخرى: بل هذا المعنى اسمه - تعالى - المحيط، واسمه الباطن فإنه - سبحانه - محيط بالعالم كله، وأن العالم العلوي والسفلي في قبضته كما قال تعالى: ﴿وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ ٢، وإحاطته - تعالى - تقتضي علوه وفوقيته على جميع خلقه بالذات فلو دلي بحبل لسقط في قبضته وهو فوق عرشه والحديث لم ينص على أنه يهبط على جميع ذاته فهذا لم يقله أحد البتة.
والتأويل الأول: الذي ذكره الترمذي بيّن ابن القيم أنه من تصرفات الجهمية.
قال ﵀: قال شيخنا٣: "هو ظاهر الفساد من جنس تأويلات الجهمية، بل بتقدير ثبوته، فإنما يدل على الإحاطة، والإحاطة ثابتة عقلًا ونقلًا وفطرة"٤.
فالجهمية لا دليل لهم على دعواهم التي مضمونها التنقيص لله - جل وعلا - لا من الكتاب ولا من السنة.
وإن استدلوا بآيات من القرآن فإنهم يفسرونها بغير المراد منها، وإن أتوا بأحاديث تكون غير صحيحة، وأحيانًا تكون لا وجود لها في كتب الحديث المعتمدة بالكلية، وحاصل ما تقدم أن علو الله - تعالى - على خلقه ثابت بنص الكتاب العزيز والسنة المطهرة، بل نطقت بذلك جميع الكتب السماوية المنزلة على رسله، وجميع أهل
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) سورة البروج، آية: ٢٠.
(٣) هو: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
(٤) مختصر الصواعق المرسلة ٢/٢٧٢ - ٢٧٥. وانظر: "مجموعة الرسائل والمسائل" ٤/١٤٢.
[ ٤٨ ]
السموات ومؤمنو أهل الأرض من الجن والإنس، أتباع الرسل، وشهدت بذلك الفطر السليمة والقلوب المستقيمة التي لم تجتلها الشياطين عن دينها، كما فعلت بطائفة الجهمية الذين اتبعوا غير سبيل المؤمنين فأطاعوا الشيطان وابتعدوا عما يريده الرحمن، فجميع الخلق إلا من خذله الله يشهدون بأن خالقهم وفاطرهم، ومعبودهم الذي يألهونه، ويفزعون إليه ويدعونه رغبًا ورهبًا هو فوق كل شيء عالٍ على جميع خلقه، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وهو يعلم أحوالهم، ويسمع أقوالهم، ويرى حركاتهم وسكناتهم وجميع تقلباتهم، وما هم عليه لا يخفى منه خافية، ومن لم يعتقد ذلك فهو ضال عن سواء السبيل.
[ ٤٩ ]
المبحث الثالث: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق
لقد دلت السورة على أن القرآن منزل من الله غير مخلوق، وأنه صفة من صفاته تعالى، وصفاته - تعالى - كما هو معلوم ليست مخلوقة في عدة آيات:
قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ الله مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ .
هذه سبع آيات من السورة، الخمس الآيات الأولى منها دلت على أن القرآن منزل من الله - تعالى - غير مخلوق كما تضمنت الرد على القائلين بخلق القرآن، وهم المعتزلة وترد قول القائلين أن المراد من النزول نزول الملك الذي بلّغه إلى الرسول، وليس المراد به القرآن الذي هو صفة من صفات الله - تعالى - كما قال ذلك الرازي١.
_________________
(١) التفسير الكبير ٢٦/٢٣٨.
[ ٥٠ ]
ووجه الرد عليهم بالآيات الخمس الأولى: أنها صرحت بتنزيل وإنزال الكتاب الذي هو القرآن بواسطة الرسول الملكي فهو منزل من الله وهو كلامه حقيقة.
وأما الآية السادسة: وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ .
بين الله - تعالى - فيها أنه مثّل للمشركين من كل مثل من أمثال الأمم الخالية في هذا القرآن تخويفًا منه، وتحذيرًا ليتعظوا ويتذكروا علّهم ينزجرون عما هم عليه من التكذيب بالرسول والكفر بالله تعالى.
وأما الآية السابعة: وهي قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ .
قال السيوطي١ حول هذه الآية: "فيها الرد على من قال بخلق القرآن"٢.
وروى اللالكائي والآجري٣ بسند صحيح إلى ابن عباس ﵄ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ قال غير مخلوق٤.
فتلك الآيات من السورة دلت على أن القرآن منزل غير مخلوق وكما هو معلوم أن الإيمان بالكتب ركن من أركان الإيمان الستة، ومن الإيمان بالكتب الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدا وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة، لا كلام غيره، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله، أو عبارة، بل إذا قرأه الناس، أو كتبوه بذلك في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله - تعالى - حقيقة فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا لا
_________________
(١) هو: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين الخضيري السيوطي، جلال الدين إمام حافظ مؤرخ أديب. له مؤلفات كثيرة في مختلف العلوم والفنون. ولد سنة تسع وأربعين وثمانمائة وتوفي سنة إحدى عشرة وتسعمائة هجرية. انظر ترجمته في: "الكواكب السائرة ١/٢٢٦، شذرات الذهب ٨/٥١، الضوء اللامع ٤/٦٥، حسن المحاضرة ١/٣٣٤.
(٢) الإكليل في إستنباط التنزيل ص٢٢٤.
(٣) هو: محمد بن الحسين بن عبد الله أبو بكر الآجري. فقيه، شافعي، محدث. توفي سنة ستين وثلاثمائة هجرية. انظر ترجمته في: تاريخ بغداد ٢/٢٤٣.
(٤) السنة للالكائي ٢/٢١٧، كتاب الشريعة للآجري ص٧٧، الأسماء والصفات للبيهقي ص٣١١.
[ ٥١ ]
إلى من قاله مبلغًا مؤديًا، وهو كلام الله حروفه ومعانيه ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف"١.
وهذا ما يجب اعتقاده في القرآن ولا يجوز العدول عنه بحال.
قال الصابوني: "ويشهد أصحاب الحديث ويعتقدون أن القرآن كلام الله، وكتابه ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ومن قال بخلقه فهو كافر عندهم، والقرآن الذي هو كلام الله ووحيه هو الذي ينزل به جبريل على الرسول ﷺ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ٢. وكما قال - عز من قائل - ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ٣.
وهو الذي بلغه الرسول ﷺ أمته إلى أن قال: سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول سمعت أبا الوليد حسان بن محمد يقول: سمعت الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق فمن قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم لا تقبل شهادته ولا يعاد إن مرض ولا يصلى عليه إن مات ولا يدفن في مقابر المسلمين ويستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه٤.
هذا الذي ذكره الصابوني - رحمه الله تعالى - معتقد أهل السنة والجماعة في كتاب الله - تعالى - وهو ما كان عليه السلف الصالح حيث كانوا على عقيدة واحدة في كتابه - تعالى - وهو القول بأنه كلام الله حقيقة منزل غير مخلوق.
قال العلامة ابن القيم: "وقد تنازع الصحابة ﵃ في كثير من مسائل الأحكام - وهم سادات المؤمنين، وأكمل الأمة إيمانًا ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة كلمة واحدة"٥.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣/١٤٤.
(٢) سورة فصلت، آية: ٣ - ٤.
(٣) سورة الشعراء، آية: ١٩٢ - ١٩٥.
(٤) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ١/١٠٧ - ١٠٨.
(٥) إعلام الموقعين ١/٤٩.
[ ٥٢ ]
هذا هو واقع الصحابة فقد كان مجتمعهم مجتمعًا سليمًا من الشوائب والانحرافات المشؤومة، ولم يحدث القول بخلق القرآن إلا الجهمية من المعتزلة، وهو من أعظم الفتن التي مرت بها الأمة الإسلامية في تاريحها، وكان أول من أحدث القول بخلق القرآن هو "الجعد بن درهم"١ سنة أربع وعشرين ومائة هجرية، ولما هلك أخذ الراية من بعده "الجهم بن صفوان" سنة ثمان وعشرين ومائة هجرية.
ولما بدأ القرن الثالث الهجري تولى نشر هذه البدعة بشر بن غياث المريسي سنة ثماني عشرة ومائتين هجرية، ثم تلقاها أحمد بن أبي دؤاد سنة أربعين ومائتين هجرية وزينها للمأمون حتى اعتنقها، وحمل الناس عليها وأكرههم على اعتقادها، وحذى حذوه من بعده أخوه المعتصم والواثق.
وفي زمن هؤلاء الثلاثة الخلفاء العباسيين نزلت المحنة والبلاء بعلماء أهل السنة والجماعة الذين ثبتوا في اعتقادهم على منهج السلف وردوا كيد المعتزلة في نحورهم ببيان الحق في كلام الله - تعالى - حتى أن الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - ضرب في هذه المحنة كي يحصلوا منه على أدنى كلمة توافق مذهب الإعتزال فلم يستطيعوا إلى ذلك سبيلًا، فثبت - رحمه الله تعالى - على التمسك بعقيدة السلف الصالح حتى كان سببًا في حفظ العقيدة السلفية الصحيحة التي حماها الله من التلوث ببراثن الجهمية المعتزلة، وبيّن ﵀ بموقفه ذلك بطلان ما دبره الجهمية والمعتزلة من الكيد للإسلام، فبلّغ الأمة فساد قولهم بأن القرآن مخلوق، ولم ترتفع تلك الفتنة وهي فتنة القول بخلق القرآن إلا في زمن المتوكل سنة أربع وثلاثين ومائتين٢، وبسبب تلك المحنة التي امتحن فيها أئمة الإسلام، وثبت فيها إمام أهل السنة أحمد بن حنبل تنازع الناس في القرآن نزاعًا كبيرًا،
_________________
(١) هو: الجعد بن درهم مولى سويد بن غفلة أصله من خراسان. سكن دمشق فلما أظهر القول بخلق القرآن أخذ الأمويين في البحث عنه فهرب إلى الكوفة فلقي الجهم بن صفوان ولقنه مذهبه ذلك فقبض عليه أمير الكوفة "خالد بن عبد الله القسري" وضحى به حيث قال وهو على المنبر "أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا ثم نزل فذبحه". البداية ٩/٣٥٠، الميزان ١/٣٩٩، خلق أفعال عباد ص٧، الرد على الجهمية للدارمي ص١١٣.
(٢) تاريخ الأمم والملوك للطبري ٨/٦٣١-٦٤٦، البداية والنهاية ١٠/٣٠٨ - ٣١١، ٣١٩، ٣٥٨، مطبعة السعادة وانظر تاريخ الجهمية والمعتزلة ص٦٠-٧٠.
[ ٥٣ ]
فانقسموا إلى طوائف مختلفة في صفة الكلام حتى قيل إن علم الكلام إنما سمي بهذا الاسم أخذًا من الكلام في هذه المسألة وسأذكر هنا الأقوال المذكورة عن الفرق في صفة الكلام بطريقة مختصرة:
مذهب السلف:
قالوا: إن الكلام صفة لله كسائر الصفات الأخرى، وهي صفة ذات وفعل، يتكلم متى شاء وكيف شاء، وهو حروف وأصوات يسمعها من يشاء من مخلوقاته، وإن كلامه وصوته ليس كصوت المخلوقين وكلامهم فهو قديم النوع حادث الأفراد.
كما أنهم أجمعوا على أن موسى ﵇ سمع كلام الله من الله تعالى لا من الشجر أو الحجر، أو من غير ذلك كما زعمت الجهمية والمعتزلة لأنه لو سمع من غير الله - تعالى - لكان بنو إسرائيل أفضل ذلك منه، فإنهم سمعوا من أفضل ممن سمع منه موسى لكونهم سمعوا من موسى ﵇ وهو على زعمهم إنما سمع من الشجرة، وهو غير معقول.
وكذلك لم يجز أن يكون الكلام الذي سمعه إلا صوتًا وحرفًا، وليس معنى في النفس، فإنه لو كان معنى في النفس كما زعمت الكلابية والأشاعرة والماتريدية لم يكن ذلك تكليمًا لموسى ﵇ ولا هو شيءٌ يسمع١.
فالقرآن عند أهل السنة والجماعة سلفًا وخلفًا كلام الله - تعالى - ووحيه، وتنزيله فيه معاني توحيده، ومعرفة آياته، وأنه غير مخلوق بحروفه ومعانيه فهو كلام الله - تعالى - حقيقة ويضاف الكلام إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغًا، ومؤديًا، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله، أو عبارة عنه، كما يزعم ذلك الكلابية، والأشاعرة.
مذهب الفلاسفة:
قالوا: "إن كلام الله هو عبارة عما يفيض من العقل الفعَّال أو من غيره على النفوس الفاضلة الزكية، بحسب استعدادها، فأوجب لها ذلك الفيض تصورات، وتصديقات
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى ١٢/٣٩ - ٤٠، مختصر الصواعق المرسلة ٢/٢٩٦ - ٢٩٨، شرح العقيدة الطحاوية ص١٨٩، لوامع الأنوار البهية ١/١٤٠.
[ ٥٤ ]
بحسب ما قبلته منه، ولهذه النفوس عندهم ثلاث قوى، قوة التصور، وقوة التخيل، وقوة التعبير، فتدرك بقوة تصورها من المعاني ما يعجز عنه غيرها، وتدرك بقوة تخيلها شكل المعقول في صورة المحسوس، فتتصور المعقول صورًا نورانية تخاطبها وتكلمها بكلام تسمعه الآذان، وهو عندهم كلام الله ولا حقيقة له في الخارج وإنما ذلك كله من القوة الخيالية الوهمية"١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فيقولون هذا القرآن كلام الله وهذا الذي جاءت به الرسل كلام الله، ولكن المعنى أنه فاض على نفس النبي ﷺ من العقل الفعَّال، وربما قالوا: إن العقل هو جبريل الذي ليس على الغيب بضنين أي: بخيل لأنه فيَّاض. ويقولون إن الله كلم موسى من سماء عقله، وأن أهل الرياضة والصفا يصلون إلى أن يسمعوا ما سمعه موسى كما سمعه موسى٢.
وهذا المذهب: من أبعد المذاهب عن الحق والصواب إذ مضمونه أن كلام الله - تعالى - من الوهم والخيال ليس له وجود في الخارج إذ أنهم يزعمون: أن موسى سمع كلام الله من سماء عقله أي: بكلام لم يسمعه من خارج. وهذا مناقض للكتاب والسنة وإنكار لربوبية الخالق ﷾، والكتاب والسنة دلا بوضوح على أن الله - تعالى - أوحى إلى رسوله ﷺ وإلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، والوحي كان إما بتكليم الله لهم بلا واسطة، أو يوحي إليهم بواسطة الملك الذي يأمره الله بتبليغ الوحي إلى النبي الذي اصطفاه الله لتبليغ رسالته إلى عباده من الجن والإنس.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٣.
فهذه الآية دلت على أن الوحي إلى الرسل كان حقيقة ولم يكن تخييلًا يتخيله الرسول كما زعم ذلك الفلاسفة المارقون ومن جرى في ركابهم من المتكلمين فدعواهم ذلك من أبطل الباطل.
_________________
(١) رسائل إخوان الصفا ٤/٢٠٩، نقض المنطق ص٣٢، مجموعة الرسائل والمسائل ٣/٤٢٨، منهاج السنة النبوية ١/٢٢١، مختصر الصواعق ٢/٢٨٨، إغاثة اللهفان ٢/٢٦٢، شرح الطحاوية ص١٧٩.
(٢) مجموع الفتاوى ١٢/٢٣.
(٣) سورة الشورى، آية: ٥١.
[ ٥٥ ]
"والأصل الذي قادهم إلى هذا عدم الإقرار بالرب الذي عرَّفت به الرسل ودعت إليه وهو القائم بنفسه المباين لخلقه العالي فوق سمواته، فوق عرشه الفعَّال لما يريد بقدرته ومشيئته العالم بجميع المعلومات القادر على كل شيء فهم أنكروا ذلك كله"١.
مذهب الجهمية:
أما مذهب الجهمية في صفة الكلام فإنهم قالوا: إن كلامه - سبحانه - مخلوق، ومن بعض مخلوقاته ليس قائمًا بذاته - سبحانه - فالكلام بدأ من هذه المخلوقات وليس من الله ولا يقوم بالله كلام ولا إرادة وأنه - سبحانه - كلّم موسى بكلام خلقه في الشجرة، وكلّم جبريل بكلام خلقه في الهواء٢.
قال أبو الحسن الأشعري: "وزعمت الجهمية كما زعمت النصارى لأن النصارى زعمت أن كلمة الله حواها بطن مريم، وزادت الجهمية عليهم فزعمت أن كلام الله مخلوق حل في شجرة وكانت الشجرة حاوية له فلزمهم أن تكون الشجرة بذلك الكلام متكلمة، ووجب عليهم أن مخلوقًا من المخلوقين كلم موسى، وأن الشجرة قالت: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ ٣.
وقال البغدادي وهو يذكر بعض الأمور التي اتفقت عليها الجهمية فقال: "وقال: أي - جهم - بحدوث كلام الله - تعالى - كما قالت القدرية ولم يسم الله - تعالى - متكلمًا به" أ. هـ٤.
وقال البخاري - رحمه الله تعالى ـ: "وقال بعض أهل العلم: إن الجهمية هم المشبهة لأنهم شبهوا ربهم بالصنم والأصم، والأبكم الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم، ولا يخلق، وقالت الجهمية: هو كذلك لا يتكلم ولا يبصر نفسه"٥.
_________________
(١) مختصر الصواعق المرسلة ٢/٢٨٨.
(٢) الملل والنحل ٢١/٨٩، أصول الدين للبزدوي ص٥٣، مختصر الصواعق ٢/٢٨٨.
(٣) الإبانة ص٢٠، والآية رقم: ١٤ من سورة "طه".
(٤) الفرق بين الفرق ص٢١٢.
(٥) خلق أفعال العباد ص١٥.
[ ٥٦ ]
ولقد ذكر ابن قتيبة - رحمه الله تعالى ـ: مذهب الجهمية في صفة الكلام فقال: "وقالوا: في كلام الله إنه مخلوق"١.
وقال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي "باب الاحتجاج للقرآن" أنه غير مخلوق ثم ذكر حشدًا كبيرًا من الأدلة على عدم خلق القرآن ثم قال: "ففي هذا بيان بين أن القرآن خرج من الخالق لا من المخلوقين، وأنه كلام الخالق لا كلام المخلوقين" أ. هـ٢.
فهذا هو مذهب الجهمية الزنادقة في كلام الله - تعالى - حيث يزعمون أن القرآن كلام الله على سبيل المجاز وهو مخلوق، وقولهم هذا ظاهر البطلان لمخالفته الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها.
مذهب المعتزلة:
أما المعتزلة أفراخ الجهمية فقد قالوا: "إن كلام الله - تعالى - مخلوق، خلقه الله منفصلًا عنه، وهو حرف وصوت وأن موسى سمع كلامًا أحدثه الله في الشجرة، ولم يسمع كلام الله حقيقة"٣.
قال عبد الجبار بن أحمد مبينًا مذهبه ومذهب إخوانه من أهل الاعتزال في القرآن:
"وأما مذهبنا في ذلك فهو أن القرآن كلام الله - تعالى - ووحيه، وهو مخلوق محدث أنزله الله على نبيه ليكون علمًا ودالًا على نبوته، وجعله دلالة لنا على الأحكام لنرجع إليه في الحلال والحرام" أ. هـ٤.
وقال في كتابه "المغني" " اختلف الناس في ذلك "الكلام" والذي يذهب إليه شيوخنا أن كلام الله ﷿ من جنس الكلام المعقول في الشاهد، وهو حروف منظومة، وأصوات مقطعة، وهو عرض يخلقه الله - سبحانه - في الأجسام علو وجه يسمع ويفهم معناه ويؤدي الملك ذلك إلى الأنبياء ﵈ بحسب ما يأمر به ﷿ ويعلمه صلاحًا ويشتمل على الأمر والنهي وسائر الأقسام ككلام العباد".
_________________
(١) الاختلاف في اللفظ ص٢٣٣ ضمن عقائد السلف.
(٢) الرد على الجهمية ص٩٨ - ٩٩.
(٣) انظر المقالات لأبي الحسن الأشعري ١/٦٢٧، وما بعدها، وأصول الدين البزدوي ص٥٣، الملل والنحل ١/٤٥.
(٤) شرح الأصول الخمسة ص٥٢٨.
[ ٥٧ ]
وقال أيضاَ: "ولا خلاف بين أهل العدل في أن القرآن مخلوق محدث مفعول لم يكن، ثم كان وأنه غير الله ﷿ وأنه أحدثه بحسب مصالح العباد، وهو قادر على أمثاله وأنه يوصف بأنه مخبر به، وقائل، وآمر، وناه من حيث فعله وكلهم أنه ﷿ متكلم به" أ. هـ١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية مبينًا وجه تقارب مذهب المعتزلة والجهمية ووجه افتراقهما: "فمذهبهم - أي المعتزلة - ومذهب الجهمية في المعنى سواء، لكن هؤلاء يقولون: هو متكلم حقيقة وأولئك ينفون أن يكون متكلما حقيقة، وحقيقة قول الطائفتين أنه غير متكلم، فإنه لا يعقل متكلم إلا من قام به الكلام ولا مريد إلا من قامت به الإرادة، ولكن معنى كونه - سبحانه - متكلمًا عندهم، أنه خلق الكلام في غيره" أ. هـ٢.
والقرآن والسنة يقرران بطلان مذهب المعتزلة من أساسه قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٣.
ووجه الدلالة من الآية: أن الله - تعالى - خلق كل شيء بقوله "كن" ولو كانت "كن" مخلوقة لأدى ذلك إلى أن مخلوقًا خلق مخلوقًا آخر وهذا من القول المستحيل الذي لا يقول به أحد قط.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤.
وجه الدلالة من هذه الآية: أن الله فرَّق بين خلقه وأمره فالمراد بالخلق في الآية هو المخلوقات، والمراد بالأمر في الآية القرآن فالآية دلت على إبطال قول المعتزلة بأن القرآن مخلوق إذ الأمر ما يكون به الخلق.
_________________
(١) ٧/٣، وانظر الفرق بين الفرق ص١١٤.
(٢) مجموع الفتاوى ١٢/٣١١-٣١٢.
(٣) سورة يس، آية: ٨٢.
(٤) سورة الأعراف، آية: ٥٤.
[ ٥٨ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ١.
ووجه الدلالة من الآية:
أن الله - تعالى - بين أن القول منه وما كان منه فليس مخلوقًا.
وروى اللالكائي بإسناده إلى وكيع بن الجراح أنه قال: "من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن شيئًا من الله مخلوق فقيل له: يا أبا سفيان من أين قلت هذا؟ قال: لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ ولا يكون من الله شيء مخلوق"٢.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ﴾ ٣.
وجه الدلالة من هذه الآية:
أن المخلوقات كلها نافدة وفانية، أما كلمات الله - تعالى - فلا تنفد ولا تفنى ولذلك يقول الباري - سبحانه - عندما تفنى الخلائق كلها لمن الملك اليوم؟ فيجيب ﴿لله الْوَاحِدِ الْقَهَّار﴾ ٤.
وروى ابن جرير الطبري بإسناده إلى الحسن البصري في الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ﴾ قال: لو جعل شجر الأرض أقلامًا، وجعل البحور مدادًا وقال: إن من أمري كذا ومن أمري كذا لنفد ماء البحور وتكسرت الأقلام"٥.
وقال الرسول ﷺ: "يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك فأين ملوك الأرض " ٦ الحديث.
_________________
(١) سورة السجدة، آية: ١٣.
(٢) شرح أصول السنة لللالكائي ٢/٢١٩.
(٣) سورة لقمان، آية: ٢٧.
(٤) سورة غافر، آية: ١٦.
(٥) تفسير ابن جرير ٢١/٨١.
(٦) متفق عليه من حديث أبي هريرة. صحيح البخاري مع الفتح ١١/٣٧٣، صحيح مسلم ٤/٢١٤٨.
[ ٥٩ ]
فهذا الحديث والآيات قبله فيها الرد الواضح الصريح على المعتزلة القائلين بأن كلام الله مخلوق لأن كلام الله صفة من صفاته، وصفاته كذاته ليس شيء من ذلك مخلوق والذي حمل المعتزلة على القول بأن القرآن مخلوق منفصل عن الله - تعالى - خلقه في غيره.
قالوا: "إنما قلنا ذلك لأنا إنما استدللنا على حدوث العالم بحدوث الأجسام، وإنما استدللنا على حدوثها بقيام الحوادث بها وأن ما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها فلو قلنا إنه تقوم به الصفات والكلام لزم قيام الحوادث به لأن هذه الأعراض حادثة".
وهذا الكلام المحدث المبتدع جعلوه أصلًا لهم في نفي صفات الله - تعالى - وظنوا أنهم ينصرون به الإسلام، ويضرون به أعداءه، ولكن لا الإسلام نصروا ولا أعداءه كسروا وإنما النتيجة التي حصلت لهم من وراء هذا الأصل الباطل أن سلطوا على أنفسهم علماء الشرع والعقل، فعلماء الشرع قالوا لهم: إنكم خالفتم بقولكم هذا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وعلماء الفلسفة قالوا لهم: إنكم خالفتم بقولكم هذا المعقول رغم أن المعتزلة أعرف من الفلاسفة بعلوم الدين وأولئك أجهل منهم بالشرع والعقل في الإلهيات، ففتحوا على أنفسهم مدخلًا دخلوا عليهم منه، ونقموا عليهم بسبب مخالفتهم للعقل١.
وأما استدلال المعتزلة على خلق القرآن بقوله تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢.
ويقولون: "إن القرآن داخل في عموم "كل" لأنه شيء فيكون مخلوقًا فهذا مما يعجب له العقلاء، إذ أنهم يزعمون أن أفعال العباد غير مخلوقة لله - جل وعلا - وإنما يخلقها العباد جميعها لا يخلقها الله فأخرجوها من عموم "كل"، وأدخلوا كلام الله في عمومها مع أنه صفة من صفات الله - تعالى - به تكون الأشياء المخلوقة إذ المخلوقات تكون بأمره - سبحانه - كما تقدم ذلك، ومن قال: بأن صفات الله - تعالى - مخلوقة كالعلم والقدرة وغيرهما فهذا من الكفر الصريح لأن علمه - تعالى - شيء وحياته شيء وقدرته شيء،
_________________
(١) منهاج السنة ٢/٨٠ بتصرف يسير.
(٢) سورة الرعد، آية: ١٦.
[ ٦٠ ]
فيدخل في العموم الذي تتضمنه "كل" فيكون مخلوقًا بعد أن لم يكن - تعالى الله - عما يقولون علوًا كبيرًا"١.
قال ابن القيم ﵀ تعالى: "احتج المعتزلة على مخلوقية القرآن بقوله - تعالى - ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ " ونحو ذلك من الآيات، فأجاب الأكثرون بأنه عام مخصوص، يخص محل النزاع كسائر الصفات من العلم ونحوه.
قال ابن عقيل٢ في الإرشاد: ووقع لي أن القرآن لا يتناوله هذا الإخبار ولا يصلح لتناوله قال: لأن به حصل عقد الإعلام بكونه خالقًا لكل شيء وما حصل به عقد الإعلام والإخبار لم يكن داخلًا تحت الخبر قال: ولو أن شخصًا قال: لا أتكلم اليوم كلامًا إلا كان كذبًا لم يدخل إخباره بذلك تحت ما أخبر به قلت: ثم تدبرت هذا فوجدته مذكورًا في قوله تعالى في قصة مريم ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ ٣.
وإنما أمرت بذلك لئلا تسأل عن ولدها فقولها "فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا" به حصل إخبار بأنها لا تكلم الإنس، ولم يكن ما أخبرت به داخلًا تحت الخبر وإلا كان قولها هذا مخالفًا لنذرها" أ. هـ٤.
"فقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ التي استدل بها المعتزلة على خلق القرآن آية عامة في جميع الخلق لا يخرج عنها شيء من هذا الوجود أعيانه وأفعاله، وحركاته وسكناته، ولا يخصص بذات الله - تعالى - وصفاته إذ الباري - سبحانه - خالق بذاته وصفاته وما سواه مخلوق له - تعالى - ونفس اللفظ في الآية قد فرّق بين الخالق - سبحانه - وبين المخلوق، وصفاته - تعالى - داخلة في مسمى اسمه - تعالى - فإن لفظ الجلالة "الله" اسم للإله
_________________
(١) انظر شفاء العليل ص٥٣، شرح الطحاوية ص١٨٣.
(٢) علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغداد الظفري، أبو الوفاء، ويعرف بابن عقيل. عالم العراق وشيخ الحنابلة ببغداد في وقته. كان قوي الحجة ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وتوفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. انظر ترجمته في: شذرات الذهب ٤/٣٥، ميزان الإعتدال ٣/١٤٦ جلاء العينين ص١٦٠.
(٣) سورة مريم، آية: ٢٦.
(٤) بدائع الفوائد ٤/٢١٨.
[ ٦١ ]
ـ تعالى - الموصوف بكل صفة كمال المنزه عن كل صفة عيب ونقص ومثال، والخلق قسمان: أعيان وأفعال وهو - سبحانه - الخالق لأعيانه وما يصدر عنها من الأفعال"١.
ويقال للمعتزلة أيضًا: إن عموم "كل" في كل مقام بحسبه ويتبين ذلك بالقرائن، وبرهان ذلك قوله - تعالى - ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ ٢ ومساكن قوم عاد شيء، ولم تدخل في عموم كل شيء دمرته الريح وذلك لأن المراد تدمر كل شيء قابل للتدمير بواسطة الريح.
وقال تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٣ والمراد من كل شيء تحتاجه الملوك، ومثل هذا يفهم من قرائن الكلام، فمراد الهدهد أنها ملكة كاملة في أمر الملك غير محتاجة إلى ما يكمل به أمر ملكها ولهذا نظائر كثيرة والمراد من قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي كل شيء مخلوق وكل موجود سوى - الباري - فهو مخلوق فيدخل في هذا العموم أفعال العباد قطعًا ولم يدخل في هذا العموم الخالق - تعالى - وصفاته - تعالى - ليست غيره لأنه ﷾ هو الموصوف بصفات الكمال، وصفاته - تعالى - ملازمة لذاته المقدسة، ولا يتصور انفصال صفاته - تعالى - عنه بحال"٤.
كما يقال لهم أيضًا: كيف يصح أن يتكلم الله بكلام قائم بغيره ولو جاز ذلك للزم أن يكون كل كلام أحدثه في الجمادات كلامه! وكذلك الكلام الذي خلقه في الحيوانات يكون كلامه، ولا يكون هناك فرق بين نطق وأنطق، وإنما قالت الجلود ﴿أَنْطَقَنَا اللهُ﴾ ٥ ولم تقل: نطق الله بل يلزم أن يكون متكلمًا بكل كلام خلقه في غيره زورًا، أو كذبًا، أو كفرًا، أو هذيانًا - تعالى الله - عما يقوله المعتزلة والجهمية علوًا كبيرًا، وهذا ما قاله الاتحادية فقد قال ابن عربي:
وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه
_________________
(١) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر ص٥٣ بتصرف يسير.
(٢) سورة الأحقاف، آية: ٢٥.
(٣) سورة النمل، آية: ٢٣.
(٤) شرح الطحاوية ص١٨٥، وما بعدها.
(٥) سورة فصلت، آية: ٢١.
[ ٦٢ ]
ولو صح هذا لكان قول فرعون ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ ١ من كلام الله كما أن الكلام المخلوق في الشجرة على زعمهم كلام الله وهذا من باطل القول وزوره إذ الرسل عليهم الصلاة والسلام أخبروا الناس وأفهموهم أن الله نفسه هو الذي تكلم والكلام قائم به لا بغيره ولذلك عاب الله على من يعبد إلهًا لا يتكلم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ ٢، ولا يحمد شيء بأنه متكلم ويذم بأنه غير متكلم إلا إذا كان الكلام قائمان به" أ. هـ٣.
وأما استدلالهم - المعتزلة - بقوله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ٤ على خلق القرآن فهو استدلال ظاهر الفساد فإن الفعل "جعل" إذا كان بمعنى "خلق" فإنه يتعدى إلى مفعول واحد كقوله - سبحانه - ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ ٥ وإذا كان يتعدى إلى مفعولين لم يكن بمعنى خلق قال تعالى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ ٦.
ومثل هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ٧.
وللمعتزلة أدلة أخرى غير هذه الأدلة ولكن بحمد الله - تعالى - لقد بين علماء السلف عدم وجهة استدلالهم بها وأن تعلقهم بها لا يساعد على دعواهم في القول بخلق القرآن.
مذهب الكلابية:
لقد ذهب عبد الله بن سعيد بن كلاب وأتباعه إلى أن القرآن عبارة عن حكاية معنى قائم بنفسه لا يتعلق بقدرته - تعالى - ومشيئته وأنه لازم لذاته - جل وعلا - كلزوم الحياة
_________________
(١) سورة النازعات، آية: ٢٤.
(٢) سورة الأعراف، آية: ١٤٨.
(٣) منهاج السنة ١/٢٢٢ـ٢٢٣، شرح الطحاوية ص١٨٤.
(٤) سورة الزخرف، آية: ٣.
(٥) سورة الأنعام، آية: ١.
(٦) سورة النحل، آية: ٩١.
(٧) شرح الطحاوية ص١٨٦، وانظر الاختلاف في اللفظ لابن قتيبة ص٢٣٤ـ٢٣٥ ضمن مجموعة عقائد السلف.
[ ٦٣ ]
والقدرة والعلم وأنه لا يسمع على الحقيقة، وليس له حرف ولا صوت، وهو أربعة معاني في نفسه الأمر، والنهي، والخبر والاستخبار، فهي أنواع لذلك المعنى القديم الذي لا يسمع وذلك المعنى هو المتلو المقرؤ، وهو غير مخلوق والأصوات والحروف هي تلاوة العباد وهي مخلوقة، وأن الله ﷾ لا يتكلم بمشيئته وقدرته وأنه ليس فيما يقوم به شيء يكون بمشيئته وقدرته لامتناع قيام الأمور الاختيارية به عندهم لأنها حادثة، والله لا يقوم به حادث عندهم وقالوا: إذا لو قلنا أنه بقدرته ومشيئته لزم أن يكون حادثًا فيلزم أن يكون مخلوقًا، أو قائمًا بذات - الرب - فيلزم قيام الحوادث به وذلك يستلزم تسلسل الحوادث، لأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده وتسلسل الحوادث ممتنع، إذ التفريع على هذا الأصل١.
فمذهب الكلابية أن القرآن العربي ليس عندهم كلام الله وإنما كلامه المعنى الذي قام بذاته، والقرآن العربي خلق ليدل على ذلك المعنى، ثم إما أن يكون خلق في بعض الأجسام الهواء أو غيره، أو ألهمه جبريل فعبر عنه بالقرآن العربي، أو ألهمه - محمدًا - فعبر عنه بالقرآن العربي وكما هو معلوم مذهب ظاهر البطلان.
مذهب الأشاعرة:
أما مذهب الأشاعرة فقد قالوا: الكلام عبارة عن معنى واحد قائم بنفسه وهو صفة أزلية قديمة، ليس بصوت ولا حرف، وهو عين الأمر، وعين النهي، وعين الخبر، وعين الاستخبار، الكل من أمر واحد ليس له أنواع ولا أجزاء فإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا وإن عبر عنه بالعربية فهو القرآن.
وقالوا: تسمى هذه العبارات كلام الله مجازًا، وأن موسى ﵇ لم يسمع كلام الله حقيقة بل سمع ما يدل عليه٢.
قال البغدادي: "كلام الله عندنا أمر ونهي وخبر ووعد ومن فوائد وجوهه العموم،
_________________
(١) مقالات الإسلاميين ٢/٢٥٧، وما بعدها، مجموع الفتاوى ١٢/١٢١، ٩٤، وانظر مجموعة الرسائل والمسائل ٣/٣٧٨، ومنهاج السنة النبوية ١/٢٢١، مختصر الصواعق المرسلة ٢/٢٩٠ـ٢٩١، وانظر لوامع الأنوار البهية ١/١٦٤، وانظر شرح الأصول الخمسة ص٥٢٧.
(٢) انظر تحفة المريد على جوهرة التوحيد ص٧١، شرح العقائد النسفية ص٩٤، شرح الفقه الأكبر ص٤٠ـ٤١.
[ ٦٤ ]
والخصوص، والمجمل، والمفسر، وفي أحكام ناسخ ومنسوخ، ولا ينسخ كلامه، لأنه لا يجوز عدمه ورفعه وقراءة كلامه بالعربية قرآن، وقراءته بالعبرانية توراة وبالسريانية إنجيل والقراءة غير المقروء لأن المقروء كلام الله وليست القراءة كلامه"١.
فالقرآن عند الأشاعرة كلام نفسي لأن الكلام ينقسم إلى قسمين:
كلام نفسي وهو كلام الله فذلك قديم، وكلام لفظي وهو حادث مخلوق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعالى - في رده على مذهبهم هذا: فالكلام القديم النفساني الذي أثبتموه لم تثبتوا ما هو؟. بل ولا تصورتموه وإثبات الشيء فرع عن تصوره فمن لم يتصور ما يثبته كيف يجوز أن يثبته ولهذا كان أبو سعيد بن كلاب رأس هذه الطائفة وإمامها في هذه المسألة لا يذكر في بيانها شيئًا يعقل بل يقول: هو معنى يناقض السكوت والخرس " أ. هـ٢.
وقال أيضًا - رحمه الله تعالى ـ:
"وأما قول الأشاعرة أن الكلام عبارة عن معنى واحد فهو باطل لأنه يقال لهم: "هل سمع موسى ﵇ جميع المعنى، أو بعضه فإن قالوا: سمعه كله فقد زعم أنه سمع جميع كلام الله، وفساد هذا ظاهر.
وإن قال: بعضه فقد قال: يتبعض وكذلك كل من كلمه الله، أو أنزل إليه شيئًا من كلامه، ولما قال الله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ٣. أو قال لهم: ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ وأمثال ذلك فهل هذا جميع كلامه، أو بعضه؟ فإن قال: إنه جميعه فهذا مكابرة وإن قال: بعضه فقد اعترف بتعدده وكذلك أن معنى آية الكرسي ليس معنى ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ٤ ولا معنى ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ٥، ولا معنى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ٦
_________________
(١) أصول الدين ص١٠٧ - ١٠٨.
(٢) مجموع الفتاوى ٦/٢٩٥-٢٩٦.
(٣) سورة البقرة، آية: ٣٠.
(٤) سورة الصمد، آية: ١.
(٥) سورة الإسراء، آية: ٣٢.
(٦) مجموع الرسائل والمسائل ٣/١٥٤. ط. دار الكتب العلمية، وانظر شرح الطحاوية ص١٩٧.
[ ٦٥ ]
وبهذا المذهب الأشعري قال الماتريدية في صفة الكلام١.
ثم إن مذهب الأشاعرة والماتريدية في صفة الكلام بعيد كل البعد عن مذهب السلف وقريب كل القرب من مذهب الجهمية والمعتزلة كما صرح الإيجي بذلك حيث قال: "قالت المعتزلة أصوات، وحروف يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ أو جبريل، أو النبي، وهو حادث، وهذا لا ننكره، لكنا نثبت أمرًا وراء ذلك وهو المعنى القائم بالنفس"٢ فلقد صدق العلماء في تسميتهم أفراخ المعتزلة".
مذهب الكرامية:
أما الكرامية فقد قالوا: إن كلام - الباري سبحانه - حروف وأصوات وأنه متعلق بالمشيئة والقدرة قائم بذات - الرب تعالى - تكلم به بعد أن لم يكن متكلمًا وأنه لا مانع أن توجد الحوادث للصانع - جل وعلا - بعد أن تكلم، فوجود الكلام عندهم في الأزل ممتنع كوجود الأفعال، وكذلك إن الكلام ممتنع أن يكون مخلوقًا في غيره والله - تعالى - متكلم بمشيئته وقدرته فيكون كلامه حادثًا كان بعد أن لم يكن"٣.
وذكر البزدوي مذهب الكرامية فقال: "وعند الكرامية الله - تعالى - متكلم على الحقيقة بكلام حادث قائم به، وأنهم يجوزون حدوث الأشياء بالله - تعالى ـ"٤.
وقول هؤلاء الكرامية مشتمل على حق وباطل فإثباتهم كلامًا وفعلًا حقيقة قائمين بذات المتكلم الفاعل هذا حق، وأما زعمهم أن - الباري جل وعلا - تكلم بعد أن لم يكن متكلمًا فهذا عين الباطل، لأن الكلام من صفات الكمال، وهو - سبحانه - متصف بصفات الكمال أزلًا وأبدًا.
_________________
(١) انظر التوحيد للماتريدي ص٥٨ - ٥٩، أصول الدين للبزدوي ص٥٥، شرح العقائد النسفية ص٨٩.
(٢) المواقف ص٢٩٤.
(٣) مجموع الرسائل والمسائل ٣/٤٥٥، منهاج السنة النبوية ١/٢٢١، لوامع الأنوار البهية ١/١٣٧، شرح الطحاوية ص١٨٠، أصول الدين للبزدوي ص٥٦.
(٤) أصول الدين ص٥٦.
[ ٦٦ ]
مذهب السالمية:
أما السالمية فقد قالوا: إن صفة الكلام من الصفات القديمة القائمة بذات - الرب جل وعلا - لم يزل ولا يزال، لا يتعلق بقدرته ومشيئته، ومع ذلك يقولون: بأنه حروف وأصوات وسور وآيات، سمعه جبريل منه، وسمعه موسى بلا واسطة ويسمعه - سبحانه - من يشاء، وإسماعه نوعان بواسطة، وبغير واسطة ومع ذلك فحروفه وكلماته لا يسبق بعضها بعضًا بل هي مقترنة الباء مع السين مع الميم في آن واحد لم تكن معدومة، في وقت من الأوقات، ولا تعدم بل لم تزل قائمة بذاته - سبحانه - قيام صفة الحياة والسمع والبصر١.
ثم إنهم اختلفوا في الأصوات المسموعة هل هي من القارئ أم لا؟.
فذهب جمهورهم إلى أن تلك الأصوات المسموعة من القارئين.
وقال قوم: بأن الصوت يسمع من القارئ ثم قد يقولون تارة أن القديم نفس الصوت المسموع من القارئ.
وبعضهم يقولون: "إنه يسمع من القارئ صوت قديم، ومحدث" أ. هـ٢.
مذهب الاتحادية والحلولية:
أما الاتحادية والحلولية فقد زعموا: بأن كل كلام في الوجود كلام الله نظمه، ونثره، حقه وباطله، سحره وكفره، خيره، وشره، فكل ذلك عين كلام الله - تعالى - القائم به، وهذا المذهب بنوه على أصلهم الذي أصلوه وهو اتحاد الخالق بالخلق وأن الله - سبحانه - هو عين الوجود، فصفاته هي صفات الله، وكلامه هو كلام الله، وأصل هذا المذهب، إنكار مباينة الله لخلقه وعلوه واستوائه على عرشه، ولما أصلوا لأنفسهم القول بأن الله في كل مكان وأنه - سبحانه - غير مباين لهذا العالم بل هو عين هذا العالم فله حينئذٍ كل اسم حسن وقبيح وكل صفة كمال ونقص، وكل كلام حق وباطل نعوذ بالله من ذلك.
_________________
(١) مجموعة الرسائل والمسائل ٣/٣٣، مختصر الصواعق المرسلة ٢/٢٩٣، مجموع الفتاوى ١٢/١٦٦.
(٢) مجموع الفتاوى ١٢/١٦٦ - ١٦٧.
[ ٦٧ ]
وهذا قول ابن عربي، وابن الغارضي وابن سبعين والتلمساني ومن جرى في ركابهم١.
تلك هي أقوال الناس ومذاهبهم في صفة الكلام، وهي الأقوال التي قيلت في القرآن الكريم، ومما لا شك فيه أن القول الذي يجب على المسلم أن يدين الله به هو ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من أن القرآن جميعه كلام الله حروفه ومعانيه ليس شيء من ذلك كلامًا لغيره، ولكن أنزله على رسوله وأنه - تعالى - يتكلم بصوت كما وردت بذلك الأحاديث الصحاح وليس ذلك كأصوات العباد لا صوت القارئ، ولا وغيره وأن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله فكما لا يشبه علمه وقدرته، وحياته، علم المخلوق وقدرته، وحياته فكذلك لا يشبه كلامه كلام المخلوق، ولا معانيه تشبه معانيه ولا حروفه تشبه حروفه ولا صوت - الرب - يشبه صوت العبد"٢.
فهذا المذهب هو المذهب الحق لموافقته الوحي الإلهي الذي هو الفيصل الحاسم عند التنازع والاختلاف.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٢/١٧٤، منهاج السنة ٢/٢٢١، مختصر الصواعق المرسلة ٢/٢٨٦ـ٢٨٨، شرح الطحاوية ص١٨٤.
(٢) مجموع الفتاوى ١٢/٢٤٣ـ٢٤٤.
[ ٦٨ ]
المبحث الرابع: إثبات صفة العزة
لقد أثبتت السورة صفة العزة - للباري سبحانه - في ثلاث آيات: ـ
قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾
وقال تعالى: ﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾
وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾
فاسمه - تعالى - ﴿الْعَزِيزُ﴾ الوارد في هذه الآيات الثلاث يشتق منه صفة "العزة"، وهي من الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الله - تعالى - فالعزيز اسم من أسماء الله - تعالى - وقد جاء في اشتقاقه وجوه:
الأول: أن يكون بمعنى لا مثيل له ولا نظير من "عز" الشيء بكسر العين في المضارع ومنه يقال: عز الطعام في البلد إذا تعذر وجوده عند الطلب، وإذا سمي الشيء الذي يعسر وجود مثله "بالعزيز" فبأن يسمى الشيء الذي يمتنع عقلًا أن يكون له نظير "بالعزيز" من باب أولى.
الثاني: أن يكون بمعنى الغالب الذي لا يغلب من "عزيعز" بضم العين في المضارع أي: غلب يغلب ومنه قوله - تعالى ـ: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ ١ أي غلبني وتقول العرب: "من عزيز" أي: من غلب سلب فإذا قيل: لمن غلب مع جواز أن يصير مغلوبًا أنه "عزيز" فالغالب الذي يمتنع أن يصير مغلوبًا، والقاهر الذي يستحيل أن يصير مقهورًا أولى أن يسمى "بالعزيز".
_________________
(١) سورة ص، آية: ٢٣.
[ ٦٩ ]
الثالث: أن يكون بمعنى الشديد "القوي" يقال: عزيعز، بفتح العين في المضارع إذا اشتد وقوي ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ ١ أي شددنا وقوينا وإذا سمي "القوي" الذي قد يضعف، والقادر الذي قد يعجز "بالعزيز" فلأن يسمى "القادر" الذي يستحيل في حقه العجز "عزيزًا" من باب أولى.
الرابع: أن يكون بمعنى "المعز" على وزن "فعيل" بمعنى "مفعل" كالأليم بمعنى المؤلم وعلى كل فعلى المعنى الأول يرجع إلى التنزيه، وعلى المعنى الثاني والثالث يعود إلى صفة الذات، وهي القدرة.
وعلى المعنى الرابع يرجع إلى صفو "الفعل"٢.
وقد ورد هذا الاسم الشريف في مواضع كثيرة من كتاب الله - تعالى - وكثرة تكراره دليل ناصع على إثبات صفة "العزة" لله تعالى ثبوتًا قطعيًا يليق بجلاله - سبحانه - من غير تمثيل، ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تحريف، ولا عبرة بمن نفى الصفة وأثبت الاسم كما هو مذهب المعتزلة٣ ولا قيمة لمن نفى الأسماء والصفات كما هو مذهب الجهمية٤ النفاة، ومذهبهم في الحقيقة يؤدي إلى القول بالعدم المحض وهو من أفسد المذاهب.
فصفة العزة ثابتة بنص كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وإن رغمت أنوف الجهمية والمعتزلة، وإليك بعض الآيات في ذلك: قال تعالى: ﴿وَلِلهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٥ فكل من له نوع بصيرة يعلم أن القوة والغلبة في الحقيقة - للباري ﷾ وحده ثم لمن أفاضها عليه من رسله، والصالحين من عباده - وعزته تعالى - غلبته وقهره لأعدائه، وعزة رسوله ﷺ إظهار دينه على كل الأديان، وعزة عباده المؤمنين، نصره لهم على أعدائهم
_________________
(١) سورة يس، آية: ١٤.
(٢) تفسير اسما الله الحسن للرازي ص١٩٤ـ١٩٥.
(٣) يطلق اسم المعتزلة على الذين يجمعون القول بالأصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد، والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ويقولون بإثبات الأسماء ونفي الصفات، انظر آراءهم، وأقوالهم في "مقالات الإسلاميين" ١/٢٣٥ومابعدها "الملل والنحل للشهرستاني" ١/٤٣ وما بعدها، الفرق بين الفرق ص١١٤ التبصير في الدين لأبي المظفر الإسفراييني ص٦٣.
(٤) انظر مقالات الإسلاميين ١/٣٣٨، الملل والنحل للشهرستاني ١/٨٦ وما بعدها الفرق بين الفرق ص٢١١ـ٢١٢، التبصير في الدين ص١٠٧ـ ١٠٨، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص٦٨.
(٥) سورة المنافقون، آية: ٨.
[ ٧٠ ]
فالمؤمنون لهم من العزة بقدر ما معهم من الإيمان وحقائقه فإذا حصل لهم نقص من العلو والعزة فبسبب ما فاتهم من حقائق الإيمان علمًا وعملًا، ونصرهم وتأييدهم موقوف على قيامهم بتكميل مراتب الإيمان وواجباته.
وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١ وقوله - سبحانه - ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢ وقال - جل شأنه - ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٣ وقال - سبحانه - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ ٤ وقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ٥ وقد قرن - سبحانه - بين وصف العزة والحكمة بقوله: ﴿وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٦.
ومعنى - العزيز - الغالب كل شيء والذي ذل - لعزته - كل عزيز والممتنع فلا يغلبه شيء وهو - سبحانه - رب العزة وبيده وحده "العزة" يعز بها من يشاء، ومن يريد العزة فلا مصدر لها سوى "العزيز" - سبحانه - قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فلِلِهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ ٧ وقد توعد الله المنافقين الذين يلتمسون "العزة" عند الكافرين الذين اتخذوهم أولياء من دون المؤمنين بالعذاب الأليم فقال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ٨.
ولقد جاء اسمه - تعالى - "العزيز" مقترنًا بأسماء أخرى من أسمائه ﵎ ولاقترانه ذلك أسرار دقيقة، ومعاني بديعة فقد اقترن باسمه - تعالى - "الحكيم" في عدة مواضع ذكرنا بعضها قريبًا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٩ فاقترانه بهذا الاسم
_________________
(١) سورة البقرة آية: ١٢٩.
(٢) سورة آل عمران آية: ١٨.
(٣) سورة إبراهيم آية: ٤٧.
(٤) سورة هود آية: ٦٦.
(٥) سورة الشعراء آية: ٩.
(٦) سورة الفتح آية: ٧.
(٧) سورة فاطر آية: ١٠.
(٨) سورة النساء آية: ١٣٨ - ١٣٩.
(٩) سورة النساء آية: ٥٦.
[ ٧١ ]
يفيد أنه الغالب الذي لا يعجزه شيء - سبحانه - وهو الحكيم في أقواله وأفعاله جميعًا يضع الأشياء في محالها التي تناسبها مناسبة تامة.
كما اقترن باسمه - تعالى - "ذو انتقام" عدة مرات مثل قوله - تعالى - ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ ١ واقترانه به يفيد أنه الغالب الذي يقدر على أن ينتقم ممن يستحق الانتقام منه بمنتهى العدل منه - سبحانه ـ.
واقترن باسم القوي في أكثر من موضع في كتاب الله - تعالى - مثل قوله - سبحانه - ﴿وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ٢ واقترانه بهذا الاسم يفيد أنه - سبحانه - ذو القوة التي لا تغلب فبقوته - سبحانه - وعزته يوقع بمن يشاء من عقوبته ولا معقب لما يريده - جل وعلا - وجاء مقترنًا باسمه - تعالى ـ: "الحميد" في عدة مواضع مثل قوله - تعالى - ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ٣.
واقترانه به يفيد أنه ﵎ العزيز الغالب الذي لا يضام من لاذ بجنابه المنيع "المحمود في جميع أفعاله وأقواله، وشرعه وقدرة، وأمره ونهيه، الصادق في خبره"٤ وهو المحمود على كل حال.
واقترن باسمه - تعالى - "الرحيم" أكثر من عشر مرات واقترانه به يفيد أنه مع عزته وغلبته وقوته - سبحانه - رحيم بخلقه ومعنى ذلك أنه لا يعجل العقوبة على من عصاه بل يؤجله وينظره ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر.
وقد جاء أيضًا مقرونًا باسمه - تعالى - "العليم" واقترانه به يفيد أنه العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف - العليم - بكل شيء فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وكثير ما إذا ذكر الله الليل والنهار، والشمس، والقمر يختم الكلام بالعزة والعلم.
قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ٥ فهو - سبحانه - العزيز الذي من عزته انقادت له كل هذه المخلوقات العظيمة فجرت مذللة بأمره
_________________
(١) سورة آل عمران، آية: ٤.
(٢) سورة الأحزاب، آية: ٢٥.
(٣) سورة إبراهيم، آية: ١.
(٤) تفسير القرآن العظيم ٤/١٠٨.
(٥) سورة فصلت، آية: ١٢.
[ ٧٢ ]
حيث لا تتعدى ما حده الله لها، ولا تتقدم عنه، ولا تتأخر العليم، الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن والأوائل والأواخر، كما أنه - العزيز - الذي قهر الخلائق فأذعنوا له، والعليم بجميع الأشياء، والعليم بأقوال المختلفين وعما ذا صدرت، وعن غاياتها وسيجازي كلًا بما علمه فيه١.
وقد جاء اسمه - تعالى - "العزيز" مقترنًا باسمه - تعالى - "الغفور" قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ ٢ وباسمه - تعالى - "الغفار" قال تعالى حكاية عن كليمه موسى ﵇: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّار﴾ ٣ واقترانه بهما يفيد أنه مع عزته وغلبته لكل خلقه فإنه - سبحانه - يغفر جميع الذنوب صغيرها وكبيرها لمن تاب إليه وأقلع عن ذنوبه ويلاحظ هنا أن اسم "العزيز" اقترن باسم "الغفور" و"الغفار" وكل منهما صيغة مبالغة على وزن "فعول" و"فعال" مما يدل على كثرة غفره - سبحانه - للتائبين المنيبين إليه وورد مقرونًا باسمه - تعالى - "المقتدر" مرة واحدة في كتاب الله - تعالى - وذلك في قوله - عز شأنه - ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِر﴾ ٤ واقترانه بهذا الاسم يفيد أنه - العزيز - الغالب الذي إذا أخذ المكذبين أخذهم أخذ غالب في انتقامه قادر على إهلاكهم لا يعجزه شيء ﷾ ـ٥ وورد مقترنًا باسمه - تعالى - "الوهاب" مرة واحدة في القرآن ومعناه: أنه - سبحانه - العزيز الغالب القاهر الذي لا يرام جنابه يعطي بغير حساب، ويعطي ما يريد لمن يريد عطاءً منه وتفضلًا من خزائن رحمته التي لا تنفد قال تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ ٦ كما اقترن مرة واحدة باسمه - تعالى - "الجبار" قال تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ﴾ ٧.
واقترانه بهذا الاسم يفيد أنه ﷾ "العزيز" القاهر الغالب الذي لا
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن: ٥/٢٨٧.
(٢) سورة الملك، آية: ٢.
(٣) سورة غافر، آية: ٤٢.
(٤) سورة القمر، آية: ٤٢.
(٥) انظر فتح القدير ٥/١٢٨.
(٦) سورة ص، آية: ٩.
(٧) سورة الحشر، آية: ٢٤.
[ ٧٣ ]
يوجد له نظير هو العظيم صاحب العظمة والجبروت ويجوز أن يكون من - جبر - إذا أغنى الفقير وجبر الكسير١ وقيل الجبار الذي لا تطاق سطوته.
فجميع الآيات التي قدمنا ذكرها أدلة قطعية واضحة على إثبات صفة - العزة - التي هي من صفات ذاته - سبحانه - التي لا تنفك عنه.
وصفة العزة لها ثلاث معان:
١ - عزة الدال عليها من الأسماء "القوي المتين".
٢ - عزة الإمتناع فإنه الغني فلا يحتاج إلى أحد ولن يبلغ العباد ضره فيضروه، ولا نفعه فينفعوه.
٣ - عزة القهر والغلبة لكل الكائنات، وقد ذكر هذه المعاني الثلاثة العلامة ابن القيم رحمة الله عليه حيث قال: ـ
وهو العزيز فلن يرام جنابه أنى يرام جناب ذو السلطان
وهو العزيز القاهر الغلاب لم يغلبه شيء هذه صفتان
وهو العزيز بقوة هي وصفه فالعز حينئذ ثلاث معان٢
أما من حيث إضافتها إلى الله - جل وعلا - فإنها تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول:
من باب إضافة الصفة إلى الموصوف كما في قوله - تعالى - حكاية عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٣ فالآية أوضحت أن إبليس عرف صفة العزة وأثبتها لله - تعالى - وأنكرها أهل التعطيل من جهمية ومعتزلة مكابرة وعنادًا كما أن الآية دلت على جواز الحلف بصفة - العزة - وغيرها من الصفات مثلها كما دلت على أن صفاته - تعالى - ليست مخلوقة لأن الحلف بالمخلوق شرك بالله العظيم وكذلك الاستعاذة به.
_________________
(١) انظر فتح القدير ٥/٢٠٨.
(٢) انظر القصيدة النونية مع شرحها "توضيح المقاصد وتصحيح القواعد" ٢/٢١٨.
(٣) سورة ص، آية: ٨٢.
[ ٧٤ ]
القسم الثاني:
إضافتها إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى خالقه وهي: العزة المخلوقة التي يعز بها أنبياءه وعباده الصالحين وهي ما يحصل لهم من النصر والتأييد وغلبة الأعداء، وقدمنا ما يدل على ذلك من القرآن١.
وحيث قلنا: إن القرآن دل على إثباته صفة العزة في كثير من آياته كذلك السنة دلت على ما دل عليه القرآن فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بينا أيوب يغتسل عريانًا خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحثي في ثوبه فناداه يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك ولكن لا غنى لي عن بركتك"٢.
وروي أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلة رجل يخالف الله وجهه عن النار قبل الجنة، ومثل له شجرة ذات ظل فقال: أي رب قدمني إلى هذه الشجرة أكون في ظلها قال الله ﷿ له هل عسيت إن فعلت أن تسأل غيره؟ قال لا وعزتك فيقدمه الله - تعالى - إليها، ومثل له ذات ظل وثمر فقال: أي رب قدمني إلى هذه الشجرة أكون في ظلها وآكل من ثمرها قال الله هل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسألني غيره؟ قال لا وعزتك فيقدمه الله إليها فيمثل له شجرة أخرى ذات ظل وثمر وماء فيقول: أي رب قدمني إلى هذه الشجرة أكون في ظلها وآكل من ثمرها وأشرب من ماءها فيقول الله ﷿ هل عسيت إن فعلت أن تسألني غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره فيقدمه الله - تعالى - إليها" الحديث٣.
وروى أبو داود٤ في سننه من حديث عثمان بن أبي العاص الثقفي قال: قدمت على رسول الله ﷺ وبي وجع قد كاد أن يبطلني فقال رسول الله ﷺ: "اجعل يدك اليمنى عليه
_________________
(١) بدائع الفوائد لابن القيم: ٢/١٨٥.
(٢) صحيح البخاري ١/٦١، وسنن النسائي ١/٢٠١، والمسند ٢/٢٤٣.
(٣) صحيح البخاري ٤/٢٨٤، وأحمد في المسند ١/٣٩٤.
(٤) هو: سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني أبو داود إمام أهل الحديث في زمنه، وهو أحد أئمة الحديث الستة ولد سنة اثنتين ومائتين وتوفي سنة خمس وسبعين ومائتين هجرية. انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٥٩١ - ٥٩٣، تاريخ بغداد ٩/٥٥ -٥٩، وفيات الأعيان ١/٢١٤".
[ ٧٥ ]
ثم قل: بسم الله أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد سبع مرات" ففعلت فشفاني الله ﷿ ـ١.
وروى البخاري: بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت، وإليك أنبت وبك خاصمت أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون" ٢.
وروى البخاري أيضًا: من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ "تقول جهنم قطٍ، قط٣ وعزتك" ٤. فهذا الحديث بين فيه النبي ﷺ أن جهنم تحلف بعزة الله - جل وعلا - وهو دليل واضح على إثبات هذه الصفة، كما أنه دليل على جواز الحلف بعزة الله، وغيرها من الصفات مثلها، يجوز الحلف بها.
والذي نخلص إليه مما تقدم من آيات قرآنية، وأحاديث نبوية صحيحة يتبين لنا أن الله - تعالى - أثبت لنفسه صفة العزة كما أثبتها له أنبياؤه ورسله وملائكته كما قال جبريل ﵇ حين رأى الجنة وما أعد فيها لأهلها: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها " الحديث٥ كما أثبتها له عباده المؤمنون الموحدون ولم ينكرها إلا من أشرب قلبه بمذهب التعطيل من الجهمية والمعتزلة فصفة العزة ثابتة لله - تعالى - بالأدلة القطعية التي لا تقبل المراء ولا الجدال فلا يمكن أن يكون أحد من الخلق معتزًا إلا به ﵎.
ولا عزة لأحد إلا هو مالكها - جل وعلا - ومن يريد العزة فليطلبها من الله، ولا يمكن أن ينالها أحد إلا بطاعته - ربه وسبحانه وتعالى - ولذلك أثبتها الله لرسوله ولعباده وأوليائه المؤمنين الذين أخلصوا له العبادة وأطاعوه حق الطاعة طمعًا في ثوابه وفرارًا من عقابه والتزموا نهج الكتاب والسنة، واتبعوا ما عليه سلف الأمة في إثبات صفات الله - تعالى - التي نطق بها الكتاب ونطقت بها السنة وأذاعها السلف في جميع الأمة، وبعد هذه الأدلة
_________________
(١) ٢/٣٣٨، والبيهقي في الأسماء والصفات ص١٦٥.
(٢) صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٣٦٨.
(٣) قال في النهاية: قط، قط: بمعنى: حسب وتكرارها للتأكيد ٤/٧٨.
(٤) صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٣٦٨.
(٥) رواه أحمد في المسند من حديث أبي هريرة ﵁ ٢/٣٣٣.
[ ٧٦ ]
القاطعة المقنعة لا يبقى أي مدخل لمن يقول: إن الله - عزيز - بلا عزة - قدير - بلا قدرة لأن هذه الأدلة الجمة تبطل زعمهم، وترد مقالتهم الباطلة كما ترد مذهب الجهمية الذين ينكرون الأسماء والصفات، كما تبين فساد قول القائلين بتأويل صفاته - تعالى - بمعان غير واردة، أو فرق بينها بأن أثبت بعضها على ما يليق بالله - تعالى - وادعى وجوب تأويل البعض الآخر كما فعل ذلك بعض الطوائف١ وهو تصرف خاطئ، ولا شك أن أدلة الكتاب والسنة وإجماع المؤمنين من هذه الأمة كل ذلك صفعة لهم على رؤوسهم وإبطال لكل انتحالاتهم فعلى كل الفرق التي ضلت في صفات الله - تعالى - تبعًا للهوى والرأي الفاسد أن ترجع إلى الصواب وتؤمن بما جاء في الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة، من الإيمان بالأسماء والصفات وتبتعد عن التمثيل، والتعطيل وعن التحريف، والتكييف ومن ثم لا يترتب على ذلك أي محذور يتصورونه بأفكارهم الضيقة لأنه - تعالى - ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢.
_________________
(١) مثل الأشعرية الكلابية، انظر "مقالات الإسلاميين" ١/٢٤٩ وما بعدها.
(٢) سورة الشورى، آية: ١١.
[ ٧٧ ]
المبحث الخامس: إثبات صفة الحكمة
لقد دلت السورة على إثبات صفة الحكمة - للباري جل وعلا - في أول آية منها:
قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ فاسمه - تعالى - "الحكيم" دل على صفة الحكمة - للرب ﷻ، واسمه - تعالى - "الحكيم" مأخوذ من الحكمة وله معنيان:
أحدهما: بمعنى القاضي العدل الحاكم بين خلقه بأمره الديني الشرعي وأمره الكوني القدري وله الحكم في الدنيا والآخرة.
الثاني: أنه المحكم للأمر كي لا يتطرق إليه الفساد١.
قال ابن القيم رحمة الله عليه:
الحكمة حكمتان علمية، وعملية فالعلمية الإطلاع على بواطن الأشياء ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها خلقًا وأمرًا وقدرًا، أو شرعًا.
والعملية: وضع الشيء في موضعه"٢.
قال الزجاج٣: الحاكم والحكم واحد كالواسط، والوسط وأصل الحكم المنع،
_________________
(١) النهاية لابن الأثير ١/٤١٨-٤١٩.
(٢) مدارج السالكين ٢/٤٧٨ - ٤٧٩.
(٣) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج النحوي كان من أهل العلم بالأدب، والدين كان يخرط الزجاج في بغداد وإليه نسبته، ولد سنة إحدى وأربعين ومائتين وتوفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة للهجرة. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ١/١١، وله ترجمة في أول كتابه "أسماء الله الحسنى" تحقيق أحمد يوسف الدقاق.
[ ٧٨ ]
ومنه الحكمة لأنها تمنع الفرس من التمرد، وكذا الحكمة تمنع الرجل عن السفاهة، ومنه الحكم لأنه يمنع الخصمين عن التعدي ومنه قولهم "في بيته يؤتى الحكم"١.
فاسمه - تعالى - الحكيم من لوازمه ثبوت الغايات المحمودة المقصودة له بأفعاله ووضعه الأشياء في مواضعها وإيقاعها على أحسن الوجوه فإنكار ذلك إنكار لهذا الإسم ولوازمه، وكذلك سائر أسمائه الحسنى"٢.
"فأسماء - الرب ﵎ دالة على صفات كماله فهي مشتقة من الصفات فهي أسماء وهي أوصاف وبذلك كانت حسنى إذ لو كانت ألفاظًا لا معاني فيها لم تكن حسنى ولا كانت دالة على مدحٍ ولا كمال، ولساغ وقوع أسماء الإنتقام والغضب في مقام الرحمة والإحسان وبالعكس فيقال: "اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت المنتقم واللهم أعطني فإنك أنت الضار والمانع ونحو ذلك"٣.
فصفة الحكمة من صفاته - تعالى - القائمة به كسائر صفاته الأخرى من السمع، والبصر والقدرة، والإرادة والعلم، والحياة والكلام وهذه الحكمة هي التي أمر لأجلها وخلق لأجلها، وقدر لأجلها ﷾.
والحكمة نوعان:
أحدهما: حكمة في خلقه وهي نوعان: الأول: إحكام هذا الخلق وإيجاده في غاية الإحكام والإتقان.
الثاني: صدوره لأجل غاية محمودة مطلوبة له - جل وعلا - وهي التي أمر لأجلها، وخلق لأجلها.
النوع الثاني: الحكمة في شرعه وهي تنقسم إلى قسمين أيضًا:
الأول: كونها في غاية الإحسان والإتقان.
الثاني: صدورها لغاية مطلوبة وحكمة عظيمة يستحق عليها الحمد.
_________________
(١) تفسير أسماء الله الحسنى ص٤٣.
(٢) مدارج السالكين ١/٣١.
(٣) المصدر السابق ١/٢٨.
[ ٧٩ ]
وقد أشار إلى هذه الأنواع العلامة ابن القيم حيث قال:
والحكمة العليا على نوعين أيضًا حصلا بقواطع البرهان
إحداهما في خلقه سبحانه نوعان أيضًا ليس يفترقان
إحكام هذا الخلق إذ إيجاده في غاية الإحكام والإتقان
وصدوره من أجل غايات له وله عليها حمد كل لسان
والحكمة الأخرى فحكمة شرعه أيضًا وفيها ذلك الوصفان
غاياتها اللاّتي حمدن وكونها في غاية الإتقان والإحسان١
وأوجد كل شيء على أدق نظام، وأحكم إتقان، خلق فسوى وقدر فهدى، وخلق الإنسان في أحسن تقويم، وخلق سبع سموات طباقًا ما ترى في خلقه من تفاوت ولا فطور زين السماء الدنيا بمصابيح وجعلها رجومًا للشياطين وأنبت من الأرض نباتًا يسقى بماء واحد، ويحيط به جو واحد، وتحتضنه تربة واحدة، ولكن منه الحلو اللذيذ السائغ والمر الكريه الذي تتقزز منه النفوس، خلق من الماء كل شيء حي. ونوع الأحياء المتفقة في أصلها أنواعًا لا يدركها حصر ولا يحصيها عد، وفي كل شيء في السماء والأرض آية بينة شاهدة على إتقانه - سبحانه - لما صنع ويكفينا آية أنه خلق هذا الإنسان الذي ألهمه اختراع الكثير من الآيات والأجهزة الدقيقة، وغير ذلك من الأمور المخترعة - فسبحان ربنا - إنه هو الحكيم العليم.
وإذا نظرنا إلى تفسير اسمه - تعالى - "الحكيم" بمعنى ذي الحكمة الذي بعلمه وحكمته يضع الأشياء في مواضعها فقد وضع - الحكيم العليم سبحانه - كل شيء في الموضع الذي لا يصلح إلا له، ولا يليق إلا به، ولو اجتمع علماء الدنيا بأسرها على اختلاف تخصصهم في العلوم على أن يضعوا شيئًا مما وضعه أحكم الحاكمين في مكان خير من مكانه لضل سعيهم وباؤوا بالخسران في مسعاهم، فليفكر الإنسان في كل أعضائه فهل يجد لعضو من أعضائه مكانًا خيرًا من المكان الذي وضعه فيه أحسن الخالقين؟.
كما عليه أن يفكر في أن الله وضع للحيوان الذي يعيش في البحر أعضاء توائم حياته في الماء ووضع لحيوان البر ما يناسبه ولطير الهواء ما يلزمه، ولحشرات الأرض ما به تتم
_________________
(١) القصيدة النووية مع شرحها توضيح المقاصد وتصحيح القواعد ٢/٢٢٦.
[ ٨٠ ]
حياتها، وليس المقصود هنا حصر مظاهر حكمة الله فيما خلق من المخلوقات، وإنما نقصد بهذا أن نلفت نظر القائلين بأن الله لم يخلق الخلق لحكمة - تعالى الله - عن ذلك علوًا كبيرًا، ومن أراد الإطلاع بتوسع على مظاهر حكمة الله في خلقه "فليقلب" كتاب مفتاح دار "السعادة" لابن القيم فإنه جمع فيه من مظاهر حكمة الله في خلقه ما لا يتسع له هذا المقام. وإذا نظرنا إلى تفسير اسمه - تعالى - "الحكيم" من حكم على الشيء بأنه كذا، أو ليس كذا، فإنه لا يستطيع أحد أن يحكم على الأشياء بخواصها ومميزاتها، ومنافعها، ومضارها إلا الله - تعالى - لأنه - وحده العليم - بظواهر الأشياء وبواطنها ومزاياها ومثالبها لأنه خالقها، والعليم بأسرارها، الخبير بخفاياها فحكمه - تعالى - عليها أصدق الحكم قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١.
فصفة الحكمة أثبتها الله - تعالى - لنفسه في أكثر من ثمانين موضعًا في كتابه الدال عليها اسمه - تعالى - الحكيم وهي كما قدمنا قريبًا قائمة به ﷾ كسائر صفاته الأخرى وهذا ما يجب اعتقاده في هذه الصفة.
قال تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
قال العلامة ابن كثير: أي: "العليم بكل شيء الحكيم في خلقك وأمرك، وفي تعليمك ما تشاء، ومنعك ما تشاء لك الحكمة في ذلك والعدل التام"٣.
وقال تعالى مثبتًا لنفسه صفة الحكمة المقرونة بصفة العزة: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ ٥.
_________________
(١) سورة الملك، آية: ١٤.
(٢) سورة البقرة، آية: ٣٢.
(٣) تفسير القرآن العظيم: ١/١٢٨.
(٤) سورة البقرة، آية: ٢٠٩.
(٥) سورة آل عمران، آية: ٦.
[ ٨١ ]
وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١.
ففي هذه الآية شهد - تعالى - لنفسه بالألوهية والوحدانية، ثم بين بأنه موصوف بالعزة والحكمة.
وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ٣.
وفي هاتين الآيتين أخبر - تعالى - عن نفسه بأنه موصوف بصفة الحكمة والعلم.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٤.
وفي هذه الآية الكريمة وصف الله نفسه بأنه العلي على جميع خلقه الحكيم في خلقه وتدبيره وأمره ونهيه.
والآيات الواردة في إثبات صفة الحكمة كثيرة فهو - سبحانه - حكيم في خلقه وتدبيره وأمره ونهيه وشرعه، وقدره، وأهل السنة مجمعون على أنه - تعالى - موصوف بالحكمة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى ـ:
" أجمع المسلمون على أن الله - تعالى - موصوف بالحكمة، ولكن تنازعوا في تفسير ذلك فقالت طائفة: الحكمة ترجع إلى علمه بأفعال العباد وإيقاعها على الوجه الذي أراده ولم يثبتوا إلا العلم والإرادة والقدرة.
وقال الجمهور من أهل السنة وغيرهم: بل هو حكيم في خلقه وأمره والحكمة ليست مطلق المشيئة إذ لو كان كذلك لكن كل مريد حكيمًا، ومعلوم أن الإرادة تنقسم إلى محمودة ومذمومة بل تتضمن ما في خلقه وأمره من العواقب المحمودة، والغايات المحبوبة
_________________
(١) سورة آل عمران، آية: ١٨.
(٢) سورة الأنعام، آية: ٨٣.
(٣) سورة الممتحنة، آية: ١٠.
(٤) سورة الشورى، آية: ٥١.
[ ٨٢ ]
والقول بإثبات هذه الحكمة ليس هو قول المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة١ فقط بل هو قول جماهير طوائف المسلمين من أهل التفسير والفقه والحديث والتصوف والكلام وغيرهم فأئمة الفقهاء متفقون على إثبات الحكمة والمصالح في أحكامه الشرعية وإنما تنازع في ذلك طائفة من نفاة القدر وغير نفاته، وكذلك ما في خلقه من المنافع والحكم والمصالح لعباده معلوم" أ. هـ ٢.
وقد أنكر - سبحانه - على من نسب إلى حكمته التسوية بين المختلفين فقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٤.
هاتان الآيتان: دلتا على أن التسوية بين المختلفين حكم سيء ينزه - الباري جل وعلا - عنه ولم ينكره - تعالى - من جهة أنه لا يكون، وإنما أنكره من جهة قبحه في نفسه، وأنه حكم سيء يتعالى ويتنزه عنه لمنافاته لحكمته وغناه وكماله، ووقوع أفعاله كلها على السداد والصواب والحكمة، فلا يليق به أن يجعل البر كالفاجر، ولا المحسن كالمسيء، ولا المؤمن كالمفسد في الأرض فدل على أن هذا قبيح في نفسه - تعالى الله - عن فعله، ومن هذا أيضًا: إنكاره - سبحانه - على من جوز أن يترك عباده سدى فلا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يثيبهم، ولا يعاقبهم، وإن هذا الحسبان باطل، والله متعال عنه لمنافاته لحكمته، وكماله كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ ٥
_________________
(١) الشيعة: هم الذين شايعوا عليًا ﵁ على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصًا ووصية، إما جليًا، وإما خفيًا، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عندهم، وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة وينتصب الإمام بنصبهم بل هي قضية أصولية وهم فرق متعددة بعضهم يميل في الأصول إلى الإعتزال، وبعضهم إلى السنة وبعضهم إلى التشبيه. انظر: "الملل والنحل" ١/١٤٦، وانظر: "مقالات الإسلاميين" ١/٦٥ وما بعدها.
(٢) منهاج السنة النبوية ١/٣٤ - ٣٥، وانظر: الرسالة الثامنة "الإرادة والأمر ضمن مجموعة الرسائل الكبرى" ١/٣٣١ - ٣٣٢.
(٣) سورة ص، آية: ٢٨.
(٤) سورة الجاثية، آية: ٢١.
(٥) سورة القيامة، آية: ٣٦.
[ ٨٣ ]
وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "أي مهملًا لا يؤمر ولا ينهى"١.
وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب، والقولان واحد لأن الثواب والعقاب غاية الأمر والنهي فهو - سبحانه - خلقهم للأمر والنهي في الدنيا والثواب في الآخرة.
فأنكر - سبحانه - على من زعم أنه يترك سدى إنكار من جعل في العقل استقباح ذلك واستهجانه وأنه لا يليق أن ينسب ذلك إلى أحكم الحاكمين، ومثله قوله - تعالى ـ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ٢.
فنزه نفسه - سبحانه ـ: "وباعدها عن هذا الحسبان، وأنه يتعالى عنه ولا يليق به لقبحه ولمنافاته لحكمته وملكه وإلهيته" أ. هـ٣.
فالله تعالى - لا يخلق شيئًا إلا لحكمة بالغة قد تغيب عن فهم الإنسان وقد يعييه إدراكها:
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوات وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ٥.
وللناس في صفة الحكمة آراء ثلاثة:
١ - زعم الأشاعرة٦ والفلاسفة أن الله - تعالى - لا يفعل شيئًا لغرض وليس له غاية
_________________
(١) الأم للشافعي: ٧/٢٧١.
(٢) سورة المؤمنون، آية: ١١٥ - ١١٦.
(٣) مفتاح دار السعادة: ٢/١١ - ١٢.
(٤) سورة الدخان، آية: ٣٨ - ٣٩.
(٥) سورة ص، آية: ٢٧.
(٦) هم المنتسبون إلى أبي الحسن الأشعري، وأبو الحسن هذا مر بأطوار ثلاثة حيث نشأ في أول أمره على الإعتزال، وقد تتلمذ فيه على "أبي علي الجبائي" ثم أيقظ الله بصيرته، وهو في منتصف عمره تقريبًا وبداية نضجه، فأعلن رجوعه عن طريقة الإعتزال، ثم سلك طريقًا وسطًا بين طريقة الجدل والتأويل، وطريقة السلف، ثم محض طريقته وأخلصها لله بالرجوع الكامل إلى طريقة السلف ومن الإنصاف أن لا ينسب إليه الأشعرية، وإنما ينسبون إليه على اعتبار طوره الثاني إذن فالأشعرية غير الأشعري. أنظر في شأن الأشعرية "الملل والنحل" ١/٩٤ وما بعدها.
[ ٨٤ ]
يقصدها تكون باعثة له على فعله بل كل ما يصدر عنه - تعالى - إما بإرادة قديمة اقتضت وقوع هذا العالم على هذا النحو دون غيره وهذا قول الأشاعرة.
وإما أن يكون بتمثل النظام الكلي في علمه - تعالى - السابق مع وقته الواجب اللائق عند الفلاسفة١.
والفرق بين قول الأشاعرة والفلاسفة واضح وهو أن الفلاسفة ينفون عن الله - تعالى - القصد إلى الفعل، ويقولون بأن كل فاعل بالقصد مستكمل به وله غرض في فعله.
وأما الأشاعرة: فيقولون: بالقصد ولا يقولون بأنه مستلزم للغرض لأنهم يجوزون ترجيح القادر المختار لأحد مقدوريه بدون مرجح أصلًا ٢.
وحجة الفريقين: الفلاسفة والأشاعرة على نفي الغرض في أفعاله ﷾ بأنه لو خلق الخلق لعلة لكان ناقصًا بدونها مستكملًا بها، فإنه إما أن يكون وجود تلك العلة وعدمها بالنسبة إليه سواء، أو يكون وجودها أولى به.
فإن كان الأول امتنع أن يفعل لأجلها، وإن كان الثاني ثبت أن وجودها أولى به فيكون مستكملًا بها فيكون قبلها ناقصًا٣.
قال ابن سيناء ٤:
"تنبيه: اعلم أن الشيء الذي إنما يحسن به أن يكون عنه شيء آخر، ويكون ذلك أولى به، وأليق من أن لا يكون فإنه إذا لم يكن ما هو أولى وأحسن به مطلقًا وأيضًا لم يكن ما هو أولى وأحسن به مضافًا فهو مسلوب كمال ما يفتقر فيه إلى الكسب"٥.
وهذه الحجة التي رددها الفلاسفة والأشاعرة قام بتفنيدها شيخ الإسلام ابن تيمية وبين بطلانها ونقضها من وجوه عدة:
_________________
(١) انظر الإشارات لابن سيناء ٣/١٣١.
(٢) غاية المرام للآمدي ص٢٢٤، وانظر شرح حديث النزول ص١٧٤.
(٣) المحصل للرازي ص١٤٩، وانظر "مجموعة الرسائل الكبرى" الرسالة الثامنة الإرادة والأمر ١/٣٢٧.
(٤) هو أبي علي الحسين بن عبد الله بن سيناء المتوفى في سنة ٤٢٧ هـ.
(٥) الإشارات ٣/١٢٢.
[ ٨٥ ]
الوجه الأول: أن قولهم لو خلق الخلق لعلة لكان ناقصًا بدونها مستكملًا بها منقوض بنفس ما يفعله من المفعولات، فإنه يمكن أن يقال: فيها أيضًا إما أن يكون وجودها وعدمه بالنسبة إليه سواء أو لا يكون، فإن كان الأول امتنع صدورها عنه، وإن كان الثاني كان مستكملًا بها فما كان جوابًا في المفعولات كان جوابًا عن هذا ونحن لا نعقل في الشاهد فاعلًا إلا مستكملًا بفعله.
الوجه الثاني: أن مقتضى الكمال أن يكون - الباري - لا يزال قادرًا على الفعل بحكمة فلو قدر كونه غير قادر على ذلك لكان نقصًا.
الوجه الثالث: قول القائل إنه مستكمل بغيره باطل، فإن ذلك إنما حصل بقدرته ومشيئته لا شريك له في ذلك فلم يكن في ذلك محتاجًا إلى غيره، وإذا قيل كمل بفعله الذي لا يحتاج فيه إلى غيره كان كما قيل: كمل بذاته، أو صفاته فهو مثلًا إذا فرح بتوبة عبده التائب وأحب من تقرب إليه بالنوافل ورضي عن السابقين الأولين، ونحو ذلك لم يجز أن يقال: إنه مفتقر في ذلك إلى غيره، أو مستكمل بسواه، فإنه هو الذي خلق هؤلاء وهداهم وأقدرهم حتى فعلوا ما يحبه ويرضاه ويفرح به.
الوجه الرابع: قول القائل كان قبل ذلك ناقصًا إن أراد به عدم ما تجدد، فلا نسلم أن عدمه قبل ذلك الوقت الذي اقتضت الحكمة وجوده فيه، يكون ناقصًا، وإن أراد بكونه ناقصًا معنى غير ذلك فهو ممنوع بل يقال عدم الشيء في الوقت الذي لم تقتض الحكمة وجوده فيه كمال أيضًا، فليس عدم كل شيء نقصًا، بل عدم ما لا يصلح وجوده وهو النقص كما أن وجود ما لا يصلح وجوده نقص، فتبين أن وجود هذه الأمور حين اقتضت الحكمة عدمها هو النقص لا أن عدمها هو النقص١ فهذه حجة الفلاسفة والأشعرية قد نقضها شيخ الإسلام ابن تيمية وهي حجة فلسفية بحتة سرعان ما انهارت أمام مناقشتها بما أورد عليها من الوجوه القوية التي تبين أن الله - تعالى - موصوف بالحكمة.
٢ - المذهب الثاني: مذهب المعتزلة: وهم يثبتون لله - تعالى - الحكمة في خلقه وفي أمره غير أنهم لا يقولون إنها صفة قائمة بذاته - تعالى - بل يقولون: إنها مخلوقة منفصلة عنه، فيزعمون مثلًا أن الحكمة في وجود الخلق هو الإحسان إليهم والحكمة في
_________________
(١) مجموعة الرسائل والمسائل: ٥/١٦٢ـ ١٦٣.
[ ٨٦ ]
تكليفهم هو أنهم يعرضون للثواب ويقولون: إن الإحسان إلى الغير حسن محمود في العقل فخلق الله الخلق لهذه الحكمة من غير أن يعود عليه هو من ذلك مصلحة١ وهذا المذهب المعتزلي بين شيخ الإسلام بأنه متناقض لأن الإحسان إلى الغير إنما كان محمودًا لكونه يعود منه إلى فاعله حكم يحمد لأجله إما لتكميل نفسه بذلك، وإما لرقة وألم يجده في نفسه يدفع بذلك الإحسان الألم، وإما لالتذاذه وسروره وفرحه بالإحسان فإن نفس الكريمة تفرح وتسر وتلتذ بالخير الذي يحصل منها إلى غيرها، فالإحسان إلى الغير محمود لكون المحسن يعود إليه من فعله هذه الأمور حكم يحمد لأجله.
أما إذا قدر أن وجود الإحسان وعدمه بالنسبة إلى الفاعل سواء لم يعلم أن هذا الفعل يحسن منه، بل مثل هذا يعد عبثًا في عقول العقلاء وكل من فعل فعلًا ليس لنفسه لذة ولا مصلحة ولا منفعة بوجه من الوجوه لا عاجلة ولا آجلة كان عبثًا، ولم يكن محمودًا على هذا. ولذلك لم يأمر الله - تعالى - ولا رسوله ﷺ ولا أحد من العقلاء أحدًا بالإحسان إلى غيره ونفعه إلا لما في ذلك من المنفعة والمصلحة وإلا فأمر الفاعل بفعل لا يعود إليه منه لذة ولا سرور، ولا منفعة ولا فرح بوجه من الوجوه لا في العاجل ولا في الآجل لا يستحسن من الآمر ٢.
٣ - المذهب الثالث: مذهب عبد الله بن كلاب٣ وأتباعه:
فهذا الرجل وأتباعه يثبتون حكمة وغاية قائمة بذاته - تعالى - ولكنهم يقولون: بأنها قديمة غير ملازمة للمفعول، ويزعمون أن إرادة الله وحبه ورضاه وغضبه وسخطه ورحمته وكرمه وغير ذلك قديم فهو - سبحانه - لم يزل راضيًا عمن علم أنه يموت مؤمنًا، ولم يزل ساخطًا على من مات كافرًا.
وهذا القول باطل: لأن الله - تعالى - إذا كان راضيًا في أزله ومحبًا وفرحًا بما يحدثه قبل أن يحدثه، فإذا أحدثه هل حصل له بإحداثه حكمة يحبها ويرضاها ويفرح بها، أو لم
_________________
(١) مجموعة الرسائل والمسائل ٥/٢٩١. ط: دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان - المحصل للرازي ص٢٠٥ - ٢٠٦.
(٢) مجموعة الرسائل الكبرى" الرسالة الثامنة الإرادة والأمر" ١/٣٣٢.
(٣) هو: عبد الله بن سعيد التميمي البصري رأس الطائفة الكلابية توفي سنة أربعين ومائتين هجرية، انظر ترجمته في: "طبقات الشافعية الكبرى" لابن السبكي ٢/٢٩٩.
[ ٨٧ ]
يحصل إلا ما كان في الأزل فإن قالوا إنه لم يحصل إلا ما كان في الأزل، قبل ذلك كان حاصلًا بدون ما أحدثه من المفعولات فامتنع أن تكون المفعولات قد فعلت لكي يحصل ذاك فقولهم: "هذا يتضمن أن المفعولات تحدث بلا سبب يحدثه الله، كذلك يتضمن أن الله يفعلها بلا حكمة يحبها ويرضاها"١.
فهذه المذاهب الثلاثة كما رأينا ليس عند أصحابها أدلة قوية تثبت أقوالهم في صفة الحكمة، بل كلها انتحالات فلسفية مبنية على شفا جرف هاوٍ كلها انهارت بما أورد عليها من مناقشات صارمة فلم يبق إذن إلا المذهب الحق الصحيح وهو ما عليه أهل السنة الذي شهدت له النصوص الكثيرة من أن لله - تعالى - حكمة تتعلق به يحبها ويرضاها ويفعل لأجلها فهو - سبحانه - وتعالى يفعل ما يفعل لحكمة يعلمها وهو يعلِّم العباد أو بعضهم من حكمته ما يطلعهم عليه وقد لا يعلمون ذلك والأمور العامة التي يفعلها تكون لحكمة عامة ورحمة عامة كإرساله محمدًا ﷺ فإنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢ ولو قال إنسان: ما رسالة النبي ﷺ تضررت منها طوائف كثيرة من الناس كالذين كذبوه من أهل الكتاب والمشركين فالرد على هذا أنهم انتفعوا بحسب الإمكان حيث أضعف شرهم الذي كانوا يعملونه ولولا الرسالة بإظهار الحجج القاطعة، والآيات البينة التي زلزلت ما في قلوبهم، وبالجهاد والجزية صاروا أذلاء صاغرين لكان شرهم أشد وأعظم والضرر الذي حصل لهم شيء يسير بجانب ما حصل لهم من النفع الكثير، ومثل ذلك كنزول المطر الذي يعم نفعه البلاد والعباد، ويحصل منه خراب بعض البيوت، أو حبس بعض المسافرين والمكتسبين فما كان نفعه ومصلحته عامة كان خيرًا مقصودًا ورحمة محبوبة ولو تضرر به بعض الناس فكل ما حدث في الوجود من الضرر لا بد أن يكون فيه حكمة كما قال - سبحانه - ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٣، وكما قال - سبحانه ـ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ٤ والضرر الذي تحصل به حكمة مطلوبة لا يكون شرًا مطلقًا، وإن كان شرًا بالنسبة إلى من تضرر به، ولهذا لا يأتي في كلام الله وكلام رسوله إضافة الشر وحده إلى الله وإنما يذكر على أحد وجوه ثلاثة:
_________________
(١) مجموعة الرسائل والمسائل ٥/١٦٤.
(٢) سورة الأنبياء، آية: ١٠٧.
(٣) سورة النمل، آية: ٨٨.
(٤) سورة السجدة، آية: ٧.
[ ٨٨ ]
الوجه الأول: أن يكون داخلًا في عموم المخلوقات فإذا دخل في العموم أفاد عموم القدرة والمشيئة والخلق وتضمن ما اشتمل عليه من حكمة تتعلق بالعموم وذلك مثل قول الله - تعالى - ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ١.
الوجه الثاني: أن يكون مضافًا إلى السبب كقوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ ٣.
الوجه الثالث: أن يحذف فاعله ومثال ذلك قول الجن ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ ٤ولم ينكر صفة الحكمة بالكلية إلا الجهمية فإنهم أصروا على قولهم بأنه - تعالى - خلق المخلوقات وأمر بالمأمورات لا لعلة ولا لداع ولا لباعث بل فعل ذلك لمحض المشيئة وصرف الإرادة، قال العلامة ابن القيم مبينًا مذهبهم الفاسد.
وكذلك قالوا ما له من حكمة هي غاية للأمر والإتقان
ما ثم غير مشيئة قد رجحت مثلًا على مثل بلا رجحان٥
والنافون للحكمة والتعليل ليس معهم دليل من كتاب أو سنة، أو إجماع فنفيهم صفة الحكمة مخالف للكتاب والسنة والإجماع والعقل الصحيح والفطرة المستقيمة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وجمهور الأمة يثبت حكمته - سبحانه - والغايات المحمودة في أفعاله فليس مع النفاة سمع ولا عقل ولا إجماع بل السمع والعقل والإجماع والفطرة تشهد ببطلان قولهم والله الموفق للصواب وجماع ذلك أن كمال - الرب - وجلاله وحكمته وعدله ورحمته وقدرته وإحسانه وحمده ومجده وحقائق أسمائه الحسنى تنفي ذلك وتشهد ببطلانه"٦.
_________________
(١) سورة الرعد، آية: ١٦.
(٢) سورة الفلق، آية: ٢.
(٣) سورة آل عمران، آية: ١٦٥.
(٤) مجموعة الرسائل الكبرى ١/٣٣٥ - ٣٣٧ والآية رقم: ١٠ من سورة الجن.
(٥) القصيدة النونية مع شرحها "توضيح المقاصد وتصحيح القواعد" ١/٦٤ - ٦٥.
(٦) شفاء العليل ص٢٠٤.
[ ٨٩ ]
والذي نخلص إليه مما تقدم أن الله - تعالى - موصوف بالحكمة وأن كل شيء خلقه أو أمر به فيه حكمة عظيمة، وحتى ما ينزل بالمخلوق من الشر لا يخلو من حكمة الله التي تبهر العقول وتزيد المؤمن إيمانًا كما تبين صدق ما أخبر به الله - تعالى - ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ١.
_________________
(١) سورة فصلت، آية: ٥٣.
[ ٩٠ ]
المبحث السادس: تنزيه الله تعالى من نسبة الولد إليه
إن نسبة الولد إلى الله - تعالى - "فرية مكذوبة اشترك في القول بها اليهود والنصارى ومشركو العرب، وكذلك قول الفلاسفة الصابئة في العقول العشرة والنفوس الفلكية التسعة شبيه بقول مشركي العرب وغيرهم الذين جعلوا له بنين وبنات بغير علم" ١ فاليهود عليهم لعائن الله: زعموا أن عزيرًا ابن الله. والنصارى الضالون قالوا: المسيح ابن الله.
والجهلة من مشركي العرب قالوا: الملائكة بنات الله تعالى الله عن قول هؤلاء جميعًا علوًا كبيرًا.
ولقد حكى القرآن الكريم زعم اليهود والنصارى من مشركي العرب ورد عليهم ردًا مفحمًا وبين بطلان هذا الزعم حتى أسكتهم ولنبدأ بما ورد في السورة من إبطال تلك الفرية.
قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ .
هذه الآية من السورة تبين أنه - سبحانه - لا ولد له كما تفوه بذلك الجهلة من المشركين ونطق بذلك المعاندون من اليهود والنصارى في العزير وعيسى فالله - تعالى - نزه نفسه عن أن يكون له ولد لأنه الواحد الأحد الفرد الصمد - سبحانه - الغني عن كل ما سواه قهر الأشياء كلها فدانت له وذلت وخضعت: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ .
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ١/٣٦.
[ ٩١ ]
وعلى الفرض الجدلي الذي يقبله العقل - الضعيف - أن الرب جل وعلا - لو أراد أن يتخذ ولدًا لاصطفاه - سبحانه - من بين خلقه لأن إرادته مطلقة والأمر ليس بحاجة إلى إقرار أو اقتراح من البشر ولكن مشيئته - تعالى - لم تتجه إلى هذا الاصطفاء لأنه الواحد القهار فهو الذي أبدع هذا الكون من العدم فما حاجته إلى الولد؟ والولد إنما هو امتداد لمن كتب الله عليه الفناء، والمحتاج إلى المعين والنصير، وقد اقتضت حكمة القادر العليم أن التكاثر في النوع الإنساني وغيره من المخلوقات لا بد له من صاحبة من جنسه، فكيف يكون لله ولد ولم تكن له صاحبة، فقد تفرد - سبحانه - بالألوهية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
قال: العلامة ابن جرير ﵀ تعالى ـ: ﴿لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ يقول تعالى ذكره: لو شاء الله اتخاذ ولد ولا ينبغي له ذلك، لاصطفى مما يخلق ما يشاء، يقول: لاختار من خلقه ما يشاء وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ يقول: تنزيهًا لله عن أن يكون له ولد، وعما أضاف إليه المشركون به من شركهم ﴿هُوَ اللهُ﴾ يقول: هو الذي يعبده كل شيء ولو كان له ولد لم يكن له عبدًا يقول: فالأشياء كلها له ملك فأنَّى يكون له ولد، وهو الواحد الذي لا شريك له في ملكه وسلطانه، والقهار لخلقه بقدرته فكل شيء متذلل، ومن سطوته خاشع. أ. هـ٢.
وقال ابن كثير: ﴿لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي لكان الأمر على خلاف ما يزعمون وهذا شرط لا يلزم وقوعه بل هو محال وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه كما قال ﷿: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ٣ ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ ٤ كل هذا من باب الشرط ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لمقصد المتكلم أ. هـ٥.
وهكذا نرى أن الآية الواردة في السورة تنفي مزاعم القائلين بأن لله ولدًا، ولو أراد - سبحانه - تسمية أحد من خلقه بذلك ما جعله ﷿ إلى أحد من خلقه - تعالى الله ـ
_________________
(١) سورة الشورى، آية: ١١.
(٢) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٢٣/١٩٢.
(٣) سورة الأنبياء، آية: ١٧.
(٤) سورة الزخرف، آية: ٨١.
(٥) تفسير القرآن العظيم: ٦/٧٩.
[ ٩٢ ]
عن ذلك علوًا كبيرًا لأنه صاحب الكمال المطلق المستغني عن الصاحبة والولد ومن هذا شأنه من حقه أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له.
فقد نزه نفسه وبرأها عن قول السفهاء من الخلق كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية أثناء حديثه عن تنزيه الله ﷿ عن الشركاء "وكذلك ما استعمله - سبحانه - في تنزيهه وتقديسه عما أضافوه إليه من الولادة سواء سموها حسية، أو عقلية كما تزعمه النصارى من تولد الكلمة التي جعلوها جوهرًا لابن منه، وكما تزعمه الفلاسفة الصابئون من تولد العقول العشرة، والنفوس الفلكية التسعة التي هم مضطربون فيها هل هي جواهر أو أعراض؟ وقد يجعلون العقول بمنزلة الذكور والنفوس بمنزلة الإناث ويجعلون ذلك آباءهم وأمهاتهم وآلهتهم وأربابهم القريبة وعلمهم بالنفوس أظهر لوجود الحركة الدورية الدالة على الحركة الإرادية الدالة على النفس المحركة لكن أكثرهم يجعلون النفوس الفلكية عرضًا لا جوهرًا قائمًا بنفسه وذلك شبيه بقول مشركي العرب وغيرهم الذين جعلوا له بنين وبنات.
قال تعالى ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ١ وكانوا يقولون الملائكة بنات الله كما يزعم هؤلاء أن العقول أو العقول والنفوس هي الملائكة وهي متولدة عن الله قال تعالى ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ " أ. هـ٢.
قول بعض مشركي العرب أن الملائكة بنات الله وإبطاله:
"مما ينبغي التنبيه عليه أن القائلين بأن الملائكة بنات الله هم بعض قبائل العرب كجهينة وخزاعة وبني مليح وبني سلمة وعبد الدار فقد زعموا أن الملائكة بنات الله كما ذكره القرطبي"٣.
ونقل الواحدي٤ عن المفسرين أنهم قالوا: أن قريشًا وأجناس العرب جهينة وبني
_________________
(١) سورة الأنعام، آية: ١٠٠.
(٢) درء تعارض العقل والنقل: ١/٣٥ - ٣٦.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١٥/١٣٣.
(٤) هو: علي بن أحمد بن محمد بن علي بن متويه، أبو الحسن الواحدي مفسر عالم بالأدب توفي سنة ثمان وستين وأربعمائة هجرية، انظر ترجمته في وفيات الأعيان ١/٣٣٣، الأعلام ٥/٩٥.
[ ٩٣ ]
سلمة وخزاعة وبني مليح قالوا: "أن قريشًا وأجناس العرب جهينة وبني سلمة وخزاعة وبني مليح قالوا: الملائكة بنات الله"١.
ولقد قال هؤلاء المشركون في الملائكة الكرام ثلاثة أقوال كل واحد منها أشد كفرًا وأعظم كذبًا.
أولًا: جعلوهم بنات الله فجعلوا لله ولدًا - تعالى الله - عن ذلك علوًا كبيرًا.
ثانيًا: جعلوهم إناثًا فحطوا من مكانة الملائكة ونسبوا لله الولد الناقص ولأنفسهم الولد الأكمل.
ثالثًا: أنهم بعد كل هذه الافتراءات السخيفة عبدوا الملائكة من دون الله ولقد دحض القرآن هذه الدعوى الباطلة وبين أنها افتراء وناقشهم مناقشة ضيقت عليهم منافذ الباطل وحاجهم حتى عجزوا عن الدفاع عما قالوه من الباطل وحاجهم القرآن محاجة تبين معها كذبهم حيث صور دعواهم أن الملائكة بنات الله، واستجوبهم في ذلك على هذا النحو التالي:
أيكون لله البنات ولكم البنون؟
هل يتفق قولكم هذا مع منطق العقل والعدل والحق؟.
إن هذا القول باطل لأنكم معشر العرب تستنكفون من البنت والشيء الذي تستنكفون منه كيف تثبتونه للخالق وهذا ما عناه الله - تعالى - بقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٢.
ثم إن القرآن لم يكتف بمجادلة المشركين في موضع واحد منه بل حاجهم في مواضع عدة وألزمهم بالحجة وبين بطلان سخافاتهم الوثنية كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ * أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي
_________________
(١) ذكره عنه الرازي في التفسير الكبير ٢٦/١٦٧.
(٢) سورة النحل، آية: ٥٧ - ٥٩.
[ ٩٤ ]
الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ * وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ ١.
إن الناظر في هذه الآيات يلمس الوحدة الموضوعية بينها وبين الآيات السابقة قبلها إذ كل آية منها عالجت مفتريات المشركين في ملائكة الرحمن بالأدلة العقلية وناقشت أولئك المشركين بمنطق الحجة والبيان، فلم يستطيعوا المعارضة، وهم أرباب الفصاحة وقادة البلاغة والبيان، ثم إن الآيات تحمل في طياتها الوعيد الشديد والتهديد الأكيد لأولئك المشركين لشناعة قولهم، ومخالفته للحس والعقل والفطرة وهذه الآيات ناقشت المشركين في عدة نقاط هي:
١ - جعلهم لله من عباده جزءًا، أي: عدلًا، أو بعضًا لأن الولد بضعة من والده وجزءًا له، فإذا كانوا جميعًا عبيد الله فهل يصح أن يكون أحد منهم شريكًا لله أو بعضًا منه.
٢ - مناقشتهم عن السر في اختيارهم البنين لأنفسهم، وجعلهم البنات لله - تعالى - علمًا بأنه قد تقرر لدى هؤلاء المشركين تفضيلهم البنين على البنات، فلو كان مرجع القسمة إلى العقل لكان الله أولى بالبنين من البنات، ولو كان مرجع ذلك إلى العدل بصرف النظر عن استحالة ذلك، أو إمكانه لكان العدل يقتضي على أسوأ تقدير التسوية في القسمة، ولكنهم تجاوزُوا في الطغيان، والبلادة حدود ما يألفه الذوق والفطرة الإنسانية.
قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " أي: جائرة فبين - سبحانه - أن الرب الخالق أولى بأن ينزه عن الأمور الناقصة منكم فكيف تجعلون له ما تكرهون أن يكون لكم، وتستحيون من إضافته إليكم مع أن ذلك واقع لا محالة، ولا تنزهونه عن ذلك وتنفونه عنه، وهو أحق بنفي المكروهات المنقصات منكم" أ. هـ٣.
٣ - بينت الآية الرابعة من الآيات السابقة وهي قوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ٤ أن الأنثى محل نقص في الظاهر والباطن في الصورة والمعنى
_________________
(١) سورة الزخرف، آية: ١٥ - ١٩.
(٢) سورة النجم، آية: ٢١ - ٢٢.
(٣) درء تعارض العقل والنقل ١/٣٦ - ٣٧.
(٤) سورة الزخرف، آية: ١٧.
[ ٩٥ ]
فيكمل نقص ظاهرها وصورتها بلبس الحلي وما في معناه ليجبر ما فيها من نقص فإذا كانت الأنثى محل نقص فما وجه نسبتها إلى الله ولقد بين القرآن الكريم أنهم ليس لهم دليل على صحة دعواهم حيث أنه نفى عنهم طرق العلم الثلاث التي هي: الحس، أو الخبر، أو النظر أما طريق الحس: فهي المراد من قوله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ ١.
الواقع يقرر أنهم لم يشهدوا كيفية خلق الله لملائكته بل المشركون أنفسهم لم يدعوا ذلك فبطلت معرفتهم عن طريق الحس.
وأما طريق الخبر: فإن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم كونه صدقًا وقطعًا كصدوره عن المعصوم الذي قام الدليل على صدقه، فأما الذين يخبرون بأن الملائكة بنات الله إنما هم أفاكون كذابون، ولم يدل على صدقهم دليل، وقد أشار الله إلى ذلك بقوله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢.
وأما طريق النظر: فقد بين بطلان قولهم من وجهين:
الوجه الأول: أن دليل العقل يقتضي فساد هذا المذهب لأن الله - تعالى - له الكمال المطلق لا يليق به اصطفاء الأخس وهو المراد من قوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ٣ ومعنى ذلك أن إسناد الأفضل إلى الأفضل أقرب عند العقل من إسناد المفضول إلى الأفضل، فإن كان حكم العقل معتبرًا في هذا الباب كان قولكم باطلًا.
الوجه الثاني: يترك الاستدلال على فساد مذهبهم ويطالبون هم بإثبات الدليل على صحة مذهبهم، فإذا لم يجدوا ذلك الدليل ظهر ضده وهو خلو الدعوى من أي دليل يدل على صحة مذهبهم وهذا هو المقصود من قوله تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٤ فثبت بما ذكرناه من الآيات القرآنية إبطال قول المشركين في دعواهم أن الملائكة بنات الله لأنه لا يوجد لديهم دليل يؤيد قولهم لا من طريق الحس، ولا
_________________
(١) سورة الصافات، آية: ١٥٠.
(٢) سورة الصافات، آية: ١٥١ - ١٥٢.
(٣) سورة الصافات، آية: ١٥٣ - ١٥٤.
(٤) سورة الصافات، آية: ١٥٦ - ١٥٧.
[ ٩٦ ]
الخبر ولا العقل فكان المصير إليه باطلًا قطعًا"١ فبطل قول المشركين وسقطت شبهتهم وظهر أمر الله ممثلًا في عقيدة التوحيد النقية من أدران الشرك وأوحال الوثنية.
رد دعوى اليهود في أن عزيرًا ابن الله:
قلنا فيما تقدم أن الفرق التي نسبت إلى الله الولد ثلاث فرق هم بعض مشركي العرب، واليهود، والنصارى وقد تقدم الرد على دعوى مشركي العرب بأن الملائكة بنات الله بقي أن نعرض لإبطال دعوى اليهود في أن عزيرًا ابن الله، وإبطال قول النصارى في زعمهم أن المسيح ابن الله.
ولقد ذكر القرآن الكريم دعوى اليهود، ورد عليها وبين فسادها وبطلانها قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾ ٢ هذه الآية بينت دعوى اليهود الباطلة في "العزير" ويا ترى هل اليهود جميعهم يقولون هذه المقالة أم بعضهم؟
اختلفت الرواية عن أهل العلم في أصحاب هذه المقالة من اليهود فقيل: هو رجل من اليهود اسمه "فنحاص بن عازوراء" وهو على ما جاء في بعض الروايات القائل: ﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ ٣.
كما أخرجه ابن المنذر عن ابن جريج٤ وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أتى جماعة من اليهود إلى رسول الله ﷺ: وهم سلام بن مشكم، ونعمان بن أبي أوفى، وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا: كيف نتبعك يا محمد وقد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم أن عزيرًا ابن الله فأنزل الله في ذلك: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ الله﴾ ٥.
قال الرازي: "وعلى هذين القولين فالقائلون بهذا المذهب بعض اليهود إلا أن الله نسب ذلك القول إلى اليهود بناء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد
_________________
(١) انظر تفسير الفخر الرازي: ٢٦/١٦٧ - ١٦٩ بتصرف.
(٢) سورة التوبة، آية: ٣٠.
(٣) سورة آل عمران، آية: ١٨١.
(٤) انظر روح المعاني للألوسي: ١٠/٨١.
(٥) جامع البيان: ١٠/١١٠ - ١١١، وانظر التفسير الكبير للرازي ١٦/٣٣ وانظر تفسير روح المعاني للألوسي ١٠/٨١.
[ ٩٧ ]
يقال: فلان يركب الخيول ولعله لم يركب إلا واحد منها، وفلان يجالس السلاطين ولعله لا يجالس إلا واحدًا ثم قال "والقول الثابت: لعل هذا المذهب كان فاشيًا فيهم ثم انقطع فحكى الله ذلك عنهم، ولا عبرة بإنكار اليهود ذلك فإن حكاية الله عنهم أصدق" أ. هـ١.
وهناك آثار كثيرة وردت في صدور هذه المقالة عن اليهود ومنها الآتي:
قال الإمام الكلبي٢: " لما قتل بختنصر علماء اليهود جميعًا وكان عزير إذ ذاك صغيرًا فاستصغره ولم يقتله فلما رجع بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وليس فيهم من يقرأ التوراة بعث الله - تعالى - عزيرًا ليجدد لهم التوراة ويكون آية بعد ما أماته الله مائة عام يقال: إنه أتاه بإناء فيه ماء فسقاه فمثلت في صدره فلما أتاهم فقال لهم: إني عزير كذبوه وقالوا: إن كنت كما تزعم فأمل علينا التوراة ففعل فقالوا: إن الله - تعالى - لم يقذف التوراة في قلب رجل إلا لأنه ابنه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا"٣.
وروي عن ابن عباس ﵄: "أن اليهود أضاعوا التوراة، وعملوا بغير الحق فأنساهم الله - تعالى - التوراة، ونسخها من صدورهم فتضرع عزير إلى الله وابتهل فعاد حفظ التوراة إلى قلبه، فأنذر قومه بها فلما جربوه وجدوه صادقًا فيه فقالوا: ما تيسر هذا لعزير إلا أنه ابن الله"٤.
وقال السدي: "العمالقة قتلوهم فلم يبق منهم أحد يعرف التوراة"٥.
وقال الإمام البيضاوي٦ وإنما قالوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ الله﴾ لأنه لم يبق فيهم بعد وقعة
_________________
(١) التفسير الكبير ١٦/٣٣.
(٢) هو: محمد بن السائب بن بشر بن عمر بن الحارث الكلبي أبو النضر: نسابة، راوية، عالم بالتفسير والأخبار وأيام العرب قال النسائي: حدث عنه ثقات من الناس، ورضوه في التفسير وأما في الحديث ففيه مناكير. الميزان ٣/٦٨، التهذيب ٩/١٧٨، الأعلام ٧/٣.
(٣) كتاب التسهيل لعلوم التنزيل ٢/٦٤، تفسير أبي السعود ٤/٩٥، تفسير الرازي ١٦/٣٤.
(٤) جامع البيان ١٠/١١١، وتفسير الرازي ١٦/٣٣.
(٥) تفسير الرازي ١٦/٣٤.
(٦) هو: عبد الله بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي أبو سعيد ناصر الدين البيضاوي مفسر، علامة، ولد سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، توفي سنة خمس وثمانين وستمائة هجرية. انظر البداية والنهاية ١٣/٣٠٩، بغية الوعاة ٢/٥٠، الأعلام ٤/٢٤٨.
[ ٩٨ ]
"بختنصر" من يحفظ التوراة وهو لما أحياه الله بعد مائة عام أملى عليهم التوراة حفظًا فتعجبوا من ذلك وقالوا: "ما هذا إلا لأنه ابن الله"١.
والذي يتبين من الآثار المتقدمة، وما جاء في معناها يوضح لنا أن منشأ الشبهة عند اليهود في "عزير" هو أنه اختص بحفظ التوراة في زمن من الأزمنة دون سائر اليهود بغض النظر عن صحة تفاصيل تلك الآثار التي أسلفناها نقلًا عن بعض المفسرين، ولذلك زعموا أنها ما حصلت له هذه الكرامة إلا أنه ابن الله - تعالى - عن ذلك علوًا كبيرًا.
وهنا سؤال لا بد منه أمام مزاعم اليهود الباطلة هو: هل يلزم في كل إنسان خصه الله - تعالى - بنعمة من اصطفاء بالنبوة والرسالة أو استجابة للدعوة، أو ظهور كرامة من كرامات الأولياء على يديه هل يلزم من هذا أن يكون ذلك الإنسان ابنًا لله؟.
ولو كان الأمر كذلك فهذا موسى ابن عمران وأخوه هارون بن عمران ﵉ قد جاءا بالتوراة من عند الله ولهما من الفضل والكرامة ما ليس لعزير فلماذا لم يدعيا أنهما ابنان الله؟.
ولكن الحقيقة التي لا شك فيها هي أن اليهود أضاعوا التوراة وتركوا العمل بها فضلوا عن سبيل الله القويم وصراطه المستقيم، وذهبوا يحرفون الكلم عن مواضعه، وأصدق دليل على ذلك ما حكاه الله - تعالى - عنهم في كتابه قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِه ِ ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٤ فإذا كان اليهود لا يعتبرون مصدر ثقة فيما استحفظوا عليه من كتاب الله فمن المسلم به أنه لا يوثق بأقوالهم التي تخالف العقل والنقل وتخالف الفطر المستقيمة، وقد حكى الله عنهم كثيرًا من مخازيهم كقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ
_________________
(١) تفسير البيضاوي ١/٤١٢.
(٢) سورة النساء، آية: ٤٦.
(٣) سورة المائدة، آية: ١٣.
(٤) سورة البقرة، آية: ٧٥.
[ ٩٩ ]
مَغْلُولَةٌ﴾ فرد الله عليهم بقوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ١.
إذًا فبعد ذلك لا يستبعد أن يفتروا على الله كذبًاُ فينسبون له الأبناء بل قد ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ٢.
ولقد نقض القرآن هذا الزعم بقوله: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ ومعنى هذا أن الحبيب لا يهين كرامة حبيبه بالتعذيب فلأي شيء يعذبكم في الدنيا بالأسر والقتل والمسخ وقد اعترفتم بأنه سيعذبكم في الآخرة أيامًا بعدد أيام عبادتكم العجل، ولو كان الأمر كما زعمتم لما صدر عنكم ما صدر ولما وقع عليكم ما وقع ثم بين القرآن أنهم كسائر البشر وأنهم محاسبون ومجزيون بالإحسان إحسانًا، والإساءة عقابًا، وأنهم خاضعون لمشيئة الله النافذة ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّه مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ٣.
وحسبنا أن اليهود عرفوا بنقض العهود والمواثيق وقتل الأنبياء بغير حق ولسنا بصدد تعداد مساوئهم فهي كثيرة ولكن الذي نقوله أنه ليس من المستغرب أن تصدر عنهم تلك الفرية الكبيرة وهي قولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾ ٤.
إبطال دعوى النصارى في أن عيسى ابن الله:
مما ينبغي أن يعلم أن قول النصارى ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾ يرجع إلى شبهة عرضت لهم فيه وهي خلقه - تعالى - إياه من أم دون أب وهو خلاف ما جرت عليه سنة الله - تعالى - في التوالد والتناسل فقالوا عنه ابن الله كما حكى الله ذلك عنهم بقوله: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ الله﴾ ٥ ولهم شبهة أخرى في قوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ
_________________
(١) سورة المائدة، آية: ٦٤.
(٢) سورة المائدة، آية: ١٨.
(٣) سورة المائدة، آية: ١٨.
(٤) سورة الكهف، آية: ٥.
(٥) سورة التوبة، آية: ٣٠.
[ ١٠٠ ]
مِنْهُ﴾ ١. فادعى بعض النصارى أن "من" للتبعيض فيكون عيسى بعضًا من الله تعالى وقد نقل عن محمد بن إسحاق قوله عن النصارى: "إنهم يحتجون في قولهم أنه ولد الله بأنههم يقولون: لم يكن له أب يعلم في المهد وهو شيء لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله"٢.
وأصحاب هذا القول هم النسطورية ينسبون إلى نسطور، وكان "بطريريكًا" بالقسطنطينية٣ فقول النصارى في المسيح أنه ابن الله بهذا الإدعاء الشنيع ينسبون إلى الله الولد والتولد.
وهذا الزعم الباطل نتيجة الشبهة التي عرضت لهم وهو أن الله خلقه من أم بلا أب من البشر فلا بد أن يكون ولدًا لله، وهذه الشبهة قامت الأدلة النقلية والعقلية على استحالة أن يكون لله ولد، أو صاحبة أو والد أو شريك، والله - تعالى - عظّم أمر هذه المقالة الشنيعة قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ ٤.
وقد أنذر الله - تعالى - جميع الطوائف التي تنسب إليه الولد بالوعيد الشديد والتهديد الأكيد قال تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾ ٥. وقد أبطل الله ﷿ مزاعم اليهود والنصارى ومشركي العرب في نسبة الولد إليه بقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٦ فنفي التولد عنه لامتناع التولد من شيء واحد، وأن التولد إنما يكون بين اثنين وهو - جل وعلا - لا صاحبة له، وأيضًا: فإنه خلق كل شيء، وخلقه لكل شيء يناقض أن يتولد عنه شيء، وهو بكل شيء عليم، وعلمه بكل شيء يستلزم أن يكون فاعلًا بإرادته فإن الشعور
_________________
(١) سورة النساء، آية: ١٧١.
(٢) مختصر سيرة الرسول للشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ص٣٦٩.
(٣) انظر الفصل لابن حزم ١/٤٩، الملل والنحل للشهرستاني ١/٢٢٤.
(٤) سورة مريم، آية: ٨٨ - ٩٥.
(٥) سورة الكهف، آية: ٤ - ٥.
(٦) سورة الأنعام، آية: ١٠١.
[ ١٠١ ]
فارق بين الفاعل بالإرادة والفاعل بالطبع فيمتنع مع كونه عالمًا أن يكون كالأمور الطبيعية التي تتولد عنها الأشياء بلا شعور كالحار والبارد فلا يجوز إضافة الولد إليه"١.
وفي قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ استدلال بخلق السموات والأرض ابتداء من غير مثال سابق وكل الطوائف التي نسبت الولد إلى الله - تعالى - مقرة بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض ابتداء، ولكن الاستدلال بقوله تعالى ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ على النصارى أليق من غيرهم لأنهم استغربوا وجود عيسى ﵇ من غير أب على غير مثال سابق ولهذا قالوا أنه ابن الله ولكن الغرابة تزول إذا عرفوا خلق آدم ﵇ من غير مثال سابق كما سنذكر ذلك قريبًا وإذا عرفوا خلق السموات والأرض ابتداءًا من غير مادة، فالإبداع عبارة عن تكوين الشيء من غير سبق مثال، فكأن الآية تقول للنصارى: سلمنا لكم أن عيسى حدث من غير أب ولا نطفة، بل إنما حدث ودخل في الوجود لأن الله - تعالى - أخرجه من الوجود من غير سبق الأب ولكنكم تقولون: إنه ابن الله، وعلى هذه فلا يخلو الأمر إما أن تريدوا بكونه ولدًا لله - تعالى - أنه أحدثه على سبيل الإبداع من غير تقدم نطفة ووالد وإما أن تريدوا بكونه ولدًا لله - تعالى - كما هو المألوف المعهود من كون الإنسان ولدًا لأبيه أما الاحتمال الأول: فإن النصارى والمشركين يسلمون بأن الله - تعالى - خلق السموات والأرض إبتداءًا ويلزم على تسليمهم ذلك أن يكون خلقه للسموات والأرض إبداعًا، فلو لزم من مجرد كونه مبدعًا لإحداث عيسى ﵇ كونه ولدًا له للزم من كونه مبدعًا للسموات والأرض كونه والدًا لهما، ولما فيهما من المخلوقات ومعلوم أن ذلك باطل بالاتفاق فثبت أن مجرد كونه مبدعًا لعيسى ﵇ لا يقتضي كونه والدًا له فبطل بهذا الاحتمال الأول.
وأما الاحتمال الثاني وهو أن يكون مراد القوم من الولادة هو الأمر المعتاد المعروف من الولادة في الحيوانات فهذا أيضًا باطل، يدل على بطلانه الوجوه التالية:
الوجه الأول: أن تلك الولادة لا تصح إلا ممن كانت له صاحبة وينفصل عنه جزء ويحتبس ذلك الجزء في باطن تلك الصاحبة وهذه الأحوال إنما تثبت في حق من يجوز عليه الأعراض المعروفة في التوالد والتناسل وكل ذلك على خالق العالم محال وهذا المراد من قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ .
_________________
(١) الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٢١٩.
[ ١٠٢ ]
الوجه الثاني: أن تحصيل الولد بهذا الطريق إنما يصح في حق من لا يكون قادرًا على الخلق والإيجاد والتكوين دفعة واحدة فلما أراد الولد وعجز عن تكوينه دفعة واحدة عمد إلى تحصيله بالطريق المعتاد أما من كان خالقًا لكل الممكنات قادرًا على كل المحدثات، فإذا أراد إحداث شيء قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ومن كان هذا الذي ذكرنا صفته ونعته امتنع منه إحداث شخص بطريق الولادة وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ .
الوجه الثالث: وهو أن هذا الولد إما أن يكون قديمًا أو محدثًا، وليس من الجائز أن يكون قديمًا لأن القديم يجب كونه واجب الوجود لذاته، وما كان واجب الوجود لذاته كان غنيًا عن غيره، فامتنع كونه ولدًا لغيره فبقي أنه لو كان ولدًا لوجب كونه حادثًا فنقول: إنه - تعالى - عالم بجميع المعلومات فإما أن يعلم أن له في تحصيل الولد كمالًا، ونفعًا أو يعلم أنه ليس الأمر كذلك، فإن كان الأول فلا وقت يفرض أن الله - تعالى - خلق هذا الولد فيه إلا والداعي إلى إيجاد هذا الولد كان حاصلًا قبل ذلك ومتى كان الداعي إلى إيجاده حاصلًا قبله، وجب حصول الولد قبل ذلك، وهذا يوجب كون ذلك الولد أزليًا وهو محال، وإن كان الثاني فقد ثبت أنه - تعالى - عالم بأنه ليس له في تحصيل الولد كمال حال ولا ازدياد مرتبة في الألوهية وإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا يحدث البتة في وقت من الأوقات وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١.
ولا يفوتنا أن نقول: أنه ليس أعظم جرمًا وأقبح إثمًا ممن زعم أن الله متصف بصفات المحدثين من الجهلة المشركين واليهود المعاندين والنصارى الضالين، وأن مؤمني الجن لأحسن حالًا منهم وأكمل إيمانًا إذ أنهم نفوا عن الله الصاحبة والولد كما قال تعالى حكاية عنهم: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ ٢.
ومن الآيات التي ترد على شبهة النصارى أن عيسى وجد من أم بلا أب يقتضي أن يكون ابنًا لله قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٣، وهذه الآية نزلت عند حضور وفد نصارى نجران على الرسول ﷺ كما ذكر
_________________
(١) تفسير الرازي ١٣/١١٨ - ١١٩ وآية: ١٠١ من سورة الأنعام.
(٢) سورة الجن، آية: ٣.
(٣) سورة آل عمران، آية: ٥٩.
[ ١٠٣ ]
هذا ابن جرير١ وادعى الفخر الرازي الإجماع على ذلك٢ ولقد أجاب الرسول ﷺ ذلك الوفد بنقض شبهتهم بأنه لو لزم من وجود عيسى من أم بلا أب كونه ابنًا لله للزم أن يكون آدم ابنًا لله - تعالى - بطريق الأولى، فإنه وجد من غير أم ولا أب، وأنتم تعترفون بذلك، ثم إنه ذا جاز أن يخلق الله - تعالى - آدم من التراب فلم لا يجوز أن يخلق عيسى من دم مريم؟ بل هذا أقرب إلى العقل فإن تولد الحيوان من الدم الذي يجتمع في رحم الأم أقرب من تولده من التراب اليابس، وهذا دليل ملزم لهم لأنهم لم يقولوا بأن آدم إله كما زعموا ذلك في عيسى ﵇، وفي قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ .
قال الزمخشري: "هو مثيله في أحد الطرفين فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به لأن المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف ولأنه شبيه به في أنه وجد وجودًا خارجًا عن العادة المستمرة وهما في ذلك نظيران، ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه" أ. هـ٣.
وقوله تعالى: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ ليس صفة لآدم ولا صلة له، وإنما هو خبر مستأنف على جهة التفسير لحال آدم كما ذكر ذلك الرازي ونقل عن الزجاج قوله: "هذا كما تقول في الكلام مثلك كمثل زيد تريد أن تشبهه به في أمر من الأمور ثم تخبر بقصة زيد فتقول: فعل كذا وكذا"٤.
وأما شبهتهم في قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ ٥ حيث قالوا إن هذا الجزء من الآية دليل على أن عيسى جزء من الله ويقولون: "من" في قوله "من" تبعيضية فيكون عيسى جزءًا من الله - تعالى الله - عن ذلك علوًا كبيرًا، فالروح هنا، قيل: النفخة فيكون معنى قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: نفخة منه لأنه حدث عن نفخة جبريل ﵇ في درع مريم بأمر الله إياه بذلك فنسب إلى أنه روح من الله لأنه بأمره كان، وإنما سمي النفخ "روحًا" لأنها ريح تخرج من الروح واستشهدوا على ذلك بقول ذي الرمة:
_________________
(١) جامع البيان ٣/٢٩٥.
(٢) التفسير الكبير ٨/٧٤.
(٣) الكشاف ١/٤٣٣.
(٤) التفسير الكبير: ٨/٧٤.
(٥) جزء من الآية رقم: ١٧١ من سورة النساء.
[ ١٠٤ ]
وقلت له ارفعها إليك وأحيها بروحك واقتته لها قيتة قدرًا١
يعني بقوله: "أحيها بروحك" أي أحيها بنفخك.
وقيل معناها: "الرحمة" فيكون قوله: ﴿رُوحٌ مِنْهُ﴾ أي رحمة منه كما قال تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ ٢ فجعل الله عيسى ﵇ رحمة منه على من آمن به وصدقه واتبعه من بني إسرائيل لأنه هداهم إلى سبيل الرشاد كما ذكره ابن جرير الطبري، وقد أورد أقوالًا أخرى ثم قال تعقيبًا عليها: "ولكل هذه الأقوال وجه ومذهب غير بعيد من الصواب"٣.
والأظهر في ذلك ما روي عن أبيّ بن كعب أنه قال: "عيسى روح من الأرواح التي خلقها الله ﷿ واستنطقها بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ٤ بعثه الله إلى مريم فدخل فيها"٥.
وقال أبوروق: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: نفخة منه إذ هي من جبريل بأمره، وسمي روحًا لأنه حدث من نفخة جبريل عليه السلام٦.
قال ابن كثير: "وكلمته ألقاها إلى مريم" أي: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربه ﷿ فكان عيسى بإذنه ﷿ وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها، فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم والجميع مخلوق لله ﷿ ولهذا قيل لعيسى إنه كلمة الله وروح منه، لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان، والروح التي أرسل بها جبريل : "وروح منه" كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ ٧. أي: من خلقه ومن عنده وليست "من" للتبعيض كما تقوله النصارى - عليهم لعائن الله المتتابعة - بل هي لابتداء الغاية كما في الآية الأخرى، وقد قال مجاهد
_________________
(١) ديوان ذي الرُّمة ص٢٤ ط: كيمبردج سنة ١٩١٩م.
(٢) جزء من الآية: ٢٢ من سورة المجادلة.
(٣) جامع البيان ٦/٣٦.
(٤) سورة الأعراف، آية: ١٧٢.
(٥) جامع البيان ٦/٣٦ وانظر تيسير العزيز الحميد ص٦٣.
(٦) تيسير العزيز الحميد ص ٦٣.
(٧) سورة الجاثية، آية: ١٣.
[ ١٠٥ ]
في قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: "رسول منه"، وقال غيره ومحبة منه، والأظهر الأول وهو أنه مخلوق من روح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ﴾ ١ وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ ٢ أضافها إليه إضافة تشريف، وهذا كله من قبيل واحد ونمط واحد" أ. هـ٣.
وقد ذكر الألوسي في تفسيره "روح المعاني" قصة مضمونها أن طبيبًا نصرانيًا حاذقًا للرشيد ناظر عليَّ بن الحسين الواقدي المروزي ذات يوم فقال له: "إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى ﵊ جزء منه - تعالى - وتلا هذه الآية فقرأ الواقدي قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ . فقال: إذن يلزم أن يكون جميع الأشياء جزءًا منه ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا فانقطع النصراني، فأسلم وفرح الرشيد فرحًا شديدًا، ووصل الواقدي بصلة٤ فاخرة.
وجاء في قرة عيون الموحدين: قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: "من الأرواح التي استخرجها من صلب آدم ﵇، وأخذ عليها العهد على أنه - تعالى - ربهم وإلههم، وروح عيسى من تلك الأرواح التي خلقها الله تعالى فجبريل نفخ والله خلق بقوله "كن فكان" كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ ٥ فسبحان من لا يخلق غيره ولا يعبد سواه" أ. هـ٦.
ومن هذا نفهم أن النفخ سبب ظاهر لإيجاد الروح في كل مولود وقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن مسعود ﵁ قال حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح "٧. الحديث
_________________
(١) سورة الأعراف، آية: ٧٣.
(٢) سورة الحج، آية: ٢٦.
(٣) تفسير القرآن العظيم: ٢/٤٥٩ - ٤٦٠.
(٤) تفسير الألوسي: ٦/٢٥.
(٥) سورة ص، آية: ٧٢.
(٦) قرة عيون الموحدين ص١٨، وانظر تيسير العزيز الحميد ص٦٣، فتح المجيد ص٤٧ - ٤٨.
(٧) ٢/٢١١.
[ ١٠٦ ]
فالنفخ يحصل من الملك بعد أمر الله - تعالى - له.
ولقد نزه نفسه - سبحانه - من المقالة السيئة التي نسبها إليه اليهود والنصارى ومشركو العرب وغيرهم فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ١.
قال الحافظ - رحمه الله تعالى ـ: "واتفقوا على أن الآية نزلت فيمن زعم أن لله ولدًا من يهود خيبر، ونصارى نجران، ومن قال من مشركي العرب الملائكة بنات الله فرد الله تعالى عليهم"٢ وجاء في الحديث القدسي الصحيح الذي رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "قال الله كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله لي ولد - فسبحاني - أن أتخذ صاحبة أو ولدًا".
قال الحافظ عقب هذا الحديث: "إنما سماه شتمًا لما فيه من التنقيص لأن الولد إنما يكون عن والدة تحمله، ثم تضعه، ويستلزم ذلك سبق النكاح، والناكح يستدعي باعثًا له على ذلك والله - سبحانه - منزه عن جميع ذلك" أ. هـ٣ ومما تقدم نعلم أن الله - تعالى - أبطل مزاعم اليهود والنصارى ومشركي العرب في نسبتهم الولد إلى الله - تعالى - فقد نفى عن نفسه الولادة ونفى اتخاذ الولد جميعا قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ ٥ ومما ينبغي أن يعلم أن كل النحل التي نسبت الولد إلى الله تعالى لم يرد العقلاء منهم أنها ولادة حسية من جنس ولادة الحيوان بانفصال جزء من ذكره في أنثاه يكون منه الولد وإنما يريد من الولادة العقلية الروحانية مثل قول النصارى إن الجوهر الذي هو الله من وجه، وهو الكلمة من وجه تدرعت بإنسان مخلوق من مريم فيقولون تدرع
_________________
(١) سورة البقرة، آية: ١١٦.
(٢) الفتح: ٨/١٦٨.
(٣) المصدر السابق. بنفس الصفحة.
(٤) سورة الإسراء، آية: ١١١.
(٥) سورة الفرقان، آية: ٢.
[ ١٠٧ ]
اللاهوت بالناسوت - فظاهره - وهو الدرع والقميص بشر وباطنه - وهو المتدرِّع - لاهوت هو الابن الذي هو الكلمة لتولد هذا من الأب الذي هو جوهر الوجود ومن هذا نعلم أن النبوة المزعومة مركبة من أصلين:
أحدهما: أن الجوهر هو الكلمة تولد من الجوهر الذي هو الأب كتولد العلم والقول من العالم والقائل.
الثاني: أن هذا الجوهر اتحد بالمسيح وتدرع به، وذلك الجوهر هو الأب من وجه وهو الابن من وجه فلهذا حكى الله عنهم، تارة أنهم يقولون: المسيح ابن الله، وتارة أنهم يقولون: إن الله هو المسيح ابن مريم١.
ولم يكتف القرآن بالرد على من زعم أن لله ولدًا بالنفي فحسب بل كفر من جعل له ولدًا، أو والدًا، أو شريكًا فقال تعالى في السورة التي تعدل ثلث القرآن كما جاء بذلك الحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن أبي سعيد الخدري أن رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ يرددها فلما أصبح جاء إلى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له وكأن الرجل يتقالها فقال النبي ﷺ: "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن" ٢: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ . قال شيخ الإسلام: "فنفى عن نفسه الأصول والفروع والنظراء، وهي جماع ما ينسب إليه من المخلوق من الآدميين والبهائم والملائكة، والجن، بل والنبات ونحو ذلك فإنه ما من شيء من المخلوقات إلا ولا بد أن يكون له شيء يناسبه إما أصل، وإما فرع، وإما نظير. أو اثنان من ذلك، أو ثلاثة وهذا في الآدميين والجن والبهائم ظاهر.
وأما الملائكة فإنهم وإن لم يتولدوا بالتناسل فلهم الأمثال والأشباه ولهذا قال - سبحانه ـ: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٣. قال بعض السلف: "لعلكم تتذكرون فتعلمون أن خالق الأزواج واحد" أ. هـ٤.
وبعد أن سقنا الأدلة النقلية على إبطال فرية المشركين واليهود والنصارى في نسبة
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ٢/٤٤٣ - ٤٤٥.
(٢) سنن أبي داود: ١/٣٣٧، وابن ماجة: ١/١٢٤٤، والنسائي: ٢/١٧١.
(٣) سورة الذاريات، آية: ٤٩.
(٤) مجموع الفتاوى: ٢/٤٣٨ - ٤٣٩.
[ ١٠٨ ]
الولد إلى الله تعالى، هناك دليل عقلي يدل على بطلان ذلك الافتراء الباطل نذكره قبل أن نختم الكلام في هذا الموضوع، وذلك الدليل هو:
١ - أن يقال: يجب أن يكون الإله واجب الوجود لذاته، فولده إما أن يكون واجب الوجود لذاته، أو لا يكون فإن كان واجب الوجود لذاته كان مستقلًا بنفسه قائمًا بذاته لا تعلق له في وجوده بالآخر، ومن كان كذلك لم يكن له ولد البتة، لأن الولد مشعر بالفرعية والحاجة إلى أصله.
وإما أن يكون ذلك الولد ممكن الوجود لذاته فحينئذ يكون وجوده بإيجاد واجب الوجود لذاته، ومن كان كذلك فيكون عبدًا لا ولدًا له ومن عرف هذه الحقيقة لم يتردد في نفي الولد عن الله - تعالى ـ.
٢ - إن الولد مشعر بكونه متولدًا عن جزء من أجزاء الوالد وذلك إنما يعقل في من يمكن انفصال بعض أجزائه عن بعض وهو محال في حق الواجب لذاته١.
وقد خص النبي ﷺ عيسى ﵇ بمزيد من التنبيه لأن عقائد أهل الكتاب كانت فيه بين الإفراط والتفريط فبيّن العقيدة الصحيحة التي يجب أن يلتزمها الناس فيه بصفة عامة، وأهل الكتاب جميعًا بصفة خاصة فقد ثبت في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" ٢.
فالقارئ لهذا الحديث يرى أن وجه تخصيص عيسى بالذكر مع نبينا محمد ﷺ دون سائر أولي العزم من الرسل إنما كان لتوضيح الحق فيه، وأنه عبد الله ورسوله.
وجاء في تيسير العزيز الحميد قوله: "وأن عيسى عبد الله ورسوله" وفي رواية "وابن أمته" أي: خلافًا لما يعتقده النصارى أنه الله أو ابن الله، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا إلى أن قال: "فيشهد بأنه عبد الله" أي: عابد مملوك لله، لا مالك، فليس من الربوبية ولا من الإلهية شيء، ورسول صادق خلافًا لقول اليهود إنه ولد بغي، بل يقال فيه
_________________
(١) انظر التفسير الكبير للرازي: ١٣/١١٦ - ١١٧.
(٢) صحيح البخاري ٢/٢٥٤، صحيح مسلم ١/٥٧. واللفظ للبخاري.
[ ١٠٩ ]
ما قال عن نفسه كما قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ١ قوله: ﴿وَكَلِمَتُه﴾ إنما سمي كلمة الله لصدوره بكلمة "كن" بلا أب قاله قتادة وغيره من السلف٢.
وقال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى ـ: "الكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له: "كن" فكان عيسى بكن وليس عيسى هو "كن" ولكن ب: "كن" كان، ف: "كن" من الله قول، وليس: كن مخلوقًا وكذب النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى وذلك أن الجهمية قالت: عيسى روح الله وكلمته إلا أن الكلمة مخلوقة.
وقالت النصارى عيسى روح الله من ذات الله، وكلمته من ذات الله كما قال: إن هذه الخرقة من هذا الثوب، وقلنا نحن: إن عيسى بالكلمة كان وليس عيسى هو الكلمة. أ. هـ٣. وختامًا لهذا نقول: إن الله قد رفع من شأن عيسى وجعله من أولي العزم من الرسل المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ ٤.
_________________
(١) سورة مريم، آية: ٣٠.
(٢) تيسير العزيز الحميد ص٦٢.
(٣) الرد على الجهمية والزنادقة ص١٢٤ - ١٢٥.
(٤) سورة الأحزاب، آية: ٧.
[ ١١٠ ]
المبحث السابع: إثبات صفتي الوحدانية والقهر
لقد دلت السورة على إثبات صفتي الوحدانية والقهر - للباري ﷾ في آية واحدة منها.
قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ .
هذه الآية من السورة تضمنت اسمين كريمين من أسمائه - تعالى - هما "الواحد" "والقهار" وهذان الاسمان يشتق منهما صفتان - للباري جل شأنه - هما صفتا "الوحدانية" و"القهر" فاسمه - تعالى - "الواحد" دال على اتصاف - الباري سبحانه - بالوحدانية قال ابن الأثير١: في أسماء الله "الواحد" هو الفرد الذي لم يزل ولم يكن معه غيره٢.
وجاء في تهذيب اللغة: "الفرق بين الواحد والأحد أن الأحد بني لنفي ما يذكر معه من العدد تقول: ما جاءني أحد، والواحد اسم بني لمفتتح العدد تقول: جاءني واحد من الناس، ولا تقول جاءني أحد فالواحد منفرد بالذات، وعدم المثل والنظير والأحد المنفرد بالمعنى٣.
_________________
(١) هو: المبارك بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري، أبو السعادات مجد الدين، المحدث اللغوي الأصولي، ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وتوفي سنة ست وستمائة هجرية. انظر ترجمته في وفيات الأعيان ١/٤٤١، الكامل لابن الأثير ١٢/٢٨٨، الأعلام ٦/١٥٢.
(٢) النهاية ٥/١٥٩.
(٣) ٥/١٩٤، وتفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص٥٨.
[ ١١١ ]
وجاء في القاموس: "التوحيد الإيمان بالله وحده أي: التصديق بما جاء به النبي ﷺ من الخبر الدال على أن الله - تعالى - واحد في ألوهيته لا شريك له" أ. هـ١.
ومن هذه النصوص اللغوية يتبين أن هذه المادة - وحدة - تدور حول إنفراد الشيء بذاته، أو بصفاته، أو بأفعاله، وعدم وجود نظير له فيما هو واحد فيه، وإذا عدي بالتضعيف فيقال: وحّد الشيء توحيدًا - كان معناه إما جعله واحدًا، أو اعتقده واحدًا.
قال تعالى حكاية عن المشركين: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢ فاسمه - تعالى - "الواحد" معناه: الإعتقاد الجازم بأن الله - تعالى - واحد لا شريك له، ونفي المثل والنظير عنه، والتوجه إليه وحده بالعبادة. وإذا قيل: الله واحد كان معنى ذلك إنفراده بما له من ذات وصفات وعدم مشاركة غيره فيها فهو - سبحانه - واحد في إلهيته فلا إله غيره، وواحد في ربوبيته فلا رب سواه، وواحد في كل ما ثبت له من صفات الكمال التي لا تنبغي إلا له - جل وعلا.
وأما تفسير المتكلمين لاسمه - تعالى - "الواحد" بأنه واحد لا يتجزأ، ولا ينقسم فهذا من الألفاظ المبتدعة المخترعة التي لم ينطق بها أحد من سلف الأمة وأئمتها ولم يرد ذكر هذا التفسير في عقائد أهل السنة والجماعة، وإنما هو من جنس ما يذكره أهل البدع من قولهم ليس بجوهر ولا عرض ولا جسم، وليس له أعراض ولا أبعاض إلى غير ذلك مما خالفوا فيه أهل السنة والجماعة، ومن خلال هذه الألفاظ يتوصلون إلى نفي الكثير من صفات الله ﷿. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فإنهم إذا قالوا لا قسيم له ولا جزء له، ولا شبيه له، فهذا اللفظ وإن كان يراد به معنى صحيح فإن الله ليس كمثله شيء وهو - سبحانه - لا يجوز عليه أن يتفرق، ولا يفسد ولا يستحيل بل هو أحد صمد والصمد الذي لا جوف له، وهو السيد الذي كمل سؤدده فإنهم يدرجون في هذه نفي علوه على خلقه، ومباينته لمصنوعاته ونفى ما ينفونه ويقولون إن إثبات ذلك يقتضي أن يكون مركبًا منقسمًا، وأن يكون له شبيه، وأهل العلم والإيمان يعلمون أن مثل هذا يسمى في لغة العرب التي نزل بها القرآن تركيبًا وانقسامًا، ولا تمثيلًا وهكذا الكلام في
_________________
(١) ١/٣٥٦.
(٢) سورة ص، آية: ٥.
[ ١١٢ ]
مسمى الجسم والعرض والجوهر والتحيز وحلول الحوادث وأمثال ذلك، فإن هذه الألفاظ يدخلون في مسماها الذي ينفونه أمورًا مما وصف به نفسه، ووصفه بها رسوله فيدخلون فيها نفى العلم والقدرة والكلام إلى غير ذلك من الصفات بدعوى أن ذلك لا تكون إلا لمتحيز في جهة وهو جسم"١ أ. هـ.
فكلام شيخ الإسلام يستفاد منه أن قول المتكلمين في اسمه - تعالى - "الواحد" أنه الذي لا ينقسم ولا يتجزأ قول مبتدع مخترع لم يقل به أحد من السلف.
وأما صفة "القهر" فقد دل على ثبوتها - للباري جل وعلا - اسمه - تعالى - "القهار".
قال في القاموس: "القهر" الغلبة "والقهار" من صفاته تعالى. أ. هـ٢.
وجاء في المفردات لغريب القرآن: "القهر الغلبة والتذليل معًا ويستعمل في كل منهما"٣.
وقال ابن الأثير: "القاهر الغالب على جميع الخلائق قهره يقهره فهو قاهر وقهار للمبالغة" أ. هـ٤.
فمن هذه النصوص اللغوية ندرك معنى اسمه - تعالى - "القهار" ومعناه الذي يغلب على كل شيء، ويبسط سلطانه على كل مخلوق، ولا يمتنع عليه ما يريده، ولا يفلت من قبضته جبار تمرد على جبروته، ولا متكبر نازعه رداء كبريائه بل هو - سبحانه - آخذ بنواصي عباده فمن تمرد عليه قصمه وأذله، ومن خالف أمره أخذه نكال الآخرة والأولى، وجعله عبرة ومثلًا لغيره، وبسط - سبحانه - سلطانه على كل الكائنات فاستجابت لأمره وخضعت لحكمته، وسارت على النهج الذي رسمه لها.
فجميع الموجودات خاضعة لسلطانه - سبحانه - مذعنة لمشيئته مقهورة لإرادته.
قال تعالى: ﴿وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل: ١/٢٢٨.
(٢) ٢/١٢٨.
(٣) ص٤١٤.
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر ٤/١٢٩.
(٥) سورة النحل، آية: ٤٩ - ٥٠.
[ ١١٣ ]
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ ١.
وللقهار - سبحانه - سنن قهر بها كل عظيم، وأخضع لحكمها كل جبار عنيد، وتتجلى مظاهر اسمه - تعالى - "القهار" في مصائر الأمم مثل قوم نوح، وعاد، وثمود، ومثل قارون، وفرعون، فهؤلاء جميعًا اغتروا بقوتهم، فأمعنوا في الظلم، وأسرفوا في الطغيان فكان بغيهم، وطغيانهم وبالًا عليهم.
قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ ٢.
بل قهر ﷾ الأخيار والأشرار وكل ذي روح بالموت الذي يدركهم أينما يكونون، ولو كانوا في بروج مشيدة.
وقهرهم جميعًا بالبعث بعد الموت ولو استطاع الأشرار سبيلًا إلى الفرار من البعث لآثروا أن يكونوا ترابًا حتى لا يعودوا إلى الحياة الأخروية ليلقوا ما أعد لهم من عذاب الهون جزاء بما كانوا يعملون ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ ٣.
ثم إن الآية التي صدرنا بها هذا المبحث وهي قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ .
قلنا: إنها دلت على إثبات صفتي الوحدانية والقهر - للباري ﷾ وقد بينا وجه دلالتها على ذلك.
وأيضًا: مع دلالتها على ما ذكرنا فقد لفتت الأنظار إلى أنه إنما يرغب في الولد من يرغب فيه ليشد به أزره ويستكثر به من قلة، ويعتز به من ذلك، وللمسارعة للنجدة والنصرة، وهذا شأن المخلوق الضعيف.
_________________
(١) سورة الحج، آية: ١٨.
(٢) سورة الحج، آية: ٤٥.
(٣) سورة النبأ، آية: ٤٠.
[ ١١٤ ]
أما الواحد القهار - سبحانه - الذي خضع لأمره كل شيء وبسط سلطانه على جميع هذا الكون فهو الغني عن العالمين لأنه خالقهم ورازقهم ومدبر أمورهم ولو شاء أن يتخذ ولدًا لأصطفى من خلقه ما يشاء ولكنه - سبحانه - لا يشاء ما يخالف حكمته وينافي كماله - سبحانه - هو الله الواحد القهار، وقد جمع الله - سبحانه - بين وحدانيته وقهره في عدة مواضع من كتابه:
قال تعالى: حكاية عن يوسف ﵇: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ١.
فهذه الآية تبين لنا أن نبي الله يوسف ﵇ دعا صاحبي السجن إلى الله وإلى الإسلام وقال لهما: أعبادة أرباب شتى متفرقين وآلهة لا تنفع ولا تضر خير أم عبادة المعبود الواحد الذي لا ثاني له في قدرته وسلطانه الذي قهر كل شيء فذلله وسخره فأطاعه طوعًا وكرهًا٢.
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٣.
بدأ - سبحانه - في هذه الآية بالإشارة إلى مظاهر قهره، وطاعة سائر المخلوقات له من خلق السموات والأرض، ثم أشار - سبحانه - بأنه لا يستوي الأعمى والبصير، كما لا تستوي الظلمات والنور ليوجه أذهان العباد إلى أن الذي خلق السموات والأرض هو الجدير بأن يخصه الناس بالعبادة ثم أشار إلى ضلال المشركين الذين انصرفوا عن عبادة الله ودعوا سواه، ما الذي صرفهم عن عبادة الواحد القهار؟ أظنوا أن له شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم فاختلط الأمر في أعينهم فلم يميزوا بين خلق - الباري - وخلق عيره فعبدوا من ظنوهم خالقين مع الله، ولو تدبروا وتفكروا قليلًا لعرفوا أن الله سبحانه هو خالق كل
_________________
(١) سورة يوسف، آية: ٣٩.
(٢) انظر جامع البيان: ١٢/٢١٩.
(٣) سورة الرعد، آية: ١٦.
[ ١١٥ ]
شيء ومليك كل شيء، وأنه لا رب غيره ولا خالق سواه إذ كل الكون ناطق بأنه الواحد القهار.
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ١.
وهذه الآية أيضًا: أشار الله - تعالى - فيها إلى بعض مظاهر قهره ونفوذ مشيئته في تبديل السموات والأرض وجمعه الخلائق ليوم المعاد الذي لا ريب فيه، ولا جرم أن الذي يستطيع أن يغير السموات والأرض ويجمع الخلائق ليجزيهم بأعمالهم دون أن يعترض إرادته معترض، أو يحول دون تنفيذ مشيئته حائل لا بد أن يكون إلهًا واحدًا لا معقب لحكمه ولا شريك له في ملكه فهو يفعل ما يشاء ولا بد أن يكون قهارًا غالبًا على كل شيء ولا يغلبه شيء - سبحانه - هو الله الواحد القهار.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٢.
وفي هذه الآية: أمر الله نبيه أن يبين للناس بأنه منذر، ينذر الناس بطشة الله كما أمره أن يبين لهم بأنه ليس في الوجود إلا إله واحد هو الله الواحد القهار.
وقال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ٣.
يشير - جل وعلا - في هذه الآية إلى يوم القيامة حين يرث الواحد القهار الأرض ومن عليها، ويسترد الملك من كل ذي ملك، والسلطان من كل ذي سلطان، ويشهد الخلق جميعًا أن الملك لله الواحد القهار، والمتدبر لإثبات صفتي الوحدانية والقهر الثابتة لله - جل وعلا - على ما يليق به يدرك شناعة الخطأ الذي وقع فيه القبوريون الذين يلجئون إلى غير الله حيث يطلبون منهم الحاجات ويستعينون بهم على نيل المطالب، والعجب لهم كيف سول لهم الشيطان أن يتركوا الواحد القهار، ويتجهون إلى المقهورين، وينصرفون عن الغالب إلى المغلوبين٤ وأسماء الله وصفاته تنادي جميع المخلوقين بتجريد التوحيد لله وحده لا شريك له، وبأنه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
_________________
(١) سورة إبراهيم، آية: ٤٨.
(٢) سورة ص، آية: ٦٥.
(٣) سور غافر، آية: ١٦.
(٤) معارج الألباب ص٢٢٠ - ٢٢١.
[ ١١٦ ]
المبحث الثامن: إثبات صفتي الرحمة والمغفرة
معنى الرحمة:
جاء في النهاية: في أسماء الله - تعالى - "الرحمن الرحيم" وهما اسمان مشتقان من الرحمة مثل ندمان ونديم، وهما من أبنية المبالغة، و"رحمن" أبلغ من "رحيم" و"الرحمن" خاص لله - تعالى - لا يسمى به غيره ولا يوصف. "والرحيم" يوصف به غير الله فيقال: رجل رحيم، ولا يقال: "رحمن" أ. هـ١.
وقال صاحب القاموس٢: "الرحمة": الرقة والمغفرة والتعطف أ. هـ٣.
قال العلامة ابن القيم: "وأما الرحمة فهي التعلق والسبب الذي بين الله وبين عباده فالتأليه عنهم له، والربوبية منه لهم، والرحمة سبب واصل بينه وبين عباده بها أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبها هداهم، وبها أسكنهم دار ثوابه، وبها رزقهم وعافاهم، وأنعم عليهم فبينهم وبينه سبب العبودية وبينه وبينهم سبب الرحمة، واقتران ربوبيته برحمته كاقتران استوائه على عرشه فا ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٤. مطابق لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فإن شمول الربوبية وسعتها بحيث لا يخرج شيء عنها أقصى
_________________
(١) ٣/٣٩٠.
(٢) هو: محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر أبو طاهر مجد الدين الفيروزأبادي كان من أئمة اللغة والأدب، ولد سنة تسع وعشرين وسبعمائة، وتوفي سنة سبع عشرة وثمانمائة هجرية. انظر ترجمته في "البدر الطالع" ٢/٢٨٠، كشف الظنون ٢/١٦٥٧.
(٣) القاموس "طه" ٢/١٠٦.
(٤) سورة طه، آية: ٥.
[ ١١٧ ]
شمول الرحمة وسعتها فوسع كل شيء برحمته وربوبيته مع أن في كونه ربًا للعالمين ما يدل على علوه على خلقه وكونه فوق كل شيء"١ أ. هـ.
معنى المغفرة: قال الزجاج رحمه الله تعالى: "الغفور" هو فعول من قولهم غفرت الشيء إذا سترته وفعول موضوع للمبالغة وكذلك فعال٢.
وجاء في النهاية: "الغفار الساتر لذنوب عباده، وعيوبهم المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم، وأصل الغفر التغطية يقال: غفر الله لك غفرًا، وغفرانًا ومغفرة والمغفرة إلباس الله - تعالى - العفو للمؤمنين"٣.
وجاء في القاموس: "غفره ستره وغفر الله ذنبه يغفره غفرًا غطى عليه وعفا عنه"٤.
وقال العلامة ابن رجب٥ رحمه الله تعالى: "المغفرة هي وقاية شر الذنوب مع سترها" أ. هـ٦.
والذي نستفيده من هذه الأقوال التي ذكرت حول بيان معنى اسمه - تعالى - "الرحيم" واسمه - تعالى - "الغفور".
إن اسمه - تعالى - "الرحيم" يدل على كثرة من تناله الرحمة من خالقه فهي صفة فعل باعتبار تجددها على حسب أحوال المرحومين، وهي صفة ذات باعتبار أصلها لأن الله - تعالى - لم يزل ولا يزال متصفًا بهذه الصفة.
_________________
(١) مدارج السالكين: ١/٣٥.
(٢) تفسير أسماء الله الحسنى ص٩٦.
(٣) ٣/٣٧٢.
(٤) ٢/١٠٦.
(٥) هو: الإمام الحافظ: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب السلامي البغدادي ثم الدمشقي أبو الفرج زين الدين ولد في بغداد سنة ست وثلاثين وسبعمائة وتوفي سنة خمس وتسعين وسبعمائة هجرية في دمشق. أنظر ترجمته في "شذرات الذهب" ٦/٣٣٩، الدرر الكامنة ٢/٣٢١، طبقات الحافظ للسيوطي ص٥٤٠ رقم الترجمة "١١٧٠".
(٦) جامع العلوم والحكم ص٣٤٤.
[ ١١٨ ]
ويدل اسمه "الرحيم" على أنه - تعالى - يرحم خلقه برحمته ويتجاوز عن سيئاتهم مهما بلغت صغرت أم كبرت إذا أتوا بأسباب التوبة وصدقت رغبتهم في طلبها.
وأما اسمه - تعالى - " الغفور" فمعناه هو الكثير المغفرة وأن المغفرة ستر الذنوب والتجاوز عنها، والعفو عن مغترفيها وصونهم من أن يمسهم العذاب بسببها وإلباسهم العفو عن خطيئاتهم، فالله ﷾ "غفور" أي كثير الستر لذنوب عباده المؤمنين عظيم التجاوز عنهم.
وقد دلت سورة - "الزُمَرْ" على إثبات صفتي الرحمة والمغفرة - للرب ﷻ في آيتين منها:
قال تعالى: ﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
فهاتان الآيتان من السورة تضمنتا إثبات صفتي الرحمة والمغفرة - للبارئ جل وعلا - وقد أمر الله نبيه في الآية الثانية من هاتين الآيتين أن يبلغ عباده المؤمنين أن لا ييأسوا من مغفرته فإنه - سبحانه - يغفر الذنوب جميعًا مهما أسرفوا على أنفسهم وأفرطوا ما عدا الإشراك بالله - سبحانه - فإنه لا يغفره إلا بالتوبة منه بالدخول في دين الله الحق فهو - سبحانه - ذو مغفرة عظيمة ورحمة واسعة للمقبلين عليه المنيبين إليه، والمنقادين له انقيادًا تامًا ظاهرًا وباطنًا عن طواعية ورضى.
قال ابن جرير رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ﴾ الآية. اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية.
فقال بعضهم: عنى بها قوم من أهل الشرك قالوا: لما دعوا إلى الإيمان بالله كيف نؤمن، وقد أشركنا وقتلنا النفس التي حرم الله والله - يعد - فاعل ذلك النار فما ينفعنا مع ما قد سلف منا الإيمان فنزلت هذه الآية والذين قالوا: بهذا القول هم عبد الله بن عباس
[ ١١٩ ]
﵄، ومجاهد١ وعطاء٢ وزيد بن أسلم وقتادة والسدي وابن زيد٣ والشعبي٤ رحمهم الله تعالى.
وقال آخرون بل عنى بذلك أهل الإسلام وقالوا: تأويل الكلام إن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن يشاء قالوا: وهي كذلك في مصحف عبد الله وقالوا: إنما نزلت هذه الآية في قوم صدهم المشركون عن الهجرة وفتنوهم فأشفقوا أن لا يكون لهم توبة وقال: بهذا القول عبد الله بن عمر ﵄ وعلي بن أبي طالب ومحمد بن كعب القرطبي وثوبان مولى رسول الله ﷺ.
وقال آخرون: نزلت في قوم كانوا يرون أهل الكبائر من أهل النار فأعلمهم الله بذلك أنه يغفر الذنوب جميعًا لمن يشاء، وهذا قول آخر لعبد الله بن عمر ﵄.
وقال ابن جرير: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى - تعالى - ذكره بذلك جميع من أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك لأن الله عم بقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ جميع المسرفين فلم يخصص به مسرفًا دون مسرف.
فإن قال قائل: فيغفر الله الشرك؟ قيل: نعم إذا تاب منه المشرك وإنما عنى بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ لمن يشاء وأن الله قد استثنى منه الشرك إذا لم يتب منه صاحبه فقال: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٥.
فأخبر أنه لا يغفر الشرك إلا بعد التوبة بقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٦.
_________________
(١) هو: مجاهد بن جبر أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير وفي العلم مات سنة أربع ومائة هجرية. التقريب ٢/٢٢٩.
(٢) عطاء هو: ابن أبي رباح أسلم القرشي، مولاهم، المكي ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإرسال توفي سنة خمس عشرة ومائة هجرية انظر التهذيب ٧/١٩٩ وما بعدها
(٣) هو: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، مولاهم المدني روى عن أبيه. تقريب التهذيب ١/٤٨٠، طبقات المفسرين للداودي ١/٢٧١.
(٤) هو: عامر بن شراحيل الشعبي أبو عمرو ثقة مشهور فقيه فاضل توفي بعد المائة. انظر التقريب ١/٣٨٦.
(٥) سورة النساء، آية: ٤٨.
(٦) سورة الفرقان، آية: ٧٠.
[ ١٢٠ ]
فأما ما عداه فإن صاحبه في مشيئة ربه إن شاء تفضل عليه فعفا له عنه وإن شاء عدل عليه فجازاه به.
وأما قوله: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ فإنه يعني: لا تيأسوا من رحمة الله وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ يقول: إن الله يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها وتركه عقوبتهم عليها إذا تابوا منها ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها. أ. هـ١.
وأما العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى فقد قال حول الآية: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ "هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة".
وإخبار بأن الله ﵎ يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها وإن كانت مهما كانت، وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر ولا يصح حمل هذه على غير توبة لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه٢.
وقد استدل ابن كثير - رحمه الله تعالى - على أنه لا يصح حمل هذه الآية على غير توبة بما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا فأتوا محمدًا ﷺ فقال: إن الذي تقول، وتدعوا إليه لحسن لو تخبرنا بأن لما عملنا كفارة فنزل ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ ٣ ونزل ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ ٤.
قال ابن كثير: والمراد من الآية الأولى - أي آية الفرقان - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا﴾ ٥.
_________________
(١) جامع البيان ٢٤/١٤ - ١٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٦/١٠٠. وانظر مجموع الفتاوى ١٦/١٨ - ٣٢.
(٣) سورة الفرقان، آية: ٦٨.
(٤) صحيح البخاري ٣/١٨٢، ورواه مسلم أيضًا: ٤/٢٣١٨.
(٥) تفسير القرآن العظيم ٦/١٠٠ والآية رقم ٧١ من سورة الفرقان.
[ ١٢١ ]
فابن جرير وابن كثير - رحمهما الله تعالى - اعتبرا الآية عامة في جميع المسرفين في الذنوب من بني آدم، وأنه - تعالى - يغفر جميع ذلك مع التوبة النصوح ولا يجوز لعبد أن يقنط نفسه، أو غيره من رحمة الله - تعالى - ومغفرته اللتين هما من صفات الكمال ولذلك اتصف بهما رب العالمين ﷾.
وصفتا الرحمة والمغفرة وردا في كتاب الله تعالى في مواضع كثيرة:
قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢.
قال العلامة ابن القيم: "وصفات الإحسان والجود والبر والمنة والرأفة واللطف أخص باسم "الرحمن" وكرر إيذانًا بثبوت الوصف وحصول أثره وتعلقه بمتعلقاته "فالرحمن" الذي الرحمة وصفه، والرحيم الراحم لعباده ولهذا يقول تعالى ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ٣ ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٤.
ولم يجيء رحمن بعباده، ولا رحمن بالمؤمنين مع ما في اسم "الرحمن" الذي هو على وزن "فعلان" من سعة هذا الوصف وثبوت جميع معناه الموصوف به.
ألا ترى أنهم يقولون: غضبان للممتلئ غضبًا وندمان وحيران، وسكران، ولهفان لمن ملئ بذلك فبناء فعلان للسعة والشمول ولهذا يقرن استواءه على العرش بهذا الإسم كثيرًا ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ٥.
فاستوى على عرشه باسم الرحمن لأن العرش محيط بالمخلوقات قد وسعها والرحمة محيطة بالخلق واسعة لهم كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء﴾ ٦. فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات فلذلك وسعت رحمته كل شيء.
_________________
(١) سورة البقرة، آية: ١٦٣.
(٢) سورة طه، آية: ٥.
(٣) سورة الأحزاب، آية: ٤٣.
(٤) سورة التوبة، آية: ١١٧.
(٥) سورة الفرقان، آية: ٥٩.
(٦) سورة الأعراف، آية: ١٥٦.
[ ١٢٢ ]
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو موضوع على العرش إن رحمتي تغلب غضبي" وفي لفظ فهو عنده على العرش"١.
فتأمل اختصاص هذا الكتاب بذكر الرحمة ووصفه عنده على العرش وطابق بين ذلك وبين قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢ وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ٣ ينفتح لك باب عظيم من معرفة - الرب ﵎ إن لم يغلقه عنك التعطيل والتجهم. أ. هـ٤.
فرحمته - تعالى - عمت كل شيء في العالم العلوي والسفلي البر والفاجر المؤمن والكافر فلا يخلو مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمته وغمره فضله وإحسانه، ولكن هناك رحمة خاصة ليست لكل أحد، وهي المقصودة بقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ للهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ٦.
هذه الآية أمر الله - تعالى - نبيه محمدًا ﷺ بأن يقول للمشركين مقررًا وملزمًا بالتوحيد لمن ما في السموات فإن أجابوك وإلا فقل إن الله هو الذي خلق هذا الكون، وهو مالكه ومتصرف فيه كيف يشاء ثم أخبر بأنه كتب على نفسه الرحمة ترغيبًا للمتولين عن الإقبال عليه، وإخبارًا منه بأنه رحيم بالعباد، قادر على أن يعاجلهم بالعقوبة ولكنه كتب على نفسه الرحمة ووعد بها فضلًا منه، وإحسانًا ولم يوجبها عليه أحد، والكتابة تكون شرعية، وتكون كونية فالكتابة الشرعية الأمرية مثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ ٧.
_________________
(١) صحيح البخاري ٢/٢٠٨، صحيح مسلم ٤/٢١٠٧.
(٢) سورة طه، آية: ٥.
(٣) سورة الفرقان، آية: ٥٩.
(٤) مدارج السالكين ١/٣٣ - ٣٤.
(٥) سورة الأعراف، آية: ١٥٦.
(٦) سورة الأنعام، آية: ١٢.
(٧) سورة البقرة، آية: ١٨٣.
[ ١٢٣ ]
والكونية والقدرية كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ ١.
فالمراد بالكتابة في قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ كونية قدرية، فقد كتب على نفسه الرحمة تفضلًا منه، وإحسانًا من غير أن يوجبها عليه أحد.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ ٢.
هذه الآية تضمنت إثبات الرحمة والمغفرة للذين يبادرون بالتوبة ويمشون على الصراط المستقيم - فسبحان - ربنا وسعت رحمته وعلمه كل شيء فما من مسلم ولا كافر إلا وهو يتقلب في نعم الله التي لا تحصى ولا تعد.
وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ٣.
فسورة الفاتحة التي هي أول سور القرآن دلت على إثبات صفة الرحمة - للباري جل وعلا - وهي السورة التي اشتملت على أمهات المطالب العالية.
قال العلامة ابن القيم حول تفسيره لهذه السورة العظيمة: "وتضمنت إثبات النبوات من جهات عديدة:
أحدها: كونه رب العالمين فلا يليق به أن يترك عباده سدى هملًا لا يعرّفهم ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم، وما يضرهم فيها فهذا هضم للربوبية، ونسبة الرب - تعالى - إلى ما لا يليق به وما قدره حق قدره من نسبه إليه.
الثاني: أخذها من اسم "الله" وهو المألوه المعبود ولا سبيل للعباد إلى معرفة عبادته إلا من طريق رسله.
الثالث: من اسمه "الرحمن" فإن رحمته تمنع إهمال عباده وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم، فمن أعطى اسم "الرحمن" حقه عرف أنه متضمن لإرسال الرسل وإنزال الكتب أعظم من تضمنه إنزال الغيث، وإنبات الكلأ وإخراج الحب فاقتضاء الرحمة لما
_________________
(١) سورة المجادلة آية: ٢١.
(٢) سورة غافر آية: ٧.
(٣) سورة الفاتحة آية: ١ - ٢.
[ ١٢٤ ]
تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح لكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظ البهائم وأدرك منه أولو الألباب أمرًا وراء ذلك"١.
وقد بين الرسول ﷺ أن الله - تعالى - موصوف بالرحمة والمغفرة.
فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: قدم على رسول الله ﷺ بسبي فإذا امرأة من السبي تبتغي إذ وجدت صبيًا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته. فقال لنا رسول الله ﷺ: "أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار"؟ قلنا: لا. والله وهي تقدر على أن لا تطرحه. فقال رسول الله ﷺ: "لله أرحم بعباده من هذه بولدها" ٢.
ومما جاء عنه ﷺ في شأن ثبوت صفة المغفرة لله - جل وعلا - الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة رضي الله - تعالى - عنه عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه ﷿ قال: "أذنب عبدي ذنبًا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي فقال ﵎ أذنب عبدي عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي ربي أغفر لي ذنبي فقال ﵎ أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب إعمل ما شئت فقد غفرت لك" ٣.
فهذان الحديثان دلا على أنه - تعالى - موصوف حقيقة بصفتي الرحمة والمغفرة كما يليق بذاته - جل وعلا - كما يقال في سائر الصفات: فالله - تعالى - هو الذي يتطلب منه المغفرة للذنوب، والرحمة للخلق فما دام العباد منيبين إليه قارعين بابه فإنه يتوب عليهم ويرحمهم برحمته التي وسعت كل شيء، والذي يتضح من الآيات والأحاديث المتقدمة التي سقناها أدلة على أن الله - تعالى - موصوف بصفتي الرحمة والمغفرة أن الرحمة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: رحمة عامة يشترك فيها المسلم والكافر، والبر والفاجر والبهائم وسائر الخلق دل على هذا القسم قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٤.
_________________
(١) مدارج السالكين ١/٨، والتفسير القيم ص٧ - ٩.
(٢) صحيح مسلم ٤/٢١٠٩.
(٣) المصدر السابق ٤/٢١١٢.
(٤) سورة الأعراف، آية: ١٥٦.
[ ١٢٥ ]
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ ١.
القسم الثاني: قسم خاص بالأنبياء والرسل وعباده المؤمنين دل على هذا القسم قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.
والرحمة المضافة إلى الله - تعالى - نوعان:
النوع الأول: من إضافة المفعول إلى فاعله ومثال هذا النوع الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: "احتجت الجنة والنار الحديث وفيه: "فقال للجنة إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي" ٤ فهذه رحمة مخلوقة مضافة إليه إضافة المخلوق بالرحمة إلى خالقه، وسماها رحمة لأنها خلقت بالرحمة وللرحمة وخص بها أهل الرحمة، وإنما يدخلها الرحماء.
النوع الثاني: مضاف إليه إضافة صفة إلى موصوف وذلك مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٥ ورغم كثرة النصوص في إثبات صفتي الرحمة والمغفرة وثبوتها لله ﷿ حقيقة على ما يليق بجلاله وعظيم سلطانه فإنه قد وجد من أنكرها ووجد من أولها تأويلًا باطلًا بغير المراد منها، فالجهمية مذهبهم كما هو معلوم إنكار صفات الله - تعالى - وأسمائه كلية لا يثبتون له صفة ولا اسمًا٦. ووافقهم المعتزلة في نفي صفاته - تعالى - وأثبتوا له أسماءًا بدون صفات٧. وهاتان الطائفتان متفقتان على نفي صفة الرحمة والمغفرة، فقد زعموا أن الرحمة ضعف وخور في الطبيعة وتألم على المرحوم وبناءًا على هذه الشبهة الباطلة نفوها كلية ويزعمون أن هذا من التنزيه وهو في
_________________
(١) سورة غافر، آية: ٧.
(٢) سورة الأحزاب، آية: ٤٣.
(٣) سورة التوبة، آية: ١١٧.
(٤) صحيح البخاري ٣/١٨٢.
(٥) بدائع الفوائد ٢/١٨٣ والآية رقم: ٥٦ من سورة الأعراف، وانظر هادي الأرواح ص٢٥٨.
(٦) مجموع الفتاوى ١٢/٥٠٧، ٢٠٥.
(٧) المصدر السابق ٣/٢٠.
[ ١٢٦ ]
الحقيقة تعطيل وجحد لصفات الله تعالى، ومن مبالغة الجهمية في إنكارهم صفة الرحمة أن قدوتهم الأول في الضلالة "الجهم بن صفوان" كان يقف على الجذامى ويشاهد ما هم فيه من البلايا ويقول: "أرحم الراحمين يفعل مثل هذا يعني أنه ليس ثم رحمة في الحقيقة، وأن الأمر راجع إلى محض المشيئة الخالية عن الحكمة والرحمة، ولا حكمة عنده ولا رحمة، فإن الرحمة لا تعقل إلا من فعل من يفعل الشيء لرحمة غيره ونفعه، والإحسان إليه، فإذا لم يفعل لغرض ولا غاية ولا حكمة لم يفعل الرحمة والإحسان" ١.
فإمام الجهمية في الضلال ينكر رحمة الله وحكمته وعلى ذلك جرى أتباعه أما شبهة الجهمية وأفراخهم المعتزلة التي أدت بهم إلى إنكار صفة الرحمة وهي قولهم: أن الرحمة ضعف وخور في الطبيعة، وتألم على المرحوم فهذا زعم باطل من وجوه:
الوجه الأول: أن الضعف والخور مذموم في الآدميين والرحمة ممدوحة قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ ٢، وقد نهى الله عن الوهن والحزن فقال: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣، وندبهم إلى الرحمة فقد قال ﷺ: "لا تنزع الرحمة إلا من شقي" ٤ وقال: "من لا يَرْحَم لا يُرْحَم" ٥ وقال: "الرَّاحمون يرحمهم الرحمن" ٦ ومحال أن يقول: لا ينزع الضعف والخور إلا من شقي، ولما كانت الرحمة تقارن في حق كثير من الناس الضعف والخور كما في رحمة النساء ونحو ذلك ظن الغالط أنها كذلك مطلقًا.
الوجه الثاني: أنه لو قدر أنها في حق المخلوقين مستلزمة لذلك لم يجب أن تكون في حق الله - تعالى - مستلزمة لذلك، كما أن العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام فينا يستلزم من النقص والحاجة ما يجب تنزيه الله عنه.
الوجه الثالث: إنا نعلم بالاضطرار أنا إذا فرضنا موجوديْن أحدهما يرحم غيره
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٧/١٧٧، إغاثة اللهفان ٢/٢٧٧، شفاء العليل ص٢٠٢.
(٢) سورة البلد، آية: ١٧.
(٣) سورة آل عمران، آية: ١٣٩.
(٤) رواه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ ٢/٣٠١.
(٥) متفق عليه: صحيح البخاري ٤/٥١، صحيح مسلم ٤/١٨٠٩ كلاهما من حديث أبي هريرة.
(٦) رواه أبو داود في سننه ٢/٥٨٢، والترمذي ٣/٢١٧ كلاهما من حديث عبد الله بن عمرو.
[ ١٢٧ ]
فيجلب له المنفعة، ويدفع عنه المضرة، والآخر قد استوى عنده هذا وهذا وليس عنده ما يقتضي جلب منفعة ولا دفع مضرة كان الأول أكمل١.
وأما مذهب الأشعرية: في صفتي الرحمة، والمغفرة فإنهم يؤولونهما بغير المراد منهما، فقد تأولوا صفة الرحمة بمعنى الإحسان أو إرادة الإحسان قال البيجوري٢ و"الرحمن الرحيم" صفتان مأخوذتان من الرحمة بمعنى الإحسان أو إرادة الإحسان لاستحالة ذلك في حقه - تعالى - فالرحمن الرحيم "في حقه بمعنى المحسن، أو مريد الإحسان لكن الأول بمعنى المحسن بجلائل النعم أي: بالنعم الجليلة والثاني بمعنى المحسن بدقائق النعم أي: بالنعم الدقيقة" أ. هـ٣.
وذكر صاحب الجوهرة مذهب الأشاعرة في الصفات فقال:
وكل نص أوهم التشبيه أوله أو فوض ورم تنزيها٤
وقال الرازي بعد أن ذكر بعض الصفات الفعلية: "إن هذه المتشابهات يجب القطع بأن مراد الله منها شيء غير ظواهرها كما يجب تفويض معناها إلى الله - تعالى ـ، ولا يجوز الخوض في تفسيرها"٥.
فمذهب الأشعرية عمومًا إثبات بعض الصفات وتأويل الكثير منها بغير المراد منها فتأويلهم صفة الرحمة بمعنى الإحسان، أو إرادة الإحسان مغالطة ظاهرة إذ الحق إثبات صفة الرحمة كما يليق بجلاله - تعالى - كالقول في سائر الصفات، والرحمة لا تنفك عن إرادة الإحسان فهي مستلزمة للإحسان أو إرادته استلزام الخاص للعام فكما أنه يستحيل وجود الخاص بدون العام فكذلك الرحمة بدون الإحسان أو إرادته.
وبعض الأشاعرة تأول صفة الرحمة بمعنى الثواب، ويرد على هذا التأويل البعيد
_________________
(١) مجموعة الرسائل والمسائل: ٤/٢٢٦ - ٢٢٧. دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان.
(٢) هو: إبراهيم بن محمد بن أحمد الشافعي الباجوري المتوفى سنة ١٢٧٧ هـ.
(٣) تحفة المريد على جوهرة التوحيد ص٣.
(٤) المصدر السابق ص٩١.
(٥) أساس التقديس ص٢٢٣.
[ ١٢٨ ]
عن الحق والصواب - بأن البارئ سبحانه - قد فرق بين رحمته ورضوانه وثوابه المنفصل فقال: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ١.
فالرحمة والرضوان صفته، والجنة ثوابه وهذا يبطل قول من جعل الرحمة والرضوان ثوابًا منفصلًا مخلوقًا، وقول من قال: هي إرادته الإحسان فإن إرادته الإحسان من لوازم رحمته فإنه يلزم من الرحمة أن يريد الإحسان وكذلك لفظ اللعنة والغضب، والمقت هي أمور مستلزمة للعقوبة فإذا انتفت حقائق تلك الصفات انتفى لازمها فإن ثبوت لازم الحقيقة مع انتفائها ممتنع، فالحقيقة لا توجد منفكة عن لوازمها٢.
والذي نخلص إليه مما تقدم أن صفتي الرحمة، والمغفرة ثابتتان - للباري سبحانه - على ما يليق به، والذين نفوهما أو أولوهما بغير المراد منهما ليس معهم ما يؤيدهم على دعواهم أي دليل لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من العقل، أو الفطرة، أو اللغة وإنما الذي حملهم على مزاعمهم الباطلة، إنما هو قياسهم الخالق على المخلوق واتباع الهوى الذي جرهم إلى النفي والتعطيل وتحريف الكلم عن مواضعه نعوذ بالله من شر ذلك.
_________________
(١) سورة التوبة، آية: ٢١.
(٢) انظر مختصر الصواعق المرسلة ٢/١٢١.
[ ١٢٩ ]
المبحث التاسع: إثبات صفة الغنى لله تعالى
لقد دلت السورة على إثبات صفة الغنى المطلق - للباري جل وعلا - في آية واحدة منها، وهي قوله تعالى:
﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ .
هذه الآية الكريمة من السورة أثبتت صفة الغنى التام المطلق لله - حل وعلا - من جميع الوجوه والاعتبارات لكماله، وكمال صفاته ﷾ فصفة الغنى لله ﷾ ثابتة بنص القرآن والسنة، وغناه - سبحانه - لازم لذاته.
جاء في النهاية في أسماء الله - تعالى - "الغني" هو الذي لا يحتاج إلى أحد في شيء، وكل أحد يجتاح إليه، وهذا هو الغنى المطلق، ولا يشارك الله - تعالى - فيه غيره، ومن أسمائه - تعالى - "المغني" وهو الذي يغني من يشاء من عباده١ أ. هـ.
وجاء في المفردات في غريب القرآن: "الغنى يقال على ضروب":
أحدها: عدم الحاجات وليس ذلك إلا الله - تعالى - وهو المذكور في قوله: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ٣.
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر: ٣/٣٩٠.
(٢) سورة الحج آية: ٦٤.
(٣) سورة فاطر آية: ١٥.
[ ١٣٠ ]
الثاني: قلة الحاجات وهو المشار إليه بقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ ١.
الثالث: كثرة القنيات بحسب ضروب الناس ومنه قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ ٢ أي: لهم غنى النفس، ويحسبهم الجاهل أن لهم القنيات لما يرون فيهم من التعفف والتلطف"أ. هـ٣.
فالذي يستفاد من التعريف اللغوي لاسمه - تعالى - "الغني" أن الله - تعالى - متصف بصفة الغنى المطلق من جميع الوجوه فلا يتطرق إليه نقص بوجه من الوجوه، ولا يمكن أن يكون إلا غنيًا لأن غناه - سبحانه - من لوازم ذاته، كما لا يكون إلا خالقًا، قادرًا رازقًا، محسنًا، فلا يحتاج إلى أحد بحال من الأحوال فهو - تعالى - الغني الذي بيده خزائن الأرض والسموات، وهو الذي يغني جميع خلقه غنى عامًا وهو الذي يغني خواص خلقه بما يفيض على قلوبهم من حقائق الإيمان ومعرفتهم ربهم معرفة تامة تزيدهم إيمانًا ويقينًا، فجميع الخلائق مفتقرة إليه ﷾ في وجودها فلا وجود لها إلا به، ومفتقرة إليه في قيامها فلا قوام لها إلا به - جل وعلا - فهو القيوم، القائم بنفسه فلا يحتاج إلى شيء القيم لغيره فلا قوام لشيء إلا به، والقائم على غيره، المدبر لأمور خلقه، فالله - تعالى - له الغنى المطلق الكامل، وكل الخلق فقراء إلى الله، وقد وردت آيات كثيرة تبين هذا المعنى وتثبته:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ٤ في هذه الآية: "يخبر - تعالى - بغنائه عما سواه، وبافتقار المخلوقات كلها إليه وتذللها بين يديه فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ﴾ أي: هم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات وهو - تعالى - الغني عنهم بالذات ولهذا قال ﷿: ﴿وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ٥ أي: هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له، وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله ويقدره ويشرعه"٦.
_________________
(١) سورة الضحى آية: ٨.
(٢) سورة البقرة آية: ٢٧٣.
(٣) المفردات للراغب ص٣٦٦، وانظر "المنهاج في شعب الإيمان للحليمي" ١/١٩٦.
(٤) سورة فاطر آية: ١٥.
(٥) سورة فاطر آية: ١٥.
(٦) تفسير ابن كثير ٥/٥٧٧.
[ ١٣١ ]
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى الله وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ١.
وهاتان الآيتان: أخبر الله - تعالى - بهما أن الأمم التي مضت حل بهم من النكال والوبال ما لا يقادر قدره بسبب تكذيبهم رسله، والكفر بهم وبما جاؤوا به من الحق المبين، فكأن أفكارهم السيئة أملت لهم أنهم يضرون الله بعملهم ذلك ولم يفكروا بأنه - تعالى - غني عن إيمان جميع خلقه وعبادتهم فهو - سبحانه - "غني حميد" غير محتاج إلى العالم ولا إلى عباداتهم وهو المحمود - سبحانه - من جميع الخلائق بلسان المقال والحال وهو - سبحانه - لا تضره معصية العاصين، ولا تزيده طاعة الطائعين وقال تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ الله لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ٢ ففي هذه الآية: بيان من الله - تعالى - أن كل ما في السموات وما في الأرض من الأشياء ملك له، وهو غني عما سواه، وكل شيء فقير إليه عبد لديه - فسبحانه - من غني كريم.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ ٣.
قال ابن جرير حول هذه الآية: "قل يا محمد لهؤلاء المشركين العادلين بربهم الأوثان والأصنام والمنكرين عليك إخلاص التوحيد لربك الداعين إلى عبادة الآلهة والأوثان، أشيئًا غير الله - تعالى - أتخذ وليًا أستنصره وأستعينه على النوائب والحوادث"٤ أ. هـ.
فالله - جل وعلا - هو الذي يحتاج إليه الخلائق ويلجئون إليه لينصرهم ويعينهم على ما يهمهم من أمر دينهم ودنياهم لأنهم عاجزون فقراء إلى الله - تعالى - لا يستطيعون تحقيق مصالحهم إلا بعونه - تعالى - لهم ونصره إياهم.
_________________
(١) سورة التغابن آية: ٥ - ٦.
(٢) سورة الحج آية: ٦٤.
(٣) سورة الأنعام آية: ١٤.
(٤) جامع البيان عن تأويل آي القرآن: ٧/١٥٨.
[ ١٣٢ ]
وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ١.
هذه الآية: بين الله - تعالى - فيها أنه ما خلق الجن والإنس إلا ليوحدوه - سبحانه - ويفردوه بالعبادة لأنه لخالق لهم، والموجد لهم من العدم وهو الذي حباهم بأصناف النعم ثم بين - تعالى - في الآية الثانية أنه مستغن عن عباده وأنه لا يريد منهم منفعة كما تريد السادة من مواليهم بل هو الغني على الإطلاق الرازق المعطي ﷾.
وقد أنكر الله على اليهود حين نسبوا الفقر إلى الله ونسبوا الغنى إلى أنفسهم الحقيرة العاجزة التي لا تملك لنفسها ضرًا ولا نفعًا وحكم بكفرهم، لأنهم نفوا صفة الغنى عن الرب ﷾ الذي خزائنه لا تنفد فقال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ ٢.
ـ فتعالى الله الكريم - عن مقالة اليهود وأشباههم علوًا كبيرًا، ورد الله عليهم في موضع آخر حين زعموا أن يد الله مغلولة فرد عليهم بأن يديه مبسوطتان، سحاء الليل والنهار لا تغيضها نفقة، ولعنهم على مقالتهم الجائرة ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾ ٣.
قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ٤.
كما أنه - تعالى - رد على المنافقين حين تآمروا فيما بينهم على أن لا ينفقوا على الصحابة الملتفين حول رسول الله ﷺ كي يتفرقوا من حوله ويتركوه وحيدًا ولم يدركوا أن الصحابة الذين كانوا حول رسول الله ﷺ مهما نزلت بهم النكبات والكوارث فإنهم لا يتزعزعون لأن إيمانهم راسخ لا يتزحزح كالجبال الرواسي، ورد الله على المنافقين بأنهم لا يملكون شيئًا وأن خزائن السموات والأرض بيده - سبحانه ـ.
_________________
(١) سورة الذاريات آية: ٥٦ - ٥٨.
(٢) سورة آل عمران آية: ١٨١.
(٣) سورة الكهف آية: ٥.
(٤) سورة المائدة آية: ٦٤.
[ ١٣٣ ]
قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلله خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ ٢
فهذه الآيات التي قدمنا ذكرها فيها الإخبار منه - تعالى - بكمال غناه عن خلقه وأنه لا يزيد في غناه طاعة من أطاعه ولا ينقص من غناه معصية من عصاه.
وبينت أنه - سبحانه - لم يخلق الخلق لحاجته إليهم، وأنه لو شاء لذهب بهم وأتى بغيرهم، وأخبر - تعالى - بأنهم فقراء إليه لا غنى لهم عنه في نفس من أنفاسهم وكلهم يعلم ذلك، مقرين به، وأنهم لم يكونوا موجودين حتى أوجدهم وليس لهم قدرة من أنفسهم ولا غيرها إلا بما أقدرهم الله عليه فإنه - سبحانه - الغني الفعال لما يريد، كما أن تلك الآيات تتضمن الرد على القائلين أن علة افتقار الخلائق إليه - سبحانه - إنما هو الحدوث فلا تحتاج إليه - سبحانه - إلا في حال الإحداث.
قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - في صدر رده على الجهمية والمعتزلة القائلين بأن علة افتقار الخلائق إلى ربها إنما هو الحدوث فلا تحتاج إليه - سبحانه - إلا في حال الإحداث، وفي رده على ابن سيناء وطائفة الذين يقولون بأن علة افتقار الخلائق إلى ربها إنما هو الإمكان الذي يظن أنه يكون بلا حدوث، بل يكون المعلول قديمًا أزليًا، ويمكن افتقارها في حال البقاء بلا حدوث. فقد بين ﵀ بطلان هذين القولين: وقرر بأن الإمكان والحدوث متلازمان كما عليه جماهير العقلاء من الأولين والآخرين، وحتى القدماء من الفلاسفة كأرسطو وأتباعه فإنهم يقولون: إن كل ممكن فهو محدث، ولم يخالف في هذا إلا ابن سيناء وطائفة، ولذلك إخوانهم من الفلاسفة أنكروا عليهم رأيهم كابن رشد٣ وغيره إلى أن قال ﵀ والمخلوقات مفتقرة إلى الخالق فالفقر
_________________
(١) سورة المنافقون آية: ٧.
(٢) سورة الإسراء آية: ١٠.
(٣) هو: محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الأندلسي أبو الوليد الفيلسوف من أهل قرطبة اشتغل بعلم الفلسفة وترجمها إلى العربية، وله مؤلفات كثيرة في فنون مختلفة. ولد سنة عشرين وخمسمائة، وتوفي سنة خمس وتسعين وخمسمائه. انظر ترجمته في: شذرات الذهب ٤/٣٢٠، والأعلام للزركلي ٦/٦١٢.
[ ١٣٤ ]
وصف لازم لها دائمًا لا تزال مفتقرة إليه، والإمكان والحدوث دليلان على الافتقار لأن هذين الوصفين جعلا الشيء مفتقرًا، بل فقر الأشياء إلى خالقها لازم لها لا يحتاج إلى علة، كما أن غنى الرب لازم لذاته لا يفتقر في اتصافه بالغنى إلى علة، وكذلك المخلوق لا يفتقر في اتصافه بالفقر إلى علة بل هو فقير لذاته لا تكون ذاته إلا فقيرة فقرًا لازمًا لها ولا يستغني إلا بالله. وهذا معنى "الصمد" وهو الذي يفتقر إليه كل شيء ويستغنى عن كل شيء بل الأشياء مفتقرة من جهة ربوبيته ومن جهة إلهيته فما لا يكون به لا يكون، وما لا يكون له لا يصلح ولا ينفع ولا يدوم وهذا تحقيق قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِياك نَسْتَعِينُ﴾ ١.
وقال العلامة ابن القيم رحمة الله - تعالى - عليه بعد أن ذكر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ٢.
بين - سبحانه - في هذه الآية أن فقر العباد إليه أمر ذاتي له فغناه وحمده ثابت له لذاته لا لأمر أوجبه، وفقر من سواه إليه ثابت له لذاته، لا أمر أوجبه فلا يعلل هذا الفقر بحدوث ولا إمكان، بل هو ذاتي للفقير، فحاجة العبد إلى ربه لذاته لا لعلة أوجبت تلك الحاجة كما أن غنى الرب - سبحانه - لذاته لا لأمر أوجب غناه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والفقر لي وصف ذات لازم أبدا ًكما أن الغنى أبدًا وصف له ذاتي
فالخلق فقير محتاج إلى ربه بالذات لا بعلة وكل ما يذكر ويقرر من أسباب الفقر والحاجة فهي أدلة على الفقر والحاجة لا علل لذلك إذا ما بالذات لا يعلل فالفقير بذاته محتاج إلى الغني بذاته وما يذكر من إمكان وحدوث واحتياج فهي أدلة على الفقر لا أسباب له ولهذا كان الصواب في مسألة علة احتياج العالم إلى الرب - سبحانه - غير القولين اللذين تذكرهما الفلاسفة والمتكلمون، فإن الفلاسفة قالوا: علة الحاجة الإمكان، والمتكلمون قالوا: علة الحاجة الحدوث. والصواب أن الإمكان والحدوث متلازمان وكلاهما دليل الحاجة والافتقار وفقر العالم إلى الله - سبحانه - أمر ذاتي لا يعلل فهو فقير بذاته إلى ربه الغني بذاته ثم يستدل بإمكانه وحدوثه وغير ذلك من الأدلة على هذا الفقر، والمقصود أنه - سبحانه - أخبر عن حقيقة العباد وذواتهم بأنها فقيرة إليه - سبحانه - كما أخبر عن ذاته
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٥/٥١٤ - ٥١٥ والآيتان رقم ٤ - ٥ من سورة الفاتحة.
(٢) سورة فاطر آية: ١٥.
[ ١٣٥ ]
المقدسة، وحقيقته أنه غني حميد، فالفقر المطلق من كل وجه ثابت لذواتهم وحقائقهم من حيث هي فيستحيل أن يكون العبد إلا فقيرًا، ويستحيل أن يكون الرب - سبحانه - إلا غنيًا كما أنه يستحيل أن يكون العبد إلا عبدًا ويستحيل أن يكون الرب إلا ربًا" أ. هـ١.
وأما الأحاديث الدالة على أن الله متصف بصفة الغنى فكثيرة جدًا.
منها: حديث أبي ذر رضي الله - تعالى - عنه عن النبي ﷺ فيما يرويه عن - ربه - قال تعالى: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على اتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم، اجتمعوا على أتقى قلب عبد من عبادي ما زاد ذلك في ملكي جناح بعوضة، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه"٢.ومنها حديث: عائشة ﵂ وعن أبيها قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه. قالت عائشة: فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر ﷺ وحمد الله ﷿ ثم قال: "إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم وقد أمركم الله ﷿ أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم" ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله
_________________
(١) طريق الهجرتين ص٦ - ٧.
(٢) رواه مسلم في صحيحه ٤/١٩٩٤ - ١٩٩٥.
[ ١٣٦ ]
لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين" رواه أبو داود وقال: هذا حديث غريب إسناده جيد١.
والذي نخلص إليه مما تقدم من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أن الله - تعالى - متصف بصفة الغنى المطلق، فلا يحتاج إلى شيء وأن جميع الخلائق محتاجون إليه وفقراء إليه في كل أمر من أمورهم، فلا قوام لهم إلا به - تعالى - في كل حركاتهم وسكناتهم وفي كل لحظة من لحظاتهم، وفي كل نفس من أنفاسهم فلا غنى لهم عنه طرفة عين.
_________________
(١) سنن أي داود ١/٢٦٧.
[ ١٣٧ ]
المبحث العاشر: إثبات صفة الرضا
لقد أثبتت السورة صفة الرضا لله - جل وعلا - على ما يليق به - سبحانه - وهي صفة فعلية يفعلها متى شاء وكيف شاء.
قال تعالى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ الآية.
هذه الآية من السورة إخبار من الله - تعالى - بأنه لا يرضى لعباده أن يكفروا به ولا يرضى لهم أن يشركوا به غيره، وإنما الذي يرضاه لهم أن يؤمنوا به - سبحانه - ويطيعوه ويكونوا بمنآى عن الكفر وأهله، وكون الكفر لا يخرج عن المشيئة العامة فليس ذلك مبررًا لكفر الكافر، ومعصية العاصي لأنه - تعالى - يخلق ما يحب وما يكره من الأعيان والأفعال وكل ما في الكون داخل تحت مشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
قال العلامة ابن القيم حول الآية ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ الآية "فالكفر والشكر واقعان بمشيئته وقدره، وأحدهما محبوب له مرضي، والآخر مبغوض له مسخوط، وكذلك قوله عقيب ما نهى عنه ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ ١.
فهو مكروه له مع وقوعه بمشيئته وقضائه وقدره" أ. هـ٢.
وصفة الرضا كثر ذكرها في الكتاب والسنة مما يدل على ثبوتها ثبوتًا قطعيًا للباري - سبحانه - على ما يليق بجلاله وعظيم سلطانه كغيرها من الصفات الأخرى كالعلم والقدرة والإرادة وغير ذلك من الصفات الثابتة التي نطق بها الكتاب والسنة.
_________________
(١) سورة الإسراء آية: ٣٨.
(٢) مدارج السالكين ١/٢٥٣ - ٢٥٤.
[ ١٣٨ ]
قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ١.
ففي هذه الآية إخبار من الله - تعالى - بأنه يرضى عن عباده المؤمنين ويرضون عنه وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ ٤.
فأخبر - تعالى - في هذه الآية بأنه لا يرضى بما يبيتونه من القول المشتمل على شهادة الزور والبهت ورمي البريء وبراءة الجاني إذ الآية نزلت في حادثة هذا شأنها٥.
مع أن كل ذلك واقع بمشيئته - سبحانه - إذ أجمع المسلمون على أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولم يخالفهم في هذا إلا القدرية النفاة الذي يقولون: يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء.
فالآيات السابقة دلت دلالة صريحة على إثبات الرضا - لله جل وعلا - إثباتًا يليق بجلاله فإذا نفاها نافٍ أو تأولها متأول بغير المراد منها فمعنى ذلك أنه يدعي أنه أعلم بصفات الله من الله ﷾ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا فلا يجوز نفي أي صفة من صفاته - تعالى - أو تأوليها بغير ما يدل عليه ظاهرها كأن تؤول صفة الرضا بإرادة الثواب، وصفة الغضب بإرادة العقاب إذ هذا من تحريف الكلم عن مواضعه، واعتراض على الله فيما أثبته لنفسه، كما لا يجوز أن يقال: إن رضاه - تعالى - كرضا المخلوقين كما هو مذهب الكرامية المشبهة إذ الفرق بين رضا الخالق، ورضا المخلوق كالفرق بين الذات والذات، ذات الخالق، وذات المخلوق فكما أنه لا تشابه بين ذات الخالق وذات المخلوق، فكذلك لا
_________________
(١) سورة المائدة آية: ١١٩.
(٢) سورة التوبة آية: ١٠٠.
(٣) سورة الفتح آية: ١٨.
(٤) سورة النساء آية: ١٠٨.
(٥) مدارج السالكين ١/٢٥٣، فتح القدير ١/٥١٢؛ لباب النقول في أسباب النزول ص٨١.
[ ١٣٩ ]
تشابه بين صفة الخالق، وصفة المخلوق لأن ما وصف الله به نفسه لائق بجلاله، وما وصف به المخلوق، يناسب حاله وافتقاره.
وقد دلت السنة على إثبات صفة الرضا كما دل عليها القرآن الكريم فقد جاء من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: إن النبي ﷺ قال: "إن الله ﷿ يقول يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون يا رب: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا"١.
فالحديث دل على أن رضى الله أعظم، وأجل من كل نعيم، كما دل دلالة واضحة على إثبات صفة الرضا والسخط إثباتًا يليق بجلاله.
ومن حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا: ويكره لكم ثلاثًا فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، ويكره لكم ثلاثًا قيل وقال٢ وكثرة السؤال٣ وإضاعة المال" ٤.
فالحديث دل على أنه - تعالى - يرضى ويكره وهاتان الصفتان صفتا كمال ولو كان في إثبات هاتين الصفتين وغيرهما محذور لأشار إلى ذلك النبي ﷺ وبينه ووضحه للأمة، فهو - سبحانه - يرضى رضاءًا يليق بجلاله، ويكره بعض الأعمال كراهة تليق به، ولا داعي لأن نتأول الحديث بتأويلات باطلة ما أنزل الله بها من سلطان. كتأويل الرضا، والسخط والكراهة من الله - تعالى - بأن المراد بها أمره ونهيه وثوابه وعقابه، أو إرادته الثواب لبعض العباد والعقاب لبعضهم٥ إذ هذه التأويلات من تصرف بعض الطوائف كالأشعرية الكلابية الذين يتكلفون تأويلات لم يكلفهم الله بها، بل هي تأويلات باطلة ناتجة عن التصرف
_________________
(١) متفق عليه: صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٤٨٧، وصحيح مسلم ٤/٢١٧٦.
(٢) قيل وقال: الخوض في أخبار الناس وحكاية ما لا يعني من أحوالهم وتصرفاتهم.
(٣) كثرة السؤال: هو التنطع في المسائل والإكثار من السؤال عما لم يقع، وقيل المراد به سؤال الناس أموالهم.
(٤) رواه مسلم في صحيحه ٤/٣٤٠.
(٥) انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/١٠.
[ ١٤٠ ]
الخاطىء إزاء صفات الله - تعالى - التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله ﷺ بدون تعطيل ولا تأويل، كما أن الحديث تضمن الرد على القدرية الجبرية الذين يزعمون أن كل ما في الكون محبوب لله حتى المعاصي - تعالى عن ذلك وتقدس - فقد بين الحديث أنه - سبحانه - يكره القيل والقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال.
ومن حديث أنس ﵁ قال: دعا رسول الله ﷺ على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحًا يدعو على رعل١ وذكوان٢ وعصية٣ عصت الله ورسوله قال أنس: "أنزل الله ﷿ في الذين قتلوا ببئر معونة قرآنًا قرأناه حتى نسخ بعد أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه" ٤.
ففي الحديث دلالة صريحة واضحة على إثبات صفة الرضا - للرب جل وعلا - حيث أكرم الله ﷿ تلك الفئة المؤمنة من شهداء بئر معونة برضاه الذي هو أعظم من كل نعيم ورضوا بما أكرمهم الله - تعالى - به من دخول الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ومما ينبغي أن يعلم أن السلف الصالح كانوا يطلقون الصفات الخبرية على الله بدون توقف، ولكن الأمر انعكس اليوم فأصبح كثير من أتباع العقيدة الأشعرية الكلابية يتوقفون من إطلاق الكثير من الصفات الخبرية على الله - تعالى - إلا بنية تأويلها وتفسيرها بلازمها.
فمذهب السلف الصالح الذي هو الطريق السوي هو التسليم بما جاء في الكتاب والسنة، ولا يتجاوزونهما فالله يرضى ويغضب ويحب ويفرح كما أخبر بذلك عن نفسه وأخبر رسوله ﷺ.
وأما احتجاج أبي علي الجبائي المعتزلي بالآية التي صدرنا بها هذا المبحث وهي قوله تعالى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ على أن العبد يخلق أفعاله، وقال: لو أن الله خلق الكفر لكان قد رضي الكفر من الوجه الذي خلقه ولو كان
_________________
(١) رعل: قبيلة من سليم بن منصور من العدنانية تنتسب إلى رعل بن عوف بن مالك. الفتح ٧/٣٧٩
(٢) ذكوان: قبيلة من بني سليم بن منصور من قيس بن غيلان من العدنانية. انظر تاريخ ابن خلدون ٢/٣٠٧.
(٣) عصية: بطن من بلى من قضاعة من القحطانية. انظر نهاية الأرب للنويري ٢/٢٩٦.
(٤) رواه مسلم في صحيحه ١/٤٦٨.
[ ١٤١ ]
الكفر بقضاء الله - تعالى - لوجب على الخلق أن يرضوا بذلك لأن الرضا بقضاء الله واجب، وحيث اجتمعت الأمة على أن الرضا بالكفر كفر ثبت أنه ليس بقضاء الله، وليس أيضًا برضاء الله١.
وهذا الزعم يرد عليه من وجوه ثلاثة:
الوجه الأول:
يقال له: اختلف أهل التفسير في هذه الآية على قولين:
١ـ ذهب حبر الأمة عبد الله بن عباس والسدي٢ إلى أن معنى قوله - تعالى - ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ خاص بعباده المؤمنين الذين أخلصهم لعبادته وطاعته.
٢ـ وذهب آخرون إلى أن ذلك عام لجميع الناس وعلى هذا يكون المعنى أيها الناس إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لكم أن تكفروا به٣.
الوجه الثاني:
يقال له: إن زعمك أن الرضا بالقضاء واجب ففيه تفصيل عند العلماء حيث أن أقسام الرضا ثلاثة:
الرضا بالله، والرضا عن الله، والرضا بقضاء الله.
فالرضا بالله فرض، والرضا عنه وإن كان من أجل الأمور وأشرفها فلم يطالب به العموم لعجزهم عنه ومشقتهم عنه، وأوجبه بعضهم وأما الرضا بكل مقتضى فلا يجب بل المقتضى ينقسم إلى ما يجب الرضا به وهو الديني الشرعي، ومقتضى كونه قدري، فإن كان فقرًا أو مرضًا ونحو ذلك استحب الرضاء به ولم يجب، وأوجبه بعضهم وإن كان كفرًا، أو معصية حرم الرضاء به، فإن الرضاء به مخالفة لله - تعالى - فإنه - سبحان - لا يرضى لعباده الكفر، وأما القضاء الذي هو صفة الله وفعله فالرضا به واجب" أ. هـ٤.
_________________
(١) التفسير الكبير للفخر الرازي ٢٦/٢٤٦.
(٢) هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي أبو محمد الكوفي صدوق يهم ورمي بالتشيع توفي سنة سبع وعشرين ومائة هجرية "تهذيب التهذيب" ١/٣١٣ـ٣١٤.
(٣) جامع البيان ٢٦/٢٤٦.
(٤) منهاج السنة ٢/٤٠ ـ٤١، مدارج السالكين ١/٢٥٦ مع التصرف اليسير.
[ ١٤٢ ]
الوجه الثالث:
يقال له: إن الإرادة في كتاب الله نوعان:
١ـ إرادة قدرية كونية.
٢ـ إرادة شرعية دينية.
فالشرعية المتضمنة للمحبة والرضا، والقدرية الكونية هي: الشاملة لجميع الموجودات فما شاءه - سبحانه - كان وما لم يشأه لم يكن مثال الإرادة القدرية الكونية قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ ١. وقوله تعالى حكاية عن نبيه هود ﵇: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ٢. فهذه الإرادة تعلقت بالإضلال والإغواء. ومثال الإرادة الشرعية الدينية الأمرية قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٤.
فالأمر الشرعي إنما تلازمه الإرادة الشرعية الدينية ولا تلازم بينه وبين الإرادة الكونية القدرية٥.
فالله تعالى أمر الكافر بالإيمان وأراده منه شرعًا ودينًا، ولم يرده منه كونًا وقدرًا ولو أراده كونًا لحصل ذلك، لأن الإرادة الكونية القدرية لا يتخلف عنها المراد بخلاف الإرادة الشرعية قد يتخلف المراد بها.
ولو اعترض المعتزلة وقالوا: ما الفائدة من أمر الله بالشيء وهو لا يريد وقوعه؟ يجاب بأن الفائدة في ذلك ابتلاء الخلق وليتميز المطيع من غيره ولذلك أمر الله خليله إبراهيم عليه
_________________
(١) سورة الأنعام آية: ١٢٥.
(٢) سورة هود آية: ٣٤.
(٣) سورة النساء آية: ٢٦.
(٤) سورة المائدة آية: ٦.
(٥) انظر مختصر منهاج السنة ص١٢١، شفاء العليل ص٢٨٠ - ٢٨١، شرح الطحاوية ص١١٦ - ١١٧.
[ ١٤٣ ]
السلام بذبح ولده مع أنه - تعالى - لم يرد وقوع ذبحه كونًا وقدرًا، وقد أبان الله - تعالى - أن الحكمة في ذلك ابتلاء إبراهيم ﵇ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ ١. وبهذا يبطل قول القدرية المعتزلة أنه لا يكون أمرًا إلا بإرادة وقوعه، وقولهم هذا الفاسد هو الذي جرهم إلى القول بأن معصية العاصي ليست بمشيئة الله - تعالى - لأنه أمر بتركها ولم يرد إلا التزام الذي أمر به لأن الأمر لا يكون أمرًا إلا بالإرادة فيترتب على قولهم نسبة العجز إلى الله واستقلال العبد بالفعل دون الله - تعالى - والله منزه عن قولهم تنزيهًا يليق بجلاله٢.
قال الطحاوي رحمه الله تعالى: "ولا يفعل إلا ما يريد".
قال الشارح حول هذه العبارة: "هذا رد لقول القدرية المعتزلة فإنهم زعموا أن الله أراد الإيمان من الناس كلهم والكافر أراد الكفر وقولهم فاسد مردود لمخالفته الكتاب والسنة والمعقول الصحيح إلى أن قال: وأما أهل السنة فيقولون: إن الله وإن كان يريد المعاصي قدرًا فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها وهذا قول السلف قاطبة فيقولون ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن" أ. هـ٣.
والحاصل مما تقدم في هذا المبحث أن صفة الرضا من الصفات التي أثبتها الله لنفسه في محكم كتابه، وأثبتها له رسوله (في سنته المطهرة، وأثبتها له سلف هذه الأمة حيث آمنوا بما جاء به الكتاب والسنة، ولم يتجاوزوهما إلى غيرهما إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل، أما الذين يفرقون بين صفات الله ويؤولون صفة الرضا، والمحبة، والغضب، والكراهة بالإرادة فهذا من تصرفات البشر الخاطئة التي مضمونها التفريق بين ما ورد به السمع. ولو قيل لهم: لم نفيتم صفة الرضا والمحبة والغضب وأثبتم الإرادة؟ لقالوا: إن إثباتها فيه تشبيه للخالق بالمخلوق لأن الغضب غليان دم القلب لقصد الإنتقام، والرحمة رقة تلحق المخلوق والرب منزه عن ذلك.
_________________
(١) سورة الصافات آية: ١٠٦.
(٢) انظر مذكرة أصول الفقه للشيخ محمد الأمين الشنقيطي ص١٩٠ - ١٩١.
(٣) شرح الطحاوية ص١١٦.
[ ١٤٤ ]
والرد على هذا يقال لهم: وكذلك الإرادة: ميل الإنسان إلى ما ينفعه ودفع ما يضره، والله منزه عن ذلك، فيضطرون إلى القول بأن للإنسان إرادة تليق به، وللرب إرادة تليق به، ومن خلال قولهم هذا يلزمهم أن يقولوا كذلك: في بقية الصفات من الرضا والمحبة والرحمة والغضب والكراهة، وإن لم يقولوا بهذا فإنهم وقعوا في التفريق بين صفات الله - تعالى - وليس في العقل ولا في السمع ما يدل على التفريق فلا يحل أن يثبت له بعض الصفات - سبحانه - وينفي عنه البعض١ الآخر مما أثبته لنفسه.
_________________
(١) الرسالة التدمرية مع شرحها التحفة المهدية: ١/٤٦ - ٤٧.
[ ١٤٥ ]
المبحث الحادي عشر: إثبات صفة العلم
لقد دلت السورة على إثبات صفة العلم لله ﷿ في ثلاث آيات منها: قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ .
فالآية الأولى من هذه الآيات الثلاث تضمنت اسمه - تعالى - "العليم" الدال على صفة العلم لله - تعالى - التي بها يدرك جميع المعلومات على ما هي عليه، فلا يخفى عليه شيء فقد بين الله - تعالى - بقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أنه لا يخفى عليه ما أضمرته صدور عباده مما لا تدركه أعينهم فكيف بما تدركه العيون وتراه الأبصار.
وأما الآية الثانية: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ففيها الأمر للنبي ﵌ بأن يقول للناس إن الله خالق السموات والأرض، وأنه يعلم الغيب الذي لا تراه الأبصار، ولا تحسه العيون، كما يعلم الشهادة الذي تشهده أبصار الخلق وتراه عيونهم.
وأما الآية الثالثة: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ فقد أخبر الله - تعالى - فيها أنه أعلم بما يفعله العباد في الدنيا من الطاعات أو المعاصي، ولا يعزب عنه علم شيء من ذلك وسيجازيهم على ذلك يوم القيامة فيثيب المحسن بإحسانه ويعاقب المسيء على إساءته.
فالآيات الثلاث المتقدمة دلت على أنه - تعالى - عالم بعلم، وأن علمه محيط
[ ١٤٦ ]
بكل الأشياء الشاهدة والغائبة من الكليات والجزئيات وعلمه - تعالى - من صفاته الذاتية وهو أزلي بأزليته فقد علم - تعالى - في الأزل جميع ما هو خالق، كما علم جميع أحوال خلقه وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وشقاوتهم وسعادتهم ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار، وعلم - تعالى - عدد أنفاسهم، ولحظاتهم وجميع حركاتهم وسكناتهم أين تقع؟ ومتى تقع؟ كل ذلك بعلمه وبمرأى منه ومسمع لا يخفى عليه منهم خافية سواء في علمه الغيب والشهادة والسر والجهر، والجليل والحقير، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فله - تعالى - العلم المطلق بجميع الأشياء جملة وتفصيلًا، وقد جاءت في كتاب الله - تعالى - آيات كثيرة دلت على شمول علم الله وإحاطته بما لا تبلغه علوم خلقه.
قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ١.
فهذه الآية بينت بأنه - تعالى - يعلم ما يدخل في الأرض من الحب والبذور والمياه والحشرات والمعادن، وما يخرج منها من الزرع والأشجار والعيون الجارية والمعادن النافعة، ويعلم كذلك ما ينزل من السماء من الثلوج والأمطار والصواعق والملائكة كما يعلم ما يصعد فيها من الملائكة والأعمال والطير الصواف إلى غير ذلك مما يعلمه العليم - جل شأنه ـ.
وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٢.
وهذه الآية أخبر - تعالى - فيها بأن عنده مفاتح الغيب وأنه لا يعلمها إلا هو ومفاتح الغيب:
قيل: خزائنه، وقيل: "طرقه وأسبابه التي يتوصل بها إليه وهي جمع مفتح بكسر الميم، أو مفتاح بحذف ياء مفاعيل"٣.
_________________
(١) سورة الحديد آية: ٤.
(٢) سورة الأنعام آية: ٥٩.
(٣) فتح القدير ٢/١٢٣.
[ ١٤٧ ]
وقد فسرها النبي ﷺ بقوله: مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ١.
فالآية الأولى: وهي قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ الآية دلت على أنه - تعالى - لا يخفى عليه شيء في هذا الكون ودلت على وصول علمه إلى كل ما خفي ودق من الحسيات والمعنويات حيث بينت أنه - تعالى - يعلم سقوط الورقة من الشجرة وكم من أشجار على الأرض؟ وكم في كل شجرة من الورق؟ فما من شجرة أو ورقة إلا وهي في الكتاب المبين.
كما أوضحت أنه يعلم الرطب واليابس فدلت على إحاطة علم الله - تعالى - بهذا الكون إذ الكون إما رطب أو يابس - فسبحان - من هو عالم الغيب والشهادة.
وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ٣.
وهاتان الآيتان أيضًا: فيهما الإخبار بإحاطة علم الله بحمل كل أنثى ووضعها متى تضع وكيف تضع كما أخبر بعموم قدرته وتعلقها بكل شيء وأن علمه محيط بجميع الكائنات.
وقال تعالى: ﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ٥.
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄ صحيح البخاري ١/١٩، صحيح مسلم ١/٣٩، والآية رقم ٣٤ من سورة لقمان.
(٢) سورة فصلت آية: ٤٧.
(٣) سورة الطلاق آية: ١٢.
(٤) سورة النساء آية: ١٦٦.
(٥) سورة غافر آية: ١٩.
[ ١٤٨ ]
وقال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ ١.
والآيات الواردة في كتاب الله الدالة على أن الله - تعالى - متصف بصفة العلم مما لا يكاد أن يحصى إلا بكلفة لكثرتها، وكلها ترد مذهب المعتزلة الذين نفوا صفاته - سبحانه - كلها ومنها صفة العلم فمنهم من زعم أنه - تعالى - عالم بذاته وقادر بذاته.
ومنهم: من عمد إلى تفسير أسمائه - سبحانه - بالمعاني السلسة.
فقال: عليم معناه: لا يجهل، وقادر معناه: لا يعجزالخ٢.
ولقد رد الإمام "عبد العزيز المكي"٣ في كتابه "الحيدة" على٤ بشر بن غياث المرِّيسي المعتزلي وهو يناظره في مسألة العلم "إن الله ﷿ لم يمدح في كتابه ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا ولا مؤمنًا تقيًا بنفي الجهل عنه ليدل على إثبات العلم له، وإنما مدحهم بإثبات العلم لهم فنفى بذلك الجهل عنهم، فمن أثبت العلم نفى الجهل، ومن نفى الجهل لم يثبت العلم" أ. هـ٥.
ولقد ذكر عبد الجبار بن أحمد: اختلاف إخوانه المعتزلة في صفة العلم وبين أنها ثلاثة أقوال: وأطال الكلام والمناقشة حولها ونحن نذكرها هنا باختصار.
الأول: إن الله عالم بعلم هو ذاته وإليه ذهب أبو علي الجبائي.
الثاني: إن الله عالم لذاته وبه قال أبو الهذيل العلاف.
_________________
(١) سورة البقرة آية: ٢٥٥.
(٢) انظر مقالات الإسلاميين ١/٢٥٤ وما بعدها.
(٣) هو: عبد العزيز بن يحي بن عبد العزيز الكناني المكي: فقيه، مناظر كان من تلاميذ الشافعي قدم بغداد في أيام المأمون، فجرت بينه وبين بشر المريسي مناظرة القرآن توفي سنة أربعين ومائتين هجرية. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" ٦/٣٦٣، الأعلام ٤/١٥٤.
(٤) هو: بشر بن غياث بن أبي كريمة عبد الرحمن المريسي العدوي بالولاء أبو عبد الرحمن فقيه معتزلي زنديق اعتنق مذهب الجهمية توفي سنة ثماني عشرة ومائتين هجرية. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ١/٩١، النجوم الزاهرة ٢/٢٢٨، ميزان الإعتدال ١/٣٢٢".
(٥) الحيدة ص٣٤.
[ ١٤٩ ]
الثالث: إن الله عالم لما هو عليه في ذاته وهو مذهب أبي هاشم من المعتزلة١.
وأما الفلاسفة: الذين يلقبون بالحكماء فقد أنكروا علمه تعالى بالجزئيات وزعموا أنه - تعالى - يعلم الأشياء على وجه كلي ثابت٢ وحقيقة هذا القول أنه - تعالى - لا يعلم شيئًا إذ كل ما في الخارج هو جزئي والأحرى أنهم يلقبون بالجهلاء لا بالحكماء ومذهبهم ظاهر الفساد لبعده عن ما دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في أنه - تعالى - قد أحاط علمه بالكليات والجزئيات ولا يخفى عليه شيء.
قال السفاريني٣ - رحمه الله تعالى - "يجب الجزم بأنه - تعالى - عالم بعلم واحد وجودي قديم باقٍ ذاتي تنكشف به المعلومات عند تعلقه بها، وإنما قلنا: بأن علمه ذاتي كسائر صفاته - تعالى - للرد على الحكماء القائلين بنفي الصفات وإثبات غاياتها والرد على المعتزلة القائلين بأنه يعلم بالذات لا بصفة زائدة عليها، والدليل على أن صفاته زائدة على ذاته ورود النصوص بأنه - تعالى - عال، وحي وقادر ونحوها، وكونه عالمًا يعلل بقيام العلم به في الشاهد فكذلك في الغائب وقس عليه سائر الصفات"٤ أ. هـ.
وأما الغلاة من القدرية: "فقد أنكروا علمه - تعالى - بأفعال خلقه حتى يعملوها"٥. توهمًا منهم أن علمه - تعالى - بأفعال خلقه يفضي إلى الجبر وقولهم هذا معلوم البطلان بالضرورة في جميع الأديان، قال العلامة ابن القيم في ذكره لمراتب القدر: "فأما المرتبة الأولى: وهي العلم السابق فقد اتفق عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم، واتفق عليه جميع الصحابة ومن تبعهم من الأمة وخالفهم مجوس الأمة" أ. هـ٦.
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة ص١٨٢ - ١٨٣، وانظر مقالات الإسلاميين ١/٢٤٤ - ٢٤٩، اعتقادات المسلمين والمشركين للرازي ص٣٨، أصول الدين للبغدادي ص ٩٠ - ٩١، الرد على الجهمية للدارمي ص٦٨ - ٦٩.
(٢) الإشارات لابن سيناء ٢/٨٤ وما بعدها، وانظر مجموعة الرسائل والمسائل ٤/٣٦٣، ولوامع الأنوار ١/١٥٩.
(٣) هو: محمد بن أحمد بن سالم السفاريني شمس الدين أبو العون: عالم بالحديث والأصول والأدب. ولد سنة أربع عشرة ومائة وألف، وتوفي سنة ثمان وثمانين ومائة وألف هجرية. انظر ترجمته في "الأعلام للزركلي ٦/٢٤٠".
(٤) لوامع الأنوار ١/١٤٥ - ١٤٦.
(٥) التبصير في الدين ص١٠٨، الرد على الجهمية للدارمي ص٦٨ - ٦٩.
(٦) شفاء العليل ص٢٩.
[ ١٥٠ ]
وقد دلت السنة والعقل على أن صفة العلم من الصفات الذاتية الثابتة لله ﷿.
فقد روى البخاري: في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها كما يعلم السورة من القرآن يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب الحديث١.
وقال ﷺ: "ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها" قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت منهم وهو صغير قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"٢.
"ومعنى الحديث الله أعلم بما كانوا عاملين لو عاشوا" أ. هـ٣.
والأحاديث الواردة في إثبات صفة العلم كثيرة جدًا لو تتبعت وجمعت لتكون منها مصنف كبير.
وأما الدليل العقلي على علمه - تعالى - فمن وجوه:
أولًا: أنه يستحيل إيجاده الأشياء بغير علم سابق قال - جل شأنه ـ: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٤. ثانيًا: إن المخلوقات فيها من الإحكام والإتقان وعجيب الصنعة ودقيق الخلقة ما يشهد بعلم الفاعل لها لامتناع صدور ذلك عن غير علم.
ثالثًا: إن في المخلوقات من هو عالم والعلم صفة كمال، فلو لم يكن الله عالمًا لكان في المخلوقات من هو أكمل منه، وكل علم في المخلوق إنما استفاده من خالقه وواهب الكمال أحق به، وفاقد الشيء لا يعطيه٥.
_________________
(١) ١/٢٠٢.
(٢) صحيح البخاري مع الفتح ١١/٤٩٣، وصحيح مسلم ٤/٢٠٨٤ وكلاهما من حديث أبي هريرة.
(٣) شفاء العليل ص٣٠.
(٤) سورة الملك آية: ١٤.
(٥) شرح العقيدة الأصفهانية ص٢٤ - ٢٥، وانظر لوامع الأنوار ١/١٤٨ - ١٤٩.
[ ١٥١ ]
وما قدمناه من الآيات القرآنية وبعض الأحاديث النبوية والأدلة العقلية كلها نصوص قطعية صريحة في إثبات صفة العلم لله - تعالى - وكلها تشهد ببطلان مذاهب أهل الأهواء في صفة العلم من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة الذين ينفون هذه الصفة وغيرها من صفات الله - جل وعلا - وهي أي: - تلك الأدلة - صفعة على رؤوس الجهمية الذين يجحدون علم الله السابق بخلقه، ويزعمون أن علمه بأفعال عباده قبل كونها يفضي إلى الجبر وهذا من علامة زيغ القلوب والعياذ بالله؛ إذ العلم صفة كاشفة تكشف الأشياء على ما هي عليه - فالباري سبحانه - يعلم أزلًا ما يكون من عبده المختار من السعادة والشقاوة وما يحصل له من الغنى والفقر، ومن ناحية تحديد عمره وانقضاء أجله ثم كتب ما يعلمه في اللوح المحفوظ فهو كتب - سبحانه - لا ليجبر أحدًا من عباده على حسب ما كتب بل كتب - سبحانه - لأنه علم في الأزل ما يكون من العبد بمحض اختياره وإرادته، فعلمه - تعالى - صفة انكشاف للماضي والحاضر والمستقبل وهو معنى قول أهل العلم عَلِمَ ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما لم يكن أن لو كان كيف كان يكون.
[ ١٥٢ ]
المبحث الثاني عشر: بيان معنى اسمه تعالى "الوكيل"
لقد دلت السورة على أن من أسمائه - تعالى - "الوكيل".
قال تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ .
جاء في النهاية: "في أسماء الله - تعالى - "الوكيل" هو القيم الكفيل بأرزاق العباد. وحقيقته أنه يستقل بأمر الموكول إليه، وقد تكرر ذكر "التوكل" في الحديث يقال: توكل بالأمر إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان: أي ألجأته إليه واعتمدت فيه عليه ووكل فلان فلانًا إذا استكفأه أمره ثقة بكفايته، أو عجزًا عن القيام بأمر نفسه"١.
جاء في المفردات لغريب القرآن: "وكل" التوكيل: أن تعتمد على غيرك وتجعله نائبًا عنك والوكيل "فعيل" بمعنى المفعول قال تعالى ﴿وَكَفَى بِالله وَكِيلًا﴾ ٢ أي اكتف به أن يتولى أمرك ويتوكل لك وعلى هذا ﴿حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٣ ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ٤ أي: بموكل وحافظ لهم كقوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ٥ فعلى هذا قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ ٦ أي من يتوكل عنهم والتوكل يقال على وجهين:
_________________
(١) ٥/٢٢١.
(٢) سورة الأحزاب آية: ٣.
(٣) سورة آل عمران آية: ١٧٣.
(٤) سورة الأنعام آية: ١٠٧.
(٥) سورة الغاشية آية: ٢٢.
(٦) سورة الفرقان آية: ٤٣.
[ ١٥٣ ]
يقال: توكلت لفلان بمعنى توليت له، ويقال: وكلته فتوكل لي، أو توكلت عليه بمعنى اعتمدته قال ﷿: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ١ إلى أن قال: وربما فسر الوكيل بالكفيل والوكيل أعم لأن كل كفيل وكيل وليس كل وكيل كفيل" أ. هـ٢.
وجاء في القاموس: وكل بالله يكل وأوكل واتكل استسلم إليه ووكل إليه الأمر وكلًا ووكولًا سلمه وتركه أ. هـ٣.
والذي نستفيد من هذه التعاريف اللغوية لاسم الله - تعالى ـ: "الوكيل" أنه من تُوْكَلُ إلى علمه وقدرته وحكمته أمور الخلق وشئونهم التي يعجزون عن القيام بها بأنفسهم على الرغم بما قد منحوا به من قوى محدودة الأثر، فالله - تعالى - يتوكل لهم بها ويتولاها وقد وكل - سبحانه - إلى نفسه أمر الخلق فخلق السموات والأرض ما بينهما بالحق وتكفل بذلك فأوجده على أبدع نظام وأحسن إتقان، وتكفل بما يحتاجه خلقه من المصالح التي لا طاقة لهم بالعيش إلا بوجودها وقد سبقت إرادته - سبحانه - بأنه يخلق على هذه الأرض كائنات حية لا تعيش إلا بالماء والهواء فتوكل لها من قبل أن يخلقها، بالهواء والماء كما أنه - سبحانه - توكل بجعل أجهزة محكمة للأجسام الحية وجعل كل جهاز يؤدي وظيفة خاصة ليحفظ بذلك حياة الإنسان، وتوكل - سبحانه - بالرزق للأحياء جميعًا من العاقل وغير العاقل، من المؤمن والكافر كما توكل بحفظ حياتهم ولو وكلهم إلى أنفسهم طرفة عين لهلكوا ولقد يغفل الناس عن هذه الحقيقة ويسيرون في هذه الحياة والغفلة تغشاهم حتى إذا ما نزل بهم الضر استيقظوا من غفلتهم تلك ورجعوا إلى ربهم "الوكيل" يكلون إلى قدرته ورحمته وحكمته ما عجزوا عنه من دفع البلاء عن أنفسهم.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٤.
وما الدعاء المذكور، والمنوه عنه في هذه الآية إلا ثمرة اليقين بأن لهم ربًا قادرًا رحيمًا يكلون إليه كل ما عجزوا عن تدبيره بأنفسهم ويتوكلون عليه فيما أعجزهم أمره وأعيتهم الحيلة فيه، والإنسان مهما أوتي من القوة والعقل والذكاء والفطنة، فإنه عاجز عن
_________________
(١) سورة التغابن آية: ١٣.
(٢) ص ٥٣١.
(٣) ٤/٦٧.
(٤) سورة لقمان آية: ٣٢.
[ ١٥٤ ]
إدراك ما يخفى عليه من أمور الغيب التي استأثر الله بعلمها لا يدري كيف يقدر الله الأرزاق ولا كيف يسوق الخير ولا كيف يدفع الشر.
ولقد منح الله - تعالى - الإنسان من القوى ما يستطيع به أن يدبر الأمور الظاهرة التي تبلغها مداركه وتنالها قوته. أما ما وراء ذلك مما لا تناله قوى البشر، ولا تصل إليه مداركهم فعليهم أن يكلوه إلى "الوكيل" - سبحانه ـ.
ولذلك وجه الله نبيه محمدًا ﷺ بأن يتخذه وكيلًا يتوكل له بين أمور الرسالة وهداية الناس ودفع أذاهم عنه، ونشر الدعوة وإزالة العوائق من طريقها بما يعجز عنه ﷺ بقوة البشرية التي منحه الله إياها.
قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ ١.
ولما أكثر المنافقون من الدس والكيد والرياء أمره الوكيل - سبحانه - أن يتوكل عليه ليكفيه أمرهم ويدفع عنه أذاهم وكل ما لا يقدر على دفعه بنفسه.
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ ٢.
ولما حاول الكافرون فتنة الرسول ﷺ عن بعض ما أنزل الله إليه وساعدهم المنافقون على ذلك وأرادوا أن يخدعوه بقولهم إنه لو أجابهم إلى بعض ما يطلبون لآمنوا به واتبعوه نهاه "الوكيل" - سبحانه - وهو العليم بنياتهم الخبير ببواطن أمورهم - أمره باتباع الوحي الذي أنزل عليه وأن يتوكل عليه ليكفيه أمر فتنتهم ويبصره بما خفي من أمورهم العدوانية.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا. وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ ٣.
ولقد أخبرنا الله - تعالى - في كتابه الكريم أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين حين أخبرهم المنافقون بأن الكفار يجمعون لهم الناس ليحاربوهم ولينكلوا بهم لم يبالوا
_________________
(١) سورة المزمل آية: ٩.
(٢) سورة النساء آية: ٨١.
(٣) سورة الأحزاب آية: ١ - ٣.
[ ١٥٥ ]
ولم يكترثوا بل ازدادوا إيمانًا على إيمانهم بأن الله ناصرهم ومؤيدهم على طاغوت الكفر، وأيقنوا بأنهم منتصرون على عدوهم ويفوزون عليه لأنهم قد اتخذوا الله وكيلًا يتولى شؤونهم ويدبر أمر انتصارهم على كل من ناوأهم وناوأ العقيدة الإسلامية التي هي دين الله الذي لا يرتضي دينًا سواه قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ١.
ومعنى الآية: "أنهم لم يفشلوا لما سمعوا ذلك ولا التفتوا إليه بل أخلصوا لله وازدادوا طمأنينة ويقينًا. وفيه دليل على أن الإيمان يزيد وينقص. وقوله: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ حسب مصدر حسبه: أي كفاه وهو بمعنى الفاعل: أي: محسب بمعنى كافي" أ. هـ٢.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: عند قوله - تعالى ـ: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ . " والشاهد من هذا أن الله - تعالى - أخبر عن نفسه الكريمة أنه خالق لجميع العالم العلوي والسفلي، وأنه على كل شيء وكيل والوكالة التامة لا بد فيها من علم الوكيل بما كان وكيلًا عليه وإحاطته بتفاصيله ومن قدرة تامة على ما هو وكيل عليه ليتمكن من التصرف فيه ومن حفظ لما هو وكيل عليه ومن حكمة ومعرفة بوجوه التصرفات ليصرفها ويدبرها على ما هو الأليق فلا تتم الوكالة إلا بذلك كله، فما نقص من ذلك فهو نقص فيها ومن المعلوم المتقرر أن الله - تعالى - منزه عن كل نقص في أي صفة من صفاته، فإخباره بأنه على كل شيء وكيل يدل على إحاطة علمه بجميع الأشياء وكمال قدرته على تدبيرها وكمال تدبيره، وكمال حكمته التي يضع بها الأشياء مواضعها" أ. هـ٣.
وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ٤.
ففي هذه الآية الكريمة إخبار من الله - جل وعلا - بأنه الإله الحق وحده لا شريك له وهو الذي خلق كل شيء وهو الوكيل على كل شيء والوكيل كما تقدم هو من توكل إليه
_________________
(١) سورة آل عمران آية: ١٧٣.
(٢) فتح القدير للشوكاني ٢/١٦١.
(٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ٧/٤٢.
(٤) سورة الأنعام آية: ١٠٢.
[ ١٥٦ ]
الأمور فنعم الموكول إليه أمرنا وهو الذي يستحق أن يعبد ويقر له بالوحدانية وأنه لا إله إلا هو وأنه لا ولد له، ولا والد ولا صاحبة له ولا نظير ولا عديل ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ بمعنى حفيظ ورقيب يدبر كل ما سواه ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار.
وقد بين موسى ﵊ أن الله شهيد وحفيظ فلا يستطيع أحد أن يعمل عملًا مَّا سواء كان ذلك العمل صالحًا أو سيئًا إلا والله رقيب وشهيد عليه.
قال تعالى حاكيًا عنه ذلك بشأن العقد الذي أبرم بينه وبين صهره على رعي غنمه ثماني حجج ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ ١.
فهو - سبحانه - الموكل بالعدل بين المتعاقدين الشهيد عليهما والعليم بعقدهما وما اتفق عليه بينهما.
فهذه الآيات التي قدمنا ذكرها كلها تدل دلالة صريحة واضحة على أن الله - تعالى - هو الحفيظ لعباده يكلؤهم بحفظه آناء الليل وأطراف النهار، كما دلت على أنه رقيب وشهيد على أعمال عباده لا يخفى عليه من عملهم شيء فعلى العباد أن يتنبهوا لهذا ويفهموه علَّهم يبتعدون عما يقربهم من سخط الله - تعالى - وغضبه ويفزعون إلى ما يقربهم من رضوان الله ورحمته.
وبعد أن أوردنا الكثير من الآيات القرآنية الكريمة التي أثبتت اسمه - تعالى - "الوكيل" وبينا أنها دلت على إثبات ذلك الإسم والصفة التي تضمنها صراحة لا تقبل المراء ولا الجدال لوضوح النصوص في ذلك من الكتاب والسنة، ورغم كثرة النصوص الواردة من قرآن وسنة في إثبات اسمه - تعالى - "الوكيل" فإنه قد وجد من أهل البدع من منع إطلاقه على الله - تعالى ـ،
قال أبو الحسن الأشعري - رحمه الله تعالى ـ:
"واختلف المعتزلة في "الباري" هل يقال إنه وكيل وإنه لطيف؟ على مقالتين:
١ - فمنهم من زعم أن البارئ لا يقال: إنه وكيل وأنكر قائل هذا القول أن يقول
_________________
(١) سورة القصص آية: ٢٨.
[ ١٥٧ ]
﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ١ من غير أن يقرأ القرآن وأنكر أيضًا: أن يقال "لطيف" دون أن يوصل ذلك فيقال: لطيف بالعباد والقائل بهذا القول "عباد بن سليمان".
٢ - ومنهم من أطلق "وكيل" وأطلق "لطيف" وإن لم يقيد اهـ٢.
ونقول: للجهمية والمعتزلة إن اسمه - تعالى - "الوكيل" وما دل عليه من صفة للباري - جل وعلا - فإنه قد ثبت ذلك بالكتاب والسنة وإجماع السلف من هذه الأمة وقد أطلق الله على نفسه اسمه "الوكيل" في محكم كتابه في مواضع كثيرة من كتابه وقد قدمنا طرفًا منها، كما أطلقه عليه رسوله الكريم ﷺ في سنته المطهرة ولا يجوز القول بأن هذا الاسم لا يطلق على الله إلا عند قراءة القرآن فهذا الإسم يطلق على الله دون تقييد.
روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين: ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٣.
وروى البخاري أيضًا: عن ابن عباس قال: كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار "حسبي الله ونعم الوكيل"٤.
فيقال للمعتزلة إن الرسول ﷺ وكذلك إبراهيم الخليل أطلقا اسم "الوكيل" على الله ﷾ فإبراهيم خليل الرحمن ﵊ كان آخر قوله حين ألقي في النار: "حسبي الله ونعم الوكيل" والرسول ﷺ قالها عندما أرسل أبو سفيان ناسًا فأخبروا النبي ﷺ أن أبا سفيان وأصحابه يقصدونهم فقال: "حسبنا الله ونعم الوكيل" ولم يقل: لا يطلق اسم الوكيل على الله إلا في القرآن كما قال بذلك بعض المعتزلة ولكن الآراء التي تصدر عن هوى وعن العقل السقيم غالبًا ما تلقي بأصحابها في الأخطاء التي تعارض النصوص الظاهرة المشهورة نسأل الله العافية من ذلك.
_________________
(١) جزء من الآية رقم ١٧٣ من سورة آل عمران.
(٢) مقالات الإسلاميين ١/٢٧١ - ٢٧٢.
(٣) صحيح البخاري ٣/١١٤.
(٤) المصدر السابق ورواه أحمد في مسنده ٦/٨٣، ٢١٧.
[ ١٥٨ ]
المبحث الثالث عشر: إثبات صفة اليدين
لقد دلت السورة على أن لله - تعالى - يدين حقيقتين وهما من صفات الكمال التي اتصف بها - سبحانه - وقد جاء في السورة الإشارة إلى صفة اليدين في آية واحدة منها: ـ
قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
هذه الآية من السورة بدأت بنعي حال المشركين الذين لم يعظموا الله حق التعظيم اللائق به ﷾ حيث عبدوا معه غيره وأشركوه معه في العبادة ثم بينت بأن الأرض كلها قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه، ومذهب سلفنا الصالح إثبات القبضة واليمين كما وردت بلا تكييف، ولا تأويل، ولا تحريف، فيجب الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه مع القطع بأنه وصف يليق بجلاله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
قال العلامة ابن كثير: "يقول ﵎: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما قدَّر هؤلاء المشركون الله حق قدره حين عبدوا معه غيره وهو العظيم الذي لا أعظم منه القادر على كل شيء المالك لكل شيء وكل شيء تحت قدره وقدرته إلى أن قال: "وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة، والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف"اهـ٢.
وقد روى الإمام البخاري بإسناده عند هذه الآية إلى عبد الله بن مسعود ﵁
_________________
(١) سورة الشورى آية: ١١.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٦/١٠٦ - ١٠٧.
[ ١٥٩ ]
قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إنا نجد أن الله ﷿ يجعل السموات على إصبع والأرضيين على إصبع والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع فيقول: أنا الملك فضحك رسول ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
هذا الحديث قال فيه المعطلة نفاة الصفات: إنه من كلام اليهودي، وليس من كلام الرسول ﷺ، واليهود الغالب عليهم التشبيه وقد نهينا عن تصديق أهل الكتاب، أو تكذيبهم وضحك الرسول ﷺ على مقالة الحبر إنما هو من تشبيه اليهود للخالق بالمخلوق، وليس إقرار له بل هو استنكار اهـ٢.
والجواب: أما كون ذكر الأصابع في الحديث من قول الحبر لا من قول الرسول ﷺ فهذا صحيح كما نطق بذلك الحديث.
وأما أنه ﵊ لم يتلفظ بما يؤيد قول الحبر فهذا باطل إذ الثابت عنه ﷺ ما هو أبلغ من ذلك وهو أنه ﵊ ظهر عليه علامة السرور بقول الحبر، ولو كان في قوله نوع تشبيه لله - جل وعلا - بخلقه لتمعر وجهه ولغضب غضبًا شديدًا، ولزجر اليهودي وبين للأمة أنه غير صادق فيما قال لأن ذلك طعن لعقيدة الإسلام في صميمها، ولكن ضحكه ﷺ دال على إقراره له، وأن ما قاله مما يؤيده الإسلام ويقره ويقال لهؤلاء النفاة أيضًا: لستم أعرف بحال الرسول ﷺ من الصحابي الراوي لهذا الحديث.
قال ابن خزيمة رحمه الله تعالى: " وقد أجل الله قدر نبيه ﷺ عن أن يوصف الخالق - الباري - بحضرته مما ليس من صفاته فيسمعه فيضحك عنده، ويجعل بدل وجوب النكير والغضب على المتكلم به ضاحكًا تبدو نواجذه تصديقًا وتعجبًا لقائله لا يصف النبي ﷺ بهذه الصفة مؤمن مصدق برسالته"اهـ٣.
_________________
(١) صحيح البخاري ٣/١٨٢.
(٢) انظر "كتاب الأسماء والصفات" للبيهقي ص٤٢٥ وما بعدها، فتح الباري ٨/٥٥١.
(٣) "كتاب التوحيد" ص٧٦.
[ ١٦٠ ]
وروى مسلم في صحيحه بإسناده إلى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: "يطوي الله ﷿ السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الله الأرضيين بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ " ١.
وروى ابن خزيمة رحمه الله تعالى بإسناده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال: الحمد لله فحمد الله ﷿ بإذن الله ﵎ فقال له ربه رحمك ربك يا آدم، وقال له يا آدم اذهب إلى أولئك الملائكة إلى الملأ منهم فقل السلام عليكم، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم رجع إلى ربه ﷿ فقال: هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم فقال الله ﵎ له ويداه مقبوضتان إختر أيهما شئت قال: اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته الحديث٢.
هذا الحديث والذي قبله قد يتوهم بعض الناس أن بينهما تعارضًا حيث أن الأول ورد فيه ذكر الشمال، وهذا ينص على أن كلتا يديه - سبحانه - يمين.
وقال ابن خزيمة: "باب ذكر سنة ثامنة تبين وتوضح أن لخالقنا - جل وعلا - يدين كلتاهما يمينان لا يسار لخالقنا ﷿ إذ اليسار من صفة المخلوقين"٣.
والجواب: أنه لا تعارض بين الحديثين فعندما نقول: إن كلتا يديه - سبحانه - يمينان مع ورود الحديث الصحيح لابن عمر الذي جاء فيه ذكر الشمال لا يلزم منه أن اليمين أكمل من الشمال كما هو شأن يدي المخلوق، فالله - جل وعلا - له الكمال المطلق، وليس للإنسان من الكمال إلا ما منحه إياه خالقه، وبارئه فلا يترتب على قول العلماء كلتا يدي ربنا يمينان استنقاص لشماله - سبحانه - فهو - تعالى - منزه ومقدس له المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم"٤.
وروى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال
_________________
(١) ٤/٢١٤٨.
(٢) كتاب التوحيد ص٦٧.
(٣) المصدر السابق ص٦٦ - ٦٧.
(٤) انظر تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص١٤٨.
[ ١٦١ ]
رسول الله ﷺ: "ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوه، أو فصيله" ١.
وعلى هذا نقول: إن ورود ذكر اليمين والقبضة في الآية، وذكر اليد والكف والأصابع في الأحاديث التي سقناها بعدها زيادة لتوضيح معناها كل ذلك يدل دلالة واضحة على أن - للباري سبحانه - يدين حقيقيتين ليستا مجازًا في النعمة٢ والقدرة٣ كما ادعى ذلك الجهمية والمعطلة، وصفة اليدين من الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الله - تعالى - فيجب الإيمان بها وإثباتها حقيقة على ما يليق بجلاله وعظيم سلطانه.
وقد بين - تعالى - في مواضع من كتابه أن له يدين خلق بهما آدم وأنهما مبسوطتان بالإنفاق وأن يده فوق أيدي المبايعين لرسول الله ﷺ. قال تعالى ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ ٤ فهذه الآية بين - تعالى - فيها أنه قرَّع إبليس ووبخه حين منعه الكبر عن أن يسجد لآدم الذي خلقه الله بيديه.
وقال - تعالى ـ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ٥.
وهذه الآية إخبار من المولى - جل شأنه - أن اليهود وصفوه - تعالى - بالبخل حيث قالوا: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ فأكذبهم الله ولعنهم على مقالتهم التي تنبئ عما هو متمكن في نفوسهم من الشح عن الإنفاق في وجوه الخير، أما يداه - سبحانه - فهما مبسوطتان بالإنفاق على عباده كيف يشاء، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "يمين الله ملأى لا يغيضها سحاء٦ الليل والنهار،
_________________
(١) ٤/٢٧٩.
(٢) انظر شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص ٢٢٨.
(٣) انظر أصول الدين لعبد القاهر بن طاهر البغدادي ص١١١.
(٤) سورة ص آية: ٧٥.
(٥) سورة المائدة آية: ٦٤.
(٦) سحاء: أي دائمة الصب والهطل بالعطاء. النهاية ٢/٣٤٥.
[ ١٦٢ ]
أرأيت ما أنفق منذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه" قال: "وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض" ١.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ٢ وهذه الآية صرحت بأن لله يدًا تكون فوق أيدي المبايعين لرسول الله ﷺ.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٣.
إن لفظ اليد جاء في القرآن على ثلاثة أنواع: مفردًا، ومثنى، ومجموعًا.
فالمفرد كقوله تعالى: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ٤.
والمثنى كقوله تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ .
والمجموع كقوله تعالى: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ٥ فحيث ذكر اليد مثناة أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد وعدي الفعل بالباء إليهما وقال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وحيث ذكرها مجموعة أضاف الفعل إليها ولم يعد الفعل بالباء فهذه ثلاثة فروق فلا يحتمل ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ من المجاز ما يحتمله ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ فإن كل أحد يفهم من قوله ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ما يفهمه من قوله عملنا وخلقنا كما يفهم ذلك من قوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ٦ وأما قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فلو كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى فكيف وقد دخلت عليها الباء فكيف إذا ثنيت، وسر الفرق أن الفعل قد يضاف إلى يد ذي اليد والمراد الإضافة إليه كقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ ٧ و﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ . وأما إذا أضيف إليه الفعل ثم عدي بالباء إلى اليد مفردة فهو مما باشرته يده ولهذا قال عبد الله بن عمر: "إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثًا خلق آدم بيده، وغرس جنة الفردوس
_________________
(١) ٢/٦٩١.
(٢) سورة الفتح آية: ١٠.
(٣) سورة ص آية: ٧٥.
(٤) سورة الملك آية: ١.
(٥) سورة يس آية: ٧١.
(٦) سورة الشورى آية: ٣٠.
(٧) سورة الحج آية: ١٠.
[ ١٦٣ ]
بيده، وكتب التوراة بيده"١ فلو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها اختصاص بذلك ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على كل شيء مما خلق بالقدرة" أ. هـ٢.
فابن القيم رحمه الله تعالى أراد بهذا البيان الرد على النفاة الذين يقولون: إذا قلنا: إن اليد في قوله تعالى ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ٣ صفة نكون قد أثبتنا أيدي كثيرة، أو أننا نقول: بإشراك غير آدم مع آدم في الخاصية وهي أن الله خلقه بيديه كما قال تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٤ فيرد عليهم بأن بين الآيتين فرقًا من وجهين:
الوجه الأول: أنه أضاف الفعل إليه في قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وبين أنه خلق آدم بيديه، وهناك أضاف الفعل إلى الأيدي.
الوجه الثاني: أن العرب يضعون اسم الجمع موضع التثنية إذا أمن اللبس كقوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٥ أي: يديهما، وقوله تعالى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ ٦ أي قلباكما فكذلك قوله تعالى ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ٧.
قال أبو الحسن الأشعري: "فإن قال قائل إذا ذكر الله الأيدي وأراد يدين فما أنكرتم أن يذكر الأيدي ويريد يدًا واحدة؟ قيل له ذكر الله ﷿ أيدي وأراد يدين لأنهم أجمعوا على بطلان قول من قال أيدي كثيرة، وقول من قال يدًا واحدة فقلنا: "يدان" لأن القرآن على ظاهره إلا أن تقوم حجة بأن يكون على خلاف الظاهر" أ. هـ ٨.
والذي يفهم من هذا أن الله تعالى يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد مظهرًا أو مضمرًا وتارة أخرى يذكر نفسه بصيغة الجمع كقوله تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ٩ وأمثال
_________________
(١) انظر جامع البيان للطبري ٢٣/١٨٥.
(٢) مختصر الصواعق المرسلة ١/٣٨.
(٣) سورة يس آية: ٧١.
(٤) سورة ص آية: ٧٥.
(٥) سورة المائدة آية: ٦٤.
(٦) سورة التحريم آية: ٤.
(٧) مجموع الفتاوى ٦/٣٧ والآية ٧١ من سورة يس.
(٨) الإبانة عن أصول الديانة ص٣٧.
(٩) سورة الفتح آية: ١.
[ ١٦٤ ]
ذلك ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط لأنها تدل على العدد المحصور وهو - سبحانه - منزه عن ذلك١.
وبهذا تبطل شبهة المعطلين القائلين إن اليد قد أفردت في بعض الآيات وجاء بلفظ الجمع في بعضها، فلا دليل لهم في ذلك فإنما يصنع بالاثنين قد ينسب إلى المفرد تقول: رأيت بعيني، وسمعت بأذني والمقصود عيناي وأذناي وكذلك الجمع يأتي بمعنى المثنى كما قدمنا ذلك قريبًا.
فكتاب الله وسنة رسوله ﷺ قد دلا دلالة قاطعة على أن - للباري ﷾ يدين مختصتين به ذاتيتين له، كما يليق به، وأنه - تعالى - خلق آدم بيديه دون الملائكة وإبليس.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "احتج آدم وموسى ﵉ فقال موسى لآدم: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت موسى أصطفاك الله بكلامه وخط لك في الألواح بيده أتلومني على أمر قضاه الله علي قبل أن يخلقني بأربعين عامًا" فقال رسول الله: "فحج آدم موسى"٢.
قال ابن خزيمة: فكليم الله موسى خاطب آدم ﵉ شفاهًا أن الله خلقه بيده ونفخ فيه من روحه على ما هو مخطوط بين الدفتين من إعلام الله - جل وعلا - عباده المؤمنين أنه خلق آدم ﵇ بيده٣.
وجاء في حديث الشفاعة الطويل الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ: "يجمع المؤمنون يوم القيامة فيهتمون فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء اشفع لنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا " الحديث٤.
_________________
(١) رسالة التدمرية مع شرحها التحفة المهدية ١/١٢٩.
(٢) صحيح البخاري ٤/٣٠٠، صحيح مسلم ٤/٢٠٤٢.
(٣) كتاب التوحيد ص٥٥.
(٤) صحيح البخاري ٤/٢٧٩، صحيح مسلم ١/١٨٠.
[ ١٦٥ ]
فالحديث نص في إثبات اليدين حقيقة ولو كانتا بمعنى النعمة أو القدرة لقالوا: أنت أبو الناس الذي خلقك الله بقدرته، أو بنعمته.
قال ابن القيم: وهذا التخصيص إنما فهم من قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ١ فلو كان مثل قوله ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ٢ لكان هو والأنعام في ذلك سواء فلما فهم المسلمون أن قوله ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٣ يوجب له تخصيصًا وتفضيلًا بكون مخلوقًا باليدين على من أمر أن يسجد له وفهم ذلك أهل الموقف حين جعلوه من خصائصه كانت التسوية بينه وبين قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ ٤ خطأ محضًا اهـ٥.
ويجب على المسلم أن يسلك في صفات الله - تعالى - مسلك السلف الصالح ﵃ أجمعين وهو إثبات ما وصف الله به نفسه ووصفه به نبيه من غير اعتراض فيه ولا تكييف له، وأن الإيمان به واجب وترك التكييف له لازم٦
قال عبد الرحمن بن القاسم: "لا ينبغي لأحد أن يصف الله إلا بما وصف به نفسه في القرآن ولا يشبه يديه بشيء ولا وجهه بشيء، ولكن يقول: له يدان كما وصف نفسه يقف عندما وصف به نفسه في الكتاب فإنه ﵎ لا مثيل له ولا شبيه ولكن هو الله لا إله إلا هو"اهـ٧.
وقال الترمذي رحمه الله تعالى في باب فضل الصدقة "قد ثبتت هذه الروايات فنؤمن بها، ولا نتوهم ولا يقال كيف؟ كذا جاء عن مالك وابن عيينة وابن المبارك أنهم أمروها بلا كيف وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية، فأنكروها
_________________
(١) سورة ص آية: ٧٥.
(٢) سورة يس آية: ٧١.
(٣) سورة ص آية: ٧٥.
(٤) سورة يس آية: ٧١.
(٥) مختصر الصواعق ١/٣٩، التفسير القيم ص٤٢٢.
(٦) رسالة أبي الحسن الأشعري إلى أهل الثغر "ق" ١/١.
(٧) رسالة الإعتقاد لمحمد بن عبد الله بن أبي زمنين "ق" ٢/٢.
[ ١٦٦ ]
وقالوا: هذا تشبيه، وقال إسحاق بن راهويه: إنما يكون التشبيه لو قيل يد كيد وسمع كسمع١.
وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: "فما ذكر الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته ونعمته لأن فيه إبطال الصفة وهو قول أهل القدر والاعتزال ولكن يده صفته بلا كيف وغضبه ورضاءه صفتان من صفاته بلا كيف"٢.
وقال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي: "وله الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم يقبض، ويبسط ويتكلم ويرضى ويسخط ويغضب ويحب ويبغض ويكره ويضحك ويأمر وينهى ذو الوجه الكريم والسمع السميع، والبصر البصير، والكلام المبين، واليدين والقبضتين والقدرة والسلطان والعظمة والعلم الأزلي لم يزل كذلك ولا يزال استوى على عرشه فبان من خلقه لا تخفى عليه منهم خافية علمه بهم محيط، وبصره فيم ناقد ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣.
وعقد البيهقي بابًا في كتابه "الاعتقاد" ذكر فيه آيات وأحاديث وردت في إثبات صفة الوجه واليدين والعين ثم قال: "وهذه صفات طريق إثباتها السمع فنثبتها لورود خبر الصادق بها ولا نكيفها"٤.
وقال الشهرستاني: "واعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون لله - تعالى - صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل بل يسوقون الكلام سوقًا واحدًا، وكذلك يثبتون صفات خبرية مثل اليدين والوجه ولا يؤولون ذلك إلا أنهم يقولون: هذه الصفات قد وردت في الشرع فنسميها صفات خبرية" أ. هـ٥.
_________________
(١) عارضة الأحوذي شرح الترمذي لابن عربي ٣/١٦٥.
(٢) شرح الفقه الأكبر ص٥٦ - ٥٨.
(٣) الرد على الجهمية ص٤.
(٤) ص٢٩.
(٥) الملل والنحل ١/٩٢.
[ ١٦٧ ]
وذكر أن من هؤلاء الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وسفيان الثوري وداود بن علي الأصفهاني١.
"وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃ كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله وقد أمرنا باقتفاء آثارهم والإهتداء بمنارهم، وحذرنا المحدثات وأخبرنا أنها من الضلالات"٢.
ومن خلال هذه الأقوال المتقدمة نعرف أن مذهب السلف إثبات يدين حقيقيتين من غير تكييف ولا تحريف، ولا تأويل ولا تعطيل، ولا يزيلون ألفاظ الشارع عما تعرفه العرب وتضعه عليه بالتأويل الباطل بل يجرون اللفظ على ظاهره، ويكلون كيفيته وكنهه إلى الله - تعالى - ويقولون: ذلك في جميع الصفات التي جاء بها القرآن ووردت بها الآثار الصحيحة.
قال أبو عمر بن عبد البر: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئًا، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقرّ بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله"٣.
وهذا الإجماع الذي نقله ابن عبد البر عن السلف فيه رد على من يقول: أن مذهب السلف هو التفويض في صفات الله - تعالى - وأن من نسب إليهم ذلك فهو جاهل تمامًا لمذهب السلف في هذا الباب والصحيح أن مذهب السلف هو حمل صفات الله الواردة في القرآن والسنة على الحقيقة ولا يفوضون إلا في الكيفية فقط لأنه لا يعلم كنه ذلك إلا - هو سبحانه - ولأن ذلك مما استأثر الله بعلمه فعبارة السلف "أمروها كما جاءت"٤ لا تدل على
_________________
(١) المصدر السابق ١/٩٣.
(٢) لمعة الاعتقاد: ص١٢.
(٣) التمهيد ٧/١٤٥، الفتوى الحموية الكبرى ص٥١.
(٤) الفتوى الحموية الكبرى ص٥١.
[ ١٦٨ ]
أن مذهبهم التفويض في المعنى، وإنما معنى هذه العبارة هو ما قررنا هنا، والعلم لله - تعالى ـ.
ثم إن صفة اليدين ضلت فيها طوائف مختلفة كالمشبهة والمعتزلة والأشعرية.
أولًا: المشبهة:
أما المشبهة: أتباع محمد بن كرام السجستاني فقد زعموا: أن يدي الله - تعالى - جارحتان وعضوان فيهما كفان وأصابع ككفي الإنسان وأصابعه١.
وهذا الزعم باطل شرعًا وعقلًا.
أما شرعًا فقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُْ﴾ ٢. ومعنى الآية: أن الله - تعالى - لا يشبه شيئًا من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه فصفات الباري - سبحانه - كلها خلاف صفات المخلوقين فهو - سبحانه - مباين لخلقه له يدان لا كأيدي المخلوقين، وله قدرة لا كقدرة المخلوقين، وله بصر لا كبصر المخلوقين وقال تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لله الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣. قال ابن كثير: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لله الأَمْثَالَ﴾ أي: لا تجعلوا له أندادًا وأشباهًا وأمثالًا٤ فالمشبهة عندما يزعمون أن يدي الله كأيديهم وسمعه كسمعهم وغير ذلك فقد جعلوا لله أمثالًا وأشباهًا - تعالى الله - عما يقولون علوًا كبيرًا.
وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ٥ يعني هل تعلم - للرب - مثلًا أو شبيهًا وقال تعالى: ﴿وَلله الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ ٦ وهذه الآية أثبتت الكمال المطلق لله - تعالى - من جميع الوجوه والمشبهة ساووه بالناقصات - تعالى - وتقدس عن قولهم علوًا كبيرًا.
_________________
(١) الفرق بين الفرق ص٢١٥ وما بعدها، الملل والنحل ١/١٠٥، ١٠٨ وما بعدها وأصول الدين للبغدادي ص١١٠ لوامع الأنوار البهية ١/٩١.
(٢) سورة الشورى آية: ١١.
(٣) سورة النحل آية: ٧٤.
(٤) تفسير القرآن العظيم: ٢/٢١٢.
(٥) سورة مريم آية: ٦٥.
(٦) سورة النحل آية: ٦٠.
[ ١٦٩ ]
قال نعيم بن حماد: "من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه"١.
وقال إسحاق بن راهوية: "من وصف الله بصفات أحد من خلقه فهو كافر بالله العظيم وقال: علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل السنة والجماعة ما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة بل هم المعطلة، وبهذا القول قال كثير من أئمة السلف"٢ حتى قيل إن المشبه عابد صنم والمعطل عابد عدم٣.
وأما بطلان مذهبهم عقلًا:
"فإن المثلين يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، فلو كان المخلوق مماثلًا للخالق للزم اشتراكهما فيما يجب، وما يجوز وما يمتنع.
والخالق يجب وجوده وقدمه، والمخلوق يستحيل وجوب وجوده وقدمه، بل يجب حدوثه، وإمكانه، فلو كانا متماثلين للزم اشتراكهما في ذلك، يجب وجوده وقدمه ويمتنع وجوب قدمه، ويجب حدوثه وإمكانه، فيكون كلًا منهما واجب القدم واجب الحدوث واجب الوجود، وما ليس بواجب الوجود يمتنع قدمه، لا يمتنع قدمه، وهذا جمع بين النقيضين"٤.
فالمشبهة وقعوا في محظور لم يسبقوا إلى مثله حيث شبهوا الخالق بالمخلوق، ومن العجيب أنه لو طلب من المشبه أن يصف روحه التي بين جنبيه كيف هي؟ لقال: إنه عاجز عن ذلك فإذا كان يعجز عن وصف مخلوق ويتجرأ على تشبيه الخالق، فإن ذلك من المحادة لله ورسوله.
ولو قيل له أيضًا: "إن الله أخبر عما في الجنة من المطاعم والملابس والمناكح فهل هي كالموجودات في الدنيا؟ لسارع إلى الإجابة بأنها لا تتفق معها إلا في الاسم فقط، ولقال: وبينهما من المباينة ما لا يعلمه إلا الله".
_________________
(١) شرح الفقه الأكبر ص٢٤ - ٢٥، شرح الطحاوية ص١٢٠.
(٢) شرح الفقه الأكبر ص٢٤ - ٢٥، شرح الطحاوية ص١٢٠ - ١٢١.
(٣) انظر مقدمة قصيدة ابن القيم المسماة: "الكافية الشافية في الإنتصار للفرقة الناجية ص١٠".
(٤) شرح العقيدة الأصفهانية ص٩ - ١٠.
[ ١٧٠ ]
ومن هنا يعرف المؤمن بعظمة الله وجلاله أن المشبهة عمومًا عقولهم في غطاء عن صفات الله التي تليق به - سبحانه ـ، ومذهبهم فاسد خارج عن نطاق الشرع والعقل مع اعترافهم وإقرارهم بذلك إذ أنهم يثبتون المباينة والفروق بين المخلوقات ولا يدركون المباينة العظمى بين الخالق والمخلوق - تعالى الله - عن ذلك علوًا كبيرًا١.
ثانيًا: مذهب المعتزلة والأشعرية:
زعمت المعتزلة أن صفة اليدين مجاز في النعمة، والقوة وقال أفراخهم الأشعرية: إن صفة اليدين المراد بها القدرة قال عبد الجبار بن أحمد٢ عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ٣.
والمراد بذلك أن نعمتيه مبسوطتان على العباد وأراد به نعمة الدين والدنيا والنعمة الظاهرة والباطنة وقد يعبر باليد عن النعمة فيقال: "لفلان عندي يد" اهـ٤.
وقال أيضًا عند قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٥ قالوا: فأثبت لنفسه اليدين، وهذا يدل على كونه جسمًا، والجواب عنه أن اليدين هاهنا بمعنى القوة وذلك ظاهر في اللغة يقال ما لي على هذا الأمر يد أي: "قوة"٦.
فعبد الجبار هذا يعد من أكابر علماء المعتزلة، وهذه التأويلات التي ذكرها لصفة اليدين من التأويلات الباطلة، وهي عين التحريف الذي ذم الله عليه أهل الكتاب الذين يحرفون الكلم عن مواضعه.
وأما الأشعرية فقد أفصح عن مذهبهم "عبد القاهر بن طاهر البغدادي" حيث قال: في صفة اليدين "وتأولهما بعض أصحابنا على معنى القدرة وذلك صحيح على
_________________
(١) انظر الرسالة التدمرية مع شرحها التحفة المهدية ١/٧٥.
(٢) هو: عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الأسد أبادي، أبو الحسين قاضي أصولي شيخ الإعتزال في زمنه لقبه المعتزلة بقاضي القضاة، ولا يطلقون هذا اللقب على غيره له تصانيف كثيرة توفي سنة خمس عشرة وأربعمائة هجرية. ميزان الإعتدال ٢/٥٢٣.
(٣) سورة المائدة آية: ٦٤.
(٤) متشابه القرآن ١/٢٣٠، وانظر المقالات للأشعري ١/٢٧١.
(٥) سورة ص آية: ٧٥.
(٦) شرح الأصول الخمسة ص٢٢٨.
[ ١٧١ ]
المذهب إذ أثبتنا لله القدرة، وبها خلق كل شيء ولذلك قال في آدم ﵇ ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ووجه تخصيصه آدم بذلك أن خلقه بقدرته لا على مثال سبق، ولا من نطفة، ولا نقل من الأصلاب إلى الأرحام كما نقل ذريته من الأصلاب إلى الأرحام" اهـ١.
وقال البيجوري: فالسلف يقولون لله وجه ويد وأصابع لا نعلمها، والخلف يقولون: المراد من الوجه الذات، وباليد القدرة والمراد من قوله بين أصبعين من أصابع الرحمن "بين صفتين من صفاته وهاتان الصفتان القدرة والإرادة"٢.
وهذه التأويلات المتقدمة للمعتزلة والأشعرية لصفة اليدين بالنعمة والقدرة والقوة تأويلات باطلة بعيدة عن الصواب بمسافات بعيدة ويرد على الفريقين من وجوه:
الوجه الأول: إن الأصل في الكلام الحقيقة، فدعوى المجاز مخالف للأصل.
الوجه الثاني: أن ذلك خلاف الظاهر فقد اتفق الأصل والظاهر على بطلان هذه الدعوى.
الوجه الثالث: إن اطراد لفظها في موارد الاستعمال وتنوع ذلك وتصريف استعماله يمنع المجاز. ألا ترى إلى قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٣ وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٤ وقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، فلو كان مجازًا في القدرة أو النعمة لم يستعمل منه لفظ يمين وقوله في الحديث: "المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين" ٥.
فلا يقال: هذه يد النعمة، أو القدرة، وقوله "يقبض الله سماواته بيده، والأرض بيده الأخرى، ثم يهزهن ثم يقول: أنا الملك"٦ فههنا هز وقبض، وذكر يدين، ولما أخبر ﷺ جعل يقبض يديه ويبسطهما تحقيقًا للصفة لا تشبيهًا لها.
الوجه الرابع: أن مثل هذا المجاز لا يستعمل بلفظ التثنية، ولا يستعمل إلا مفردًا،
_________________
(١) أصول الدين ص١١١.
(٢) تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد ص٩٣.
(٣) جزء من الآية رقم ٧٥ من سورة ص.
(٤) سورة المائدة آية: ٦٤.
(٥) رواه البخاري في صحيحه ٤/٢٨٠ من حديث ابن عمر ﵄..
(٦) متفق عليه: صحيح البخاري ٤/٣٠٠، صحيح مسلم ٤/٢١٤٧ كلاهما من حديث ابن مسعود.
[ ١٧٢ ]
أو مجموعًا، كقولك: له عندي يد يجزيه الله بها وله عندي أيادي، وأما إذا جاء بلفظ التثنية لم يعرف استعماله قط إلا في اليد الحقيقة.
الوجه الخامس: أن ليس في المعهود أن يطلق الله على نفسه معنى القدرة والنعمة بلفظ التثنية، بل بلفظ الإفراد الشامل لجميع الحقيقة كقوله تعالى: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لله جَمِيعًا﴾ ١ وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ٢ وقد يجمع الله النعم كقوله ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ ٣ وأما أن يقول: خلقتك بقدرتين وبنعمتين فهذا لم يقع في كلامه ولا كلام رسوله ﷺ.
الوجه السادس: أنه لو ثبت استعمال ذلك بلفظ التثنية لم يجز أن يكون المراد هنا القدرة فإنه يبطل تخصيص آدم فإنه وجميع المخلوقات حتى - إبليس - مخلوق بقدرة الله.
الوجه السابع: أن هذا التركيب المذكور في قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ يأبى حمل الكلام على القدرة لأنه نسب الخلق إلى نفسه - سبحانه - ثم عدى الفعل إلى اليد ثم ثناها، ثم أدخل عليها الباء التي تدخل على قولك كتبت بالقلم ومثل هذا نص صريح لا يحتمل المجاز بوجه٤.
قال ابن خزيمة في صدد رده على الجهمية المؤولين لليد بالنعمة "وزعمت الجهمية والمعطلة أن معنى قوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ أي: نعمتاه، وهذا تبديل لا تأويل والدليل على نقض دعواهم هذه أن نعم الله كثيرة لا يحصيها إلا الخالق البارئ ولله يدان لا أكثر منها كما قال لإبليس لعنه الله ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٥ فأعلمنا الله - جل وعلا - أنه خلق آدم بيديه فمن زعم أنه خلق آدم بنعمته كان مبدلًا لكلام الله" اهـ٦.
وقال العلامة أبو الحسن الأشعري: "وقد اعتل معتل بقول الله ﷿
_________________
(١) سورة البقرة آية: ١٦٥.
(٢) سورة النحل آية: ١٨.
(٣) سورة لقمان آية: ٢٠.
(٤) هذه سبعة وجوه من عشرين وجهًا ذكرها العلامة ابن القيم في مختصر الصواعق ٢/١٥٣ وما بعدها.
(٥) سورة ص آية: ٧٥.
(٦) كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ص٨٥ - ٨٦.
[ ١٧٣ ]
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ ١ الأيدي القوة أن يكون معنى قوله "بيدي" بقدرتي وقيل لهم: هذا التأويل فاسد من وجوه آخرها أن "الأيد" ليس بجمع لليد لأن جمع يد التي هي النعمة "أيادي" وإنما قال ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فبطل بذلك أن يكون معنى قوله "بيديَّ" معنى قوله ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ وأيضًا فلو كان أراد القوة لكان معنى ذلك بقدرتي وهذا ناقض لقول مخالفنا وكاسر لمذاهبهم لأنهم لا يثبتون قدرة واحدة فيكيف يثبتون قدرتين" اهـ ٢.
وخلاصة القول مما تقدم في هذا المبحث أن لله - تعالى - يدين حقيقيتين تليقان بجلاله، وأن ما ورد في شأن اليد من الإمساك والطي والقبض والبسط والحثيات والخلق باليدين وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده، وكون المقسطين عن يمينه، وتخيير آدم بين ما في يديه وأخذ الصدقة بيمينه يربيها لصاحبها وأنه مسح ظهر آدم بيده إلى غير ذلك مما ورد في شأنها يدل دلالة واضحة على أنها يد حقيقة، كما أخبر بذلك - جل وعلا - وأن تأويلها بالقدرة، أو النعمة تأويل ظاهر البطلان ٣.
_________________
(١) سورة الذاريات آية: ٤٧.
(٢) الإبانة ص٣٥.
(٣) انظر مختصر الصواعق المرسلة ٢/١٧١.
[ ١٧٤ ]
الفصل الثاني: دلالات السورة على توحيد العبادة
المبحث الأول: تعريف توحيد العبادة
المبحث الأول: تعريف توحيد العبادة
هو إفراد الله - تعالى - بأفعال عباده التي تعبدهم بها كالنحر، والنذر، والدعاء والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والإنابة، والخشوع والخشية والإستعاذة، والإستعانة، والإستغاثة وغير ذلك من أنواع العبادة التي شرعها الله وأمر بها عباده١.
ومعناه: بعبارة أخرى: أن يعتقد الإنسان الإعتقاد الجازم بأن الله - سبحانه - هو الإله الحق، ولا إله غيره، وإفراده - سبحانه - بالعبادة وبيان ذلك أن الإله هو المألوه٢ أي المعبود. والعبادة في اللغة هي الإنقياد والتذلل، والخضوع يقال: طريق معبد أي: مذلل٣ وقد عرفها بعض أهل العلم "بأنها كمال الحب مع كمال الخضوع والخوف"٤.
قال العلامة ابن القيم:
وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان
بالأمر قال الله قال رسوله لا بالهوى والنفس والشيطان٥
فلا بد في عبادة الله من أن يجتمع الأمران، فلا يكفي أحدهما في عبادته، بل يجب
_________________
(١) انظر الحسنة والسيئة لشيخ الإسلام ابن تيمية ص١٢٦، مجموعة التوحيد لشيخ الإسلام والشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهما: الرسالة الأولى ص٤، تيسير العزيز الحميد ص٢٠، كشف الشبهات ضمن مجموعة التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيره ص٢١٧، تطهير الإعتقاد ص٩، الدين الخالص ١/٦٢، شرح الطحاوية ص٧٦، لوامع الأنوار البهية ١/١٢٩.
(٢) القاموس المحيط: ٤/٢٨٢، مختار الصحاح ص٢٢، المصباح المنير ١/١٩.
(٣) مختار الصحاح ص٤٠٨، المخصص لابن سيده ١٣/٩٦، لسان العرب ٣/٢٧١، النهاية ٣/١٧٠.
(٤) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/٧٦.
(٥) القصيدة النونية مع شرحها توضيح المقاصد وتصحيح القواعد ١/٢٥٣.
[ ١٧٧ ]
على الإنسان، أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة، والذل التام إلا الله وكل ما أحب لغير الله فمحبته فاسدة، وما عظم بغير أمر الله فتعظيمه باطل١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريفه الشامل لمعنى العبادة:
"العبادة اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة، والظاهرة، فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان للجار اليتيم والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله، والإنابة إليه وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضاء بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه وأمثال ذلك هي من العبادة لله" اهـ٢.
ومن هذا التعريف الجامع لمعنى العبادة التي هي حق الله على عباده يتبين أنه لا بد للعبادة من أمرين:
الأمر الأول: هو أن يلتزم العبد بما أمر الله به ودعت إليه رسل الله الكرام عليهم الصلاة والسلام بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وبهذا الأمر يكون معنى العبادة الطاعة والخضوع إذ الذي لا يستسلم لأمر الله ويحرم ما حرم الله فلا يكون عبدًا ولا عابدًا لله - تعالى ـ.
الأمر الثاني: أن يكون هذا الإلتزام صادرًا عن قلب ممتلئ بمحبة - الباري سبحانه - إذ أنه ليس في هذا الوجود من يستحق المحبة الكاملة إلا الله - جل وعلا - لأنه - سبحانه - هو الذي خلق الإنسان ولم يكن شيئًا مذكورًا وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه وأسبغ عليه النعم الظاهرة والباطنة وتوحيد الإلهية أساسه إخلاص العبادة لله وحده في باطنها وظاهرها بحيث لا يكون شيء منها لغيره - سبحانه - فيجب على المرء أن يخلص لله جميع أنواع العبادة من المحبة، والخوف، والرجاء، والدعاء، والتوكل، والطاعة، والتذلل، والخضوع، وأن يتوجه بها لله وحده دون سواه.
_________________
(١) العبودية لشيخ الإسلام ص٤٤.
(٢) المصدر السابق ص ٣٨.
[ ١٧٨ ]
المبحث الثاني: وجوب إفراد الله تعالى بتوحيد العبادة
لقد وردت آيات كثيرة في السورة كلها توجب على العباد أن يفردوا الله بتوحيد العبادة، ويخصوه بها وحده دون سواه.
قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ. أَلا لله الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ. وَأُمِرْتُ لأنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي. فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ .
هذه الآيات الكريمة من السورة تقرر أنه - سبحانه - هو الذي يستحق أن توجه له العبادة بجميع أنواعها الإعتقادية والقولية والعملية وليس لأحد سواه كائنًا من كان أي شيء من أنواع العبادة، كما تقرر أن أي نوع من أنواع العبادة لم يوجه لله، أو وجه له، ولكن فيه شركة لغيره معه، فإنه باطل، وغير مقبول، لأن الله - تعالى - لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، وأن من عمل أي عملٍ لله، وأشرك معه فيه غيره من المخلوقين كائنًا من كان فإن الله يتركه وشركه، لأنه - سبحانه - أغنى الشركاء عن الشرك.
فالآيات المتقدمة عددها ثمان آيات كلها دلت على وجوب إفراد الله - تعالى - بتوحيد العبادة وتجريدها له وحده دون سواه.
[ ١٧٩ ]
فالآية الأولى: منها هي قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ فهذه الآية أمر من الله - جل وعلا - لنبيه محمد ﷺ بأن يخلص لله جميع دينه من العبادات الظاهرة والباطنة، وأن يفرد الله بها وحده، ويقصد بها وجهه ولا يتطلع إلى أي مقصد آخر، وأمته تبع له في ذلك، وإن كان الخطاب موجهًا له أصلًا وذاتًا فالخطاب موجه إلى كل مكلف من العباد.
قال العلامة ابن جرير حول هذه الآية: ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾:
"يقول تعالى ذكره: فاخشع لله يا محمد بالطاعة، وأخلص له الألوهية وأفرده بالعبادة ولا تجعل له في عبادتك إياه شريكًا كما فعلت عبدة الأوثان" اهـ١.
وقال ابن كثير: أي: "فاعبد الله - وحده - لا شريك له وادع الخلق إلى ذلك وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له - وحده - وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد"٢.
وأما الآية الثانية: فهي قوله تعالى: ﴿أَلا لله الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ فهي تقرير للأمر في الآية السابقة بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، فكما أنه - سبحانه - له الكمال المطلق، وله التفضل كله على عباده من جميع الوجوه، فكذلك له الدين الخالص الذي صفي من كل شوائب الشرك صغيرها، وكبيرها، وهذا هو الدين الذي ارتضاه لنفسه وارتضاه لرسله الكرام عليهم الصلاة والسلام، وأمرهم به لأنه يتضمن التأله لله في حبه ورجائه، وخوفه، والإنابة إليه في العبودية، والرجوع إليه في تحصيل جميع المطالب لعباده، ومتى كانت العبادة خالصة لله كانت سببًا لصلاح القلوب وتزكيتها وتطهيرها أما إذا كانت ملوثة بالشرك فإن الله بريء منها، وليس له فيها شيء فهو الغني عن عبادة شابها شرك لأنه - سبحانه - أغنى الشركاء عن الشرك الذي هو مفسد للقلوب والأرواح ومشقٍ للنفوس في الآخرة والأولى.
وأما الآية الثالثة: فهي قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ فهذه الآية أيضًا: فيها الأمر من الله ﵎ لنبيه محمد ﷺ بأن يقول للمشركين من قومه: إن الله أمره أن يعبده مفردًا له الطاعة دون كل ما يدعى من دونه من الآلهة والأنداد التي يعبدها المشركون.
_________________
(١) جامع البيان ٢٣/١٩٠.
(٢) تفسير ابن كثير ٦/٧٨.
[ ١٨٠ ]
قال ابن كثير: "وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أي: إنما أمرت بإخلاص العبادة لله - وحده - لا شريك له"١.
وأما الآية الرابعة: فهي قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لأنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ .
وهذه الآية أيضًا: فيها أمر من الله ﷻ لنبيه محمد ﷺ بأن يكون أول المسلمين من أمته. قال أبو عبد الله القرطبي٢: "وكذلك كان فإنه كان أول من خالف دين آبائه وخلع الأصنام، وحطمها وأسلم لله وآمن به ودعا إليه ﷺ" اهـ٣.
والحال كما أخبر به القرطبي فإنه ﵊ كان سباقًا إلى امتثال أمر الله لأنه الداعي للخلق إلى ربهم فيقتضي أن يكون أول منفذ لأمر الله ومطبقًا له، وأول من يسلم وجهه لله، وهذا الأمر لا بد من وقوعه منه ﵊ وكذلك لا بد أن يكون من ادعى أنه من أتباعه فلا بد من الإسلام في جميع الأعمال الظاهرة والإخلاص لله في جميع الأعمال الظاهرة والباطنة.
وأما الآية الخامسة: فهي قوله تعالى: ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ .
هذه الآية أيضًا: نصت على أن الله أمر نبيه ﷺ أن يعلن لكفار قريش أنه لا يعبد إلا لله العبادة الخالصة ويفرده وحده بالطاعة.
قال ابن جرير حول هذه الآية: ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ "قل يا محمد لمشركي قومك: الله أعبد مخلصًا، مفردًا له طاعتي، وعبادتي لا أجعل له في ذلك شريكًا ولكني أفرده بالألوهية، وأبرأ مما سواه من الأنداد والآلهة" اهـ٤.
وأما الآية السادسة: فهي قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ .
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٦/٨٣.
(٢) هو: محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرج الأنصاري الخزرجي الأندلسي، أبو عبد الله القرطبي، من كبار المفسرين صالح متعبد من أهل قرطبة، توفي سنة إحدى وسبعين وستمائة هجرية. انظر ترجمته في مقدمة كتاب: "الجامع لأحكام القرآن"، طبقات المفسرين ٢/٦٩ - ٧١، الأعلام ٦/٢١٧.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٤٢.
(٤) جامع البيان ٢٣/٢٠٤.
[ ١٨١ ]
هذه الآية: سمتها التهديد والوعيد الشديد لمن خذل نفسه وأصر على كفره وإشراكه بالله - تعالى - بعبادته ما سواه من الأحجار وغيرها من المعبودات التي عبدت من دون الله، فلم يستجب لأوامر الله التي تقضي بإفراده - سبحانه - بالعبادة التي هي خالص حقه على عباده.
كما تضمنت التبرِّي ممن حاله كذلك، وبينت الخسارة التي تلحق أهل الإشراك وتحل بهم في الآخرة وتلك الخسارة هي خسارة الأنفس والأهل يوم القيامة حيث يتفارقون فلا يلتقون سواءً ذهب أهلوهم إلى الجنة، وقد ذهبوا هم إلى النار، أو أن الجميع أمر بهم إلى النار ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور.
قال عبد الله بن عباس ﵄: "وليس من أحد إلا وقد خلق له زوجة في الجنة فإذا دخل النار خسر نفسه وأهله"١.
وقال ابن زيد: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال: "هؤلاء أهل النار خسروا أنفسهم في الدنيا وخسروا الأهلين، فلم يجدوا في النار أهلًا، وقد كان لهم في الدنيا أهل".
وقال مجاهد: "غبنوا أنفسهم وأهليهم قال: يخسرون أهليهم فلا يكون لهم أهل يرجعون إليهم، ويخسرون أنفسهم فيهلكون في النار فيموتون وهم أحياء فيخسرونهما"٢ وهذا هو الخسران الظاهر البين الذي لا يصل في درجته أي خسران وسيحل بهم هذا الخسران عقوبة لهم على إشراكهم بالله العظيم حيث عبدوا معه من لا يستحق العبادة، وطأطئوا رؤوسهم لمخلوقين مثلهم لا يملكون لهم ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا، ولا حياة ولا نشورًا، وبذلك حل بهم خسران ليس مثله خسران، وهو خسران دائم لا ربح بعده ولا سلامة.
وأما الآية السابعة: فهي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ هذه الآية تضمنت استنكارًا بليغًا صدع به الرسول ﷺ بعد أن أمره الله - تعالى - به، وهو أن يقول للمشركين الذين طلبوا منه أن يعبد آلهتهم أو يكف عن تحقيرها: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٤٣.
(٢) جامع البيان ٢٣/٢٠٥.
[ ١٨٢ ]
اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ .
قال عبد الله بن عباس ﵄: "إن قريشًا دعت رسول الله ﷺ إلى أن يعطوه مالًا فيكون أغنى رجلًا بمكة ويزوجوه ما أراد من النساء فقالوا: هذا لك يا محمد، وتكف عن شتم إلهتنا ولا تذكرها بسوء فإن لم تفعل فاعبد آلهتنا سنة. قال: حتى أنظر ما يأتيني من ربي فأنزل الله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ. َلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد. ُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ وأنزل ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ١.
وهذا العرض من المشركين ينبئ عن فرط جهلهم وسخافة عقولهم حيث ظنوا أن القضية مساومة، ولم يدركوا أن أمر العبادة والعقيدة هو أمر الله وحده، وليس للرسول ﷺ من ذلك شيء، وإنما الأمر في ذلك لله وحده لا شريك له، فهو - سبحانه - الآمر الذي لا راد لأمره وهو الذي يحكم فلا معقب لحكمه، فيتضح من هذا أنه لا التقاء بين التوحيد الذي بعث الله به رسوله ﷺ وبين الشرك الذي امتلأت به قلوب المشركين، وخيم على عقولهم لأنهم ليسوا على دين وليسوا بمؤمنين وإنما هم كافرون بتوجيههم العبادة التي هي لله على عباده إلى من لا يستحقها من المخلوقات والجمادات بدعوى أنها تقربهم إلى الله زلفى وليس كذلك، وإنما تزيدهم عن الله بعدًا، ومن النار قربًا.
وأما الآية الثامنة: فهي قوله تعالى: ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ .
قال العلامة ابن جرير: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ لا تعبد ما أمرك به هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بعبادته بل الله فاعبد دون كل ما سواه من الآلهة والأوثان والأنداد ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لله على نعمته عليك بما أنعم من الهداية لعبادته، والبراءة من عبادة الأصنام والأوثان" اهـ٢.
وقال ابن كثير: " ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي أخلص العبادة لله وحده لا شريك له أنت ومن اتبعك وصدقك" اهـ٣.
وبهذه الآيات المتقدمة يتبين لنا أن توحيد الألوهية هو أول الدين وآخره وباطنه
_________________
(١) لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي ص٢٣٦.
(٢) جامع البيان ٢٤/٢٤ - ٢٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٦/١٠٦.
[ ١٨٣ ]
وظاهره، وهو أول دعوة المرسلين وآخرها، ومن أجله خلق الله الخلق قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١.
قال العلامة ابن القيم: "إن الله - سبحانه - إنما خلق لعبادته الجامعة لمحبته والخضوع له وطاعته وهذا هو الحق الذي خلقت به السموات والأرض، وهو غاية الخلق والأمر، ونفيه كما يقول أعداؤه: هو الباطل والعبث الذي نزه نفسه عنه أن يترك الإنسان عليه وهو - سبحانه - يحب أن يعبد ويطاع، ولا يعبأ بخلقه شيئًا لولا محبتهم له، وطاعتهم له، ودعاؤهم له، وقد أنكر على من زعم أنه خلقهم لغير ذلك، وأنهم لو خلقوا لغير عبادته وتوحيده وطاعته لكان خلقهم عبثًا وباطلًا وسدى، وذلك مما يتعالى عنه أحكم الحاكمين، والإله الحق، فإذا خرج عن أحب الأشياء إليه، وعن الغاية التي لأجلها خلقت الخليقة، وصار كأنه خلق عبثًا لغير شيء إذ لم تخرج أرضه البذر الذي وضع فيها بل قلبته شوكًا ودغلًا، فإذا راجع ما خلق له، وأوجد لأجله فقد رجع إلى الغاية التي هي أحب الأشياء إلى خالقه وفاطره، ورجع إلى مقتضى الحكمة التي خلق لأجلها وخرج عن معنى العبث والسدى والباطل فاشتدت محبة - الرب - له فإن الله يحب المتطهرين"اهـ٢.
ومن أجل هذا النوع من أنواع التوحيد - توحيد الألوهية - انقسم الخلق إلى مؤمنين وكافرين.
قال شيخ الإسلام: "وهذا التوحيد هو الفارق يبن الموحدين والمشركين وعليه يقع الجزاء والثواب في الأولى والآخرة فمن لم يأت به كان من المشركين"٣.
_________________
(١) سورة الذاريات آية: ٥٦.
(٢) مدارج السالكين ١/٢١٥، وانظر مجموع الفتاوى ١/٢٣.
(٣) الحسنة والسيئة ص١٢٦.
[ ١٨٤ ]
المبحث الثالث: أهمية الإخلاص في توحيد العبادة
لقد دلت السورة على أهمية الإخلاص في أربع آيات:
قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ. أَلا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ﴾ .
هذه الآيات الأربع من السورة فيها بيان أهمية الإخلاص في توحيد العبادة، وكما نرى أن الأمر بالإخلاص جاء مشفوعًا بالأمر بالعبادة، لأن الإخلاص هو روح العبادة وعمودها الذي تقوم عليه، فالعبادة بدون إخلاص عبادة مردودة على صاحبها لأنها لم توجه إلى الله - وحده - لا شريك له، ومتى شاب العبادة قصد غير الله - تعالى - اعتبرت لاغية لا قيمة لها، ولا فائدة منها سوى التعب لصاحبها لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه.
فالآيات الأربع دلت على وجوب الإخلاص في العبادة.
فالآية الأولى هي قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أمر الله نبيه ﷺ بأن يعبد الله تعالى عبادة مصحوبة بالإخلاص وأمته تبع له في هذا الأمر والأمر دال على الوجوب فيجب عليهم أن يخلصوا دينهم لله ويبعدوا أنفسهم عن كل شوائب الشرك.
وأما الآية الثانية من تلك الآيات هي قوله تعالى: ﴿أَلا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ .
قال القرطبي: "أي: الذي لا يشوبه شيء"١.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٣٣.
[ ١٨٥ ]
وروى ابن جرير عن قتادة أنه قال: ﴿ألا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ قال: "شهادة أن لا إله إلا الله"١ وعلى هذا التفسير يكون معنى الآية ﴿ألا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ أي: التوحيد الصافي من شوائب الشرك وهو المستحق لذلك وحده.
وقال العلامة ابن كثير: " ﴿ألا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ أي: لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله - وحده - لا شريك له"اهـ٢.
وأما الآية الثالثة: فهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾
فهذه الآية أيضًا: أمر بعبادة الله - تعالى - العبادة الخالصة البعيدة عن كل إشراك.
وأما الآية الرابعة: فهي قوله تعالى: ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ وهذه الآية إخبار بأنه ﵊ أمر بأن يخص الله - تعالى - وحده بالعبادة مخلصًا له دينه ولا يعبد أحدًا غيره فقوله ﴿اللهَ أَعْبُدُ﴾ يفيد الحصر أي: لا أعبد أحدًا غير الله تعالى.
فالسورة بينت من خلال تلك الآيات الأربع أهمية الإخلاص ودلت على أنه يجب على كل إنسان أن يحققه في عبادته ربه لتكون عبادته مقبولة عند الله - تعالى ـ، وطالما أن للإخلاص هذه الأهمية فإنه ينبغي للمرء معرفته كي يعينه ذلك على تحقيقه في توحيده ربه - جل وعلا - في جميع الأعمال.
ونذكر تعريفه هنا تسهيلًا لفهمه، وإدراكًا لمعناه:
معنى الإخلاص في اللغة:
جاء في المصباح المنير: "خلص الشيء من التلف" من باب - قعد - "وخلاصًا" و"مخلصًا" سلم ونجا و"خلص" الماء من الكدر صفا، و"خلصته" بالتثقيل ميزته من غيره اهـ٣. وهكذا مدار الإخلاص في كتب اللغة على الصفا والتميز عن الشوائب التي تخالط الشيء يقال: هذا الشيء خالص لك أي لا يشاركك فيه غيرك، وتطلق العرب "الإخلاص" على الزبد إذا خلص من اللبن والثفل.
_________________
(١) جامع البيان ٢٣/١٩١.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٦/٧٨.
(٣) ١/١٧٧.
[ ١٨٦ ]
و"الخلاص" في لغة العرب. ما أخلصته النار من الذهب والفضة والخالص من الألوان عندهم ما صفا ونصع، ويقولون: خالصُه في العشرة صافاه١.
وهذه المعاني جاءت في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ ٢ أي: لا يخالطه دم ولا فرث.
وقال تعالى في إخوة يوسف: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ ٣. أي: انفردوا وتميزوا عمن سواهم. وقال تعالى حكاية عن المشركين: ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ ٤ أي: لا يشركهم الإناث.
وأما حقيقة الإخلاص في الشرع:
فقد تنوعت تعريفات العلماء له، ولكن مدارها على قصد الله بالعبادة دون سواه.
جاء في المفردات لغريب القرآن: "فحقيقة الإخلاص: التبرِّي عن كل ما دون الله تعالى"٥.
وعرَّفه أبو القاسم القشيري٦: بأنه "إفراد الحق - سبحانه - وتعالى في الطاعات بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقريب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنع لمخلوق، واكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله ﷾"٧.
وقال في موضع آخر: "يصح أن يقال: الإخلاص تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين"٨.
_________________
(١) انظر الصحاح للجوهري ٣/١٠٣٧، القاموس ٢/٣١٢ - ٣١٣، لسان العرب ٧/٢٦ - ٢٩.
(٢) سورة النحل آية: ٦٦.
(٣) سورة يوسف آية: ٨٠.
(٤) سورة الأنعام آية: ١٣٩.
(٥) ص١٥٥.
(٦) هو عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك النيسابوري من بني قشير بن كعب شيخ خراسان في عصره ولد سنة ست وسبعين وثلاثمائة وتوفي سنة خمس وستين وأربعمائة هجرية. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ١/٢٩٩، تاريخ بغداد ١١/٨٣ تبيين كذب المفتري ٢٧١، الأعلام ٤/١٨٠".
(٧) الرسالة القشيرية ص٩٥.
(٨) المصدر السابق.
[ ١٨٧ ]
وعرفه العز بن عبد السلام قائلًا: "الإخلاص أن يفعل المكلف الطاعة خالصة لله وحده لا يريد بها تعظيمًا من الناس ولا توقيرًا، ولا جلب نفع ديني ولا دفع ضرر دنيوي"١.
وقال سهل بن عبد الله٢: "الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله - تعالى - خالصة"٣.
قال الغزالي بعد ذكره لهذا التعريف: "وهذه كلمة جامعة محيطة بالغرض"٤.
وقد ذكر الإمام ابن القيم؛ ما يقارب ثلاثة عشر تعريفًا للإخلاص٥ وكلها ترجع إلى معنى واحد: وهو أن يقصد العبد بأقواله، وأعماله وإرادته، ونيته وجه الله تعالى دون سواه من غير أن ينظر إلى مغنم، أو جاه، أو لقب، أو تقدم، أو تأخر إلى غير ذلك من أعراض الدنيا٦.
وقد بين ابن القيم أن للإخلاص ثلاثة أركان قال رحمه الله تعالى:
"فحقيقة الإخلاص": توحيد المطلوب، وحقيقة الصدق: توحيد الطلب والإرادة ولا يثمران إلا بالإستسلام المحض للمتابعة، فهذه الأركان الثلاثة هي: أركان السير وأصول الطريق التي من لم يبن عليها سلوكه وسيره فهو مقطوع، وإن ظن أنه سائر فسيره، إما إلى عكس جهة مقصودة، وإما سير المقعد والمقيد، وإما سير صاحب الدابة الجموح كلما مشت خطوة إلى قدام رجعت عشرة إلى الخلف، وإن لم يبذل جهده ويوحد طلبه سار سير المقيد وإن اجتمعت له الثلاثة: فذاك الذي لا يجارى في مضمار سيره وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم٧
_________________
(١) قواعد الأحكام ١/١٤٦.
(٢) هو: سهل بن عبد الله التستري أحد أئمة الصوفية المتكلمين في الإخلاص والرياضة ولد سنة مائتين وتوفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين هجرية. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان" ١/٢١٨، حلية الأولياء ١٠/١٨٩، الأعلام ٣/٢١٠.
(٣) إحياء علوم الدين ٤/٣٨١.
(٤) المصدر السابق.
(٥) مدارج السالكين ٢/٩١ - ٩٢.
(٦) راجع "الرسالة السابعة" ضمن مجموعة التوحيد لشيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهما من العلماء ص١٨٥، الجواب الكافي ص١٥٩ أضواء البيان ٧/٤٢.
(٧) مدارج السالكين ٢/٩٧.
[ ١٨٨ ]
ولأهمية الإخلاص في توحيد العبادة كان أحد ركنيه، والصدق ركنه الآخر.
قال العلامة ابن القيم:
فلو أحدكن واحدًا في واحد أعني سبيل الحق والإيمان
هذا وثاني التوحيد توحيد العبادة منك للرحمن
فنقوم بالإخلاص والإحسان في سر وفي إعلان
والصدق والإخلاص ركنا ذلك التوحيد كالركنين للبنيان١
وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والستة، وكثرت أقوال الأئمة في اشتراط الإخلاص للأعمال والأقوال الدينية، وأن الله لا يقبل منها إلا ما كان خالصًا وابتغي به وجهه.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢.
"فهذه الآية فيها توجيه من الله - تعالى - لنبيه ﷺ بأن يقول للمشركين أنه لا يصلي إلا لله، ولا يذبح إلا له، وأن محياه ومماته كل ذلك لله وحده لا شريك له بخلاف المشركين، فإنهم كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها فأمره الله - تعالى - بمخالفتهم، والابتعاد عما هم عليه والإقبال بالقصد والنية والعزم والإخلاص لله تعالى"٣.
وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ ٤.
قال الفضيل بن عياض: هو أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٥، فلا يمكن أن يكون العمل خالصًا إلا إذا جرد
_________________
(١) القصيدة النونية مع شرحها توضيح المقاصد وتصحيح القواعد ٢/٢٥٨.
(٢) سورة الأنعام آية: ١٦٢ - ١٦٣.
(٣) انظر تفسير ابن كثير ٣/١٣٩.
(٤) سورة الملك آية: ٢.
(٥) مدارج السالكين ٢/٨٩ والآية رقم ١١٠ من سورة الكهف.
[ ١٨٩ ]
الإنسان المتابعة للكتاب والسنة في عبادته، واقتفى ما خط له فيهما فقبول الأعمال مرهون وموقوف بصدق الإخلاص.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ١.
فإسلام العبد وجهه لا يتحقق إلا بإخلاص قصده وعمله لله تعالى والإحسان في ذلك لا يتحقق إلا بمتابعة الرسول ﷺ، ولقد أخبر الله تعالى أن الأعمال التي تكون على غير الكتاب والسنة أو قصد بها غير وجه الله تعالى فإنها تصير هباءً منثورًا ليس لها قيمة وليس فيها نفع لصاحبها. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ ٢، والآيات الواردة في الحض على إخلاص العبادة لله - وحده - لا شريك له كثيرة جدًا في كتاب الله - تعالى - وكلها تدل على اهتمام الإسلام بإصلاح الفرد ظاهرًا، وباطنًا.
والقرآن الكريم عندما يطلق اسم "الإخلاص" لا يريد به التوجه إلى الله في عمل من الأعمال بل المقصود به أن يتوجه المكلف بأعماله كلها إلى الله وحده دون سواه فلا يقصد بعبادته ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا ولا يعبد شجرًا، ولا حجرًا، ولا شمسًا، ولا قمرًا، الإخلاص يعني أن يتوجه بالأعمال القلبية لله وحده، كما يتوجه بالأعمال الظاهرة، والإخلاص هو الدين الذي بعث الله به الرسل جميعًا فكان محور دعوتهم ولبها، وهو الدين الذي طالبت به الرسل الأمم التي أرسلت إليها: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٣.
وقد أكدت السنة على أهمية الإخلاص في عبادة الله تعالى في أحاديث كثيرة منها:
١ - ما رواه الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ: عن الرجل يقاتل رياءً ويقاتل شجاعة ويقاتل حمية أي ذلك في سبيل الله؟
فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" ٤.
فقد بين ﷺ أن القتال الذي يكون لله وفي سبيله إنما هو القتال الذي يكون الغاية منه
_________________
(١) سورة النساء آية: ١٢٥.
(٢) سورة الفرقان آية: ٢٣.
(٣) سورة البينة آية: ٥.
(٤) صحيح البخاري ٤/٢٩٠، صحيح مسلم ٣/١٥١٢.
[ ١٩٠ ]
رفع راية الإسلام، أما القتال لأجل مراءات الناس، وإظهار الشجاعة، أو يقاتل حمية كل هذا في سبيل الشيطان، وليس في سبيل الرحمن.
٢ - وروى الإمام أحمد من حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم"١.
قال العلامة ابن القيم: "أي لا يبقى فيه غل، ولا يحمل الغل مع هذه الثلاثة بل تنفي عنه غله وتنقيه منه، وتخرجه عنه، فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل، وكذلك يغل على الغش، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة، والضلالة فهذه الثلاثة تملؤه غلاَّ، ودغلًا، ودواء هذا الغل، واستخراج أخلاطه بتجريد الإخلاص والنصح ومتابعة الرسول"٢.
٣ - وأخبر ﷺ أن الإنسان إذا قصد بعمله وجه الله - تعالى - زاده الله رفعة ودرجة في دنياه وآخرته.
دل على ذلك حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: جاءني رسول الله يعودني في حجة الوداع من وجع اشتد بي وفيه فقلت: يا رسول الله أخلَّف بعد أصحابي قال: "إنك لن تخلف فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة " الحديث٣.
٤ - وأخبر ﵊ أن العمل بقصد الرياء والسمعة محبط للعمل وموجب للنار كما في حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار "قارئ القرآن والمجاهد، والمتصدق بماله"٤.
فقارئ القرآن قرأه ليقال: فلان قارئ، والمجاهد جاهد ليقال: فلان شجاع والمتصدق تصدق ليقال: فلان جواد، ولم تكن أعمالهم خالصة لله - تعالى - فكانوا من
_________________
(١) المسند ٤/٨٠، ٨٢.
(٢) مدارج السالكين ٢/٩٠.
(٣) رواه مسلم ٣/١٢٥٠ - ١٢٥١.
(٤) رواه مسلم ٣/١٥١٣ - ١٥١٤ من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٩١ ]
أصحاب النار لأنهم قصدوا بأعمالهم غير الله فوقعوا في الشرك والله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك.
كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معي تركته وشركه" ١.
فعلى الإنسان أن يجتهد في تحقيق الإخلاص في أقواله وأفعاله التي يتقرب بها إلى الله - جل وعلا - وأن يحاول جاهدًا أن يربي نفسه ويعودها الأخذ بالإخلاص في جميع أعماله إذ الإخلاص من أشق الأشياء عليها.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "أمر النية شديد".
وقال سفيان الثوري: "ما عالجت شيئًا أشد علي من نيتي لأنها تنقلب عليَّ".
وقال يوسف بن أسباط: "تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد".
وقال سهل بن عبد الله التستري: "وليس على النفس شيء أشق من الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب".
وقال يوسف بن الحسين: "أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم اجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر فيجب على من نصح نفسه أن يكون اهتمامه بتصحيح نيته وتخليصها من الشوائب فوق اهتمامه بكل شيء لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى"٢ فالسلف كانوا يجتهدون غاية الاجتهاد في تصحيح نياتهم ويرون الإخلاص أعز الأشياء، وأشقها على النفس، وذلك لمعرفتهم بالله، وما يجب له وبعلل الأعمال، وآفاتها، ولا يهمهم العمل لسهولته عليهم، وإنما يهمهم سلامة العمل وخلوه من الشوائب المبطلة لثوابه أو المنقصة له، فقلب الإنسان هو الأساس في عبادة الله - تعالى - وهو موضع نظر الله تعالى، ومحل عنايته كما جاء من حديث أبي هريرة ﵁ أن
_________________
(١) رواه مسلم ٤/٢٢٨٩.
(٢) انظر هذه الأقوال في "الرسالة السابعة" تعريف العبادة وتوحيد العبادة والإخلاص - للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن المعروف بأبي بطين - ضمن مجموعة التوحيد لشيخ الإسلام ابن تيمة والشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهما ص١٨٦.
[ ١٩٢ ]
رسول الله ﷺ قال: "إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" ١.
فصلاح القلب أساس قبول العمل ولا يعتبر العمل إلا إذا كان عن نية طيبة خالصة لوجه الله - تعالى - أما العمل إذا كان مقصودًا به مراءات الناس، أو السمعة فإن ذلك مبطل للعمل من أساسه بالكلية ويفضح الله سريرة صاحبه يوم القيامة بين الخلائق عامة، فعلى العبد أن يتقي الرياء ويخلص العمل لله - تعالى - فإن الرياء من الأعمال الدنيئة التي تهبط بالإنسان إلى أسفل الدرجات، أما إذا أظهر الإنسان الطاعات للناس دون قصد منه، وكانت مصحوبة بالإخلاص، فأعجبهم عمله وحمدوه على ذلك فهذا لا يحبط عمله، ولا ينافي ذلك إخلاصه.
برهان ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ قال: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير فيحمده الناس عليه؟ قال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" ٢.
ولا يفوتنا أن نذكر هنا كلمة لابن القيم وضعها ﵀ كنبراس لتحقيق الإخلاص في القلب قال رحمه الله تعالى: " لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص، فاقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص.
فإن قلت: وما الذي يسهل عليّ ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح؟
قلت: أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقينًا أنه ليس من شيء يطمع فيه إلا وبيد الله - وحده - خزائنه لا يملكها غيره ولا يؤتى العبد منها شيئًا سواه.
وأما الزهد في الثناء والمدح فيسهله عليك علمك أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين ويضر ذمة ويشين إلا الله - وحده - كما قال ذلك الأعرابي للنبي إن مدحي زين، وذمي
_________________
(١) صحيح مسلم ٤/١٩٨٧.
(٢) ١/٢٠٣٤.
[ ١٩٣ ]
شين، فقال ذلك الله ﷿ ١ فازهد في مدح من لا يزينك مدحه، وفي ذم من لا يشينك ذمه، وارغب في مدح من كل الزين في مدحه وكل الشين في ذمه، ولن يقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمتى فقدت الصبر واليقين كنت كمن أراد السفر في البحر في غير مركب.
قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ اهـ ٣.
والذي نخلص إليه مما تقدم أن الإنسان مأمور بأن يصفي وينقي عمله من جميع شوائب الشرك، وأن يفعل كل الطاعات على وجه الإخلاص ولا بد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فكل ما يفعله المسلم من القرب الواجبة والمستحبة كالإيمان بالله، ورسوله، والعبادات البدنية، والمالية، ومحبة الله ورسوله والإحسان إلى عباد الله بالنفع، والمال هو مأمور بأن يفعله خالصًا لله رب العالمين لا يطلب من مخلوق عليه جزاء لا دعاءًا ولا غير دعاء، فهذا مما لا يسوغ أن يطلب عليه جزاء لا دعاءًا ولا غير دعاء" ٤.
_________________
(١) رواه أحمد في المسند ٣/٤٨٨ من حديث الأقرع بن حابس، الترمذي ٥/٦٣ من حديث البراء بن مالك.
(٢) سورة الروم آية: ٦٠.
(٣) الفوائد ص١٤٧ - ١٤٨ والآية رقم ٤ من سورة السجدة.
(٤) مجموع الفتاوى ١/١٩٠.
[ ١٩٤ ]
المبحث الرابع: عبودية الدعاء
قبل أن نبدأ بعرض الآيات الواردة في السورة التي تبين أن الدعاء عبادة لا يستحقها إلا الله - جل وعلا - نذكر معنى الدعاء في اللغة والشرع ليتضح مفهومه أكثر.
أما الدعاء في اللغة:
فقد جاء في الصحاح للجوهري١: "ودعوت فلانًا أي: صحت به واستدعيته ودعوت الله له وعليه دعاءًا، والدعوة المرة الواحدة والدعاء واحد الأدعية" اهـ٢.
وجاء في القاموس: الدعاء الرغبة إلى الله - تعالى - اهـ٣.
وقال في المصباح: "دعوت الله أدعوه دعاءًا ابتهلت إليه بالسؤال ورغبت فيما عنده من الخير، ودعوت زيدًا ناديته وطلبت إقباله"٤.
وأما الدعاء في الشرع:
فإنه يؤخذ من التعاريف اللغوية وهو: الإتجاه إلى الله - تعالى - بطلب نفع أو دفع ضر، أو رفع بلاء، أو النصر على عدو، أو نحو ذلك.
فهذا الاتجاه بالسؤال المنبعث من القلب لله - تعالى - هو روح العبادة ومخها كما ورد بذلك قول المصطفى ﷺ: "الدعاء هو العبادة"٥.
_________________
(١) هو: إسماعيل بن حماد الجوهري المتوفى سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة هجرية.
(٢) ٦/٢٣٣٧.
(٣) ٤/٣٢٩.
(٤) ١/١٩٤.
(٥) رواه الترمذي ٥/٥٢ من حديث النعمان بن بشير رضي الله - تعالى - عنه.
[ ١٩٥ ]
فيتبين من تعريف الدعاء في اللغة والشرع أن الدعاء في الأصل هو الطلب ويطلق على العبادة، وقد دلت السورة على أن الدعاء عبادة وأنه لله - وحده - لا شريك له في آيتين منها: ـ
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لله أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ .
فالآيتان الأوليان من هذه الآيات الأربع بين الله تعالى فيهما أن العبد إذا نزل به البلاء وأحاطت به المحن جأر إلى الله وفزع إليه بالدعاء لما تقرر في فطرته أنه لا يكشف ما به من البلاء والمحن إلا الله - تعالى - الذي أوجده من قبل ولم يك شيئًا، ثم إنهما توضحان ما تنطوي عليه تلك الفطرة، وما يعتريها من التغيرات والتقلبات في حالتي الشدة والرخاء.
فالآية الأولى: وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ الآية يخبر الله تعالى فيها عن كرمه وإحسانه وبره بعبده وقلة شكر عبده على ذلك وأنه حين يمسه الضر من المرض، أو الفقر، أو الوقوع في الكربات يعلم أنه لا ينجيه ولا ينقذه منها إلا الله فيدعوه ملحًا متضرعًا منيبًا، ويستغيث به في كشف ما نزل به ويلح في ذلك فإذا ما أنعم الله عليه بكشف ما نزل به من الضر والكرب نسي ذلك الذي دعا الله من أجله ومر كأنه لم يصبه شيء فرجع إلى الشرك بأن جعل لله الأنداد وهم الشركاء والأمثال والأشباه فضل بنفسه وأضل غيره لأن إضلاله لغيره متولد وناتج عن ضلاله. ثم أمر الله نبيه بأن يقول لمن اشتهر بهذا العتو، وهو تبديل نعمة الله كفرًا ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ فلا ينفعه ما يتمتع به في هذه الدنيا من الأموال وسائر النعم إذا كان المآل هو النار١.
_________________
(١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٢٣/١٩٩ - ٢٠٠، تفسير القرآن العظيم ٦/٨١، الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٣٧ - ٢٣٨، فتح القدير للشوكاني ٤/٤٥٢.
[ ١٩٦ ]
وأما الآية الثانية: وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
وهذه الآية أيضًا: كسابقتها تبين أن العبد حين يصاب بالشدة والبلاء تقوى صلته بربه في هذه الحال فيدعوه ويضرع إليه أن يزيل عنه ما حل به من الكوارث وينيب إليه إنابة صادقة ويتجلى أمام عينيه الصراط المستقيم ويعلم علم يقين أن كل ما سوى الله من الأنداد والأوثان والأصنام وغيرها من المخلوقات ليس لهم القدرة على كشف ما به، فعند ذلك يلجأ إلى الله ويفيق من ظلمات الجهل وركام الشرك وينقشع عنه كل ما يخالجه من الأوهام الباطلة فيتجه إلى الله بالدعاء الخالص واللجوء الصحيح ويكفر بكل ما سوى الله - تعالى - من الشركاء والشفعاء المزعومين.
أما إذا ذهب عنه الضر وحل به الرخاء وخوله الله بشتى النعم فإن حاله ينعكس غالبًا وهنا يدنس فطرته التي كانت قد استيقظت في حالة الشدة فيلبسها لباس الشرك وينسى توحيده لربه وإنابته إليه وتطلعه إليه في إزالة ما به من الفقر والمرض وسائر أنواع الكرب فيبدأ بالكفر بنعم الله وينسبها إلى نفسه وأنها إنما جاءت إليه لذكائه ودقة حيلته ويكفر بربه الذي هو مصدر كل النعم.
﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
قال الحافظ ابن كثير: "يخبر تعالى أن الإنسان في حال الضر يضرع إلى الله وينيب إليه، ويدعوه، ثم إذا خوله نعمة منه طغى وبغى وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ لعلم الله بي بأنني أستحق ذلك ولولا أني عند الله خصيص لما خولني هذا. قال قتادة: على علم عندي قال الله ﷿: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ أي ليس الأمر كما زعم بل إنما أنعمنا عليه بهذه النعمة لنختبره فيما أنعمنا عليه أيطيع أم يعصي؟ مع علم الله المتقدم بذلك فهي فتنة أي اختبار: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ولهذا يدعون ما يدعون ويقولون ما يقولون" اهـ١.
فيجب على الإنسان أن يعلم أن كل ما به من نعمة فهي من الله - تعالى - وأنه ليس له حول ولا قوة في جر النفع إلى نفسه أو دفع الضر عنها والإنسان عندما ينسب النعم التي حباه
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٦/٩٩.
[ ١٩٧ ]
الله بها إلى نفسه وأنها إنما جاءت إليه بحيلته وذكائه وخبرته الفائقة بوجوه المكاسب لا شك أن ذلك جحد لنعم الله وهو يؤدي إلى الكفر بالمنعم الذي هو الله - تعالى - مصدر كل النعم، فيجب على العبد أن يعرف المنعم بذلك حتى يكون شاكرًا لربه الرازق العليم.
وأما الآيتان الأخيرتان من الآيات المتقدمة وهما قوله - تعالى ـ: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ .
فهاتان الآيتان تضمنتا التهديد والوعيد لمن ينسب نعم الله إلى نفسه وأن من زعم ذلك فإنما هو مقتدٍ بقارون الذي اغتر بكثرة ماله، وما أعطاه الله من أصناف النعم فكانت عاقبته النهائية أن خسف الله به وبداره الأرض فلم يجد معينًا ولا نصيرًا يمنعه من بأس الله الذي لا يرد عن القوم المجرمين فقوله تعالى ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية. أوضحت بأنه قد سبق من الأمم من زعم أنما آتاه الله المال لما يعلم الله تعالى من استحقاقه له ولولا أنه خصيص عند الله لما خوله الله تلك النعم فهذه المقالة المبغوضة عند الله - تعالى - بينت السورة أنها متداولة لدى الجبابرة من سائر الأمم يتوارثها الجاحدون لنعم الله - تعالى - كما أوضحت أن كسبهم لا يغني عنهم شيئًا من عقاب الله وأن وبال ذلك راجع عليهم كما أوضحت أن الظلمة من المخاطبين سيصيبهم ما أصاب الظالمين من الأمم قبلهم ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ قال تعالى مخبرًا عن قارون أنه قال له قومه: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ١.
وكون العبد ينسب نعم الله إلى نفسه وأنها وافته بفضل ما عنده من الحرص والذكاء وشدة الحيلة والعلم بوجوه المكاسب هذا من علامة الخذلان والعياذ بالله، والكفر بالله إذ الكفر بالنعمة كفر بالمنعم.
_________________
(١) سورة القصص آية: ٧٦ - ٧٨.
[ ١٩٨ ]
قال العلامة ابن القيم: " وسبب الخذلان عدم صلاحية المحل وأهليته وقبوله للنعمة بحيث لو وافته النعم لقال هذا لي، وإنما أوتيته لأني أهله ومستحقه كما قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي على علم علمه الله عندي استحق به ذلك وأستوجبه واستأهله، قال الفراء: أي على فضل عندي أني كنت أهله ومستحقًا له إذ أعطيته، وقال مقاتل: يقول على خير علمه الله عندي. وذكر عبد الله بن الحارث بن نوفل سليمان بن داود ﵊ فيما أوتي من الملك ثم قرأ قوله - تعالى - ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ ١.
ولم يقل هذا من كرامتي، ثم ذكر قارون وقوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ٢ يعني: أن سليمان رأى ما أوتيه من فضل الله عليه ومنته وأنه ابتلي به فشكره، وقارون رأى ذلك من نفسه واستحقاقه. وكذلك قوله - سبحانه - ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ ٣ أي أنا أهله وحقيق به فاختصاصي به كاختصاص المالك بملكه.
والمؤمن يري ذلك ملكًا لربه وفضلًا منه من به على عبده من غير استحقاق منه بل صدقة تصدق بها على عبده، وله أن لا يتصدق بها. فلو منعه إياها لم يكن قد منعه شيئًا هو له يستحقه عليه، فإذا لم يشهد ذلك رأي فيه أهلًا ومستحقًا فأعجبته نفسه وطغت بالنعمة وعلت بها واستطالت على غيرها فكان حظها منها الفرح والفخر كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ. وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ٤. فذمه باليأس والكفر عند الامتحان بالبلاء وبالفرح والفخر عند الابتلاء بالنعماء واستبدل بحمد الله وشكره والثناء عليه إذ كشف عنه البلاء قوله: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾، ولو أنه قال: أذهب الله السيئات عني برحمته ومنه لما ذم على ذلك، بل كان محمودًا عليه ولكنه غفل عن المنعم بكشفها ونسب الذهاب إليها وفرح وافتخر فإذا علم الله - سبحانه - هذا من قلب عبد فذلك من أعظم أسباب خذلانه
_________________
(١) سورة النمل آية: ٤٠.
(٢) سورة القصص آية: ٧٨.
(٣) سورة فصلت آية: ٥٠.
(٤) سورة هود آية: ٩ ـ١٠.
[ ١٩٩ ]
وتخليه عنه، فإن محله لا تناسبه النعمة المطلقة التامة كما قال تعالى: ١.
فأخبر - سبحانه - أن محلهم غير ق ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ابل لنعمته ومع عدم القبول ففيهم مانع آخر يمنع وصولها إليهم وهو توليهم وإعراضهم إذا عرفوها وتحققوها"اهـ٢.
ومما ينبغي أن يعلم أن توسيع الرزق على بعض العباد ليس ذلك دليلًا على أنهم محبوبون عند الله - تعالى - كما أن تضييقه على بعضهم لا يدل على بغضهم فإن الدنيا يؤتيها الله من يحب ومن لا يحب فتوسيع الرزق إنما هو ابتلاء وامتحان منه - سبحانه - وتعالى لعبيده لينظر أيشكرونه أم يكفرونه؟ وفي ذلك عبرة للمعتبرين وحجة على المعاندين.
وبعد هذه اللمحة لبيان معنى الآيات الأربع المتقدمة التي جاء في بعضها التنبيه على عبودية الدعاء، نقول: إن الدعاء من أجل العبادات، بل هو أكرمها على الله ﷿ وقد حث الله في كتابه العزيز على إخلاص الدعاء له وحده لا شريك له وبذلك جاءت السنة التي أوحاها الله إلى نبينا محمد ﷺ.
الدعاء نوعان:
١ - دعاء عبادة.
٢ـ دعاء مسألة.
ولفظ الدعاء في القرآن الكريم يراد به هذا تارة، وهذا تارة ويراد به مجموعهما وهما متلازمان كما سنوضح ذلك.
فأما دعاء العبادة: فهو التقرب إلى الله - تعالى - بأنواع العبادات من الصلاة، والذبح، والنذر، والصيام، والحج وغيرها خوفًا من عقاب الله وطمعًا في رحمته وإن لم يكن في ذلك صيغة سؤال وطلب، فالعابد الذي يرغب في حصول مطلوبه ويخاف على فواته هو سائل لما يطلبه بامتثال أمر الله - تعالى ـ.
_________________
(١) سورة الأنفال آية: ٢٢ - ٢٣.
(٢) الفوائد ص:٢٠٠ - ٢٠١.
[ ٢٠٠ ]
وأما دعاء المسألة: فهو طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره أو دفعه ومن يملك الضر والنفع هو المعبود حقًا، والمعبود لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضر١.
ولقد أنكر - الباري - سبحانه - على الذين يعبدون غيره ممن لا يملكون لعابديهم ضرًا ولا نفعًا، وكثر أسلوب الإنكار في القرآن الكريم من أجل هذا.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ ٢.
فهذه الآية تضمنت الإنكار الشديد على عباد الأصنام والأنداد والأوثان وبداية الآية كما هو مشاهد أمر موجه للنبي ﷺ بأن يقول لعموم العابدين لغير الله - تعالى - من سائر بني آدم بما فيهم النصارى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ أي: لا يقدر على دفع ضر عنكم ولا إيصال نفع إليكم، أما الله - جل وعلا - فإنه يسمع أقوالكم ويعلم أحوالكم فلم تعدلون عنه إلى عبادة جماد لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئًا ولا يملك ضرًا ولا نفعًا لغيره ولا لنفسه؟ ٣.
وقال تعالى زيادة في الإنكار على الذين يعبدون ما لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ ٤ وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ ٦ وغيرها من الآيات كثير كلها تنفي عن المعبودين من دون الله النفع والضر القاصر والمتعدي فلا يملكون لأنفسهم ولا لعابديهم ضرًا ولا نفعًا فالمعبود يدعى للنفع والضر دعاء المسألة، ويدعى على طريق الخوف، والرجاء دعاء العبادة ومن هذا يعلم أن النوعين متلازمان فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة وكل دعاء مسألة يتضمن دعاء العبادة. ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ٧.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٥/١٠، بدائع الفوائد لابن القيم ٣/٢، تيسير العزيز الحميد ص١٨٠ - ١٩٢.
(٢) سورة المائدة آية: ٧٦.
(٣) انظر تفسير ابن كثير: ٢/٦١٧.
(٤) سورة يونس آية: ١٨.
(٥) سورة يونس آية: ١٠٦.
(٦) سورة الفرقان آية: ٣.
(٧) سورة البقرة آية: ١٨٦.
[ ٢٠١ ]
فهذه الآية اشتملت على نوعي الدعاء وفسرت بهما معًا.
فقيل: أعطيه إذا سألني.
وقيل: أثيبه إذا عبدني١.
وكلا التفسيرين متلازمان "وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه بل هذا استعمال له في حقيقته الواحدة المتضمنة للأمرين جميعًا فتأمله فإنه موضع عظيم النفع قل من يفطن له وأكثر ألفاظ القرآن الدالة على معنيين فصاعدًا هي من هذا القبيل"٢.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ ٣.
وهذه الآية فيها قولان للمفسرين:
الأول: قيل لولا دعاؤكم إياه.
الثاني: قيل لولا دعاؤه إياكم إلى عبادته٤.
فعلى القول الأول: يكون المصدر مضافًا إلى الفاعل، وعلى القول الثاني: يكون المصدر مضافًا إلى المفعول. ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى - الأول٥ وعلى هذا فالمراد بلفظ الدعاء في الآية نوعا الدعاء وهو في دعاء العبادة أظهر والمعنى أي: ما يعبأ بكم لولا أنكم تعبدونه عبادة تستلزم طلبه وسؤاله.
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٦.
وهذه الآية أيضًا تضمنت نوعي الدعاء معًا إلا أنها في دعاء العبادة أظهر ولذلك جاء
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٥/١١، بدائع الفوائد: ٣/٣.
(٢) بدائع الفوائد ٣/٣.
(٣) سورة الفرقان آية: ٧٧.
(٤) البحر المحيط لأبي حيان ٦/٥١٧، انظر إملاء ما منَّ به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن ٢/١٦٦.
(٥) مجموع الفتاوى ١٥/١٢، بدائع الفوائد ٣/٣.
(٦) سورة غافر آية: ٦٠.
[ ٢٠٢ ]
التعقيب بعد الأمر بالدعاء فيها بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ .
وقد روى الترمذي بإسناده إلى النعمان بن بشير رضي الله - تعالى - عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: "إن الدعاء هو العبادة ثم قرأ ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ " قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح١.
فهذه الآيات التي قدمنا ذكرها دلت دلالة صريحة على أن نوعي الدعاء بينهما تلازم كما قدمنا ذلك قريبًا، فينبغي للإنسان أن يكون على معرفة بهذا وأن يحققه جيدًا حتى يستطيع الرد على القبوريين الذين يدعون أهل القبور من دون الله - تعالى - ويحتجون على من أنكر عليهم فعلهم ذلك بأن الدعاء الذي أمر الله بأن يكون خالصًا له وحده لا شريك له إنما هو دعاء العبادة وليس المسألة ويزعمون أن قوله - تعالى - ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لله فَلا تَدْعُو مَعَ الله أَحَدًا﴾ ٢. أي لا تعبدوا مع الله غيره، والرد عليهم سهل ويسير فيقال لهم: سلمنا لكم جدلًا أن المراد به دعاء العبادة لكن لا يمنع ذلك من أن يدخل فيه دعاء المسألة لأن دعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة ويقال لهم أيضًا: إن الله - تعالى - أمر عباده بأن يدعوه دعاء مسألة في مواضع كثيرة من كتابه. قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٣ فهذه الآية واضحة في دعاء المسألة، ويؤيد ذلك سبب نزولها وهو أنه ﷺ كان يدعو ربه فيقول مرة: "يا الله"، ومرة "يا رحمن" فظن الجاهلون من المشركين أنه يدعو إلهين فأنزل الله هذه الآية. قال ابن عبد الله عباس ﵄: "سمع المشركون النبي ﷺ يدعو في سجوده "يا رحمن يا رحيم" فقالوا: هذا يزعم أنه يدعو واحدًا وهو يدعوه مثنى مثنى"، فأنزل الله هذه الآية: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ ٤ ومعنى هذه الآية الكريمة: الأمر للنبي ﷺ بأن يقول للمشركين الذين أنكروا صفة الرحمة لله ﷿ المانعين من تسميته
_________________
(١) سنن الترمذي ٥/٥٢.
(٢) سورة الجن آية: ١٨.
(٣) سورة الإسراء آية: ١١٠.
(٤) مجموع الفتاوى ١٥/١٤، بدائع الفوائد ٣/٥، تفسير ابن كثير ٤/٣٥٩.
[ ٢٠٣ ]
"بالرحمن" ﴿ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ أي لا فرق بين دعائكم له باسم "الله" أو باسم "الرحمن" فإنه ذو الأسماء الحسنى.
وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ١.
وهذه الآية تضمنت إرشادًا من الله لعباده بأن يدعوه تضرعًا وتذللًا لأن الدعاء فيه صلاح دنياهم وأخراهم، كما أنها تتناول نوعي الدعاء لكنها ظاهرة الدلالة في دعاء المسألة المتضمن دعاء العبادة ولهذا أمر - سبحانه - بإخفائه وإسراره٢. وقوله تعالى في هذه الآية ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فسر الاعتداء بتفسيرين:
١ - قيل: المراد إنه لا يحب المعتدين في الدعاء كالسائل ما لا يليق به من منازل الأنبياء وغير ذلك. وقد جاء في سنن أبي داود رحمه الله تعالى عن عبد الله بن معقل أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال: يا بني سل الله الجنة وتعوذ به من النار فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء"٣.
وعلى هذا فالاعتداء في الدعاء تارة يكون بسؤال الله ما لا يجوز له سؤله كسؤاله العون على المعصية، وتارة يسأل الله سؤالًا لا يفعله كطلب الخلود إلى يوم القيامة أو يدفع عنه لوازم البشرية بأن يرفع عنه الحاجة إلى الطعام والشراب أو يطلعه على الغيب أو يجعله في المعصومين، أو يطلب من الله الولد من غير زوجة وغير ذلك مما سؤاله اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله.
التفسير الثاني للآية: قيل الاعتداء برفع الصوت في الدعاء٤.
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الآية تكون أعم من ذلك كله وإن كان الاعتداء في الدعاء هو المقصود بها فهو من جملة المراد: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٥ في كل شيء دعاء
_________________
(١) سورة الأعراف آية: ٥٥.
(٢) مجموع الفتاوى ١٥/١٥، بدائع الفوائد لابن القيم ٣/٦.
(٣) ١/٢٢.
(٤) مجموع الفتاوى ١٥/٢٢، تفسير ابن كثير ٣/١٨٠.
(٥) سورة الأعراف آية: ٥٥.
[ ٢٠٤ ]
كان أو غيره كما قال تعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ١ وعلى القول بعموم الآية فإن من أعظم الاعتداء أن يدعي غير الله تعالى من المخلوقين سواء أكان الدعاء يوجه إليه مباشرة أو يدعون الله بهم كل ذلك اعتداء لا يحبه الله تعالى، لأنه وضع للعبادة في غير موضعها ومن الاعتداء أن يدعو الإنسان ربه ﵎ وهو غير مظهر للتضرع والتذلل فيكون دعاء هذا كدعاء المستغني المدل على ربه وهذا من الاعتداء الذي لا يحبه الله لمنافاته دعاء العبد المتذلل فمن لم يسأل ربه مسألة مسكين متضرع خائف فهو من المعتدين. كذلك من الاعتداء عبادة الله بما لم يشرعه ولا أذن فيه أو يثني على الله بما لم يثن به على نفسه. فذلك من الاعتداء في دعاء الثناء والعبادة وهو شبيه الاعتداء في دعاء المسألة والطلب قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وعلى هذا فتكون الآية دالة على شيئين:
أحدهما: محبوب للرب - سبحانه - وهو الدعاء تضرعًا وخفية.
الثاني: مكروه له مسخوط وهو الاعتداء، فأمر بما يحبه وندب إليه وحذر مما يبغضه وزجر عنه بما هو أبلغ طرق الزجر والتحذير وهو لا يحب فاعله ومن لا يحبه الله فأي خير يناله إلى أن قال فقسمت الآية الناس إلى قسمين داع لله تضرعًا وخفية، ومعتد بترك ذلك. اهـ٢.
وقال تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣.
والآيات كثيرة جدًا في إثبات دعاء المسألة المتضمن دعاء العبادة ويكفينا منها هذا القدر الذي قدمنا ذكره وكلها فيها الرد الواضح على من ينكر عبودية دعاء المسألة ويكابر مناصرة لدعاء الموتى من أهل القبور، بزعمه أن الدعاء الوارد في القرآن إنما المراد به دعاء العبادة، ليسوغوا لأنفسهم سؤال غير الله - تعالى - ودعاء أهل القبور، وقد اعتبر القرآن دعاء غير الله - تعالى - من أبلغ الضلال. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٥/٢٣ والآية رقم ١٩٠ من سورة البقرة.
(٢) مجموع الفتاوى ١٥/٢٣ - ٢٤.
(٣) سورة الأعراف آية: ٥٦.
[ ٢٠٥ ]
وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ١. فالآية الأولى بينت أنه لا أضل ممن يدعو أحدًا من دونه كائنًا من كان وأن المدعو ليس لديه استجابة لما طلب منه من ميت أو غائب أو صنم أو وثن فالداعي لغير الله حظه من ذلك الخسران والخيبة، وأما الآية الثانية فقد بينت أنه إذا كان يوم القيامة فإن المعبود من دون الله يتبرأ ممن عبده ومن عبادته بل ينقلب له عدوًا.
قال العلامة عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "فدلت أيضًا: أي الآية على أن دعاء غير الله عبادة له وأن الداعي له في غاية الضلال، وقد وقع من هذا الشرك في هذه الأمة ما طم وعم حتى أظهر الله من يبينه بعد أن كان مجهولًا عند الخاصة والعامة إلا من شاء الله - تعالى - وهو في الكتاب والسنة في غاية البيان لكن القلوب انصرفت إلى ما زين لها الشيطان" اهـ٢.
وهو كما قال ﵀ تعالى - فإن الشيطان زين لبعض المسلمين دعاء أهل القبور واللجوء إليهم عند الشدائد والإستغاثة بهم في الملمات، والناظر بعين البصيرة لما عليه القبوريون في أغلب الأقطار الإسلامية يقطع يقينًا بأنهم بدلوا قولًا غير الذي قيل لهم فبدلًا من إتيانهم القبور للدعاء لأهلها بالمغفرة والرحمة وسؤال العافية لهم تجدهم يدعونهم ويسألونهم مطالب لا يقدر عليها إلا الله - تعالى - أو يدعون الله - تعالى - بهم بقصد القربى وأنهم يشفعون لهم عند الله - تعالى - ونسوا أن المقصود من زيارة القبور أمران:
الأمر الأول: تذكُّر الآخرة والإعتبار والإتعاظ وقد أشار إلى ذلك المصطفى ﵊ في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره من حديث بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها فإنها تذكر الآخرة" ٣ وهذا من إحسان الحي إلى نفسه.
الأمر الثاني: الإحسان إلى الميت بالدعاء له بالرحمة والمغفرة كما كان يفعله ﷺ فإنه كان إذا زار أهل البقيع يقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" ٤.
_________________
(١) سورة الأحقاف آية: ٥ - ٦.
(٢) قرة عيون الموحدين: ص١٠٤.
(٣) سنن الترمذي: ٢/٢٥٩.
(٤) رواه مسلم من حديث عائشة ﵂: ٢/٦٦٩.
[ ٢٠٦ ]
هذه هي الزيارة المشروعة التي يؤديها أهل التوحيد، وأما زيارة الذين أشربت قلوبهم بعبادة غير الله فإنهم يزعمون أن الميت المعظم الذي لروحه قرب ومنزلة عند الله - تعالى - لا يزال تأتيه الألطاف من قبل الله - تعالى - وتفيض على روحه الخيرات، فإذا علق الزائر روحه به، وقربها منه يحصل لها الفيض من روح ذلك المزور ويكتسب من تلك الألطاف بواسطتها كما ينعكس شعاع لمرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم المقابل، وقالوا لا تتم الزيارة إلا إذا توجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت وعكف بهمته إليه ووجه قصده وإقباله عليه بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره وكلما كان جمع همته وقلبه عليه أعظم، كان أقرب إلى انتفاعه به، والذي قرر هذه الزيارة الشركية على هذا النحو ابن سيناء والفارابي وغيرهما١ وهذا ما كان عليه عباد الكواكب وعباد الأصنام، ومن ثم تسلسل هذا الاعتقاد الباطل إلى عباد القبور فاتخذوها أعيادًا، وعلقوا عليها الستور، فأوقدوا السرج عليها، وبنوا عليها المساجد والقباب وهذا ما قصد رسول الله ﷺ إبطاله ومحو أثره كلية وسد كل ذريعة تفضي إليه ولما عرف المشركون قصده وقفوا في طريقه وناقضوه في قصده وكان ﷺ في شق وهم في شق ولذلك كان القرآن ينزل بتكفيرهم ولعنهم وإباحة دمائهم وأموالهم وسبي ذراريهم، وأوجب لهم النار، والقرآن من أوله إلى آخره مملوء بالرد عليهم وإبطال كل معتقد لهم في ذلك.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله٢ بعد أن بين دعاء العبادة ودعاء المسألة:
"إذا تبين ذلك فاعلم أن العلماء أجمعوا على أن من صرف شيئًا من نوعي الدعاء لغير الله فهو مشرك ولو قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله وصلى وصام، إذ شرط الإسلام مع التلفظ بالشهادتين أن لا يعبد إلا الله، فمن أتى بالشهادتين، وعبد غير الله فما أتى بهما حقيقة، وإن تلفظ بهما كاليهود الذين يقولون لا إله إلا الله وهم مشركون ومجرد التلفظ بهما لا يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناهما واعتقاده إجماعًا"٣.
_________________
(١) إغاثة اللهفان ١/٢١٩.
(٢) هو: الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب أحد السلسلة الذهبية التي قيضها الباري - سبحانه - للدعوة إلى التوحيد الخالص ونبذ الشرك والبدع والخرافات في الجزيرة العربية. كان رحمه اله بارعًا في التفسير والحديث والفقه توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف هجرية. انظر ترجمته في كتاب "عنوان المجد في تاريخ نجد" ١/٢١٢، هدية العارفين ١/٤٠٨، معجم المؤلفين ٤/٢٦٨.
(٣) تيسير العزيز الحميد ص: ١٩٢.
[ ٢٠٧ ]
وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على أن الدعاء عبادة لا يجوز صرفها لغير الله - تعالى ـ.
منها ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما: من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ثم يقول: من يدعوني فاستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له " الحديث١.
وروى الإمام أحمد في المسند من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" ٢.
وإذا كان الدعاء من أجل العبادات وأكرمها على الله ﷿ فهلًا - يعقل أولئك القبوريون الذين ينادون أهل القبور ويستغيثون بهم ويطلبون منهم المطالب التي لا يملكها إلا الله من جلب النفع ودفع الضر؟ وهلا ينتهي أولئك الضلال الذين يدعون أنهم أولياء فيقفون في طريق العوام يزينون لهم دعاء الأموات والإستغاثة بهم فيضلونهم ويصدونهم عن سبيل الله بل وصل الحد بمن يدعي الولاية أنه يضمن لتابعيه دخول الجنة والنجاة من النار وقد قال تعالى مخاطبًا سيد الأولين والآخرين: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ فأين هؤلاء الجهلة من هذه الآية؟ فإذا كان سيد الأولين والآخرين لا يقدر على إنقاذ من حقت عليه كلمة العذاب فكيف يدعي أولئك العصاة أنهم يملكون ذلك فالواجب على كل مكلف أن يعرف ما لربه من الواجب عليه وأن يخلص له الدين حتى يكون من عباده الموحدين وليعلم أن ربه أوحى إلى نبيه بأن يأمر أمته أن يسألوا الله من فضله الذي عطاؤه لا ينفد وخزائنه ملآى لا تنضب كما في حديث ابن عباس عن النبي ﷺ: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح٣. فلا يسأل إلا الله ولا يدعى إلا هو وحده لا شريك له لأن غير الله لا يقدر على الإعطاء والمنع
_________________
(١) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٣/٢٩، صحيح مسلم ١/٥٢١.
(٢) ٢/٣٦٢.
(٣) سنن الترمذي ٤/٧٦.
[ ٢٠٨ ]
ورفع الضرر وجلب النفع لأن ذلك من خصائص الرب ﷾ وقد حصر الرسول ﷺ العبادة في الدعاء فقال ﵊: "الدعاء هو العبادة" ١.
جاء في عون المعبود أي: "هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة لدلالته على الإقبال على الله والإعراض عما سواه بحيث لا يرجو ولا يخاف إلا إياه قائمًا بوجوب العبودية معترفًا بحق الربوبية عالمًا بنعمة الإيجاد"٢. فهذه الأحاديث التي قدمنا ذكرها تدل على أن دعاء غير الله من ميت وغائب وحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله من جلب النفع ودفع الضر أو تحويله هو الشرك بعينه بل ذلك من الشرك الأكبر إذ أن الداعي إنما يدعو الله إذ انقطع أمله مما سوى الله وذلك هو خلاصة التوحيد فمن دعا غير الله - تعالى - أو ناداه فقد سوى بينه وبين الله - تعالى - وذلك عين الشرك.
والناظر لحال بعض المسلمين اليوم من الذين ينادون أهل القبور ويستغيثون بهم ويطوفون بقبورهم، ويذبحون لهم وينذرون لهم فإنه يرثي حالهم ويعلم تدهور العقيدة الصحيحة في قلوبهم، والموجب لهم ذلك أنهم عن كتاب ربهم معرضون وعن سنة رسوله ﷺ غافلون، وبسبب ذلك فعلوا فعل المشركين الذين كانوا يدَّعون أنهم ما يعبدون الآلهة إلا لكي تشفع لهم عند الله، وهذا ما وقع فيه جهلة المسلمين من الخضوع والتذلل عند القبور، ويطلبون من أصحابها مطالب لا يقدر عليها إلا الله تعالى. .
وعندما يشاهد الإنسان الذي عرف العقيدة الصحيحة بعض المفتونين من القبوريين الذين ينادون أهلها الذين لا يملكون لغيرهم ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورًا يتساءل عن الذي جعلهم يعضون على فعلهم ذلك المنكر الشنيع الذي يجعل فاعله هو وعبدة الأصنام على حد سواء في دعوتهم غير الله - تعالى - والسبب الذي دفعهم إلى ذلك يتمثل في الأمور الآتية:
١ - جهلهم أولًا: بحقيقة ما أرسل الله به رسوله ﵊، بل جهلهم بما دعا إليه جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام من تحقيق التوحيد، وقطع كل صلة تؤدي إلى
_________________
(١) المصدر السابق ٥/٢٥، وانظر سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٤/٣٥٢.
(٢) ٤/٣٥٢.
[ ٢٠٩ ]
الشرك بالله العظيم فكان حظهم من ذلك قليلًا، فدعاهم الشيطان إلى تلك الفتنة لأنه لا يوجد عندهم من العلم ما يدحضون به دعوته فاستجابوا لدعوته بقدر ما عندهم من الجهل وعصموا بحسب ما عندهم من العلم.
٢ - ومن الأسباب التي جعلتهم يدعون أهل القبور الأحاديث المكذوبة المختلفة التي وضعها على الرسول ﷺ أمثال عباد الأصنام من القبوريين لمناقضة دين الإسلام وزعزعة العقيدة المحمدية من النفوس مثل حديث: "إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور" وحديث "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه" وأمثال هذه الأكاذيب التي تناقض قواعد الدين، وضعها المشركون، وراجت عند الجهلة من بعض المسلمين، فالرسول ﷺ ما بعث إلا لقتل من حسن ظنه بالأحجار وتجنيب الأمة فتنة القبور.
٣ - ومن الأسباب التي جعلت القبوريين يصرفون عبودية الدعاء لغير الله - تعالى - الحكايات المكذوبة لأصحاب تلك القبور مثل: أن فلانًا استغاث بالقبر الفلاني في شدة نزلت به، فخلص منها، وفلانًا دعاه، أو دعا به في حاجة فقضيت له وفلانًا نزل به ضر فرجا صاحب القبر الفلاني فكشف ضره، وعند سدنة القبور من الأكاذيب والأساطير الباطلة الشيء الكثير، وهم من أكذب الناس على الأحياء والأموات ونفوس بني آدم مفطورة بحب من يقضي حوائجها ويزيل ضروراتها، فعندما يسمعون أن القبر الفلاني ترياق مجرّب والشيطان يتلطف في دعوة المضطر المحترق القلب، فقد يجيب الله دعوتهم ابتلاء أو امتحانًا، فالجاهل عندما تحصل له إجابة الدعوة يظن أن لذلك القبر تأثيرًا في إجابة الدعاء، والله - سبحانه - يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، ولو كان كافرًا ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿كُلًاّ نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ١.
"فليس كل من أجاب الله دعوته يكون راضيًا عنه، ولا محبًا له ولا راضيًا بفعله، فإنه - سبحانه - يجيب دعوة البر والفاجر والمؤمن والكافر"٢.
وقد تعلق القبوريون ببعض الأحاديث، وظنوا: أنها دليل يجيز لهم ما يفعلونه عند القبور، ومن تلك الأحاديث ما رواه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه
_________________
(١) سورة الإسراء آية: ٢٠.
(٢) انظر إغاثة اللهفان: ١/٢١٤ - ٢١٥.
[ ٢١٠ ]
بإسنادهما إلى عثمان بن حنيف أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني قال: " إن شئت أخرت ذاك فهو خير" وفي رواية "وإن شئت صبرت فهو خير لك" فقال: ادعه فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، فيصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى لي، اللهم فشفعه فيَّ وشفعني فيه " الحديث.
قال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي١.
هذا الحديث ضعفه بعض العلماء بحجة أن في إسناده أبا جعفر.
قال الترمذي: "لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وليس الخطمي"٢ فظنوا أنه أبو جعفر الرازي، ودرجة الرازي صدوق ولكنه سيء الحفظ"٣.
والصواب أنه: "أنه أبو جعفر الخطمي حيث أن الإمام أحمد نسبه في إحدى روايات الحديث بأنه الخطمي، ونسبه في أخرى فقال: المدني"٤.
فالحديث صحيح، وإنما الكلام في الزيادة التي تنسب إلى عثمان بن حنيف مع الرجل في زمن خلافة عثمان وسيأتي الكلام عليها قريبًا.
فلقد تعلق القبوريون بقوله: "يا محمد إني توجهت بك إلى ربي".
وقالوا: لو أن دعاء غير الله شرك لم يعلمه النبي ﷺ هذا الدعاء الذي فيه المناداة لغير الله.
والجواب: أن يقال إن شبهتكم هذه باطلة من وجوه:
الوجه الأول: أن الضرير كان مجيئه إلى النبي ﷺ لأجل أن يدعو له بدليل قوله في الحديث: "ادع الله أن يعافيني" فيجب أن تفهم هذه الفقرة أولًا، وقبل كل شيء حتى يعرف الفرق بين طلب الضرير من النبي ﷺ، وتوجهه بدعائه مع حضوره، وبين دعاء الجهلة للأموات، والسجود لهم ولأضرحتهم، والتوكل عليهم واللجوء إليهم في الشدائد
_________________
(١) المسند ٤/١٣٨، والمستدرك ١/١٩، الترمذي ٥/٢٢٩، ابن ماجة ١/٤١٨.
(٢) سنن الترمذي ٥/٢٢٩.
(٣) انظر التقريب ٢/٤٠٦.
(٤) المسند ٤/١٣٨.
[ ٢١١ ]
وخطابهم بالحوائج من الأمكنة القريبة والبعيدة، فالضرير طلب من النبي ﷺ أن يدعو له ويشفع له، وهذا نوع من التوسل المشروع، وهو التوسل بدعاء أهل الصلاح والتقى فأين هذا من دعاء غير الله والإستغاثة به.
الوجه الثاني: أن الرسول ﷺ أمر ذلك الضرير أن يدعو الله بنفسه ويسأله قبول شفاعة النبي ﷺ وهذا من أوضح الأدلة على أن دعاء غير الله شرك بالله العظيم، فالمخلوق لا يدعى من دون الله سواء كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا، أو رجلًا صالحًا لأنهم لا يقدرون على النفع والضر إذ ذلك خاص برب العالمين بدليل أن النبي ﷺ لم يقدر على شفائه إلا بعد دعاء الله له.
الوجه الثالث: أن قوله في الحديث "يا محمد إني توجهت بك إلى ربي" لا يدل على جواز سؤال الغائب، ولا على جواز سؤال المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا فاطر السموات والأرض، لا من طريق العبارة ولا من طريق الإشارة، ومن ادعى ذلك فقد افترى على الله كذبًا لأنه لا يخلو الأمر من حالين: إما أن يكون ذلك الضرير سأل النبي نفسه، وهذا سؤال للمخاطب فيما يقدر عليه، وهو أن يدعو له وهذا لم ينكره أحد لأنه أمر جائز لا محذور فيه.
وإما أن يكون توجه بالنبي ﷺ دون سؤاله أن يدعو له فهو لم يسأل منه، وإنما سأل من الله سواء كان متوجهًا بدعائه كما هو لفظ الحديث، أو كان متوجهًا بذاته ﵊، وهو القول الضعيف، لأن التوجه بذوات المخلوقين، والإقسام بهم على الله من البدع المنكرة التي لم تؤثر عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة الكرام، ولا عن التابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة الدين عليهم رحمة الله أجمعين"١.
ومن حججهم التي احتجوا بها على جواز التوجه إلى القبور ودعاء أهلها ما أخرجه الطبراني من قصة الرجل مع عثمان بن عفان ﵁، من طريق عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة سهل بن حنيف أن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان ﵁ في زمن خلافته، فكان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه فقال عثمان: ائت الميضأة، فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين، ثم قل: اللهم
_________________
(١) انظر تيسير العزيز الحميد ص٢٠٨ - ٢٠٩.
[ ٢١٢ ]
إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك ﷿ فيقضي لي حاجتي الخ١.
قال الذين تعلقت قلوبهم بدعاء غير الله من الأموات أهل القبور: هذا دليل على جواز دعاء غير الله من غائب وميت وصالح لأن عثمان بن حنيف علم الرجل أن يدعو الرسول بعد موته وناداه فقضيت حاجته.
وهذه القصة باطلة متنًا وسندًا.
"أما من ناحية المتن فهي تدل بتركيبها، وترتيبها على أن هناك من وضعها واختلقها، وأن الصحابي الجليل عثمان بن حنيف برئ منها لأنه يعلم أن التوسل المشروع إنما يكون بدعاء الشخص المتوسل به لا بذاته كما هو المعهود عند من يجهل حقيقة التوسل المشروع.
ثم إن المعروف من حياة عثمان قبل الخلافة وبعدها أنه كان لينًا رقيقًا عطوفًا كثير الاهتمام بمصالح المسلمين العامة والخاصة، ولم يثبت أنه أهمل أحدًا من قضاء حاجته بل إنه كان يتتبع احتياجات المسلمين دون أن يعلموا ذلك فضلًا عن أن شخص يدخل على عثمان ويتردد عليه مرارًا، ولم يسأله عن حاجته فهذا بعيد جدًا، فلا يليق بمكانة الخليفة عثمان بن عفان ﵁، ولا بمكانة من دونه من الصحابة"٢.
وأما من ناحية سند هذه القصة فهو ضعيف لأن فيها شبيب بن سعيد قال الذهبي في الميزان: "شبيب بن سعيد صدوق يغرب"٣.
وقال ابن عدي٤: "كان شبيب لعله يغلط ويهم إذا حدث من حفظه، وأرجو أنه
_________________
(١) القصة بتمامها في المعجم الصغير للطبراني ١/١٨٣ - ١٨٤، والمعجم الكبير ٣/٣/١ـ ٢.
(٢) انظر التوصل إلى حقيقة التوسل ص٢٤٢ - ٢٤٣ بتصرف.
(٣) الميزان ٢/٢٦٢.
(٤) هو: عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد بن مبارك بن القطان الجرجاني أبو أحمد علامة بالحديث ورجاله، ولد سنة سبع وسبعين ومائتين، وتوفي سنة خمس وستين وثلاثمائة هجرية. أنظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء ١٦/١٥٤ - ١٥٧، تذكرة الحفاظ ٣/٩٤٠ - ٩٤٢".
[ ٢١٣ ]
لا يتعمد. فإذا حدث عنه ابنه أحمد بأحاديث يونس، فكأنه شبيب آخر يعني يجود" اهـ١.
وهذا الكلام لابن عدي يفيد أن شبيبًا هذا لا بأس بحديثه إذا كان من رواية ابنه أحمد عنه، ويكون شبيب يروي عن يونس.
والسبب في ذلك ما ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل "هو أنه كان لديه كتب يونس بن يزيد فهو إذا حدث منها أجاد، وإذا حدث من حفظه وقع في الوهم"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: بعد أن ساق قصة ابن حنيف: "فهذه الزيادة فيها عدة علل: إنفراد هذا بها أي: شبيب - عن من هو أكبر منه وأحفظ، وإعراض أهل السنن عنها، واضطراب لفظها، وأن راويها عرف له عن روح هذا أحاديث منكرة، ومثل هذا يقتضي حصول الريب والشك فى كونها ثابتة فلا حجة فيها إذ الاعتبار بما رواه الصحابي لا بما فهمه إذا كان اللفظ الذي رواه لا يدل على ما فهمه بل على خلافه" اهـ٣.
وبهذا نعرف أن هذه القصة لا تصح لانهيارها متنًا وسندًا.
ومن حجج القبوريين التي يحتجون بها على دعائهم غير الله ما رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة بإسناده إلى ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا فإن لله ﷿ حاضرًا سيحبسه" ٤
هذا الحديث غير صحيح لأن في سنده - معروف - بن حسان أبو معاذ السمرقندي عن عمر بن ذر - قال ابن عدي: "منكر الحديث قد روى عن عمر بن ذر نسخة طويلة كلها غير محفوظة" اهـ٥.
فهذه الأخبار الثلاثة موجودة في كتب مشهورة، وكما مر معنا بأن حديث الأعمى صحيح لا غبار عليه، ولكنه ليس في محل النزاع بل بعيد عنه.
_________________
(١) الكامل في ضعفاء الرجال ٤/١٣٤٦ - ١٣٤٧، والميزان ٢/٢٦٢.
(٢) الجرح والتعديل ٤/٣٥٩.
(٣) مجموع الفتاوى ١/٢٧٨، وانظر "التوسل أنواعه وأحكامه للألباني ص٨٥ - ٨٧.
(٤) ص١٩٠.
(٥) الكامل ٦/٢٣٢٦، والميزان ٤/١٣٤.
[ ٢١٤ ]
وأما قصة عثمان بن حنيف، والحديث الذي عند ابن السني لم يحظيا بالصحة بل هما باطلان، وما جاء به القبوريون بعد ذلك فإنما هو من اختلاقهم أنفسهم مثل حديث "إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور: وقد تقدم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فهذا الحديث كذب مفترى على النبي ﷺ بإجماع العارفين بحديثه، ولم يروه أحد من العلماء بذلك ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة"١.
فالأخبار التي يضعها القبوريون في جواز دعاء أهل القبور والإستغاثة بهم يعرف كذبها بمجرد مرورها على السامع لأن لفظها ليس عليه رونق، وجمال الألفاظ النبوية.
والذي نخلص إليه مما تقدم أن الدعاء من أوضح صور العبادة، فلا يجوز أن يصرف لغير الله - تعالى - لأنه حق من حقوقه على عباده فبالدعاء يظهر ذل العبودية ويعرف العبد عزة الربوبية، وهذا هو الغرض المقصود من جميع أنواع العبادات ذلك أن العبد حينما يقدم على الدعاء فإنه لا يقدم عليه إلا إذا عرف من نفسه أنه محتاج إلى ما يطلبه من ربه ﵎ ويعرف أنه عاجز عن تحصيل مقصده إلا بعون الله له على ذلك فإذا علم أن الله يسمع دعاءه، ويعلم حاجته، وأنه له القدرة على دفع تلك الحاجة فهو الإله الرحيم الذي تقتضي رحمته قضاء حاجات عباده ومن هنا كان المقصود من جميع التكاليف الشرعية معرفة ذل العبودية، وعزة الربوبية والدعاء انتظم تحته الأمران ولذلك كان الدعاء من أعظم أنواع العبادات فلا يجوز أن يدعى غيره من المخلوقين أيًا من أنواع الدعاء، لا دعاء العبادة ولا دعاء المسألة، ومن فعل ذلك فهو مشرك بالله العظيم، كذلك لا يجوز الدعاء عند الأضرحة والقبور، فإن ذلك وسيلة إلى الشرك، وجعلها أندادًا من دون الله - تعالى ـ، ولا يجوز أن يدعى الله بأحد من خلقه، أو يقسم به عليه، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه، أو يسأل بأحد من خلقه، وقد أنكر ذلك كله أئمة الدين ٢، عليهم رحمة الله أجمعين.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١/٣٥٦.
(٢) انظر إغاثة اللهفان ١/٢١٦ - ٢١٧.
[ ٢١٥ ]
المبحث الخامس: عبودية الخوف
الخوف في اللغة: الفزع.
قال في القاموس: "خاف يخاف خوفًا ومخافة وخيفة بالكسر فزع"١ وجاء في اللسان: الخوف الفزع خافه يخافه خوفًا وخيفة ومخافة٢.
وأما تعريف الخوف شرعًا:
فقد عرفه العلامة ابن القيم بقوله: "الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكر الخوف" اهـ٣.
ومقصودنا الذي نريده هنا هو: أن الإنسان لا يخاف خوف السر إلا من الباري ﷾، ومعنى خوف السر أن يخاف العبد من غير الله - تعالى - أن يصيبه منه مكروه بمشيئته وقدرته، وإن لم يباشره، فإذا وقع الإنسان في شيء من هذا فإنه وقع في الشرك الأكبر٤ لأنه اعتقد حلول الضرر به الذي لا يقدر عليه إلا الله - تعالى - من غيره الذي هو عاجز أن يفعل به ذلك.
فالضار والنافع إنما هو الله - تعالى - لأنه هو الذي يملك ذلك أما غيره فليس له من ذلك شيء، وقد جاء في السورة أن الخوف عبادة لا يستحقها إلا الله - تعالى - فلا خوف ولا رهبة إلا منه - تعالى ـ.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .
_________________
(١) ٣/١٤٤، الصحاح ٤/١٣٥٨.
(٢) اللسان ٩/٩٩، وانظر المصباح المنير ١/١٨٤.
(٣) مدارج السالكين ١/٥١٢، التعريفات للجرجاني ٣٣٤.
(٤) انظر تيسير العزيز الحميد ص ٢٤.
[ ٢١٦ ]
وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .
فهاتان الآيتان من السورة فيهما بيان أن الخوف لا يكون إلا من الله - تعالى - لأنه وحده القادر على جلب النفع للعبد، ودفع الضر عنه، أما غيره فلا يملك من ذلك شيئًا فقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هذه الآية بينت أن الرسول ﷺ مأمور أن يخاف عذاب يوم عظيم إن هو عصى الله - تعالى - فيما أمره به من إخلاص العبادة والطاعة له - وحده - لا شريك له وكون الرسول ﷺ يخاف عذاب يوم عظيم الذي هو يوم القيامة ذلك اليوم الذي يعظم هوله ويشتد خطره لهو من أبلغ الزجر لغيره، إذ غيره ﷺ يجب أن يعظم خوفه من باب أولى لأنه - تعالى - قد أخبرنا في محكم كتابه أنه قد غفر لنبيه ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ ١.
وقد ذكر القرطبي: في تفسيره عن سعيد بن المسيب وأبي حمزة ٢ الثمالي "أن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فكان هذا الخطاب موجهًا للرسول ﷺ من قبل أن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"٣.
وأما قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ الآية.
ففيها إخبار من الله - جل وعلا - بأنه الكافي لعبده العابد له وحده لا شريك إذا صدق في التوكل عليه ﷾ وفيها أيضًا: بيان أن المشركين كانوا يخوفون الرسول ﷺ بما يعبدون من دون الله من الأوثان والآلهة الباطلة أن تصيبه بأذى لأنه أعلن البراءة منها وعاب عبادتهم إياها وتوجيههم العبادة لمن ليس له حق فيها وجهلوا أنه ﷺ قد أوى إلى ركن شديد، وعلم بأنها لا تقدر على شيء من تلك المزاعم التي اختلقوها وهي زعمهم بأن آلهتهم ستصيبه بأذى، أو تخبِّله إلى غير ذلك من المزاعم التي نسبوها إليها، ولكنه ﷺ تصدى لها وبين بطلان عبادتهم لها حتى أرسى قواعد العقيدة الصحيحة، وبين
_________________
(١) سورة الفتح آية: ٢.
(٢) اسمه ثابت بن دينار الثمالي الأزدي بالولاء المتوفى سنة خمسين ومائة هجرية.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٤٢.
[ ٢١٧ ]
لهم أن الذي يملك النفع ويدفع الضر إنما هو الله - وحده - ومن كان ذلك شأنه هو الجدير بأن يعبد وحده، وتوجه له العبادة الخالصة دون سواه.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى حول قوله تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ يعني المشركين يخوفون الرسول ﷺ، ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها من دون الله جهلًا وضلالًا"١.
وقال الرازي: "جرت العادة أن المبطلين يخوفون المحقين بالتخويفات الكثيرة فحسم الله مادة هذه الشبهة بقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ وذكره بلفظ الاستفهام، والمراد تقرير ذلك في النفوس والأمر كذلك إلى أن قال: لما ثبت أن الله كاف عبده كان التخويف عبثًا وباطلًا" اهـ٢.
فعلى الإنسان أن يصدق الله - تعالى - في الإلتجاء إليه ويخلص عبودية الخوف له وحده لا شريك له، ويحذر دعوة أهل الأهواء الذين يصدون عن سبيل الله فإذا صدق في ذلك مع الله، فإنه عند ذلك لا يخاف إلا الله - تعالى - ويقوي إيمانه، وثقته بالله، مهما خوفه أهل الباطل بالتخويفات الباطلة، فإنه لا يكترث بها لأنه يعلم أن الله كافيه كل الأخطار التي تحيط به، وليعلم كل عبد أن الخوف فرضه الله على جميع عباده بدون استثناء.
قال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
قال ابن القيم حول هذه الآية: "ومن كيد عدو الله أنه يخوف المؤمنين جنده وأولياءه لئلا يجاهدوهم، ولا يأمروهم بمعروف، ولا ينهوهم عن منكر، وأخبر تعالى أن هذا من كيد الشيطان، وتخويفه ونهانا أن نخافهم، والمعنى عند جميع المفسرين يخوفهم بأوليائه، قال قتادة: يعظمهم في صدوركم، ولهذا قال: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف إيمان العبد قوي خوفه منهم" اهـ٤. فالآية دلت على أن إخلاص الخوف من الفرائض، وأنه
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٦/٩٤.
(٢) التفسير الكبير ٢٦/٢٨١.
(٣) سورة آل عمران آية: ٧٥.
(٤) إغاثة اللهفان ١/١١٠.
[ ٢١٨ ]
شرط في إيمان الإنسان وأن العبد إذا فقد الخوف من الله - تعالى - فقد الإيمان الواجب نسأل الله السلامة من ذلك.
وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ١.
وهذه الآية فيها الأمر بإخلاص الخوف لله - تعالى - وكما أنه تعالى جعل الرجاء لأهل الأعمال الصالحة حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢ جعل كذلك الخوف لأهل الأعمال الصالحة إشارة منه - تعالى - أن الرجاء والخوف النافع هو ما اقترن به العمل الصالح.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ ٣.
فهذه الآيات ثناء من الله - تعالى - على الخائفين منه، ومدح لهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
روى الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه عن عائشة ﵂ قالت قلت: يا رسول الله قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: "لا يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه" ٤.
فالله - سبحانه - قد وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: "عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن تردَّ عليهم إن المؤمن جمع إحسانًا وخشية، وإن المنافق جمع إساءة وأمنًا"٥.
_________________
(١) سورة البقرة آية: ٤٠.
(٢) سورة البقرة آية: ٢١٨.
(٣) سورة المؤمنون آية: ٥٧ - ٦١.
(٤) المسند ٦/٢٠٥، سنن ابن ماجة ٢/١٤٠٤.
(٥) انظر تفسير ابن جرير ١٨/٣٢، وانظر مدارج السالكين ١/٥١٢.
[ ٢١٩ ]
وقد بين العلامة ابن القيم الفرق بين الوجل، والخوف، والخشية، والرهبة فقال: "الوجل، والخوف، والخشية، والرهبة ألفاظ متقاربة غير مترادفة".
فالوجل: رجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته أو لرؤيته.
والخوف: اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف.
والخشية: أخص من الخوف، فإن الخشية للعطاء بالله تعالى قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١ فهي خوف مقرون بمعرفة، وقد قال ﷺ: "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له الحديث" ٢.
"وأما الرهبة: فهي الإمعان في الهرب من المكروه وهي ضد "الرغبة" التي هي: سفر القلب في طلب المرغوب فيه إلى أن قال ﵀ وأما الهيبة: فخوف مقارن للتعظيم والإجلال، وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة والإجلال تعظيم مقرون بالحب، فالخوف لعامة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبة للمحبين والإجلال للمقربين وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية"اهـ٣.
ولقد مدح الله رسله بأنهم لا يخشون أحدًا سواه. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللهَ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ﴾ ٥ "أي: أفغير الله أيها الناس تتقون: أي ترهبون وتحذرون أن يسلبكم نعمة الله عليكم بإخلاصكم العبادة لربكم، وإفرادكم الطاعة له، وما لكم نافع سواه"٦.
وقال تعالى في شأن الملائكة المقربين واصفًا لهم بتحقيق عبود ية الخوف:
﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٧.
_________________
(١) سورة فاطر آية: ٢٨.
(٢) رواه البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ ٣/٢٣٧.
(٣) مدارج السالكين ١/٥١٢ - ٥١٣.
(٤) سورة الأحزاب آية: ٩.
(٥) سورة النحل آية: ٥٢.
(٦) جامع البيان ١٧/١٢٠.
(٧) سورة النحل آية: ٥٠.
[ ٢٢٠ ]
فالخوف عبادة جليلة تعبد الله به جميع عباده من الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين وسائر عباده المؤمنين.
وقد بين بعض العلماء أن الخوف أربعة أنواع:
أحدها: خوف السر وهو أن يخاف الإنسان من غير الله - تعالى - أن يصيبه بأي أذى من مرض، أو فقر أو قتل ونحو ذلك ويعتقد أن ما أصابه بذلك إلا بقدرته ومشيئته، وسواء زعم أن ذلك من باب الكرامة للمخوف بالشفاعة، أو على سبيل الاستقلال فهذا النوع لا يجوز أن يعلق بغير الله - تعالى - بحال من الأحوال لأن هذا من لوازم الإلهية، فمن جعل مع الله ندًا يخاف منه هذا الخوف فقد أشرك بالله العظيم إذ هذا معتقد المشركين في أصنامهم وآلهتهم ولذلك فإنهم كانوا يخوفون بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال تعالى في شأن إمام الحنفاء إبراهيم ﵇ عندما خوفه قومه بآلهتهم أن تصيبه بسوء: ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١.
هذه الآيات تبين لنا موقف إبراهيم ﵇ تجاه تخويف قومه له بآلهتهم المزعومة فقد خوفوه أنها تصيبه بأذى فبين لهم أن آلهتهم أقل وأحقر من أن تضر من جحد عبادتها وكفر بها ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ثم رد الأمر إلى مشيئة الباري - سبحانه تعالى - لأنه هو الذي يُخاف ويرجى فقال: ﴿إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ وهذا الاستثناء يسمى عند النحاة استثناء منقطعًا ومعنى ذلك لا أخاف من تلك الآلهة التي تخوفونني بها فإنها لا مشيئة لها ولا قدرة لكن إذا شاء الله أن ينالني بشيء لا رادّ لذلك لأن الله - تعالى - له المشيئة النافذة وقد وسع كل شيء علمًا أما آلهتكم لا تشاء، ولا تعلم فيما ترى من الأولى أن يُخاف ويُعبد أهو - سبحانه - أم آلهتكم التي زعمتموها آلهة من عند أنفسكم؟ ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ فتدركون ما أنتم عليه من الإشراك لمن لا مشيئة له ولا علم مع من له المشيئة المطلقة والعلم التام وهو الله - تعالى - ثم استرسل الخليل ﵇ في دحض دعواهم من أن
_________________
(١) سورة الأنعام آية: ٨٠ - ٨٢.
[ ٢٢١ ]
آلهتهم ستصيبه بسوء وجعل دعواهم من أعظم الأدلة على فساد قولهم وبطلان مذهبهم وبين لهم بطلان إلهيتها وأن عبادتهم لها ستكون مضرة عليهم فقال:
﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ أي: كيف يتسرب الخوف إلى قلبي من أوثانكم، ولا تخافون أنكم أشركتم بالله في عبادته آلهة أخرى فأي الفريقين أحق بالأمن وأولى بأن لا يلحقه الخوف أهو فريق الموحدين أم فريق المشركين؟
فلقد صدر الحكم بين الفريقين من عند أحكم الحاكمين وأعدل العادلين الذي لا أصح من حكمه فقال - عز شأنه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي: بشرك١ ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فكان الحكم من قبل الله - تعالى - أن الهدى والأمن لأهل التوحيد، وحكم لفريق الشرك بالضلال والخوف بعكس ما حكم به لأهل التوحيد، وبذلك علت حجة أبينا إبراهيم على قومه كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ٢ وقال تعالى في قصة هود ﵇ عندما خوفه قومه بالآلهة: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ ٣. هاتان الآيتان بين الله فيهما موقف هود ﵇ من مقالة قومه له حينما نصح لهم في الدعوة إلى توحيد الله وتصديقه وخلع الأوثان والتبرؤ منها ولما أيقنوا أن هودًا لا يتركهم من الدعوة إلى الله وإلى عبادته وحده لا شريك له حينذاك كان قولهم ما يحملك على ذم آلهتنا إلا أنه أصابك منها خبل وجنون فكان جواب هود ﵇ لهم جواب من وثق بربه واعتمد عليه وأصبح لا يكترث بأي تخويف كان من غير الله - تعالى - فقال لهم: إني أشهد الله على نفسي، وأشهدكم أيضًا أيها القوم أنني بريء من هذه الآلهة التي أشركتموها مع الله في العبادة من دونه ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ يقول: اعملوا كل حيلة أنتم وآلهتكم في ضري
_________________
(١) روى الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن مسعود قال: لما نزلت قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قالوا: يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال: "إنما هو الشرك ألم تسمعوا قول العبد الصالح ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ " صحيح البخاري ٣/١٢٨، وصحيح مسلم ١/١١٤، المسند ١/٣٧٨.
(٢) سورة الأنعام آية: ٨٣.
(٣) سورة هود آية: ٥٤ - ٥٥.
[ ٢٢٢ ]
ومكروهي ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ أي: لا تؤخرون ذلك، ثم انظروا ما عسى أن تنالوني به من السوء أنتم وآلهتكم، فإبراهيم وهود ﵉ بينا أن خوف السر لا يكون إلا من الله وهو الذي بعث الله النبيين من أجله، وهذا النوع من الخوف هو ما وقع فيه القبوريون في زمننا هذا، فإنهم يخافون الصالحين وطواغيتهم كما يخافون الله بل أشد، بل إنه وصل الحد بهم إذا وجبت اليمين على أحدهم، فإنه يحلف بالله إيمانًا لا حد لها سواء كان كاذبًا، أو صادقًا الأمر عنده سيان، وإذا طلب منه اليمين بصاحب القبر لم يحلف إن كان كاذبًا وما ذلك إلا لأنه يعتقد أن الضرر الذي يلحقه من صاحب القبر أسرع وأقرب فالتعظيم في قلبه لذلك الولي أقوى من تعظيمه لله بكثير، وهذه الحال لم يصل إليها المشركون الأولون، بل غاية الأمر عندهم أنهم كانوا يحلفون بالله جهد أيمانهم.
النوع الثاني: من أنواع الخوف أن يترك العبد ما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد لأعداء الله وليس هناك أي عذر سوى أنه يخاف غير الله من بني الإنسان ولقد نهى الله عن هذا بقوله ﷿ ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يحقرن أحدكم نفسه إذا رأى أمر الله فيه مقال أن يقول فيه فيقال له يوم القيامة ما منعك أن تقول فيه فيقول يا رب خشيت الناس قال: فأنا أحق أن تخشى" ٢.
فالحديث يبين أن أحق من يخشى إنما هو الله - تعالى ـ.
النوع الثالث: خوف الوعيد الذي توعد الله به العاصين قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ ٥ وهذا النوع يعتبر من
_________________
(١) سورة آل عمران آية: ١٧٥.
(٢) المسند ٣/٤٧ - ٤٨.
(٣) سورة إبراهيم آية: ١٤.
(٤) سورة الدهر آية: ٧.
(٥) سورة هود آية: ٢٦.
[ ٢٢٣ ]
أعلى مراتب الإيمان فالخوف الحقيقي هو الذي يكون حائلًا بين المرء وبين حرمات الله تعالى.
النوع الرابع: الخوف الطبيعي كخوف العدو والحيوان المفترس وخشية الإصابة بالحرق، أو الغرق، فهذا الخوف طبيعي في الإنسان وهذا النوع لا يذم عليه العبد١ وهو المراد بقوله تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ ٢ فإذا اتضح هذا للإنسان فإن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ إنما معناه: أنه يوهم أولياء الله أن الموالين له أهل بأس وشدة وهو غير صادق في ذلك، ولذلك فإن الله تعالى أرشد عباده بقوله: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فلا يجوز الإصغاء لإيهام الشيطان وتسويله، بل الواجب على المؤمنين أن يعلموا أن الله كافيهم وناصرهم على أولياء الشيطان وأمرهم بقتالهم وبين أن كيد الشيطان ضعيف.
قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ ٣.
فكلما قوي إيمان العبد ذهب من قلبه خوف أولياء الشيطان وإذا ضعف إيمانه فإن خوف أولياء الشيطان يقوى في قلبه فيجب على العبد أن لا يخاف إلا الله وحده وأن يخلص ذلك لوجهه - تعالى - دون سواه، بل جعل الله ذلك شرطًا من شروط الإيمان كما قال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٤.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:
"وبعض الناس يقول يا رب إني أخافك وأخاف من لا يخافك، وهذا كلام ساقط لا يجوز، بل على العبد أن يخاف الله وحده، ولا يخاف أحدًا لا من يخاف الله ولا من لا يخاف الله، فإن من لا يخاف الله أخس وأذل أن يخاف، فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان فالخوف منه قد نهى الله عنه" اهـ٥.
_________________
(١) انظر هذه الأنواع الأربعة في تيسير العزيز الحميد ص٤٢٦ - ٤٢٨ بتصرف.
(٢) سورة القصص آية: ٢١.
(٣) سورة النساء آية: ٧٦.
(٤) سورة آل عمران آية: ١٧٥.
(٥) مجموع الفتاوى ١٤/٢٠٦.
[ ٢٢٤ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ﴾ ١ دلت هذه الآية على أن خشية الله وحده دون أحد من خلقه من علامة صحة إيمان العبد بربه ﵎.
قال ابن جرير رحمه الله تعالى: "ولم يخش إلا الله. يقول: ولم يرهب عقوبة شيء على معصية سوى الله"اهـ٢.
وكما دل القرآن على أن الخوف عبادة يجب إخلاصها لله - تعالى - كذلك دلت السنة على أن الخوف لا يكون إلا من الله، ولا يصرف لأحد سواه فلا خوف ولا خشية إلا منه - جل وعلا ـ.
وروى البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: صنع النبي ﷺ شيئًا فرخص فيه فتنزه عنه قوم فبلغ ذلك النبي ﷺ فخطب فحمد الله ثم قال:: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فو الله إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية" ٣.
هذا الحديث بيّن ما يجب أن يكون عليه العبد المسلم وهو أن يكون على معرفة بالله أولًا: وقبل كل شيء، فإذا عرف الله، واستقرت معرفته في قلبه هنالك يكون من أشد عباد الله خشية منه ومحبة له وإنابة إليه ﷾.
وروى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي" ٤.
وكذلك كان ﷺ أخشى عباد الله على الإطلاق وأعلمهم بما يتقي من الأمور، وقد أكرمه الله بذلك، وهذا الإخبار منه ﷺ تعليمًا للأمة أن تقتدي به ﵊، فالخوف من الله - تعالى - له فضل عظيم عند الله تعالى يورث العبد رحمة الله وعفوه.
روى البخاري من حديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه ذكر
_________________
(١) سورة التوبة آية: ١٨.
(٢) جامع البيان ١٠/٩٤.
(٣) ٤/٦٦.
(٤) ٢/٧٨١.
[ ٢٢٥ ]
رجلًا فيمن سلف، أو فيمن كان قبلكم قال كلمة يعني أعطاه الله مالًا وولدًا فلما حضرت الوفاة قال لبنيه: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب قال: فإنه لم يبتئر، أو لم يبتئز١ عند الله خيرًا وإن يقدر الله عليه يعذبه فانظروا إذا مت فأحرقوني حتى إذا صرت فحمًا فاسحقوني، أو قال فاسحكوني، فإذا كان يوم ريح عاصف فأذروني فيها فقال نبي الله ﷺ فأخذ مواثيقهم على ذلك وربي ففعلوا ثم أذروه في يوم عاصف فقال الله ﷿ كن فإذا هو رجل قائم قال الله أي عبدي ما حملك على أن فعلت ما فعلت؟ قال مخافتك أو فرق منك٢ قال: "فما تلافاه أن رحمه عندها وقال مرة فما تلافاه غيرها"٣.
فهذا الحديث دل على أن العبد إذا أخلص العبادة لله ولم يبتغ بها أحدًا سواه وأخلص الخوف لله - جل وعلا - أورثه ذلك مغفرة الله - تعالى - ورحمته، فعلى الإنسان أن لا يخاف إلا ربه العلي الكبير، أما ما سواه فلا يخاف منه لأنه لا يستطيع أن يضره إلا بإذن الله - تعالى - ولا يقدر على نفعه إلا بما كتبه الله له فالفضل كله عائد إلى الله - تعالى - بداية ونهاية.
وروى الشيخان في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ في قصة خسوف الشمس على عهد الرسول ﷺ حيث صلى بهم صلاة الكسوف ركعتين في كل ركعة ركوعان ثم انصرف إلى الناس وقد انجلت الشمس ووعظهم موعظة بين لهم أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته وأرشدهم أنهم إذا رأوا ذلك دعوا الله تعالى وكبروه وصلوا وتصدقوا.
ثم قال: "يا أمة محمد لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا"٤.
فقد بين لنا الرسول ﷺ أن أمته لو تعلم ما يعلم من عظيم قدرة الله وشدة انتقامه من العصاة الفاسقين لتركوا الضحك، ولما حصل منهم إلا في النادر لشدة غلبة الخوف والحزن الذي يعلو قلوبهم.
_________________
(١) أي لم يدخر.
(٢) الفرق: الخوف.
(٣) صحيح البخاري ٤/٢٩٨.
(٤) صحيح البخاري ١/١٨٥، صحيح مسلم ٢/٦١٨.
[ ٢٢٦ ]
قال صاحب تحفة الأحوذي١: "لو تعلمون ما أعلم" أي: من عقاب الله للعصاة وشدة المناقشة يوم الحساب. لضحكتم جواب لو. "ولبكيتم كثيرًا" أي: بكاء كثيرًا، أو زمانًا كثيرًا أي: من خشية الله ترجيحًا للخوف على الرجاء، وخوفًا من سوء الخاتمة" أ. هـ٢.
وروى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " من خاف أدلج٣ ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة"٤.
هذا الحديث من الأمثلة النبوية التي ضربها الرسول ﷺ لمن يسلك طريق الآخرة إذ الشيطان واقف على طريقه والنفس تمنيه الأماني الكاذبة فإن كان متنبهًا في سيره وأخلص النية في العمل أمنه الله من الشيطان ومكره فطريق الآخرة يحتاج إلى جهد كبير لتحقيق العمل الصالح لأن الجنة ثمنها الأعمال الصالحة قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ ٥.
وروى الترمذي أيضًا من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبت قال: "شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعمَّ يتساءلون وإذا الشمس كورت" قال الترمذي هذا حديث حسن غريب٦.
فهذا الحديث تضمن شدة خوف النبي ﷺ من الله تعالى - فلما تضمنت السور المذكورة في الحديث كثيرًا من أهوال يوم المعاد، وما نزل بالأمم التي خلت من قبل أمة محمد من النوازل أخذت تلك السور من النبي ﷺ مأخذها حتى ظهر فيه الشيب قبل وقته الذي فيه فينبغي لكل مسلم أن لا يخاف إلا الله تعالى الذي بيده أزمة الأمور جميعها، ويسعى في تحقيق عبودية الخوف ويجعلها خالصة لله - تعالى - امتثالًا لأمر الباري - سبحانه ـ
_________________
(١) اسمه محمد بن عبد الرحمن المباركفوري المتوفي سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة.
(٢) ٦/٦٠٣.
(٣) الدلجة: السير أول الليل.
(٤) سنن الترمذي ٤/٥١.
(٥) سورة التوبة آية: ١١١.
(٦) سنن الترمذي ٥/٧٦.
[ ٢٢٧ ]
واقتداءً بنبيه محمد ﷺ ولقد حقق الصحابة عبودية الخوف على أكمل وجه وأتمه فهذا هو الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ﵁ سمع قارئًا يقرأ سورة الطور حتى بلغ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ ١ بكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه ٢.
وهذا عثمان بن عفان ﵁ كان إذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي وتبكي من هذا. فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن القبر أول منزل من منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، فإن لم ينج منه فما بعده أشد منه" ٣.
والمأثور عن الصحابة من هذا كثير يطول تتبعه وقد ذكر العلامة ابن القيم نماذج عنهم ﵃ في تحقيقهم عبودية الخوف في كتابه "الجواب الكافي" ٤ والذي نخلص إليه مما تقدم من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أن الخوف عبادة لله - تعالى - فرضهُ الله تعالى على جميع عباده، فلا يخاف المخلوق من المخلوق خوف السر لأن ذلك لله - وحده لا شريك له - لأنه تعالى هو الذي يملك النفع والضر دون سواه وما دام الأمر كذلك فهو وحده المتعبد بذلك.
_________________
(١) سورة الطور آية: ٧.
(٢) تفسير ابن كثير ٦/٤٣٠.
(٣) سنن الترمذي ٣/٣٧٩.
(٤) انظر ص٤٣. وما بعدها.
[ ٢٢٨ ]
المبحث السادس: عبودية الرجاء
قبل أن نذكر ما يدل على عبودية الرجاء من السورة نذكر تعريفه أولًا في اللغة والاصطلاح ليفهم معنى الرجاء الذي تعبد الله به عباده والذي لا يجوز صرفه لغير الله تعالى.
فأما تعريفه في اللغة:
فقد جاء في الصحاح: الرجاء من الأمل ممدود يقال: رجوت فلانًا رجوًا ورجاءًا ورجاوة وقد يكون الرجو والرجاء بمعنى الخوف قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا﴾ ١ أي تخافون عظمة الله٢.
وجاء في القاموس: "الرجاء ضد اليأس" أ. هـ٣.
وجاء في النهاية لابن الأثير: "الرجاء بمعنى التوقع والأمل"٤.
وقال في المصباح المنير: "الرجاء بالمد ورجيته أرجيه من باب رمى لغة ويستعمل بمعنى الخوف لأن الراجي يخاف أنه لا يدرك ما يترجاه"٥.
وأما تعريفه في الاصطلاح:
فقد قال العلامة ابن القيم: "الرجاء حادٍ يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب وهو الله والدار الآخرة ويطيب لها السير.
_________________
(١) سورة نوح آية: ١٣.
(٢) الصحاح ٦/٢٣٥٢.
(٣) ٤/٣٣٤.
(٤) ٢/٢٠٧.
(٥) ١/٢٢١.
[ ٢٢٩ ]
وقيل هو الاستبشار بجود وفضل الرب ﵎ والارتياح لمطالعة كرمه - سبحانه ـ.
وقيل: هو الثقة بجود الرب - تعالى ـ١.
وقال الجرجاني: "الرجاء في اللغة: الأمل وفي الاصطلاح تعلق القلب بحصول محبوب في المستقبل"أ. هـ٢.
والذي نستفيده من تعريف الرجاء في اللغة والاصطلاح أن الرجاء هو الأمل في الخير وترقب حصوله وانتظاره ممن يملكه ويقدر على تحقيقه لمن أمله فيه ورجاه منه، ولا يكون ذلك إلا من الله - جل وعلا - فعلى العبد أن يجعل قلبه معلقًا بالله خوفًا ورجاءًا فلا يرجو إلا الله - تعالى - وحده لا شريك له، ولا يجوز للإنسان أن يرجو سواه فيما لا يقدر عليه إلا هو ﷾ كما يفعله الذين ينادون الأموات، أو غيرهم رجاء حصول مطالبهم من جهتهم لأن هذا شرك أكبر إذ الرجاء نوع من أنواع العبادات التي لا يستحقها إلا الله - جلا وعلا - فلا رجاء إلا في الله - تعالى - وقد دلت سورة "الزمر" على أن الرجاء عبادة، وأنه حق من حقوق الله - تعالى - على خلقه في آية واحدة منها قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ .
هذه الآية من السورة فيها مقابلة بين العامل بطاعة الله وغيره وبين العالم والجاهل، وهذه الأمور متقرر في العقول تباينها وتفاوتها، فليس المعرض عن طاعة الله والذي يتبع هواه كمن هو مطيع بأفضل العبادات، وهي الصلاة في أفضل الأوقات وهو الليل فوصفه بكثرة العمل وأفضله، ثم وصفه بالخوف والرجاء وذكر - تعالى - أن متعلق الخوف عذاب الآخرة على ما سلف من الذنوب، وأن متعلق الرجاء رحمة الله، فوصفه بالعمل الظاهر والباطن، فعلى العبد أن يكون في عبادته خائفًا من عقاب الله راجيًا لرحمته، ولا بد من الجمع بين الخوف والرجاء في العبادة، وفي الآية رد على من ذم العبادة خوفًا من النار أو رجاء الجنة.
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/٣٥.
(٢) كتاب التعريفات ص١٠١.
[ ٢٣٠ ]
روى ابن ماجة من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لرجل: "ما تقول في الصلاة؟ " قال: أتشهد ثم أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، أما والله ما أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ فقال: "حولها ندندن" ١.
فبين لنا ﷺ أن نعبد الله - تعالى - خوفًا من عقابه وطمعًا في رحمته، وقال عبد الله بن عباس ﵄: "من أحب أن يهون الله عليه الوقوف يوم القيامة فليره الله في ظلمة الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه" ٢.
ثم إن القانت في الآية ذكر القرطبي في معناه أربعة أقوال:
قيل: إن القانت هو المطيع.
وقيل: هو الخاشع في صلاته.
وقيل: هو القائم في صلاته.
وقيل: "هو الداعي لربه، وكلها تدخل تحت القول الأول لأنه أعم وأجمع"٣.
والقنوت ينقسم إلى خاص، وعام، والسجود كذلك.
والآية التي معنا في هذا المبحث وهي قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا ﴾ الآية المراد بالقنوت فيها القنوت الخاص، ومثل هذه الآية قوله تعالى في حق مريم: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ ٤.
وأما القنوت العام: فكقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ٥ أي: خاضعون أذلاء.
وأما السجود الخاص فكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ ٦.
_________________
(١) سنن ابن ماجة ١/٢٩٥.
(٢) تفسير القرطبي ١٥/٢٣٩.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٣٩.
(٤) سورة التحريم آية: ١٢.
(٥) سورة الروم آية: ٢٦.
(٦) سورة الأعراف آية: ٢٠٦.
[ ٢٣١ ]
وأما السجود العام فكقوله تعالى: ﴿وَللهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ ١.
فهذا السجود هنا سجود عام لكل مخلوق طوعًا وكرهًا وهو أعم من السجود الذي ذكره الله في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ والشَّجًرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ ٢. فهذه الآية خص فيها بالسجود كثيرًا من الناس وعمهم بالسجود في قوله: ﴿وَلله يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ﴾ ٣.
وهذا السجود هو سجود الذل والقهر والخضوع فكل أحد خاضع لربوبيته - تعالى - ذليل لعزته مقهور تحت سلطانه - تعالى ـ٤.
وأما قوله تعالى في تمام الآية: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ .
بين الله في هذا الجزء من الآية أنه لا يستوي عنده من وحده وأخلص له العبودية ومن جعل لله الأنداد وأشرك بالله غيره ولم يخلص له العبادة.
قال ابن كثير: "أي: هل يستوي هذا والذي قبله ممن جعل لله أندادًا ليضل عن سبيله. ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ أي: إنما يعلم الفرق بين هذا وهذا من له لب وهو العقل" أ. هـ٥. فأولو الألباب أهل العقول السليمة هم الذين يدركون الفرق بين مكانة الموحد الطائع لربه آناء الليل، وآناء النهار ومكانة المشرك بالله العاصي لخالقه، فالعابد لله الذي أفرد الله بجميع أنواع العبادات كريم عند الله - تعالى ـ، وأما من جعل له الأشباه والنظائر فهو مهين عنده - سبحانه - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ ٦.
_________________
(١) سورة الرعد آية: ١٥.
(٢) سورة الحج آية: ١٨.
(٣) سورة النحل آية: ٤٩.
(٤) مدارج السالكين ١/١٠٦ - ١٠٧.
(٥) تفسير ابن كثير ٦/٨٢ - ٨٣.
(٦) سورة الحج آية: ١٨.
[ ٢٣٢ ]
وبعد هذا الإستطراد اليسير الذي لا يخلو من الفائدة نرجع إلى عبودية الرجاء فنقول: إن مما ينبغي لكل إنسان أن تكون حياته بين الخوف والرجاء يخاف عقاب الله ويرجو رحمته. روى ابن جرير بإسناده إلى ابن عباس ﵄ في قوله ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ قال: "يحذر عقاب الآخرة ويرجو أن يرحمه الله فيدخله الجنة" ١. واختلف العلماء في أيهما يكون الغالب على العبد؟
فقيل: إن العبد إذا كان صحيحًا يستحب أن يغلِّب عليه جانب الخوف وإن كان في حالة المرض يغلِّب جانب الرجاء.
وقال قوم: يستحب الإقتصار على الرجاء عند الإشراف على الموت لما يتضمنه الرجاء من الإفتقار إلى الله تعالى ولأن المحذور من ترك الخوف قد تعذر فيتعين حسن الظن بالله برجاء عفوه ومغفرته واستدلوا بحديث: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله" ٢.
وقالت طائفة ثالثة: لا يهمل جانب الخوف أصلًا بحيث يجزم بأنه آمن، واستدلوا بحديث أنس عند الترمذي أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت فقال له: "كيف تجدك؟ " فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي فقال رسول الله ﷺ: "لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف" قال الترمذي: هذا حديث غريب. وقد روى بعضهم هذا الحديث عن ثابت عن النبي ﷺ مرسلًا٣ قال الحافظ بعد أن أورد هذا الحديث: "ولعل البخاري أشار إليه في الترجمة ولما لم يوافق شرطه أورد ما يؤخذ منه وإن لم يكن مساويًا له في التصريح بالمقصود"٤.
ولقد حث الله - تعالى - عباده في مواضع كثيرة في كتابه على أن يتعبدوه بالرجاء وحده
_________________
(١) جامع البيان ٢٣/٢٠٢.
(٢) رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ٤/٢٢٠٦.
(٣) سنن الترمذي ٢/٢٢٧.
(٤) فتح الباري ١١/٣٠١، تفسير ابن كثير ٦/٨٢.
[ ٢٣٣ ]
لا شريك له قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ ١ ففي هذه الآية إشارة على أن التأسي بالرسول ﷺ قولًا وعملًا وحالًا مما يعين على تحقيق عبودية الرجاء وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٢.
وهذه الآية توضح لنا أن العبد إذا كان يرجو لقاء الله صادقًا مخلصًا في ذلك فإن عاقبة ذلك ونتيجة يؤدي به إلى إصلاح عمله.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾، أي ثوابه وجزاءه الصالح اهـ٣. وإضافة إلى قول ابن كثير أقول إن الآية فيها إشارة قاطعة إلى أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل ورجاء العبد لقاء ربه الذي خلقه هو من أفضل ما يرجوه العبد المؤمن ويأمله قال العلامة ابن القيم: "وهذا الرجاء هو محض الإيمان وزبدته وإليه شخصت أبصار المشتاقين ولذلك سلاهم الله بإتيان أجل لقائه وضرب لهم أجلًا يسكن نفوسهم ويطمئنها٤" اهـ. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥ وهذه الآية بينت أن من صفات المؤمنين أنهم يرجون رحمة الله بمعنى أنهم يطمعون في رحمة الله ويرجون أن يدخلهم الجنة برحمته إياهم وفضله عليهم.
قال قتادة رحمه الله تعالى: "أثنى الله على أصحاب نبيه محمد ﷺ أحسن الثناء فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هؤلاء خيار هذه الأمة ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون وأنه من رجا طلب ومن خاف هرب" اهـ٦.
_________________
(١) سورة الأحزاب آية: ٢١.
(٢) سورة الكهف آية: ١١٠.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٤/٤٣٢.
(٤) مدارج السالكين ٢/٥٤.
(٥) سورة البقرة آية: ٢١٨.
(٦) انظر جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٢/٣٥٦.
[ ٢٣٤ ]
وقد أخبرنا العليم الخبير بأن خواص عباده الذين كان أهل الشرك يزعمون أنهم ما كانوا يعبدونهم إلا رجاء أن يقربوهم إلى الله زلفى أنهم كانوا من أشد الناس تحقيقًا لعبودية الرجاء وعبودية الخوف قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ١.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "يقول تعالى: هؤلاء الذين تدعونهم من دوني هم عبادي، يتقربون إلي بطاعتي ويرجون رحمتي ويخافون عذابي فلماذا تدعونه من دوني؟ فأثنى عليهم بأفضل أحوالهم ومقاماتهم من الحب والخوف والرجاء. اهـ٢.
واختلف المفسرون في هؤلاء المدعوين:
فقيل: إنهم نفر من الجن كان يعبدهم نفر من الإنس فأسلم النفر من الجن وتمسك الإنسيون بعبادتهم فأنزل الله الآية.
وقيل: إنهم صنف من الملائكة يقال لهم الجن، كان قبائل من العرب يعبدونهم ويقولون لهم بنات الله.
وقيل: إن المراد بهؤلاء المدعوين الملائكة والمسيح وعزير كان المشركون يعبدونهم٣ قال شيخ الإسلام بعد ذكره الآية السابقة: قال طائفة من السلف كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء كالعزير والمسيح فبين الله تعالى أن الملائكة والأنبياء عباد الله كما أن الذين يعبدونهم عباد الله وبين أنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه ويتقربون إليه كما يفعل سائر عباده الصالحين. اهـ٤.
فالذي يتضح لنا من هذا أن المشركين كانوا في واد والذين يدعونهم في واد آخر حيث إن المدعوين كانوا مشتغلين بأنفسهم متجهين إلى ربهم يدعونه خوفًا من عذابه ورجاء رحمته.
_________________
(١) سورة الإسراء آية: ٥٦ - ٥٧.
(٢) مدارج السالكين ٢/٤٢.
(٣) الدر المنثور للسيوطي ٥/٣٠٥.
(٤) مجموع الفتاوى ١/١٥٨.
[ ٢٣٥ ]
والمشركون زين لهم الشيطان توجيه حق الله من الدعاء والرجاء وطلب الشفاعة لأولئك الصالحين بشبهة أنهم يقربونهم إلى الله زلفى ولم يشعروا لفرط جهلهم أنهم يزدادون بعدًا عن الله بعمله ذلك، وهذا المزلق الذي كان سببًا في شرك المشركين الأولين وقع فيه الكثير من جهلة المسلمين اليوم فإنهم يرجون من يسمونهم بالأولياء كما يرجون الله ويدعونهم كما يدعون الله تعالى في الشدة والرخاء بل ويخافونهم كما يخافون الله تعالى وصرفوا لهم من التعظيم الذي لا يكون إلا لله الشيء الذي يجعل العاقل حيران فإنه وصل بهم الغلو في الصالحين إلى حد أنهم عبدوهم مع الله جل وعلا، بدعوى أنهم يحبونهم ويقدرونهم، ولقد انتشرت الأضرحة في أكثر البلدان الإسلامية والذي يصل إلى هذه البلدان يرى الجم الغفير من المسلمين عاكفين حول تلك القبور والأضرحة زاعمين أنهم يلتمسون البركة من أصحابها وأحيانًا يصل بهم هذا التبرك إلى أنهم يطوفون بها وبعض الجهلة يسجد على عتبة الضريح والمصيبة كل المصيبة أنه يوجد حول تلك الأضرحة بعض الأشخاص من شياطين الإنس الذين يزينون للوافدين ذلك العمل من الطواف والسجود والتبرك الذي لا يجوز صرفه لغير الله.
ويقولون للوافدين هذا ليس من الشرك في شيء وإنما هو من باب محبة الصالحين أو التوسل بهم.
وهذا الأمر الحاصل بين صفوف المسلمين له خطره العظيم في إيقاع العامة من عباد الله في عبادة غير الله بحيث جعلوا الأولياء أندادًا لله وشركاء له في صرف العبادة لهم باسم التبرك والمحبة وهذا بعينه بريد الشرك وإعادة الوثنية التي كانت شائعة في القوم الذي بعث الله فيهم رسله عليهم الصلاة والسلام لتطهير أنفسهم من عبادة غير الله وخلع الأوثان التي كانت تعبد من دون الله.
وقد يتبادر إلى ذهن بعض البسطاء من هذا أننا نكره الأولياء والصالحين ونؤذيهم ونستخف بهم، حاشا وكلا ليس ذلك فينا بل إننا نحبهم في الله ونواليهم فيه ونطلب منهم الدعاء في حال الحياة لا بعد الممات وحال الغياب، وذلك ما يسمى بالتوسل بدعاء أهل الصلاح ويجب أن يفهم عنا أننا نفرق بين محبتهم في الله ومحبتهم مع الله، فمحبتهم في الله من الأعمال الصالحة ومحبتهم مع الله هو الشرك الذي وقع فيه كفار قريش قال تعالى:
[ ٢٣٦ ]
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ ١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فمن أحب مخلوقًا مثل ما يحب الله فهو مشرك ويجب الفرق بين الحب في الله والحب مع الله"اهـ٢.
ولنعد إلى موضوع الرجاء فنقول: إن الواجب على العبد أن يكون رجاؤه في الله تعالى لا في غيره فيرجو لقاء الله بصدق وإخلاص قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٣ فهذه الآية فيها حث الإنسان على أن يكون راجيًا في ثواب المصير إلى الله تعالى فالرجاء سبب من الأسباب التي ينال بها العبد ما عند الله من مغفرة ذنوبه وهدايته وتوفيقه وإعانته على طاعته ودخوله الجنة ونجاته من النار فالرجاء هو قطب الرحى الذي يدور عليه صلاح العبادة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "ولولا روح الرجاء لعطلت عبودية القلب والجوارح وهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا، بل لولا روح الرجاء لما تحركت الجوارح بالطاعة، ولولا ريحه الطيبة لما جرت سفن الأعمال في بحر الإرادات" أ. هـ٤.
ولا يقال أن الرجاء اعتراض من العبد على ما سبق به حكم الله فليس الأمر كذلك بل إنما هو تعلق بما سبق به الحكم فإن العبد إنما يرجو فضلًا وإحسانًا ورحمة سبق بها القضاء والقدر وجعل الرجاء أسباب حصولها فليس الرجاء اعتراضًا على القدر بل هو طلب لما سبق به قدر الله٥.
وقد ذم الله الكافرين الذين لا يرجون لقاءه ورضوا بالحياة الزائلة واطمأنوا إليها فقد
_________________
(١) سورة البقرة آية: ١٦٥.
(٢) مجموع الفتاوى ١٥/٤٩.
(٣) سورة العنكبوت آية: ٥.
(٤) مدارج السالكين ٢/٤٢.
(٥) مدارج السالكين ٢/٤٦.
[ ٢٣٧ ]
حكم لهم بأن مأواهم النار قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ١.
والآيات في عبودية الرجاء كثيرة ونكتفي منها بما قدمنا ذكره ولنذكر بعض ما ورد من السنة في هذا المعنى ليكتمل هذا المبحث إذ السنة دلت على عبودية الرجاء كما دل على ذلك القرآن فقد ورد عن النبي ﷺ الشيء الكثير في هذا الجانب.
روى البخاري في صحيحه بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم " الحديث٢.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قوله: "يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي" أي قادر على أن أعمل به ما ظن أني عامل به، وقال الكرماني: وفي السياق إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء على الخوف وكأنه أخذه من جهة التسوية فإن العاقل إذا سمع ذلك لا يعدل إلى ظن إيقاع الوعيد وهو جانب الخوف لأنه لا يختاره لنفسه بل يعدل إلى ظن وقوع الوعد وهو جانب الرجاء وهو كما قال أهل التحقيق مقيد بالمحتضر" ا. هـ٣.
وروى البخاري أيضًا في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة. وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة ولو يعلم المسلم بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار" ٤.
فهذا الحديث دل على أنه يستحب للعبد أن يجمع بين الخوف والرجاء ولا ينبغي له أن يغلِّب أحدهما على الآخر فإنه لو غلب جانب الرجاء وانهمك في العصيان لربه فإن ذلك قد يؤدي به إلى أن يمكر الله به وإذا غلب عليه جانب الخوف ربما جره ذلك إلى اليأس. والغرض من الرجاء أن الإنسان لو وقع في تقصير فعليه أن يحسن الظن بالله تعالى ويرجو
_________________
(١) سورة يونس آية: ٧، ٨.
(٢) صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٣٨٤، وانظر صحيح مسلم ٤/٢٠٦١.
(٣) الفتح ١٣/٣٨٥.
(٤) صحيح البخاري مع الفتح ١١/٣٠١، وانظر صحيح مسلم ٤/٢١٠٩.
[ ٢٣٨ ]
منه أن يمحو عنه الذنب وكذلك إذا وفقه الله للإتيان بالطاعة يرجو من الله أن يقبلها منه. أما أن يقع في معصية الله ويرجو عدم المؤاخذة بدون أن يندم على فعلها أو يقلع فهذا مصاب بالغرور. قال أبو عثمان الجيزي: "من علامة السعادة أن تطيع وتخاف أن لا تقبل ومن علامة الشقاء أن تعصي وترجو أن تنجو"١.
ومن الأحاديث الدالة على عبودية الرجاء الحديث القدسي الذي رواه الترمذي في سننه من حديث أنس بن مالك قال: سمعت النبي ﷺ يقول قال الله ﵎: "يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي" ٢.
روى مسلم في صحيحه بإسناده إلى جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ﷿" ٣.
ومما جاء في دعاء المكروب عند أبي داود من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "دعوات المكروب اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت" ٤.
والذي نخلص إليه من الآيات والأحاديث المتقدمة أن الرجاء عبادة قلبية لا تكون إلا لله ﷿ ويحرم على الإنسان أن يرجو سوى الله تعالى أيًا كان فيما هو من خصائص الألوهية لأن ذلك من حق الله على خلقه فعلى العبد أن يرجو ربه طمعًا في رحمته وخوفًا من عقابه.
ولا يلتفت إلى قول بعض الصوفية كالهروي بأن الرجاء وقوع في الرعونة٥ فهذا يعتبر من شطحات القوم لأنه لا رعونة فيمن يتجه إلى الله يرجوه ويطمع في بره وإحسانه وفضله ويسأل ذلك من ربه بقلبه ولسانه فإن الرجاء استشراق القلب لنيل ما يرجوه فإذا كان حال العبد على هذا فلا رعونة ههنا وإنما الرعونة في خلاف ذلك
_________________
(١) الفتح ١١/٣٠١.
(٢) ٥/٢٠٩.
(٣) ٤/٢٢٠٩.
(٤) السنن ٢/٦١٨.
(٥) انظر منازل السائرين مع شرحه مدارج السالكين ٢/٣٧.
[ ٢٣٩ ]
قال العلامة ابن القيم: "وهل الرعونة كل الرعونة إلا دعواه؛ أنه يحب ربه لعذابه لا لثوابه، وأنه إذا أحبه وأطاعه للثواب كان ذلك حظًا وإيثارًا لمراد النفس بخلاف ما إذا أحبه وأطاعه ليعذبه. فإنه لا حظ للنفس في ذلك، فو الله ليس في أنواع الرعونة والحماقة أقبح من هذا ولا أسمج، وماذا يلعب الشيطان بالنفوس؟ وإن نفسًا وصل بها تلبيس الشيطان إلى هذه الحالة المحتاجة إلى سؤال المعافاة" اهـ١.
والناظر إلى حال المتصوفة الذين غلب عليهم الهوى يجد الفرق الشاسع بين طريقتهم وطريق الأنبياء والرسل ويجد أنهم مخالفون لمنهج خاتم الأنبياء والمرسلين ﵊ فالرسول ﷺ كان من دعائه: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" ٢.
وقد سأل أبو بكر الصديق ﵁ النبي ﷺ أن يعلِّمه دعاء يدعو به في الصلاة فقال "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت. فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم"٣.
وقد سألت أم المؤمنين عائشة ﵂ النبي ﷺ أن يعلِّمها دعاء تدعو به إن هي وافقت ليلة القدر فقال لها: "قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني" قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح٤.
وقد أخبرنا ﷾ بأن أولي الألباب الذين هم أولياؤه وخاصته سألوه أن يقيهم عذاب النار فقال تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾ ٥.
فأين هذا من حال من يقول إنه لا يحب الله من أجل ثوابه لأنه عين حظه وإنما يحبه لعقابه. لأنه لا حظ له فيه. ويزعم أن الرجاء عين حظه فهذا يدل على فساد العقل واتباع الهوى.
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/٤٧ - ٤٨.
(٢) الحديث رواه مسلم في صحيحه من حديث عائشة ١/٣٥٢.
(٣) صحيح البخاري مع الفتح ٢/٣١٧، صحيح مسلم ٤/٢٠٧٨.
(٤) سنن الترمذي ٥/١٩٥.
(٥) سورة آل عمران آية: ١٩١.
[ ٢٤٠ ]
وهؤلاء الصوفية قد يخطر على بال أحدهم أن الله لو عذبه لرضي بذلك العذاب كما يرضى صاحب الثواب بثوابه. ويعزم على ذلك بقلبه ولكن هذا من أماني الشيطان الخادعة إذ عند حصول الحقيقة لا يكون لتلك الأمنية أثر ألبتة ولو امتحن الله أحدهم بأدنى محنة لصاح واستغاث وجأر إلى الله أن يعافيه من ذلك، وقد ذكر ابن القيم أن رجلًا يقال له سمنون كان يقول:
وليس لي من هواك بد فكيف ما شئت فامتحني
فامتحنه الله بعسر البول فضاعت هذه الدعوى عنه واضمحلت وجعل يطوف على الصبيان في المكاتب ويقول: ادعوا لعمك الكذاب. فالعزم على الرضى لون وحقيقته لون آخر"١.
فعلى العبد المسلم أن يلح على ربه ويرجوه ويستسلم لله في ذلك ويحذر من تلاعب الشيطان به فيؤدي به ذلك إلى ترك الرجاء وإذا وقع في ذلك لم تكتمل عبوديته لربه ﷾ وكلما قوي تعلق العبد برجائه ربِّه وخوفه منه كثر فرحه يوم القيامة بحصول مرجوه فينبغي للعبد أن يكون خائفًا راجيًا لأن الخوف مستلزم للرجاء والرجاء متضمن للخوف فكل راج خائف وكل خائف راج ولذلك جاء الرجاء في موضع يصلح فيه وقوع الخوف في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا﴾ ٢ قال الشوكاني٣ رحمه الله تعالى: "أي: أيُّ عذر لكم في ترك الرجاء والرجاء هنا بمعنى الخوف أي ما لكم لا تخافون الله" أ. هـ٤.
وقبل أن نختم هذا المبحث نقول: إنه ينبغي لكل مكلف أن يمضي حياته بين الخوف والرجاء ولا يفرط في الرجاء حتى يصير مع المرجئة الذين يقولون لا يضر مع الإيمان
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/٤٩ - ٥٠ بتصرف يسير.
(٢) سورة نوح آية: ١٣.
(٣) هو: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني: فقيه، مجتهد من كبار علماء اليمن من أهل صنعاء، ولد بهجرة شوكان "من بلاد خولان باليمن" ونشأ بصنعاء وولي قضاءها، ومات حاكمًا بها. ولد سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف وتوفي سنة خمسين ومائتين وألف هجرية. انظر ترجمته في "كتاب البدر الطالع ٢/٢١٤ - ٢٢٥، نيل الوطر من تراجم رجال اليمن في القرن الثالث عشر ٢/٢٩٧، جلاء العينين ص٤٦".
(٤) فتح القدير ٥/٤٩٨.
[ ٢٤١ ]
شيء ولا يوغل في الخوف حتى يكون في صف الخوارج والمعتزلة الذين قالوا إن صاحب الكبيرة مخلد في النار إذا مات ولم يتب بل عليه أن يلزم الطريق الوسط بينهما كما قال ﷿ ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ١ والذي يمعن النظر في دين الإسلام يجد قواعده أصولًا وفروعًا كلها في جانب الوسط وبالله التوفيق وهو المستعان.
_________________
(١) سورة الإسراء آية: ٥٧.
[ ٢٤٢ ]
المبحث السابع: انقسام العبودية إلى عامة وخاصة
لقد جاء في السورة ذكر العبودية العامة، والخاصة في عدة آيات منها:
فالعبودية العامة:
هي عبودية أهل السموات والأرض جميعهم عبيده - تعالى - برهم، وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم وهذه العبودية هي عبودية القهر والملك وهذه العبودية أشار إليها الله في السورة بقوله - تعالى - ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ .
وقوله - تعالى - ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ الآية.
فلفظ "العباد" في هاتين الآيتين يتناول العبودية العامة والخاصة مثل قوله - تعالى - ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ١. فهذه يدخل فيها كل عباده مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم.
العبودية الخاصة:
وأما العبودية الخاصة فهي عبودية الطاعة والمحبة واتباع الأوامر والبعد عن النواهي وقد جاء في السورة في عدة آيات قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ فالعبودية المذكورة في هذه الآيات هي
_________________
(١) سورة مريم آية: ٩٣.
[ ٢٤٣ ]
عبودية أهل طاعته وولايته وهم عبيد إلهيته الذين أخلصوا له كل أنواع العبادة فلم يصرفوا منها شيئًا لسواه قط.
ولا يجيء في القرآن إضافة العباد إليه على سبيل الإطلاق إلا لهؤلاء.
وأما وصف عبيد الربوبية فلا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه:
الوجه الأول: أن يأتي منكرًا مثل قوله - تعالى ـ: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ١
الوجه الثاني: أن يكون معرَّفًا باللام كقوله - تعالى ـ: ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ ٢.
الوجه الثالث: أن يكون مقيدًا بالإشارة كقوله - تعالى ـ: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ﴾ ٣.
الوجه الرابع: أن يذكروا في عموم العباد فيندر جوامع أهل طاعته في الذكر كقوله - تعالى ـ: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ .
الوجه الخامس: أن يذكروا موصوفين بفعلهم كقوله تعالى - تعالى ـ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ .
هذه الآية من السورة قد يقال فيها:
إنما سماهم الله "عباده" إذ لم يقنطوا من رحمته وأنابوا إليه بالطاعة واتبعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربهم، فيكونون من عبيد الإلهية والطاعة والسر في انقسام العبودية إلى عامة وخاصة لأن أصل معنى اللفظة "الذل والخضوع" يقال "طريق معبَّد" إذا كان مذللًا بوطء الأقدام و"فلان عبَّده الحب" إذ ذلَّلَه لكن أولياء الله خضعوا له وذلوا طوعًا واختيارًا، وانقيادًا لأمره ونهيه، وأما أعداؤه فخضوعهم له إنما كان قهرًا ورغمًا٤.
_________________
(١) سورة مريم آية: ٩٣.
(٢) سورة غافر آية: ٣٢.
(٣) سورة الفرقان آية: ١٧.
(٤) مدارج السالكين ١/١٠٥ - ١٠٦، العبودية لشيخ الإسلام ص٤٧، ٥١.
[ ٢٤٤ ]
وتحقيق العبودية هو الكمال ولقد كان للأنبياء عليهم الصلاة والسلام النصيب الأوفر من ذلك وكلما كان الإنسان أكثر تحقيقًا للعبودية لله تعالى كلما كان أكثر رقيًا في سلم الكمال الإنساني، وكلما ابتعد عن تحقيق العبودية كلما هبط وانحدر. والرسل حازوا قصب السبق في هذا الميدان فقد كانت حياتهم انطلاقة جادة في تحقيق هذه العبودية. وهذا خاتم الرسل وسيد الأولين والآخرين يثني عليه ربه في أشرف المقامات بالعبودية فيصفه بها في مقام الوحي.
قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ١ وأثنى عليه بها في مقام إنزال الكتاب ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ٢.
وأثنى عليه بها في مقام الإسراء قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ ٣.
وبهذه العبودية التامة استحق ﵊ التقديم على الناس في الدنيا والآخرة ولذلك يقول عيسى ﵇ للناس إذا طلبوا منه الشفاعة بعد طلبها من الرسل من قبله يقول: "ائتوا محمدًا عبدًا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" ٤ فالسعادة كل السعادة في أن يتحلى الإنسان بتحقيق العبودية الخاصة فيدين لله بالطاعة، والمحبة وامتثال الأوامر والاجتناب عن النواهي.
_________________
(١) سورة النجم آية: ١٠.
(٢) سورة الفرقان آية: ١.
(٣) سورة الإسراء آية: ١.
(٤) رواه البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ ٤/٢٧٩.
[ ٢٤٥ ]
المبحث الثامن: الإسلام دين جميع الأنبياء والرسل
الإسلام هو: "الإستسلام لله بالتوحيد والإنقياد له بالطاعة وإخلاص العمل من شوائب الشرك"١.
ولقد جاء في سورة "الزمر" الأمر للرسول ﷺ بأن يكون أول المسلمين من هذه الأمة، وجاء الأمر فيها أيضًا: لجميع عباد الله بأن يلتزموا بدين الإسلام على وجه العموم.
قال تعالى في حق نبيه: ﴿وَأُمِرْتُ لأنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ .
وقال تعالى في حق عباده عمومًا آمرًا لهم بالإلتزام بدين الإسلام: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ ففي الآية الأولى: أمر الله - جل وعلا - نبيه بأن يكون أول المنقادين.
قال العلامة ابن كثير: ﴿وَأُمِرْتُ لأنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال السدي: يعني من أمته صلى الله عليه وسلم٢.
وقال الشوكاني حول هذه الآية: ﴿وَأُمِرْتُ لأنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: من هذه الأمة، وكذلك كان ﷺ فإنه أول من خالف دين آبائه ودعا إلى التوحيد٣.
وأما الآية الثانية: فهي أمر لجميع العباد بأن يلتزموا بدين الإسلام، وإن لم يفعلوا ذلك فسيحل بهم العذاب على كفرهم به، ولا ينصرهم ناصر يسرع لإنقاذهم من عذاب الله النازل بهم فقوله تعالى: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أمر لجميع العباد بالخضوع لله - تعالى - بالطاعة
_________________
(١) انظر عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص١٧، الأصول الثلاثة ص١٠.
(٢) تفسير ابن كثير ٦/٨٣.
(٣) فتح القدير ٤/٤٥٤.
[ ٢٤٦ ]
والإقرار بدينه الحنيف والإلتزام بالإسلام الذي هو دين الأولين والآخرين، وإذا كان الرسول ﷺ أمر بأن يكون أول الموحدين والمنقادين لله بالوحدانية التي لا تشوبها أية شائبة من الإشراك فغيره يتوجه إليه الخطاب من باب أولى فيجب على كل مكلف أن يعرف دينه الذي لا فلاح له إلا به، ويكون داعيًا إليه. اقتداءً بالرسول ﷺ وبجميع الرسل قبله.
فالإسلام هو دين جميع الأنبياء والمرسلين كما صرح بذلك القرآن والسنة قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلام﴾ ١. قال العلامة ابن القيم: يعني الذي جاء به محمد وهو دين الأنبياء من أولهم إلى آخرهم ليس لله دين سواه ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢ وقد دل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلام﴾ على أنه دين جميع أنبيائه ورسله وأتباعهم من أولهم إلى آخرهم وأنه لم يكن لله قط دين سواه. أ. هـ٣.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "كان الأنبياء جميعهم مبعوثين بدين الإسلام فهو الدين الذي لا يقبل الله غيره لا من الأولين ولا من الآخرين"٤. فمهما تدين متدين، أو تعبد متعبد على غير نهج الإسلام فعمله مردود وليس له من ذلك العمل شيء سوى العناء والتعب والشقاء وعمله ليس بمقبول كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ ٥.
فاليهود والنصارى وغيرهم من الكافرين إذا تعبدوا وتدينوا بغير دين الإسلام فعبادتهم وديانتهم مردودة عليهم لأن الله لا يقبل دينًا غير دين الإسلام.
كما تقدم في الآية: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ .
ويدخل في هذا العموم كل من يبتدع في عمله وعبادته بدعة لا أصل لها في الإسلام
_________________
(١) سورة آل عمران آية: ١٩.
(٢) سورة آل عمران آية: ٨٥.
(٣) مدارج السالكين ٣/٤٧٦.
(٤) العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية ص١١٥ - ١١٦ ط. المكتب الإسلامي.
(٥) سورة الفرقان آية: ٢٣.
[ ٢٤٧ ]
لقوله ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ١ فالإسلام دين جميع الأنبياء وجميع الأمم فمن الأمم من آمن ومنهم من كفر وقد أخبرنا الله تعالى أن رسله الكرام عملوا بدين الإسلام ودعوا إليه أممهم فدين الإسلام اشتمل على العقائد والأحكام والعبادات والشيء المهم في دين الإسلام هو توحيد الله وإفراده بالعبودية، وهذا يتضمن إبطال كل عبادة لغير الله. والعبادة أنواع منها الدعاء والرجاء والتوكل والنذر والذبح فمن صرف منها شيئًا لغير الله فقد كفر وأشرك مع الله غيره.
وقد بين الله - تعالى - أن جميع الأنبياء دعوا أممهم إلى الإسلام فقد قال نوح ﵊ فيما حكاه الله عنه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢.
وقد ذكر الله تعالى في حق إبراهيم ﵊: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٣.
أما يوسف ﵇ فإنه قد دعا الله تعالى أن يتوفاه مسلمًا وأن يلحقه بالصالحين قال تعالى حكاية عنه: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ٤.
وكليم الله موسى وجه قومه إلى الإيمان بالله والتوكل عليه وإسلام الوجه له ﷾ قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ٥.
وأما سليمان عليه من الله الصلاة والسلام فإنه دعا بلقيس إلى الإسلام قال تعالى:
_________________
(١) رواه مسلم من حديث عائشة ﵂ ٣/١٣٤٣.
(٢) سورة يونس آية: ٧٢.
(٣) سورة البقرة آية: ١٣٠، ١٣١، ١٣٢.
(٤) سورة يوسف آية: ١٠١.
(٥) سورة يونس آية: ٨٤.
[ ٢٤٨ ]
﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ١ وفي العصور القديمة بعض أهل الكتاب - وهم اليهود والنصارى كانوا يدينون بدين الإسلام ـ.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ٢.
وقالت بلقيس: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣.
وحكى الله عن روح الله عيسى ابن مريم والحواريين أن دينهم الإسلام قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٤.
وحكى الله عن سحرة فرعون أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ ٥.
وقال تعالى عن سيد ولد آدم عليه من الله الصلاة والسلام أنه قال: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٦ فهذه الآيات التي سقناها تبين أن جميع المرسلين وجميع من امتثل أمر رب العالمين دينهم هو الإسلام وهو عبادة الله وحده لا شريك له.
وقد بين ﷺ أن أصل دين الأنبياء واحد وهو التوحيد وإن اختلفوا في فروع الشرائع.
فقد روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة والأنبياء إخوة لعلات ٧ أمهاتهم شتى ودينهم واحد" ٨.
_________________
(١) سورة النمل آية: ٣٠، ٣١.
(٢) سورة القصص آية: ٥٢، ٥٣.
(٣) سورة النمل آية: ٤٤.
(٤) سورة آل عمران آية: ٥٢.
(٥) سورة الأعراف آية: ١٢٦.
(٦) سورة غافر آية: ٦٦.
(٧) العلات: بفتح المهملة: الضرائر، وأصله من تزوج امرأة ثم تزوج أخرى كأنه عل منها وأولاد العلات الإخوة لأب. ذكره الحافظ في الفتح ٦/٤٨٩.
(٨) صحيح البخاري مع الفتح ٦/٤٧٨، صحيح مسلم ٤/١٨٣٧.
[ ٢٤٩ ]
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
"فالإسلام دين أهل السموات، ودين أهل التوحيد من أهل الأرض لا يقبل الله من أحد دينًا سواه، فأديان أهل الأرض ستة، واحد للرحمن وخمسة للشيطان: اليهودية والنصرانية، والمجوسية والصابئة، ودين المشركين"اهـ١.
ومما تقدم يتبين أن الإسلام دين الأولين والآخرين من بني آدم، وأن أول المسلمين في جميع الشرائع الإلهية هم الرسل، لأن الرسل هم أول من يعرف الشرائع، والكتب المنزلة عليهم من عند الله تعالى. فالخير كل الخير بالأخذ بالإسلام الذي رضيه الله دينًا لعباده المؤمنين.
_________________
(١) مدارج السالكين ٣/٤٧٦.
[ ٢٥٠ ]
المبحث التاسع: بيان الطاغوت الذي أوجب الله على عباده أن يجتنبوه
لقد ورد في هذه السورة المدح والثناء الحسن لمن اجتنب عبادة الطاغوت وتوجه بالعبادة الخالصة لربه - جل وعلا - فأفرده بها وحده لا شريك له. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ .
هاتان الآيتان من السورة فيهما الثناء الحسن للذين اجتنبوا عبادة الأصنام وتفانوا في عبادة الملك العلام، وكفروا بعبادة الطاغوت الذي عبده الجاهلون بالباطل زورًا وبهتانًا، والمقصود بالطاغوت هنا هو عبادة غير الله - تعالى - فمدحهم الله وأثنى عليهم باجتنابهم عبادة الطاغوت وإقبالهم بكليتهم على عبادة الله وحده وإخلاص الدين له دون غيره، وأقلعوا عن الشرك والمعاصي إلى إخلاص التوحيد والطاعات لربهم وخالقهم ﷾.
وقيل المقصود بالطاغوت الشيطان ذكره ابن جرير عن السدي ومجاهد وابن زيد١ والذي يظهر أن المراد بالطاغوت في الآية كل معبود من دون الله والنصيب الأكبر من ذلك للشيطان لأنه رأس كل ضلالة كما قال - تعالى ـ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٢.
وقد ذكر الله الجزاء الذي ينتظر عباد الله الموحدين وهو أن لهم البشرى في الحياة الدنيا بالثناء الحسن ويكلؤهم الله بعنايته ويوفقهم للأعمال الصالحة التي يشاهدون من
_________________
(١) جامع البيان ٢٣/٢٠٦.
(٢) سورة يس آية: ٦٠.
[ ٢٥١ ]
خلالها أنه - تعالى - يريد إكرامهم، كما أن لهم البشرى في الآخرة عند الموت وفي القبر، وفي القيامة وخاتمة البشارات البشارة العظمى وهي ما يحصل لهم من إحلال الله - تعالى - رضوانه عليهم، والنظر إلى وجهه الذي هو أعظم نعيم أهل الجنة وقد أمر الله نبيه أن يبشر عباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعالى ـ: "والمراد بالقول القرآن كما فسره بذلك سلف الأمة وأئمتها" اهـ١
فقد وصف الله عباده المبشرين بأنهم يستمعون القول فيفهمونه ويعقلونه ويتبعون أحسنه، وأحسنه على الإطلاق كلام الباري - سبحانه - وكلام رسوله ﷺ.
قال العلامة ابن كثير: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أي: يفهمونه، ويعملون بما فيه كقوله - تعالى - لموسى ﵇ حين آتاه التوراة ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ بِأَحْسَنِهَا﴾ ٢ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ﴾ أي: المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والآخرة ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ أي: ذوو العقول الصحيحة والفطر المستقيمة"٣ اهـ.
وقد ذكر في أسباب النزول أن الآيتين نزلتا في زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر وسلمان الفارسي رضي الله - تعالى - عنهم كانوا في الجاهلية يقولون: "لا إله إلا الله" واجتنبوا عبادة الطاغوت٤ والأصح أن الآيتين تشمل النفر الثلاثة المذكورين وغيرهم ممن اجتنب عبادة الأوثان وأناب إلى عبادة الرحمن وهؤلاء هم الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة٥.
وبعد هذه اللمحة لبيان معنى الآيتين نأتي لتعريف الطاغوت الذي فرض الله علينا اجتنابه.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٦/٥، دقائق التفسير ٤/٢٥٢.
(٢) سورة الأعراف آية: ١٤٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٦/٨٤.
(٤) جامع البيان ٢٣/٢٠٧.
(٥) تفسير ابن كثير ٦/٨٤.
[ ٢٥٢ ]
معنى الطاغوت في اللغة:
جاء في القاموس: "الطاغوت اللات، والعزى، والكاهن، والشيطان وكل رأس ضلال والأصنام، وكل ما عبد من دون الله ومردة أهل الكتاب للواحد والجمع "فعلوت" من طغوت، والجمع طواغيت طواغ، أو الجبت حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشراف وأطغاه جعله طاغيًا والطغوة المكان المرتفع". أهـ١.
وقال في المصباح المنير: "والطاغوت يذكَّر ويؤنَّث والإسم "الطغيان" وهو مجاوزة الحد وكل شيء جاوز المقدار والحد في العصيان فهو "طاغ" و"أطغيته" جعلته "طاغيًا" "وطغى" السيل ارتفع حتى جاوز الحد في الكثرة "والطاغوت" الشيطان وهو في تقدير فعلوت بفتح العين لكن قدمت اللام موضع العين، واللام واو محركة مفتوح ما قبلها فقلبت ألفًا فبقي في تقدير فعلوت وهو من الطغيان"٢ اهـ.
وجاء في فتح المجيد: "الطاغوت مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد"٣ اهـ.
والذي نستفيده من هذه التعاريف اللغوية أن الطاغوت كل ما تجاوز حده فصار معبودًا من دون الله سواء كان إنسانًا أو صنمًا أو وثنًا أو كان ما كان من أي شيء وسواء عبد بطاعة من عابديه أو بقهره لهم حتى عبدوه فهو طاغوت.
معنى الطاغوت اصطلاحًا:
روى ابن جرير وابن كثير بإسنادهما إلى عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان"٤.
قال ابن كثير: "ومعنى قوله "إنه الشيطان" قوي جدًا فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والإستنصار بها"اهـ٥.
وذكر ابن كثير: بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵁ أنه سئل عن الطواغيت فقال: هم كهان تنزل عليهم الشياطين.
_________________
(١) ٤/٣٥٩، مختار الصحاح ٣٩٣.
(٢) ١/٣٧٣ - ٣٧٤.
(٣) ص١٩.
(٤) جامع البيان ٥/١٣١، تفسير ابن كثير ٣/٣١٥.
(٥) تفسير القرآن العظيم ١/٥٥٣.
[ ٢٥٣ ]
وقال مجاهد: الطاغوت الشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه وهو صاحب أمرهم.
وقال الإمام مالك ﵀: "هو كل ما يعبد من دون الله ﷿"١. وتعريف الإمام مالك يقيد بمن عبد من دون الله وهو راض ليخرج بهذا القيد من عبد وهو غير راض مثل المسيح ابن مريم ﵊، والملائكة فإنهم عبدوا من دون الله وهم غير راضين بذلك بل إنهم براء ممن عبدهم ومن عبادتهم.
وقال الواحدي٢: عند قوله - تعالى - ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ والطَّاغُوْتِ﴾ ٣ "كل معبود من دون الله فهو فهو جبت وطاغوت"٤. وقال عبد الله بن عباس: "الجبت الأصنام والطاغوت الذين يكونون بين أيدي الأصنام يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس".
قال ابن جرير: وزعم رجال: أن الجبت الكاهن والطاغوت رجل من اليهود يدعى كعب بن الأشرف وكان سيد اليهود"٥وقال بعض السلف: عند قوله - تعالى - ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ ٦ إنه كعب بن الأشرف، وقال بعضهم: حيي بن أخطب، وإنما استحقا هذا الاسم لكونهما من رؤوس الضلال ولإفراطهما في الطغيان وإغوائهما الناس ولطاعة اليهود لهما في معصية الله فكل من كان بهذه الصفة فهو طاغوت" اهـ٧.
وهذه التعريفات المتقدمة عن السلف الصالح من باب توضيح الشيء ببعض أفراده
_________________
(١) المصدر السابق ٢/٣١٦، فتح المجيد ص١٩ - ٢٠.
(٢) هو: علي بن أحمد بن محمد بن علي بن متوية، أبو الحسن الواحدي مفسر عالم بالأدب وصفه الذهبي بإمام علماء التأويل توفي سنة ثمان وستين وأربعمائة هجرية. انظر ترجمته في "النجوم الزاهرة" ٥/١٠٤، الوفيات ١/٣٣٣، الأعلام ٥/٥٩.
(٣) سورة النساء آية: ٥١.
(٤) انظر مجموعة التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص٤٠٧.
(٥) جامع البيان ٥/١٣١.
(٦) سورة النساء آية: ٦٠.
(٧) مجموعة التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص٤٠٧، والكلام للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين ﵀ تعالى ـ.
[ ٢٥٤ ]
وإلا فالحد الجامع المانع لمعنى الطاغوت هو ما عرفه به ابن القيم ﵀ تعالى - فقد قال:"الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم أعرض عن عبادة الله - تعالى - إلى عبادة الطاغوت، وعن طاعة رسول الله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته"اهـ١.
فلو تأملنا زمننا هذا واستعرضنا حالة أكثر المسلمين لوجدناها طبقًا لما قال هذا الإمام رحمة الله عليه إلا من رحم الله، وبعد أن عرفنا معنى الطاغوت في اللغة والاصطلاح نقول: إن الله فرض على جميع خلقه أن يكفروا بالطاغوت ويعتقدوا اعتقادًا جازمًا أن عبادته باطلة وأن من عبده كافر بالله العظيم.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢ فهذه الآية فيها الإخبار بأنه - تعالى - أمر جميع خلقه باجتناب عبادة الطاغوت مطلقًا سواءًا كان إنسًا أو جنًا، أو شجرًا، أو حجرًا، أو هوى، أو شهوة، أو مالًا، أو جاهًا، أو وظيفة، وأن يعبدوه - سبحانه - وحده دون سواه.
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٣.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب٤: "واعلم أن الإنسان ما يصير مؤمنًا بالله إلا بالكفر بالطاغوت والدليل هذه الآية" اهـ٥.
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص٣٣، فتح المجيد ص٢٠، إعلام الموقعين ١/٥٠.
(٢) سورة النحل آية: ٣٦.
(٣) سورة البقرة آية: ٢٥٦.
(٤) هو: إمام الدعوة المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي زعيم النهضة الدينية الإصلاحية الحديثة في الجزيرة العربية وقد نهج ﵀ منهج السلف داعيًا إلى التوحيد الخالص ونبذ الشرك والبدع والخرافات، وتحطيم ما علق بالإسلام من أوهام. ولد ﵀ سنة خمس عشرة ومائة وألف، وتوفي سنة ست ومائتين وألف هجرية. انظر ترجمته في "كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد ١/٦ وما بعدها، هدية العارفين ٢/٢٥٠ الأعلام ٧/١٣٧، معجم المؤلفين١٠/٢٦٩".
(٥) الدرر السنية ١/٩٥.
[ ٢٥٥ ]
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن١ ﵀ تعالى - عند شرحه للآية: "وهذا معنى "لا إله إلا الله" فإنها العروة الوثقى" أهـ٢.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ٣.
والآيات في هذا المعنى كثيرة وهي تدل على أنه يجب الكفر بالطاغوت والإيمان بالله.
وضابط الكفر بالطاغوت: أن يعتقد الإنسان اعتقادًا جازمًا بطلان عبادة غير الله وتركها والبغض لأهلها ومعاداتهم.
وضابط الإيمان بالله: الإعتقاد الجازم بأن الرب - سبحانه - هو الإله المعبود وحده دون سواه وإخلاص جميع أنواع العبادة كلها له وحده لا شريك له ونفيها عن كل معبود سواه.
وبعد أن عرفنا أن الطاغوت عام في كل ما عبد من دون الله - تعالى - إذن فالطواغيت لا تحصى لكثرتها وتنوعها إلا أن رؤوسها خمسة٤ وهي:
الأول: إبليس الذي لا يزال جاهدًا آناء الليل وآناء النهار في الدعوة إى عبادة غير الله - تعالى ـ.
قال - تعالى ـ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٥.
_________________
(١) هو: عبد الرحمن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، فقيه، حنبلي من علماء نجد وهو حفيد العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب صاحب الدعوة إلى التوحيد والتي عرفت بإسمه ويعرف هذا البيت بآل الشيخ، توفي الشيخ عبد الرحمن بن حسن سنة خمس وثمانين ومائتين وألف هجرية. انظر ترجمته في الأعلام ٤/٧٥.
(٢) فتح المجيد ص٢٠.
(٣) سورة النساء آية: ٦٠.
(٤) انظر مجموعة التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص٢٦٠ - ٢٦١.
(٥) سورة يس آية: ٦٠ - ٦١.
[ ٢٥٦ ]
الثاني: الحاكم الجائر المغيِّر لأحكام الله - تعالى - وقد ذم الله من تلبس بذلك قال - تعالى - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ١.
قال العلامة ابن كثير: بعد أن ذكر أنها نزلت فيمن طلب التحاكم إلى كعب بن الأشرف أو إلى حاكم الجاهلية وغير ذلك قال: "والآية أعم من ذلك كله فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت ههنا" اهـ٢.
وقد أقسم الباري - سبحانه - بنفسه على عدم إيمان من لم يحكم الرسول ﷺ قال - تعالى ـ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٣.
قال العلامة ابن القيم "أقسم - سبحانه - بنفسه المقدسة قسمًا مؤكدًا بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج، وهو ضيق الصدر وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح، وتنفسح له كل الانفساح وتقبله كل القبول، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضًا حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والإعتراض فهنا قد يحكِّم الرجل غيره وعنده حرج من حكمه، ولا يلزم من انتفاء الحرج والرضا والتسليم والإنقياد إذ قد يحكمه وينتفي الحرج عنه في تحكيمه ولكن لا ينقاد قلبه ولا يرضى كل الرضى بحكمه، والتسليم أخص من انتفاء الحرج، فالحرج مانع، والتسليم أمر وجودي ولا يلزم من انتفاء الحرج حصوله بمجرد انتفائه إذ قد ينتفي الحرج ويبقى القلب فارغًا منه ومن الرضى به والتسليم له، فتأمله وعند هذا يعلم أن الرب ـ
_________________
(١) سورة النساء آية: ٦٠.
(٢) تفسير ابن كثير ٣/٣٢٧.
(٣) سورة النساء آية: ٦٥.
[ ٢٥٧ ]
﵎ أقسم على انتفاء إيمان أكثر الخلق وعند الإمتحان تعلم هل هذه الأمور الثلاثة موجودة في قلب أكثر من يدعي الإسلام أم لا؟ اهـ١.
الثالث: الذي يحكم بغير ما أنزل الله وهذا يخرج صاحبه من ملة الإسلام إلى الكفر قال - تعالى ـ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٢.
هذا النوع من أخطر الأمور وأعظمها جرمًا على من يحكم بغير ما أنزل الله ويقرر شريعة للناس من عند نفسه ويحرم ما لم يأذن به الله - تعالى - وهذا من نواقض كلمة التوحيد التي هي الشهادة بأن الله هو الإله الذي تألهه القلوب بالحب والتعظيم والطاعة والإنقياد، ومن أشدها أيضًا مناقضة للشهادة بأن محمدًا رسول الله فهو المطاع فيما أمر ونهى عنه وزجر، ولو فهم العباد هذا لما بقي لطاغية في الأرض وجود ولما استطاع مخلوق مهما كانت مكانته أن يضع تشريعًا مضمونه الكفر بالله ويكون سببًا في تنحية شرع الله الحكيم ويرفع من شأن القانون الأثيم.
والناظر في حال المسلمين اليوم يجد أنهم اهتموا اهتمامًا بالغًا بالقوانين البشرية وزهدوا في الأحكام السماوية إلا من رحم الله، ونتيجة لهذا الإنحراف نزل بهم الذل والهوان وتسليط الأعداء فسلبوا أراضيهم وقتلوا شيوخهم وأطفالهم وانتهكوا أعراضهم وذلك بسبب بعد المسلمين عن حكم الله ورسوله وتحكيم ما اخترعته العقول الضالة، أصحابها يعادون الإسلام والمسلمين بكل ما أوتوا من قوة ولنستمع إلى ما ذكره ابن كثير في شأن ما حل بالمسلمين أيام التتار وذلك عند قوله - تعالى - ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٣.
قال ﵀: "ينكر الله - تعالى - على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والإصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم، وكما يحكم به التتار من سياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم "جنكزخان" الذي وضع لهم الياسق "وهو عبارة عن كتاب مجموع
_________________
(١) التبيان في أقسام القرآن ص٤٣٠ - ٤٣١.
(٢) سورة المائدة آية: ٤٤.
(٣) سورة المائدة آية: ٥٠.
[ ٢٥٨ ]
من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية، والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير"١.
ولقد وضح لنا الشيخ محمد بن إبراهيم٢ ﵀ تعالى - الصور التي إن فعلها الحاكم أخرجته من الملة فقال:
الصورة الأولى: إذا جحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله وهو معنى ما روي عن ابن عباس واختاره ابن جرير٣ وجحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي لا نزاع فيه بين أهل العلم، فإن من الأصول المتقررة المتفق عليها بينهم أن من جحد أصلًا من أصول الدين أو فرعًا مجمعًا عليه، أو أنكر حرفًا مما جاء به الرسول ﷺ قطعيًا فإنه كافر كفرًا ينقل عن الملة.
الصورة الثانية: إن لم يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أن حكم الله ورسوله حي ولكنه اعتقد أن حكم غير الرسول ﷺ أحسن من حكمه، وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس وما استجد لهم من حوادث نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال فهذا لا ريب في كفره لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي زبالة الأذهان وحثالة الأفكار على حكم الحكيم الخبير، فإنه ما من قضية كائنة ما كانت إلا وحكمها في كتاب الله - تعالى - وسنة رسول الله ﷺ نصًا أو ظاهرًا أو استنباطًا أو غير ذلك علم ذلك من علمه وجهله من جهله.
الصورة الثالثة: أن لا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله ولكن اعتقد أنه مثله فهذا كالنوعين السابقين كافر كفرًا ينقل عن الملة لما في ذلك من تسوية المخلوق بالخالق.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٢/٥٩٠.
(٢) هو: الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية، ولد سنة إحدى عشرة وثلاثمائة وألف هجرية، نشأ في بيت علم وفضل، حفظ القرآن وهو في الحادية عشرة من عمره، وكف بصره وهو في الرابعة عشرة من عمره فصبر واحتسب وتلقى العلوم على الشيخ سعد بن عتيق، وتوفي في رمضان سنة تسع وثمانين وثلاثمائة وألف عن عمر يناهز الثمانين عامًا. انظر ترجمته في كتاب علماء نجد للبسام ١/٨٨، ولشيخنا عبد المحسن العباد ترجمته لهذا العالم الجليل في مؤلف صغير بعنوان "عالم جهبذ وملك فذ".
(٣) جامع البيان ٦/٢٥٧.
[ ٢٥٩ ]
الصورة الرابعة: من اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله فهو كالذي قبله.
الصورة الخامسة: من أعظم ذلك وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ولرسوله: إيجاد المحاكم الوضعية التي مراجعها القانون الوضعي كالقانون الفرنسي أو الأمريكي أو البريطاني أو غيرها من مذاهب الكفار، وأي كفر فوق هذا الكفر؟ وأي مناقضة للشهادة بأن محمدًا رسول الله بعد هذه المناقضة.
الصورة السادسة: ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر والقبائل من البوادي ونحوهم من حكايات آبائهم وأجدادهم وعاداتهم التي يسمونها "سلومهم" يتوارثون ذلك منهم ويحكمون به رغبة وإعراضًا عن حكم الله.
أما الكفر الذي لا ينقل عن الملة: والذي ورد عن ابن عباس ﵄ بأنه كفر دون كفر وقوله أيضًا: "ليس بالكفر الذي تذهبون إليه" فذلك مثل أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر كالزنا وشرب الخمر والسرقة وغيرها فإن معصية سماها الله في كتابه كفرًا أعظم من معصية لم يسمها الله كفرًا" اهـ١.
ولخطورة هذا النوع من رؤوس الطواغيت أسهبنا في الكلام حوله إذ الحكم بغير ما أنزل الله قد عم وطم الكثير من الكرة الأرضية إلا من رحم الله - تعالى - مثل بعض البلدان التي أراد الله لها الخير فتمسكت بكتاب ربها وسنة نبيها فحماه الله من الاضطرابات وعمها الخير والرخاء.
النوع الرابع من رؤوس الطواغيت: من اصطاده الشيطان وأحكمه في شراكه فيدعي العلم بالغيب من دون الله - تعالى - وهذا مما اختص الله به دون غيره. قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٢.
_________________
(١) تحكيم القوانين ص٩ - ١١.
(٢) سورة الأنعام آية: ٥٩.
[ ٢٦٠ ]
فالعراف والكاهن والرمال والمنجم كلهم محادون لله ورسوله إذ أنهم يدعون العلم بالمغيبات وذلك تكذيب للقرآن والسنة إذ التصريح فيهما بأن علم الغيب من خصائص الألوهية، ومن ادعى علم الغيب فقد أنزل نفسه منزلة الألوهية وكل من ادعى ذلك يعد من المردة أهل الفجور ولو ادعى الصلاح والتقى فإن ذلك كذب وبهتان، لأن التقي الصالح لا يدعي علم الغيب ولا ينازع الله في ربوبيته ولو ادعى هذا لخرج من الإسلام لأن مدعي ذلك كذّب على الله ورسوله فقد قال تعالى لرسوله ﷺ آمرًا له بأن يقول: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ ١.
وأن يقول: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ٢. إلى غير ذلك من الآيات التي تجرد علم الغيب لله وحده وتنفيه عن غيره من الأنبياء والمرسلين فضلًا عن غيرهم والذي يتأمل ما عليه القبوريون من الاعتقادات الباطلة في أن الأولياء يعلمون الغيب وأنهم النور الفائض من الله وأن فيهم من صفات الربوبية مثل العلم والقدرة والكرم ولذلك يفزعون إليهم في يسرهم وعسرهم ويحبونهم كما يحب المؤمنون ربهم ويدعونهم كدعاء المؤمنين إلههم لا قوة إلا بالله.
النوع الخامس: من رؤوس الطواغيت الذي يعبد من دون الله وهو راضٍ بالعبادة قال - تعالى ـ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ ٣.
قال ابن جرير ﵀ تعالى - يقول - تعالى - ذكره: ﴿وَمَنْ يَقُلْ﴾ من الملائكة ﴿إني إله من دون الله فذلك﴾ الذي يقول ذلك منهم ﴿نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ يقول: نثيبه على قيله ذلك جهنم ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ يقول: كما نجزي من قال: من الملائكة إني إله من دون الله جهنم كذلك نجزي ذلك كل من ظلم نفسه، فكفر بالله وعبد غيره.
وقيل: عنى بهذه الآية إبليس، وقال قائلون ذلك: إنما قلنا ذلك لأنه لا أحد من
_________________
(١) سورة الأعراف آية: ١٨٨.
(٢) سورة الأنعام آية: ٥٠.
(٣) سورة الأنبياء آية: ٢٩.
[ ٢٦١ ]
الملائكة قال: إني إله من دون الله سواه. وروي عن ابن جريج وقتادة "أن الآية خاصة بإبليس لأنه دعا إلى عبادة نفسه فنزلت الآية في إبليس"١.
والذي نخلص إليه مما قدمنا ذكره أن الطاغوت شامل لكل معبود دون الله وكل رأس ضلال يدعو إلى الباطل ويزينه لمتبعيه كما أنه يشمل كل من نصبه الناس للحكم بينهم فحكم بأحكام الجاهلية المنتنة المضادة لحكم رب العالمين وحكم رسوله الأمين ﷺ، فالحاكم بغير ما أنزل الله طاغوت لأنه نصب نفسه منصب الإله المشرع، وهنا يظهر معنى مجاوزة الحد في معنى الطاغوت، فإن الحاكم ملزم بأن يتقيد بأحكام - الرب سبحانه - التي أنزلها لعبيده وأوضحها لهم فعليه أن يطبقها في غاية من الدقة والتحري سواءًا بسواء فإذا ما عدل عنها وحكم برأيه وهواه فإنه نزل نفسه منزلة الإله المشرع لخلقه وتجاوز حده المحدود له من كونه عبدًا لله ينفذ أحكامه إلى إله مشرع يحكم بما يريد فتجاوز حد العبودية إلى منزلة الألوهية فصار بذلك طاغوتًا لتجاوزه حده الذي حد له، كما أنه يدخل في معنى الطاغوت الكاهن والساحر وسدنة الأوثان الداعين إلى عبادة المقبورين لأنهم ينسجون من الحكايات المضلة للجهال والموهمة بأن المقبور ونحوه يقضي الحاجات للذين يقصدونه ويتوجهون إليه وأنه فعل كذا وكذا مما هو كذب صريح، أو هو من فعل الشياطين.
وبمثل هذه الأكاذيب والأباطيل يوقعون الناس في الشرك الأكبر ولواحقه. "فكل ما صرف الناس عن عبادة ربهم وطاعته فهو طاغوت. فالأوثان والمشاهد والأشجار والقباب التي تعبد من دون الله إنما هي طواغيت لأنها صرفت الكثير من الناس عن عبادة ربهم بحيث صرفوا لها كثيرًا من أنواع العبادات وألهوها. وأصل أنواع الطواغيت كلها وأعظمها إبليس فهو الطاغوت الأكبر والعدو الأعظم لأنه يصرف الناس عن عبادة خالقهم ويغويهم فيعبدون غير الله ويسفكون الدماء ويحلون الحرام ويحرمون الحلال نسأله - تعالى - أن لا يجعل للشيطان علينا سبيلًا"٢.
_________________
(١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ١٧/ ١٧.
(٢) انظر الرسالة الثالثة "تعريف العبادات وتوحيدها والإخلاص للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين" ضمن مجموعة التوحيد للشيخ محمد بن عبد لوهاب ولبعض أبنائه وأحفاده ص٤٠١.
[ ٢٦٢ ]
المبحث العاشر: عبودية الإنابة
إن الإنابة نوع من أنواع العبادة لا تصح إلا لله - سبحانه - ولا يجوز صرفها إلا له وحده لا شريك له، وقبل أن نذكر الآيات الواردة في السورة التي دلت على أن الله - تعالى - تعبد بها عباده نذكر تعريفها في اللغة والشرع حتى يعرف الإنسان حقيقتها ويوجهها إلى ربه - جل وعلا ـ.
أما تعريفها في اللغة:
فقد جاء في الصحاح للجوهري: "وأناب إلى الله - تعالى - أقبل وتاب"١ وجاء في القاموس: "وناب زيد إلى الله - تاب ـ" اهـ٢.
وجاء في المصباح المنير: "وأناب زيد إلى الله - تعالى - إنابة رجع"اهـ٣. وجاء في اللسان: "وناب فلان إلى الله - تعالى - وأناب إليه إنابة فهو منيب: أقبل وتاب، ورجع إلى الطاعة، وقيل: ناب لزم الطاعة وأناب تاب ورجع.. إلى أن قال: الإنابة الرجوع إلى الله بالتوبة، وفي التنزيل العزيز: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْه﴾ ٤ أي: راجعين إلى ما أمر به، غير خارجين عن شيء من أمره"٥ اهـ. ومن هذه التعاريف اللغوية يتبين لنا أن الإنابة هي الإقبال على الله ﷿ والتوبة إليه.
_________________
(١) ١/٢٢٩.
(٢) ١/١٤٠.
(٣) ٢/٦٢٩.
(٤) الآية رقم ٣٣ من سورة الروم.
(٥) ١/٧٧٥.
[ ٢٦٣ ]
وأما تعريفها في الشرع:
فقد ذكر لها العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى تعريفين:
فقال: الإنابة هي: عكوف القلب على الله ﷿ كاعتكاف البدن في المسجد لا يفارقه، وحقيقة ذلك عكوف القلب على محبته وذكره بالإجلال، والتعظيم وعكوف الجوارح على طاعته بالإخلاص له، والمتابعة لرسوله، ومن لم يعكف قلبه على الله - وحده - عكف على التماثيل المتنوعة كما قال إمام الحنفاء ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ ١ فكان حظ قومه العكوف على التماثيل وكان - حظه - العكوف على الرب الجليل٢.
وقال ﵀ معرفًا لها بتعريف آخر:
"والإنابة الرجوع إلى الله وانصراف دواعي القلب وجواذبه إليه وهي: تتضمن المحبة، والخشية فإن المنيب محب لمن أناب إليه خاضع له خاشع ذليل"٣ اهـ. ولقد دلت سورة "الزمر" على أن الإنابة عبادة لله ﷿ في ثلاث آيات منها:
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ للهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ .
فهذه الآيات الثلاث دلت على أن الإنابة نوع من أنواع العبادة التي يجب إخلاصها - للباري جل وعلا ـ
_________________
(١) سورة الأنبياء آية: ٥٢.
(٢) الفوائد ص١٩٠.
(٣) طريق الهجرتين ص ١٧٣.
[ ٢٦٤ ]
فالآية الأولى: هي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ الآية: فقد أوضح الله - تعالى - فيها أن الإنسان الكافر بربه - سبحانه - عندما ينزل به البلاء والشدة، وتلحقه المضرة إما في نفسه أو ماله، أو ولده فإنه يلجأ إلى الله ﷿ منيبًا إليه ومستغيثًا به - وحده - ليكشف عنه ما نزل به وأصابه فإذا ما تفضل الله عليه بالنعم، والعطاء والرخاء نسي - ربه - الذي أناب إليه وقت الشدة ونسي حالته التي كان عليها في حال الشدة فجعل لله الشركاء والأنداد فيعبدهم مع الله ﷿ أو يخصهم دونه بالعبادة ليضل نفسه وغيره عن دين الحق والتوحيد الذي هو الطريق الموصل إلى الله - سبحانه ـ.
قال العلامة ابن جرير: "يقول تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ﴾ بلاء في جسده من مرض، أو عاهة، أو شدة في معيشته وجهد وضيق ﴿دَعَا رَبَّهُ﴾ يقول استغاث بربه الذي خلقه من شدة ذلك ورغب إليه في كشف ما نزل به من شدة ذلك، وقوله: ﴿مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ يقول: تائبًا إليه مما كان من قبل ذلك عليه من الكفر به، وإشراك الآلهة والأوثان في عبادته، راجعًا إلى طاعته" اهـ١.
وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ .
فهذه الآية إخبار من الله - جل وعلا - أن البشرى منه إنما هي لأهل الإنابة الذين أنابوا إلى الله بعبادته وإخلاص الدين له فانصرفت دواعيهم عن عبادة الأصنام إلى عبادة الملك العلام، ومن الشرك والمعاصي إلى التوحيد والطاعات والبشرى التي ذكرها الله - تعالى - لأهل الإنابة لا يعلم وصفها إلا هو ﷾ وهي شاملة للبشرى في حياتهم الدنيا بالثناء الحسن، وتكلؤهم عناية الله التي يحسون من خلالها أنهم إذا قدموا على ربهم فلهم عنده الكرامة في الدار الآخرة بحيث يحل عليهم رضوانه وبره وإحسانه وأمانه في الجنة، وما أعظمها من كرامة التي لا تساويها أي كرامة.
قال العلامة عماد الدين ابن كثير: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر وسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنهم، والصحيح أنها شاملة لهم ولغيرهم ممن اجتنب عبادة
_________________
(١) جامع البيان ٢٣/١٩٩.
[ ٢٦٥ ]
الأوثان وأناب إلى عبادة الرحمن فهؤلاء الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة" اهـ١.
وأما الآية الثالثة: وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ .
فهذه الآية تضمنت الأمر من الله - تعالى - لجميع عباده بالإنابة إليه وحده دون سواه وأن يسلموا له أنفسهم وقلوبهم وينقادوا له انقيادًا تامًا ظاهرًا وباطنًا عن طواعية ورضا قبل أن ينزل بهم العذاب فلا يجدون من ينصرهم من دونه ويدفع عنهم عقابه لأنه لا طاقة لأحد في مواجهة عذاب الله الذي يحل بالمتمردين على أوامر الله ونواهيه.
قال العلامة ابن جرير حول قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ "يقول تعالى ذكره: وأقبلوا أيها الناس إلى ربكم بالتوبة وارجعوا إليه بالطاعة واستجيبوا له إلى ما دعاكم إليه من توحيده، وإفراد الألوهية له، وإخلاص العبادة له إلى أن قال: قال ابن زيد: الإنابة: الرجوع إلى الطاعة والنزوع عما كانوا عليه ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ يقول: واخضعوا له بالطاعة" اهـ٢.
فتبين من الآيات الثلاث الواردة في السورة في شأن الإنابة، أن الإنابة نوع من أنواع العبادة يجب على العبد أن يحققها ويجعلها من خالص حقه - تعالى - فلا ينيب إلا إلى ربه، ولا يتوب إلا إليه لأن مغفرة الذنوب من حقه - تعالى - وليس لأحد سواه من ذلك شيء.
الإنابة نوعان:
النوع الأول: إنابة لرُبوبيته - تعالى - وهي إنابة كل المخلوقات وهذا النوع مشترك بين المؤمن والكافر والبر والفاجر قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ ٣ فهذا عام في حق كل داع أصابه ضر كما هو الواقع وهذه الإنابة ليس من مستلزماتها الإسلام، بل تجتمع مع الشرك والكفر كما جاء في تمام هذه الآية ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ ٤ فهذه حالهم بعد الإنابة.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٦/٨٤، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٥/٢٤٤.
(٢) جامع البيان ٢٤/١٧.
(٣) سورة الروم آية: ٣٣.
(٤) سورة الروم آية: ٣٤.
[ ٢٦٦ ]
النوع الثاني: إنابة أولياء الله الموحدين المخلصين المنقادين وهي إنابة لإلهيته، إنابة عبودية، ومحبة وهذه تتضمن أربعة أمور:
الأمر الأول: محبة الله - تعالى ـ.
الأمر الثاني: الخضوع له - سبحانه ـ.
الأمر الثالث: الإقبال عليه دون سواه.
الأمر الرابع: الإعراض عما سواه - تعالى ـ.
ولا يستحق اسم "المنيب" إلا من اجتمعت فيه هذه الأمور الأربعة وتفسير السلف لهذه "اللفظة يدور على ذلك، وفي اللفظة معنى الإسراع، والرجوع والتقدم و"المنيب" إلى الله المسرع إلى مرضاته الراجع إليه كل وقت، المتقدم إلى محابه"١ اهـ. وعندما نتصفح كتاب الله الذي أنزله الله موعظة للناس وشفاء لما في الصدور وهدى، ورحمة لعباده المؤمنين نجد أن الإنابة أخص وصف أثنى الله به على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وجعلها - سبحانه - من أبرز صفات عباده الموحدين.
قال تعالى في معرض ثنائه على خليله إبراهيم ﵊: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ٢. فلقد وصف الله إبراهيم بثلاث صفات في هذه الآية آخرها الإنابة.
وقال تعالى عن نبيه داود ﵊: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ ٣.
وفي هذه الآية أيضًا: وصف الله نبيه داود ﵊ بثلاث صفات آخرها الإنابة.
وقال تعالى حكاية عن نبيه شعيب ﵊: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ٤، وأخبر - تعالى - أن آيته الدالة على ربوبيته وألوهيته إنما يتبصر بها ويتذكر أهلُ الإنابة قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا
_________________
(١) مدارج السالكين: ١/٣٣٤.
(٢) سورة هود آية: ٧٥.
(٣) سورة ص آية: ٢٤.
(٤) سورة هود آية: ٨٨.
[ ٢٦٧ ]
مِنْ فُرُوجٍ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ﴾ ٢.
وقال تعالى مخاطبًا نبيه ﵊ وأمته تبع له في ذلك: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٣.
فقوله ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ في إعرابها وجهان:
الوجه الأول: إما أن تكون منصوبة على الحال من الضمير المستتر في قوله ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ إذ الخطاب له ولأمته أي أقم وجهك أنت وأمتك منيبين إليه ومثل هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ٤.
الوجه الثاني: أن تكون حالًا من المفعول في قوله تعالى: ﴿فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ أي فطرهم منيبين إليه فلو تركوا وفطرهم لما حادت عن الإنابة ولكنها تنحرف وتتغير كما فطرت نتيجة للمؤثرات الخارجية. قال ﷺ: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه" ٥.
وقوله ﵊: "قال الله تعالى خلقت عبادي حنفاء كلهم وأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" ٦. وقال ﷺ: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فإذا أعرب عنه لسانه إما شاكرًا وإما كفورًا" ٧.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فالنفس إذا تركت كانت مقرة لله
_________________
(١) سورة ق آية: ٦ - ٨.
(٢) سورة غافر آية: ١٣.
(٣) سورة الروم آية: ٣٠، ٣١.
(٤) سورة الطلاق آية: ١.
(٥) رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ج١/٢٤٠، صحيح مسلم ٤/٢٠٤٧.
(٦) رواه مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي: ٤/٢١٩٧.
(٧) رواه أحمد من حديث جابر بن عبد الله ﵁: ٣/٣٥٣.
[ ٢٦٨ ]
بالإلهية محبة له تعبده لا تشرك به شيئًا ولكن يفسدها ما يزين لها شياطين الإنس والجن بما يوحي بعضهم إلى بعض من الباطل" اهـ١.
ولقد أعلمنا - سبحانه - أن ثوابه العظيم وجنته التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت إنما هي لأهل الخشية والإنابة قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ ٢.
ومن علامة إسعاد الله - تعالى - عبده أن يرزقه الإنابة والرجوع إليه - سبحانه ـ، ومن علامة الشقاوة للعبد أن يغويه الشيطان فيكون معجبًا بعمله ولا ينيب إلى ربه. روى الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده من حديث جابر بن عبد الله رضي الله - تعالى - عنه قال: قال رسول الله ﷺ: لا تمنوا الموت فإن هول المطلع شديد، وإن من السعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه الله الإنابة"٣.
مراتب الناس في الإنابة:
إن الناس على مراتب في إنابتهم إلى الله - تعالى - وأنهم فيها على درجات متفاوتة، فهم متنوعين في رجوعهم إلى ربهم الذي خلقهم ورزقهم من حيث الدافع لهم وهم أقسام.
القسم الأول: من ينيب إلى الله - سبحانه - بالرجوع إليه من المخالفات والمعاصي، وهذه الإنابة منبعها مطالعة الوعيد الذي أعده الله للمخالفين العصاة. والباعث عليها العلم والخشية والحذر.
القسم الثاني: من الناس من ينيب إلى الله ﷿ بالدخول في أنواع العبادات، والكربات فهذا الصنف يسعى بجد واجتهاد لأن فعل الطاعات وأنواع القربات محبب إليه، وهذه الإنابة مصدرها الرجاء ومطالعة الوعد، والثواب ومحبة الكرامة من الرب - سبحانه - وهذا الصنف من الناس هم أبسط نفوسًا وأشرح من القسم الأول لأن جانب الرجاء ومطالعة
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ١٤/٢٩٦.
(٢) سورة ق آية: ٣١ - ٣٤.
(٣) المسند ٣/٣٣٢، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٥/٢٧٠.
[ ٢٦٩ ]
الرحمة والمنة أغلب عليهم وإلا فكل من الفريقين منيب إلى الله بالأمرين معًا ولكن خوف هؤلاء دخل في رجائهم، فأنابوا إلى الله بالعبادات وأنواع القربات والطاعات، ورجاء الفريق الأول اندرج تحت خوفهم فكانت إنابتهم إلى الله بترك المخالفات.
القسم الثالث: من الناس من ينيب إلى الله بالدعاء والتضرع والافتقار إليه والرغبة وسؤال الحاجات كلها منه. ومصدر هذه الإنابة أنهم شهدوا الفضل والمنة والغنى والقدرة والكرم فأنزلوا بالله حوائجهم وعلقوا به آمالهم فإنابتهم إلى الله من هذه الجهة مع قيامهم بالأمر والنهي، ولكن إنابتهم الخاصة إنما هي من هذه الجهة، وأما الأعمال التي يعملونها، فلم يرزقوا فيها الإنابة الخاصة وأملهم الإنابة إلى الله عند الشدائد والضراء فقط، فإنابتهم اضطرارية لا إنابة اختيار ورغبة وحالهم كحال الذين قال الله - تعالى - في شأنهم ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٢ وهؤلاء كلهم قد تكون نفس أرواحهم منصرفة عن الخالق - سبحانه - معرضة عنه إلى مألوف طبيعي نفساني صار حائلًا بينها وبين إنابتها بذاتها إلى معبودها الحق وإلهها الحق فهي ملتفتة إلى غيره، ولها إليه إنابة مَّا بحسب ما عندها من الإيمان بالله ومعرفتها له، فأعلى أنواع الإنابات إنابة الروح بجملتها لشدة المحبة الخالصة المغنية لهم عما سوى محبوبهم ومعبودهم، وحين أنابت إليه أرواحهم لم يتخلف منهم شيء عن الإنابة فإذا أناب العبد إلى ربه بروحه إنابة صادق المحبة فإن جميع قواه وجوارحه ستكون منيبة إلى الله نبعًا لروحه.
فينيب القلب: بالمحبة والتضرع والذل والإنكسار.
وينيب العقل: بانفعاله لأوامر المحبوب ونواهيه وتسليمه لها وتحكيمه إياها دون غيرها، فلم يبق فيه منازعة شبهة معترضة دونها.
وتنيب النفس: بالانقياد والانخلاع عن العوائد النفسانية والأخلاق السيئة والإرادات الفاسدة، فتنقاد لأوامر الله، وتخضع له فلم يبق فيها منازعة شهوة تعترضها دون الأمر.
_________________
(١) سورة الإسراء آية: ٦٧.
(٢) سورة العنكبوت آية: ٦٥.
[ ٢٧٠ ]
وينيب الجسد: في الأعمال ويقوم بها فرائض وسننًا على أكمل الوجوه فلم يبق في العبد عضو ولا جارحة إلا وأناب إنابته الخاصة فعند ذلك لم يبق في العبد المنيب هذه الإنابة عرق ولا مفصل إلا وله إنابة ورجوع إلى الحبيب الحق الذي كل محبة سوى محبته عذاب على صاحبها وإن كانت عذبة في مبادئها فإنها عذاب في عواقبها"١.
وخلاصة القول مما تقدم أن من المقطوع به يقينًا أنه لا يوجد في الخلق أجمعين من يعطي، أو يمنع، أو ينفع، أو يضر إلا بإذن الله ولا من يسعد أو يشقي إلا الله، فعلى هذا يكون من غير المعقول ولا المقبول أن ينيب العبد إلى غير الرب ﷾ رغبة، أو رهبة، خوفًا أو طمعًا، ولو حصل ذلك كانت الإنابة إلى غير الله - سبحانه - وتعالى باطلًا وشركًا، وكان من أناب إلى ذلك الغير ابتغاء حصول خير منه، أو خائفًا من سخطه أو عقابه فقد أشرك مع الله غيره فيما هو من خالص حقه ﷾.
نسأل الله السلامة من ذلك.
_________________
(١) انظر طريق الهجرتين وباب السعادتين ص١٧٣ - ١٧٤ بتصرف.
[ ٢٧١ ]
المبحث الحادي عشر: عبودية التوكل
قبل أن أذكر دلالة السورة على عبودية التوكل أذكر تعريفه في اللغة والاصطلاح كما هو الشأن في المباحث التي تقدمت ولكي يفهم الإنسان - التوكل - الذي فرضه الله على جميع عباده وأمرهم أن يخلصوه له وحده لا شريك له.
أما تعريفه في اللغة:
فقد جاء في الصحاح: "التوكل إظهار العجز والاعتماد على غيرك والاسم التكلان، واتكلت على فلان في أمري إذا اعتمدته١.
وفي اللسان: المتوكل على الله: الذي يعلم أن الله كافل رزقه وأمره فيركن إليه وحده ولا يتوكل على غيره وذكر فيه عن ابن سيدة أنه قال: "وكل بالله، وتوكل عليه، واتكل استسلم إليه، وتكرر في الحديث ذكر التوكل، يقال: توكل بالأمر إذا ضمن القيام به ووكلت أمري إلى فلان أي: ألجأته إليه واعتمدت فيه عليه، ووكل فلان فلانًا إذا استكفأه أمره ثقة بكفايته، أو عجزًا عن القيام بأمر نفسه، ووكل إليه الأمر سلَّمه، ووكله إلى رأيه وكلًا ووكولًا تركه" اهـ٢. وجاء في المصباح المنير: "وكلت الأمر إليه "وكلًا" ووكولًا فوضته إليه، واكتفيت به وتوكل على الله اعتمد عليه ووثق به"ا. هـ٣.
وأما تعريفه اصطلاحًا:
فمن خلال معرفة التوكل في اللغة نعرف حقيقة التوكل اصطلاحًا فالتوكل على
_________________
(١) ٥/١٨٤٥؛ وانظر القاموس ٤/٦٧.
(٢) لسان العرب ١١/٧٣٤، وانظر "فتح الباري" ١١/٣٠٥، تيسير العزيز الحميد ص٤٣٧.
(٣) ٢/٦٧٠.
[ ٢٧٢ ]
الله: هو الثقة به، والاعتماد عليه وتفويض الأمر إليه، والاستعانة به في كل شأن، والإيقان بأن قضاءه نافذ والسعي فيما لا بد منه من المطعم والملبس والمسكن والاحتراس من العدو مطلوب كما هو منهج الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.
قال العلامة ابن القيم معرفًا التوكل:
"هو اعتماد القلب على الله وحده، فلا يضره مباشرة الأسباب مع خلو القلب من الاعتماد عليها والركون إليها، كما لا ينفعه قوله: توكلت على الله مع اعتماده على غيره وركونه إليه، وثقته به، فتوكل اللسان شيء وتوكل القلب شيء، كما أن توبة اللسان مع إصرار القلب شيء، وتوبة القلب وإن لم ينطق اللسان شيء فقول العبد: توكلت على الله، مع اعتماد قلبه على غيره مثل قوله: "تبت إلى الله" وهو مصر على معصيته مرتكب لها" اهـ١.
ولقد دلت السورة على أن التوكل عبادة تعبد الله به عباده وأمرهم بأن يعتمدوا عليه وحده دون سواه في آيتين منها:
قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ .
هاتان الآيتان: من السورة بينتا أن الله تعالى هو الكافي وهو الذي يتوكل عليه وحده لا شريك له.
فالآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ الآية بين الله تعالى فيها بأنه سيكفي عبده ورسوله محمدًا ﷺ كل ما أهمه في أمر دينه ودنياه ويدفع عنه كل من أراده بسوء كائنًا من كان وما دام الله هو الكافي لعبده فمن الضلال والغنيّ أن يخوفه المشركون بأصنامهم وأوثانهم أن تناله بسوء إذ أنها جمادات لا تقدر على جلب نفع أو دفع ضر بحال من الأحوال.
_________________
(١) الفوائد ص٨٦.
[ ٢٧٣ ]
قال ابن جرير: "اختلف القراء في قراءة ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ فقرأ ذلك بعض قراء المدينة وقرأ عامة قرّاء الكوفة ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عِبادَهُ﴾ على الجمع بمعنى أليس الله بكاف محمدًا وأنبياءه من قبله ما خوفهم أممهم من أن تنالهم آلهتهم بسوء وبعض قراء الكوفة ﴿بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ على التوحيد بمعنى: أليس الله بكاف عبده محمدًا إلى أن قال: قال ابن زيد في قوله ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ قال: بلى، والله ليكفينه الله ويعزه وينصره كما وعده" أ. هـ١. وقال ابن كثير: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ وقرأ بعضهم ﴿عِبادَهُ﴾ يعني: أنه - تعالى - يكفي من عبده وتوكل عليه"أ. هـ٢. وقال أبو عبد الله القرطبي "وقراءة العامة ﴿عَبْدَهُ﴾ بالتوحيد يعني محمدًا ﷺ يكفيه الله وعيد المشركين وكيدهم، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿عِبادَهُ﴾ وهم الأنبياء أو الأنبياء والمؤمنون بهم" أ. هـ٣.
وأما قوله تعالى في الآية الثانية: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ أمر الله نبيه بأن يقول: للمشركين بعد أن تبين بالدليل القاطع على أنه وحده المعبود وأنه الخالق لجميع المخلوقات النافع الضار وحده وأن غيره عاجز من جميع الوجوه عن الخلق والنفع والضر مستجلبًا كفايته ومستدفعًا مكر المشركين وكيدهم ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ أي: عليه يعتمد المعتمدون في جلب المصالح ودفع المضار فالله هو الذي بيده وحده الكفاية هو حسبي سيكفيني كل ما أهمني وما لا أهتم به.
قال ابن جرير: "فقل حسبي الله مما سواه من الأشياء كلها إياه أعبد وإليه أفزع في أموري دون كل شيء سواه فإنه الكافي وبيده الضر والنفع لا إلى الأصنام والأوثان التي لا تضر ولا تنفع. ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ يقول: على الله يتوكل من هو متوكل وبه فليتق لا بغيره" أ. هـ٤.
وقال الرازي: حول الآية: "وإذا ثبت أن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخير والشر وإذا كان الأمر كذلك كانت عبادة لله كافية، وكان الاعتماد عليه كافيًا وهو المراد من قوله:
_________________
(١) جامع البيان ٢٤/٥ - ٦.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٦/٩٤.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ٥/٢٥٧.
(٤) جامع البيان ٢٤/٧.
[ ٢٧٤ ]
﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ فإذا ثبت هذا الأصل لم يلتفت العاقل إلى تخويف المشركين فكان المقصود من هذه الآية هو التنبيه على الجواب فما ذكره الله تعالى قبل هذه الآية وهو قوله - تعالى - ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أ. هـ١.
ومما تقدم يتبين لنا أن المشركين لو حكموا عقولهم في شأن أصنامهم لعرفوا أن تخويفهم الرسول ﷺ بها لا قيمة له ولا معنى، إذ هم يعلمون أنها لا تقدر على جلب النفع ولا تدفع الضر بحال ولذلك جاء الوحي الإلهي بأنه لا كافي إلا الله، ولا قادر على كل شيء سواه، ولا عالم بكل شيء غيره، وبذلك كان التوكل على غير الله باطلًا وشركًا فالسورة بينت بأن الكفاية لله وحده والاعتماد عليه دون سواه لأنه القادر على كل شيء، والمحيط بكل شيء علمًا.
ولقد فرض الله التوكل على عباده وأوجب عليهم أن يخلصوه له وحده لا شريك له لأنه من أفضل العبادات ومن أجل مقامات الدين ولا يوفق للقيام به على وجه الكمال إلا أولياء الله وحزبه المؤمنون ومما يدل على فرضيته أن الله - تعالى - أمر به في مواضع كثيرة من كتابه المنزل على رسوله ﷺ. قال - تعالى - ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
قال ابن القيم: فجعل التوكل على الله شرطًا في الإيمان فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه. أ. هـ٣.
قال صاحب قرة عيون الموحدين٤ حول شرحه للآية السابقة "وأراد المصنف بهذه الترجمة بالآية بيان أن التوكل فريضة يجب إخلاصه لله لأنه من أجمع أنواع العبادة الباطنة فإن تقديم المعمول يفيد الحصر فلا يحصل كمال التوحيد بأنواعه الثلاثة إلا بكمال التوكل على الله كما في هذه الآية" أ. هـ٥.
ومما دل على فرضية التوكل أن المولى - سبحانه - جعله من شروط صحة الإسلام والإيمان، والمفهوم من ذلك انتفاء الإسلام، والإيمان عند عدم التوكل قال الله تعالى فيما
_________________
(١) التفسير الكبير ٢٦/٢٨٢.
(٢) سورة المائدة آية: ٢٣.
(٣) طريق الهجرتين ص٢٥٥.
(٤) هو عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ.
(٥) قرة عيون الموحدين ص٢٠٤.
[ ٢٧٥ ]
حكاه عن نبيه موسى ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢. فهاتان الآيتان دلتا على أن صحة الإسلام والإيمان متوقفة على صحة التوكل.
وقال تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ ٣. وهذه الآية فيها الأمر بالتوكل على الله، وأردف هذا الأمر بما هو الموجب للتوكل والمصحح له وذلك ما تضمنه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ فإن العبد إذا اتبع الحق وسار عليه كان مقتضى ذلك تحقيق مقام التوكل على الله ﷿ والاكتفاء به، والإيواء إليه دون سواه فإنه - تعالى - هو الحق وهو ولي الحق وناصره وكافي من قام به، فعلى صاحب الحق أن يقوي توكله على الله، ولا يخاف لأنه على الحق، ويقتدي بالرسل الكرام الذين قال الله عنهم ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ ٤ فتعجبوا من تركهم التوكل على رب العالمين وقد منَّ عليهم بالهداية، وأخبروا بأن ذلك لا يكون أبدًا وهذا من أبرز الأدلة على أن الهداية والتوكل متلازمان.
وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٥ "في هذه الآية دليل على أن التوكل على الله عبادة، وعلى أنه فرض، وإذا كان كذلك فصرفه لغير الله شرك"أ. هـ٦.
ولقد جمع الله في كتابه العزيز بين التوكل والعبادة، وبين التوكل والإيمان وبين التوكل والإسلام، وبين التوكل والتقوى، وبين التوكل والهداية، وما ذلك إلا لتأكيد عبودية التوكل على كل إنسان، وليعلم أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها منزلة الجسد من الرأس فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل.
_________________
(١) سورة يونس آية: ٨٤.
(٢) سورة المائدة آية: ٢٣.
(٣) سورة النمل آية: ٧٩.
(٤) سورة إبراهيم آية: ١٢.
(٥) سورة إبراهيم آية: ١١.
(٦) تيسير العزيز الحميد ص٤٣٩.
[ ٢٧٦ ]
أما الجمع بين التوكل والعبادة فقد ورد في كتاب الله - تعالى - في مواضع سبعة.
أحدها: في أم القرآن قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١.
ثانيها: ما حكاه الله من نبيه شعيب ﵇ ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ﴾ ٢.
ثالثها: ما حكاه الله عن أوليائه وعباده المؤمنين حيث قالوا: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ٣.
رابعها: قول الباري - سبحانه - مخاطبًا خاتم الأنبياء والمرسلين ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا. رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ ٤.
خامسها: قوله تعالى: ﴿وَللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٥.
سادسها: قوله ﷾ ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ٦.
سابعها: قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ ٧.
فهذه سبعة مواضع جمع الله فيها بين الوسيلة والغاية فالوسيلة هي التوكل والغاية هي الإنابة، فإن الإنسان لا بد له من غاية يطلبها، ووسيلة توصله إلى تلك الغاية، وأشرف غاية للإنسان وأجها في هذه الحياة هي أن يعبد ربه وينيب إليه، ومن أعظم الوسائل التي لا وسيلة سواها البتة أن يتوكل العبد على الله ويستعين به، ولا سبيل له إلى تحقيق عبودية الله والإنابة إليه إلا بهذه الوسيلة.
_________________
(١) سورة الفاتحة آية: ٥.
(٢) سورة هود آية: ٨٨.
(٣) سورة الممتحنة آية: ٤.
(٤) سورة المزمل آية: ٨ - ٩.
(٥) سورة هود آية: ١٢٣.
(٦) سورة الحج آية: ٧٨.
(٧) سورة الرعد آية: ٣٠.
[ ٢٧٧ ]
وأما الجمع بين التوكل والإيمان فكقوله ﷾ ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١.
وقوله: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "فذكر اسم الإيمان هنا دون سائر أسمائهم دليل على استدعاء الإيمان للتوكل، وأن قوة التوكل وضعفه بحسب قوة الإيمان وضعفه، وكلما قوي إيمان العبد كان توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفًا فهو دليل على ضعف الإيمان ولا بد" أ. هـ٣.
وأما الجمع بين التوكل والإسلام: فمثل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ٤.
ومثال الجمع بين التوكل والتقوى: ففي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٥.
وأما اقتران التوكل بالهداية ففي قول رسل الله عليهم الصلاة والسلام لأممهم ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ ٦.
فالعبد إذا سلك طريق الحق والهدى يكون قويًا في توكله على ربه - تبارك تعالى - ومن اعتمد على ربه كفاه كلما أهمه وما لم يهمه قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٧ "أي: الله وحده كافيك وكافي أتباعك فلا تحتاجون معه إلى أحد".
وقيل: المعنى حسبك الله وحسبك المؤمنون، وهذا خطأ محض لا يجوز حمل الآية
_________________
(١) سورة الملك آية: ٢٩.
(٢) سورة التغابن آية: ١٣.
(٣) طريق الهجرتين ص٢٥٥.
(٤) سورة يونس آية: ٨٤.
(٥) سورة الطلاق آية: ٢ - ٣.
(٦) سورة إبراهيم آية: ١٢.
(٧) سورة الأنفال آية: ٦٤.
[ ٢٧٨ ]
عليه فإن الحسب والكفاية لله - وحده - كالتوكل والتقوى والعبادة قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
ففرق بين الحسب والتأييد فجعل الحسب له وحده وجعل التأييد له بنصره وبعباده، وأثنى على أهل التوحيد من عباده حيث أفروده بالحسب فقال تعالى ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٢.
ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله فإذا كان هذا قولهم ومدح الرب - تعالى - لهم بذلك فكيف يقوله لرسوله: الله وأتباعك حسبك؟ وأتباعه قد أفردوه بالحسب ولم يشركوا بينه وبين رسوله ﷺ هذا من أمحل المحال وأبطل الباطل، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ﴾ ٣.
وتأمل كيف جعل الإيتاء لله ولرسوله كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ ٤ وجعل الحسب وحده فلم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله بل جعله خالص حقه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ﴾ ٥ ولم يقل وإلى رسوله بل جعل الرغبة إليه - وحده - كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ. وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ٦ فالرغبة، والتوكل والإنابة، والحسب لله - وحده - كما أن العبادة والتقوى والسجود لله - وحده - والنذر والحلف لا يكون إلا له ﷾"أ. هـ٧.
أقسام التوكل على الله - تعالى ـ:
التوكل على الله - تعالى - نوعان:
أحدهما: توكل عليه في جلب حوائج العبد وحظوظه الدنيوية أو دفع مكروهاته ومصائبه الدنيوية. وهذا النوع وإن لم تكن غايته المطلوبة عبادة لأنها محض حق العبد إلا أن التوكل على الله في حصولها عبادة لأن العبد أنشأها لمصلحة دينه ودنياه.
_________________
(١) سورة الأنفال آية: ٦٢.
(٢) سورة آل عمران آية: ١٧٣.
(٣) سورة التوبة آية: ٥٩.
(٤) سورة الحشر آية: ٧.
(٥) سورة التوبة آية: ٥٩.
(٦) سورة الانشراح آية: ٧ - ٨.
(٧) زاد المعاد ١/١٦ - ١٧.
[ ٢٧٩ ]
الثاني: "التوكل عليه في حصول ما يحبه هو ويرضاه من الإيمان واليقين والجهاد والدعوة إليه. فغاية هذا النوع عبادة، وهو في نفيه عبادة فإن العبد استعان بالله على ما يرضيه فصاحبه متحقق بإياك نعبد وإياك نستعين فمن تركه فقد ترك شطر دينه، وبين هذين النوعين من الفضل ما لا يحصيه إلا الله - تعالى - فمتى توكل عليه العبد في النوع الثاني حق توكله كفاه النوع الأول تمام الكفاية. ومتى توكل عليه من النوع الأول دون الثاني كفاه أيضًا، لكن لا يكون له عاقبة المتوكل فيما يحبه ويرضاه، فأعظم التوكل عليه التوكل في الهداية وتجريد التوحيد ومتابعة الرسول وجهاد أهل الباطل، فهذا توكل الرسل وخاصة أتباعهم"١.
وأما التوكل على غير الله - تعالى - فهو أيضًا نوعان:
أحدهما: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله كالذين يتوكلون على الأموات والغائبين في رجاء تحقيق المطالب من الرزق والنصر والحفظ والشفاعة فهذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفر إلا بالتوبة النصوح.
الثاني: التوكل على الأحياء الحاضرين من ولاة الأمور ونحوهم فيما لهم قدرة عليه من رزق أو دفع أذى ونحو ذلك فهذا شرك حتمي في الأسباب العادية الظاهرة، وهو أيضًا نوع شرك أصغر. والوكالة الجائزة هي توكيل الإنسان أخاه في فعل ما يقدر عليه نيابة عنه ولكن ليس الإعتماد عليه في حصول ما وكل فيه بل يتوكل على الله في تيسير أمره الذي يطلبه بنفسه أو نائبه وذلك من جملة الأسباب التي يجوز فعلها ولا يعتمد عليه بل يعتمد على المسبِّب الذي أوجد السبب والمسبب"٢.
وللتوكل على الله - تعالى - فضل عظيم وثواب جزيل في الدنيا والآخرة وقد جاء في الكتاب والسنة الكثير من ذلك.
فمن فضائله أن صاحبه موسوم بمحبة الباري ﷾ وأكرم بمقام موسوم
_________________
(١) الفوائد ص٨٥ - ٨٦، طريق الهجرتين ص٢٦٢.
(٢) تيسير العزيز الحميد ٤٣٩، وانظر قرة عيون الموحدين ص٢٠٥، وانظر فتح المجيد ص٢٩٠. ط: السلفية.
[ ٢٨٠ ]
صاحبه بمحبة الله ﷿ قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ١، ومن أحبه الله - تعالى - ناله كل خير، ومن أبغضه فأي خير يناله؟
ومن فضائله أن الله - تعالى - ضمن الكفاية لمن توكل عليه.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٢ ومن كان الله حسبه وكافيه ومراعيه فقد ظفر بفوز عظيم، فالله وحده هو الذي تطلب منه الكفاية - وحده - ومن طلبها من غيره له الخيبة والخسران.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
"والتوكل عليه هو الإستعانة به فمن يتق الله مثال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ومن يتوكل عليه مثال ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ٣ وقال: ﴿عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ ٤ إلى أن قال: وأما التوكل فبين أن الله حسبه أي كافيه وفي هذا بيان التوكل على الله من حيث أن الله يكفي المتوكل عليه كما قال: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ خلافًا لمن قال: ليس في التوكل إلا التفويض والرضا" أ. هـ٥.
وعلى هذا نقول: فمن كفاه الله - تعالى - ووقاه فلا يكون هناك سبيل لعدوه في أن يطمع في الإضرار به، أو التنكيل به لأنه جعل الله ملجأه ومعاذه فهو الذي يكفيه كل مهمة ويصرف عنه كل بلية.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وأخبر: أن كفايته لهم مقرونة بتوكلهم عليه وأنه كاف من توكل عليه وحسبه وجعل لكل عمل من أعمال البر ومقام من مقاماته جزاءًا معلومًا، وجعل نفسه جزاء المتوكل عليه وكفايته فقال ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ٦. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ ٧ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ
_________________
(١) سورة آل عمران آية: ١٥٩.
(٢) سورة الطلاق آية: ٢، ٣.
(٣) سورة هود آية: ٣ ١٢.
(٤) سورة الممتحنة آية: ٤.
(٥) مجموع الفتاوى ١٦/٥٥ - ٥٦.
(٦) سورة الطلاق آية: ٢.
(٧) سورة الطلاق آية: ٥.
[ ٢٨١ ]
يُسْرًا﴾ ١ ثم قال في التوكل ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٢ فانظر إلى هذا الجزاء الذي حصل للمتوكل ولم يجعله لغيره، وهذا يدل على أن التوكل أقوى السبل عنده وأحبها إليه وليس كونه وكل الأمور إلى نفسه لأن العبد إذا علم ذلك وتحققه معرفة: صارت حالة التوكل قطعًا على من هذا شأنه لعلمه بأن الأمور كلها موكولة إليه، وأن العبد لا يملك شيئًا منها" اهـ٣.
ومن فضائله أنه من صفات أولياء الله وخاصته وهم المؤمنون به حقًا: وفي مقدمتهم أنبياء الله ورسله قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٤ فهذه الآية فيها دليل على انحصار المؤمنين الكمل فيمن تلبس بهذه الصفة. قال ابن عباس ﵄ في هذه الآية: "المنافقون لا يدخل في قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون على الله، ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر الله أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ .
يقول: تصديقًا. ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يقول: لا يرجون غيره. أ. هـ٥.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يبين بأن المؤمنين لا يعتمدون بقلوبهم إلا على ربهم ويفوضون إليه جميع أمورهم، فلا يرجون سواه ولا يقصدون إلا إياه ولا يرغبون إلا إليه مع يقينهم بأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه صاحب التصرف في الملك وحده والمستحق للعبادة دون سواه.
وقال في فتح المجيد: "وفي الآية وصف المؤمنين حقًا بثلاث مقامات من مقامات الإحسان وهي: الخوف، وزيادة الإيمان، والتوكل على الله وحده وهذه المقامات تقتضي كمال الإيمان، وحصول أعماله الباطنة والظاهرة" اهـ٦.
_________________
(١) سورة الطلاق آية: ٤.
(٢) سورة الطلاق آية: ٣.
(٣) مدارج السالكين ٢/١٢٨.
(٤) سورة الأنفال آية: ٢.
(٥) جامع البيان ٩/١٧٨ - ١٧٩.
(٦) ص٣٦٣.
[ ٢٨٢ ]
وقال تعالى في وصفه رسله وأنبياءه بالتوكل عليه:
﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ ١ دلت هذه الآية على أن الجمع بين التوكل والهداية من تحقق الإيمان، ومصيبة الإنسان إما من عدم الهداية وإما من عدم توكله على الله، كما دلت أيضًا على أن الرسل عليهم الصلاة والسلام كان حالهم التوكل على الله وحده، والقرآن مملؤ بذكر التوكل إما أمرًا به، وإما إخبارًا عن خاصة الله وأوليائه وهم المؤمنون بأنهم حققوا عبودية التوكل، وقد أمر الله نبيه وخاتم رسله بالتوكل عليه في مواضع كثيرة من كتابه وسماه المتوكل كما روى ذلك البخاري من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن هذه الآية التي في القرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ٢ قال في التوراة: "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا وحرزًا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ٣ ولا سخاب٤ بالأسواق " الحديث٥.
وقد أخبر النبي ﷺ عن السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب بأن لهم النصيب الأوفر في تحقيق مقام التوكل.
روى البخاري في صحيحه بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب. هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" ٦.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى حول هذا الحديث: "إن النبي ﷺ جعل الوصف الذي يستحق به هؤلاء هو دخول الجنة بغير حساب هو تحقيق التوحيد وتجريده فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم ولا يتطيَّرون وعلى ربهم يتوكلون، والطِّيرة نوع من الشرك، ويتوكلون
_________________
(١) سورة إبراهيم آية: ١٢.
(٢) سورة الأحزاب آية: ٤٥.
(٣) الفظ: سيء الخلق، وفلان أفظ من فلان أي أصعب خلقًا - والمراد هنا: أنه ﷺ رفيقًا بأمته في التبليغ غير فظ ولا غليظ. النهاية ٣/٤٥٩.
(٤) السَّخب والصخب: بمعنى الصياح. النهاية ٢/٣٤٩.
(٥) صحيح البخاري ٣/١٨٩ - ١٩٠، المسند ٢/١٧٤.
(٦) صحيح البخاري مع الفتح ١١/٣٠٥.
[ ٢٨٣ ]
على الله وحده لا على غيره وتركهم الإسترقاء والتطير هو من تمام التوكل على الله" اهـ١.
وجاء في قرة عيون الموحدين عقب قوله ﷺ: "هم الذين لا سيسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" أي: لا يطلبون الرقية من أحد ولا يكتوون إذا كان فيهم ما يشتفي بالكي منه، ولا يتطيرون، والطيرة شرك فتركوا الشرك رأسًا ولم يُنزلوا حوائجهم بأحد فيسألوه الرقية فما فوقها وتركوا الكي، وإن كان يراد للشفاء، والحامل لهم على ذلك قوة توكلهم على الله وتفويضهم أمورهم إليه، وأن لا تتعلق قلوبهم بشيء سواه في ضمن ما دبَّره وقضاه، فلا يرغبون إلا إلى ربهم، ولا يرهبون سواه، ويعتقدون أن ما أصابهم بقدره واختياره لهم فلا يفزعون إلا إليه وحده في كشف ضرهم قال تعالى عن يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ ٢ فالحديث بيّن فيه النبي ﷺ أن السبعين الألف حققوا مقام التوحيد الذي بعث الله الرسل من أجله وهو: أن يفرد - سبحانه - بالعبادة وحده لا شريك له، ومن أبرز صفاتهم الإيمانية التي اتصفوا بها أنهم لا يسألون غيرهم أن يرقيهم، ولا يكويهم، ولا يتشاءمون بالطيور كما كان يفعله أهل الجاهلية، وأنهم يتوكلون على ربهم ويعتمدون عليه في جميع أمورهم.
وجاء في تيسير العزيز الحميد عند قوله: "وعلى ربهم يتوكلون" ذكر الأصل الجامع الذي تفرعت عنه هذه الأفعال وهو التوكل على الله، وصدق الإلتجاء إليه والإعتماد بالقلب عليه الذي هو خلاصة التفريد ونهاية تحقيق التوحيد الذي يثمر كل مقام شريف من المحبة والخوف والرجاء والرضى به ربًا وإلهًا والرضى بقضائه بل ربما أوصل العبد إلى التلذذ بالبلاء. اهـ٣.
وقد حث النبي ﷺ على إفراد الله - تعالى - بعبودية التوكل وأنه لا يعتمد العبد إلا على الله - وحده - لا شريك له.
روى الشيخان بإسنادهما إلى ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم لك أسلمت وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت وبك خاصمت اللهم
_________________
(١) حادي الأرواح ص٨٩.
(٢) قرة عيون الموحدين ص٣٦ والآية رقم ٨٦ من سورة يوسف.
(٣) ص٨٦.
[ ٢٨٤ ]
إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون"١.
وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵂ قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل" قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٢.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب:
قوله: "وقالها محمد ﷺ الخ" وذلك بعد ما كان من أمر أُحُد ما كان بلغ النبي ﷺ وأصحابه أن أبا سفيان ومن معه قد أجمعوا الكرة عليهم فخرج النبي ﷺ ومعه جماعة من الصحابة حتى انتهى إلى حمراء الأسد وهي من المدينة على ثلاثة أميال، ثم ألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان، فرجع إلى مكة ومر به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ فقالوا: نريد المدينة قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدًا رسالة أرسلكم بها إليه؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم فمرَّ الركب برسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه فقال: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٣.
"وروى الترمذي في جامعه عن عمر مرفوعًا: لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا"٤.
ومعنى هذا أنه لا بد من الحركة والسعي في طلب الرزق فقد بين الرسول ﷺ أن الطير تصبح جائعة ضامرة البطون ليس في حواصلها شيء من الطعام وترجع آخر النهار وقد امتلأت بطونها من رزق الله - تعالى - فالذي يجلس في بيته، أو في مسجده ويظن أن رزقه سيأتيه وهو متلبس بالعجز والكسل هذا إنسان جهل ما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في شأن التوكل.
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٣٦٨ - ٣٦٩، صحيح مسلم ٤/٢٠٨٦، المسند ١/٣٠٢.
(٢) صحيح البخاري ٣/١١٤.
(٣) تيسير العزيز الحميد ص٤٤٤ والآية رقم ١٧٣ من سورة آل عمران.
(٤) سنن الترمذي ٤/٤.
[ ٢٨٥ ]
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من قال - يعني إذا خرج من بيته - بسم الله توكلت على الله. ولا حول ولا قوة إلا بالله يقال له: هديت ووقيت وكفيت - فيقول الشيطان لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي ؟ " ١.
وبالجملة فإنه ورد الكثير من النصوص في الكتاب والسنة في بيان فضل التوكل على الله وإخلاصه لله - وحده لا شريك له - فما على العبد إلا أن يسعى جاهدًا في تحقيق عبودية التوكل ويفوض أمره إلى الله ويعتمد عليه وحده ويحسن ظنه بربه، وعلى قدر حسن ظن العبد بربه ورجائه له يكون توكله عليه، وذلك لأن حسن الظن بالله يدعو العبد إلى التوكل عليه، ولا يمكن حصول التوكل على من ساء ظنه به، ولا يمكن التوكل على من لا يرجوه.
ولا يتحقق التوكل إلا بأمرين:
أحدهما: علم القلب ومعناه: أن يكون موقنًا بكفاية الله الذي توكل عليه وكمال قيامه بما وكله إليه، وأن غير الله لا يقوم مقامه في ذلك بحال فلا بد من معرفة الرب - تعالى - ومعرفة صفاته من القدرة والكفاية والقيومية وانتهاء جميع الأمور إلى علمه - تعالى - وصدورها عن مشيئته وقدرته، فهذه المعرفة هي أول خطوة يحقق بها العبد عبودية التوكل، فلا يتصور التوكل ممن أنكر صفات الله - تعالى - كما لا يمكن أن يكون ممن يعتقد بأنه يقع في ملك الله ما لا يشاء إذن فلا يحصل التوكل إلا ممن أثبت لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ دون تكييف أو تعطيل، فالذي يقول إن الله لا يعلم جزئيات العالم سفليه وعلويه، أو يقول أن الله ليس فاعلًا باختياره، وليس له إرادة ومشيئة ولا تقوم به صفة من أين يصح توكله؟ إذن لا بد للعبد أن يكون على علم ومعرفة بالرب ﷾ وما يليق به من صفات جلاله وعظيم سلطانه حتى يصح توكله، ويكون قويًا.
الأمر الثاني: الذي يتحقق به التوكل.
عمل القلب، ومعناه: أن يسكن إلى وكيله ويطمئن إليه ويفوضه ويسلم الأمر إليه ويرضى بتصرفه له فوق رضاه بتصرفه هو لنفسه فبالأصلين المذكورين يتحقق التوكل، وهما لبه، وإن كان التوكل داخلًا في عمل القلب من ناحية علمه بالله - تعالى - قال الإمام
_________________
(١) سنن أبي داود ٢/٦١٩. ورواه الترمذي ٥/١٥٤.
[ ٢٨٦ ]
أحمد: "التوكل عمل القلب١ ولكن لا يتحقق إلا بالعلم: إذ العلم إما شرط فيه وإما جزء من ماهيته، والمقصود إن القلب متى كان على الحق تعظم طمأنينته ووثوقه بالله، وإذا كان منحرفًا مائلًا إلى الباطل علمًا وعملًا، أو أصيب بأحدهما فإن ثقته واطمئنانه بالله معرَّضان للزوال فيكون لا ضمان له عند الله ولا عهد له عنده"٢. نعوذ بالله من ذلك. التوكل والأسباب:
إن التوكل على الله تعالى لا ينافي اتخاذ الأسباب بل إن التوكل لا يتم إلا إذا اتخذ الإنسان لكل عملٍ يريده الأسباب التي توصله إلى تحقيقه فالله ﷾ قد ربط المسببات بأسبابها.
بل إن الإنسان ينساق إلى الأخذ بالأسباب بمقتضى فطرته وبمقتضى التكليف الشرعي فإذا قال الإنسان أنا متوكل على الله في تحصيل رزقي ولم يتخذ الأسباب التي توصله إلى ذلك وتحقق له مطلبه فهو مخالف للفطرة ومخالف لشرع الله الذي جاء الأمر فيه باتخاذ الأسباب قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ٤.
وقال ﷾: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ ٦ وغيرها من الآيات كثير في الأمر بالأخذ بالأسباب مع التوكل على الله في إتمام الأمور التي يسعى العبد في تحصيلها لأن التوكل من أعظم الأسباب وأنفعها في دفع المضار وجلب المنافع، فلا بد من الأخذ بالأسباب التي توصل الإنسان إلى تحقيق حاجاته والحصول على مطالبه، ومن قال بنفي الأسباب فتوكله مشوب ومدخول.
_________________
(١) طريق الهجرتين وباب السعادتين ص٢٥٧.
(٢) طريق الهجرتين ص٢٥٧ وانظر مدارج السالكين م٢/١١٧ - ١١٨، ص ١٢٠ - ١٢١.
(٣) سورة الملك آية: ١٥.
(٤) سورة الأنفال آية: ٦٠.
(٥) سورة البقرة آية: ١٩٧.
(٦) سورة النساء آية: ٧١.
[ ٢٨٧ ]
قال ابن القيم: فاعلم أن نفاة الأسباب لا يستقيم لهم توكل ألبتة لأن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المتوكل فيه فهو كالدعاء الذي جعله الله سببًا في حصول المدعو به" اهـ١.
وقد اقتضت حكمة أحكم الحاكمين ربط المسببات بأسبابها، فلا يجوز للإنسان تعطيلها مهما أمكنه القيام بها، فإذا فعلها عبودية يكون قد أتى بعبودية القلب بالتوكل وعبودية الجوارح بالسبب المنوي به القربة. وتحقيق التوكل موقوف على القيام بالأسباب المأمور بها، فمن عطلها لم يصح توكله، كما أن القيام بالأسباب المفضية إلى حصول الخير يحقق رجاءه فمن لم يقم بها كان رجاؤه تمنيًا، كما أن من عطلها يكون توكله عجزًا، وعجزه توكلًا لله٢ فالتارك للأسباب المطلوبة منه شرعًا وعقلًا ويقول: إن كان قضي لي وسبق في الأزل حصول الولد فإنه آت لا محالة ولو لم أتزوج فهذا لا شك أنه يكون موقع إنكار الناس بل ربما يقال فيه إنه ليس من جملة العقلاء وأن البهائم أفهم منه فإن الواقع المشاهد من حال الحيوان أنه يسعى في تحصيل رزقه بالهداية العامة التي منحها الله جميع خلقه.
جاء في فتح المجيد: عند قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٣ فجعل التوكل مع التقوى الذي هو قيام الأسباب المأمور بها فالتوكل بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجز محض وإن كان مشوبًا بنوع من التوكل فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزًا ولا عجزه توكلًا بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها كلها. اهـ٤.
ومما تقدم نجزم بأنه لا يجوز التخلي عن الأسباب بحال لأن ذلك ممنوع عقلًا وشرعًا وحسًَّا فالرسول ﷺ هو سيد المتوكلين وإمام المتقين عندما خرج من مكة استأجر دليلًا ليدله على الطريق وكان الدليل مشركًا على دين قومه٥ وحضر غزوة أحد بين درعين،
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/١١٨.
(٢) الفوائد ص٨٦.
(٣) سورة المائدة آية: ١١.
(٤) ص ٣٦٥ ط: السلفية، تيسير العزيز الحميد ٤٤٣.
(٥) انظر صحيح البخاري ٢/٣٣ من حديث عائشة ﵂.
[ ٢٨٨ ]
ولم يذكر أنه حضر الصف قط عريانًا١ وكفى به ﷺ قدوةً في تحقيق عبودية التوكل وبيان كيفيته، وكان ﵊ يدخر لأهله قوت سنة٢ وكان إذا خرج مسافرًا للجهاد أو للعمرة أو للحج حمل معه الزاد وكذلك الصحابة ﵃، وهم أولو التوكل حقًا، ومن جاء بعد الصحابة ووفقه الله بأن وصل إلى القمة في التوكل إنما اشتم رائحة توكلهم من مسافة بعيدة، أو عثر على أثر من غبارهم، فحال النبي ﷺ، وحال أصحابه هي الميزان الذي يقوم به حال من بعدهم، وعلى ضوء ذلك تعرف الأحوال الصحيحة من السقيمة، ولا يفوتنا أيضًا أن نقول: إن التوكل الذي كان في قلوب الصحابة كان سببًا في تبصير القلوب، وأن يعبد الله في جميع البلاد، وأن يوحده جميع العباد، فملئوا بتوكلهم القلوب هدى وإيمانًا، وكانت هِمَمُهم عالية فكان أحدهم لا يصرف قوة توكله واعتماده على الله في أمر يحصل عليه بأقل حيلة وسعي، وإنما كانوا يتوكلون في الأمور العظيمة مثل فتح البلدان، والنصر على الأعداء، وتوطيد عقيدة التوحيد في كل مكان فرضي الله عنهم وأرضاهم٣، وعلى ضوء هذا نقول: إن من يطعن في متخذي الأسباب مع التوكل فإنما يطعن بالدرجة الأولى في نبي الهدى ﷺ وصحابته من بعده، ومن طعن في أولئك فليتهم نفسه بأنه على غير ملة الإسلام.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب عند شرحه لحديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: "واعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلًا كما يظنه بعض الجهلة فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري لا انفكاك لأحد عنه حتى الحيوان البهيم، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٤ أي كافيه وإنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها كالاسترقاء والاكتواء فتركهم له ليس لكونه سببًا لكن لكونه سببًا مكروهًا لا سيما المريض يتشبث بما يظنه سببًا لشفائه بخيط العنكبوت، أما نفس مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهية فيه فغير قادح في التوكل فلا يكون تركه
_________________
(١) ذكره الترمذي في سننه ٣/١١٩ من حديث الزبير بن العوام وابن ماجة ٢/٩٣٨.
(٢) رواه البخاري في صحيحه ٣/٢٨٧ من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) انظر مدارج السالكين ٢/١٣٤ - ١٣٥ بتصرف.
(٤) سورة الطلاق آية: ٣.
[ ٢٨٩ ]
مشروعًا كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء" أ. هـ١
والذي نخلص إليه مما تقدم أن التوكل عبادة تعبد الله به عباده وأمرهم جميعًا بأن يخلصوه له وحده لا شريك له، وأن التوكل لا يتنافى مع الأسباب لأن الشرع أثبت الأسباب والمسببات وحكم على قول من أنكرها بالبطلان والفساد فالشرع جاء بالأمر بالتداوي٢، ولا ينافي ذلك توكل الإنسان على ربه لأن التداوي من الأسباب المشروعة التي أباحها الله - تعالى - بل لا يكمل للعبد توحيده إلا بمباشرة الأسباب التي جعلها الله مقتضية لمسبباتها كونًا وشرعًا، وتعطيل الأسباب يقدح في التوكل، كما يقدح في أمر الله وحكمته البالغة، فالإنسان يتوكل على الله في كل أموره مع مباشرة الأسباب ولا يعتمد عليها بل يجعل قلبه متعلقًا بربه الذي له الفضل في إيجاد السبب والمسبب.
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص٨٦/ والحديث في صحيح البخاري ٤/٨.
(٢) انظر سنن ابن ماجة ٢/١١٣٧، المسند ٤/٢٧٨.
[ ٢٩٠ ]
المبحث الثاني عشر: الشفاعة نوعان: منفية ومثبتة
لقد جاء في السورة أن الأمر الوحيد الذي أوقع المشركين في الإشراك بالله - تعالى - إنما كان نتيجة تعلقهم بأن معبوداتهم التي يوجهون لها العبادة من دون الله تشفع لهم عند الله وتقربهم إليه زلفى، كما أوضحت أن الشفاعة نوعان شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة، وقبل إيراد الآيات التي وردت في السورة لبيان ذلك نبين حقيقة الشفاعة في اللغة، والاصطلاح.
أما الشفاعة في اللغة:
فقد جاء في الصحاح للجوهري: "الشفع خلاف الوتر وهو خلاف الوتر تقول: كان وترًا فشفعته شفعًا واستشفعته إلى فلان، أي سألته أن يشفع لي إليه، وتشفَّعت إليه في فلان فشفعني فيه تشفيعًا"١.
وفي القاموس: "الشفع خلاف الوتر وهو الزوج وقد شفعه كمنعه إلى أن قال: وعين شافعة تنظر نظرين، وشفعت لي الأشباح بالضم أي أرى الشخص شخصين لضعف بصري وانتشاره" أ. هـ٢.
وجاء في اللسان: "الشفع خلاف الوتر وهو الزوج تقول: كان وترًا فشفعته شفعًا وشفع الوتر من العدد شفعًا صيَّره زوجًا"٣.
_________________
(١) ٣/١٢٣٨.
(٢) ٣/٤٧.
(٣) ٨/١٨٣، وانظر المعجم الوسيط ١/٤٨٧، الجامع لأحكام القرآن ١/٣٧٨.
[ ٢٩١ ]
وجاء في النهاية لابن الأثير: "ومنه الشُّفعة - بالضم - وهي مشتقة من الزيادة لأن الشفيع يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه به كأنه كان واحدًا وترًا فصار زوجًا شفعًا"١.
وقال الراغب: "ويطلق لفظ الشفيع والشافع على من طلب شيئًا لغيره لينفعه به أو يضره قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ ٢ أي: من انضم إلى غيره وعاونه صار شفعًا له، أو شفيعًا في فعل الخير والشر فعاونه وقواه وشاركه في نفعه وضره"٣.
ومن هذه التعاريف اللغوية السابقة يتبين أن المعنى اللغوي للشفاعة يدخل فيه كل ما دلت عليه مادة - الشفع - وهو: الازدواج والانضمام إلى الغير في الحصول على أمر ما.
قال في اللسان: "والشافع: الطالب لغيره يتشفع به إلى المطلوب يقال: تشفعت بفلان إلى فلان فشفعني فيه واسم الطالب شفيع"٤.
وقال الراغب: "الشفع: ضم الشيء إلى مثله والشفاعة الانضمام إلى آخر ناصرًا له وسائلًا عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى مرتبة إلى من هو أدنى ومنه الشفاعة في القيامة"٥.
وقال الحافظ: "الاستشفاع طلب الشفاعة، وهي: انضمام الأدنى إلى الأعلى ليستعين به على ما يرونه"٦.
وأما تعريف الشفاعة في الاصطلاح:
فإنه لا يكاد يخرج عن المعنى اللغوي، إذ المعنى الاصطلاحي للشفاعة هو: ضم الشافع طلبه إلى طلب المشفوع له، فيصبح بذلك شفعًا وهو ضد الوتر.
وعرَّفها بعضهم بأنها: "سؤال الخير للغير"٧.
_________________
(١) ٢/٤٨٥.
(٢) سورة النساء آية: ٨٥.
(٣) المفردات في غريب القرآن ص٢٦٣ وانظر "الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٦١.
(٤) اللسان ٨/١٨٤، وانظر تاج العروس ٥/٤٠٠.
(٥) المفردات في غريب القرآن ص٢٦٣.
(٦) الفتح ١١/٤٣٣.
(٧) لوامع الأنوار البهية ٢/ ٢٠٤.
[ ٢٩٢ ]
وقيل: "هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم"١.
وبهذا نعلم موافقة المعنى الشرعي للشفاعة لمعانيها اللغوية.
وبعد تعريف الشفاعة لغة وشرعًا نقول: إن "سورة الزمر" قد تناولت نوعي الشفاعة المنفية، والمثبتة، كما أوضحت أن المشركين ما أوقعهم في الشرك بالله - العظيم - إلا تعلقهم بأن الآلهة التي يعبدونها من دون الله تشفع لهم عنده وتقربهم إلى الله زلفى.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لله الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذه ثلاث آيات من السورة الآية الأولى: منها أوضحت أن المشركين كانوا يعبدون الأصنام، والأوثان لكي تشفع لهم عند الله وتقربهم إليه زلفى. قال قتادة: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ أي "قالوا ما نعبد هؤلاء إلا ليقربونا، إلا ليشفعوا لنا عند الله".
قال ابن زيد: قالوا هم شفعاؤنا عند الله، وهم الذين يقربوننا إلى الله زلفى يوم القيامة"٢ فهذه حال من يتخذ الأولياء والشفعاء من دون الله يزعم أن ذلك يقربه إلى الله زلفى، والحال أن عمله هذا مشاهد عليه بالكفر والكذب محروم من هداية الله تعالى، وأما الآيتان الأخيرتان وهما قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لله الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هاتان الآيتان من السورة بينتا بأن الشفاعة تنقسم إلى قسمين:
أـ شفاعة منفية وهي التي ادعاها المشركون وأثبتوها لآلهتهم.
ب - شفاعة مثبتة، وهي التي أثبتها الله لأهل الإخلاص فيأذن هو - سبحانه - لمن يشاء أن يشفع فيه فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له، والذي يشفع عنده إنما يشفع بإذنه له، وأمره وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم، وهي
_________________
(١) النهاية لابن الأثير ٢/٤٨٥، لسان العرب ٨/١٨٤.
(٢) قول قتادة وابن زيد في جامع البيان للطبري ٢٣/١٩١، ١٩٢.
[ ٢٩٣ ]
التي أبطلها الله في أماكن كثيرة من كتابه سنذكر طرفًا منها فيما يأتي إن شاء الله - تعالى - بعد بيان دلالة الآيتين من السورة التي تقدم ذكرها.
فالآية الأولى منهما: وهي قوله - تعالى ـ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ . فهذه الآية تضمنت الإنكار لاتخاذ المشركين الشفعاء من دون الله - سبحانه - حيث زعموا أنها تشفع لهم عند الله من دون أن يأذن أو يأمرهم بذلك والحال أنه لا يمكن أن يشفع أحد عنده - تعالى - إلا بإذنه وأن يرضى عن المشفوع له فهذان الشرطان الثقيلان لا بد منهما في الشفاعة المقبولة عنده - جل وعلا - وهذان الشرطان مفقودان فيمن زعمهم المشركون أنهم شفعاؤهم عند الله - تعالى - وهو - سبحانه - لم يجعل اتخاذ الشفعاء ودعاءهم من دونه سببًا لإذنه ورضاه بل ذلك من أعظم الأسباب المانعة لرضاه، ومن أعظم الأسباب الجالبة لغضبه ثم أنكر عليهم ثانيًا في نفس الآية: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ أي: يشفعون لكم ولو كانوا على هذه الصفة كما ترونهم جمادات ليس لها قدرة ولا علم بحالكم، أو أموات كذلك لا يملكون الشفاعة وليسوا أهلًا لها.
وأما الآية الثانية: وهي قوله - تعالى ـ: ﴿قُلْ لله الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .
فهذه الآية أمر من الله - جل وعلا - لنبيه محمد ﷺ: بأن يعلن لجميع العالمين بأن الشفاعة كلها لله فهو المالك لها وليس لمن زعمهم المشركون منها شيء. قال العلامة ابن جرير حول الآيتين السابقتين: "يقول - تعالى ذكره ـ: أم اتخذ هؤلاء المشركون بالله من دونه آلهتهم التي يعبدونها شفعاء تشفع لهم عند الله في حاجاتهم وقوله: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ قل يا محمد لهم: أتتخذون هذه الآلهة شفعاء كما تزعمون ولو كانوا لا يملكون لكم نفعًا ولا ضرًا، ولا يعقلون شيئًا، قل لهم: إن تكونوا تعبدونها لذلك وتشفع لكم عند الله فأخلصوا عبادتكم لله وأفردوه بالألوهية فإن الشفاعة جميعًا له، لا يشفع عنده إلا من أذن له ورضي له قولًا وأنتم متى أخلصتم له العبادة فدعوتموه وشفعكم ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ يقول: له سلطان السموات والأرض وملكها، وما تعبدون أيها المشركون من دونه ملك له. يقول: فاعبدوا
[ ٢٩٤ ]
الملك لا المملوك الذي لا يملك شيئًا ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يقول: ثم إلى الله مصيركم وهو معاقبكم على إشراككم به إن متم على شرككم"أ. هـ١.
وقال البيضاوي: عند قوله تعالى: ﴿قُلْ لله الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ الآية، لعلَّه رد لما عسى يجيبون به، وهو أن الشفعاء أشخاص مقربون وهي تماثيلهم، والمعنى أنه مالك الشفاعة كلها لا يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه ولا يستقل بها٢ وقوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ تقرير لبطلان اتخاذ الشفعاء من دونه بأنه مالك الملك كله لا يملك أحد أن يتكلم في أمره دون إذنه ورضاه فيدخل في ذلك ملك الشفاعة فإذا كان هو مالكها بطل اتخاذ الشفعاء من دونه كائنًا من كان وسيعلمون حقيقة ذلك إذ وقفوا بين يدي الله يتبين لهم أنهم لا يشفعون ويخيب سعيهم في عبادتهم. قال العلامة ابن القيم حول الآية السابقة:
"فأخبر أن حال ملكه للسموات والأرض يوجب أن تكون الشفاعة كلها له وحده وأن أحدًا لا يشفع عنده إلا بإذنه فإنه ليس بشريك بل مملوك محض بخلاف شفاعة أهل الدنيا بعضهم عند بعض. أ. هـ٣.
والشفاعة التي أثبتها المشركون لأصنامهم صرح القرآن ببطلانها ونفيها في مواضع كثيرة.
قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٤.
قال في تيسير العزيز الحميد: في هذه الآية رد على المشركين الذين اتخذوا الشفعاء من دون الله من الملائكة والأنبياء والأصنام المصورة على صور الصالحين وغيرهم وظنوا أنهم يشفعون عنده بغير إذنه فأنكر ذلك عليهم" أ. هـ٥
_________________
(١) جامع البيان: ٢٤/٩ - ١٠.
(٢) أنوار التنزيل ٢/٣٢٤.
(٣) إغاثة اللهفان ١/٢٢٢.
(٤) سورة البقرة آية: ٢٥٥.
(٥) ص٢٤٠.
[ ٢٩٥ ]
وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ١.
فأخبر أنه ليس للعباد شفيع من دونه، بل إذا أراد الله - سبحانه - رحمة عبده أذن هو لمن يشفع فيه كما قال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ ٢ فالشفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه ولا الشافع شفيع من دونه، بل شفيع بإذنه والفرق بين الشفيعين كالفرق بين الشريك والعبد المأمور فالشفاعة التي أبطلها الله شفاعة الشريك فإنه لا شريك له، والتي أثبتها: شفاعة العبد المأمور الذي لا يشفع ولا يتقدم بين يدي مالكه حتى يأذن له، ويقول: اشفع في فلان ولهذا كان أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد الذين جردوا التوحيد وخلَّصوه من تعلقات الشرك وشوائبه وهم الذين ارتضى الله - سبحانه - قال تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ٤ وهنا أخبر سبحانه أنه لا يحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضاء قول المشفوع له، وإذنه للشافع فيه، فأما المشرك فإنه لا يرتضيه ولا يرضى قوله فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه فإنه - سبحانه - علقها بأمرين رضاه عن المشفوع له وإذنه للشافع فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة٥.
"والسر في ذلك أن الأمر كله لله تعالى وليس لأحد معه من الأمر شيء وأكرم خلقه سبحانه وأفضلهم عنده ملائكته المقربون ورسله الكرام وهم مع ذلك عبيد محض لا يسبقونه بقول، ولا يتقدمون بين يديه، ولا يفعلون شيئًا إلا بعد إذنه، وأمره لهم، ولا سيما يوم القيامة، فالملائكة والأنبياء مملوكون مربوبون أفعالهم مقيدة بأمر الله وإذنه فمن عبدهم واتخذهم شفعاء، وأولياء ظنًا منه أنه إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله فهو من أجهل الناس بحق الرب - سبحانه - وما يجب له ويمتنع عليه.
_________________
(١) سورة الأنعام آية: ٥١.
(٢) سورة يونس آية: ٣.
(٣) سورة الأنبياء آية: ٢٨.
(٤) سورة طه آية: ١٠٩.
(٥) إغاثة اللهفان ١/٢٢١.
[ ٢٩٦ ]
والذي أوقع عباد الأصنام، وعباد القبور في طلب الشفاعة من غير الله - تعالى - هو قياسهم الخالق على المخلوق حيث قاسوه - تعالى - على الملوك والعظماء في هذه الدنيا حيث يتخذ الشخص من المقربين لديهم من يشفع له عندهم في قضاء الحوائج فهذا هو القياس الفاسد الذي بنى عليه المشركون عبادتهم للأصنام، واتخذوا من دونه الشفعاء والأولياء وهذا من جهلهم بالفارق بين الخالق والمخلوق"١.
الذي يجب على كل مسلم معرفته. فهناك فرق بين الشفاعة عند المخلوقين والشفاعة عنده - تعالى - ذلك أن الوسائط التي تكون بين الملوك وبين الناس تكون على أحد الوجوه التالية:
الوجه الأول:
أن العظماء من أهل الدنيا بحاجة إلى من يخبرهم بأحوال الناس ما لا يعرفونه، ومن زعم أن الله لا يعلم أحوال الناس حتى يخبره بذلك بعض الأنبياء، أو غيرهم من الملائكة والأولياء والصالحين فهو كافر به - سبحانه - لأنه - جل وعلا - يعلم السر وأخفى ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
الوجه الثاني:
إن العظماء من أهل الدنيا عاجزون عن تدبير رعيتهم ودفع أعدائهم إلا بأعوان يعاونونهم، وأنصار يكونون مستندًا لهم عند الذلة والعجز، أما الله - جل وعلا - ليس له ظهير، ولا ولي من الذل، وكل ما في الوجود من الأسباب فهو - سبحانه - ربه وخالقه وهو الغني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم في الحقيقة شركاؤهم والله - سبحانه - لا شريك له في الملك، بل لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، ولهذا لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلًا عن غيرهما، فإن من شفع عنده بغير إذنه فهو شريك له في حصول المطلوب أثَّر فيه بشفاعته حتى يفعل ما يطلب منه، والله تعالى لا شريك له بوجه من الوجوه.
_________________
(١) انظر إغاثة اللهفان ١/٢٢١ بتصرف.
[ ٢٩٧ ]
الوجه الثالث:
إن العظماء من أهل الدنيا قد يكونون غير مريدين نفع رعيتهم والإحسان إليهم إلا بمحرك يحركهم من الخارج، فإذا خاطبهم من ينصحهم ويعظهم أو من يدلهم ممن يرجونهم ويخافونهم تحركت إرادتهم وهمتهم في قضاء حوائج رعيتهم. فلحاجتهم إليهم يقبلون شفاعتهم وإن لم يأذنوا فيها لأنهم يخافون أن يردوا شفاعتهم فتنتقض طاعتهم، ولذا يقبلون شفاعتهم على الكره والرضي.
أما الباري ﷾ فهو رب كل شيء ومليكه وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها وكل الأسباب إنما تكون بمشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو - سبحانه - إذا أراد إجراء نفع العباد بعضهم على يد بعض جعل هذا يحسن إلى هذا وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن والداعي إرادة الإحسان والدعاء والشفاعة"١. ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف مراده أو يعلمه ما لم يكن يعلمه، والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون إلا بإذنه كما قدمنا ذلك بخلاف العظماء من أهل الدنيا فإنهم محتاجون والشافع عندهم يكون شريكًا لهم في الملك، وقد يكون مظاهرًا لهم على ملكهم ولذا فإنهم يشفعون عند ملوكهم بغير إذنهم، والملوك يقبلون شفاعتهم تارة لحاجتهم إليهم وتارة لجزاء إحسانهم ومكافأتهم، حتى أنهم يقبلون شفاعة أولادهم وأزواجهم، بل إن أحدهم لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك، بل يقبل حتى شفاعة مملوكه فإنه إذا لم يقبل شفاعته يخاف أن لا يطيعه، ويقبل شفاعة أخيه مخافة أن يسعى في ضرره. فشفاعة العباد بعضهم عند بعض كلها من هذا القبيل فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبة أو لرهبة، والله - جل وعلا - لا يرجو أحدًا، ولا يخافه ولا يحتاج إلى أحد هو الغني - سبحانه - عما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، والمشركون قديمًا وحديثًا إنما يتخذون الشفعاء، والأولياء على غرار ما يعهدونه عند المخلوق"٢ وفيما ذكرنا من الفروق كفاية بين الشفاعة الشركية، والشفاعة الشرعية لمن أراد الله تنوير بصيرته، فابتعد عما يدين به المشركون والقبوريون
_________________
(١) الواسطة بين الحق والخلق لابن تيمية ص١٧ - ١٩ بتصرف، وانظر إغاثة اللهفان ١/٢٢٣، وانظر الهدية السنية لابن سحمان ص٥١.
(٢) إغاثة اللهفان ١/٢٢٣.
[ ٢٩٨ ]
في الشفعاء والأولياء، وأما من أراد الله فتنته فلا حيلة فيه ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ ١.
ولقد حكم الله في كتابه على اتخاذ المشركين الشفعاء والأولياء بالكفر وأنهم كاذبون فيما يزعمون من أن معبوداتهم تشفع لهم عند الله وتقربهم إليه زلفى. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ .
وهذه الآية من السورة بينت أن غاية المشركين من عبادتهم الأولياء أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، وذلك بتحصيل شفاعتهم وهذا من افتراء المشركين الباطل وقد تقدم الكلام على هذه الآية قريبًا.
وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢.
هذه الآية فيها الإخبار بذم المشركين الذين يعبدون الأصنام التي ليس لديها جلب نفع ولا دفع ضر وأبانت بأن مقصودهم من عبادتها هو الشفاعة عند الله كما أوضحت بأن ذلك شرك بالله العظيم نزه تعالى نفسه عنه.
قال الصنعاني٣ رحمه الله تعالى: "فجعل الله تعالى اتخاذهم للشفعاء شركًا ونزه نفسه عنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فكيف يثبتون شفعاء لهم لم يأذن الله لهم في شفاعة ولا هم أهل لها، ولا يغنون عنهم من الله شيئًا" اهـ٤.
وقال تعالى مبطلًا للشفاعة الشركية وقاطعًا منافذ الشرك فيها بالكلية ﴿قُلِ ادْعُوا
_________________
(١) سورة الكهف آية: ١٧.
(٢) سورة يونس آية: ١٨.
(٣) هو: محمد بن إسماعيل بن صلاح بن الحسين الكحلاني ثم الصنعاني أبو إبراهيم عز الدين المعروف بالأمير، وهو مجتهد له مؤلفات كثيرة أصيب بمحن كثيرة من الجهلاء والعوام ولد سنة تسع وتسعين وألف وتوفي سنة اثنتين ومائة وألف هجرية. انظر ترجمته في "البدر الطالع للشوكاني ٢/١٣٣ - ١٣٩".
(٤) تطهير الإعتقاد ص١١، وانظر "شذرات البلاتين" ١/٢٨١ - ٢٨٣.
[ ٢٩٩ ]
الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ١.
هذه الآية قال فيها بعض العلماء: "إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب لمن عقلها"٢ يوضح ذلك ما قاله العلامة ابن القيم حولها:
قال رحمه الله تعالى: "فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين مجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك وسدت بها عليهم الباب أبلغ سد وأحكمه؟ فإن العابد إنما تعلق بالمعبود لما يرجو من نفعه، وإلا فلو كان لا يرجو منفعة منه فلا يتعلق قلبه به أحدًا وحينئذ فلا بد أن يكون المعبود إما مالكًا للأسباب التي ينتفع بها عابداه أو شريكًا لمالكها، أو ظهيرًا أو وزيرًا أو معاونًا له، أو وجيهًا ذا حرمة وقدر، يشفع عنده فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه انتفت أسباب الشرك وانقطعت موارده فنفى - سبحانه - عن آلهتهم أن تملك مثقال ذرة في السموات والأرض فقد يقول المشرك: هي شريكه للمالك الحق فنفى شركها له.
فيقول المشرك: قد تكون ظهيرًا أو وزيرًا أو معاونًا فقال: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ٣.
ولم يبق إلا الشفاعة فنفاها عن آلهتهم وأخبر أنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه فإن لم يأذن للشافع لم يتقدم بالشفاعة بين يديه، كما يكون في حق المخلوقين، فإن المشفوع عنده يحتاج إلى الشافع وإلى معاونته له فيقبل شفاعته وإن لم يأذن له بها.
وأما من كل ما سواه فقير إليه بذاته فهو الغني بذاته عن كل ما سواه فكيف يشفع عنده أحد بغير إذنه؟ ٤.
فتبين مما تقدم أن الشفاعة المنفية التي نفاها الله - سبحانه - هي الشفاعة الشركية التي زعمها المشركون في آلهتهم أنها تشفع لهم عند الله وتقربهم إليه زلفى ولذلك يطلق القرآن نفيها تارة بناء على أنها هي المعروفة عند الناس ويقيدها تارة بأنها لا تنفع إلا بعد أن
_________________
(١) سورة سبأ آية: ٢٣.
(٢) تيسير العزيز الحميد ص٢٤٥.
(٣) سورة سبأ آية: ٢٣.
(٤) مختصر الصواعق المرسلة ١/٩٤، مدارج السالكين ١/٣٤٣.
[ ٣٠٠ ]
يأذن الله لمن يشاء، وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه ﷾ لأنه هو الذي أذن وهو الذي رضي عن المشفوع وهو الذي وفقه للعمل الذي استحق به الشفاعة، أما متخذ الشفيع فهو مشرك لا تنفعه شفاعته ولا يشفع فيه.
النوع الثاني: الشفاعة المثبتة:
ذكرنا فيما تقدم أن السورة دلت على نوعي الشفاعة، المنفية، والمثبتة وتقدم الكلام على الشفاعة المنفية وهي التي أثبتها المشركون لآلهتهم الباطلة وذكرنا أن قوله تعالى: ﴿قُلْ لله الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .
هذه الآية من السورة دلت على الشفاعة المثبتة.
فالآية كما قدمنا قريبًا دلت على أن الشفاعة كلها لله تعالى لأن الأمر كله له وبيده - سبحانه - وكل شفيع يخافه ولا يقدر أي مخلوق كائنًا من كان أن يشفع عنده بدون إذنه مهما كانت مكانته، فإذا أراد - سبحانه - رحمة عبد من عبيده أذن للشفيع أن يشفع عنده رحمة بالاثنين فله - سبحانه - ملك السموات والأرض من الذوات والأفعال والصفات فالواجب على جميع العباد أن يطلبوا الشفاعة من مالكها ويخلصوا في الطلب علَّهم يحصلون على نصيب من ذلك.
وسنبين هنا حقيقة الشفاعة المثبتة وحكمها ثم نختم ذلك بذكر أنواعها:
حقيقة الشفاعة المثبتة:
لقد قيد القرآن الكريم الشفاعة المثبتة بشرطين:
الشرط الأول: إذن الله تعالى للشافع بالشفاعة قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإذْنِهِ﴾ ١.
الشرط الثاني: رضاه عن المشفوع له قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٢ وعلى هذين الشرطين فليس في مكانة الملائكة، أو أي مخلوق مَّا سوغ المشركون عبادته من دون الله ممن لا يملك النفع والضر. أن يشفع عند الله إلا بإذنه، ولا
_________________
(١) سورة البقرة آية: ٢٥٥.
(٢) سورة الأنبياء آية: ٢٨.
[ ٣٠١ ]
يأذن الله بالشفاعة إلا عند رضاه عن المشفوع له، والله لا يرضى عن المشركين الذين قامت عليهم الحجة بدعوة التوحيد، فلم يستجيبوا ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ١.
حكمها:
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: "مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلًا ووجودها سمعًا بصريح قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ٢.
وقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٣ وأمثالهما ويخبر الصادق ﷺ وقد جاءت الآثار والتي بلغت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين، وأجمع السلف والخلف ومن بعدهم من أهل السنة عليها، ومنعت الخوارج والمعتزلة، وتعلقوا بمذاهبهم في تخليد المذنبين في النار، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٤ وبقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ ٥ وهذه الآيات في الكفار، وأما تأويلهم أحاديث الشفاعة بكونها في زيادة الدرجات فباطل وألفاظ الأحاديث في الكتاب وغيره صريحة في بطلان مذهبهم وإخراج من استوجب النار" اهـ٦.
قال القاضي عبد الجبار عند قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ٧. يدل على أن من استحق العقاب لا يشفع النبي ﷺ، ولا ينصره لأن الآية وردت في صفة اليوم ولا تخصيص فيها فلا يمكن صرفها إلى الكفار دون أهل الثواب وهي واردة فيمن يستحق العذاب في ذلك اليوم لأن هذا الخطاب لا يليق إلا بهم فليس لأحد أن يطعن على ما قلناه بأن يمنع
_________________
(١) سورة المائدة آية: ٧٢.
(٢) سورة طه آية: ١٠٩.
(٣) سورة الأنبياء آية: ٢٨.
(٤) سورة المدثر آية: ٤٨.
(٥) سورة غافر آية: ١٨.
(٦) نقلًا عن شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٥٥.
(٧) سورة البقرة آية: ٤٨.
[ ٣٠٢ ]
الشفاعة للمؤمنين أيضًا ولو كان النبي ﷺ يشفع لهم لكان قد أغنى عنهم وأجزى فكان لا يصح أن يقول تعالى: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ ولما صح أن قول ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ وقد قبلت شفاعته ﷺ فيهم، ولما صح أن يقول: ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ لأن قبول الشفاعة وإسقاط العقاب إلى المغفرة أعظم من كل فداء لهم عما قد استحقوه من المضرة، بل كان يجب أن تكون الشفاعة فداء لهم عما قد استحقوه من حيث تزول بها ولمكانها، ولما صح أن يقول: ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ وأعظم النصرة تخليصهم من العذاب الدائم بالشفاعة فالآية دالة على ما نقوله من جميع هذه الوجوه" أ. هـ١. ونحن نقول له إن ذلك غير صحيح وأن مذهبك هذا ومذهب أتباعك من المعتزلة ظاهر الفساد والبطلان لمخالفته الكتاب والسنة وإجماع الأمة في ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر.
قال البيضاوي حول الآية السابقة التي استدل بها عبد الجبار بن أحمد على نفي الشفاعة "وقد تمسكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر وأجيب بأنها مخصوصة بالكفار للآيات والأحاديث الواردة في الشفاعة، ويؤيده أن الخطاب معهم والآية نزلت ردًا لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم" اهـ٢.
ويرد على المعتزلة والخوارج الذين نفوا الشفاعة من وجوه:
١ - إن الشفاعة ثابتة بالقرآن والأخبار المتواترة.
٢ - الإجماع: من السلف على تلقي هذه الأخبار بالقبول، ولم يبد من أحد منهم في عصر من الأعصار نكير فظهور الأخبار الواردة فيها وإطباقهم على صحتها، وقبولها لها دليل قاطع على صحة عقيدة أهل السنة وفساد مذهب المعتزلة والخوارج٣.
٣ - إن أهل العلم قد جمعوا بين الآيات الواردة في نفي الشفاعة وبين الآيات الدالة على إثبات الشفاعة، بأن الآيات الواردة في نفي الشفاعة والشفيع المراد بها الشفاعة للكفار٤
_________________
(١) متشابه القرآن القسم الأول: ٩٠ - ٩١.
(٢) أنوار التنزيل ١/٥٥.
(٣) تفسير القرطبي ١/٣٧٨ - ٣٧٩.
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٣٥، فتح الباري ١١/٤٢٦، تفسير ابن جرير الطبري ١/٢٦٧، تفسير الرازي ٣/٥٦ وما بعدها، الجامع لأحكام القرآن ١/٣٧٨ وما بعدها، تفسير النسفي ١/٤٧.
[ ٣٠٣ ]
والشفاعة المنفية هي التي تطلب من الأصنام والأموات الذين لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعًا ولا ضراَ.
أنواع الشفاعة المثبتة:
اختلف العلماء في شفاعاته ﷺ يوم القيامة كم هي؟ فذكر النقاش١ في تفسيره أن للنبي ﷺ ثلاث شفاعات: الشفاعة العامة، وشفاعته في السبق إلى الجنة، وشفاعة في أهل الكبائر. وقال ابن عطية٢: في تفسيره، والمشهور أنهما شفاعتان فقط العامة وشفاعة في إخراج المذنبين وهذه الشفاعة الثانية لا يتدافعها الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء، وذكر القاضي عياض٣ إن للنبي ﷺ خمس شفاعات٤.
وذكر القرطبي أن للنبي ﷺ ست شفاعات٥ وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في "العقيدة الواسطية" أن للنبي ﷺ ثلاث شفاعات وقد ذكر شارح الطحاوية أن أنواع الشفاعة في الآخرة ثمانية أنواع منها ما هو خاص بالنبي ﷺ وهذه الأنواع هي٦:
النوع الأول:
الشفاعة العامة: وهي التي يتدافعها الأنبياء أصحاب الشرائع آدم إلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام وهي المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون.
_________________
(١) هو محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون، أبو بكر النقاش، عالم بالقرآن وتفسيره أصله من الموصل ومنشأه ببغداد وكان في بدء حياته يزاول نقش السقوف والحيطان ولد سنة ست وستين ومائتين هجرية وتوفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة. انظر ترجمته في وفيات الأعيان ١/٤٨٩، ميزان الإعتدال ٣/٤٥، اللباب ٣/٣٢١.
(٢) هو عبد الحق بن غالب بن عطية المحاربي من محارب قيس، الغرناطي أبو محمد مفسر، فقيه، أندلسي من أهل غرناطة ولد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة وتوفي سنة إثنتين وخمسمائة هجرية انظر ترجمته في بغية الوعاة ٢/٩٣، كشف الظنون ٢/١٦١٣.
(٣) هو: عياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبي السبتي أبو الفضل عالم بالمغرب وإمام أهل الحديث في زمنه، ولد سنة ست وسبعين وأربعمائة وتوفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة هجرية. انظر ترجمته في وفيات الأعيان ١/٣٩٢، الفهرس التمهيدي ١/٣٦٨، والأعلام ٥/٢٨٢.
(٤) انظر التذكرة للقرطبي ص٢٤٩، شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٣٥ - ٣٦ فتح الباري ١١/٤٢٨.
(٥) التذكرة ص٢٤٩.
(٦) ص١٢٧ - ١٢٨ بشرح محمد خليل هراس.
[ ٣٠٤ ]
قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ١.
روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قال: "إن الناس يصيرون يوم القيامة جيشًا كل أمة تتبع نبيها تقول: يا فلان اشفع يا فلان اشفع حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود"٢.
وروى الترمذي في سننه وحسنه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سئل النبي ﷺ في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ .
قال: هي الشفاعة٣.
فالمقام المحمود هو الشفاعة العظمى لتفسير النبي ﷺ الآية الواردة فيه بذلك.
جاء في لوامع الأنوار ما نصه: شفاعة النبي ﷺ نوع من السمعيات وردت بها الآثار حتى بلغت مبلغ التواتر المعنوي وانعقد عليها إجماع أهل الحق من السلف الصالح قبل ظهور المبتدعة لكن هذه الشفاعة العظمى مجمع عليها لم ينكرها أحد ممن يقول بالحشر إذ هي للإراحة من طول الوقوف حتى يتمنون الإنصراف من موقفهم ذلك ولو إلى النار
وقد التمس بعض العلماء الحكمة في إلهام الناس التردد إلى غير النبي ﷺ قبله ولم يلهموا المجيء إليه لأول وهلة أن ذلك إظهار لفضله ﵊ وشرفه على رؤوس الخلائق فصلوات الله وسلامه عليه"٤.
النوع الثاني:
شفاعته ﷺ في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع ليدخلوا الجنة.
النوع الثالث:
شفاعته ﷺ في أقوام أمر بهم إلى النار فيشفع فيهم أن لا يدخلوها.
_________________
(١) سورة الإسراء آية: ٧٩.
(٢) ٣/١٥١.
(٣) ٤/٣٦٥.
(٤) ٢/٢٠٨ وانظر شرح النووي على مسلم ٣/٥٦.
[ ٣٠٥ ]
ومما يستدل به لهذين النوعين قوله ﷺ: "يجمع الله ﵎ الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم لست بصاحب ذلك. اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله قال فيقول: إبراهيم لست بصاحب ذلك إنما كنت خليلًا من وراء وراء اعمدوا موسى ﷺ الذي كلمه الله تكليمًا. فيأتون موسى ﷺ فيقول: لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه فيقول عيسى ﷺ لست بصاحب ذلك فيأتون محمدًا ﷺ. فيقوم فيؤذن له. وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمنًا وشمالًا فيمر أولكم كالبرق" قال قلت: بأبي أنت وأمي! أي شيء كمر البرق؟ قال: "ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرحال تجري بهم أعمالهم ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب! سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفًا" قال: "وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج ومكدوس١ في النار" ٢.
قال الحافظ بعد أن ذكر النوع الثالث من أنواع الشفاعة: "ودليل الثالثة حديث حذيفة عند مسلم: ونبيكم على الصراط يقول: "رب سلم سلم"٣.
النوع الرابع:
شفاعته ﷺ في رفع درجات من يدخل الجنة فيها فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم وقد وافقت المعتزلة على هذه الشفاعة.
قال القاضي عياض: "وهذه الشفاعة لا تنكرها المعتزلة ولا تنكر شفاعة الحشر الأول"٤. ودليل هذا النوع: ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ لما أصيب عمه أبو عامر في غزوة أوطاس فلما أخبر أبو موسى
_________________
(١) قال في النهاية: أي مدفوع وتكدس الإنسان إذا دفع من ورائه فسقط.
(٢) رواه مسلم من حديث حذيفة ١/١٨٧.
(٣) فتح الباري ١١/٤٢٨.
(٤) ذكره عنه القرطبي في التذكرة ص٢٤٩.
[ ٣٠٦ ]
رسول الله ﷺ فرفع يديه وقال: "اللهم اغفر لعبيد أبي عامر واجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك" ١.
وحديث أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ دعا لأبي سلمة بعدما توفي فقال: "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه" ٢.
النوع الخامس:
شفاعته ﷺ في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب.
ويستدل لهذا النوع بما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ويدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب" فقال رجل: يا رسول الله! أدع الله أن يجعلني منهم قال: "اللهم اجعله منهم" ثم قام آخر فقال: يا رسول الله! أدع الله أن يجعلني منهم قال: "سبقك بها عكاشة" ٣.
ووجه الدلالة منه دعاؤه لعكاشة بن محصن أن يجعله من أولئك السبعين ألفًا فدعاؤه ﷺ شفاعة له.
النوع السادس:
الشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحقه كشفاعته ﷺ في عمه أبي طالب أن يخفف عنه عذابه، ودليل هذا النوع ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار، يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه"٤.
قال القرطبي: بعد أن ذكر هذا النوع فإن قيل: فقد قال - تعالى - ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٥ قيل له لا تنفعه في الخروج من النار كما تنفع عصاة
_________________
(١) صحيح البخاري ٤/١٠٣، صحيح مسلم ٤/١٩٤٣.
(٢) صحيح مسلم ٢/٦٤٣، وسنن أبي داود ٢/١٧٠ والمسند ٦/٢٩٧.
(٣) صحيح البخاري مع الفتح ١١/٤٠٦، صحيح مسلم ١/١٩٧.
(٤) ٤/١٩٥.
(٥) سورة المدثر آية: ٤٨.
[ ٣٠٧ ]
الموحدين الذين يخرجون ويدخلون الجنة" أ. هـ١.
وقال الحافظ: "لعله تنفعه شفاعتي" ظهر من حديث العباس وقوع هذا الترجي واستشكل قوله ﷺ: "تنفعه شفاعتي" بقوله - تعالى - ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ وأجيب بأنه خص ولذلك عدوه في خصائص النبي ﷺ، وقيل: معنى المنفعة في الآية يخالف معنى المنفعة في الحديث والمراد بها في الآية الإخراج من النار وفي الحديث "المنفعة بالتخفيف"أهـ٢.
النوع السابع:
شفاعته ﷺ في أن يؤذن لأهل الجنة في دخولها ومن أدلة هذا النوع ما جاء في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعًا" ٣.
وفي حديث آخر عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت؟ فأقول: محمد فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك" ٤.
النوع الثامن:
الشفاعة في أهل الكبائر من هذه الأمة ممن دخل النار فيخرجون منها وقد تواترت بهذا النوع الأحاديث الكثيرة٥.
ورغم تواترها فقد خالف في ثبوتها الخوارج والمعتزلة ممن قل علمه منهم ينكرها لجهله بكثرة الأحاديث الواردة فيها.
_________________
(١) التذكرة ص٢٤٩.
(٢) فتح الباري ١١/٤٣١.
(٣) صحيح مسلم ١/١٨٨.
(٤) المصدر السابق ورواه أيضًا أحمد في مسنده ٣/٢٤٧.
(٥) ذكر هذه الأنواع العلامة ابن القيم في شرحه على سنن أبي داود، انظر عون المعبود ١٣/٧٧ - ٧٨ وابن كثير في النهاية ٢/١٧٩ - ٢٨٢، كما ذكرها شارح الطحاوية ص٢٥٣ - ٢٥٨، فتح الباري ١١/٤٢٨، شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٣٥، تحفة الأحوذي ٧/١٢٧، لوامع الأنوار البهية ٢/٢٠٤ - ٢١٧، الدين الخالص ٢/٣٠٩ - ٣١٠.
[ ٣٠٨ ]
وأما من علم تلك الأحاديث منهم فإنكاره لها إنما هو عناد واستكبار عن الحق واسترواح لهذه البدعة المنكرة، واتباع للهوى.
وهذه الشفاعة يشارك فيها النبي ﷺ الملائكة والنبيون والمؤمنون وأدلة هذا النوع كثيرة جدًا.
فمنها ما رواه الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله، من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا" ١ ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن معبد بن هلال العنزي قال: اجتمعنا ناس من أهل البصرة فذهبنا إلى أنس بن مالك، وذهبنا معنا بثابت البناني إليه يسأله لنا عن حديث الشفاعة فإذا هو في قصره فوافقناه يصلي الضحى، فاستأذنا، فأذن لنا وهو قاعد على فراشه فقلنا لثابت لا تسأله عن شيء أول من حديث الشفاعة فقال: يا أبا حمزة هؤلاء إخوانك من أهل البصرة جاؤوك يسألونك عن حديث الشفاعة فقال: حدثنا محمد ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض" الحديث وفيه أنهم يأتون آدم فيطلبون منه أن يشفع لهم. فيحيلهم على إبراهيم وإبراهيم يحيلهم على موسى وموسى يحيلهم على عيسى، وعيسى يحيلهم على الرسول ﷺ فيأتونه فيقول: "أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي، ويلهمني محامد أحمده بها، لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخر له ساجدًا، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وأشفع تشفع، وسل تعط، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فانطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا، فيقال: يا محمد، أرفع رأسك، وقل يسمع لك، واشفع تشفع، وسل تعط، فأقول: يا رب أمتي أمتي فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان فأنطلق فأفعل، ثم أعود بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي فيقول: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل". قال:
_________________
(١) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١٣/٤٤٧، صحيح مسلم ١/١٨٩.
[ ٣٠٩ ]
فلما خرجنا من عند أنس وقلت لبعض أصحابنا لو مررنا بالحسن، وهو متوارٍ في منزل أبي خليفة فحدثناه بما حدثنا به أنس بن مالك فأتيناه فسلمنا عليه، فأذن لنا، فقلنا له: يا أبا سعيد جئناك من عند أخيك أنس بن مالك فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة، فقال: هيه؟
فحدثنا بالحديث، فانتهى إلى هذا الموضع، فقال: هيه؟ فقلنا له لم يزد لنا على هذا، فقال: لقد حدثني وهو يومئذ جميع، منذ عشرين سنة فما أدري، أنسي، أم كره أن تتكلوا؟ فقلنا: يا أبا سعيد، فحدثنا، فضحك وقال: خلق الإنسان عجولًا ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم، حدثني كما حدثكم به، قال: "ثم أعود الرابعة، فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله". فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله"١.
فهذا الحديث: وأمثاله من الأحاديث الواردة في شفاعته ﷺ لأهل الكبائر من أمته بلغت مبلغ التواتر ورغم ذلك فقد خفي علم ذلك على الخوارج والمعتزلة، فخالفوا في ذلك، لجهلهم بصحة الأحاديث، وعنادًا ممن علم ذلك واستمر على بدعته، وهذه الشفاعة، تشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون٢ أيضًا.
للحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا قال: "فيقول الله - تعالى - شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط" ٣.
قال شارح الطحاوية: "ثم إن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال:
فالمشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المشايخ وغيرهم: يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا. والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر.
_________________
(١) ١/١٨٢ - ١٨٤.
(٢) انظر النهاية لابن كثير ٢/١٨٠.
(٣) ١/١٧٠، صحيح البخاري ٤/٢٨٦.
[ ٣١٠ ]
وأما أهل السنة والجماعة، فيقرون بشفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر وشفاعة غيره لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله له ويحد له حدًا كما في الحديث الصحيح حديث "الشفاعة" "إنهم يأتون آدم ثم نوحًا، ثم إبراهيم ثم موسى، ثم عيسى، فيقول لهم عيسى ﵇: "اذهبوا إلى محمد، فإنه عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأذهب فإذا رأيت ربي خررت له ساجدًا فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن، فيقول: أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع، واشفع تشفع، فأقول: ربي: أمتي، فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة، ثم انطلق فأسجد، فيحد لي حدًا"١ ذكرها ثلاث مرات" أ. هـ٢.
والذي نخلص إليه مما تقدم أن الشفاعة التي نفاها القرآن هي الشفاعة التي تعلق بها المشركون الذين اتخذوا من دون الله، الشفعاء، والأولياء، فعاملهم الله بنقيض قصدهم من شفعائهم. وأما الشفاعة المثبتة التي أثبتها القرآن فهي التي يفوز بها الموحدون والتي أرشد إليه النبي ﷺ في قوله لأبي هريرة ﵁ حين سأله عنها: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: "أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه"٣.
فتأمل كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد وتخليصه من شوائب الشرك، وذلك عكس ما عند المشركين: حيث زعموا أن الشفاعة تنال باتخاذهم أولياءهم شفعاء، وعبادتهم وموالاتهم من دون الله، وقد أبطل الله هذا الزعم في كتابه وسنة رسوله ﷺ بأنه لا تطلب الشفاعة إلا منه ﵎ ولا يعبد إلا هو - سبحانه - ولا ولاء إلا له - جل وعلا - والمتأمل لحديث أبي هريرة السابق يرى أنه قلب المفهوم الذي يتصوره المشركون، وأبان للناس أجمعين مسلمهم وكافرهم أن سبب الشفاعة الوحيد هو تجريد التوحيد، وحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع وبالله التوفيق، وهو المستعان.
_________________
(١) صحيح البخاري ٤/٢٨٦ - ٢٨٧، صحيح مسلم ١/١٨٠ - ١٨٢.
(٢) شرح الطحاوية ص٣٦٠.
(٣) صحيح البخاري مع الفتح ١١/٤١٨، وأحمد في المسند ٢/٣٧٣.
[ ٣١١ ]
المبحث الثالث عشر: الرسل بعثوا للدعوة إلى توحيد الله بتوحيد العبادة
من أجل توحيد الألوهية أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب فما من رسول أرسله الله إلى العباد إلا كان هذا التوحيد أساس دعوته وجوهرها.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢ وأخبرنا - سبحانه - في محكم كتابه عن رسله نوح وهود وصالح وشعيب أنهم جميعًا دعوا أقوامهم إلى توحيد العبادة.
فقال نوح ﵊ لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٣ فهذه دعوة أول رسول بعد حدوث الشرك.
وقال هود ﵊ لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٤ وقال شعيب ﵊ لقومه ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٥ وقال صالح ﵇ لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٦ وقال إمام الحنفاء وأبو الأنبياء إبراهيم ﵊: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ
_________________
(١) سورة النحل آية: (٣٦) .
(٢) سورة الأنبياء آية: (٢٥) .
(٣) سورة الأعراف آية: (٦٥) .
(٤) سورة الأعراف آية: (٥٩) .
(٥) سورة هود آية: (٨٤) .
(٦) سورة الأعراف آية: ٧٣.
[ ٣١٢ ]
مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ١.
وقال تعالى عن يوسف ﵊: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لله أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وأما المسيح الذي زعم النصارى أنه ابن الله أو هو الله، أو ثالث ثلاثة فقد كان من أشد الناس عبودية لله تعالى، ولم يستنكف أن يكون عبدًا لله فإنه قال: ﴿إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٣.
وأما كليم الله موسى ﵊ فإنه واجه بني إسرائيل بإنكار بليغ ومؤثر في النفس حين طلب منه بنو إسرائيل أن يجعل لهم إلهًا فأنكر عليهم ذلك أشد الإنكار قال تعالى حكاية عنهم: ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٤.
وقد حكى الله في كتابه عن يعقوب ﵊ أنه اختبر بنيه عن الإله الذي يعبدونه من بعده قال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ٥.
وأما مسك الختام وبدر التمام محمد بن عبد الله عليه من الله أزكى الصلاة والسلام فإنه صارح اليهود والنصارى بما أمره الله به قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى
_________________
(١) سورة الأنبياء آية: (٦٦ - ٦٧) .
(٢) سورة يوسف آية: (٣٩ - ٤٠) .
(٣) سورة آل عمران آية: (٥١) .
(٤) سورة الأعراف آية: (١٣٨ - ١٤٠) .
(٥) سورة البقرة آية: (١٣٣) .
[ ٣١٣ ]
كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ١.
فالله ﷿ أرسل الرسل وأنزل عليهم الكتب، وخلق السموات والأرض ليعرفه العباد ويعبدوه ويوحدوه ويكون الدين كله لله والطاعة كلها له - وحده لا شريك له ـ، ويفردوه بتوحيد الألوهية.
فتوحيد الألوهية هو حقيقة دين الإسلام فقد كانت الشهادتان أول ركن من أركانه، ولذلك قال ﷺ: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا" متفق عليه٢.
وقال ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: " إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله " الحديث٣ فتوحيد العبادة هو أول واجب على المكلف لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا الشك كما هي أقوال لمن لم يعرف ما بعث الله به رسوله ﷺ من معاني القرآن والسنة فهو أول واجب كما قال ﷺ: "يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" ٤ وهو آخر ما يخرج به من الدنيا كما قال ﷺ: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" ٥ بل إن أول وصية في القرآن وأول أمر فيه هو الدعوة إلى عبادة الله وحده ونبذ عبادة كل ما سواه، ومن سواه من الآلهة المزعومة سواءً كان من الجن أو أي مخلوق آخر فروح الإسلام وقطب رحاه الذي يدور عليه هو توحيد الله - تعالى - بتوحيد العبادة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ٦.
_________________
(١) سورة آل عمران آية: (٦٤) .
(٢) صحيح البخاري: ١/١١، صحيح مسلم ج١/٤٥، سنن الترمذي: ٤/١١٩ النسائي ٨/١٠٧ - ١٠٨.
(٣) صحيح مسلم ١/٨٠، النسائي ٥/٢.
(٤) رواه أحمد في مسنده من حديث ربيعة بن عباد الديلمي ٣/٤٩٢.
(٥) المستدرك للحاكم وصححه ١/٣٥١ من حديث معاذ بن جبل ﵁.
(٦) سورة المدثر آية: (١ - ٥) .
[ ٣١٤ ]
وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١.
وقال عز شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢.
ومن هذه الآيات والأحاديث المتقدمة يتبين بطلان زعم بعض المتكلمين بأن غاية التوحيد هو: أن الله واحد في ذاته لا قسيم له وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له٣ لأن التوحيد الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله ليس هو هذه الأمور الثلاث التي ذكروها، وإن كان فيها ما هو داخل في التوحيد الذي جاء به الرسول ﷺ، ليس توحيدهم التوحيد الذي ذكر الله ورسوله، وهو عبادة الله وحده، فمن عبد الله، لم يشرك به شيئًا فقد وحده، ومن عبد دونه شيئًا من الأشياء فهو مشرك ليس بموحد مخلص له الدين، وإن كان مع ذلك قائلًا بهذه المقالات التي زعموا أنها التوحيد حتى لو أقر بأن الله وحده خالق كل شيء وهو "التوحيد في الأفعال" لكان مشركًا، وهذه حال مشركي العرب الذي بعث الرسول إليهم ابتداء وأنزل القرآن ببيان شركهم ودعاهم إلى توحيد الله وإخلاص الدين له"٤.
_________________
(١) سورة الفاتحة آية: (٤، ٥) .
(٢) سورة البقرة آية: (٢١) .
(٣) الملل والنحل ١/٤٢.
(٤) تلبيس الجهمية ١/٤٧٨، وانظر درء تعارض العقل والنقل ١/٢٢٥ - ٢٢٦.
[ ٣١٥ ]
الفصل الثالث: دلالة السورة على توحيد الربوبية
المبحث الأول: تعريف توحيد الربوبية
المبحث الأول: تعريف توحيد الربوبية
معنى الرب في اللغة:
الرب في اللغة: يطلق على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيم، والمنعم، والمتمم، ولا يطلق غير مضاف إلا على الله - تعالى - وإذا أطلق على غيره أضيف فيقال: رب كذا ومنه حديث أبي هريرة "لا يقل المملوك لسيده ربي"١ كره أن يجعل مالكه ربًا له لمشاركة الله تعالى في الربوبية فأما قوله تعالى ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ٢ فإنه خاطبه على المتعارف عندهم، وعلى ما كانوا يسمونهم به ومثله قول موسى ﵇ للسامري: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ ٣ أي: الذي اتخذته إلهًا. وأما الحديث في ضالة الإبل "حتى يلقاها ربها"٤ فإن البهائم غير متعبدة ولا مخاطبة فهي بمنزلة الأموال التي يجوز إضافة مالكيها إليها وجعلهم أربابًا لها ومنه حديث عمر ﵁"رب الصريمة ورب الغنيمة"٥ وقد كثر ذلك في الحديث٦. وجاء في الصحاح للجوهري: "رب كل شيء: مالكه"، والرب اسم من أسماء الله ﷿ ولا يقال: في غيره إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهلية للملك قال الحارث بن حلِّزة:
وهو الرب والشهيد على يوم الحيارين والبلاء بلاء
_________________
(١) رواه أبو داود في سننه ٢/٥٩١.
(٢) سورة يوسف آية: ٤٢.
(٣) سورة طه آية: ٩٧.
(٤) رواه ابن ماجة من حديث زيد بن خالد الجهني ٢/٨٣٧.
(٥) رواه البخاري في صحيحه وانظر "فتح الباري" ٦/١٧٥.
(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/١٧٩ - ١٨٠.
[ ٣١٩ ]
والرباني: المتأله العارف بالله - تعالى - وقد قال - سبحانه ـ: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ ١ ورببت القوم سستهم أي: كنت فوقهم. قال أبو نصر: وهو من الربوبية، ومنه قول صفوان: لأن يربني رجل من قريش أحب إليّ من أن يربني رجل من هوازن. ورب الضيعة: أي أصلحها وأتمها. ورب فلان ربًا ورببه، وترببه بمعنى أي: رباه. اهـ٢.
وجاء في المفردات في غريب القرآن: "الرب: في الأصل من التربية وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد التمام يقال: ربه ورباه ورببه فالرب مصدر مستعار للفاعل ولا يقال: الرب مطلقًا إلا على الله - تعالى - المتكفل بمصلحة الموجودات نحو قوله تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ ٣ وبالإضافة يقال: له ولغيره نحو قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤ ويقال: رب الدار ورب الفرس لصاحبها" اهـ٥.
المعنى الإصطلاحي لتوحيد الربوبية:
هو إفراد الله بأفعاله: كالخلق والرزق، فلا بد من الاعتقاد الجازم بأنه - تعالى - الخالق الرازق المحيي المميت المدبر، المعطي المانع، الضار النافع، القادر المقتدر، مالك الملك الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
قال العلامة ابن القيم: فاسم الرب له الجمع الجامع لجميع المخلوقات فهو رب كل شيء وخالقه، والقادر عليه لا يخرج شيء عن ربوبيته وكل من في السموات والأرض عبد له في قبضته وتحت قهره، فاجتمعوا بصفة الربوبية، وافترفوا بصفة الإلهية فألهه وحده السعداء، وأقروا له طوعًا بأنه الله الذي لا إله إلا هو، الذي لا تنبغي العبادة، والتوكيل، والرجاء، والخوف والحب، والإنابة والإخبات، والخشية، والتذلل، والخضوع إلا له،
_________________
(١) سورة آل عمران آية: ٧٩.
(٢) الصحاح ١/١٣٠ وانظر القاموس ١/٧٢ - ٧٣، اللسان ١/٣٩٩ وما بعدها.
(٣) سورة سبأ آية: ١٥.
(٤) سورة الفاتحة آية: ١.
(٥) المفردات للراغب ص١٨٤، وانظر أحكام القرآن لابن العربي ١/٢٧٩.
[ ٣٢٠ ]
وههنا افترق الناس وصاروا فريقين فريقًا مشركين في السعير، وفريقًا موحدين في الجنة، فالإلهية هي التي فرقتهم، كما أن الربوبية هي التي جمعتهم" اهـ١.
وقال في تيسير العزيز الحميد معرفًا توحيد الربوبية: "هو الإقرار بأن الله - تعالى - رب كل شيء ومالكه، وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت النافع الضار المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر وهذا التوحيد لا يكفي العبد في حصول الإسلام بل لا بد أن يأتي مع ذلك بلازمه من توحيد الإلهية، لأن الله حكى عن المشركين أنهم مقرون بهذا التوحيد له وحده"٢.
وجاء في لوامع الأنوار: "توحيد الربوبية أن لا خالق ولا رازق ولا محيي ولا مميت ولا موجد ولا معدم إلا الله تعالى"٣.
وقال محمد صديق حسن خان في كتابه "الدين الخالص" مبينًا معنى "توحيد الربوبية" ومعناه: "أن الله وحده هو الخالق للعالم وهو الرب لهم، والرازق لهم، وهذا لا ينكره المشركون ولا يجعلون لله فيه شريكًا بل هم مقرون به" اهـ٤.
والذي نخلص إليه من تعريفات أهل العلم لتوحيد الربوبية أنه لا بد من الاعتقاد الجازم بأن الله - تعالى - هو الرب المتفرد بالخلق والرزق والتدبير الذي ربى جميع الخلق بأصناف نعمه، وربى خواص خلقه وهم الأنبياء وأتباعهم الذين آمنوا بهم وصدقوا بما جاؤوا به من عند ربهم بالعقائد الصحيحة، والأخلاق الجميلة والعلوم النافعة، والأعمال الصالحة.
_________________
(١) مدارج السالكين ١/٣٤.
(٢) ص ١٧.
(٣) ١/١٢٨ - ١٢٩.
(٤) ١/٦١.
[ ٣٢١ ]
المبحث الثاني: دلائل توحيد الربوبية من السورة
لقد ذكر الله في سورة "الزمر" الكثير من دلائل توحيد الربوبية فقد بين أنه تعالى الخالق للسموات والأرض وما بينهما، وأنه - سبحانه - هو الذي جعل الليل والنهار يتعاقبان بحيث إذا ذهب هذا خلفه الآخر، وهو الذي سخر الشمس والقمر لتهيئة مصالح العباد ومنافعهم، وهو الذي خلق بني آدم من نفس واحدة وهو آدم ﵇، وهو الذي خلق لهم الأزواج الثمانية من الأنعام التي تعتبر أكثر الحيوانات نفعًا لبني الإنسان، وهو الذي يرعاهم بلطفه وعنايته وهم في الأرحام في ظلمات ثلاث وهو الذي ينزل المطر من السماء وينبت النبات، وهو - سبحانه - المتصرف في شؤون خلقه بالإحياء والإماتة واليقظة والنوم، وبسطه - تعالى - الرزق لمن يشاء وتضييقه على من يشاء، ثم بينت السورة في ختام تلك الدلائل أن مقاليد السموات والأرض بيده - سبحانه - تلك هي دلائل توحيد الربوبية في السورة وسأتحدث عن كل واحد منها بحديث خاص حتى يتبين وجه دلالتها على ربوبية الخالق وأنه - سبحانه - المستحق للعبادة وحده لا شريك له. وإلى بيان تلك الأدلة مرتبة:
١ - خلق السموات والأرض:
لقد دلت السورة على أن خلق السموات والأرض من أعظم الآيات الدالة على ربوبيته - تعالى - والتعرف عليه - سبحانه - في آيتين منها: قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِ ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون﴾ .
إن خلق السموات والأرض وإبداعهما على هذه الصورة من أعظم الآيات الدالة على ربوبية الله، والتعرف عليه - سبحانه - فقد أوضح الحق - سبحانه - بقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
[ ٣٢٢ ]
وَالأَرْضَ بِالْحَقِ﴾ أنه خالقهما بالحق المتجرد عن اللهو والعبث، وبث فيهما من الحكم العظيمة التي يتجلى بعضها لعباده المتفكرين المتدبرين في خلقهما.
وأما قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون﴾ فهذه الآية فيها أمر للنبي ﷺ: بأن يدعو الله وحده لا شريك له الذي خلق السموات والأرض وفطرها على غير مثال سابق قال ابن جرير الطبري عند قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِ﴾ يقول تعالى ذكره معرفًا خلقه حجته عليهم في توحيده، وأنه لا تصلح الألوهية إلا له: "خلق ربكم أيها الناس السموات والأرض بالعدل - وهو الحق - منفردًا بخلقها لم يشركه في إنشائها وإحداثها شريك ولم يعنه عليها معين"١. فالإله الحق الذي يستحق أن يعبد هو من يخلق وينشئ السموات والأرض، وليس ذلك في مقدور أحد سوى رب العالمين الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده دون سواه، فالسموات جعلها الله سقفًا محفوظًا تتألف من سبع طبقات وفيها من مخلوقات الله العجيبة ما الله بها عليم يحكمها نظام متقن تسير على وفقه، وذلك النظام هو النظام الإلهي الرباني الذي يحافظ على سيرها العام دون أن يحصل فيها خلل أو فطور قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُور * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ ٢ وقد تحدث العلامة ابن القيم في كتابه "مفتاح دار السعادة" عن آيات الله الدالة على وجوده وقدرته وحكمته في خلقه السموات وإبداع صنعها وما هي عليه من حيث السعة والعظم، وحسن خلقها وبنائها كما أوضح بأنها أشمل للعجائب التي دلت على وجود الخالق - سبحانه - وأن دلالتها على وجود الله - تعالى - أوضح من دلالة المخلوقات الأخرى، ثم قرر أنه لا نسبة لجميع ما في الأرض إلى عجائب السموات.
قال رحمه الله تعالى: "فالأرض والبحار والهواء وكل ما تحت السموات بالإضافة إلى السموات كقطرة في بحر ولهذا قل أن تجيء سورة في القرآن إلا وفيها ذكرها إما إخبارًا عن عظمها وسعتها، وإما إقسامًا بها، وإما دعاء إلى النظر فيها، وإما إرشادًا للعباد أن يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها، وإما استدلالًا منه - سبحانه - بخلقها على ما أخبر به
_________________
(١) جامع البيان ١٤/٧٨.
(٢) سورة الملك آية: ٤.
[ ٣٢٣ ]
من المعاد والقيامة، وإما استدلالًا منه بربوبيته لها على وحدانيته، وأنه الله الذي لا إله إلا هو، وإما استدلالًا منه بحسنها واستوائها والتئام أجزائها وعدم الفطور فيها على تمام حكمته وقدرته، وكذلك ما فيها من الكواكب والشمس والقمر والعجائب التي تتقاصر عقول البشر عن قليلها فكم من قسم في القرآن بها؟ كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾، و﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾، ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾، وهي الكواكب التي تكون خنسًا عند طلوعها جوار في مجراها وسيرها عند غروبها فأقسم بها في أحوالها الثلاثة، ولم يقسم في كتابه بشيء من مخلوقاته أكثر من السماء والنجوم والشمس والقمر وهو - سبحانه - يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لتضمنه الآيات والعجائب الدالة عليه وكلما كان أعظم آية وأبلغ في الدلالة كان إقسامه به أكثر من غيره ولهذا يعظم هذا القسم كقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ " اهـ١. وقال في موضع آخر: " فتأمل خلق السماء وارجع البصر فيها كرة بعد كرة كيف تراها؟ من أعظم الآيات في علوها وارتفاعها وسعتها وقرارها بحيث لا تصعد علوًا كالنار ولا تهبط نازلة كالأجسام الثقيلة ولا عمد تحتها ولا علاقة فوقها بل هي ممسوكة بقدرة الله الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا ثم تأمل استواءها واعتدالها فلا صدع فيها ولا فطر ولا شق ولا أمت ولا عوج ثم تأمل ما وضعت عليه من هذا اللون الذي هو أحسن الألوان وأشدها موافقة للبصر وتقوية له"اهـ٢.
فلقد أوضح ابن القيم دلالة خلق السموات على أن للعالم خالقًا حكيمًا عليمًا قدره أحسن تقدير ونظمه أحسن نظام ولقد حث القرآن الكريم في غير ما آية على التفكر في خلق السموات والأرض وبين أن الذي أقامها وأمسكها إنما هو الخالق القادر على كل شيء المستحق للعبادة وحده دون سواه. قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ ٣ وقال ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ ٤
وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ٥ أفلا ينظرون من رفع السماء بلا عمد يرونها وهي بعيدة المدى لا علاقة من فوقها ولا عمد
_________________
(١) مفتاح دار السعادة ١/١٩٦ - ١٩٧ والآيتان رقم ٧٥ - ٧٦ من سورة الواقعة.
(٢) مفتاح دار السعادة ١/٢٠٧.
(٣) سورة الرعد آية: ٢.
(٤) سورة لقمان آية: ١٠.
(٥) سورة الغاشية آية: ١٧ - ١٨.
[ ٣٢٤ ]
تحتها تسندها ولا يدخل في حساب الخلق نجومها؟ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ١. فهو سبحانه قيوم السموات والأرضيين فلا قيام لهما ولا استقرار إلا به ﷾.
وأما خلق الأرض وما فيها من الجبال والهضاب والسهل والوعر والرمل والبحار والأنهار وما في باطنها من المعادن وغيرها من المنافع الظاهرة والباطنة التي تساعد الإنسان على بناء حياته لأدلة واضحة على إبداع الخلاق الحكيم ﷾ وقد نبه الله عباده في غير ما آية إلى النظر والتفكر في الأرض. قال تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ ٢.
فالأرض مليئة بالعبر والعظات لأهل اليقين. قال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ٣ أفلا ينظرون؟ من بسط الأرض ودحاها وجعلها بساطًا ممتدًا في الطول والعرض ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ ٤ تثبت عليها الأقدام ويتقلب عليها الحيوان ويتمتع بخيراتها الإنسان؟ إنه الله فلا شيء يخلق نفسه.
وقد أثنى الله - تعالى - على عباده الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض، وبين الثمرة التي تحصل لهم نتيجة تفكرهم وتدبرهم في خلق السموات والأرض فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ ِلأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ٥.
فتأمل أولي الألباب في خلق ربهم للسموات والأرض وما احتويا عليه من الآيات الدالة على قدرة الباري ﷾ أكسبهم الثمرة المطلوبة وتلك الثمرة هي أنهم
_________________
(١) سورة فاطر آية: ٤١.
(٢) سورة الذاريات آية: ٢٠.
(٣) سورة الغاشية آية: ١٧ - ٢٠.
(٤) سورة نوح آية: ٢٠.
(٥) سورة آل عمران آية: ١٩٠ - ١٩١.
[ ٣٢٥ ]
يذكرونه - سبحانه - في جميع حالاتهم قيامًا، وقعودًا وعلى جنوبهم، ثم أيقنوا وآمنوا بأن الرب ﷾ لم يخلق هذه المخلوقات عبثًا ولذلك نزهوه عن العبث فقالوا: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ .
فتفكرهم في هذا الكون الفسيح علويه وسفليه نقلهم إلى الإيمان بما وراء هذا الكون وهو الدار الآخرة ولذلك تضرعوا إلى الله أن يقيهم عذاب النار الذي يوجب لصاحبه الخزي والعار فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ .
وقد ذم الله المعرضين عن التفكر فيما خلق الله من المخلوقات في السموات والأرض فقال - سبحانه ـ: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ ١.
قال ابن كثير: "أي لا يتفكرون فيما خلق الله فيها من الاتساع العظيم والارتفاع الباهر، وما زينت به من الكواكب الثوابت والسيارات في ليلها ونهارها من هذه الشمس التي تقطع الفلك بكماله في يوم وليلة، فتسير غاية لا يعلم قدرها إلا الله الذي قدرها وسخرها وسيرها" أ. هـ٢.
وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ ٣.
يخبر تعالى عن غفلة أكثر الناس عن التفكر في آيات الله، ودلائل توحيده بما خلقه الله في السموات والأرض من كواكب زاهرات ثوابت، وسيارات وأفلاك دائرات، والجميع مسخرات، وكم في الأرض من قطع متجاورات، وحدائق وجنات، وجبال راسيات، وبحار زاخرات وأمواج متلاطمات، وقفار شاسعات، وكم من أحياء وأموات وحيوان ونبات، وثمرات متشابهة ومختلفات في الطعوم والروائح والألوان والصفات، - فسبحان الواحد الأحد - خالق أنواع المخلوقات، المتفرد بالدوام والبقاء والصمدية للأسماء والصفات وغير ذلك"٤.
_________________
(١) سورة الأنبياء آية: ٣٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٤/٥٦١.
(٣) سورة يوسف آية: ١٠٥.
(٤) تفسير ابن كثير ٤/٥٥.
[ ٣٢٦ ]
فالسموات والأرض مليئة بالآيات البينات والحجج الواضحات التي تهدي الإنسان وتدله على أن وراء هذا الكون خالقًا حكيمًا مدبرًا، هو المستحق أن يعبد وحده دون سواه.
٢ - تعاقب الليل والنهار:
إن تعاقب الليل والنهار المشار إليه في السورة بقوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ بإدخال أحدهما على الآخر وتداخلهما من أعجب آيات الله، وبدائع صنعه، ولذلك يعيد الباري - سبحانه - ذكرهما في القرآن ويبديه.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ ٢ وقوله سبحانه ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ ٣.
"فالله تعالى هو الذي يحول ضياء النهار إلى ظلام الليل ليتمكن الإنسان من الحصول على الهدوء والسكينة حتى يرتاح من إرهاق العمل ومشقة السعي، وحتى يستجمع قواه ويجدد نشاطه ليواصل سعيه من جديد إذا ما جاء النهار وولي الظلام"٤.
وفي ذلك عبر ودلالات واضحة على ربوبية الله - تعالى - وتصرفه في الكون كيف يشاء.
وعند التأمل في مقادير الليل والنهار نجدها على غاية المصلحة والحكمة وأن مقدار الليل والنهار على لو زاد على ما قدر له أو نقص لفاتت المصلحة واختلفت الحكمة بذلك بل جعل الله لهما مقدارًا معينًا وهو أربعة وعشرون ساعة ويتقارضان الزيادة بينهما فما يزيد في أحدهما من الآخر يعود الآخر فيسترده منه وفي ذلك قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ ٥ وفي الآية قولان:
أحدهما: أن المعنى يدخل ظلمة هذا في مكان ضياء ذلك وضياء هذا في مكان
_________________
(١) سورة فصلت آية: ٣٧.
(٢) سورة الفرقان آية: ٦٢.
(٣) سورة الفرقان آية: ٤٧.
(٤) انظر مفتاح دار السعادة لابن القيم ١/٢٠٣ بتصرف.
(٥) سورة الحديد آية: ٦.
[ ٣٢٧ ]
ظلمة الآخر فيدخل كل واحد منهما في موضع الآخر وعلى هذا القول تكون الآية عامة في كل ليل ونهار.
الثاني: أنه يزيد في أحدهما ما ينقصه من الآخر فما ينقص منه يلج في الآخر لا يذهب جملة وعلى هذا القول فالآية تكون خاصة ببعض ساعات كل من الليل والنهار في غير زمن الاعتدال فهي خاصة في الزمان وفي مقدار ما يلج في أحدهما من الآخر١. ولا تنافي بين القولين فكلاهما حق.
وعلى كل فاختلاف الليل والنهار وزيادة أحدهما ونقصان الآخر من أظهر الأدلة على تصرفه سبحانه في هذا الكون وذلك وذلك لأن النور والظلمة عسكران مهيبان عظيمان وفي كل يوم يغلب هذا ذاك تارة وذاك هذا أخرى، وذلك يدل على أن كل واحد منهما مغلوب مقهور ولا بد من غالب قاهر لهما يكونان تحت تدبيره وقهره، وهو الله سبحانه وتعالى٢.
٣ - تسخير الشمس والقمر لتهيئة مصالح العباد ومنافعهم:
إذا تأمل الإنسان بفكر عميق وعقل متدبر في بعض جزئيات هذا الكون المسخر لمصالحه والتي عليها استقرار حياته كفاه ذلك دليلًا واضحًا وحجة بينة على أن هذا الكون مخلوق لخالق حكيم قدير ومن جزئيات هذا العالم تسخير الشمس والقمر المشار إليه في السورة بقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمّىً أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ .
إن الشمس والقمر عليهما يترتب قوام حياة البشرية وحياة جميع المخلوقات من حيوان ونبات.
قال الرازي: والثابت اعتبار أحوال الكواكب لا سيما الشمس والقمر فإن الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل وأكثر مصالح هذا العالم مربوطة بهما وقوله: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمّىً﴾ الأجل المسمى يوم القيامة لا يزالان يجريان إلى هذا اليوم فإذا كان يوم القيامة ذهبا ونظيره قوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَر﴾ ٣ والمراد من هذا التسخير
_________________
(١) مفتاح دار السعادة ١/٢٠٩ - ٢١٠.
(٢) تفسير الرازي ٢٦/٢٤٤.
(٣) سورة القيامة آية: ٩.
[ ٣٢٨ ]
أن هذه الأفلاك تدور كدورات المنجنون١ على حد واحد إلى يوم القيامة وعنده تطوى السماء كطي السجل للكتب. أ. هـ٢.
وقال العلامة ابن القيم: ثم تأمل هذا الفلك الدوّار بشمسه وقمره ونجومه وبروجه وكيف يدور على هذا العالم هذا الدوران الدائم إلى آخر الأجل على هذا الترتيب والنظام وما في طي ذلك من اختلاف الليل والنهار والفصول والحر والبرد وما في ضمن ذلك من مصالح ما على الأرض من أصناف الحيوان والنبات وهل يخفى على ذي بصيرة أن هذا إبداع المبدع الحكيم وتقدير العزيز العليم ولهذا خاطب الرسل أممهم مخاطبة من لا شك عنده في الله وإنما دعوهم إلى عبادته وحده لا إلى الإقرار به. أ. هـ٣.
فتعاقب الليل والنهار ناتج عن طلوع الشمس وغروبها فلولا تسخيره سبحانه الشمس والقمر والليل والنهار بصورة منظمة محكمة بلغت النهاية في التنظيم والإبداع لتعطل أمر العالم بأسره فلقد ذلل الله الشمس والقمر وسيرهما في أفلاكهما سيرًا سريعًا متوازنًا بحيث لا يؤدي ذلك إلى ارتطام أو اصطدام بينهما، وقد عد الله ذلك من آياته قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٤.
فالليل والنهار يتعاقبان على حد معلوم وقدر مقسوم كل منهما يتعقب الآخر مسرعًا في طلبه ويتغلب على المكان الذي كان فيه والشمس والقمر يدوران والنجوم الثابتة والسيارة كل في فلك يسبحون بسير مقدر ونور مقرر، وانتظام دقيق، وحركة محسوبة وترابط عجيب تبعًا لسنن إلهية مقررة، فلو قدر للشمس أن لا تغيب لحميت الأرض بدوام شروقها ولهلك كل من عليها من حيوان ونبات فكان طلوعها بمنزلة السراج يرفع لأهل البيت ليقضوا حوائجهم ثم تغيب عنهم مثل ذلك ليقروا ويهدءوا. وصار ضياء النهار مع ظلام الليل وحر هذا مع برد هذا مع تضادهما متعاونين متظاهرين بهما تمام مصالح العالم. وقد
_________________
(١) المنجنون: الدولاب التي يستقي عليها. انظر مختار الصحاح ص٦٣٥.
(٢) التفسير الكبير ٢٦/٢٤٤.
(٣) مفتاح دار السعادة ١/٢١٢.
(٤) سورة يس آية: ٣٧ - ٤٠.
[ ٣٢٩ ]
أشار تعالى إلى هذا المعنى في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ١.
فخص سبحانه النهار بذكر البصر لأنه محله وفيه سلطانه وتصرفه وخص الليل بذكر السمع لأن سلطان السمع يكون بالليل وتسمع فيه الحيوانات ما لا تسمع في النهار لأنه وقت هدوء الأصوات وخمود الحركات٢.
وهناك فوائد أخرى مترتبة على حركة الشمس والقمر أشار إليها سبحانه بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
"فالخلق بأسرهم بحاجة ماسة إلى معرفة الحساب الذي لا غناء لهم في مصالحهم عنه فعليه تتوقف معرفة أعمارهم والآجال المضروبة للديون والإجارات والمعاملات والعدد وغير ذلك فلولا حلوك الشمس والقمر في المنازل وتنقلهما فيها منزلة بعد منزلة لم يعلم شيء من ذلك"٤.
فالحركة الدائبة للشمس والقمر قائمة على النظام والإتقان والتقدير الإلهي الذي شمل كل مخلوقات الله تعالى ذلك الكون منظم منسق وانتظامه مرتبط بإرادة الله وقدرته كما أن استمراره على هذه الحالة منوط باختيار الله تعالى ومشيئته قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ٦ وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٧.
فليس هناك فوضى أو عبث وإنما هو إتقان وتقدير إلهي والنظام المتمثل في هذا
_________________
(١) سورة القصص آية: ٧١ - ٧٢.
(٢) مفتاح دار السعادة ١/٢٠٧ - ٢٠٨، التفسير القيم ص٤٠٢.
(٣) سورة يونس آية: ٥.
(٤) مفتاح دار السعادة ١/٢٠٩.
(٥) سورة النمل آية: ٨٨.
(٦) سورة الفرقان آية: ٢.
(٧) سورة القمر آية: ٤٩.
[ ٣٣٠ ]
الكون يدركه عقل الإنسان بسهولة ويسر لأنه لا يحتاج إلى كد ذهن أو إعمال فكر لأنه خطاب موجه من العليم بنفوس البشر جميعًا فاقتضت الحكمة الإلهية مخاطبة الناس كافة بآيات هذا الكون الفسيح وما فيه من عجائب المخلوقات ولقد أحسن من قال:
تأمل سطور الكائنات فإنها من الملأ الأعلى إليك رسائل
وقد خط فيها لو تأملت خطها ألا كل شيء ما خلا الله باطل
تشير بإثبات الصفات لربها فصامتها يهدي ومن هو قائل١
فدلائل ربوبية الخالق ماثلة في كل ما يحيط ببني الإنسان على مختلف حواسهم، نشرها الباري بينهم لكي يقرؤوها فيعبدوه ويوحدوه دون سواه.
٤ - خلقه تعالى بني آدم من نفس واحدة:
قال تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ هذه الآية من السورة بين الله تعالى فيها أنه خلق بني آدم الذين لا يحصي عددهم إلا هو - سبحانه - من أب واحد وهو آدم ﵇ حيث كان خلقه في المرحلة الأولى منفردًا، ثم خلق له الباري - سبحانه - زوجة من نفسه وجسمه وهي حواء في سورة نادرة ليس لها مثيل بين المخلوقات٢، فخلقه تعالى البشرية على هذا النحو من أعظم الأدلة الدالة على إبداع المبدع الحكيم والمدبر العليم، وخلقه - تعالى - بني آدم من نفس واحدة فيه لفت أنظارهم إلى مبدأ خلقهم وأن البشرية على اختلاف تنوعها بين الذكورة والأنوثة، وعلى اختلافها في العرق والعنصر وتباينها في اللغة واللون، فإن مرجعها إلى مصدر واحد وإلى منشأ واحد كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ ٣.
قال ابن جرير حول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ "يعني بقوله تعالى ذكره: احذروا أيها الناس ربكم في أن تخالفوه فيما أمركم، وفيما نهاكم فيحل بكم من عقوبته ما لا قبل لكم به
_________________
(١) مدارج السالكين ٣/٣٥٦.
(٢) انظر جامع البيان ٢٣/١٩٣، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٦/٨٠، التفسير الكبير للرازي ٢٦/٢٤٤ - ٢٤٥، تفسير النسفي ٤/٥٠.
(٣) سورة النساء آية: ١.
[ ٣٣١ ]
ثم وصف تعالى ذكره نفسه: بأنه المتوحد بخلق جميع الأنام من شخص واحد وعرف عباده كيف كان مبدأ إنشائه ذلك من النفس الواحدة ومنبههم بذلك على أن جميعهم بنو رجل واحد وأم واحدة وأن بعضهم من بعض" أ. هـ١.
فإنشاء جميع البشر على كثرتهم الهائلة من نفس واحدة آية بينة على قدرة الله وعلمه وحكمته ووحدانيته وذلك من نعم الله على عباده فيجب عليهم أن يشكروا تلك النعمة وهي خروجهم من العدم إلى الوجود ويفردوه - سبحانه - بالعبادة وحده لا شريك له.
٥ - تذكير العباد بمرحلة التكوين في الأرحام:
لقد جاء التذكير في السورة لبني آدم بأطوار خلقهم التي يمرون بها وتمر بها الحيوانات عند خلقها مع التفاوت في تلك الأطوار وقد أحيطت بظلمات متعددة في البطون، والأرحام، والمشايم، والسلي تحت العناية الربانية كما أبانت بأن الذي يفعل بهم ذلك إنما هو الله الذي له السلطان المطلق على جميع خلقه، والذي له الملك الحقيقي ظاهرًا وباطنًا فلا معبود بحق إلا هو ﷾ فلا ينبغي لأي إنسان أن ينصرف عن عبادته وعن إخلاص العبودية له - وحده لا شريك له - إذ هو الذي خلقهم من العدم وحباهم بأصناف النعم الظاهرة والباطنة وليس في مقدور أي أحد أن يفعل لهم من ذلك شيئًا مهما كانت منزلته وعلت مكانته.
قال تعالى مذكرًا عباده بمرحلة تكوينهم في بطون أمهاتهم في الظلمات الثلاث: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ . قال قتادة والسدي: " ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظمًا ثم لحمًا"٢.
وقال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: يبتدئ خلقكم أيها الناس في بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق وذلك أنه يحدث فيها نطفة، ثم يجعلها علقة، ثم مضغة ثم عظامًا، ثم يكسو العظام لحمًا، ثم ينشئه خلقًا آخر فتبارك الله وتعالى فذلك خلقه إياكم خلقًا من بعد خلق"٣.
_________________
(١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٤/٢٢٣ - ٢٢٤.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٣٦، وانظر مجموع الفتاوى ١٦/٢٦٢.
(٣) جامع البيان ٢٣/١٩٥.
[ ٣٣٢ ]
وقال ابن كثير: "يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق أي: قدركم في بطون أمهاتكم يكون أحدكم أولًا نطفة ثم يكون علقة ثم يكون مضغة ثم يخلق فيكون لحمًا وعظمًا وعصبًا وعروقًا وينفخ فيه الروح فيصير خلقًا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين"١.
قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: "إن الإنسان إذا فكر في خلقه من أي شيء ابتدأ وكيف دار في أطوار الخلقة طورًا بعد طور حتى وصل إلى كمال الخلقة وعرف يقينًا أنه بذاته لم يكن ليدبر خلقته، وينقله من درجة إلى درجة وينقيه من نقص إلى كمال علم بالضرورة أن له صانعًا قادرًا عالمًا مريدًا إذ لا يتصور حدوث الأفعال المحكمة من طبع، لظهر آثار الاختيار في الفطرة وتبين آثار الأحكام والإتقان في الخلقة فله تعالى صفات دلت أفعاله عليها لا يمكن جحدها" أ. هـ٢.
وقد أكد شيخ الإسلام ابن تيمية "أن أحسن ما يستدل به على ربوبية الخالق هو الاستدلال بخلق الإنسان نفسه كما كرر ذلك كتاب الله إذ هو الدليل وهو المستدل ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُون﴾ ٣. ثم بما يحدثه في هذا الوجود من آثار" أ. هـ٤.
والحال كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذ أن خلق الإنسان من أعظم الآيات الدالة على وجدود - الخالق سبحانه - ومن أعظم الآيات الدالة على عموم قدرته وعلمه، وكمال حكمته وإحسانه ورحمته، ولما كان خلق الإنسان من أوضح الأدلة على وجود - الباري جل وعلا - ومن أقرب الأدلة وضوحًا للإنسان نفسه أن نجد أن الله - تعالى - دعا جميع عباده إلى أن يتفكروا وينظروا بعين البصيرة في مبدأ خلقهم، وفي أطوار هذا الخلق والمراحل التي مروا بها حتى صاروا بشرًا ينتشرون على هذه الأرض. قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا
_________________
(١) تفسير القرآن الكريم ٦/٨٠.
(٢) الملل والنحل للشهرستاني ١/٩٤.
(٣) سورة الذاريات آية: ٢١.
(٤) مجموع الفتاوى ١٦/٢٦٢.
(٥) سورة الطارق آية: ٥.
[ ٣٣٣ ]
نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٢
فهاتان الآيتان فيهما شرح لكيفية خلق الإنسان فقد بين الله فيهما أن أصل خلق الإنسان الأول وهو آدم ﵇ كان من طين. ثم بين - تعالى - أنه خلق نسل آدم من تلك النطفة، التي مرت بأطوار مختلفة ففي البداية كانت نطفة ثم صارت علقة، ثم صارت مضغة، ثم صارت عظامًا، فكسيت تلك العظام لحمًا إلى أن صار بشرًا سويًا، وذلك من أعظم الأدلة الدالة على قدرة الله المهيمنة على كل شيء، ومن رحمته تعالى أنه هيأ لتلك النطفة الأسباب التي أوصلتها إلى مستقرها وقرارها المكين الذي يناسبها.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: " فانظر الآن إلى النطفة بعين البصيرة، وهي قطرة من ماء مهين، ضعيف لو مرت بها ساعة - أي لحظة - من الزمان فسدت وأنتنت، كيف استخرجها رب الأرباب العليم القدير من بين الصلب والترائب، منقادة لقدرته مطيعة لمشيئته مذللة الانقياد على ضيق طرقها، واختلاف مجاريها إلى أن ساقها إلى مستقرها ومجمعها وكيف قدر اجتماع ذينك المائين مع بعد كل منهما عن صاحبه، وساقهما من أعماق العروق والأعضاء، وجمعهما في موضع واحد جعل لهما قرارًا مكينًا لا يناله هواء يفسده ولا برد يجمده، ولا عارض يصل إليه، ولا آفة تتسلط عليه، ثم قلب تلك النطفة إلى علقة حمراء مباينة للنطفة، ثم جعلها مضغة لحم، مباينة للعلقة في شكلها ولونها وحقيقتها، ثم تحويل تلك المضغة عظامًا مجردة لا كسوة عليها مباينة للمضغة كل المباينة في الشكل والهيئة والقدر والملمس، ثم كيف قسمت تلك النطفة الحمراء إلى تلك الأجزاء المتشابهة، وبالمقدار المناسب لكل عضو، ثم اتجاه كل جزء أو خلية إلى مكانها المناسب في وقتها وأوانها وعلى حسب الحاجة إليها فمنها ما يتجه إلى إنشاء العظام.
_________________
(١) سورة الحج آية: ٥.
(٢) سورة المؤمنون آية: ١٢ - ١٤.
[ ٣٣٤ ]
كل في محله، وعلى قدره الذي قدر أن يكون عليه فمنها الصغير، والكبير، والطويل، والقصير، والمنحني، والمستدير، والعريض، والمصمت، والمجوف، فهي مختلفة الأشكال والأحجام، وذلك حسب اختلاف المنافع المنوطة بها ثم شد تلك العظام وربط بعضها ببعض برباط قوي محكم بحيث لا يسقط عضو من آخر"١. ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ ٢. "ثم أن هذا الخلق الذي يبتدئ بخلق النطفة إلى أن يصير بشرًا سويًا يتم في ظلمات ثلاث كما أشارت إليه السورة في قوله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ والمراد بالظلمات الثلاث هي: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة"٣. ففي تلك الظلمات الثلاث يتم ذلك الخلق العجيب فعلى الإنسان أن يتصور نفسه وهو في تلك الظلمات الثلاث: لا عين تراه، ولا يد تلمسه، ولا حيلة له في التماس الغذاء.
قال ابن القيم: "فأعد الآن النظر فيك وفي نفسك مرة ثانية من الذي دبرك بألطف تدبير، وأنت جنين في بطن أمك في موضع لا يد تنالك ولا بصر يدركك ولا حيلة لك في التماس الغذاء ولا في دفع الضرر فمن الذي أجرى إليك من دم الأم ما يغذوك كما يغذوا الماء النبات، وقلب ذلك الدم لبنًا ولم يزل يغذيك به في أضيق المواضع وأبعدها من حيلة التكسب والطلب حتى إذا كمل خلقك واستحكم وقوي أديمك على مباشرة الهواء وبصرك على ملاقاة الضياء وصلبت عظامك على مباشرة الأيدي، والتغلب على الغبراء هاج الطلق من أمك فأزعجك إلى الخروج أيما إزعاج إلى عالم الابتلاء"٤. فابن القيم رحمة الله عليه وضح لنا وجه الدلالة من التدرج في خلق الإنسان على أن هناك مدبرًا حكيمًا قادرًا عليمًا وراء هذا الكون وما فيه من المخلوقات دبره فأحسن تدبيره - فسبحانه - من إله حكيم أحكم خلقه وقدره تقديرًا.
وبعض هذا العرض لمرحلة تكوين العباد في الأرحام تقول: إنا إذا اعتبرنا أن تلك المراحل إنما سيقت لتبين لنا كيف خلق الإنسان وكيف نما؟ وكيف تحول بحكم المراحل
_________________
(١) مفتاح دار السعادة ١/١٨٧ - ١٨٩، وانظر "إيثار الحق على الخلق لابن الوزير ص٤٤ - ٤٥".
(٢) سورة الإنسان آية: ٢٨.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٣٦، تفسير ابن كثير ٦/٨٠.
(٤) مفتاح دار السعادة ١/٢٥٥ - ٢٥٦.
[ ٣٣٥ ]
المتعاقبة إلى كائن حيواني، ثم كيف انتقل إلى ذلك الإنسان العاقل المدرك الواعي عنده من المؤهلات والاستعدادات ما يجعله يتبوأ عمارة هذه الأرض ومسؤولية بنائها.
ولتبين: أن ذاك التعريف بخلق الإنسان إنما جاء دليلًا على قدرة الله وعلمه وحكمته وعندئذ يكون التعريف بتلك المراحل إنما هو تعريف بالله وبصفاته اعتمادًا على التعريف بأحد مخلوقاته المعتبرة اعتبارًا أوليًا.
فليتأمل الإنسان خلقه، أليس مخلوقًا من قطرة ماء؟ من كونها لحومًا منضدة وعظامًا مركبة وأوصالًا متعددة مشدودة بالعروق والأعصاب مجمعة بجلد متين مشتمل على ثلاثمائة وستين مفصلًا ما بين كبير وصغير؟
من جعل فيها تسعة أبواب فبابان للسمع وبابان للبصر وبابان للشم وباب للكلام والطعام والشراب والتنفس وبابان لخروج الفضلات التي يؤذيه احتباسها؟
من جعل داخل بابي البصر ملحًا لئلا تذيب الحرارة الشحم الذي فيه؟
ومن جعل داخل باب الطعام والشراب حلوًا ليسيغ ما يأكله ويشربه فلا يتنغص به لو كان مرًا أو ملحًا؟
من جعل له مصباحين كالسراج المضيء في أعلى مكان في أشرف عضو طليعة له؟ ١.
فخلق الإنسان من الآيات العظيمة الدالة على ربوبية الله تعالى لهذا الكون وما فيه من ألوان المخلوقات وقد حث الله عباده على أن يتفكروا في أنفسهم ليستدلوا بذلك على معرفة الله وأنه المعبود بحق دون سواه.
قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ٣
_________________
(١) التبيان في أقسام القرآن ص٣٠٤.
(٢) سورة الطارق آية: ٥ - ٨.
(٣) سورة الذاريات آية: ٢١.
[ ٣٣٦ ]
قال قتادة: "من تفكر في خلق نفسه عرف أنه إنما خلق ولينت مفاصله للعبادة"١.
وقال ابن جرير الطبري: "وفي أنفسكم أيضًا: أيها الناس آيات وعبر تدلكم على وحدانية صانعكم، وأنه لا إله لكم سواه إذ كان لا شيء يقدر على أن يخلق مثل خلقه إياكم"٢.
٦ـ الاستدلال بخلق الأزواج الثمانية من الأنعام على ربوبيته تعالى:
من الأدلة التي أشارت إليها السورة على ربوبية الخالق - سبحانه - خلقه تعالى الأزواج الثمانية من الأنعام وهي الإبل، والبقر، والضأن والمعز٣ فهذه الأصناف تعتبر أكثر الحيوانات نفعًا لبني الإنسان فقد خلقها - تعالى - لهم فضلًا منه وكرمًا، وقد جاءت الإشارة إليها في السورة بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ وقد يقال هنا: كيف عبر عن الأنعام بالإنزال مع أنها مخلوقة على الأرض، فيجاب عليه بأن الإنزال في كل شيء بحسبه.
قال شارح الطحاوية: أثناء رده على القائلين بأن إنزال القرآن إنما هو نظير إنزال المطر أو إنزاله الحديد، وإنزال ثمانية أزواج من الأنعام. قال ﵀: "وإنزال الحديد والأنعام مطلق، فكيف يشبه هذا الإنزال بهذا الإنزال؟ فالحديد إنما يكون من المعادن التي في الجبال، وهي عالية على الأرض، وقد قيل إنه كلما كان معدنه أعلى كان حديده أجود، والأنعام تخلق بالتوالد المستلزم إنزال الذكور الماء من أصلابها إلى أرحام الإناث، ولهذا يقال: أنزل ولم يقل نزّل، ثم الأجنة تنزل من بطون الأمهات إلى وجه الأرض، ومن المعلوم أن الأنعام تعلو فحولها إناثها عند الوطء، وينزل ماء الفحل من علو إلى رحم الأنثى، وتلقي ولدها عند الولادة من علو إلى أسفل. وعلى هذا فيحتمل قوله ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ﴾ وجهين:
أحدهما: أن تكون "من" لبيان الجنس.
الثاني: أن تكون "من" لابتداء الغاية". أ. هـ٤
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٦/٤١٩.
(٢) جامع البيان ٢٦/٢٠٥.
(٣) جامع البيان ٢٣/١٩٤، الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٣٥.
(٤) شرح الطحاوية ص١٩٦.
[ ٣٣٧ ]
وقال ابن كثير ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ أي: وخلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية أزواج وهي المذكورة في سورة الأنعام ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الإبل اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ أ. هـ١.
أما القرطبي: فقد ذكر ثلاثة أقوال لمعنى إنزال الثمانية الأزواج:
أحدها: أنه أخبر عن الأنعام بالنزول لأنها تكونت بالنبات، والنبات بالماء المنزل وهذا يسمى التدريج.
الثاني: أنه جعل الخلق إنزالًا لأن الخلق إنما يكون بأمر ينزل من السماء والمعنى خلق لكم كذا بأمره النازل.
الثالث: أن "أنزل" بمعنى أنشأ - وجعل - وقال سعيد بن جبير٢ "خلق" أ. هـ٣.
وقد بين تعالى أن في خلقه الأنعام عبرة لأولي النهى من عباده.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ ٤.
والعبرة في الأصل: تمثيل الشيء بالشيء ليعرف حقيقته بطريق المشاكلة ومنه قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ ٥. وقال أبو بكر الوراق: العبرة في الأنعام تسخيرها لأربابها وطاعتها لهم. والظاهر أن العبرة هي قوله ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ الآية٦ فخلق الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم والمعز آية من آيات الله الدالة على حكمة خالقها وقدرته ورحمته ولطفه ﷾ وعلى أنه المعبود بحق دون سواه.
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٦/٨٠.
(٢) هو: سعيد بن جبير الأسدي، بالولاء الكوفي أبو عبد الله: تابعي، كان أعلمهم على الإطلاق وهو حبشي الأصل من موالي بني والبة بن الحارث من بني أسد أخذ العلم عن عبد الله بن عباس. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ١/٢٠٤ تهذيب التهذيب ٤/١١، حلية الأولياء ٤/٢٧٢".
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٣٥.
(٤) سورة النحل آية: ٦٦.
(٥) سورة الحشر آية: ٢.
(٦) فتح القدير ج٣ ص١٧٤.
[ ٣٣٨ ]
كما بين لنا تعالى أن خلقه الأنعام من نعمه التي توجب أنه المتفرد بالخلق والوحدانية ولا يشرك به غيره في العبادة.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ ١.
قال العلامة ابن كثير: يذكر تعالى ما أنعم به على خلقه من هذه الأنعام التي سخرها لهم ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ قال قتادة: مطيقون أي جعلهم يقهرونها وهي ذليلة لهم لا تمتنع منهم بل لو جاء صغير إلى بعير لأناخه ولو شاء لأقامه وساقه وذاك ذليل منقاد معه وكذا لو كان القطار مائة بعير أو أكثر لسار الجميع بسير الصغير وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ أي منها ما يركبون في الأسفار ويحملون عليه الأثقال إلى سائر الجهات والأقطار ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ إذا شاؤوا نحروا واجتزروا ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أي من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين ﴿وَمَشَارِبُ﴾ أي من ألبانها وأبوالها لمن يتداوى ونحو ذلك ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ أي أفلا يوحدون خالق ذلك ومسخره ولا يشركون به غيره. أ. هـ٢.
وقال تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ٣.
وفي هذه الآية يمتن الله على عباده بخلقه لهم الأنعام وما فيها من المنافع الكثيرة وذلك من حججه على الناس حيث خلقها لهم وسخرها لهم وجعل لهم من أصوافها وأوبارها وأشعارها ملابس يستدفئون بها من البرد ويشربون من ألبانها وجعل لهم ظهور بعضها مركبًا وصنف منها يأكلون لحومها كالإبل والبقر والغنم وسائر ما يؤكل لحمه من غيرها٤.
وقد أمر الله عباده بالنظر في مخلوقاته الدالة على قدرته وعظمته ومن بين تلك المخلوقات التي أمر بالنظر إليها الإبل. قال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ٥.
_________________
(١) سورة يس آية: ٧١ - ٧٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٥/٦٣٠.
(٣) سورة النحل آية: ٥.
(٤) جامع البيان في تأويل آي القرآن ٢٤/٧٨.
(٥) سورة الغاشية آية: ١٧ - ٢٠.
[ ٣٣٩ ]
فأول ما أرشد تعالى في هذه الآيات إلى النظر في الإبل فإنها خلق عجيب وتركيب غريب، فإنها في غاية القوة والشدة وهي مع ذلك تلين للحمل الثقيل وتنقاد للقائد الضعيف ويؤكل لحمها وينتفع بوبرها ويشرب لبنها ونبه الله خلقه إلى ذلك لأن العرب كان غالب دوابهم الإبل وكان القاضي شريح١ يقول: أخرجوا بنا حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت؟ وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت ؟ فنبه البدوي على الاستدلال بما يشاهده من بعيره الذي هو راكب عليه والسماء التي فوق رأسه والجبل الذي تجاهه والأرض التي تحته على قدرة خالق ذلك وصانعه وأنه الرب العظيم الخالق الملك المتصرف وأنه الإله الذي لا يستحق العبادة سواه٢.
فلذلك كله يوجه الله عباده من خلال كتابه بأن يتدبروا ويعتبروا في خلقه للأنعام ويأخذوا العبرة منها التي ترشدهم إلى عجيب صنع الباري ويدل هذا الصنع على ألوهيته ﷾ فاللبن الذي تدره لهم ضروع الأنعام الذي هو مستخلص من بين الفرث والدم والفرث هو ما يبقى في كرشها بعض الهضم وبعض أن تمتص الأمعاء العصارة المتحولة إلى دم، هذا الدم هو الذي يذهب إلى كل خلية في الجسم فإذا ما وصل إلى غدد اللبن الموجودة في الضرع تحول إلى ذلك اللبن الخالص السائغ للشاربين ببديع صنع الله الذي أتقن كل شيء.
﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) هو: شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي أبو أمية، من أشهر القضاة الفقهاء في صدر الإسلام، أصله من اليمن ولي قضاء الكوفة في زمن عمر وعثمان وعلي ومعاوية واستعفى في أيام الحجاج فأعفاه سنة سبع وسبعين هجرية، وكان ثقة في الحديث مأمون في القضاء، توفي سنة ثمان وسبعين هجرية. انظر ترجمته في تقريب التهذيب ١/٣٤٩، وطبقات الحفاظ للسيوطي ص٢٧ رقم الترجمة ٤٢ وانظر تذكرة الحفاظ ١/٥٩ والأعلام للزركلي ٣/٢٣٦.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٧/٢٧٧.
(٣) سورة النحل آية: ٦٦.
[ ٣٤٠ ]
٧ - إنزال المطر وإنبات النبات:
من دلائل الربوبية التي وردت في السورة إنزال المطر من السماء وإنبات النبات قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ .
في هذه الآية من السورة أشار - سبحانه - إلى دليل حسي ملموس متكرر ومشاهد على قدرته ولطفه وعلى أنه الرب الذي يشمل إحسانه وإنعامه ورحمته جميع مخلوقاته حيث ينزل لهم المطر من السماء فيدخله جل وعلا في ينابيع١ في الأرض، ثم يخرج به من الأرض الزروع المختلفة في ألوانها من الخضرة والصفرة والحمرة والبياض، والمتنوعة في أجناسها من البر والشعير والتمر والعنب ثم لفت الأنظار إلى ما يصيب ذلك الزرع من الاصفرار بعد نضرته وبهجته حيث تتغير وتذهب بهجته وخضرته فيصيره حطامًا متفتتًا متكسرًا ثم بين بأن في هذه الأحوال المتقدمة العبرة والإتعاظ والتذكير لأهل العقول السليمة٢ الذين يتذكرون بذلك فيوقنون بأن من فعل كل ذلك "لا يتعذر عليه إحداث ما شاء من الأشياء وإن شاء ما أراد من الأجسام والأعراض وإحياء من هلك من خلقه من بعد مماته وإعادته من بعد فنائه كهيئته التي كان عليها قبل فنائه كما فعل بالأرض الميتة التي أنزل عليها الماء فأنبتت الزرع المختلف الألوان بقدرته"٣.
فإنزال المطر من السماء، ومشاهدة الأرض مخضرة بألوان من النباتات المختلفة لونًا وجنسًا بين عشية وضحاها آية متكررة بين العباد تدل دلالة واضحة على أنه لا بد من صانع حكيم وأن ذلك كائن عن تقدير وتدبير لا عن إهمال وتعطيل ولا دخل للطبيعة والصدفة التي يلهج بها الجاحدون للصانع الحكيم الذي دلت جميع المخلوقات على وحدانيته وألوهيته الحقة.
وقال شيخ الإسلام حول الآية السابقة: فأخبر سبحانه أنه يسلك الماء النازل من السماء ينابيع والينابيع جمع ينبوع وهو منبع الماء كالعين والبئر فدل القرآن على أن ماء
_________________
(١) الينابيع جمع ينبوع وهو عين الماء. "انظر الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٤٦".
(٢) جامع البيان ٢٣/٢٠٨، تفسير القرطبي ١٥/٢٤٦، تفسير ابن كثير ٦/٨٦ - ٨٧، تفسير النسفي ٤/٥٤.
(٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٢٣/٢٠٨ - ٢٠٩.
[ ٣٤١ ]
السماء تنبع منه الأرض والإعتبار يدل على ذلك فإنه إذا كثر ماء السماء كثرت الينابيع وإذا قل قلت.
وماء السماء ينزل من السحاب والله ينشئه من الهواء الذي في الجو وما يتصاعد من الأبخرة.
وليس في القرآن أن جميع ما ينبع يكون من ماء السماء ولا هذا أيضًا معلومًا بالاعتبار فإن الماء قد ينبع من بطون الجبال ويكون فيها أبخرة يخلق منها الماء، والأبخرة وغيرها من الأهوية قد تستحيل ماءًا كما إذا أخذ إناء فوضع فيه ثلج فإنه يبقى ما أحاط به ماء، وهو هواء استحال ماء، وليس ذلك من ماء السماء فعلم أنه ممكن أن يكون في الأرض ماء ليس من السماء فلا يجزم بأن جميع المياه من ماء السماء وإن كان غالبها من ماء السماء. أ. هـ١.
وعلى كل حال فالماء آية دالة على قدرة الله ولطفه سواءًا كان الماء النازل من السماء أو الماء النابع من الأرض فهو من الآيات الكونية التي نصبها الله للدلالة على الصانع الحكيم وقدرته التي تتسع لكل شيء.
وإن فيما أنزله الله من جهة السماء من ماء مبارك عمرت به الأرض بعد خرابها لدليل ساطع على قدرة الله ووحدانيته وفي إنزاله أيضًا من السماء حكم عظيمة مترتب عليه الكثير من مصالح العباد.
قال العلامة ابن القيم: "ثم تأمل الحكمة البالغة في نزول المطر على الأرض من علو ليعم بسقيه وهادها وتلولها وظرابها وأكمامها ومنخفضها ومرتفعها ولو كان ربها تعالى إنما يسقيها من ناحية من نواحيها لما أتى الماء على الناحية المرتفعة إلا إذا اجتمع في السفلي وكثر وفي ذلك فساد فاقتضت حكمته أن سقاها من فوقها فينشئ سبحانه السحاب وهي روايا الأرض ثم يرسل الرياح فتحمل الماء من البحر وتلقحها به كما يلقح الفحل الأنثى ولهذا تجد البلاد القريبة من البحر كثيرة الأمطار وإذا بعدت من البحر قل مطرها وفي هذا المعنى يقول الشاعر يصف السحاب:
شربنا بماء البحر ثم ترفعت متى لجج خضر لهن نشيج
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٦/ ١٦ - ١٧.
[ ٣٤٢ ]
وفي الموطأ مرفوعًا وهو أحد الأحاديث الأربعة المقطوعة "إذا نشأت سحابة بحرية فتلك عين غديقة"١. فالله سبحانه ينشئ الماء في السحاب إنشاء تارة بقلب الهواء ماء وتارة يحمله الهواء من البحر فيلقح به السحاب ثم ينزل منه على الأرض للحكم التي ذكرناها ولو أنه ساقه من البحر إلى الأرض جاريًا على ظهرها لم يحصل عموم السقي إلا بتخريب كثير من الأرض ولم يحصل عموم السقي لأجزائها فصاعده - سبحانه - إلى الجو بلطفه وقدرته ثم أنزله على الأرض بغاية من اللطف والحكمة التي لا اقتراح لجميع عقول الحكماء فوقها فأنزله ومعه رحمته على الأرض" أ. هـ٢.
وقد لفت القرآن أنظار العباد إلى النظر في إنزال المطر من السماء في مواضع كثيرة من كتابه قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ ٣.
ففي هذه الآية نبه الله عباده إلى أن يستعملوا عقولهم في التفكير في سوقه تعالى السحاب وجمعه بعد تفرقه بتأليف بعضه إلى بعض ثم ينزل المطر من خلاله ثم ينشئ الله على أثره نعمًا كثيرة فيها الخير الكثير للإنسان والحيوان وكل ذلك يدل على وجود إله قادر بيده الخلق والأمر وهو على كل شيء قدير وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ ٤.
وفي هذه الآية يخبر تعالى أنه يرسل الرياح لواقح ولقحها حمل الماء وإلقاحها السحاب والشجر عملها فيه.
قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁: يرسل الله الرياح فتحمل الماء فتجري السحاب فتدر كما تدر اللقحة ثم تمطر. وقال أيضًا ﵁: يبعث الله الريح فتلقح السحاب ثم تمر به فتدر كما تدر اللقحة ثم تمطر٥.
_________________
(١) الموطأ ص٩٥.
(٢) مفتاح دار السعادة ١/٢٢٣ - ٢٢٤.
(٣) سورة النور آية: ٤٣.
(٤) سورة الحجر آية: ٢٢.
(٥) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٢٤/٢٠.
[ ٣٤٣ ]
ومن حكمته ورحمته جل وعلا بعباده أنه ينزل المطر بقدر حاجة الأرض حتى إذا أخذت حاجتها منه وكانت تتابعه عليها يضر بها أمسكه عنها وأتبعه بالصحو فجعل تعالى الصحو والغيم متعاقبين لما فيهما من المصالح الكثيرة لهذا العالم.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ١ قال أبو جعفر بن جرير يقول تعالى ذكره: "وما من شيء من الأمطار إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر لكل أرض معلوم عندنا حده ومبلغه.
وقال ابن مسعود ﵁: "ما من أرض أمطر من أرض ولكن الله يقدره في الأرض"٢.
فلو قدر الله بأن توالت الأمطار لأهلكت كل ما على الأرض ولو زاد نزول المطر على قدر حاجتها لفسدت الحبوب والثمار وتعفنت الزروع والخضروات فترخي الأبدان ويحشر الهواء وتحصل ضروب من الأمراض وفسدت أكثر المآكل وتقطعت المسالك والسبل.
ولو قدَّر الله دوام الصحو لجفت الأبدان وغيض الماء وانقطع ماء العيون والآبار والأنهار والأودية وعظم الضرر واشتد الهواء فييبس ما على الأرض فيحدث عن ذلك ضروب من الأمراض عسرة الزوال ولكن حكمة اللطيف الخبير اقتضت بأن عاقب بين الصحو والمطر على هذا العالم فاعتدل الأمر وصح الهواء ودفع كل واحد منهما عادية الآخر واستقام أمر العالم وصلح٣.
والذي نخلص إليه مما تقدم أن إنزال الباري ﷾ المطر من السماء ليعم بسقيه كل أجزاء الأرض ثم تنبت الأرض على أثره الزروع المختلفة لونًا وجنسًا وطعمًا ورائحة لدليل واضح على أن وراء هذا الكون إلهًا قادرًا حكيمًا يتصرف فيه كيف يشاء بيده الخلق والأمر ﷾.
٨ - تصرفه - تعالى - في شؤون خلقه:
لقد دلت السورة أنه تعالى المتصرف في شؤون خلقه كلها من الحياة والموت،
_________________
(١) سورة الحجر آية: ٢١.
(٢) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٢٤/١٨.
(٣) مفتاح دار السعادة ١/٢٢٤ بتصرف.
[ ٣٤٤ ]
ومن بسطه الرزق لمن يشاء، وتضييقه عمن يشاء وأن بيده خزائن السموات والأرض يفتح منها على من يشاء ويمسكها عمن يشاء من خلقه فله - سبحانه - التصرف المطلق في كل شيء في هذا الوجود وأن سواه لا يملك شيئًا كائنًا من كان.
قال تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
هذه الآية من السورة أقام الله فيها الدليل القاطع على قدرته الكاملة، وعلى ربوبيته الشاملة لكل مخلوق، فأخبر أنه يتوفى الأنفس، ويمسك الأرواح ويحول بينها وبين أبدانها حيلولة نهائية عندما يجيئها أجلها الذي قدره لها، كما بين - تعالى - أنه يقبضها نوعًا آخر من أنواع القبض حتى يكون إتصالها بالبدن إتصالًا غير تام بحيث يذهب عنها تمييزها وينقطع تفكيرها وتعلقها وذلك في حالة نومها.
فأما النفس الأولى: التي قضى الله عليها الموت فإنها تقبض عن البدن قبضًا نهائيًا.
وأما النفس الثانية: التي توفيت الوفاة الصغرى بأن كانت نائمة فيطلقها ربها ويرسلها للعودة إلى جسدها إلى حين يأتيها أجلها عند انقضاء المدة التي بقيت لها من عمرها ثم يتوفاها إليه.
ثم أوضحت الآية أن ذلك القبض، والإرسال، والإمساك والإطلاق فيه العبر والآيات والدلائل الواضحة لمن تفكر وتدبر بهدف الوصول إلى الحقيقة التي يدرك من خلالها الإدراك الصحيح أن الإله القادر على هذه الأمور المذكورة هو الذي يجب أن توجه له العبادة وأنه يخلص له الدين كله.
قال ابن جرير رحمه الله تعالى حول الآية: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ الآية يقول تعالى ذكره: ومن الدلالة على أن الألوهة لله الواحد القهار خالصة دون كل ما سواه أنه يميت ويحيى ويفعل ما يشاء ولا يقدر على ذلك شيء سواه فجعل ذلك خبرًا نبههم به على عظيم قدرته" أ. هـ١.
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى حول هذه الآية: "قال تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة
_________________
(١) جامع البيان ٢٤/٩.
[ ٣٤٥ ]
بأنه المتصرف في الوجود بما يشاء، وأنه يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى بما يرسل من الحفظة الذين يقبضونها من الأبدان، والوفاة الصغرى عند المنام كما تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمّىً ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ ١. فذكر الوفاتين الصغرى ثم الكبرى وفي هذه الآية ذكر الكبرى ثم الصغرى ولهذا قال ﵎ ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّى﴾ إلى أن قال: "وقال بعض السلف يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا وأرواح الأحياء إذا ناموا فتتعارف ما شاء الله - تعالى - أن تتعارف ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ التي قد ماتت ﴿وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّى﴾ قال السدي: إلى بقية أجلها، وقال عبد الله بن عباس ﵄: يمسك أنفس الأموات ويرسل أنفس الأحياء ولا يغلط"٢.
وروي عن ابن عباس أيضًا في هذه الآية أنه قال: "بلغني أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فيتساءلون بينهم فيمسك الله أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها". وقال سعيد بن جبير "إن الله يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا وأرواح الأحياء إذا ناموا فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى﴾ ٣ أي: يعيدها.
وقال السدي في قوله تعالى: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ قال: "يتوفاها في منامها فيلتقي روح الحي، وروح الميت فيتذاكران ويتعارفان قال: فترجع روح الحي إلى جسدها في الدنيا إلى بقية أجلها وتريد روح الميت أن ترجع إلى جسده فتحبس"٤.
وهذا البيان من هؤلاء الأئمة لمعنى الآية إنما هو أحد القولين في هذه الآية وهو: أن الممسكة من توفيت وفاة الموت أولًا، والمرسلة من توفيت وفاة النوم، فيكون المعنى
_________________
(١) سورة الأنعام آية: ٦٠ - ٦١.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٦/٩٥ - ٩٦.
(٣) جامع البيان ٢٤/٩، الروح لابن القيم ص٣٠ - ٣١.
(٤) جامع البيان ٢٤/٩، كتاب الروح لابن القيم ص٣١.
[ ٣٤٦ ]
على هذا التفسير أنه يتوفى نفس الميت فيمسكها ولا يرسلها إلى جسدها قبل يوم القيامة، ويتوفى نفس النائم ثم يرسلها إلى جسدها إلى بقية أجلها فيتوفاها الوفاة الكبرى، وأما التفسير الثاني في هذه الآية: هو أن الممسكة والمرسلة في الآية كلاهما توفيتا وفاة نوم فمن استكملت أجلها الذي قدر لها أمسكها عنده فلا ترجع إلى جسدها، ومن لم تستكمل الأجل المحدود لها ردها إلى جسدها لتستكمله، وقد اختار هذا الوجه شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: "وعلى هذا يدل الكتاب والسنة فإن الله ذكر إمساك التي قضى عليها الموت من هذه الأنفس التي توفاها بالنوم، وأما التي توفاها حين موتها فتلك لم يصفها بإمساك ولا إرسال فتلك قسم ثالث" أ. هـ١.
أما تلميذه ابن القيم فقد جنح إلى ترجيح القول الأول وقال: لأنه - سبحانه - أخبر بوفاتين وفاة كبرى وهي وفاة الموت، ووفاة صغرى وهي وفاة النوم، وقسم الأرواح قسمين:
قسمًا: قضى عليها بالموت فأمسكها عنده وهي التي توفاها الموت.
وقسمًا: لها بقية أجل فردها إلى جسدها إلى استكمال أجلها، وجعل - سبحانه - الإمساك والإرسال حكمين للوفاتين المذكورتين أولًا فهذه ممسكة وهذه مرسلة، وأخبر أن التي لم تمت هي التي توفاها في منامها فلو كان قد قسم وفاة النوم إلى قسمين، وفاة موت، ووفاة نوم لم يقل "والتي لم تمت في منامها" فإنها من حين قبضت ماتت وهو - سبحانه - قد أخبر أنها لم تمت فكيف يقول بعد ذلك: "فيمسك التي قضى عليها الموت" بعد أن توفاها وفاة النوم فهو - سبحانه - توفاها أولًا وفاة نوم ثم قضى عليها الموت بعد ذلك.
والتحقيق أن الآية تتناول النوعين فإنه - سبحانه - ذكر وفاتين وفاة نوم ووفاة موت وذكر إمساك المتوفاة وإرسال الأخرى ومعلوم أنه - سبحانه - يمسك كل نفس ميت سواءًا مات في النوم أم في اليقظة، ويرسل نفس من لم يمت فقوله: ﴿يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ يتناول من مات في اليقظة ومن مات في المنام"٢.
والذي يبدو أن القول الراجح هو ما قرره ابن القيم رحمه الله تعالى ولا ننسى أن نذكر
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٥/٤٥٢ - ٤٥٤، شرح حديث النزول ص٩٤.
(٢) كتاب الروح لابن القيم ص٣١ - ٣٢.
[ ٣٤٧ ]
أن الآية المتقدمة وهي قوله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ دلت على أن الروح محدثة لأنها وصفت بالوفاة، والقبض والإمساك، والإرسال وهذه الصفات من شأن المخلوق المحدث المربوب والمراد بالأنفس في الآية هي الأرواح قطعًا لما رواه البخاري في صحيحه من حديث بلال: "إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها حين شاء"١ فهذه الأرواح المقبوضة هي الأنفس التي يتوفاها الله حين موتها وفي منامها التي يتوفاها ملك الموت، وهي التي تتوفاها رسل الرب - سبحانه - بإذنه وقضائه وحكمه وأمره"٢.
وفي الآية أيضًا: "تنبيه على عظيم قدرته وانفراده بالألوهية، وأنه يفعل ما يشاء ويحيي ويميت، لا يقدر على ذلك سواه"٣.
٩ - بسطه تعالى الرزق لمن يشاء وتضييقه على من يشاء:
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
أقام الله تعالى في هذه الآية دليلًا محسوسًا وملموسًا على ربوبيته يحسه العباد بحواسهم، ويلمسونه بين ظهرانيهم، ويشاهدون ذلك بأبصارهم فيوحدوه - سبحانه - ويفردوه بالعبادة، وهذا الدليل هو أنه - سبحانه - الفعال لما يشاء بتوسيعه الرزق على من يشاء من عباده سواء كان صالحًا أو غير صالح، ويضيقه على من يريد من عباده سواء كان صالحًا، أو طالحًا فرزقه - سبحانه - مشترك بين الخلق أجمعين، أما الإيمان والعمل الصالح فيحض به أصلح البرية وهذا أمر ملحوظ في الدنيا، كما أوضحت الآية أن فعله - تعالى - ذلك وتصرفه في العطاء، والسعة، والمنع والتضييق على من يشاء يحمل في طياته العبر، والعظات والحكم البالغات للمؤمنين المنتفعين بالمواعظ والعبر لأنهم يعلمون أن مرد ذلك راجع إلى حكمته ورحمته - تعالى - وأنه العليم بحال عباده فقد يضيق عليهم
_________________
(١) صحيح البخاري ١/١١٢، سنن النسائي ٢/١٠٦، الموطأ مع شرحه تنوير الحوالك ١/٣٥.
(٢) الروح لابن القيم ص١١٩ - ٢٠٠.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٦٣.
[ ٣٤٨ ]
الرزق لطفًا بهم لأن بسطه عليهم قد يحملهم ذلك على الفساد والبغي في الأرض ففعله - سبحانه - ذلك مراعاة لإصلاح دينهم الذي هو مصدر سعادتهم وفلاحهم.
قال أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى حول هذه الآية: "يقول تعالى ذكره: أو لم يعلم يا محمد هؤلاء الذين كشفنا عنهم ضرهم فقالوا: إنما أوتيناه على علم منا أن الشدة والرخاء، والسعة، والضيق، والبلاء بيد الله دون كل ما سواه يبسط الرزق لمن يشاء فيوسعه عليه، ويقدر ذلك على من يشاء من عباده فيضيقه، وأن ذلك من حجج الله على عباده، ليعتبروا به، ويتذكروا، ويعلموا أن الرغبة إليه، والرهبة دون الآلهة، والأنداد ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ﴾ يقول: إن في بسط الله الرزق لمن يشاء، وتقتيره على من أراد لآيات: يعنى دلالات، وعلامات ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يعني يصدقون بالحق فيقرون إذا تبينوه وعلموا حقيقته أن الذي يفعل ذلك هو الله دون كل ما سواه"١.
وقال أبو عبد الله القرطبي حول قوله تعالى في الآية السابقة: " ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خص المؤمن بالذكر لأنه هو الذي يتدبر الآيات وينتفع بها ويعلم أن سعة الرزق قد يكون مكرًا واستدراجًا، وتقتيره رفعة وإعظامًا" اهـ٢.
وهذه الآية الآنفة الذكر من السورة لها نظائر في كتاب الله وردت بمعناها منها قوله تعالى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣. فهذه الآية: بيَّن الله تعالى فيها أنه الذي بيده قبض أرزاق العباد وبسطها دون غيره ممن ادعى أهل الشرك أنهم آلهة واتخذوه ربًا دونه يعبدونه، وقد بين ﷺ أن بسط الرزق وتضييقه عائد إلى فعل الرب - سبحانه - المتصرف في كل شيء قال أنس بن مالك ﵁: غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله غلا السعر فأسعر لنا فقال رسول الله ﷺ: "إن الله الباسط القابض الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله ليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال"٤ فبين ﷺ بقوله هذا أن الغلاء
_________________
(١) جامع البيان عن تأويل أي القرآن ٢٤/١٣.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٦٧، فتح القدير للشوكاني ٤/٤٦٩.
(٣) سورة البقرة آية: ٢٤٥.
(٤) رواه أبو داود في سننه ٢/٣٨٨ وابن ماجة ٢/٧٤١ - ٧٤٢، والترمذي في سننه وحسنه ٢/٣٨٨.
[ ٣٤٩ ]
والرخص، والسعة والضيق بيد الله دون غيره، فما أنصع هذه الحجة وما أوضح هذا البرهان، ولو أن الذين يحاولون أن يستدلوا على وحدانية الله - تعالى - بالأدلة التي كتبها علماء الكلام لجئوا إلى القرآن الكريم واقتبسوا من أدلته وأفادوا من حججه لوضح لهم السبيل ووصلوا إلى الحق من أقرب طريق.
وقال تعالى: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ ١.
وفي هذه الآية بين الله - تعالى - أنه هو الذي يوسع الرزق، ويبسطه على من يشاء ويقدر، ويضيقه على من يشاء فله - سبحانه - التصرف المطلق كيف يشاء وعلى ما يريده - جل وعلا - في جميع شؤون خلقه.
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ ٢. وهذه الآية أيضًا أبانت بأن سعة الرزق وتضييقه كله فعل الله - تعالى - ومرده إليه لا إلى غيره.
وقال تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣. قال العلامة ابن جرير: يقول تعالى ذكره: "يوسع رزقه وفضله على من يشاء من خلقه، ويبسط له، ويكثر ماله ويغنيه، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يقول: ويقتر على من يشاء منهم فيضيقه، ويفقره ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يقول: إن الله ﵎ بكل ما يفعل من توسيعه على من يوسع، وتقتيره على من يقتر، ومن الذي يصلحه البسط عليه في الرزق، ويفسده من خلقه، والذي يصلحه التقتير عليه، ويفسده، وغير ذلك من الأمور، ذو علم لا يخفى عليه موضع البسط والتقتير وغيره، من صلاح تدبير خلقه"٤.
فلو تدبر أولئك القبوريون الذين يلتمسون الرزق من أصحاب القبور هذه الآيات وأمثالها لألزموا أنفسهم بالحياء، وأنابوا إلى ربهم وأسلموا له وعلموا أن الرزق بيده وحده، فابتغوه عنده مخلصين له الدين وأقلعوا عن الشرك الذي امتلأت به قلوبهم وذلَّت به أنفسهم
_________________
(١) سورة الرعد آية: ٢٦.
(٢) سورة الروم آية: ٣٧.
(٣) سورة الشورى آية: ١٢.
(٤) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٢٥/١٤.
[ ٣٥٠ ]
ولكن الشيطان سوَّل لهم وأملى لهم وفعل بهم كما فعل بأشياعهم من قبل لا قوة إلا بالله.
١٠ - مقاليد السموات والأرض بيده - سبحانه ـ:
قال تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ .
هذه الآية من السورة أوضحت أن من الدلائل على ربوبيته تعالى كون خزائن العالم كله علويه وسفليه بيده وحده دون غيره فمن خزائن السموات المطر، ومن خزائن الأرض النبات وما يخرج منها من المعادن، والمياه من آبار وعيون وغير ذلك من الأشياء مما اكتشف حاليًا من مصادر الرزق والنعم التي لا تحصى كل ذلك بيد الله وتحت تصرفه، وقدرته الشاملة لكل شيء فهو - سبحانه - المسيطر على جميع الكائنات ملكًا وحفظًا وتصرفًا، ومن هذه صفته فهو الجدير وحده بالعبادة دون سواه، كما أوضحت الآية أن الكافرين بآيات الله التي تدل على الحق واليقين، وعلى طريقه المستقيم هم الذين خسروا ما فيه صلاح قلوبهم من التعبد لله، والإخلاص له، وما به تصلح ألسنتهم من ذكره، وما فيه صلاح الجوارح من الطاعة، واستبدلوا بذلك الكفر بالله الذي هو مفسد لقلوبهم، وأبدانهم كما خسروا جنات النعيم وتعوضوا عنها بالعذاب المقيم.
قال العلامة ابن جرير حول الآية: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الآية "يقول تعالى ذكره: له مفاتيح خزائن السموات والأرض، يفتح منها على من يشاء ويمسكها عمن أحب من خلقه. قال عبد الله بن عباس ﵄: مقاليد السموات والأرض مفاتيحها. وبه قال قتادة، وقال السدي: "له مقاليد السموات والأرض" خزائن السموات والأرض"١
قال ابن كثير: "والمعنى على كلا القولين أن أزمة الأمور بيده ﵎ له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" اهـ٢.
وقد وردت آية أخرى مماثلة لهذه الآية التي معنا في السورة وهي قوله تعالى: ﴿لَهُ
_________________
(١) جامع البيان ٢٤/٢٣، تفسير ابن كثير ٦/١٠٥.
(٢) تفسير ابن كثير ٦/١٠٥ - ١٠٦.
[ ٣٥١ ]
مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١.
فهذه الآية إرشاد من الله تعالى لعباده بأن يفزعوا إلى من له مقاليد السموات والأرض الذي هذه صفته، ويتوجهون إليه بالعبادة وإفراده بالطاعة فكأن الآية تقول: إلى الله أيها الناس فارغبوا وإياه فاعبدوا مخلصين له الدين واتركوا الأوثان والأولياء والآلهة والأصنام التي اتخذتموها آلهة من قبل أنفسكم دون حجة ولا برهان ولا تملك لكم ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا.
وما دلت عليه آية الزمر من أنه - تعالى - مالك خزائن السموات والأرض أفصحت عن هذا المعنى آيات أخر مثل قوله تعالى: ﴿ولله خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ ٢. ومثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ٣ قال العلامة ابن القيم بعد أن ذكر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ متضمن لكنز من الكنوز وهو أن كل شيء لا يطلب إلا من خزائنه، ومن مفاتيح تلك الخزائن بيده، وإن طلبه من غيره طلب ممن ليس عنده ولا يقدر عليه، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ ٤ متضمن لكنز عظيم، وهو أن كل مراد إن لم يرد لأجله ويتصل به، وإلا فهو مضمحل منقطع، فإنه ليس إليه المنتهى، وليس المنتهى إلا إلى الذي انتهت إليه الأمور كلها، فانتهت إلى خلقه ومشيئته وحكمته وعلمه، فهو غاية كل مطلوب، وكل محبوب لا يحب لأجله فمحبته عناء وعذاب، وكل عمل لا يراد لأجله، فهو ضائع وباطل، وكل قلب لا يصل إليه فهو شقي محجوب عن سعادته وفلاحه فاجتمع ما يراد له كله في قوله ﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ فليس وراءه - سبحانه - غاية تطلب وليس دونه غاية إليها المنتهى"٥.
وكل ما قدمنا من الآيات التي أسلفناها من السورة وغيرها للإستدلال بها على توحيد الربوبية كلها على اختلاف أساليبها، واختلاف موضوعاتها تلفت الأنظار إلى أن هذا الكون
_________________
(١) سورة الشورى آية: ١٢.
(٢) سورة المنافقون آية: ٧.
(٣) سورة الحجر آية: ٢١.
(٤) سورة النجم آية: ٤٢.
(٥) الفوائد ص١٩٦.
[ ٣٥٢ ]
وما يحتويه لم يكن وليد المصادفة والإتفاق وإنما هو مخلوق عن علم عليم، وقدرة قادر وهو الله ﵎ وفي كل ذلك آية على وجود الخالق الحكيم.
قال الشاعر:
ولله في كل تحريكة وتسكينة في الورى شاهد
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد١
_________________
(١) البيتان لأبي العتاهية انظر ديوانه ص٢٢٢.
[ ٣٥٣ ]
المبحث الثالث: إقرار المشركين الذين بعث فيهم الرسول ﷺ بوجود الله
لقد دلت سورة "الزمر" على أن مشركي العرب كانوا يعترفون بوجوده - سبحانه - وربوبيته لخلقه، كما يؤمنون بأنه هو الذي أوجد العالم العلوي والسفلي، وليس لآلهتهم من ذلك شيء.
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ .
هذه الآية من السورة تضمنت اعتراف المشركين الذين بعث فيهم الرسول ﷺ بأن الله هو الخالق لهذا العالم علويه وسفليه، فقد بدأ الله هذه الآية بالقسم مخاطبًا بذلك نبيه محمدًا ﷺ بأنه لو سأل هؤلاء المشركين العابدين لغير الله تعالى من الأوثان، والأصنام عمن خلق السموات والأرض؟ لكان جوابهم جوابًا حقيقيًا صادقًا نابعًا من الفطرة التي فطر الله الناس عليها فيقولون: إن الخالق لهذا الكون هو الله - جل وعلا - كما تضمنت بيان عجز الآلهة التي يعبدونها عن أن تجلب لهم نفعًا، أو أن تدفع عنهم شرًا، وما دام الحال هكذا من أنه لا خالق لهذا الكون إلا الله - تعالى - وأن الآلهة التي يزعمونها من دون الله عاجزة عن جلب الخير، أو دفع الشر، فعبادتهم لها باطلة ويلزمهم أن يتوجهوا بالعبادة إلى الإله الحق الذي له القدرة على الخلق وجلب الخير ودفع الضرر ومن هذه صفته فهو المعبود بحق دون سواه.
قال ابن جرير: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين العادلين بالله الأوثان والأصنام من خلق
السموات والأرض ليقولن خلقهن الله١. قال ابن كثير: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ
_________________
(١) جامع البيان ٢٤/٧.
[ ٣٥٤ ]
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ يعني المشركين كانوا يعترفون بأن الله ﷿ هو الخالق للأشياء كلها ومع هذا يعبدون معه غيره مما لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا. اهـ١.
فوجود الرب - سبحانه - وتعالى من الأمور البدهية الظاهرة للعقول والفطر ولو وجد بعض الملاحدة الذين يجاهرون بإنكار وجود - الرب سبحانه - بألسنتهم فذلك نتيجة العناد، وإلا فإنه متقرر في فطرهم وعقولهم ما يكذب قولهم ذلك.
قال العلامة ابن القيم: "وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: كيف يطالب الدليل على من هو دليل على كل شيء وكان كثيرًا مَّا يتمثل بهذا البيت:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
ثم قال: "ومعلوم أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من وجود النهار، ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما" اهـ٢.
وأما قوله تعالى في الآية: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ فهذا الشطر من الآية أمر الله فيه النبي ﷺ بأن يسأل هؤلاء المشركين عن معبوداتهم المتنوعة من الأوثان والأصنام التي يتوجهون إليها بالعبادة دون الله تعالى هل لديها القدرة في الحيلولة دون مراد الله تعالى؟ وهل في استطاعتها أن تدفع عنه البلاء إن أراد الله إنزاله؟ وهل في إمكانها أن تمنع عنه رحمة الله تعالى التي يريد أن يتفضل بها عليه فيمنحه إياها؟ ولو أنصفوا من أنفسهم وتجردوا لقول الحق لكان ردهم كلا لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولا راد لما يريده - سبحانه - وقد أجاب البعض منهم بأن آلهتهم المزعومة لا تستطيع شيئًا من ذلك وإنما يعبدونها لتقربهم إليه زلفى.
قال مقاتل: فسألهم النبي ﷺ فسكتوا.
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٦/٩٤.
(٢) مدارج السالكين ١/٦٠.
[ ٣٥٥ ]
وقال غيره: قالوا: "لا تدفع شيئًا قدَّره الله ولكنها تشفع"١.
وهذه حجة واهية آلت إليهم عن طريق الإلف والعادة المتوارثة عن أسلافهم.
قال أبو جعفر بن جرير عند قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ "فقل: أفرأيتم أيها القوم هذا الذي تعبدون من دون الله من الأصنام والآلهة ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ بِضُرٍّ﴾ يقول: بشدة في معيشتي وكثرة مالي، ورخاء وعافية في بدني هل هن ممسكات عني ما أراد أن يصيبني به من تلك الرحمة؟ وترك الجواب لاستغناء السامع بمعرفة ذلك، ودلالة ما ظهر من الكلام عليه، والمعنى: فإنهم سيقولون لا، فقل حسبي الله مما سواه من الأشياء كلها إياه أعبد، وإليه أفزع في أموري دون كل شيء سواه فإنه الكافي وبيده الضر والنفع لا إلى الأصنام والأوثان التي لا تضر، ولا تنفع" أ. هـ٢.
فالآية تضمنت اعتراف المشركين الذين بعث فيهم الرسول ﷺ بأن الله - تعالى - هو الخالق للكون وحده دون سواه، كما تضمنت بيان عجز الآلهة التي يعبدونها عن أن تجلب لهم نفعًا، أو أن تدفع عنهم شرًا، وورد هذا كثير في القرآن الكريم، فقد كانوا أيضًا يعترفون بأن الله تعالى هو الرازق النافع، الضار، ومع ذلك يعبدون غيره معه.
قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٣. هذه الآية استجوبت المشركين عن أمور أربعة:
الأمر الأول: عن مسبب الأرزاق في السموات والأرض لأنها إنما تحصل الأرزاق من السماء والأرض، أما السماء فبإنزال الأمطار، كما قال تعالى: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٥٩.
(٢) جامع البيان ٢٤/٧.
(٣) سورة يونس آية: ٣١.
(٤) سورة الجاثية آية: ٥.
[ ٣٥٦ ]
وأما الرزق من الأرض ففيما أودع الله فيها من منافع مادية وأبرزها الغذاء سواءً أكان نابتًا منها أو ما أوجد الله على ظهرها من الحيوان.
الأمر الثاني: أحوال الحواس ومن أشرفها وأظهرها وأشدها ضرورة وأعجبها خلقًا السمع والبصر ولهذا خصت بالذكر.
الأمر الثالث: أحوال الموت والحياة من إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي ومعنى إخراج ﴿الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ إخراج الإنسان من النطفة والطائر من البيضة وإخراج ﴿الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ إخراج النطفة من الإنسان والبيضة من الطائر.
وقد ذكر أبو عبد الله القرطبي في تفسيره أعم من هذا، إذ قال عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ قال: "أي النبات من الأرض، والإنسان من النطفة والسنبلة من الحبة، والطير من البيضة، والمؤمن من الكافر"١ وهذا التعميم أولى لشموله الحياة النباتية، والحياة الحيوانية، وقد نبه القرآن إلى هذا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ٢.
"ويمكن أن يلحق بهذا المعنى معنى آخر قريب منه لم أر من ذكره من المفسرين في كتب التفسير التي اطلعت عليها وقد يكون ذكره بعضهم ولم أطلع عليه، وهو أن الجنين قد يخرج من بطن أمه التي تصحبها الحياة، وقد يخرج الجنين حيًا من بطن أمه بعد موتها بواسطة عملية جراحية، فإنه داخل في عموم الآية.
الأمر الرابع: قوله تعالى في نهاية الآية: ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ﴾ هذه الجملة من الآية من باب عطف العام على الخاص لأن أنواع التدبير في هذا العالم لا نهاية لها فهناك تدبير في العالم العلوي، وتدبير في العام السفلي ولهذا جاءت الجملة بلفظ كلي عام يشمل تدبير الكون بما فيه.
فلقد استجوب القرآن الكريم أولئك المشركين عن الأمور الأربعة المتقدمة، والهدف منها إلزامهم بما يستلزم اعترافهم، وبما فطرت عليه النفوس البشرية جمعاء من
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ٨/٣٣٥.
(٢) سورة الأنعام آية: ٩٥.
[ ٣٥٧ ]
الإيمان بربوبية الله تعالى وذلك مسلم عندهم فطرة وعقلًا وضرورة فيلزمهم أن يفردوه بالعبادة دون سواه.
وقد بين الله تعالى في مواضع كثيرة من كتابه ضعف معبودات المشركين وعجزها، وأنها لا تملك شيئًا من النفع، والضر. وقد ضرب الله الأمثال لبيان حالها الحقيرة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ١.
ففي هذا المثل بين ﵎ لعباده أن هذه الآلهة المزعومة المدعوة من دونه عاجزة وضعيفة فلو اجتمعت كلها لإيجاد مخلوق حقير مثل الذباب لا تستطيع ذلك، بل إن الذباب الحقير، لو أخذ من آلهتهم شيئًا من حقير المطاعم وطار به لما استطاعت تلك الآلهة إنقاذه من ذلك الذباب، وهذا فيه تأكيد قوي يبين عجز هذه الآلهة وضعفها أمام مخلوق من أضعف مخلوقاته تعالى. ومن كانت هذه صفته فهل يصلح أن يكون معبودًا توجه له العبادة إنه لا يعبده إلا من كان سخيف العقل سفيهًا لم يقدر الله حق قدره وهو القوي العزيز.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى حول هذا المثل: "حقيق على كل عبد أن يستمع لهذا المثل ويتدبره حق تدبره فإنه يقطع موارد الشرك من قلبه وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده وإعدام ما يضره والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق ذباب ولو اجتمعوا كلهم لخلقه فكيف ما هو أكبر منه، ولا يقدرون على الإنتصار من الذباب، وإذا سلبهم الذباب شيئًا مما عليهم من طيب ونحوه فيستنقذونه منه فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوان، ولا على الإنتصار منه، واسترجاع ما يسلبهم إياه فلا أعجز من هذه الآلهة، ولا أضعف منها فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله تعالى، وهذا المثل من أبلغ ما أنزله الله - سبحانه - في بطلان الشرك وتجهيل أهله وتقبيح عقولهم"أ. هـ٢ فهذا المثل كان بحق دليلًا في منتهى القوة حيث أثبت بطريقة حسية بطلان الوثنية وأقام الحجة على إظهار الوحدانية.
ومن الأمثال التي ضربها الله - تعالى - لبيان ضعف آلهتهم وبطلان عبادتها قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ
_________________
(١) سورة الحج آية: ٧٣.
(٢) أعلام الموقعين ١/١٨١ - ١٨٢، الأمثال في القرآن الكريم ص٢٤٧ - ٢٤٨.
[ ٣٥٨ ]
الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ١ بين الله تعالى أنهم ضعفاء وإن الذين اتخذوهم أولياء أضعف منهم فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت اتخذت بيتًا وهو أوهن البيوت وأضعفها وتحت هذا المثل أن هؤلاء المشركين أضعف ما كانوا حين اتخذوا من دون الله أولياء فلم يستفيدوا ممن اتخذوهم أولياء إلا ضعفًا كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّا﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ ٣ وقال - سبحانه - بعد أن ذكر هلاك الأمم الماضية من المشركين ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ ٤ فهذه أربع آيات من آيات القرآن الكثيرة الدالة على أن من اتخذ من دون الله وليًا يتعزز به ويتكثر لم يحصل له إلا ضد مقصوده ولو علم المشركون ضعف آلهتهم، كما يعلمون ضعف بيت العنكبوت لما اتخذوهم أولياء فالذي كانوا يلتمسونه منها من قوة وعزة ونصر يكون بعكس ما يظنون"٥، ومما جاء في تأكيد اعترافهم بضعف آلهتهم حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال لحصين: "كم إلهًا تعبد؟ " قال سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء قال: "من لرغبتك ورهبتك" قال الذي في السماء قال: "فاترك الستة واعبد الذي في السماء وأنا أعلمك دعوتين"، فأسلم وعلمه النبي ﷺ أن يقول: "اللهم رشدني وقني شر نفسي" ٦.
ومن ذلك أيضًا ما ورد في تلبية بعض مشركي العرب إذا أهلوا "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك"٧.
وقد جاء في أشعارهم ما يدل على أن عبادتهم للأصنام لم تكن عميقة في قرارات
_________________
(١) سورة العنكبوت آية: ٤١.
(٢) سورة مريم آية: ٨١ - ٨٢.
(٣) سورة يس آية: ٧٤ - ٧٥.
(٤) سورة هود آية: ١٠١.
(٥) علام الموقعين ١/١٥٤ - ١٥٥.
(٦) سنن الترمذي ٥/١٨٢.
(٧) صحيح مسلم ٢/٨٤٣.
[ ٣٥٩ ]
أنفسهم لأنهم كانوا يدركون عدم جدواها ونفعها. وقد ذكر ابن كثير في كتابه "البداية" أن صنمًا يقال له سعد، وكان صخرة طويلة فأقبل عليه رجل من كنانه بإبل له لقصد التبرك به فلما أدناها منه نفرت وكان يهراق عليه الدماء فذهبت في كل وجه وتفرقت عليه، فأسف عليها فأخذ حجرًا ورماه به وقال: لا بارك الله فيك إلهًا أنفرت علي إبلي، ثم سار في طلبها فجمعها وانصرف عنه وهو يقول:
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا فشتتنا سعد فلا نحن من سعد
وهل سعد إلا صخرة بتنوفه من الأرض لا يدعي لغيٍ ولا رشد ١
وقال بعض المشركين حين وجد الثعلبان يبول على رأس صنمه:
أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب٢
وكذلك قصة عمرو بن الجموح فقد كان له صنم وكان بعض الفتيان ممن أسلم وشهد العقبة كانوا يأتونه ليلًا فيلقونه في حفر بني سلمة وفيها عذرة الناس منكسًا على رأسه فيطلبه فيغسله ويطيبه ثم يقول له: أما والله لو أعلم من فعل هذا بك لأخزينه فإذا نام وأمسى عمرو عدوا عليه ففعلوا به مثل ذلك فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى. فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه فغسله وطهره وطيبه ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، ثم قال: إني والله ما أعلم من يصنع بك ما ترى؟ فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك، فلما أمسى ونام عمرو عدوا عليه، فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبًا ميتًا فقرنوه به بحبل، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عذر من عذر الناس، ثم غدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذي كان به، فخرج يتبعه حتى وجده في تلك البئر منكسًا مقرونًا بكلب ميت، فلما رآه وأبصر شأنه، وكلمه من أسلم من رجال قومه، فأسلم وحسن إسلامه. فقال بعد إسلامه ومعرفته لله متذكرًا صنمه شاكرًا لله تعالى الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة:
والله لو كنت إلهًا لم تكن
أنت وكلب وسط بئر في قرن
أنّى لملقاك إلهًا مستدن
الآن فتشناك عن سوء الغبن
_________________
(١) البداية والنهاية ٢/٢٠٩.
(٢) انظر القاموس ١/٤٢، لسان العرب ١/٣٣٧، الأصنام لابن الكلبي ص٤٧.
[ ٣٦٠ ]
الحمد لله العلي ذي المنن
الواهب الرزاق ديان الدين
هو الذي أنقذني من قبل أن
أكون في ظلمة قبر مرتهن
بأحمد المهدي النبي المؤتمن١
وهناك قصص أخرى كثيرة تدل على عدم إيمان بعض عباد الأوثان الإيمان الكامل بأوثانهم ويعلمون قطعًا أنها لا تنفع ولا تضر، ولذلك عندما نزل القرآن شنَّع عليهم عبادتهم لها وكان من أساليب القرآن معهم أنه كان يقررهم بما لا مجال لإنكاره لأن إلزام الخصم بما يسلِّم به من أبلغ الطرق الجدلية، لأنه إذا سلِّم بالمقدمة فقد ألزم بالنتيجة سواءًا التزم بذلك أو لم يلتزم، ولذلك كان القرآن يحتج عليهم بحجة لا بد للعقول من الإقرار بها، ولا يجوز للعقل السليم رفضها، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ ٢. فالآية تقول لهم أنتم موجودون وهذه حقيقة لا تنكرونها وكذلك السموات والأرض موجودتان ولا شك، والذي تقرر عقلًا أن الموجود لا بد له من سبب لوجوده لأن العدم لا يوجد شيئًا هذا أمر مقرر في بدائة العقول، ولأن الشيء لا بوجد نفسه. فقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ دليل قاطع يرغم العقلاء على التسليم بأن هناك خالقًا معبودًا، إلا أن الآية صاغته بأسلوب مؤثر فلا تكاد الآية تلمس السمع حتى تزلزل النفس وتهزها.
وقد روى البخاري في صحيحه من حديث محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ "يقرأ - في المغرب - بالطور، فلما بلغ هذه الآية ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ كاد قلبي يطير" ٣ قال شيخ الإسلام تعقيبًا على هذا الحديث: "وذلك أن هذا تقسيم حاصر ذكره الله بصيغة استفهام الإنكار ليبين أن هذه المقدمات معلومة بالضرورة لا يمكن جحدها يقول: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ؟!﴾ أي من غير خالق خلقهم أم هم خلقوا أنفسهم؟! وهم يعلمون أن كلا النقيضين باطل. فتعين أن لهم خالقًا خلقهم ﷾ ـ٤.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/٤٥٢ - ٤٥٣، الإصابة ٢/٥٢٢ - ٥٢٣. والشطر الأخير في هذين المصدرين "بأحمد المهدي النبي المرتهن" ولعل ذلك تحريف.
(٢) سورة الطور آية: ٣٥ - ٣٦.
(٣) ٢/١٩٣.
(٤) مجموع الفتاوى ٥/٣٥٩، وانظر شرح حديث النزول ص٢٨.
[ ٣٦١ ]
وقال أبو سليمان١ الخطابي معلّقًا على قصة جبير بن مطعم: "إنما كان إنزعاجه عند سماع هذه الآية لحسن تلقيه معنى الآية ومعرفته بما تضمنته من بليغ الحجة فاستدركها بلطف طبعه واستنشق معناه بزكي فهمه واختار الخطابي في معنى ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ فوجدوا بلا خالق، وذلك ما لا يجوز أن يكون لأن تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الأمر فلا بد له من خالق، فإذ قد أنكروا الإله الخالق، ولم يجز أن يوجدوا بلا خالق خلقهم، أفهم الخالقون لأنفسهم؟ وذلك في الفساد أكثر وفي الباطل أشد، لأن ما لا وجود له كيف يجوز أن يكون موصوفًا بالقدرة؟ وكيف يخلق؟ وكيف يتأتى منه الفعل؟ وإذا بطل الوجهان معًا قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقًا، فليؤمنوا به. ثم قال سبحانه ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ وذلك شيء لا يمكنهم أن يدعوه بوجه فهم منقطعون، والحجة قائمة عليهم" أ. هـ٢.
وهذا الذي قرره الله في هذه الآيات لا يمكن الكفار أن يدعوه، والفائدة من ذكره والسؤال عنه قطع الحجاج والخصام، إذ قد يوجد جاحد مكابر يقول: "أنا خلقت نفسي" كما زعم مثيل له من قبل أنه يحيي ويميت ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ . وكان الجواب عليه سؤالًا آخر أبان عجزه وكذبه في زعمه الأول ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ فكانت النتيجة ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣.
فإذا كان العدم لا يوجد سماءًا ولا أرضاَ، وإذا كانت السماء والأرض لم توجدا نفسيهما، وإذا كان الملاحدة لا يستطيعون ادعاء ذلك كله فإنه لا بد لهذا كله من موجد وهذا الموجد ليس إلا الله تعالى. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، وَأَنْزَلَ لَكُمْ
_________________
(١) هو: حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي أبو سليمان فقيه، محدث من أهل "بست" من بلاد "كابل" من نسل زيد بن الخطاب ولد سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وتوفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة هجرية. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ١/١٦٦ خزانة الأدب ١/٢٨٢ الأعلام للزركلي ٢/٣٠٤".
(٢) ذكره عنه البيهقي في كتابه "الأسماء والصفات" ص٤٩٥ - ٤٩٦.
(٣) سورة البقرة آية: ٢٥٨.
[ ٣٦٢ ]
مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ١.
هذه الآية وجهت سؤالًا مستمدًا من واقع هذا الكون الذي من حول الناس والذي يشاهدونه، ويلمسونه، ويتمتعون بخيراته فإطلاق السمع، والبصر، والفؤاد في السموات التي ترى وفي الأرض التي يعيش عليها الإنسان، وما فيها من الحدائق الغنية بالأشجار، والأزهار والثمار والغرض منها بائن وواضح لأن هذا التناسق البديع لا يعقل أن يكون فلتة أو طرفة، أو صدفة، ولا يعقل أن يكون رمية بدون رام، وخاصة لم تدَّعِ الصدفة، ولا الأصنام، ولا أية جدلية أنها خلقته وأبدعته.
ومما قدمنا من الآيات وبعض الأحاديث وما ذكرنا أيضًا من بعض أقوال مشركي العرب يتبين أن الإقرار بالصانع أمر فطري مركوز في كل نفس ولهذا كانت دعوة الرسل إنما كانت إلى عبادة الله وحده لا شريك له وللتذكير بالربوبية لأن عامة الناس مقرون بالصانع، حتى الكفار يقرون بأن الله تعالى هو المالك الخالق الرازق، النافع الضار، المحيي المميت، ولكن هذا الإقرار لم يجدهم شيئًا، ولم ينقذهم من النار.
فهذا فرعون الذي بلغ الغاية في الكفر حيث ادعى أنه الرب الأعلى ومع ذلك يقر بربوبية الخالق - سبحانه - قال الله تعالى في حقه حاكيًا عن موسى ﵇ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ٢ وهذا إبليس اللعين والعدو المبين لبني آدم أجمعين يعترف بربوبية الباري - سبحانه - فيقول ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ٣ ويقول ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٤ ويقول ﴿إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ٥.
فالكفار والمشركون أقروا بأن الله خالقهم، وخالق السموات والأرض وربهن ورب ما فيهما ورازقهم لهذا احتج عليهم بقوله ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ؟ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٦.
_________________
(١) سورة النمل آية: ٦٠.
(٢) سورة الإسراء آية: ١٠٢.
(٣) سورة الحجر آية: ٣٦.
(٤) سورة الحجر آية: ٣٩.
(٥) سورة الحشر آية: ١٦.
(٦) سورة النحل آية: ١٧.
[ ٣٦٣ ]
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى:
وأما توحيد الربوبية: الذي أقر به المسلم والكافر وقرَّره أهل الكلام فلا يكفي وحده، بل هو الحجة عليهم كما بين ذلك - سبحانه - في كتابه الكريم في عدة مواضع ولهذا كان حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا اهـ١.
وقال شارح الطحاوية: بعد أن ذكر تعريف توحيد الربوبية: "وهذا التوحيد حق لا ريب فيه وهو الغاية عند كثير من أهل النظر والكلام وطائفة من الصوفية، وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٢؟
_________________
(١) إغاثة اللهفان ١/٣٠.
(٢) شرح الطحاوية ص ٧٧ والآية رقم ١٠ من سورة إبراهيم.
[ ٣٦٤ ]
المبحث الرابع: الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم الإقرار بتوحيد الألوهية
تظهر أهمية الإقرار بتوحيد الربوبية في أنه مقدمة لنتيجة، فإذا أقر العبد أن الله ﷾ هو الرب المتفرد بالربوبية وخصائصها، استلزم ذلك حتمًا أن ينتج عن إقراره هذا إقرار آخر بتفرد الرب جل وعلا في ألوهيته فيجرد له العبادات كلها، ولا يصرف منها شيئًا لغير الله تعالى إذ أنه لا يصلح أن يعبد إلا من كان ربًا، سيدًا، خالقًا، بارئًا، مصورًا، مالكًا، رازقًا، معطيًا، مانعًا، محييًا، مميتًا، مدبرًا لأمر الكون كله، وذلك كله لا يثبت إلا لله وحده لا شريك له، فوجب أن يكون هو المعبود وحده، الذي لا يصح أن يكون لأحد من خلقه شركة معه في أي شيء من العبادات على اختلاف صورها.
ولهذا جرت الطريقة في كتاب الله الكريم على سوق آيات الربوبية، ثم الخلوص منها إلى الدعوة إلى توحيد الألوهية فيجعل توحيد الربوبية مدخلًا لتوحيد العبادة للإله الذي لا يستحقها بأنواعها جميعًا سواه"١.
وأما توحيد الألوهية: فهو متضمن لتوحيد الربوبية، بمعنى أن توحيد الربوبية داخل في ضمن توحيد الألوهية فإن من عبد الله وحده لم يشرك به شيئًا لا بد أن يكون قد اعتقد أن الله هو ربه ومالكه الذي لا رب له غيره ولا مالك له سواه فهو يعبده لاعتقاده أن أمره كله بيده، وأنه هو الذي يملك ضره ونفعه وأن كل ما يدعى من دونه فهو لا يملك لعابديه ضرًا، ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا.
ولا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، كما لا ينفع توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية فإن من عبد الله وحده ولم يشرك به شيئًا في عبادته، ولكنه اعتقد مع ذلك أن
_________________
(١) انظر "كتاب" صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان ص٤٣٧ - ٤٥١.
[ ٣٦٥ ]
لغير الله تأثيرًا في شيء، أو قدرة على ما لا يقدر عليه إلا الله، أو أنه يملك ضر العباد، أو نفعهم، ونحو ذلك فهذا لا تصح له عبادة لأن أساس العبادة التي تبنى عليه هو الإيمان بالله ربًا متفردًا بخصائص الربوبية جميعًا.
وأما توحيد الأسماء والصفات فإنه شامل للنوعين فهو يقوم على إفراد الله - تعالى - بكل ما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى التي لا تنبغي إلا له، ومن جملتها كونه ربًا واحدًا لا شريك له في ربوبيته وقد كان المشركون الأولون مقرين بتوحيد الربوبية ولكن إقرارهم هذا لم ينفعهم شيئًا، ولم يخرجهم من كفرهم وشركهم ولم يصبحوا بهذا الإقرار موحدين لله - جل وعلا ـ١.
وقد كانوا أيضًا: مع إقرارهم ذلك يعبدون الله ويخلصون له ذلك أنواعًا من العبادات كالحج والصدقة والذبح والنذر والدعاء وقت الإضطرار.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ ٢. وكانوا يدعون أنهم على ملة إبراهيم ﵇. فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣ وكان البعض منهم يؤمن بالبعث والحساب وبعضهم يؤمن بالقدر.
قال زهير بن أبي سلمى:
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينقم ٤
وقال عنترة:
يا عبل أين من منية مهربي إن كان ربي في السماء قضاها٥
ومع هذا الإيمان، فإن دماءهم وأموالهم قد أبيحت لإشراكهم في توحيد العبادة
_________________
(١) شرح الطحاوية ص٤٩ - ٨٤ بتصرف. وراجع "تيسير العزيز الحميد" ص١٧ - ٢٠، وانظر "كتاب صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان" ص٤٣٧ - ٤٥١.
(٢) سورة لقمان آية: ٣٢.
(٣) سورة آل عمران آية: ٦٧.
(٤) المعلقات السبع مع شرحها ص٧٥.
(٥) ديوان عنترة ص٧٤.
[ ٣٦٦ ]
الذي هو معنى "لا إله إلا الله" ولم ينفعهم إقرارهم بتوحيد الربوبية وحده دون توحيد الله تعالى في عبادته.
ولذلك لم يعترضوا على توحيد الربوبية حين ذكرهم الرسول ﷺ به، وإنما كان اعتراضهم وإنكارهم وتعجبهم على دعوته لهم إلى إفراد الله بالعبادة كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله ﷿: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ ١.
لكن ماذا كانت النتيجة لاقتصارهم على هذا الإقرار بالربوبية؟
إن النتيجة كانت أنه أبيح قتالهم وعدم رفع السيف عنهم حتى يقروا بشهادة أن لا إله إلا الله تلفظًا، وفهم معنى وتنفيذ مقتضى، والكفر بما يعبد من دون الله إذ يقول رسول الله ﷺ كما في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله".٢
ولما توفي رسول الله ﷺ وكفر من كفر من العرب قال عمر بن الخطاب لأبي بكر ﵄ لما قاتل مانعي الزكاة: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" فقال أبو بكر ﵁ "والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال. والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه". فقال عمر ﵁. "فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق"٣.
فأبو بكر ﵁ فهم أن النبي ﷺ لم يرد مجرد اللفظ بقول "لا إله إلا الله" باللسان فحسب دون التزام بمعناها وأحكامها.
_________________
(١) سورة ص آية: ٤ - ٧.
(٢) صحيح مسلم ١/٥٢ ورواه البخاري من حديث ابن عمر ١/١٣.
(٣) صحيح مسلم ١/٥١ - ٥٢.
[ ٣٦٧ ]
وعلى هذا أجمع علماء المسلمين على أن من قال: "لا إله إلا الله" ولم يعتقد معناها ولم يعمل بمقتضاها، يقاتل حتى يعمل بما دلت عليه من النفي والإثبات. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن قتال التتار مع التمسك بالشهادتين ولما زعموا من إتباع أصل الإسلام فقال: "كل طائفة ممتنعة من التزام شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم أو غيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه كما قاتل أبو بكر والصحابة ﵃ مانعي الزكاة وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال والخمر، والزنا، والميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته - التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها التي يكفر الجاحد لوجوبها. فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء" اهـ١.
أما قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ "وحسابهم على الله"٢ أي أن الله ﵎ هو الذي يتولى حساب الذي يقول كلمة التوحيد بلسانه فقط فإن كان صادقًا في قوله جازاه بجنات النعيم وإن كان يقولها نفاقًا فله من الله العذاب الأليم.
وأما في الدنيا فيحكم له بالظاهر فمن أتى بالتوحيد ولم يأت بما يناقضه ظاهرًا والتزم بشرائع الإسلام وجب الكف عنه.
والذي نخلص إليه مما تقدم أن الاقتصار على الإقرار بتوحيد الربوبية لا أثر له في عصمة المال والدم.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٨/٥٠٢ - ٥٠٣.
(٢) تقدم تخريجه قريبًا من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣٦٨ ]
الفصل الرابع: ما جاء في السورة بشأن الشرك
المبحث الأول: تعريف الشرك في اللغة والإصطلاح
المبحث الأول: تعريف الشرك في اللغة والإصطلاح
تبين مما تقدم في الفصول السابقة أن سورة "الزمر" تناولت أنواع التوحيد الثلاثة، وقد تقدم الحديث عنها في الفصول الثلاثة المتقدمة ثم تعرضت للشرك الذي هو أعظم ذنب عصي الله به في الأرض ولقد دار الحديث في السورة حول الشرك عن بيان أصل الشرك في بني الإنسان ثم عرضت لذم الإنسان على جعله أندادًا لله تعالى، ثم جاء البيان فيها للفرق بين المشرك والموحد، ثم ختم الحديث فيها عن الشرك بالتحذير منه، وبيان أنه محبط للعمل، وسنتحدث عن هذه الأمور بطريقة مفصلة في المباحث التي ستأتي بعد تعريف الشرك في اللغة، والإصطلاح، وبيان أنواعه فنقول:
الشرك في اللغة:
جاء في مقاييس اللغة: أن مادة "الشرك" المكونة من حرف "الشين والراء والكاف" لها أصلان:
أحدهما: يدل على مقارنة وخلاف انفراد، والآخر يدل على امتداد واستقامة فالأول: الشركة وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما ويقال: شاركت فلانًا في الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما ويقال: شاركت فلانًا في الشيء إذا صرت شريكه، وأشركت فلانًا إذا جعلته شريكًا لك قال تعالى: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ ١ ويقال في الدعاء: اللهم أشركنا في دعاء المؤمنين أي: اجعلنا لهم شركاء في ذلك.
_________________
(١) سورة طه آية: ٣٢.
[ ٣٧١ ]
وأما الثاني: فالشرك: لقم الطريق، وهو شراكه أيضًا، وشرك النعل مشبه بهذا، ومنه شراك الصائد سمي بذلك لامتداده١.
وقال في اللسان: "الشركة والشركة سواء" مخالطة الشريكين يقال: اشتركنا بمعنى: تشاركنا، وقد اشترك الرجلان وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر والشريك المشارك، والشرك كالشريك، والجمع أشراك وشركاء٢ وجاء في تهذيب اللغة: "الشرك بمعنى الشريك وهو بمعنى النصيب وجمعه أشراك كشبر وأشبار" اهـ٣.
وفي اللسان: "وطريق مشترك: يستوي فيه الناس، واسم مشترك تستوي فيه معان كثيرة"٤.
وقال في الصحاح: "والشرك أيضًا: الكفر، وقد أشرك فلان بالله فهو مشرك ومشركي" اهـ٥.
وجاء في تاج العروس: مبينًا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ ٦ ومعناه: الذين صاروا مشركين بطاعتهم للشيطان، وليس المعنى أنهم آمنوا بالله وأشركوا بالشيطان، ولكن عبدوا الله وعبدوا معه الشيطان فصاروا بذلك مشركين فهو مشرك ومشركي"٧.
وزاد في اللسان "مثل الشرك في الجاهلية وهو تلبيتهم حول الكعبة لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك "يعنون بالشريك الصنم" اهـ٨، وفي تهذيب اللغة:
قال الليث: "شرك الصائد: حبائل الصيد، وكذلك ما ينصب للطير" وفي الحديث أعوذ
_________________
(١) مقاييس اللغة: ٣/٢٦٥.
(٢) لسان العرب ١٠/٤٤٨.
(٣) ١٠/١٧ تاج العروس ٧/١٤٨، لسان العرب ١٠/٤٤٩.
(٤) ١٠/٤٤٩.
(٥) ٤/١٥٩٣.
(٦) سورة النحل آية: ١٠٠.
(٧) ٧/١٤٨.
(٨) ١٠/٤٥٠.
[ ٣٧٢ ]
بك من شر الشيطان وشركه"١ أي حبائله ومصائده يعني ما يدعو إليه، ويوسوس به من الإشراك بالله تعالى٢.
ومما تقدم يتبين أن مدلول كلمة "الشرك" تطلق على النصب والتسوية، والمخالطة والمصاحبة، والكفر، وحبائك الصيد والشبكة، والقاعدة المتبعة في اللغة العربية أن الكلمات ذات المادة الواحدة، يكون فيما بينها ترابط وثيق وإذا تأملنا المدلولات السابقة لكلمة "الشرك" نلمس الترابط الواضح فيما بينها.
فالشرك أن يجعل غير الله مشاركًا له فيما هو من خالص حقه على عباده، ومن فعل هذا فقد سوى بين الله وبين من أشركه معه في العبادة بمعنى أنه اتخذ إلهًا آخر مع الله لأنه قصد غير الله بشيء من العبادة فجعله شريكًا لله في عبادته بقدر كبير، أو صغير في ذات، أو وصف.
وأما تعريف الشرك في الإصطلاح:
فقد تنوعت عبارات العلماء في تحديده، وعلى الرغم من تنوعها فإن كل عبارة منها تكمل الأخرى.
فبعض أئمة اللغة جعله بمعنى الكفر.
قال صاحب القاموس: "وأشرك بالله كفر" أ. هـ٣.
وجاء في تهذيب اللغة "الشرك أن تجعل لله شريكًا في ربوبيته تعالى الله عن الشركاء والأنداد" أ. هـ٤.
وقال الراغب: "وشرك الإنسان نوعان":
أحدهما: الشرك العظيم، وهو إثبات شريك لله تعالى يقال: أشرك فلان بالله وذلك أعظم كفر قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا
_________________
(١) رواه الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ٥/١٣٤، والدارمي في سننه ٢/٢٩٢.
(٢) تهذيب اللغة ١٠/١٨ تاج العروس ٧/١٤٩، لسان العرب ١٠/٤٥٠.
(٣) ٣/٣١٨.
(٤) ١٠/١٦.
(٥) سورة النساء آية: ١١٦.
[ ٣٧٣ ]
يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١.
والثاني: الشرك الأصغر وهو: مراعاة غير الله في بعض الأمور وهو الرياء قال تعالى ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٢.
فتعريف الشرك في الإصطلاح: "هو ضد التوحيد كالكفر ضد الإيمان وهو أن يجعل الإنسان لله شريكًا فيما هو من خالص حقه - سبحانه - مثل أن يتخذ إلهًا، أو آلهة يعبدها أو يطيعها، أو يستعين بها، أو يحبها، أو نحو ذلك مما لا يستحقه إلا - الرب جل وعلا - فمن صدر منه هذا الاعتقاد فقد أشرك بالله العظيم وحبط عمله، ولا يصلح مع الشرك أي عمل إذ من شروط قبول العمل عند الله تعالى أن يكون خالصًا لوجهه الكريم ليس لغيره فيه حظ ولا نصيب"٣.
_________________
(١) سورة النساء آية: ٤٨.
(٢) المفردات في غريب القرآن ص٢٥٩ - ٢٦٠ والآية رقم ١٠٦ من سورة يوسف.
(٣) انظر تجريد التوحيد للمقريزي ص٢٧ - ٢٨، تيسير العزيز الحميد ص٢٧، "توضيح المقاصد وتصحيح القواعد" ٢/٢٦٦.
[ ٣٧٤ ]
المبحث الثاني: أنواع الشرك
والشرك الذي هو أعظم ذنب عصي الله به على هذه الأرض ذكر العلماء أنه ثلاثة أنواع.
النوع الأول: الشرك الأكبر.
النوع الثاني: الشرك الأصغر.
النوع الثالث: شرك خفي١.
ولخطورة الشرك على عمل الإنسان المسلم: يتحتم عليه أن يعرف حقيقة هذه الأنواع الثلاثة حتى لا يقع فيها من حيث لا يشعر، وسأتحدث في هذا المبحث عن بيان حقيقة هذه الأنواع باختصار.
تعريف الشرك الأكبر:
لقد اختلفت تعريفات العلماء للشرك الأكبر لفظًا، واتحدت معنى ومدلولًا.
قال العلامة ابن القيم مبينًا حقيقة الشرك الأكبر: "هو أن يتخذ من دون الله ندًَّا يحبه كما يحب الله وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين"٢. وقال ﵀ في تعريف آخر: "هو تشبيه المخلوق بالله وتشبيهه بغيره"٣.
_________________
(١) انظر الرسالة الأولى ضمن مجموعة التوحيد لشيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهما من العلماء ص ٥.
(٢) مدارج السالكين ١/٣٣٩.
(٣) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص١٥٩ إغاثة اللهفان ٢/٢٢٦.
[ ٣٧٥ ]
وقال المقريزي١رحمه الله تعالى "اعلم أن حقيقة الشرك تشبيه الخالق بالمخلوق وتشبيه المخلوق بالخالق أما الخالق فإن المشرك شبه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية وهي التفرد بملك الضر، والنفع والعطاء، والمنع فمن علَّق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق تعالى وسوى بين التراب، ورب الأرباب فأي فجور وذنب أعظم من هذا هذا في جانب التشبيه وأما في جانب التشبه فمن تعاظم، وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه ورجائه ومخافته فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته وهو حقيق بأن يهينه الله غاية الهوان ويجعله كالذر تحت أقدام خلقه. وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "يقول الله ﷿ العظمة والكبرياء ردائي فمن نازعني في واحد منهما عذبته" أ. هـ٢ وقال الإمام الذهبي معرفًا للشرك الأكبر: "هو أن يجعل لله ندًا ويعبد معه غيره من حجر، أو شجر، أو شمس، أو قمر، أو نبي، أو شيخ، أو نجم، أو ملك، أو غير ذلك وهذا هو الشرك الأكبر" أ. هـ٣.
وجاء في تيسير العزيز الحميد: "هو أن يجعل لله ندًّا يدعوه كما يدعو الله ويسأله الشفاعة كما يسأل الله، ويرجوه كما يرجو الله ويحبه كما يحب الله ويخشاه كما يخشى الله، وبالجملة فهو أن يجعل لله ندًا يعبده كما يعبد الله"أ. هـ٤
والذي يتبين من هذه التعاريف المتقدمة للشرك الأكبر أن معنى الشرك الأكبر هو جعل الإنسان لربه - تعالى - مثيلًا، أو كفوءًا، أو نظيرًا، أو عديلًا، يتوجه إليه بالعبادة كما كان عليه أهل الجاهلية من المشركين مع أصنامهم، وأوثانهم التي اتخذوها من الأحجار والأشجار فصرفوا لها العبادة التي لا يستحقها إلا الله - تعالى - من دعاء، ونذر وذبح وغير ذلك من أنواع العبادات.
وهذا ما عليه القبوريون حاليًا فإنهم يتوجهون إلى الموتى من أهل القبور وينادونهم ويهتفون بهم ويستعينون بهم ويستغيثون، ويقربون لهم القرابين والنذور بصنوف الأموال،
_________________
(١) هو الإمام بقي الدين أحمد بن علي المقريزي المتوفى سنة أربع وخمسين وثمانمائة هجرية.
(٢) تجريد التوحيد ص٢٧ - ٢٨ والحديث رواه مسلم بلفظ "العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته" ٤/٢٠٢٣.
(٣) الكبائر ص ٨
(٤) تيسير العزيز الحميد ص ٢٧.
[ ٣٧٦ ]
ويطلبون منهم الشفاعة، وشفاء المرضى وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله - تعالى - وتجدهم يشدون إليهم الرحال ويحملون الزاد من البلدان والأقطار البعيدة.
وكما تبين مما تقدم أن من الشرك بالله تشبيهه بخلقه كقولهم: يد الله كيد المخلوق، وعينه كعينه إلى غير ذلك من أباطيل أهل الزيغ الذين يحاولون إخضاع النصوص لأهوائهم، ولا يخضعون أهواءهم لها. وكذلك تشبيه المخلوق بالخالق كما زعم فرعون لقومه أنه ربهم الأعلى وكما فعلت السبئية١ مع علي ﵁ وكما شبه بعض الزائغين من الناس الحاكم العبيدي بأنه إله، وأنه مشرع وأن حكمه خير من حكم الله تعالى٢.
أنواع الشرك الأكبر:
لقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية أن الشرك الأكبر نوعان:
النوع الأول: شرك في الإلهية.
النوع الثاني: شرك في الربوبية.
قال - رحمه الله تعالى - "إن كان شركًا يكفر به صاحبه وهو نوعان":
شرك في الإلهية، وشرك في الربوبية.
فأما الشرك في الإلهية: فهو أن يجعل لله ندًا - أي - مثلًا في عبادته أو محبته، أو خوفه، أو رجائه، أو إنابته، فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه قال - تعالى ـ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَف﴾ ٣.
_________________
(١) هم أتباع عبد الله بن سبأ الضال المضل الذي رام إفساد دين الإسلام بمكره وكيده الأثيم حيث دعا الناس إلى القول بنبوة علي ثم انتقل إلى ما هو أعظم من ذلك فزعم أنه إله وقد وجد بعضهم في زمن علي وقالوا فيه هذا القول فأمر بإحراقهم. انظر في شأن هذه الفرقة المارقة "الفرق بين الفرق" ص٣٣٣، التبصير في الدين ص٧١، الملل والنحل ١/١٧٤، مقالات الإسلاميين ١/٨٦.
(٢) كما يعتقد ذلك طائفة الدروز في الحاكم العبيدي منصور بن العزيز بالله نزار بن المعز بالله العبيدي الثالث من الخلفاء العبديين المغاربة الذين تغلبوا على مصر فقد ادعى هذا العبيدي الألوهية تأسيًا بفرعون، وقتل من العلماء ما لا يحصى وكتب على المساجد والجوامع سب الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وغيرهم من الصحابة، وهذا العبيدي يعظمه الدروز في لبنان والإسماعيلية في الهند. أنظر ترجمته في النجوم الزاهرة ٤/١٧٦ - ٢٠٦، خطط المقريزي ٢/٢٨٥ - ٢٨٩، وفيات الأعيان ٢/١٢٦.
(٣) سورة الأنفال آية: ٣٨.
[ ٣٧٧ ]
وهذا هو الذي قاتل عليه رسول الله ﷺ مشركي العرب لأنهم أشركوا في الإلهية قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لله﴾ ١ وقال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢
وأما النوع الثاني: فالشرك في الربوبية فإن الرب ﷾ هو المالك المدبر المعطي المانع الضار النافع الخافض الرافع المعز المذل فمن شهد أن المعطي أو المانع أو الضار أو المعز، أو المذل غيره فقد أشرك بربوبيته٣.
وقال العلامة ابن القيم: مبينًا نوعي الشرك الأكبر:
الشرك شركان:
النوع الأول: شرك يتعلق بذات المعبود، وأسمائه وصفاته وأفعاله.
النوع الثاني: شرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه - سبحانه - لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله ثم إن القسم الأول نوعان:
أحدهما: شرك التعطيل وهو أقبح أنواع الشرك كشرك فرعون إذ قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤ وقال تعالى مخبرًا عنه أنه قال لهامان: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًَا﴾ ٥ والشرك والتعطيل متلازمان فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق - سبحانه - وصفاته ولكنه عطل حق التوحيد وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل وهو ثلاثة أقسام:
الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه.
الثاني: تعطيل الصانع - سبحانه - عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله.
_________________
(١) سورة البقرة آية: ١٦٥.
(٢) سورة ص آية: ٥.
(٣) مجموع الفتاوى ١/٩١ - ٩٢.
(٤) سورة الشعراء آية: ٢٣.
(٥) سورة غافر آية: ٣٦ - ٣٧.
[ ٣٧٨ ]
الثالث: تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد، ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثم خالق ومخلوق ولا هاهنا شيئان، بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه. ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدومًا أصلًا، بل لم يزل ولا يزال والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها يسمونها بالعقول والنفوس. ومن هذا شرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه، وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة فلم يثبتوا له اسمًا ولا صفة بل جعلوا المخلوق أكمل منه، إذ كمال الذات بأسمائها وصفتها.
النوع الثاني: شرك من جعل مع الله إلهًا آخر ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهًا وأمه إلهًا.
ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة.
ومن هذا شرك القدرية القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته ولهذا كانوا أشباه المجوس.
ومن هذا شرك الذي حاج إبراهيم في ربه: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ ١.
فهذا جعل نفسه ندًا لله يحيي ويميت بزعمه كما يحيي الله ويميت فألزمه إبراهيم أن طرد قولك أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي بها الله منها، وليس هذا انتقالًا كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزامًا على طرد الدليل إن كان حقًا.
ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات ويجعلها أربابًا مدبرة لأمر هذا العالم كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم.
ومن هذا شرك عباد الشمس أ. هـ٢.
_________________
(١) سورة البقرة آية: ٢٥٨.
(٢) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص١٥٢ - ١٥٤.
[ ٣٧٩ ]
وأما القسم الثاني:
وهو ما يتعلق بمعاملته - سبحانه - فهو أربعة أنواع١.
النوع الأول: شرك الدعوة وقد أشار إليه - سبحانه - بقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ٢.
قال العلامة ابن جرير يقول تعالى ذكره: "فإذا ركب هؤلاء المشركون السفينة في البحر، فخافوا الغرق والهلاك فيه ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يقول: أخلصوا لله عند الشدة التي نزلت بهم التوحيد وأفردوا له الطاعة، وأذعنوا له بالعبودية، ولم يستغيثوا بآلهتهم وأندادهم ولكن بالله الذي خلقهم ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ يقول: فلما خلصهم مما كانوا فيه وسلمهم، فصاروا إلى البر إذا هم يجعلون مع الله شريكًا في عبادتهم ويدعون الإلهة والأوثان معه أربابًا.
قال قتادة ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ فالخلق كلهم يقرون لله أنه ربهم، ثم يشركون بعد ذلك أ. هـ٣.
ومن تفسير ابن جرير للآية السابقة يتبين لنا أن شرك المشركين السابقين كان أخف من شرك المتأخرين إذا أولئك كان شركهم مقصورًا في حالة الرخاء أما في الشدة فكانوا يخلصون الدعاء لله وحده لا شريك له أما مشركو زماننا فإنهم ينادون ويستغيثون بغير الله في الشدة والرخاء على حد سواء قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ تعالى - "فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين:
أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء مع الله إلا في الرخاء، وأما في الشدة، فيخلصون لله الدعاء كما قال - تعالى - ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُورًا﴾ ٤
_________________
(١) انظر الرسالة الأولى من "مجموعة التوحيد لشيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهما ص٦ - ٧".
(٢) سورة العنكبوت آية: ٦٥.
(٣) جامع البيان ٢١/١٣.
(٤) سورة الإسراء آية: ٦٧.
[ ٣٨٠ ]
إلى أن قال: فمن هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يدعون الله - تعالى - ويدعون غيره في الرخاء وأما في الضراء والشدة فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له، وينسون ساداتهم، تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهمًا جيدًا راسخًا؟ والله المستعان.
الأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناسًا مقربين عند الله إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة، أو يدعون أحجارًا أو أشجارًا مطيعة لله ليست عاصية وأهل زماننا يدعون مع الله أناسًا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك والذي يعتقد في الصالح، أو الذي لا يعصي - مثل الخشب والحجر - أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهد به" أ. هـ١.
النوع الثاني: شرك المحبة كما ذكر الله عن بعض الناس بقوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ ٢.
قال العلامة ابن القيم: "فأخبر أن من أحب من دون الله شيئًا كما يحب الله - تعالى - فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا فهذا ندًا في المحبة لا في الخلق والربوبية، فإن أحدًا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند في الربوبية بخلاف ند المحبة فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادًا في الحب والتعظيم ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ وفي تقدير الآية قولان:
أحدهما: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ من أصحاب الأنداد لأندادهم وآلهتهم التي يحبونها ويعظمونها من دون الله.
الثاني: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ من محبة المشركين بالأنداد لله فإن محبة المؤمنين خالصة، ومحبة أصحاب الأنداد قد ذهبت أندادهم بقسط منها، والمحبة الخالصة أشد من المشتركة، والقولان على القولين في قوله - تعالى ـ: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ ٣ فإن فيها قولين:
_________________
(١) كشف الشبهات ص٢٢٧ ضمن مجموعة التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
(٢) سورة البقرة آية: ١٦٥.
(٣) سورة آية: ١٦٥.
[ ٣٨١ ]
أحدهما: يحبونهم كما يحبون الله فيكون قد أثبت لهم محبة الله ولكنها محبة يشركون فيها مع الله أندادًا.
والثاني: أن المعنى يحبون أندادهم كما يحب المؤمنون الله، ثم بين أن محبة المؤمنين لله أشد من محبة أصحاب الأنداد لأندادهم، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرجح القول الأول، ويقول: "إنما ذموا بأن أشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة ولم يخلصوها لله كمحبة المؤمنين له" أ. هـ١.
النوع الثالث: شرك الطاعة المذكور في قوله - تعالى - ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ الله﴾ ٢.
وفي الحديث عن عدي بن حاتم حين سمع رسول الله ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ الله﴾ قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم؟ فقال: "بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم" ٣.
قال حذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وغيرهما في تفسيرها: إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا.
قال ابن القيم: "وهذا من أعظم تلاعب الشيطان بالإنسان: أن يقتل أو يقاتل من هداه على يديه، ويتخذ من لم تضمن له عصمته ندًا لله يحرم عليه ويحلل له" أ. هـ٤.
النوع الرابع: شرك النية والإرادة والقصد المشار إليه بقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٥.
وقال العلامة ابن القيم: وأما الشرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقل من ينجو منه فمن أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئًا غير التقرب إليه، وطلب
_________________
(١) مدارج السالكين ٣/٢٠ - ٢١.
(٢) سورة التوبة آية: ٣١.
(٣) رواه ابن جرير في تفسيره جامع البيان ١٠/١١٤، سنن الترمذي ٤/٣٤٢، وانظر تفسير ابن كثير ٣/٣٨٥.
(٤) إغاثة اللهفان ٢/٣١٩.
(٥) سورة هود آية: ١٥ - ١٦.
[ ٣٨٢ ]
الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته والإخلاص: أن يخلص لله في أقواله وأفعاله وإرادته ونيته، وهذه هي الحنفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم ولا يقبل من أحد غيرها وهي حقيقة الإسلام ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١.
وهي ملة إبراهيم ومن رغب عنها فهو من أسفه السفهاء. أ. هـ٢.
تعريف الشرك الأصغر:
الشرك الأصغر هو النوع الثاني من أنواع الشرك وقد أوضح تعريفه النبي ﷺ بقوله: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء" ٣.
وعند الحاكم من حديث أوس عن أبيه قال: "كنا نعد على عهد رسول الله أن الرياء الشرك الأصغر"٤.
والرياء الذي يعتبر شركًا إنما هو يسيره وليس بكثيره إذ الكثير منه قد يصل بصاحبه إلى الشرك الأكبر وهذا لا يصدر إلا من المنافقين الذين توعدهم الله بالدرك الأسفل من النار أو ممن لم تخالط بشاشة الإيمان قلبه.
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - في حده للشرك الأصغر "وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والتصنع للخلق والحلف بغير الله - تعالى - وقول الر جل ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك وأنا بالله وبك ومالي إلا الله وأنت وأنا متوكل على الله وعليك ولولا أنت لم يكن كذا، وقد يكون شركًا أكبر بحسب قائله ومقصده"٥.
قال في تيسير العزيز الحميد ففسر الشرك الأصغر باليسير من الرياء فدل على أن
_________________
(١) سورة آل عمران آية: ٨٥.
(٢) الجواب الكافي ص١٥٩.
(٣) مجمع الزوائد ١٠/٢٢ من حديث رافع بن خديج ﵁ قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير شبيب وهو ثقة.
(٤) المستدرك ٤/٣٢٩ وصححه وأقره على ذلك الذهبي.
(٥) مدارج السالكين ١/٣٤٤.
[ ٣٨٣ ]
كثيره أكبر، وضد الشرك الأكبر والأصغر التوحيد والإخلاص وهو إفراد الله - تعالى - بالعبادة باطنًا وظاهرًا. أ. هـ١.
الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر:
أما الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر فمن وجوه:
أولًا: أن الشرك الأكبر لا يغفر الله لصاحبه، وأما الأصغر فتحت المشيئة.
الثاني: أن الشرك الأكبر محبط لجميع الأعمال، وأما الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي قارنه.
الثالث: أن الشرك الأكبر مخرج لصاحبه من ملة الإسلام، وأما الأصغر فلا يخرجه منها.
الرابع: أن الشرك الأكبر صاحبه خالد في النار، وأما الأصغر فكغيره من الذنوب، وقيل: "إنه لا يغفر لصاحبه إلا بالتوبة كالأكبر وهذا هو الصواب"٢.
تعريف الشرك الخفي:
الشرك الخفي هو النوع الثالث من أنواع الشرك وقد بين حقيقته المصطفى ﷺ حيث قال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى قال: الشرك الخفي يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل" ٣.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب قوله: "فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل" فسر الشرك الخفي بهذا أن يعمل الرجل العمل لله، لكن يزيد فيه صفة كتحسينه وتطويله ونحو ذلك لما يرى من نظر رجل فهذا هو الشرك الخفي، وهو الرياء، والحامل له على ذلك هو حب الرياسة والجاه عند الناس" أ. هـ٤.
وقال ﷺ: "الشرك الخفي أن يعمل الرجل لمكان الرجل"٥.
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص٤٧٢.
(٢) الكواشف الجلية ص٢٦٧.
(٣) رواه أحمد في المسند ٣/٣٠ وابن ماجة في السنن ٢/١٤٠٦.
(٤) تيسير العزيز الحميد ص٤٧٢.
(٥) رواه الحاكم في المستدرك وصححه وأقره على ذلك الذهبي من حديث أبي سعيد الخدري ٤/٣٢٩.
[ ٣٨٤ ]
وقال عبد الله بن عباس ﵄ في تفسيره لقوله - تعالى - ﴿فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي ويقول لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة ولولا البط في الدار لأتى اللصوص وقول الرجل لصاحبه لولا الله وفلان لا تجعل فيها فلانًا هذا كله به شرك"١.
قال: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعالى ـ.
وأما الشرك الخفي فهو الذي لا يكاد أحد يسلم منه مثل أن يحب الرجل مع الله غيره فإن كانت محبته لله مثل حب النبيين والصالحين والأعمال الصالحة فليست من هذا الباب لأن هذه تدل على حقيقة المحبة لأن حقيقة المحبة أن يحب المحبوب وما أحبه، ويكره ما يكرهه، ومن صحت محبته.
امتنعت مخالفته لأن المخالفة إنما تقع لنقص المتابعة ويدل على نقص المحبة قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ٢ الآية فليس الكلام في هذا إنما الكلام في محبة تتعلق بالنفوس بغير الله - تعالى - فهذا لا شك أنه نقص في توحيد المحبة لله وهو دليل على نقض محبة الله - تعالى - إذ لو كملت محبته لم يحب سواه وكذا الخوف والرجاء، وما أشبه ذلك فإن كمل خوف العبد من ربه لم يخف شيئًا سواه وإذا نقص خوفه خاف من المخلوق وعلى قدر نقص الخوف وزيادته يكون الخوف وكذا الرجاء وغيره فهذا هو الشرك الخفي الذي لا يكاد أحد أن يسلم منه إلا من عصمه الله - تعالى ـ٣.
فشيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - يبين خطورة الشرك الخفي الذي لا ينجو منه إلا من عصمه الله - تعالى - ولذلك خافه ﷺ على الصحابة الذين هم أبر الأمة أعمالًا وأقواها إيمانًا وأصحها إسلامًا، وأحسنها أخلاقًا وأصدقها أقوالًا كما تقدم من حديث أبي
_________________
(١) تفسير ابن كثير ١/١٠١.
(٢) سورة آل عمران آية: ٣١.
(٣) مجموع الفتاوى ١/٩٣ - ٩٤.
[ ٣٨٥ ]
سعيد الخدري ﵁ قال صاحب تيسير العزيز الحميد١ قال الطيبي٢ مبينًا ضرر الشرك الخفي على الإنسان: "وهو من أضر غوائل النفس، وبواطن مكائدها، يبتلى به العلماء والعباد والمشمرون عن ساق الجد لسلوك طريق الآخرة فإنهم مهما قهروا أنفسهم وفطموها عن الشهوات، وصانوها عن الشبهات، عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة، الواقعة على الجوارح، فطلبت الاستراحة إلى الظاهر بالخير، وإظهار العلم والعمل فوجدت مخلصًا من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق ولم تقتنع باطلاع الخالق ﵎: وفرحت بحمد الناس، ولم تقنع بحمد الله وحده فأحببت مدحهم وتبركهم بمشاهدته وخدمته وإكرامه وتقديمه في المحافل فأصابت النفس في ذلك أعظم اللذات، وأعظم الشهوات وهو يظن أن حياته بالله - تعالى - وبعبادته، وإنما حياته هذه الشهوة الخفية التي تعمى عن دركها العقول النافذة، قد أثبت اسمه عند الله من المنافقين وهو يظن أنه عند الله من عباده المقربين وهذه مكيدة للنفس لا يسلم منها إلا الصديقون، ولذلك قيل آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة"أ. هـ٣.
وباستطاعة الإنسان أن يتخلص من هذا الشرك الخفي بأمرين اثنين:
الأول: الإخلاص بأن يكون عمله خالصًا لوجه الله - تعالى ـ.
الثاني: أن يكون العمل موافقًا لما جاء به الرسول ﷺ.
كفارة الشرك الخفي:
على الرغم من خطورة الشرك الخفي كما عرفنا ذلك مما تقدم وأنه ﷺ خافه على سادة هذه الأمة وهم الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وأن لا يسلم منه إلا من عصمه الله - تعالى ـ.
_________________
(١) هو الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵏ تعالى ـ.
(٢) هو الحسين بن محمد بن عبد الله شرف الدين الطيبي. من علماء الحديث والتفسير والبيان كان ذا ثروة طائلة من الإرث والتجارة فأنفقها في وجوه الخير حتى افتقر في آخر عمره، كان شديد الرد على أهل البدع، وكان ملازمًا لتعليم طلبة العلم له مؤلفات في البلاغة والتفسير، والحديث. أنظر ترجمته في الدرر الكامنة ٢/٦٨ - ٦٩، كشف الظنون ١/٧٢٠، شذرات الذهب ٦/١٣٧ - ١٣٨، بغية الوعاة ١/٥٢٢، البدر الطالع للشوكاني ١/٢٢٩.
(٣) انظر تيسير العزيز الحميد ص٤٧٣.
[ ٣٨٦ ]
إلا أنه ﷺ علمنا دعاءًا ندعو الله به يكون كفارة لما يحصل للإنسان من هذا الداء العضال.
روى الإمام أحمد بإسناده إلى أبي موسى الأشعري ﵁ أنه خطب الناس يومًا - فقال: يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل فقام إليه عبد الله بن حزن وقيس بن المضارب فقالا: والله لتخرجن مما قلت أو لنأتين عمر مأذون لنا أو غير مأذون قال: بل أخرج مما قلت خطبنا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: أيها الناس اتقوا هذه الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل" فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال قولوا: "اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلم" ١.
فهذا الحديث بين لنا فيه ﷺ كفارة الشرك الخفي، نسأل الله أن يجنبنا الوقوع في الأمور التي تغضبه - سبحانه - وقد اختار أكثر العلماء الذين ألفوا في التوحيد أن الشرك ينقسم إلى نوعين أكبر وأصغر، فيكون الشرك الخفي من أنواع الشرك الأصغر على قول من قال: إن الشرك على نوعين وهذا الخلاف في التقسيم إلى نوعين وإلى ثلاثة إنما هو خلاف لفظي لأن ما يفسر به الشرك الخفي هو ما يفسر به الشرك الأصغر وحيث ذكرنا أنواع الشرك فإنه من المستحسن أن نردف ذلك بذكر أنواع الكفر وأنواع النفاق لأنها كلها من الأمور المهلكة لم شرح صدره بها.
أنواع الكفر:
قال العلامة ابن القيم: "فأما الكفر فنوعان: كفر أكبر وكفر أصغر، فالكفر الأكبر هو الموجب للخلود في النار والأصغر موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود"٢.
أنواع الكفر الأكبر:
الكفر الأكبر خمسة أنواع:
النوع الأول: كفر التكذيب وهو اعتقاد كذب الرسل وهذا القسم قليل في الكفار فإن
_________________
(١) ٤/٤٠٣.
(٢) مدارج السالكين ١/٣٣٥.
[ ٣٨٧ ]
الله - تعالى - أيد رسله، وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة وأزال به المعذرة.
قال تعالى في شأن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ١ وقال - تعالى - مخاطبًا رسوله ﷺ: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ ٢.
النوع الثاني:
كفر إباء واستكبار مثل كفر إبليس اللعين ومنه كفر من عرف الرسول ﷺ ولم ينقد له إباءًا واستكبارًا وهو الغالب على كفر أعداء الرسل كما قال - تعالى - عن فرعون وقومه ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ ٣.
ومنه كفر أبي طالب فإنه صدق الرسول ﷺ ولم يشك في صدقه ولكن أخذته الحمية، وكره أن يرغب عن ملة آبائه، أو أن يحكم بتكفيرهم.
النوع الثالث:
كفر الإعراض: مثل أن يعرض عن الرسول ﷺ بحيث لا يسمعه ولا يصدقه ولا يكذبه، ولا يصغي إلى ما جاء به البتة كما قال أحد بني عبد ياليل للنبي ﷺ: "والله أقول لك كلمة: إن كنت صادقًا فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك وإن كنت كاذبًا فأنت أحقر من أن أكلمك" ٤.
النوع الرابع:
كفر الشك: حيث لا يجزم بصدق النبي ﷺ ولا يكذبه بل يشك في أمره، وهذا لا
_________________
(١) سورة النمل آية: ١٤.
(٢) سورة الأنعام آية: ٣٣.
(٣) سورة المؤمنون آية: ٤٧.
(٤) علق على هذا النوع الشيخ محمد حامد الفقي فقال "وهو كفر الملحدين اليوم من المتسمين بأسماء إسلامية المقلدين للإفرنج من اليهود والنصارى المنحلين عن كل خلق وفضيلة زاعمين بجاهليتهم وسفهم أن هذا هو سبيل الرقي والمدنيَّة" مدارج السالكين ١/٣٣٨ "الهامش".
[ ٣٨٨ ]
يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول ﷺ جملة، وأما مع التفاته إليها ونظره فيها فإنه لا يبقى معه شك لأنها مستلزمة للصدق.
النوع الخامس:
كفر النفاق وهو أن يظهر الإيمان بلسانه وينطوي قلبه على تكذيب الرسول ﷺ، وهذا هو النفاق الأكبر١.
الكفر الأصغر:
النوع الثاني من أنواع الكفر الكفر الأصغر، وهو لا يخرج من ملة الإسلام وذلك مثل كفر النعمة وقد ذكره الله - تعالى - في قوله: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ٢.
ومنه الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب، والنياحة" ٣.
فمثل هذا كفر دون كفر لا يخرج من ملة الإسلام.
أنواع النفاق:
جاء في الصحاح: "النافقاء إحدى حجرة اليربوع يكتمها ويظهر غيرها وهو موضع يرققه، فإذا أتي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق أي: خرج والنفقة أيضًا: مثال الهمزة النافقاء تقول منه: نفق اليربوع تنفيقًا ونافق أي أخذ في نافقائه، ومنه اشتقاق المنافق في الدين" ٤.
وجاء في المصباح المنير: "نافق اليربوع إذا أتى النافقاء ومنه قيل: نافق الرجل إذا
_________________
(١) ذكر هذه الأنواع العلامة ابن القيم في مدارج السالكين ١/٣٣٥ - ٣٣٦ وانظر "مجموعة التوحيد لشيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهما ص٧ - ٨".
(٢) سورة النحل آية: ١١٢.
(٣) صحيح مسلم ١/٨٢.
(٤) ٤/١٥٦٠، القاموس المحيط ٣/٢٩٦.
[ ٣٨٩ ]
أظهر الإسلام لأهله وأضمر غير الإسلام وأتاه مع أهله فقد خرج منه بذلك ومحل النفاق القلب"١.
وفي اللسان عن أبي عبيد قال "سمي المنافق منافقًا للنفق وهو السرب في الأرض وقيل: إنما سمي منافقًا لأنه نافق كاليربوع وهو دخوله نافقاءه يقال: قد نفق به، ونافق وله جحر آخر يقال له القاصعاء، فإذا طلب قصع فخرج من القاصعاء، فهو يدخل في النافقاء ويخرج من القاصعاء أو يدخل في القاصعاء ويخرج من النافقاء، فيقال هكذا يفعل المنافق يدخل في الإسلام ثم يخرج منه من غير الوجه الذي دخل فيه"٢.
ومن هذا يتبين أن النفاق في اللغة: "إظهار الخير وإبطال الشر وأما حقيقته في الشرع: فهو إظهار الإيمان وإبطان الكفر وإخفاؤه"٣. والمتصفون بذلك موجودون في كل زمان ومكان.
والنفاق على ضربين:
الضرب الأول: النفاق الإعتقادي.
الضرب الثاني: نفاق عملي.
أما الضرب الأول: وهو النفاق الإعتقادي فإنه مخرج لصاحبه من الملة وفيه يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والنفاق منه ما هو أكبر يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار كنفاق عبد الله بن أبي وغيره بأن يظهر تكذيب الرسول أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب إتباعه أو المسرة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه ونحو ذلك مما لا يمكن صاحبه إلا أن يكون عدوًا لله ورسوله"٤ وجاء في مجموعة التوحيد:
"فأما الاعتقادي فهو ستة أنواع: تكذيب الرسول، أو تكذيب بعض ما جاء به أو بغض الرسول، أو بغض ما جاء به الرسول، أو المسرة بانخفاض دين الرسول أو الكراهية بانتصار دين الرسول"٥.
_________________
(١) ٢/٦١٨.
(٢) ١٠/٣٥٩.
(٣) انظر النهاية في غريب الحديث والأثر ٥/٩٨.
(٤) مجموع الفتاوى ٢٨/٤٣٤.
(٥) الرسالة الأولى من مجموعة التوحيد لشيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهما ص٩.
[ ٣٩٠ ]
وأما الضرب الثاني: وهو النفاق العملي فهو جريمة كبرى، وإثم عظيم وكبيرة من كبائر الذنوب، ولكنه لا يخرج صاحبه من ملة الإسلام. وأنواعه كثيرة١.
قال ﷺ: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا ائتمن خان وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".
وفي رواية أخرى: وإذا وعد أخلف" ٢.
ذلك هو حقيقة الشرك وأنواعه وأنواع الكفر والنفاق وكل هذه الأمور تكسب صاحبها الانحطاط والهبوط متى ما شرح بها صدره واطمأنت بها نفسه أعاذنا الله من ذلك
_________________
(١) انظر أنواع النفاق في مدارج السالكين لابن القيم ١/٣٤٧، وانظر الرسالة الأولى من مجموعة التوحيد لشيخ الإسلام، والشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهما ص٩.
(٢) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ١/١٥ صحيح مسلم ١/١٠٦.
[ ٣٩١ ]
المبحث الثالث: أصل الشرك في بني الإنسان
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ .
هذه الآية من السورة فيها بيان لأصل الشرك والدافع إليه عند المشركين قديمًا وحديثًا، وفيها توضيح لحال المتخذين من دون الله - تعالى - الأولياء والشركاء، وأن الذي تقرر في قلوب المشركين المتقدمين والمتأخرين أن آلهتهم تشفع لهم عند الله - تعالى - ويزعمون أنها تقربهم إلى الله - تعالى - برفع حوائجهم إليه والشفاعة عنده وإلا فهم يعتقدون أنها لا تخلق ولا ترزق ولا تملك من الأمر شيئًا وهذا كما هو معلوم من أقبح الأعذار لإقدامهم على أشد المحرمات وارتكاب أعظم المنكرات وهو الشرك بالله العظيم، ولذلك جاءت الآية مذيَّلة بالحكم عليهم بأنهم كاذبون، وكفار وأنه - تعالى - لا يهديهم فهذه حال من اتخذ من دون الله وليًا أو شريكًا.
قال ابن جرير - رحمه الله تعالى - حول هذه الآية. يقول تعالى ذكره: "والذين اتخذوا من دون الله أولياء يتولونهم ويعبدونهم من دون الله يقولون لهم ما نعبدكم أيها الآلهة إلا لتقربونا إلى الله زلفى، قربة ومنزلة وتشفعوا لنا عنده في حاجاتنا.
قال مجاهد: قريش تقوله للأوثان ومن قبلهم يقوله للملائكة ولعيسى بن مريم ولعزير١.
وقال العلامة ابن كثير حول قوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ ثم
_________________
(١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٣٣/١٩.
[ ٣٩٢ ]
أخبر ﷿ عن عباد الأصنام من المشركين أنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ أي إنما يحملهم على عبادتهم لها أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم فعبدوا تلك الصور تنزيلًا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به قال قتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد: إلا ليقربونا إلى الله زلفى أي ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردها والنهي عنها والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه ولا رضي به بل أبغضه ونهى عنه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢ وأخبر أن الملائكة التي في السموات من الملائكة المقربين وغيرهم كلهم عبيد خاضعون لله لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه ﴿فَلا تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ﴾ ٣ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا"أ. هـ٤.
وقال الشوكاني: والضمير في "نعبدهم" راجع إلى الأشياء التي كانوا يعبدونها من الملائكة وعيسى والأصنام وهم المرادون بالأولياء والمراد بقولهم ﴿إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ الشفاعة كما حكاه الواحدي عن المفسرين. اهـ٥. قال صاحب محاسن التأويل٦:
_________________
(١) سورة النحل آية: ٣٦.
(٢) سورة الأنبياء آية: ٢٥.
(٣) سورة النحل آية: ٧٤.
(٤) تفسير ابن كثير ٦/٧٨.
(٥) فتح القدير ٤/٤٤٩.
(٦) هو جمال الدين محمد سعيد بن قاسم القاسمي الحَلاق عالم مشارك في أنواع العلوم، ولد بدمشق ونشأ وتعلم بها ولد سنة ثلاث وثمانين ومائتين وألف وتوفي سنة إثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف هجرية. الأعلام ٢/١٣١.
[ ٣٩٣ ]
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي بالمحبة للتقرب والتوسل بهم إلى الله - تعالى - ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ أي يقولون ذلك احتجاجًا على ضلالهم ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي عند حشر معبوداتهم معهم فيقرن كلاَّ منهم مع من يتولاه من عابد ومعبود ويدخل المبطل النار مع المبطلين كما يدخل المحق الجنة مع المحقين ا. هـ١.
فالآية بينت أن أصل الشرك في المشركين من بني آدم إنما كان نتيجة الغلو في المخلوق ورفعه فوق منزلته ويشهد لهذا ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أنه قال صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ودَّ فكانت لكلب بدومة الجندل وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية "وأصل الشرك في بني آدم كان من الشرك بالبشر الصالحين المعظمين، فإنهم لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم، فهذا أول شرك كان في بني آدم، وكان في قوم نوح فإنه أول رسول بعث إلى أهل الأرض يدعوهم إلى التوحيد، وينهاهم عن الشرك كما قال - تعالى - ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ ٣ وهذه أسماء قوم صالحين في قوم نوح فلما ماتوا جعلوا الأصنام على صورهم ثم ذهبت هذه الأصنام لما أغرق الله أهل الأرض ثم صارت إلى العرب كما ذكر ابن عباس وغيره إن لم يكن أعيانها فهي نظائرها"ا. هـ٤.
_________________
(١) محاسن التأويل ١٤/١٩٥.
(٢) ٣/٢٠٨.
(٣) سورة نوح آية: ٢٣ - ٢٤.
(٤) الحسنة والسيئة ١١٣ - ١١٤.
[ ٣٩٤ ]
وقال ابن جرير الطبري: عند قوله - تعالى - ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ الآية قال: كانوا قومًا صالحين من بني آدم لهم أتباع يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: "إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم"١ هذا من أعظم كيد إبليس وهو جعله الإنسان يشرك بالله غيره فإنه يأتي للإنسان بأخبث الحيل، وأعظم المكر فإنهم عن طريق العاطفة الدينية، وبما يؤملون من جلب النفع حتى جعلهم مشركين يعبدون غير الله - تعالى - ويطلبون المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله - تعالى - ممن لا يملك ذلك من المخلوقين فتماثيل الصالحين من أكبر الطرق وأسرعها وقوعًا في قلوب الناس للوقوع في أصل الشرك ولذلك اعتبر الشرع أن من يفعل هذا العمل إنما هو شرار الخلق عند الله - تعالى - روى البخاري في صحيحه من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: "لما اشتكى النبي ﷺ ذكرت بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها: مارية وكانت أم سلمة وأم حبيبة ﵄ أتتا أرض الحبشة فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها فرفع رأسه فقال: أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا ثم صوروا فيه تلك الصورة أولئك شرار الخلق عند الله"٢.
وما أكثر شرار الخلق في زمننا هذا فإن الكثير من المسلمين تجاهلوا هذا التحذير البليغ والتهديد الشديد فبنوا المساجد والقباب على القبور وتجد الجهلة من المسمين يتحرون الصلاة فيها وعندها ويتوسلون بها ويدعونها من دون الله وينذرون لها ويذبحون لها ويوقدون الشموع والسرج عندها ويطلبون منها شفاء مرضاهم ورد غائبهم ويعكفون عندها ويطوفون حولها ويطلبون منها الغوث والمدد وتجد أحدهم يجري على لسانه ذكر صاحب القبر كلما قام أو قعد أو سقط وهذه الأمور هي بعينها التي كان يفعلها مشركو الجاهلية بل هؤلاء أشد منهم عبادة وتعظيمًا وهذا أصل الشرك وعينه الذي حذر الله عنه عباده ونهاهم عن الوقوع فيه.
وحرم على من مات عليه الجنة.
قال صاحب تيسير العزيز الحميد: بعد أن ذكر قصة أصنام قوم نوح: فتبين أن مبدأ
_________________
(١) جامع البيان ٢٩/٩٩.
(٢) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٣/٢٠٨.
[ ٣٩٥ ]
الشرك بالصالحين هو الغلو فيهم كما أن سبب الشرك بالنجوم هو الغلو فيها واعتقاد النحوس فيها والسعود، ونحو ذلك وهذا هو الغالب على الفلاسفة ونحوهم كما أن ذلك هو الغالب على عباد القبور ونحوهم وهو أصل عبادة الأصنام فإنهم عظموا الأموات تعظيمًا مبتدعًا، فصوروا صورهم وتبركوا بها فآل الأمر إلى أن عبدت الصور ومن "هي" صورته وهذا أول شرك حدث في الأرض وهو الذي أوحاه الشيطان إلى عباد القبور في هذه الأزمان فإنه ألقى إليهم أن البناء على القبور والعكوف عليها من محبة الصالحين وتعظيمهم وأن الدعاء عندها أرجى في الإجابة من الدعاء في المسجد الحرام والمساجد فاعتادوها ولذلك فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى الدعاء به والإقسام على الله به"ا. هـ ١.
_________________
(١) ص ٢٦٩ـ ٢٧٠.
[ ٣٩٦ ]
المبحث الرابع: ذم الإنسان على جعله أندادًا لله تعالى
لقد جاء في السورة الذم والعتاب للإنسان الذي يجعل لله تعالى الأنداد، وأوضحت أن من فعل ذلك فإن مصيره إلى النار.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ للهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ .
هذه الآية من السورة تضمنت ذمًا وعتابًا من الله تعالى لمن جعل لله الأنداد والأشباه من المخلوقين فيحبها كما يحب الله ويرجوها كما يرجو الله وهذا من فعل الضالين المشركين بالله ﷿.
فقد أوضح الله في هذه الآية أن الإنسان إذا نزل به الضر واشتد به الكرب يضرع إلى الله ويخلص له الدعاء والإنابة لا يشرك به غيره، فإذا ما أزيح عنه ذلك وخوله الله بشتى النعم ينسى ربه الذي كان يدعوه عند الشدة والكرب وعند الفقر والمرض، فيشرع في اتخاذ الشركاء من الأصنام التي هي عبارة عن أحجار وأخشاب فيتوجه إليها بالعبادة والدعاء والاستغاثة ويصرف لها الكثير من أنواع العبادات التي لا يستحقها إلا الله تعالى، أو يجعل لله أندادًا من طواغيت البشر فيطيعهم في معصية الله - تعالى - كما قال السدي رحمه الله تعالى: الأنداد من الرجال يطيعونهم في معاصي الله وقال غيره: "عنى بذلك أنه عبد الأوثان فجعلها لله أندادًا في عبادتهم إياها" وقال ابن جرير: "وأولى القولين بالصواب قول من قال عني به أنه أطاع الشيطان في عبادة الأوثان فجعل له الأوثان أندادًا لأن ذلك في سياق عتاب الله إياهم على عبادتها"اهـ١.
_________________
(١) جامع البيان "٢٣/٢٠٠".
[ ٣٩٧ ]
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب حول قوله تعالى في الآية: ﴿وَجَعَلَ للهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ أي من مات وهو يدعو لله ندًا، أي: يجعل لله ندًا فيما يختص به - تعالى - ويستحقه من الربوبية والإلهية دخل النار، لأنه مشرك، فإن الله تعالى هو المستحق للعبادة لذاته لأنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب وترغب إليه وتفزع إليه عند الشدائد وما سواه فهو مفتقر إليه مقهور بالعبودية له تجري عليه أقداره وأحكامه طوعًا وكرهًا فكيف يصلح أن يكون ندًا١.
وقد نهى الله تعالى عباده عن أن يجعلوا له الأنداد وذمهم على ذلك قال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
قال البغوي٣: ﴿فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا﴾ أي أمثالًا تعبدونهم كعبادة الله وقال أبو عبيدة٤: الند: الضد وهو من الأضداد والله تعالى بريء من المثل والضد ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه واحد خالق هذه الأشياء اهـ٥.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "الأنداد: الأكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله" وقال ابن زيد: "الأنداد: الآلهة التي جعلوها معه وجعلوا لها مثل ما جعلوا له" وقال ابن عباس: "الأنداد: الأشباه"٦.
وقال تعالى في ذم بعض الناس الذين اتخذوا من دونه أندادًا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ ٧.
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص٩٥.
(٢) سورة البقرة آية: ٢٢.
(٣) هو الإمام محي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي فقيه، محدث مفسر نسبته إلى "بغا" من قرى خراسان بين هراة ومرو ولد سنة ست وثلاثين وأربعمائة، وتوفي سنة عشر وخمسمائة هجرية انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ١/١٤٥ تهذيب ابن عساكر ٤/٣٤٨".
(٤) هو: معمر بن المثنى التيمي بالولاء البصري أبو عبيدة النحوي من أئمة العلم بالأدب واللغة ولد سنة عشر ومائة وتوفي سنة تسع ومائتين هجرية انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب ١٠/٢٤٦، الميزان ٣/١٨٩ وفيات الأعيان ٢/١٠٥ تاريخ بغداد ١٣/٢٥٢".
(٥) تفسير البغوي المسمى "معالم التنزيل" على حاشية الخازن ١/٣٣ مجاز القرآن ١/٣٤.
(٦) تفسير ابن جرير الطبري ١/١٦٣، إغاثة اللهفان ٢/٢٢٩.
(٧) سورة البقرة آية: ١٦٥.
[ ٣٩٨ ]
قال ابن القيم: "فهؤلاء جعلوا المخلوق مثلًا للخالق فالند: الشبه يقال: فلان ند فلان وند يده أي مثله وشبهه فالذي أنكره الله - سبحانه - عليهم هو تشبيه المخلوق به حتى جعلوه ندًا لله - تعالى - يعبدونه كما يعبدون الله"اهـ١.
وأما اتخاذ العدلاء، بمعنى: جعلهم شركاء لله في العبادة فقد بين - تعالى - بأن ذلك فعل المشركين.
قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ٢ وقال مجاهد "يعدلون" يشركون وقال محمد بن جرير الطبري: "يجعلون شريكًا في عبادتهم إياه فيعبدون معه الآلهة والأنداد، والأصنام، والأوثان وليس منها شيء شاركه في خلق شيء من ذلك ولا في إنعامه عليهم بما أنعم عليهم، بل هو المفرد بذلك كله وهم يشركون في عبادتهم إياه غيره"٣.
ولقد بين النبي ﷺ أن اتخاذ الند من أعظم الذنوب والآثام لما روي من حديث ابن مسعود ﵁ قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلقك "الحديث ٤.
قال ابن الأثير: "الأنداد جمع ند بالكسر وهو مثل الشيء الذي يضاده في أموره ويناده: أي يخالفه ويريد بها ما كانوا يتخذونه آلهة من دون الله" اهـ٥. ولقد بعث الله نبي الهدى ﷺ لخلع جميع الأنداد التي كانت تعبد من دون الله - تعالى - وقد كان المشركين يتنافسون فيها وكانت تمثل كثرة هائلة حتى أنه أصبح لكل مشرك في الجاهلية معبود وحتى أنه كان إذا سافر أحدهم يصطحب صنمه معه وكانت حالتهم سيئة كما سنبين ذلك فنقول: لقد بين الله - تعالى - في كتابه أن المعبودات سواه كثرت وتنوعت من عبادة الأشخاص، إلى عبادة الأحجار والأخشاب، إلى عبادة الهوى إلى عبادة الأجرام السماوية إلى عبادة الملائكة وسنأتي بنبذة حول كل من هذه المذكورات.
_________________
(١) إغاثة اللهفان ٢/٢٢٩.
(٢) سورة الأنعام آية: ١.
(٣) جامع البيان ٧/١٤٤.
(٤) متفق عليه صحيح البخاري ٣/٩٨، صحيح مسلم ١/٩٠.
(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر ٥/٣٥.
[ ٣٩٩ ]
١ـ عبادة الأشخاص من بني الإنسان:
لقد أخبرنا الباري - سبحانه - أن بعض عبيده ادعوا الألوهية واستعبدوا أتباعهم عن طريق القهر والعنف كما استغلوا جهلهم ونشروا في صفوفهم الضلال عن طريق الكذب والتدجيل وهذا كما حصل من فرعون الذي أخبرنا الله عنه أنه قال لقومه مناديًا لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ١ وقال - تعالى - حاكيًا توعده لمن آمن بنبي الله موسى ﵊: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٢ ومثل فرعون علماء الضلال الذين يشرعون للخلق ما لم يأذن به الله ولا يرضاه وقد ذم الله أهل الكتاب على هذا الصنيع قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ ٣ فقد أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله فأنزلوهم منزلة الرب - سبحانه - إذ أنه لا حق لأحد في التحليل والتحريم إذ ذلك من خصائص الباري - سبحانه - دون سواه، والسبب الذي جعل أتباع فرعون، وأتباع الأحبار والرهبان من أهل الكتاب يعبدونهم ويطيعونهم عدم تحقيقهم عبودية الخوف لله - جل وعلا - ومن عبادة الإنسان غلو اليهود في العزير والنصارى في عيسى ﵊ وقد بينا بطلان دعواهم تحت عنوان "تنزيه الله تعالى من نسبة الولد إليه" وقد تقدم هذا فليرجع إليه.
٢ـ عبادة الأصنام والأوثان:
قال ابن جرير ﵀ تعالى - "والأصنام جمع صنم" والصنم: التمثال من حجر أو خشب أو غير ذلك، في صورة إنسان، وهو الوثن وقد يقال للصورة المصورة على صورة الإنسان في الحائط غيره: صنم ووثن اهـ٤.
أما الراغب الأصبهاني فقد فرق بين الصنم والوثن فقال: الصنم جثة متخذة من فضة
_________________
(١) سورة القصص آية: ٣٨.
(٢) سورة الأعراف آية: ١٢٣ - ١٢٤.
(٣) سورة التوبة آية: ٣١.
(٤) جامع البيان ٧/٢٤٤.
[ ٤٠٠ ]
أو نحاس أو خشب كانوا يعبدونه متقربين به إلى الله - تعالى - وجمعه "أصنام" قال الله - تعالى - ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١.
قال بعض الحكماء: كل ما عبد من دون الله بل كل ما يشغل عن الله - تعالى - يقال له "صنم".
وأما الوثن: فإنه قال فيه "الوثن واحد الأوثان وهو حجارة كانت تعبد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا﴾ ٢.
وممن فرق بين الصنم والوثن الشيخ عبد الرحمن بن حسن فقال: "الصنم ما كان منحوتًا على صورة، والوثن ما كان موضوعًا على غير ذلك.."
إلى أن قال: "وقد يسمى الصنم وثنًا كما قال الخليل ﵇: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا﴾ ٣ ويقال: إن الوثن أعم وهو قوي، فالأصنام أوثان كما أن القبور أوثان"اهـ٤.
ونقول: مهما وجدت من فروق بين الأصنام والأوثان في المادة والهيئة، فغرض الوثنين منها واحد وهو عبادتها من دون الله - تعالى - على أي كيفية كانت وعلى أي صورة وجدت، ولقد انتشرت عبادة الأصنام والأوثان بين العرب الجاهليين انتشارًا هائلًا ولقد صوَّر لنا ابن إسحاق٥ ﵀ تعالى - بدء الانحراف عند العرب من نسل إسماعيل ﵇ في عبادتهم، فقد كان أول انحرافهم أنهم كانوا يعظمون الحرم فلا يرتحلون منه حتى كثروا وضاقت بهم مكة فأخذوا يرتحلون عنه طالبين السعة والفسح في البلاد فكان لا يظعن ظاعن منهم عن الحرم إلى غيره إلا حمل معه حجرًا من حجارة الحرم تعظيمًا له.
_________________
(١) سورة الأنعام آية: ٧٤.
(٢) المفردات للراغب ص٢٨٧، ٥١٢ والآية رقم ٢٥ من سورة العنكبوت.
(٣) سورة العنكبوت آية: ١٧.
(٤) فتح المجيد ص٧٩.
(٥) محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي بالولاء المدني من أقدم مؤرخي العرب من أهل المدينة وكان من أحسن الناس سياقًا للأخبار مات سنة إحدى وخمسين ومائة وقيل سنة اثنتين وخمسين ومائه انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ ١/١٧٢، تهذيب التهذيب ٩/٣٨ - ٤٦ الأعلام للزركلي ٦/٢٥٢.
[ ٤٠١ ]
فحيثما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة، ثم أدى بهم حالهم ذلك إلى عبادة تلك الأحجار ثم كانوا يعبدون من الأحجار ما استحسنته عقولهم"اهـ١.
واسمع ما صار إليه حالهم قال أبو رجاء العطاردي: "كنا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرًا أحسن منه نلقي ذلك ونأخذه فإذا لم نجد حجرًا جمعنا حثية من تراب ثم جئنا بغنم فحلبنا عليه ثم طفنا به"٢.
ومن عجائب أمر الجاهلية أن أحدهم إذا كان مسافرًا أخذ معه أربعة أحجار ثلاثة لقدره والرابع يعبده٣.
ولقد بالغ العرب الجاهليون في إكثارهم من الأصنام حتى أنه كان لأهل كل دار بمكة صنم يعبدونه وكان أحدهم إذا أراد السفر تمسح بصنمه وإذا رجع من سفره فعل كذلك قبل أن يدخل منزله٤.
وكان من أقدم أصنامهم "مناة" وكان منصوبًا على ساحل البحر الأحمر من ناحية "المشلل" بقديد بين مكة والمدينة وكانت العرب جميعًا تعظمه، وكانت الأوس والخزرج ومن ينزل المدينة ومكة وما قارب من المواضع يعظمونه ويذبحون له ويهدون له وكانت الأوس والخزرج من أشد الناس تعظيمًا له حتى أنه بلغ من تعظيمهم أنهم كانوا يحجون ويقفون المواقف كلها ولا يحلقون رؤوسهم فإذا نفروا أتوه فحلقوا رؤوسهم ولا يرون حجهم صحيحًا إلا إذا فعلوا ذلك وكانت "مناة" لهذيل وخزاعة وبعث رسول الله ﷺ عليًا عام الفتح فهدمها٥.
ثم اتخذت العرب بعد "مناة" "اللات" بالطائف وهي أحدث من "مناة" وكانت صخرة مربعة وكانت سدنتها من ثقيف، وكانوا قد بنوا عليها وكانت قريش وجميع العرب يعظمونها وبها كانت تسمى "زيد اللات" "تيم اللات" وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى فلم تزل كذلك حتى بعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة لما أسلمت
_________________
(١) ذكره عنه ابن هشام السيرة النبوية "١/٧٧".
(٢) صحيح البخاري مع الفتح ٨/٩٠.
(٣) إغاثة اللهفان ٢/٢٢٠.
(٤) البداية والنهاية لابن كثير ٢/٢١٠.
(٥) الأصنام لابن الكلبي ص١٣ - ١٥ إغاثة اللهفان ٢/٢١١ - ٢١٢.
[ ٤٠٢ ]
ثقيف فهدمها وحرقها بالنار١ غير أن ابن جرير روى في تفسيره عن مجاهد في قوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى﴾ ٢ قال كان يلت السويق فمات فعكفوا على قبره٣ وقد روى البخاري في صحيحه موقوفًا على ابن عباس قاتل: كان اللات رجلًا يلت سويق الحاج٤.
ثم اتخذت العرب بعد اللات "العزى" فهي تعتبر أحدث من "اللات" اتخذها رجل يقال له: ظالم بن أسعد بوادي نخلة فوق ذات عرق وبنوا عليها بيتًا فكانوا يسمعون منها الصوت وذكر ابن عباس أنه كانت للعزى شيطانه تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة فلما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد فقال: ائت بطن نخلة فإنك ستجد ثلاث سمرات فاعضد الأولى فأتاها فعضدها فلما جاء إليه قال هل رأيت شيئًا؟ قال: لا. قال: فاعضد الثانية فعضدها ثم أتى النبي ﷺ قال: هل رأيت شيئًا: قال: لا. قال: فاعضد الثالثة فأتاها فإذا هو بحبشية نافشة شعرها واضعة يديها على عاتقها تضرب بأنيابها وخلفها سادنها فقال خالد:
كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك
ثم ضربها ففلق رأسها فإذا هي حممة وقتل السادن ثم أتى النبي ﷺ، فأخبره فقال: تلك العزى ولا عزى بعدها للعرب وكانت العزى لأهل مكة في موضع قريب من عرفات وكانت شجرة يذبحون عندها ويدعون. اهـ٥.
قال الكلبي٦ في كتابه الأصنام:
"وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها وأعظمها "هبل" وكان فيما بلغني من عقيق أحمر على صورة الإنسان وكانوا إذا اختصموا في أمر أو أرادوا سفرًا أتوه فاستقسموا
_________________
(١) الأصنام ص١٦ - ١٧، إغاثة اللهفان ٢/٢١٢.
(٢) سورة النجم آية: ١٩.
(٣) جامع البيان ٢٧/٥٨.
(٤) صحيح البخاري مع الفتح ٨/٦١١.
(٥) الأصنام لابن الكلبي ص١٧ - ١٨، ٢٥ - ٢٦.
(٦) هو أبو المنذر هشام بن محمد أبي النضير بن السائب بن بشر الكلبي مؤرخ عالم كثير التصانيف توفي سنة أربع ومائتين هجرية انظر الأعلام للزركلي ٩/٧٨.
[ ٤٠٣ ]
عنده بالقداح وهو الذي قال أبو سفيان يوم أحد أعل هبل فقال الرسول ﷺ: "قولوا الله أعلى وأجل" ١.
وهناك أصنام قوم نوح التي ذكرها الله في كتابه فإنها آلت إلى العرب وعبدوها وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ٢ وقد قدمنا قول ابن عباس كان هؤلاء قومًا صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم فلما طال عليهم الأمد عبدوهم.
فكان "ود" لبني كلب بن مرة بن تغلب بن حلوان عن عمران بن الحاف بن قضاعة وكان منصوبًا بدومة الجندل٣.
وكان "سواع" لبني هذيل بن إلياس بن مدركة بن مضر، وكان منصوبًا بمكان يقال له "رهاط"٤.
وأما يغوث: فكان لبني أنعم من طيئ ولأهل جرش٥ من مذحج وكان منصوبًا بجرش، وأما يعوق، فكان بأرض همدان من اليمن لبني خيوان بطن من همدان.
وأما "نسر" فقد كان بأرض حمير لقبيلة يقال لهم: "ذو الكلاع"٦ وكان أول من غير دين إبراهيم الخليل بالبدع المحدثة ونشر الأصنام في الجزيرة العربية رجل يقال له: عمرو بن عامر الخزاعي وهو الذي قال فيه النبي ﷺ: "رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار كان أول من سيب السوائب"٧ وقد اختلفت الروايات في الكيفية التي نشر بها عمرو الأصنام في الجزيرة العربية فإحدى الروايات تقول: أنه كان له رئي من الجن وهو الذي دله على الأصنام التي كانت عند قوم نوح وكانت قد دفنت منذ عهد نوح حيث قذفها الطوفان إلى ساحل جدة فوارتها الرمال على كر الأيام فجاء رئيه من الجن فأخبره بذلك فنبشها عمرو ووزعها على عرب الجزيرة، ودعاهم إلى عبادتها٨.
_________________
(١) كتاب الأصنام ص٢٨ والحديث رواه البخاري انظر الفتح ٦/١٦٢ - ١٦٣ من حديث البراء بن عازب.
(٢) سورة نوح آية: ٢٣.
(٣) دومة الجندل: بلدة في وادي القرى في الشمال الشرقي من المدينة المنورة منها. انظر معجم البلدان ٢/٤٨٧.
(٤) رهاط كغراب موضع على ثلاث ليال من مكة. انظر معجم البلدان ١/١٠٧.
(٥) جرش: كزفر مخلاف باليمن انظر معجم البلدان ٢/١٢٦.
(٦) انظر الأصنام لابن الكلبي ص٥٥، ٥٧، إغاثة اللهفان ٢/٢٠٧ - ٢٠٨ البداية لابن كثير ٢/٢٠٨ مطبعة الفجالة الجديدة بدون تاريخ.
(٧) صحيح البخاري مع الفتح ٨/٢٨٣.
(٨) إغاثة اللهفان ٢/٢٠٧.
[ ٤٠٤ ]
ورواية أخرى تقول: "إنه جاء بالأصنام من بلاد الشام عندما رآهم يعبدونها طلب منهم صنمًا فأعطوه واحدًا نصبه بمكة وأمر الناس بعبادته وتعظيمه" ١.
وعلى كل فإن عمرو هذا استطاع التأثير على العرب واستخفهم فأطاعوه حتى غير عليهم دين إبراهيم لما كان له من مكانة فيهم، فأطاعوه في معصية الله تعالى فيما ابتدعه من الأمور التي لم يأذن بها الله.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "والمقصود أن عمرو بن لحي لعنه الله كان قد ابتدع لهم أشياء في الدين غير بها دين الخليل فاتبعه العرب في ذلك فضلوا بذلك ضلالًا بعيدًا بينًا قطعيًا شنيعًا" اهـ٢.
هذه لمحة عن بعض الأصنام التي كانت شائعة عند العرب، وهناك أصنام ومعبودات أخرى يضيق المقام بذكرها، وذكرنا هذا الطرف منها للتمثيل لمعرفة ما كانت عليه حالة العرب في الجاهلية من توجيههم العبادة لتلك الجمادات التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تغني عنهم من الله شيئًا، فقد كانوا لفرط جهلهم يدعونها من دون الله ويفزعون إليها في النائبات ويزعمون أنها تقربهم إلى الله زلفى، وهذا نتيجة الجهل والغلو في المخلوق وإعطائه منزلة فوق منزلته، قال العلامة ابن القيم مبينًا سبب إقبال العرب على عبادة الأصنام: "ومن أسباب عبادة الأصنام الغلو في المخلوق، وإعطاؤه فوق منزلته حتى جعل فيه حظ من الإلهية وشبهوه بالله - سبحانه - وهذا هو التشبيه الواقع في الأمم الذي أبطله الله - سبحانه - وبعث رسله، وأنزل كتبه بإنكاره والرد على أهله، فهو - سبحانه - ينفي وينهي أن يجعل غيره مثلًا له، وندًا له وشبهًا له لا أن يشبه هو بغيره إذ ليس في الأمم المعروفة أمة جعلته - سبحانه - مثلًا لشيء من مخلوقاته فجعلت المخلوق أصلًا وشبهت به الخالق، فهذا لا يعرف في طائفة من طوائف بني آدم، وإنما الأول هو المعروف في طوائف أهل الشرك غلوًا فيمن يعظمونه، ويحبونه حتى شبهوه بالخالق، وأعطوه خصائص الإلهية بل صرحوا أنه إله، وأنكروا جعل الآلهة إلهًا واحدًا وقالوا: ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ ٣ وصرحوا بأنه إله معبود يرجى ويخاف ويعظم ويسجد له ويحلف باسمه،
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ١/٧٧.
(٢) البداية ٢/٢٠٧ مطبعة الفجالة - القاهرة.
(٣) سورة ص آية: ٦.
[ ٤٠٥ ]
وتقرب له القرابين إلى غير ذلك من خصائص العبادة التي لا تنبغي إلا لله، فكل مشرك فهو مشبه لإلهه ومعبوده بالله - سبحانه - وإن لم يشبهه به من كل وجه"اهـ١.
٣ـ عبادة الهوى:
من أنواع المعبودات التي عبدت من دون الله "الهوى" وقد ورد الإنكار الشديد في كتاب الله تعالى لمن جعل إلهه هواه فيتبعه في كل ما يملئ عليه.
قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ ٣.
فالذي يترك أوامر الله ويعرض عنها ويرفض الحق إذا جاءه، فإنه يعد من عبدة الهوى ويصر هواه معبودًا له من دون الله تعالى.
قال عبد الله بن عباس: "ذلك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان".
وقال قتادة: "هو الكافر لا يهوى شيئًا إلا ركبه لا يخاف الله"٤.
وقال ابن كثير: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ . أي إنما يأتمر بهواه فمهما رآه حسنًا فعله ومهما رآه قبيحًا تركه٥.
ومتى خضع الإنسان لهواه واستسلم له كان بمنزلة الأنعام بل أضل منها كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ٦.
قال ابن القيم: "فشبه أكثر الناس بالأنعام والجامع بين النوعين التساوي في عدم قبول الهدى والإنقياد له، وجعل الأكثرين أضل سبيلًا من الأنعام لأن البهيمة يهديها سائقها فتهتدي ويتبع الطريق، فلا تحيد عنها يمينًا ولا شمالًا، والأكثرون يدعوهم الرسل
_________________
(١) إغاثة اللهفان ٢/٢٢٦ - ٢٢٧.
(٢) سورة الفرقان آية: ٤٣.
(٣) سورة الجاثية آية: ٢٣.
(٤) جامع البيان ٢٥/١٥٠.
(٥) تفسير القرآن العظيم ٦/٢٦٩.
(٦) سورة الفرقان آية: ٤٤.
[ ٤٠٦ ]
ويهدونهم السبي فلا يستجيبون ولا يهتدون ولا يفرقون بين ما يضرهم وبين ما ينفعهم والأنعام تفرق بين ما يضرها من النبات والطريق فتجتنبه وما ينفعها فتؤثره، والله - تعالى - لم يخلق للأنعام قلوبًا تعقل بها، ولا ألسنة تنطق بها وأعطى ذلك لهؤلاء ثم لم ينتفعوا بما جعل لهم من العقول والقلوب والألسنة والأسماع والأبصار فهم أضل من البهائم فإن من لا يهتدي إلى الرشد وإلى الطريق - مع الدليل - إليه أضل وأسوأ حالًا ممن لا يهتدي حيث لا دليل معه"١.
والناظر في زمننا الحاضر يرى بأم عينيه أن عبادة الهوى غلبت على الكثير من الأمة الإسلامية فتراهم يستحسنون ما تمليه عليهم أهواؤهم فيستحسنون ويستقبحون بعقولهم ولم يلتفتوا إلى الهدى الذي جاءهم من ربهم جل وعلا بل إننا نرى الكثير ينصر ما توحيه الشياطين إلى أوليائهم من الإنس من المبادئ والمذاهب والتسميات والحزبيات التي كانت سببًا في تفرقهم واختلافهم وكان من أهم الأسباب التي جعلت عدوهم يطمع فيهم وذلك نتيجة لاتباع الهوى، والبعد عما فيه الرشاد والهدى، لا قوة إلا بالله.
٤ـ عبادة الأجرام السماوية:
ومن المعبودات التي عبدت من دون الله - تعالى - بعض الآيات الكونية مثل الشمس والقمر والكواكب والماء والنار وغير ذلك من المخلوقات.
قال العلامة ابن القيم: "وأصل هذا المذهب من مشركي الصابئة، وهم قوم إبراهيم ﵇ الذين ناظرهم في بطلان الشرك وكسر حجتهم بعلمه وآلهتهم بيده فطلبوا تحريقه، وهو مذهب قديم في العالم، وأهله طوائف شتى فمنهم عباد الشمس زعموا أنها ملك من الملائكة لها نفس وعقل وهي أصل نور القمر والكواكب وتكون الموجودات السفلية كلها عندهم منها، وهي عندهم ملك الفلك فيستحق التعظيم، والسجود والدعاء"٢.
وقد ذكر الجصاص٣ أن الصابئة اتخذوا الأجرام السماوية معبودات لهم من دون
_________________
(١) أعلام الموقعين ١/١٥٩.
(٢) إغاثة اللهفان ٢/٢٢٣.
(٣) هو أحمد بن علي الرازي الحنفي المعروف بالجصاص "أبو بكر" فقيه، مجتهد ورد بغداد في شبيبته، ودرس، وجمع ودرس عليه كثير من الفقهاء توفي ببغداد سنة سبعين وثلاثمائة هجرية انظر ترجمته في الفهرس لابن النديم ص٢٩٣ المنتظم لابن الجوزي ٧/١٠٥، ١٠٦ الفوائد البهية ٢٧، ٢٨ النجوم الزاهرة ٤/١٣٨.
[ ٤٠٧ ]
الله حيث قال: "وكانوا قومًا صابئين يعبدون الكواكب السبعة ويسمونها آلهة وهم الذين بعث الله - تعالى - إليهم إبراهيم خليله صلوات الله عليه فدعاهم إلى الله وحاجهم بالحجاج الذي بهرهم به وأقام عليهم به الحجة من حيث لم يمكنهم دفعة"اهـ١.
فالإنسان حين يسعى في تعطيل عقله عما خلق له فإنه يوقع نفسه في السخافات والمهانات والتذلل للمخلوقات مثله وبذلك يفقد تكريمه الذي نوه الله به في كتابه كما يفقد تفضيله على كثير من المخلوقات فيتدنى حتى يضل عن سواء السبيل فهذه المخلوقات العجيبة المبثوثة في أرجاء هذا الكون علويه وسفليه لم تخلق لتعبد من دون الله وإنما جعلها الله دلائل واضحات وآيات بينات على وحدانيته وتفرده بالعبادة، وجميع المخلوقات التي يشاهدها الإنسان والتي لم يشاهدها كلها خاضعة لله طوعًا وكرهًا قال - تعالى - ناهيًا عباده عن أن يسجدوا للشمس والقمر وآمرًا لهم بالسجود له وحده: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٢ قال ابن جرير الطبري: لا تسجدوا أيها الناس للشمس ولا للقمر فإنهما وإن جريًا في الفلك بمنافعكم فإنما يجريان بها لكم بإجراء الله إياهما لكم طائعين له في جريهما ومسيرهما بأنهما يقدران بأنفسهما على سير وجري دون إجراء الله إياهما وتسييرهما أو يستطيعان لكم نفعًا أو ضرًا وإنما الله مسخرهما لكم لمنافعكم ومصالحكم فله فاسجدوا وإياه فاعبدوا دونهما فإنه إن شاء طمس ضوءهما فترككم حيارى في ظلمة لا تهتدون سبيلًا ولا تبصرون شيئًا٣.
وكما أن الآية بينت أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله التي يستدل بهما على عبادته وحده دون سواه كذلك دلت على بطلان عبادتهما من دون الله وقد بين الله - تعالى - بطلان عبادة جميع المخلوقات سوى الله - تعالى - قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ
_________________
(١) أحكام القرآن ١/٤٣.
(٢) سورة فصلت آية: ٣٧.
(٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٢٤/١٢١.
[ ٤٠٨ ]
فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ ١.
فأخبرنا تعالى بأن جميع المخلوقات التي يحويها هذا الكون من شمس وقمر ونجوم وجبال وشجر ودواب وكثير من الناس خاضعة لله مطيعة له كلها عبد لديه مفتقرة إليه فلا يصح عبادة شيء منها ألبتة.
قال العلامة ابن كثير: "يخبر - تعالى - أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له فإنه يسجد له لعظمته كل شيء طوعًا وكرهًا"٢.
٥ـ عبادة الملائكة:
لقد افترى عبدة الشياطين أنهم يعبدون الملائكة على حسب زعمهم لكن من المقطوع به والمعلوم بالضرورة من الأدلة القرآنية أن هؤلاء عبدوا المردة من الشياطين.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن تلاعبه - أي الشيطان - بهم أن زين لقوم عبادة الملائكة فعبدوهم بزعمهم ولم تكن عبادتهم في الحقيقة لهم ولكن كانت للشياطين فعبدوا أقبح خلق الله وأحقهم باللعن والذم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ ٤ قال ابن عباس ﵄ ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ قال: هو شيطان في الصنم، في كل صنم شيطان يتراءى لسدنته فيكلمهم.
وقال أبي بن كعب٥: مع كل صنم جنية.
_________________
(١) سورة الحج آية: ١٨.
(٢) تفسير ابن كثير ٤/٦٢٢.
(٣) سورة سبأ آية: ٤٠ - ٤١.
(٤) سورة النساء آية: ١١٧.
(٥) هو أبي بن كعب بن قيس أبو المنذر الأنصاري الخزرجي أقرأ الصحابة وسيد القراء توفي بالمدينة في سنة تسع عشرة هجرية الإصابة ١/٣١، تذكرة الحفاظ ١/١٦ شذرات الذهب ١/٣١.
[ ٤٠٩ ]
وقال مقاتل١: "أنه إبليس: وعبادته طاعته فيما سول لهم"٢.
ومما تقدم يتبين أن المعبودات من دون الله تعالى تنقسم إلى قسمين:
١ـ قسم عاقل وهذا كالآدمي والملائكة والجن.
٢ـ وقسم غير عاقل وهذا كالأحجار والأشجار وغيرهما مما لا يعقل٣.
والقسم الأول: ينقسم إلى قسمين:
قسم راض بأن يعبد من دون الله تعالى.
وقسم غير راض بأن يعبد من دون الله، ومثال الأول: فرعون وإبليس وغيرهما من الطواغيت وهؤلاء جميعهم في النار هم وعابدوهم.
قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ٤.
وقال تعالى في شأن إبليس وأتباعه: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٥..
وقال تعالى في شأن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ ٦.
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ ٧ إلى غير ذلك من الآيات وأما القسم الثاني: الذي لم
_________________
(١) هو مقاتل بن سليمان بن كثير الأزدي الخراساني أبو الحسن البلخي المفسر روى عن الضحاك ومجاهد وله كتاب "نظائر القرآن والتفسير الكبير" مات سنة خمسين ومائة هجرية انظر ترجمته في "طبقات المفسرين ٢/٣٣٠، تهذيب التهذيب ١٠/٢٧٩ ميزان الإعتدال ٣/١٩٦.
(٢) زاد المسير في علم التفسير ٢/٢٠٣.
(٣) انظر معارج القبول للشيخ حافظ بن أحمد حكمي ١/٤٤٧.
(٤) سورة البقرة آية: ١٦٦ - ١٦٧.
(٥) سورة ص آية: ٨٥.
(٦) سورة هود آية: ٩٨.
(٧) سورة فصلت آية: ٢٩.
[ ٤١٠ ]
يرض بالعبادة فكالمسيح وعزير والملائكة وغيرهم وهؤلاء كلهم برآء ممن عبدهم في الدنيا والآخرة كما أخبر - سبحانه - عن عيسى ﵇ بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ١.
وقال تعالى في شأن الملائكة: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى في شأن كل من عبد من دونه من ملك أو نبي، أو ولي صالح: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا * فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ ٣.
وأما ما عبد من دونه - تعالى - مما لا يعقل من جماد شجر أو حجر وغير ذلك فإنه يدخل في عموم قوله - تعالى - ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٤.
وبما أن الأشجار والأحجار لا أرواح لها إلا أنه يعذب بها من عبدها من دون الله تعالى كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ ٥ وقال ابن كثير: وقودها أي حطبها الذي يلقى فيها جثث بني آدم والحجارة قيل: المراد بها
_________________
(١) سورة المائدة آية: ١١٦ - ١١٧.
(٢) سورة سبأ آية: ٤٠ - ٤١.
(٣) سورة الفرقان آية: ١٧ - ١٩.
(٤) سورة الأنبياء آية: ٩٨ - ٩٩.
(٥) سورة التحريم آية: ٦.
[ ٤١١ ]
الأصنام التي تعبد لقوله - تعالى - ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ١ وقد جاء في حديث الشفاعة الطويل الذي رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن ليتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله - سبحانه - من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغبر أهل الكتاب٢ فيدعى اليهود فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى النار كأنها سراب٣ يحطم بعضها بعضًا فيتساقطون في النار ثم فيدعى النصارى فيقال لهم ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله فيقال لهم كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فيقال لهم ماذا تبغون؟ فيقولون عطشنا يا ربنا فاسقنا قال فيشار إليهم ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا فيتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر أتاهم رب العلمين ﷾ في أدنى صورة من التي رأوه فيها قال فما تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئًا "مرتين أو ثلاثًا " حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم فيكشف عن ساقه فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاء أو رياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة فقال: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا " الحديث٤.
هذا الحديث يبين النهاية في الآخرة لأهل الشرك وكيف يكون لهم ذلك المصير السيئ الذي تجف منه القلوب وتقشعر له الجلود نعوذ بالله من الشرك وأهله.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٦/٥٩ آية: من سورة الأنبياء آية: ٩٨.
(٢) غبر أهل الكتاب: معناه بقاياهم جمع غابر.
(٣) السراب ما يتراءى للناس في الأرض القفر والقاع المستوى وسط النهار في الحر الشديد لامعًا مثل الماء.
(٤) صحيح مسلم ١/١٦٧ - ١٧١.
[ ٤١٢ ]
تلك بعض معبودات المشركين التي استطعنا جمعها تحت هذا المبحث والذي نخلص إليه مما تقدم أن السورة أوضحت لنا أصل الشرك الذي دفع المشركين لعبادة غير الله - تعالى - من المعبودات التي ذكرناها والتي لم نذكرها وأن السبب الوحيد في حدوث الشرك هو قياس الخالق سبحانه على المخلوق فإن المشركين زعموا بعقولهم الفاسدة أن ملوك الدنيا لا يتوصل إليهم إلا بالوجهاء والشفعاء والوزراء الذين يرفعون إليهم حوائج رعاياهم ويطلبون لهم عطفهم فيكون ذلك تمهيدًا للأمر المطلوب منهم. فظن المشركون أن الله - تعالى - كذلك، وهذا ظن سوء بالله - تعالى - وهذا القياس من أفسد الأقيسة إذ أنه يتضمن تسوية الخالق بالمخلوق مع ثبوت الفرق العظيم عقلًا، ونقلًا وفطرة إذ ملوك الدنيا إنما يحتاجون إلى الوساطة بينهم وبين رعاياهم لعدم علمهم بأحوال من استرعاهم الله فهم في أشد الحاجة إلى من يعلمهم بذلك، ولأنه ربما لا يكون في قلوبهم رحمة أو شفقة لصاحب الحاجة، فيحتاجون إلى من يعطفهم عليهم ويسترحمهم له، ولذلك يحتاجون إلى الشفعاء والوزراء فيقضون حوائج العباد مراعاة لوزرائهم ومداراة لخواطرهم وقد يمتنعون من ذلك خشية الفقر لأنهم فقراء.
أما الباري - سبحانه - فإنه أحاط بكل شيء علمًا يعلم ظواهر الأمور وبواطنها فلا يحتاج إلى من يخبره بأحوال عباده، ولا من يشفع لهم عنده، لأنه رحيم بعبادة جواد بالعطاء، ولا يحتاج إلى أحد منهم بل هو أرحم بهم من أنفسهم ومن والديهم وهو الكريم الذي يحثهم ويدعوهم إلى الأخذ بالأسباب التي ينالون بها رحمته وهو يريد من مصالحهم ما لا يريدونه لأنفسهم. وهو الغني الذي له الغنى التام المطلق الذي لو اجتمع الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم في صعيد واحد فسألوه جميعهم فأعطى كلًا مسألته لم ينقصوا مما عنده إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر.
وجميع الشفعاء يخافون منه - سبحانه - ولا شفاعة لأحد عنده إلا بعد إذنه له الشفاعة كلها.
ومن هذه الأمور يدرك المؤمن جهل المشركين ويعرف سفاهتهم وشدة جرأتهم على الله - تعالى - كما يعلم الحكمة في كون الشرك أعظم الذنوب وأنه لا يغفره الله لأنه يتضمن القدح في الله تعالى - نسأل الله أن يجنبنا ذلك.
[ ٤١٣ ]
المبحث الخامس: الفرق بين المشرك والموحد
لقد دلت السورة على الفرق الشاسع بين الموحد والمشرك وصورت ذلك تصويرًا دقيقًا جعلته كأنه محسوس، ملموس مما دل ذلك على فبح الشرك في النفوس والعقول السليمة، والفطر المستقيمة قال تعالى: ـ
﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
قال ابن جرير ﵀ تعالى - "يقول تعالى ذكره: مثل الله مثلًا للكافر بالله الذي يعبد آلهة شتى ويطيع جماعة من الشياطين، والمؤمن الذي لا يعبد إلا الله الواحد". يقول تعالى ذكره: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا﴾ لهذا الكافر ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ يقول هو بين جماعة مالكين متشاكسين يعني مختلفين متنازعين سيئة أخلاقهم من قولهم رجل شكس: إذا كان سيئ الخلق وكل واحد منهم يستخدمه بقدر نصيبه وملكه فيه ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ يقول ورجلًا خلوصًا لرجل يعني المؤمن الموحد الذي أخلص عبادته لله لا يعبد غيره ولا يدين لشيء سواه بالربوبية.
قال عبد الله بن عباس ﵄: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ الآية قال: الشركاء المتشاكسون الرجل لذي يعبد آلهة شتى كل قوم يعبدون إلهًا يرضونه ويكفرون بما سواه من الآلهة فضرب الله هذا المثل لهم وضرب لنفسه مثلًا يقول: ﴿رَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ يقول: يعبدون إلهًا واحدًا لا يختلفون فيه.
وقال قتادة: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ قال: هذا المشرك
[ ٤١٤ ]
تتنازعه الشياطين لا يقربه بعضهم لبعض ﴿رَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ قال: هو المؤمن أخلص الدعوة والعبادة وقال مجاهد: ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ قال: هذا مثل إله الباطل، وإله الحق.
وقال السدي: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ قال: مثل لأوثانهم التي كانوا يعبدون
وقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ يعني هل يستوي مثل هذا الذي يخدم جماعة شركاء سيئة أخلاقهم مختلفة فيه لخدمته مع منازعته شركاءه فيه والذي يخدم واحدًا لا ينازعه فيه منازع إذا أطاعه عرف له موضع طاعته وأكرمه، وإذا أخطأ صفح له عن خطئه يقول: "فأي هذين أحسن حالًا وأروح جسمًا وأقل تعبًا ونصبًا"اهـ١.
قال العلامة ابن القيم حول هذه الآية: "هذا مثل ضربه الله - سبحانه - للمشرك والموحد، فالمشرك بمنزلة عبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون متشاحنون، والرجل الشكس الضيق الخلق فالمشرك كما كان يعبد آلهة شتى شبه بعبد يملكه جماعة متنافسون في خدمته لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين، والموحد لما كان يعبد الله وحده فمثله كمثل عبد لرجل واحد قد سلم له، وعلم مقاصده وعرف الطريق إلى رضاه فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه، بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه مع رأفة مالكه به ورحمته له وشفقته عليه، وإحسانه إليه توليه لمصالحه فهل يستوي هذان العبدان، وهذا من أبلغ الأمثال فإن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه والتفاته إليه وقيامه بمصالحه ما لا يستحق صاحب الشركاء المتشاكسين ﴿الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ اهـ.٢.
وقال ﵀ في موضع آخر: "احتج - سبحانه - على قبح الشرك بما تعرفه العقول من الفرق بين حال مملوك يملكه أرباب متعاسرون سيئو الملكة وحال عبد يملكه سيد واحد قد سلم كله له فهل يصح في العقول استواء حال العبدين؟ فكذلك حال المشرك والموحد قد سلمت عبوديته لإلهه الحق لا يستويان" اهـ٣.
_________________
(١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٢٣/٢١٣ - ٢١٤.
(٢) أعلام الموقعين ١/١٨٧.
(٣) مدارج السالكين ١/٢٤٠.
[ ٤١٥ ]
وأما العلامة ابن كثير فقد قال حول الآية: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي يتنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ أي سالمًا "لرجل" أي خالصًا لا يملكه أحد غيره ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ أي لا يستوي هذا وهذا، كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له فأين هذا من هذا؟ قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وغير واحد هذه الآية ضربت مثلًا للمشرك والمخلص، ولما كان هذا المثل ظاهرًا بينًا جليًا قال: ﴿الْحَمْدُ للهِ﴾ أي على إقامة الحجة عليهم ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي فلهذا يشركون بالله. اهـ١.
ومما تقدم يتبين لنا أن المؤمن الذي يعبد الله وحده لا شريك له، لا شك أنه أحسن حالًا وأهدأ بالًا وأقل تعبًا ونصبًا من ذلك المشرك الذي خالف عقله وفطرته وأمر ربه، واتجه بالعبادة إلى الأولياء والشركاء الذين لم يأذن الله بعبادتهم بل جعل ذلك من أقبح القبيح وأظلم الظلم وأن الكافر لا يمكن أن يستقر له قرار ولا يطمئن له قلب ولا تهدأ له نفس بعكس المؤمن الذي أخلص لله في عبادته فهو في أتم راحة وأكمل طمأنينة لأنه لم يعمل ما فيه مضادة لأمر الله أو ما فيه مخالفة للعقل والفطرة، فلقد أنكر الله - سبحانه - قبح الشرك به في الإلهية وعبادة غيره معه بما ضربه لعباده من الأمثال وأقام على بطلانه الكثير من الأدلة العقلية والسمعية التي يتذكر بها أولو الألباب. ولقد جاءت آيات كثيرة في معنى الآية التي معنا من السورة من ذلك قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢.
هذه الآية احتج الله فيها على عباده بما هو مستقر في عقولهم من قبح كون مملوك أحدهم شريكًا له فكأنه يقول لهم: إذا كان أحدكم يستنكف أن يكون مملوكه شريكًا له، ولا يرضى بذلك، فكيف تجعلون لله من عباده شركاء تعبدونهم كعبادته؟ فالآية توضح لنا أن قبح عبادة غير الله - تعالى - مستقر في العقول والفطر، والشرع نبَّه العقول وأرشدها بما هو مودع وكامن فيها من قبح ذلك. قال العلامة ابن القيم: حول هذه الآية "وهذا دليل قياس احتج الله - سبحانه - به على المشركين حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء فأقام عليهم
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٦/٩٠.
(٢) سورة الروم آية: ٢٨.
[ ٤١٦ ]
حجة يعرفون صحتها من نفوسهم، لا يحتاجون فيها إلى غيرهم، ومن أبلغ الحجاج أن يأخذ الإنسان من نفسه ويحتج عليه بما هو في نفسه مقرر عندها معلوم لها فقال ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من عبيدكم وإمائكم شركاء في المال والأهل؟ أي هل يشارككم عبيدكم في أموالكم وأهليكم فأنتم وهم في ذلك سواء تخافونهم أن يقاسموكم أموالكم ويشاطروكم إياها ويستأثرون ببعضها عليكم كما يخاف الشريك شريكه".
قال ابن عباس ﵄: "تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضًا والمعنى هل يرضى أحد منكم أن كون عبده شريكه في ماله وأهله حتى يساويه في التصرف في ذلك فهو يخاف أن ينفرد في ماله بأمر يتصرف فيه كما يخاف غيره من الشركاء الأحرار؟
فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم فلم عدلتم بي من خلقي من هو مملوك لي؟
فإن كان هذا الحكم باطلًا في فطركم وعقولكم مع أنه جائز عليكم ممكن في حقكم إذ ليس عبيدكم ملكًا لكم حقيقة وإنما هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم وأنتم وهم عبيد لي فكيف تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي مع أن من جعلتموهم لي شركاء عبيدي وملكي وخلقي؟ فهكذا يكون تفصيل الآيات لأولي العقول. اهـ١.
ومن الأمثال التي ضربها الله - تعالى - لقبح الإشراك به قوله - تعالى - ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
هذه الآية تضمنت مثلًا لقبح الشرك والتنفير منه فقد ضرب الله - سبحانه - فيها مثلًا لنفسه وللأوثان فالله - سبحانه - هو الذي يملك كل شيء، وهو الذي ينفق على عباده كيف يشاء ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا يمينه ملآى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار.
أما الأوثان فهي عاجزة مملوكة ليس لها القدرة على أي شيء وما دام حالها على هذا كيف تجعلونها شركاء لله وتعبدونها من دونه مع هذا التفاوت المبين والفرق العظيم، وهذا هو معنى تفسير مجاهد وغيره لهذه الآية الكريمة٣
_________________
(١) أعلام الموقعين ١/١٥٩.
(٢) سورة النحل آية: ٧٥.
(٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ١٤/١٤٩.
[ ٤١٧ ]
وأما عبد الله بن عباس ﵄ فإنه قال: إن هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، ومثل المؤمن في الخير الذي عنده ثم رزقه منه رزقًا حسنًا فهو ينفق منه على نفسه وعلى غيره سرًا وجهرًا، والكافر بمنزلة عبد مملوك عاجز لا يقدر على شيء لأنه لا خير عنده فلا مساواة بين الرجلين عند أحد من ذوي الألباب١.
قال العلامة ابن القيم "والقول الأول أشبه بالمراد فإنه أظهر في بطلان الشرك وأوضح عند المخاطب، وأعظم في إقامة الحجة، وأقرب نسبًا بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ * فَلا تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ثم قال: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ٢ ومن لوازم هذا المثل وأحكامه أن يكون المؤمن الموحد كمن رزقه منه رزقًا حسنًا، والكافر المشرك كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، فهذا مما نبه عليه المثل وأرشد إليه، فذكره ابن عباس منبهًا على إرادته لا أن الآية اختصت به فتأمله" اهـ٣.
ومن الأمثال التي ضربها الله لقبح الإشراك به - سبحانه - وتعالى ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٤ وفي هذه الآية ضرب الله - سبحانه - فيها لنفسه وللأصنام المعبودة من دونه مثلًا، فالصنم الذي يعبد من دونه إنما هو بمثابة رجل أبكم لا يعقل، ولا ينطق بل هو أبكم القلب واللسان قد عدم النطق القلبي واللساني، إضافة إلى ذلك أنه عاجز لا يقدر على شيء ألبتة، ومع هذا فأينما وجه لا يأتي بخير ولا يقضي حاجة لمن أرسله.
أما الله - تعالى - فإنه الحي القادر المتكلم الآمر بالعدل وهو على الصراط المستقيم وهذا وصف له بغاية الكمال والحمد فإنه - سبحانه - الآمر بالعدل - وهو الحق - "وذلك يتضمن أنه سبحانه - عالم به، معلم له راض به آمر لعباده به محب لأهله لا يأمر بسواه بل هو - سبحانه - منزه عن ضده الذي هو الجور والظلم والسفه، والباطل، بل أمره وشرعه
_________________
(١) جامع البيان ١٤/١٤٩، تفسير ابن كثير ٤/٢١١.
(٢) سورة النحل آية: ٧٣ - ٧٤.
(٣) أعلام الموقعين ١/١٦١.
(٤) سورة النحل آية: ٧٦.
[ ٤١٨ ]
عدل كله وأهل العدل هم أولياؤه وأحباؤه وهم المجاورون له عن يمينه على منابر من نور، وأمره بالعدل يتناول الأمر الشرعي الديني، والأمر القدري الكوني، وكلاهما عدل لا جور فيه بوجه ما"١ ومن كانت هذه صفاته هو الجدير بأن يعبد وحده لا شريك له، ويخلص له الدين كله - ومما تقدم يتبين لنا من المثل الذي ضربه الله في السورة وغيرها من الآيات التي ذكرناها في معناها قبح الشرك سمعًا وعقلًا وفطرة كما يتبين لنا الآتي:
١ - إن الموحد لا يكون عنده ضيق نظر بخلاف المشرك الذي يعبد آلهة شتى أو يجحدها بالكلية.
٢ - إن الموحد تنشأ في نفسه العزة والقوة التي لا يقف أمامها شيء لأنه أيقن في نفسه بأنه لا نافع ولا ضار إلا الله وأنه سبحانه - المحي المميت، وأنه صاحب القهر والحكم والسلطان في هذا الكون وهنا ينزع من قلبه كل خوف من غير الله - تعالى - فتجده لا يطأطئ رأسه لأحد من الخلق، ولا يتضرع إليه ولا يسأله ولا يخاف من كبريائه وعظمته لأنه استقر في نفسه عظمة القادر - سبحانه - وهذا بخلاف المشرك، والكافر ومن تربى على الإلحاد.
٣ - أن الموحد لربه - جل وعلا - يتولد في نفسه مع العزة والقوة: تواضع دون ذل وترفع من غير كبر حتى أن الشيطان لا يلقى إليه سبيلًا لأن يلقي في نفسه الأخلاق الذميمة إذ أنه يعلم بيقين أن الله - تعالى - هو الذي وهبه كل ما عنده من النعم وهو القادر على سلبه إياها في أي لحظة شاء، أما المشرك فإنه يوجد لديه من الأخلاق الذميمة التي هي كفيلة بإهلاكه مثل الكبر وبطر الحق بمجرد حصوله على نعمة سريعة الزوال بين حين وآخر.
٤ - إن الموحد موقن تمام اليقين بأنه لا سبيل إلى النجاة والفلاح إلا بتطهير نفسه من كل معصية لله ﷿ بالعمل الصالح أما المشرك والكافر فإنه يمضي حياته كلها في الأماني الكاذبة كما يزعم النصارى بأن المسيح ﵊ أصبح كفارة لذنوبهم وكما يزعم اليهود أنهم أبناء الله وأحباؤه فلا يعذبهم بذنوبهم وكما يعتقد بعض جهلة المسلمين أن الكبراء والأتقياء من أهل الصلاح سيشفعون لهم عند الله - تعالى - فيقدمون
_________________
(١) أعلام الموقعين ١/١٦٢.
[ ٤١٩ ]
لهم النذور والقرابين في المواسم، ثم يستمرون في مخالفة الأوامر والنواهي، إتباعًا للهوى والشهوات الشيطانية.
٥ - إن الذي أقر لله بالوحدانية وأفرده بالعبادة والطاعة لا يتسرب إليه يأس ولا يحل به القنوط لأنه يؤمن بأن خزائن السموات والأرض بيد الله وحده دون سواه، ومن هنا يكون مطمئنًا تغمره السكينة والأمل حتى ولو نزل به ألوان من الهوان، والطرد من قبل أعداء الله فإنه لا تضيق به طرق العيش إذ أنه يوقن بأن الله يكلؤه ولا يسلمه إلى نفسه مع بذله جهده في التوكل على خالقه وبارئه - سبحانه - أما الكافر أو المشرك فإنه يعتمد على طاقاته المحدودة فإذا ما نزل به أمر فسرعان ما يحل به اليأس والقنوط في الشدائد بل ربما يؤدي به حاله إلى الإنتحار.
٦ - إن المؤمن بالله يتربى على الشجاعة والعزم والتوكل والثبات عندما يقدم على أمور يريد بها وجه الله - تعالى - كالجهاد في سبيل الله والمرابطة في ثغور الإسلام إذ أنه يشعر في قرارة نفسه بأنه يستمد قوته ونصره من مالك السموات والأرض وما بينهما فلا يكون هناك مثيل لموقفه وثباته وأنى للمشرك والكافر مثل الموقف وتلك القوة والثبات التي يؤيد الله بها أولياءه.
٧ - إن الذي يؤمن بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولًا يكون قوي الجانب فلا مكانة للجبن والوهن لديه إذ الجبن وضعف العزم يتولد من أمرين: حب الإنسان نفسه وماله وأهله، واعتقاده أن غير الله له القدرة على سلب الحياة لكن المؤمن بالله حق الإيمان ينحي امن قلبه كلا الأمرين السابقين فهو موقن بأن الله هو المالك الحقيقي للإنسان ونفسه وماله وأهله فهو يضحي في سبيل الله بكل غال ورخيص في الحصول على مرضاة الله - تعالى - وقدكما أنه موقن بأنه ليس في مقدور الخلق أجمعين سلب الحياة إلا بقضاء الله وقدره، ونتيجة الإيمان الصادق فإن المؤمن حينما يلتقي بجيش الكفر لا يهاب كثرته ولا يخاف قعقعة السيوف فهو يواجه أعداء الله مقبلًا غير مدبر لأنه يؤمن أن إطالة العمر وانقضاء الأجل إنما هو بيد الله وحده.
٨ - إن الإيمان بأنه لا معبود بحق إلا الله - تعالى - يرفع من قدر العبد فلا توجد فيه الخصال الذميمة مثل الدناءة واللؤم والشره والحسد وغيرها من الصفات القبيحة شرعًا وعقلًا وفطرة - لأن الإسلام يبغض هذه الخلال وحذر منها أشد تحذير.
[ ٤٢٠ ]
٩ - إن التوحيد الخالص والإقرار الصحيح ب"لا إله إلا الله" قولًا وعملًا، واقتضاء معنى يجعل المرء ملتزمًا بشرع الله، ومحافظًا عليه إذ المرء عندما يؤمن بأن ربه بكل شيء عليم وأن معه من الملائكة من هو رقيب وعتيد وأنه إذا كان لديه حيلة في التفلت من بطش البشر فإنه ليس له قدرة على التخلص من الله ﷿ وعلى قدر قوة الإيمان وضعفه يكون التزام العبد بأحكام الله واقفًا عند حدوده فلا تكون عنده جرأة على اقتراف الآثام وانتهاك المحارم بل يكون مسارعًا إلى فعل الخيرات بعكس المشرك والكافر والملحد فإن حياته كلها في الوقوع فيما يغضب الله - تعالى ـ١ أعاذنا الله من شر ذلك وجعلنا ممن يعبدونه وحده دون سواه.
_________________
(١) أنظر مبادي الإسلام للمودودي ص ٨٠ - ٨٦.
[ ٤٢١ ]
المبحث السادس: التحذير من الشرك وبيان أنه محبط للعمل
لقد ورد التحذير عن الشرك، وأنه يحبط العمل في آية واحدة، من هذه السورة قال - تعالى - ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ .
هذه الآية من السورة بين الله - تعالى - فيها أنه قد أوحي إلى نبينا محمد ﷺ وإلى كل إخوانه من الأنبياء ممن سبقوه بأنه لو صدر من أحدهم إشراك بالله وحاشا أن يصدر منهم ذلك لأن الله عصمهم من الوقوع في الإشراك به جل وعلا - ولكن هذا من باب فرض المستحيل غير الواقع - ولو حصل ذلك لكان سببًا في إحباط العمل وضياع الثواب ويصير صاحبه في ضمن الأشقياء الذين حرموا الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض.
وإذا كان هذا الخطاب موجهًا إلى أكرم الخلق وأحبهم إلى الله - تعالى - وهم الرسل الكرام وفي طليعتهم سيد الأولين والآخرين عليهم الصلاة والسلام فما البال بصدوره من غيرهم من بني الإنسان.
قال البغوي ﵀ تعالى - حول قوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ يعني الذي عملته قبل الشرك وهذا خطاب مع رسول الله ﷺ والمراد منه غيره، وقيل هذا أدب من الله ﷿ لنبيه وتهديد لغيره لأن الله - تعالى - عصمه من الشرك اهـ١.
وقال ابن جرير رحمة الله عليه، حول الآية نفسها:
_________________
(١) تفسير البغوي المسمى معالم التنزيل أنظر حاشية تفسير الخازن ٦/٧٠.
[ ٤٢٢ ]
يقول - تعالى - ذكره " ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ يا محمد ربك، ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ من الرسل ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ يقول لئن أشركت بالله شيئًا يا محمد ليبطلن عملك، ولا تنال به ثوابًا ولا تدرك جزاء إلا جزاء من أشرك بالله وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم، ومعنى الكلام:
ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين وإلى الذين من قبلك، بمعنى وإلى الذين من قبلك من الرسل من ذلك، مثل الذي أوحي إليك منه فاحذر أن تشرك بالله شيئًا فتهلك، ومعنى قوله ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ ولتكونن من الهالكين بالإشراك بالله إن أشركت به شيئًا اهـ١.
ومثل هذه الآية في السورة ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية.
قوله - تعالى - ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢.
وهذا تشديد لأمر الشرك وتغليظ لشأنه وتعظيم لملابسته٣.
ولقد حذر الله من الشرك وبين عاقبته السيئة في مواضع كثيرة من كتابه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٤.
قال ابن كثير: "أخبر - تعالى - أنه لا يغفر أن يشرك به، أي: لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به ويغفر ما دون ذلك أي: من الذنوب لمن يشاء من عباده" اهـ٥ "فتبين بهذا أن الشرك أعظم الذنوب لأن الله - تعالى - أخبر أنه لا يغفره أي إلا بالتوبة منه، وما عداه فهو داخل تحت مشيئة الله إن شاء غفره بلا توبة، وإن شاء عذب به وهذا يوجب للعبد شدة الخوف من "هذا الذنب الذي هذا شأنه عند الله"٦ وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٧.
_________________
(١) جامع البيان ٢٤/٢٤.
(٢) سورة الأنعام آية: ٨٨.
(٣) تفسير ابن كثير ٣/٦٣.
(٤) سورة النساء آية: ٤٨.
(٥) تفسير القرآن العظيم ٢/٣٠٨.
(٦) تيسير العزيز الحميد ص٩٠ - ٩١.
(٧) سورة المائدة آية: ٧٢.
[ ٤٢٣ ]
وفي مسند الإمام أحمد من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره الله فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك قال الله ﷿ ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه أو صلاة تركها فإن الله ﷿ يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا فظلم العباد بعضهم بعضًا القصاص لا محالة"١.
قال العلامة ابن القيم: "ولما كان الشرك أعظم الدواوين الثلاثة عند الله ﷿ حرم الجنة على أهله فلا تدخل الجنة نفس مشركة وإنما يدخلها أهل التوحيد فإن التوحيد هو مفتاح بابها فمن لم يكن معه مفتاح لم يفتح له بابها، وكذلك إن أتى بمفتاح لا أسنان له لم يكن الفتح، وأسنان هذا المفتاح هي الصلاة والزكاة والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وبر الوالدين" اهـ٢.
وقال تعالى آمرًا عباده باجتناب عبادة غيره من الأوثان والأصنام: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ للهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ٣.
هذه الآية توجيه للبشرية جمعاء بالابتعاد عن ملابسة كل طاغوت يعبد من دون الله - تعالى - وفيها تصوير للأوثان بأنها رجس لوخامة ما ينتج عنه من الاعتقاد والفساد وقد قرن الله الأوثان بقول الزور لأنه الشرك من باب الزور فإن المشرك يزعم أن الوثن تحق له العبادة وهذا أعظم أبواب الزور والافتراء. ولنستمع إلى ابن القيم وهو يصور لنا الإهتزازات التي تعتري الذين ارتكسوا في أوحال الوثنية وعبدوا غير الله - تعالى - ممن هم عبيد أمثالهم فقال رحمة الله في كلامه لبيان هذا المشهد في هذه الآية. فتأمل هذا المثل ومطابقته لحال من أشرك بالله وتعلق بغيره ويجوز لك في التشبيه أمران:
أحدهما: أن تجعله تشبيهًا مركبًا ويكون قد شبه من أشرك بالله يرجى معه نجاة
_________________
(١) المسند ٦/٢٤٠.
(٢) الوابل الصيب ص١٨.
(٣) سورة الحج آية: ٣٠ - ٣١.
[ ٤٢٤ ]
فصور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير في الهواء فتمزق مزقًا في حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطارح البعيدة وعلى هذا لا تنظر إلى كل فرد من أفراد المشبه، ومقابله من المشبه به.
الثاني: أن يكون من التشبيه المفرق فيقابل كل واحد من أجزاء الممثل والممثل به وعلى هذا فيكون قد شبه الإيمان والتوحيد في علوه وسعته وشرفه بالسماء التي هي مصعده ومهبطه، فمنها هبط إلى الأرض، وإليها يصعد منها وشبه تارك الإيمان والتوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين من حيث التضييق الشديد والآلام المتراكمة والطير التي تخطف أعضاءه وتمزقه كل ممزق بالشياطين التي يرسلها الله ﷾ عليه وتؤزه أزًا وتزعجه وتقلقه إلى مظان هلاكه، فكل شيطان له مزعة من دينه وقلبه كما أن لكل طير مزعة من لحمه وأعضائه والريح التي تهوي به في مكان سحيق هو هواه الذي يحمله على إلقاء نفسه في أسفل مكان وأبعده من السماء. اهـ١.
فكل ما تقدم من الآيات القرآنية وأقوال العلماء من التحذير من الشرك يوجب للإنسان أن يخاف على نفسه فإنه أعظم ذنب عصي الله - تعالى - به.
وقد ذكر الله عن خليله إبراهيم أبي الأنبياء ﵊ أنه خاف على نفسه وبنيه من عبادة الأصنام مع أنه ﵊ قد أكرمه الله بالعصمة من الشرك وغيره.
وقال تعالى مخبرًا عن إبراهيم ﵊ أنه قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ ٢.
قال في تيسير العزيز الحميد ﴿وَاجْنُبْنِي﴾ أي اجعلني وبني في جانب عن عبادة الأصنام وباعد بيني وبينها قيل: وأراد بذلك بنيه وبناته من صلبه ولم يذكر البنات لدخولهم تبعًا في البنين، وقد استجاب الله دعاءه وجعل بنيه أنبياء وجنبهم عبادة الأصنام وإنما دعا إبراهيم ﵇ بذلك لأن كثيرًا من الناس افتتنوا بها كما قال ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا
_________________
(١) أعلام الموقعين ١/١٨٠.
(٢) سورة إبراهيم آية: ٣٥ - ٣٦.
[ ٤٢٥ ]
مِنَ النَّاسِ﴾ فخاف من ذلك ودعا الله أن يعافيه وبنيه من عبادتها، فإذا كان إبراهيم ﵇ يسأل الله أن يجنبه ويجنب بنيه عبادة الأصنام فما ظنك بغيره؟ اهـ١.
فإبراهيم ﵇ هو الذي امتثل أمر ربه حين أمره بذبح ولده وهو الذي أخذ الفأس وحطم به الأصنام، وهو الذي اشتد نكيره على عبدة الأصنام والأوثان ومع ذلك يخاف على نفسه وبنيه الوقوع في الشرك الذي هو عبادة الأصنام لأنه يعلم أنه لا يصرف عن ذلك إلا بهداية الله - جل وعلا - وتوفيقه.
جاء في قرة عيون الموحدين: "فالذي خافه الخليل ﵇ على نفسه وبنيه وقع فيه أكثر الأمة بعد القرون المفضلة فبنيت المساجد والمشاهد على القبور وصرفت لها العبادات بأنواعها. واتخذ ذلك دينًا وهي أوثان وأصنام كأصنام قوم نوح واللات والعزى ومناة أصنام العرب وغيرهم، فما أشبه ما وقع في آخر هذه الأمة بحال أهل الجاهلية من مشركي العرب وغيرهم بل وقع ما هو أعظم من الشرك في الربوبية بما يطول عده"٢.
وقد حذر النبي ﷺ من الشرك وبين العاقبة السيئة التي تلحق المشرك إذا رجع إلى الله - تعالى ـ.
قال ﷺ: "من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار" ٣.
وقال ﵊: "من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار" ٤.
فقد بين ﷺ في هذين الحديثين: أن من مات على الشرك لا يدخل الجنة ولا تناله رحمة الله ويكون من الخالدين في النار.
كما بين أن من مات على التوحيد دخل الجنة قال النووي: "أما دخول المشرك إلى النار فهو على عمومه، فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق بين الكتابي واليهودي والنصراني، وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة من المرتدين والمعطلين، ولا فرق عند أهل الحق بين
_________________
(١) ص٩٢ - ٩٣.
(٢) ص٤٠.
(٣) رواه البخاري أنظر الفتح ٨/٧٦ من حديث ابن مسعود ﵁.
(٤) رواه مسلم من حديث جابر ﵁ ١/٩٤.
[ ٤٢٦ ]
الكافر عنادًا وغيره، ولا بين من خالف ملة الإسلام وبين من انتسب إليها ثم حكم بكفره يجحده وغير ذلك، وأما دخول من مات غير مشرك الجنة فهو مقطوع له به، لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصرًا عليها دخل الجنة أولًا، وإن كان صاحب كبيرة مات مصرًا عليها فهو تحت المشيئة، فإن عفا عنه دخل الجنة أولًا وإلا عذب في النار ثم أخرج فيدخل الجنة" اهـ١.
ومن هذا يتبين لنا أن الشرك أشد الأعمال جرمًا وأقبحها ظلمًا كما قال تعالى حكاية عن لقمان وهو يوصي ابنه ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.
وقد بين تعالى في موضع آخر بأنه لا أمن ولا اهتداء إلا لمن لم يخلطوا عبادتهم بمعصية الشرك.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٣.
وقد روى الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين فقالوا يا رسول الله وأينا ذلك؟ قال: "إنما هو الشرك ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه إن الشرك لظلم عظيم"٤ قال النووي عند شرحه لهذا الحديث: لما شق عليهم أنزل الله - تعالى - ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ .
وأعلم النبي ﷺ أن الظلم المطلق هناك هو المراد به هذا المقيد وهو الشرك كما قال لقمان لابنه فالصحابة ﵃ حملوا الظلام على عمومه والمتبادر إلى الأفهام منه وهو وضع الشيء في غير موضعه وهو مخالفة الشرع فشق عليهم إلى أن أعلمهم النبي ﷺ بالمراد بهذا الظلم اهـ٥.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ موضحًا لذلك "والذي شق عليهم أنهم ظنوا أن الظلم المشروط عدمه وهو ظلم العبد نفسه وأنه لا أمن ولا اهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه،
_________________
(١) شرح النووي على مسلم ٢/٩٧.
(٢) سورة لقمان آية: ١٣.
(٣) سورة الأنعام آية: ٨٢.
(٤) صحيح البخاري ٣/١٧٣ صحيح مسلم ١/١١٤ - ١١٥.
(٥) شرح النووي على مسلم ٣/١٤٣.
[ ٤٢٧ ]
فبين لهم النبي ﷺ ما دلهم على أن الشرك ظلم في كتاب الله فلا يحصل الأمن والإهتداء إلا لمن لم يلبس إيمانه بهذا الظلم فإن من لم يلبس إيمانه بهذا الظلم كان من أهل الأمن والإهتداء فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة: الشرك، وظلم العباد، وظلمه لنفسه دون الشرك، كان له الأمن التام والإهتداء التام، ومن لم يسلم من ظلمه لنفسه كان له الأمن والإهتداء المطلق بمعنى:
أنه لا بد من أن يدخل الجنة كما وعد الله بذلك وقد هداه الله إلى الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة، ويحصل له من نقص الأمن والإهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه لنفسه، وليس مراد النبي ﷺ بقوله: "إنما هو الشرك" أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والإهتداء التام فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف لم يحصل لهم الأمن التام والإهتداء التام الذي يكونون بهما مهتدين إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من غير عذاب يحصل لهم، بل معهم أصل الإهتداء إلى الصراط ومعهم أصل نعمة الله عليهم. ولا بد لهم من دخول الجنة، وقوله "إنما هو الشرك" إن أراد به الأكبر فمقصوده:
أن من لم يكن من أهله فهو آمن مما وعد به المشركون من عذاب الدنيا والآخرة، وإن كان مراده جنس الشرك يقال: ظلم العبد نفسه كبخله لحب المال ببعض الواجب، هو شرك أصغر، وحبه ما يغضب الله - تعالى - حتى يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر ونحو ذلك فهذا فاته من الأمن والإهتداء بحسبه ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الشرك بهذا الاعتبار"اهـ١.
ومن هذا يعلم أن الشرك بالله أظلم الظلم وأشد ذنب عصيي الله به ولذلك رتب الله عليه من العقوبات الدنيوية والأخروية ما لم يرتبه على ذنب سواه من إباحة دماء أهله، وأموالهم وسبي نسائهم "وأولدهم وعدم مغفرته من بين الذنوب إلا بالتوبة منه"٢.
قال في تيسير العزيز الحميد "وإنما كان كذلك لأنه أقبح القبيح وأظلم الظلم إذ مضمونه تنقيص رب العالمين، وصرف خالص حقه لغيره، وعدل غيره به كما قال تعالى
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٧/٨٠ - ٨١.
(٢) تيسير العزيز الحميد ص٨٩ بتصرف يسير.
[ ٤٢٨ ]
﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ١ ولأنه مناقض للمقصود بالخلق والأمر مناف له من كل وجه وذلك غاية المعاندة لرب العالمين، والاستكبار عن طاعته والذل له والانقياد لأوامره الذي لا صلاح للعالم إلا بذلك فمتى خلا منه خرب وقامت القيامة كما قال ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله" ٢.
ولأن الشرك تشبيه للمخلوق بالخالق - تعالى - وتقدس في خصائص الإلهية من ملك الضر والنفع، والعطاء، والمنع الذي يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل وأنواع العبادة كلها بالله، فمن علق ذلك لمخلوق فقد شبهه بالخالق وجعل من لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا فضلًا عن غيره شبيهًا بمن له الخلق كله وله الملك كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله.
فأزمة الأمور كلها بيده - سبحانه - ومرجعها إليه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن اهـ٣ كما يفهم من هذا أن المشرك لم يقدر الله حق قدره، ولم يأت بالأمر الذي خلق من أجله فهو ظالم من جهة أنه صرف الحق الذي لا يستحقه إلا الله - تعالى - للمخلوق الذي لا يستحق من ذلك شيئًا لأنه ليس أهلًا لذلك.
كما أن المشرك ظالم لنفسه حيث يشقيها بإشراكه بالله - تعالى - ويحرمها رحمة الله ويجعلها تتذلل لمخلوق من مخلوقات الله فقير إلى الله الذي له الغنى المطلق من جميع الوجوه والإعتبارات.
أعاذنا الله من الشرك كبيره وصغيره جليه وخفيه وبالله التوفيق.
_________________
(١) سورة الأنعام آية: ١.
(٢) رواه مسلم من حديث أنس ﵁ ١/١٣١.
(٣) ص:٩١.
[ ٤٢٩ ]