الفصل الأول: مباحث في اليوم الآخر قبل دخول الجنة والنار
المبحث الأول: النفخ في الصور
تمهيد:
إن الله تعالى فطر الإنسان على الإحساس بوجود عالم آخر بعد الموت، وهذا من أقوى الأدلة على وجود اليوم الآخر لأن الله - جل وعلا - إذا أراد أن يقنع بني الإنسان بأمر ما فإنه يغرس فكرة الاقتناع به في فطرهم، ولذا فإن الإنسان يشتاق إلى حياة خالدة ولو في عالم غير هذا العالم وهذا الإحساس شائع في نفوس البشر بحيث لا يمكن النظر إليه باستخفاف ولذلك جاءت الأديان السماوية مبشرة بحياة أخرى بعد الموت وجعلت مصير كل إنسان مرتهنًا بما قدمت يداه في الحياة الدنيا وهذا مما يكسب الإنسان زيادة إيمان بربه، وما جاءت به رسله فيقدم الأعمال الصالحة استعدادًا بها ليوم المعاد ولما كان القرآن الكريم خاتمًا لجميع الرسالات السماوية، وليس بعده أي رسالة تبين للناس ما يختلفون فيه، وما يستجد في حياتهم فإنه جاء وافيًا بمطالب الروح والجسد في تعاليمه وتوجيهاته ولما كان مرتكز الجدل في بني الإنسان جبلة وطبعًا كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ ١ ولما كان الإقتناع أيضًا: بحياة أخرى بعد الموت من الأمور التي شغلت فكر الإنسان، فإن القرآن الكريم جاء وافيًا بالأدلة والبراهين القاطعة على البعث والجزاء، وعرض ذلك في نماذج حية، وضمنها شبه المنكرين، ولم يتركها تمر دون مناقشة لها، بل أبطل شبههم بالمنطق الصحيح والبراهين العقلية التي تزيل فكرة الفناء الأبدي التي علقت ببعض الأفكار السقيمة، وتطمئن الإنسان وتدفعه للعمل الصالح وتحيي عنده آمال التسابق إلى الدرجات العلى في حياة أفضل وقد ذكرت بعضًا من تلك البراهين في "المبحث الثالث" من هذا الفصل، ولقد دعا القرآن إلى الإيمان باليوم الآخر بأساليب متنوعة لا يقفل قلبه عنها إلا دهري جحود فيجب على المسلم التصديق الجازم بجميع ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه. ونعيمه، والبعث
_________________
(١) سورة الكهف آية: ٥٤.
[ ٥٤٩ ]
والحشر، والنشر، والصحف، والميزان، والحساب، والجزاء، والصراط، والحوض والشفاعة١، والجنة والنار وأحوالهما، وما أعد الله لأهلهما إجمالًا وتفصيلًا والإيمان بالبعث بعد الموت هو أحد أركان الإيمان الستة وقد دل على وقوعه النقل، والعقل، والفطرة كما صرحت به جميع الكتب السماوية، ونادى به جميع الأنبياء والمرسلون٢، وقد تعرضت سورة الزمر لمباحث كثيرة تتعلق باليوم الآخر وهي ما سنتحدث عنها فيما يأتي.
_________________
(١) تقدم الكلام على الشفاعة عند الكلام على توحيد العبادة وقد أفردناها بمبحث خاص.
(٢) انظر إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات للشوكاني ص١٤.
[ ٥٥٠ ]
المبحث الأول: النفخ في الصور
قبل أن نذكر الآية التي دلت على النفخ في الصور من سورة "الزمر" نذكر معنى النفخ في اللغة والإصطلاح ومعنى الصور.
أما النفخ في اللغة:
فقد قال الراغب: "النفخ: نفخ الريح في الشيء: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ١ ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّور﴾ ٢ ومنه نفخ الروح في النشأة الأولى" أ. هـ٣.
وجاء في أساس البلاغة: "نفخ في النار، ونفخ النار بالنفاخ وهو الكير ونصبوا على النار المنافيخ، ونفخت في الزق، فتنفخ وهو يجد نفخة في بطنه ونفخة انتفاخًا من طعام وغيره" أ. هـ٤.
وفي القاموس: نفخ بفمه أخرج منه الريح والنفيخ الموكل بنفخ النار والمنفاخ آلته. أ. هـ٥.
والذي نستفيده من هذه التعاريف اللغوية أن النفخ هو: دفع الهواء كما يعرف كل إنسان.
_________________
(١) سورة طه آية: ١٠٢.
(٢) سورة يس آية: ٥١.
(٣) المفردات في غريب القرآن "ص٥٠٠".
(٤) ص٤٤٦.
(٥) "١/٢٨١" انظر النهاية في غريب الحديث ٥/٩٠.
[ ٥٥١ ]
وأما معناه في الإصطلاح:
فهو نفخ مخصوص في وقت مخصوص من ملك مخصوص لما يريده الله - تعالى - كما جاء التصريح بذلك في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من أن نافخًا ينفخ في الصور بأمر الله تعالى لما يريده الله من التغيير في خلقه لأمر القيامة.
وأما معنى الصور:
فقد جاء في صحيح البخاري عن مجاهد أنه قال: " الصور كهيئة البوق" ١ وذكر الحافظ عن الجوهري أنه قال: "البوق الذي يزمر به وهو معروف " والصور إنما هو قرن كما جاء في الأحاديث المرفوعة، وقد وقع في قصة بدء الأذان بلفظ البوق، والقرن: الآلة التي يستعملها اليهود للأذان ويقال: إن الصور اسم القرن بلغة أهل اليمن وشاهده قول الشاعر:
نحن نفخناهم غداة النقعين نطحًا شديدًا لا كنطح الصورين٢
قال ابن جرير: واختلف في معنى الصور فقال بعضهم هو قرن ينفخ فيه نفختان إحداهما: لفناء من كان حيًا على الأرض.
والثانية: لنشر كل ميت واعتلوا لقولهم ذلك بقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ وبالخبر الذي روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: إذ سئل عن الصور "هو قرن ينفخ فيه" ٣ وقال آخرون: الصور: جمع صورة ينفخ فيها روحها فتحيا لقولهم: سور لسور المدينة وهو جمع سورة كما قال جرير:
لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع
إلى أن قال: والصواب من القول في ذلك عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن
_________________
(١) ١/١٣١.
(٢) النفخ ١١/٦٨، وانظر الصحاح ٤/١٤٥٢، ٢/٧١٦، تحفة الأحوذي ٧/١١٧.
(٣) ديوان جرير ص٣٤٥.
[ ٥٥٢ ]
رسول الله ﷺ أنه قال: "إن إسرافيل قد التقم الصور وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ" ١ وأنه قال: "الصور قرن ينفخ فيه" اهـ٢.
وقال ابن كثير بعد أن ذكر القولين المتقدمين في معنى الصور: "والصحيح أن المراد بالصور القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇" أ. هـ٣، وقد ورد أنه ينفخ في الصور مع إسرافيل ملك آخر، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "النافخان في السماء الثانية فينظران متى يؤمران أن ينفخا في الصور فينفخا" ٤.
قال الحافظ بعد إيراده لهذا الحديث: "ورجاله ثقات وأخرجه الحاكم في حديث عبد الله بن عمرو" أ. هـ٥.
وقال الهيثمي: "رواه أحمد ورجاله ثقات" أ. هـ٦. ولا تعارض بين هذا الحديث وبين ما ورد في بعض الأحاديث أن إسرافيل هو صاحب الصور ومن ذلك ما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا قال: ذكر رسول الله ﷺ صاحب الصور فقال: "عن يمينه جبرائيل وعن يساره ميكائيل"٧.
قال الحافظ: "تنبيه: اشتهر أن صاحب الصور إسرافيل ﵇، ونقل فيه الحليمي الإجماع"٨.
وهذا يحمل على أن إسرافيل رئيسهم كما قيل في شأن ملك الموت وأعوانه والعلم عند الله - تعالى ـ.
_________________
(١) رواه أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد المسند ٣/٧، سنن الترمذي ٤/٤٢.
(٢) جامع البيان ٧/ ٢٣٩، والحديث رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو وقال: حسن صحيح ٤/٤١.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٣/٤٦، وانظر تفسير روح المعاني للألوسي ٧/١٩١.
(٤) ٢/١٩٢ من حديث أبي مرية، أو عن عبد الله بن عمرو كذلك المسند.
(٥) الفتح ١١/٣٦٩.
(٦) مجمع الزوائد ١٠/٣٣٠.
(٧) سنن أبي داود ٢/٣٦٠.
(٨) الفتح ١١/٣٦٨.
[ ٥٥٣ ]
وقد جاء في حديث صحيح أن اليوم الذي تكون فيه النفخة والصعقة هو يوم الجمعة وهو حديث أوس بن أوس الثقفي مرفوعًا: إن أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه الصعقة وفيه النفخة"١ وقد دلت السورة على أن من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالصور والنفخ فيه، الذي جعله الله سبب الفزع، والضعف والقيام من القبور. قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ هذه الآية الكريمة من السورة ذكر الله فيها نفختين نفخة الصعق ونفخة البعث.
والنفخات ثلاث.
قال ابن كثير ﵀ تعالى ـ:
"وأما النفخات في الصور فثلاث نفخات: "نفخة الفزع، ثم نفخة الصعق، ثم نفخة البعث" أ. هـ٢.
وقال أبو بكر بن العربي٣: الصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ينفخ فيه بأمر ربه ثلاث نفخات: "أولاها نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة البعث" أ. هـ٤.
فعدد النفخات ثلاث وقد وردت كلها صريحة في القرآن.
الأولى نفخة الفزع:
وهي المذكورة في قوله - جل وعلا ـ: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ﴾ ٥.
قال ابن كثير: "يخبر - تعالى - عن هول يوم نفخة الفزع في الصور وذلك في
_________________
(١) سنن النسائي ٣/٩١ وابن خزيمة في صحيحه ٣/١١٨.
(٢) النهاية: ١/١٨٠.
(٣) هو: محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلي المالكي أبو بكر بن العربي قاض من حفاظ الحديث ولد في إشبيلية سنة ثمان وأربعين وتوفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. انظر ترجمته في "طبقات الحفاظ للسيوطي ٤٦٨، وفيات الأعيان ١/٤٨٩ الديباج المذهب لابن فرحون ص٢٨١، تذكرة الحفاظ ٤/١٢٩٤ وما بعدها.
(٤) عارضة الأحوذي ٩/٢٦٧ - ٢٦٨.
(٥) سورة النمل آية: ٨٧.
[ ٥٥٤ ]
آخر عمر الدنيا حين تقوم الساعة على شرار الناس من الأحياء فيفزع من في السموات ومن في الأرض" أ. هـ١.
وروى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث به؟ تقول: إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا فقال: - سبحان الله - أو لا إله إلا الله. أو كلمة نحوها، لقد هممت أن لا أحدث أحدًا شيئًا أبدًا إنما قلت إنكم سترون بعد قليل أمرًا عظيمًا يحرق البيت ويكون، ويكون. ثم قال: قال رسول الله ﷺ: "يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين. لا أدري: أربعين يومًا أو أربعين شهرًا، أو أربعين عامًا فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه. ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته. حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل٢ لدخلته حتى تقبضه" قال: سمعتها من رسول الله ﷺ قال: "فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع٣ لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان وهم في ذلك دار رزقهم، حسن عيشهم ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا٤ قال وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله" ٥ الحديث٦.
فهذه النفخة المذكورة في الحديث هي نفخة الفزع ثم تأتي بعدها نفخة الصعق.
قال ابن كثير: "فلا بد من مدة بين نفختي الفزع والصعق وقد ذكر في حديث الصور أنه يكون فيها أمور عظام من ذلك زلزلة الأرض وارتجاجها، وميدانها بأهلها وتكفيها يمينًا وشمالًا قال الله - تعالى ـ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنْسَانُ مَا لَهَاَ * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ ٧.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٥/٢٥٩.
(٢) "في كبد جبل" أي وسطه وداخله، وكبد كل شيء وسطه.
(٣) "في خفة الطير وأحلام السباع" أي في سرعتهم إلى الشرور وقضاء الشهوات والفساد كطيران الطير، وفي العدوان وظلم بعضهم بعضًا في أخلاق السباع العادية.
(٤) الليت هو صفحة العنق، أي أمال عنقه ليستمعه من السماء جيدًا.
(٥) "يلوط حوض إبله" أي يطينه ويصلحه.
(٦) صحيح مسلم ٤/٢٢٥٨ - ٢٢٥٩.
(٧) سورة الزلزلة آية: ١ - ٥.
[ ٥٥٥ ]
وقال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا * وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ ١. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ ٢.
ولما كانت هذه النفخة أعني نفخة الفزع أول مبادئ القيامة كان اسم يوم القيامة صادقًا على ذلك كله.
كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة، وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة، وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها"٣ وهذا إنما يتجه على ما قيل في نفخة الفزع أنها الساعة لما كانت أول مبادئها. أ. هـ٤.
وقد ثبت في الحديث في وصف أهل آخر الزمان بأنهم شرار الناس وعليهم تقوم الساعة٥.
النفخة الثانية نفخة الصعق:
وهي نفخة الموت، وهذه هي التي فيها الهلاك لجميع الموجودين من أهل السموات ومن في الأرض من الإنس والجن والملائكة إلا من شاء الله. وقد قدمنا أن نفختي الصعق، والبعث دلت عليهما السورة.
قال - تعالى - ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ ﴾ .
_________________
(١) سورة الواقعة آية: ١ - ٧.
(٢) سورة الحج آية: ١ - ٢.
(٣) صحيح البخاري مع الفتح ١١/٣٥٢.
(٤) النهاية ١/١٨١.
(٥) انظر صحيح مسلم ٣/١٥٢٥، وسنن ابن ماجة ٢/١٣٤١، المسند للإمام أحمد ﵀ ١/٤٠٥.
[ ٥٥٦ ]
قال ابن جرير: "يقول تعالى ذكره: ونفخ إسرافيل في القرن وقوله ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ يقول: مات.
وقال السدي ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ مات١.
قال ابن كثير: يقول ﵎ مخبرًا عن هول يوم القيامة وما يكون فيه من الآيات العظيمة والزلازل الهائلة فقوله - تعالى - ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ﴾ .
"هذه النفخة هي الثانية وهي نفخة الصعق وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السموات والأرض إلا من شاء الله" أ. هـ٢.
وقد اختلف أهل العلم في الذين عنى الله بالإستثناء في هذه الآية:
قال القرطبي: واختلف العلماء في المستثنى من هو؟
فقيل: الملائكة.
وقيل: الأنبياء.
وقيل: الشهداء واختاره الحليمي قال: "وهو مروي عن ابن عباس أن الإستثناء لأجل الشهداء فإن الله - تعالى - يقول: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ٣ وضعف غيره من الأقوال وقال شيخنا أبو العباس٤ والصحيح أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح والكل محتمل" أ. هـ٥.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعالى ـ: "وأما الإستثناء فهو متناول لمن
_________________
(١) جامع البيان ٢٣/٢٩.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٦/١٠٩.
(٣) سورة آل عمران آية: ١٦٩.
(٤) هو أبو العباس القرطبي: أحمد بن عمر بن إبراهيم، أبو العباس الأنصاري من فقهاء المالكية ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة وتوفي سنة ست وخمسين وستمائه. انظر ترجمته في البداية والنهاية ١٣/٢١٣، النجوم الزاهرة ٧/٣٧١.
(٥) التذكرة ١/١٦٧، وانظر جامع البيان للطبري ٢٤/٢٩ - ٣١.
[ ٥٥٧ ]
في الجنة من الحور العين، فإن الجنة ليس فيها موت ومتناول لغيرهم ولا يمكن الجزم بكل من استثناه الله فإن الله أطلق في كتابه"أ. هـ١.
وقال العلامة ابن القيم: عند قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ﴾ فقد استثنى الله - سبحانه - بعض من في السموات ومن في الأرض من هذا الصعق.
فقيل: هم الشهداء. وهذا قول أبي هريرة وابن عباس وسعيد بن جبير.
وقيل: هم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وهذا قول مقاتل وغيره.
وقيل: هم الذين في الجنة من الحور العين وغيرهم ومن في النار من أهل العذاب وخزنتها. قاله أبو إسحاق بن شاقلا٢ من أصحابنا.
وقد نص الإمام أحمد على أن الحور العين والولدان لا يمتن عند النفخ في الصور.
وقد أخبر - سبحانه - أن أهل الجنة ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ ٣ وهذا نص على أنهم لا يموتون غير تلك الموتة الأولى، فلو ماتوا مرة ثانية لكانت موتتان، وأما قول أهل النار ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ ٤. فتفسير هذه الآية التي في البقرة وهو قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ ٥.
فكانوا أمواتًا وهم نطف في أصلاب آبائهم، وفي أرحام أمهاتهم ثم أحياهم بعد ذلك ثم أماتهم، ثم يحييهم يوم النشور وليس في ذلك إماتة أرواحهم قبل يوم القيامة وإلا كانت ثلاث موتات، وصعق الأرواح عند النفخ في الصور لا يلزم منه موتها ففي الحديث
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٦/٣٦.
(٢) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن شاقلا البزار الحنبلي، جليل القدر، كثير الرواية حسن الكلام في الأصول والفروع، توفي سنة تسع وستين وثلاثمائة هجرية. شذرات الذهب ٣/٦٨.
(٣) سورة الدخان آية: ٥٦.
(٤) سورة غافر آية: ١١.
(٥) سورة البقرة آية: ٢٨.
[ ٥٥٨ ]
الصحيح: "أن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا موسى آخذ بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور"١.
فهذا الصعق في موقف القيامة إذا جاء الله لفصل القضاء، وأشرقت الأرض بنوره، فحينئذ تصعق الخلائق كلهم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ ٢.
ولو كان هذا الصعق موتًا لكانت موتة أخرى٣ "وقد تفطن لهذا بعض أهل العلم فقد قال أبو عبد الله القرطبي ظاهر هذا الحديث أن هذه صعقة غشي تكون يوم القيامة لا الصعقة الحادثة عن نفخ الصور قال: وقد قال شيخنا أحمد بن عمرو: ظاهر حديث النبي ﷺ يدل على أن هذه الصعقة إنما هي بعد النفخة الثانية، نفخة البعث ونص القرآن يقتضي أن ذلك الإستثناء إنما هو بعد نفخة الصعق، ولما كان هذا قال بعض العلماء: يحتمل أن يكون موسى ممن لم يمت من الأنبياء وهذا باطل. وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بهذه صعقة فزع بعد النشور حين تنشق السموات والأرض.
قال: فتستقل الأحاديث والآثار، وردَّ عليه أبو العباس القرطبي فقال: يرد هذا قوله في الحديث الصحيح: أنه حين يخرج من قبره يلقى موسى آخذًا بقائمة العرش، وهذا إنما يكون عند نفخة الفزع.
وقال أبو عبد الله: وقال شيخنا أحمد بن عمرو: الذي يزيح هذا الإشكال إن شاء الله تعالى أن الموت ليس بعدم محض وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين مستبشرين، وهذه صفة الأحياء في الدنيا وإذا كان هذا في الشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى مع أنه قد صح عن النبي ﷺ: أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء وأنه ﷺ اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس وفي السماء وخصوصًا بموسى وقد أخبر بأنه ما من مسلم يسلم عليه إلا رد الله روحه حتى يرد عليه وإذا تقرر أنهم أحياء فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق صعق كل من السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فأما صعق غير الأنبياء فموت، وأما صعق
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح ٦/٤٣٠ من حديث أبي سعيد ﵁، المسند ٣/٣٣.
(٢) سورة الطور آية: ٤٥.
(٣) الروح ص٥٠ - ٥١.
[ ٥٥٩ ]
الأنبياء فالأظهر أنه غشية، فإذا نفخ في الصور نفخة البعث فمن مات حيي ومن غشي عليه أفاق، ولذلك قال ﷺ في الحديث المتفق على صحته: فأكون أول من يصعق فنبينا أول من يخرج من قبره قبل جميع الناس إلا موسى فإنه حصل له فيه تردد: هل بعث قبله من غشيته أو بقي على الحالة التي كان عليها قبل نفخة الصعق مفيقًا لأنه حوسب بصعقة يوم الطور؟ وهذه فضيلة عظيمة في حق موسى ﵇ ولا يلزم من فضيلة أحد الأمرين المشكوك فيهما فضيلة موسى على محمد ﷺ مطلقًا لأن الشيء الجزئي لا يوجب أمرًا كليًا" أ. هـ١.
وقال أبو عبد الله القرطبي: إن حمل الحديث على صعقة الخلق يوم القيامة فلا إشكال، وإن حمل على صعقة الموت عند نفخ الصور وصرف ذكر يوم القيامة إلى أنه أراد أوائله، فيكون المعنى: "إذا نفخ في الصور نفخة البعث كنت أول من يرفع رأسه فإذا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور"٢.
وقد رد هذا العلامة ابن القيم فقال: "وحمل الحديث على هذا لا يصح لأنه ﷺ تردد هل أفاق موسى قبله أم لم يصعق بل جوزي بصعقة الطور، فالمعنى لا أدري أصعق أم لم يصعق، وقد قال في الحديث: فأكون أول من يفيق، وهذا يدل على أنه ﷺ يصعق فيمن يصعق، وأن التردد حصل في موسى هل صعق وأفاق قبله من صعقته أم لم يصعق ولو كان المراد به الصعقة الأولى وهي صعقة الموت لكان ﷺ قد جزم بموته وتردد هل مات موسى أم لم يمت، وهذا باطل لوجوه كثيرة، فعلم أنها صعقة فزع لا صعقة موت وحينئذ فلا تدل الآية على أن الأرواح كلها تموت عند النفخة الأولى نعم تدل على أن موت الخلائق عند النفخة الأولى وكل من لم يذق الموت قبلها فإنه يذوقه حينئذ وأما من ذاق الموت أو من لم يكتب عليه الموت فلا تدل الآية على أنه يموت موتة ثانية، والله أعلم - ثم قال ﵀:
فإن قيل: فكيف تصنعون بقوله في الحديث: إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الأرض فأجد موسى باطشًا بقائمة العرش٣، قيل لا ريب أن هذا قد ورد
_________________
(١) التذكرة ص١٦٩ بتصرف.
(٢) المصدر السابق ص١٦٨.
(٣) صحيح البخاري مع الفتح ١١/٣٦٧، صحيح مسلم ٤/١٨٤٤ من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٥٦٠ ]
هكذا ومنه نشأ الإشكال ولكنه دخل على الراوي حديث في حديث فركب اللفظين فجاء هذا والحديث هكذا.
أحدهما: أن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق.
والثاني: هكذا: أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ففي الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر، وبيدي لواء الحمد، ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر" ١.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح٢.
فدخل على الراوي هذا الحديث في الحديث الآخر وكان شيخنا أبو الحجاج الحافظ يقول ذلك.
فإن قيل: فما تصنعون بقوله: "فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله ﷿"٣. والذين استثناهم الله إنما هم مستثنون من صعقة النفخة لا من صعقة يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ﴾ ولم يقع الاستثناء من صعقة الخلائق يوم القيامة.
قيل: هذا والله أعلم غير محفوظ وهو وهم من بعض الرواة والمحفوظ ما تواطأت الروايات الصحيحة من قوله: "فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور" ٤، فظن بعض الرواة أن هذه الصعقة هي صعقة النفخ، وأن موسى داخل فيمن استثنى منها، وهذا لا يلتئم على مساق الحديث قطعًا، فإن الإفاقة حينئذ هي إفاقة البعث فكيف يقول: "لا أدري أبعث قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟ " فتأمله، وهذا بخلاف الصعقة التي يصعقها
_________________
(١) سنن الترمذي ٤/٢٧٠، سنن ابن ماجة ٢/١٤٤٠ وأحمد في المسند ١/٢٨١.
(٢) اسمه: يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف أبو الحجاج، محدث الديار الشامية، مهر في اللغة، ثم في الحديث ومعرفة رجاله وصنف كتبًا منها: "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" ولد سنة أربع وخمسين وستمائة، وتوفي سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، انظر ترجمته في "الدرر الكامنة" ٤/٤٥٧، النجوم الزاهرة ١٠/٧٦، الأعلام ٩/٣١٣.
(٣) صحيح البخاري مع الفتح ١١/٣٦٧، صحيح مسلم ٤/١٨٤٤.
(٤) صحيح البخاري مع الفتح ٦/٤٣٠ المسند ٣/٣٣.
[ ٥٦١ ]
الخلائق يوم القيامة إذا جاء الله - سبحانه - لفصل القضاء بين العباد وتجلى لهم فإنهم يصعقون جميعًا، وأما موسى ﷺ فإن كان لم يصعق معهم فيكون قد حوسب بصعقته يوم تجلى ربه للجبل فجعله دكًا، فجعلت صعقة هذا التجلي عوضًا من صعقة الخلائق لتجلي الرب يوم القيامة" أ. هـ١.
وما ذكره ابن القيم من اعتبار الصعق لتجلي الله يوم القيامة محتمل وهناك احتمال آخر وهو أن هذا الصعق يكون النفخة الثانية، والصعق عندها صعقان صعق موت لمن كان حينئذ على قيد الحياة في الدنيا وصعق غشي فيمن تكون حياته حياة برزخية، وعلى هذا يكون الرسول ﷺ وغيره حصل له هذا الصعق، وموسى يحتمل أن يكون حصل له هذا الصعق ويحتمل أنه لم يحصل له فيكون جوزي بصعقة الطور أو يكون ممن استثنى الله.
والذي يبدو أن الراجح في الاستثناء المذكور في الآية: "أنه متناول لمن في الجنة من الحور العين إذ الجنة لا موت فيها وإنما هي دار خلود وبقاء كما أنه يتناول غيرهم وليس في إمكان أحد أن يقطع بكل من استثناه الله فلا يمكننا أن نجزم بذلك فيصير هذا مثل العلم بقرب الساعة وأعيان الأنبياء وغير ذلك مما لم يرد فيه خبر عن الشارع إذ هذا الأمر لا تتم معرفته إلا عن طريق خبر الشارع وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعالى ـ"٢.
وقد دلت السنة على أن هناك مدة بين نفختي الصعق والبعث.
روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما بين النفختين أربعون" قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: "أبيت" ٣ قالوا: أربعون سنة؟ قال: "أبيت. ثم ينزل الله من السماء ماءًا فينبتون كما ينبت البقل" قال "وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظمًا واحدًا وهو عجب٤ الذنب". ٥
_________________
(١) الروح لابن القيم ص٥٢ - ٥٤، شرح الطحاوية ص٤٦٧ - ٤٦٨.
(٢) انظر مجموع الفتاوى ١٦/٣٦.
(٣) معناه: أبيت أن أجزم بأن المراد أربعون يومًا، أو سنة، أو شهرًا بل الذي أجزم به أنها أربعون على سبيل الإجمال.
(٤) عجب الذنب: عظم الطيف في أصل الصلب، وهو رأس العصعص، وهو مكان رأس الذنب من ذوات الأربع ذكره الحافظ في "هدي الساري في مقدمة فتح الباري" ص١٥٣.
(٥) صحيح البخاري ٣/١٨٢، صحيح مسلم ٤/٢٢٧٠ - ٢٢٧١ واللفظ له.
[ ٥٦٢ ]
فالمراد بالنفختين هنا نفخة الصعق ونفخة القيام للبعث والنشور، ويؤيد ذلك إنزال الماء بينهما وذكر عجب الذنب الذي منه يخلق الإنسان وفيه يركب خلقه عند بعثه يوم القيامة١.
النفخة الثالثة: نفخة البعث:
وهذه النفخة هي نفخة البعث والنشور والقيام لرب العالمين دل عليها من السورة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ .
قال السدي: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ قال: في الصور وهي نفخة البعث.
وقال قتادة: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ . قال نبي الله: بين النفختين أربعون قال: قال أصحابه فما سألناه عن ذلك ولا زادنا على ذلك غير أنهم كانوا يرون من رأيهم أنها أربعون سنة.
وذكر لنا أنه يبعث في تلك الأربعين مطر يقال له: مطر الحياة حتى تطيب الأرض وتهتز وتنبت أجساد الناس نبات البقل٢.
قال ابن كثير: "ثم يحيي أول من يحيي إسرافيل ويأمره أن ينفخ في الصور أخرى وهي النفخة الثالثة نفخة البعث قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ أي: أحيا بعد ما كانوا عظامًا ورفاتًا صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة" أ. هـ٣.
وهذه النفخة التي هي نفخة البعث جاءت فيها آيات كثيرة.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَا
_________________
(١) النهاية لابن كثير ١/١٨١.
(٢) جامع البيان ٢٤/٣١.
(٣) تفسير ابن كثير ٦/١١٠.
(٤) سورة النبأ آية: ١٨.
(٥) سورة النازعات آية: ١٣.
[ ٥٦٣ ]
وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ ٤.
وقد اختلف العلماء في عدد النفخات في الصور هل هي ثلاث نفخات أم نفختان فقط؟
فمنهم من قال: إنها ثلاث نفخات كما قدمنا ذكرها. ومنهم من قال: إنها نفختان فقط، واعتبروا نفخة الفزع هي نفخة الصعق لأن الأمرين لازمان لها أي: فزعوا فزعًا ماتوا منه وهذا اختيار القرطبي وغيره من بعض المفسرين٥ والراجح أنها ثلاث نفخات كما قدمنا ذكرها وقد تقدم قول ابن كثير وأبي بكر بن العربي أنها ثلاث نفخات، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فإنه قال: والقرآن قد أخبر بثلاث نفخات نفخة الفزع، ذكرها في سورة النمل في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ الله﴾ ٦.
ونفخة الصعق والقيام ذكرهما في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ٧.
_________________
(١) سورة يس آية: ٥١ - ٥٣.
(٢) سورة الروم آية: ٢٥.
(٣) سورة المدثر آية: ٨ - ٩.
(٤) سورة ق آية: ٤١ - ٤٢.
(٥) الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٨١ تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن ٥/١٣١، تفسير الألوسي المسمى "روح المعاني" ٢٠/٣١.
(٦) الآية رقم ٨٧.
(٧) مجموع الفتاوى ١٦/٣٥ - ٣٦.
[ ٥٦٤ ]
وقال السفاريني: "واعلم أن النفخ في الصور ثلاث نفخات: نفخة الفزع وهي التي يتغير بها هذا العالم، ويفسد نظامه وهي المشار إليها في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ ١ أي رجوع ومرد.
النفخة الثانية: نفخة الصعق وفيها هلاك كل شيء.
النفخة الثالثة: نفخة البعث والنشور" أ. هـ٢.
فالنفخات الثلاث كلها نص عليها القرآن وعينها، ومن هنا يتعين أن القول الراجح في عدد النفخات أنها ثلاث نفخات.
_________________
(١) سورة ص آية: ١٥.
(٢) لوامع الأنوار ٢/١٦١ - ١٦٤.
[ ٥٦٥ ]
المحبث الثاني: بعث الموتى من قبورهم
المبحث الثاني: بعث الموتى من قبورهم
قبل أن نذكر ما جاء في سورة "الزمر" من الدلالة على بعث الموتى من قبورهم، وأن البعث يكون لهذا الجسد بعينه نذكر تعريف البعث في اللغة والشرع.
أما تعريف البعث في اللغة: فإنه يختلف بحسب ما علق به فالبعث يطلق ويراد به المعاني الآتية:
١ - الإرسال: يقال بعثت فلانًا، أو ابتعثه أي: أرسله.
٢ - البعث من النوم: يقال بعثه من منامه إذا أيقظه.
٣ - الإثارة: وهو أصل البعث ومنه قيل للناقة بعثتها إذا أثرتها وكانت قبل باركة"١.
وجاء في القاموس: "بعثه كمنعه أرسله كابتعثه فانبعث والناقة أثارها، وفلانًا من منامه أهبه وتبعث مني الشعر انبعث كأنه سال"٢.
وجاء في تهذيب اللغة: "قال الليث: بعثت البعير إذا فانبعث إذا حللت عقاله وأرسلته لو كان باركًا فأثرته، والبعث في كلام العرب على وجهين:
أحدهما: الإرسال كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى﴾ ٣ معناه: أرسلناه.
_________________
(١) الصحاح للجوهري ١/٢٧٣، لسان العرب ٢/١١٦ - ١١٨.
(٢) القاموس ١/١٦٨.
(٣) سورة الأعراف آية: ١٠٣.
[ ٥٦٦ ]
الثاني: والبعث أيضًا: الإحياء من الله للموتى ومنه قوله - جل وعلا - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ ١ أي: أحييناكم٢.
وأما تعريف البعث في الشرع:
فيراد به إحياء الله - تعالى - الأموات وإخراجهم من قبورهم، وهم أحياء للحساب وللجزاء كما ذكر الله - تعالى ـ: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ ٤.
وقال العلامة ابن كثير: "البعث وهو المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة"٥.
وقال أبو هلال٦ العسكري: "بعث الخلق اسم لإخراجهم من قبورهم إلى الموقف ومنه قوله - تعالى ـ: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ٧.
وجاء في لوامع الأنوار: "أما البعث فالمراد به المعاد الجسماني فإنه المتبادر عند الإطلاق إذ هو الذي يجب اعتقاده يكفر منكره"٨.
والحاصل أن البعث: هو أن يعيد الله - تعالى - الإنسان بروحه وجسده كما كان في الحياة الدنيا، وهذا كائن عندما تتعلق إرادة - الرب جل وعلا - بذلك فيخرج الخلق جميعهم من قبورهم، وهم حفاة عراة غرل بُهم. ويساقون إلى أرض الموقف لينال كل إنسان ما يستحقه من الجزاء العادل وفق ما عمل في حياته الدنيا.
_________________
(١) سورة البقرة آية: ٥٦.
(٢) تهذيب اللغة ٢/٣٣٤ - ٣٣٥، المفردات في غريب القرآن ص٥٢ - ٥٣.
(٣) سورة القمر آية: ٧.
(٤) سورة المعارج آية: ٤٣.
(٥) تفسير ابن كثير ٤/٦١٤.
(٦) هو: الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري أبو هلال من علماء الأدب، توفي سنة خمس وتسعين وثلاثمائة هجرية، انظر ترجمته في "خزانة الأدب" للبغدادي ١/١١٢، معجم البلدان ٥/١٢٤ الأعلام ٢/٢١١ - ٢١٢.
(٧) كتاب الفروق ص٢٨٤ والآية رقم ٥٢ من سورة يس.
(٨) ٢/١٥٧.
[ ٥٦٧ ]
وعند المقارنة بين المعنى الشرعي لكلمة "البعث" والمعنى اللغوي نجد ترابطًا وثيقًا إذ من معاني "البعث" في اللغة التحريك والإثارة لما كان ساكنًا قبل ذلك، وكذلك الإرسال كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ ١.
فالمعنى الشرعي: هو أن يرسل الله - تعالى - الحياة إلى الأموات ويثيرها من جديد لتتمكن من المراد منها وهو الإسراع من الأجداث إلى موقف الحساب. وقد دلت سورة "الزمر" على من أن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان ببعث هذه الأجساد الدنيوية وإعادتها بعينها روحًا وجسدًا قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ .
قال القرطبي: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ أي فإذا الأموات من أهل الأرض والسماء أحياء بعثوا من قبورهم، وأعيدت إليهم أبدانهم وأرواحهم فقاموا ينظرون ماذا يؤمرون. وقيل: قيامٌ على أرجلهم ينظرون إلى البعث الذي وعدوا به، وقيل النظر بمعنى الإنتظار أي: ينتظرون ما يفعل بهم أ. هـ٢.
وقال العلامة ابن جرير: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ يقول: فإذا من صعق عند النفخة التي قبلها وغيرهم من جميع خلق الله الذين كانوا أمواتًا قبل ذلك قيام من قبورهم وأماكنهم من الأرض أحياء كهيئتهم قبل مماتهم ينظرون أمر الله فيهم. أ. هـ٣.
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ يعني: الخلق كلهم قيام على أرجلهم ينظرون ما يقال لهم، أو ينتظرون ذلك أ. هـ٤.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: عند قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ أي: قد قاموا من قبورهم لبعثهم وحسابهم قد تمت منهم الخلقة الجسدية والأرواح، وشخصت أبصارهم" أ. هـ٥.
ومن كلام أهل العلم الذي تقدم لبيان معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ .
_________________
(١) سورة النحل آية: ٣٦.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٨١، روح المعاني ١٤/٢٨ - ٢٩.
(٣) جامع البيان ٢٤/٣٢.
(٤) فتح القدير ٤/٤٧٥ - ٤٧٦.
(٥) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ٨/٤٤.
[ ٥٦٨ ]
من سورة الزمر يتبين وجه دلالتها على أن المبعوث هو الأجساد الدنيوية وليست أجسادًا أخرى.
وقد اختلف الناس هل المبعوث هو الجسد الأول بعينه أو غيره؟
ذكر شارح المواقف عن الحليمي والغزالي١ والراغب ومعمر من المعتزلة وبعض الإمامية والصوفية أنهم قالوا: "الإنسان بالحقيقة هو النفس الناطقة وهي المكلف والمطيع والعاصي والمثاب والمعاقب والبدن يجري منها مجرى الآلة والنفس الباقية بعد فساد البدن فإذا أراد الله تعالى حشر أجساد الخلائق خلق لكل واحد من الأرواح بدنًا تتعلق به الروح وتتصرف فيه كما كان في الدنيا٢" وهذا مذهب فاسد كما سنبين قريبًا فساده من حيث أنه مخالف للكتاب والسنة في بيانهما صفة الإعادة بعد الموت.
ثانيًا: مذهب السلف في صفة الإعادة:
قال شارح الطحاوية: "والقول الذي عليه السلف وجمهور العقلاء أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال، فتستحيل ترابًا، ثم ينشئها الله نشأة أخرى، كما إستحال في النشأة الأولى، فإنه كان نطفة، ثم صار علقة، ثم صار مضغة، ثم صار عظامًا ولحمًا، ثم أنشأه خلقًا سويًا، كذلك الإعادة يعيده الله بعد أن يبلى كله إلا عجب الذنب كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب منه خلق ابن آدم ومنه يركب ٣ ".
فالنشأتان نوعان تحت جنس يتفقان ويتماثلان من وجه، ويفترقان ويتنوعان من وجه، والمعاد هو الأول بعينه، وإن كان بين لوازم البداءة فرق، فعجب الذنب هو الذي يبقى، وأما سائره فيستحيل فيعاد من المادة التي استحال إليها، ومعلوم أن من رأى شخصًا وهو صغير، ثم رآه وقد صار شيخًا علم أن هذا هو ذاك مع أنه دائمًا في تحلل وإستحالة، وكذلك سائر الحيوان والنبات فمن رأى شجرة وهي صغيرة ثم رآها كبيرة قال هذه تلك. ثم
_________________
(١) الغزالي له قول آخر. وهو القول بإعادة الجسد الأول بعينه. "انظر كتابه الاقتصاد في فن الاعتقاد ص١٨٠ - ١٨٢.
(٢) المواقف بشرح الجرجاني ٨/٢٨٩ وانظر: "كتاب محمد عبده" بين الفلاسفة والمتكلمين ٢/٦٠٧ وما بعدها تحقيق سليمان ديبا.
(٣) صحيح البخاري ٣/١٨٢، صحيح مسلم ٤/٢٢٧٠ - ٢٢٧١.
[ ٥٦٩ ]
قال: "وليست صفة تلك النشأة الثانية مماثلة لصفة هذه النشأة حتى يقال: إن الصفات هي المغيرة لا سيما أهل الجنة إذا دخلوها فإنهم يدخلونها على صورة آدم طوله ستون ذراعًا كما ثبت في الصحيحين وغيرهما وروي أن عرضه سبعة أذرع، وتلك نشأة باقية غير معرضة للآفات وهذه نشأة فانية معرضة للآفات"١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لقد إضطرب علماء الكلام في المعاد، ومعرفة المعاد مبنية على المبدأ، والمبعث مبني على الخلق فقال بعضهم هو تفريق تلك الأجزاء، ثم جمعها وهي باقية بأعيانها".
وقال بعضهم: بل يعيدها ويعدم الأعراض القائمة بها، ثم يعيدها، وإذا أعادهما فإنه يعيد تلك الجواهر التي كانت باقية إلى أن فصلت في هذا الإنسان.
ولهذا اضطربوا لما قيل لهم فالإنسان إذا أكله حيوان آخر فإن أعيدت تلك الجواهر من الأول نقصت من الثاني وبالعكس، أما على قول من يقول: إنها تفرق، ثم تجمع فقيل له: تلك الجواهر إن جمعت للآكل نقصت من المأكول، وإن أعيدت للمأكول نقصت من الآكل.
وأما الذي يقول: تعدم ثم تعاد بأعيانها فقيل له أتعدم لما أكلها أم قبل أن يأكلها؟.
فإن كان بعد أن أكلها فإنها تعاد في الآكل فينقص المأكول، وإن كان قبل الأكل، فالآكل لم يأكل جواهر فهذه مكابرة. وبعد أن أورد هذه الشبهة التي أبطلت كلا الرأيين لعلماء الكلام قرر ما هو الحق في المسألة فقال: "والمشهور أن الإنسان يبلى ويصير ترابًا كما خلق من تراب، وبذلك أخبر الله، فإن قيل: إنه إذا صار ترابًا عدمت الجواهر، فهو لما خلق من تراب عدمت أيضًا تلك الجواهر، فجعل الجواهر باقية في جميع الإستحالات إلا إذا صار ترابًا تناقض بين ويلزمهم عليه الحيوان المأكول وغير ذلك". أ. هـ٢.
وقال العلامة ابن القيم "وأما خلقه - سبحانه - فإنه أوجده لحكمة في إيجاده فإذا اقتضت حكمته إعدامه جملة أعدمه، وأحدث بدله، وإذا اقتضت حكمته تبديله وتغييره وتحويله من صورة إلى صورة بدله وغيره ولم يعدمه جملة.
_________________
(١) شرح الطحاوية ص ٤٦٣ - ٤٦٤، وانظر مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٧/٢٤٨.
(٢) النبوات ص٨٢ - ٨٣، وانظر مجموع الفتاوى ١٧/٢٤٦ - ٢٤٧.
[ ٥٧٠ ]
ومن فهم هذا فهم مسألة المعاد، وما جاءت به الرسل فيه فإن القرآن والسنة إنما دلا على تغيير العالم وتحويله وتبديله لا جعله عدمًا محضًا، وإعدامه بالكلية، فدل على تبديل الأرض غير الأرض والسماوات وعلى تشقق السماء وإنفطارها وتكوير الشمس وإنتشار الكواكب وسجر البحار وإنزال المطر على أجزاء بني آدم المختلطة بالتراب فينبتون كما تنبت النبات وترد تلك الأرواح بعينها إلى تلك الأجساد التي أحيلت ثم أنشئت نشأة أخرى إلى أن قال: "وقد أخبر الله - سبحانه - أنه يحي العظام بعد ما صارت رميمًا، وأنه قد علم ما تنقص الأرض من لحوم بني آدم وعظامهم فيرد ذلك إليهم عند النشأة الثانية وأنه ينشىء تلك الأجساد بعينها بعد ما بليت نشأه أخري ويرد إليها تلك الأرواح"١.
وإذا نظرنا إلى آيات القرآن الكريم وأحاديث السنة نجد أنها تبين بطلان مذهب علماء الكلام في صفة الإعادة وتؤيد مذهب السلف في أن المبعوث هو الجسد الأول بعينه لا غيره للأدلة الآتية:
أولًا: إن الآيات القرآنية التي جاءت لمناقشة المنكرين للبعث جاءت نصًا في بيان أن أجساد بني آدم الدنيوية هي التي تعاد بأعيانها، ولذلك كان المنكرون للبعث يستبعدون إعادة أجسادهم بعد أن أصبحت عظامًا بالية، وأشلاء متفرقة في التراب، ومتصورة بصورته كما قال تعالى حكاية عنهم ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ٤.
وقد أنكر الله عليهم هذا الإستبعاد، ورد على جميع شبههم وبين إمكان البعث وثبوت وقوعه بمثل قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي
_________________
(١) مفتاح دار السعادة ٢/٣٤ - ٣٥.
(٢) سورة المؤمنون آية: ٣٥ - ٣٦.
(٣) سورة الصافات آية: ٥١ - ٥٣.
(٤) سورة السجدة آية: ١٠.
[ ٥٧١ ]
صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ١.
ومثل قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ٢.
وقوله ﷿: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ ٣.
فقد بين تعالى دليل الإمكان بخلقهم الأول، وبين ثبوت وقوعه بدليل كمال قدرته وسعة علمه وذلك مما يؤيد القول ببعث الجسد الأول بعينه.
ثانيًا: مما يؤكد أن المعاد هو عين الجسد الأول لا غيره قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٤.
فهذه الآيات بين الله تعالى فيها أن جوارح الإنسان التي اقترفت الذنوب والآثام هي التي تشهد على صاحبها يوم القيامة بأنه فعل كذا وكذا ولو لم تكن هذه الجوارح هي عين جوارح الإنسان التي كانت في الدنيا لما قبلت شهادتها ولا اعتذرت من الله حين استنطقها وقالت يا الله أنت الحكم العدل لا تظلم أحدًا من خلقك فلا تظلمنا بما لم نعمله، أو نشاهده أو لا نعلم عنه شيئًا.
ولكن لم يحصل شيء من الإعتذار، وإنما نطقت وأخبرت بما فعل صاحبها، فعلم يقينًا أنها عين الجسد الأول.
وفي صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك قال كنا عند رسول الله ﷺ فضحك فقال: "هل تدرون مم أضحك؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم قال: "من مخاطبة العبد ربه بقول: يا رب ألم تجرني من الظلم قال: بلى قال فيقول فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني قال:
_________________
(١) سورة الإسراء آية: ٥٠ - ٥١.
(٢) سورة يس آية: ٧٩.
(٣) سورة ق آية: ٤.
(٤) سورة فصلت آية: ١٩ - ٢٢.
[ ٥٧٢ ]
يقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا وبالكرام الكاتبين شهودًا قال: فيختم على فيه فيقال لأركانه إنطقي. قال فتنطق بأعماله قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام قال: فيقول بعدًا لكن وسحقًا فعنكن كنت أناضل".
وفي رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "ثم يقال: الآن نبعث شاهدًا عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه أنطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي سيسخط الله عليه" ١.
وإذا كانت أركان الإنسان وسمعه وبصره وجلده ولحمه وعظمه هي التي تتكلم فهل يبقى شك في أن المعاد هو عين الجسد الأول، لا شك أنه لا يبقى أي ريب في قلب المسلم الذي يؤمن بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
وقد أفصح القرآن جد الإفصاح عن معاد الأبدان الدنيوية قال تعالى: ﴿ومنها خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ ٤.
فهذه الآيات القرآنية تنص على أن الخلق يعودون من التراب الذي منه خلقوا، وتشير إلى أدلة الإمكان على ذلك المتمثلة في كمال قدرته - سبحانه - وسعة علمه - جل وعلا.
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ١٨/١٠٤ - ١٠٥.
(٢) سورة طه آية: ٥٥.
(٣) سورة نوح آية: ١٧ - ١٨.
(٤) سورة ق آية: ١ - ٤.
[ ٥٧٣ ]
وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ١.
وقوله - سبحانه - ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَه بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ ٢ وقوله سبحانه ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ٣ وغيرها من الآيات التي تعرض شبه المنكرين للبعث المتمثلة في استبعادهم لإعادة أبدانهم التي مزقها البلى وأكلتها الأرض وأصبحت رميمًا. كلها دلت على أن الإعادة أمر سهل وميسور على الله الذي خلق الإنسان ولم يك شيئًا، والذي يعلم ما أكلته الأرض وما أبقته لكمال علمه وسعة إحاطته بكل شيء، وأنه تعالى قادر على أن يجمع العظام ويسوي البنان التي هي أدق عضو ومفصل في الإنسان.
وقد أخبرنا تعالى أنه كما خلقنا يعيدنا قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "قال الحسن البصري ومجاهد: كما بدأكم فخلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئًا كذلك تعودون يوم القيامة.
وقال قتادة: "بدأهم من التراب وإلى التراب يعودون كما قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ٥ وقال ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ ٦".
وما الأحاديث النبوية: فمثل حديث أبي هريرة ﵁: ما بين النفختين أربعون قالوا يا أبا هريرة أربعون يومًا؟ قال أبيت. قالوا أربعون شهرًا؟ قال أبيت. قالوا أربعون سنة؟ قال أبيت، ثم ينزل الله من السماء ماءًا فينبتون كما ينبت البقل قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظمًا واحدًا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة.
وفي رواية أخرى: "كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب"،
_________________
(١) سورة يس آية: ٧٨ - ٧٩.
(٢) سورة القيامة آية: ٣، ٤.
(٣) سورة سبأ آية: ٧.
(٤) سورة الأعراف آية: ٢٩.
(٥) سورة طه آية: ٥٥.
(٦) انظر مجوع الفتاوى ١٧/٢٤٩ - ٢٥٠ والآية رقم ٢٥ من سورة الأعراف.
[ ٥٧٤ ]
وفي رواية أخرى: إن في الإنسان عظمًا واحدًا لا تأكله الأرض أبدًا فيه يركب الخلق يوم القيامة قالوا: أي عظم هو يا رسول الله؟ قال: "عجب الذنب"١.
فإذا نظرنا إلى هذه الأحاديث النبوية نراها تقرر في وضوح إعادة الجسد الأول من التراب الذي استحال إليه وأن الأرض تأكل ابن آدم إلا عجب الذنب، وأما بقية الجسد فإنه يفنى ويضل فيها والله - سبحانه - وتعالى بقدرته يتولى خلقه الثاني فيحيي تلك الأجساد الميتة فيؤلف خلقها ويكمل صورتها بما ينزله على الأرض من الماء الذي ينزل عليها كأنه الطل٢ حتى إذا اكتملت الصورة وتم الخلق أذن لهم بالخروج بنفخة البعث فخرج الناس من قبورهم ومكامنهم أحياء كأنهم إلى نصب يوفضون وتلك ساعة الحشر إلى الله التي أخبر عنها رسول الله ﷺ بقوله من حديث عائشة ﵂: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا"٣ ٤. وقد أخبر تعالى في كتابه أنه هو الذي يتولى النشأة الآخرة. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ﴾ ٦.
وقال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٧.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قال الحسن بن الفضل البجلي الذي عندي في هذه الآية يعني قوله تعالى ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ أي أخلقكم للبعث بعد الموت من حيث لا تعلمون كيف شئت، وذلك أنكم علمتم النشأة الأولى كيف كانت في بطون الأمهات وليست الأخرى كذلك.
قال شيخ الإسلام: "ومعلوم أن النشأة الأولى كان الإنسان نطفة من مني الرجل ثم
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ١٨/٩١ - ٩٢.
(٢) انظر صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ٤/٢٢٥٨ - ٢٢٥٩.
(٣) أي: غير مختونين.
(٤) صحيح مسلم بشرح النووي ١٧/١٩٢ - ١٩٣.
(٥) سورة النجم آية: ٤٧.
(٦) سورة العنكبوت آية: ٢٠.
(٧) سورة الواقعة آية: ٦٠ - ٦١.
[ ٥٧٥ ]
علقة، ثم مضغة، ثم ينفخ فيه الروح، وتلك النطفة من مني الرجل والمرأة وهو يغذيه بدم الطمث الذي يربي الله به الجنين في ظلمات ثلاث: ظلمة المشيمة، وظلمة الرحم، وظلمة البطن، والنشأة الثانية: لا يكونون في بطن امرأة ولا يغذون بدم ولا يكون أحدهم نطفة رجل وامرأة، ثم يصيرون علقة، بل ينشئون نشأة أخرى وتكون المادة من التراب"١.
والذي نخلص إليه مما تقدم أن صفة الإعادة هي كما قررها السلف من أن الأجساد تتقلب من حال إلى حال، فتستحيل ترابًا، ثم يعيدها الله مما استحالت إليه، فينشئ لحمها وعظامها ويبعث فيها الحياة مرة ثانية، بحيث يكون المعاد هو الجسد الأول بعينه بعد رجوع روحه إليه وذلك أمر ممكن عقلًا وواقع شرعًا إذ هو الذي نشاهده في خلق الله تعالى، فإنه - سبحانه - يخلق الجسم من الجسم، كما يخلق الإنسان من الماء المهين ويخلق من الماء المهين علقة، ثم يخلق من العلقة مضغة، ثم يخلق من المضغة عظامًا، ثم يكسو العظام لحمًا، ثم يسويه خلقًا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين، وكذلك خلق الثمر فإنه - سبحانه - يقلب المادة التي يخرجها من الشجرة من الرطوبة، والهواء، والماء الذي ينزل عليها وكذلك الحب يفلقه، ويقلب المواد التي يخلقها منه إلى سنبلة، ثم إلى ثمرة جديدة، وكذلك الإعادة، فالأجساد تبلى، وتستحيل إلى التراب والله يعيدها مما استحالت إليه كما قال تعالى ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ٢ قال القرطبي مبينًا مذهب أهل السنة في صفة الإعادة: "ومذهب أهل السنة والجماعة أن أجساد بني آدم الدنيوية تعاد بأعيانها وأعراضها بلا خلاف بينهم حتى أن بعضهم قال: "بأوصافها فيعاد الوصف أيضًا: كما يعاد الجسم واللون" اهـ٣.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٧/٢٥٢ - ٢٥٣.
(٢) سورة طه آية: ٥٥.
(٣) التذكرة ص١٨٢.
[ ٥٧٦ ]
المبحث الثالث: عناية القرآن بإثبات البعث
لقد سلك القرآن الكريم في استدلاله على إمكان البعث بعد الموت وتحقق وقوعه مسلكًا قويمًا جمع بين ما فطرت عليه النفوس من الإيمان بما تشاهد وتحس، وبين ما تقرره العقول السليمة، ولا يتنافى مع الفطر المستقيمة، وتلك طريقة تفرد بها القرآن الكريم.
وكان منهج القرآن الكريم في استدلاله على البعث كما يلي:
أولًا: الاستدلال على البعث بمن أماتهم الله ثم أحياهم. كما أخبر تعالى عن ذلك ومنهم:
١ - قوم موسى. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ١.
وقيل: إن الذين أخذتهم الصاعقة هم السبعون الذين اختارهم موسى ذلك أنهم لما أسمعهم كلام الله - تعالى - قالوا له بعد ذلك ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ والإيمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزاتهم. فأرسل الله إليهم نارًا من السماء فأحرقتهم ثم دعا موسى ربه فأحياهم كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ ٢.
٢ - المضروب بعضو من أعضاء البقرة كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٣. قيل: أن المقتول ضرب بعضو من أعضاء تلك البقرة التي أمرهم الله
_________________
(١) سورة البقرة آية: ٥٥ - ٥٦.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١/٤٠٣.
(٣) سورة البقرة آية: ٧٢ - ٧٣.
[ ٥٧٧ ]
أن يذبحوها كما قال موسى لهم ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ١ فلما ضرب به حيي وأخبر بقاتله ثم عاد ميتًا كما كان"٢.
٣ - الذين أخبر الله عنهم بقوله - تعالى ـ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ ٣ وهؤلاء قوم من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء ففروا هاربين. قال ابن عباس: "كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارًا من الطاعون وقالوا نأتي أرضًا ليس بها موت فأماتهم الله - تعالى - فمر بهم نبي فدعا الله فأحياهم"٤.
٤ - ﴿الَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٥.
والذي مر على القرية هو "عزير" ﵇. قال ابن كثير في تفسيره: "وهذا هو القول المشهور والقرية المشهورة هي بيت المقدس مر عليها عزيز بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها"٦.
٥ - سؤال إبراهيم ﵇ عن كيفية إحياء الموتى قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٧.
وقد ذكر المفسرون لسؤال إبراهيم ﵇ هذا أسبابًا منها: أنه لما قال لنمرود ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أحب أن يترقى من علم اليقين بذلك إلى عين اليقين، وأن يرى
_________________
(١) سورة البقرة آية: ٦٧.
(٢) تفسير القرطبي ١/٤٥٧.
(٣) سورة البقرة آية: ٢٤٣.
(٤) تفسير القرطبي ٣/٢٣٠.
(٥) سورة البقرة آية: ٢٥٩.
(٦) تفسير ابن كثير ١/٥٥٨.
(٧) سورة البقرة آية: ٢٦٠.
[ ٥٧٨ ]
ذلك مشاهدة"١ ولم يكن إبراهيم ﵇ بسؤاله ذلك شاكًا في قدرة الله - تعالى - قطعًا.
٦ - ما أخبر الله به عن عيسى ﵇ من أنه كان يحيي الموتى بإذن الله كما قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ﴾ ٢.
٧ - ما أخبر الله به من قصة أهل الكهف من أنهم لبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعًا ثم بعثهم الله بعد هذه المدة الطويلة.
وهذه الأدلة التي قدمناها أدلة مادية حسية وقعت كلها لتدل على إحياء الموتى بعد مماتهم، وهذا برهان قطعي على القدرة الإلهية، وقد أخبر الله ورسله عن وقوع البعث والحشر فوجب القطع بذلك لأنه أخبر به من ثبت صدقه عمن ثبتت قدرته فالآيات المتقدمة فيها دلالات واضحات على قدرة الله - تعالى - في إحياء الموتى.
ثانيًا: الإستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الثانية:
١ - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٣.
هذه الآيات الثلاث تضمنت دليلين على إمكان البعث:
أحدهما: دليل في الأنفس وهو ما اشتمل عليه صدر الآية وهو متعلق بالنشأة الأولى.
_________________
(١) تفسير ابن كثير ١/٥٥٩.
(٢) سورة آل عمران آية: ٤٩.
(٣) سورة الحج آية: ٥ - ٧.
[ ٥٧٩ ]
الثاني: دليل آفاقي وهو ما اشتمل عليه قوله تعالى ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ وهو الإستدلال بخلق النبات على إمكان البعث وسيأتي.
قال العلامة ابن القيم: شارحًا قوله - تعالى - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ الآية١.
"يقول - سبحانه - إن كنتم في ريب من البعث فلستم ترتابون في مبدأ خلقكم من حال إلى حال إلى حين الموت، والبعث الذي وعدتم به نظير النشأة الأولى فهما نظيران في الإمكان والوقوع فإعادتكم بعد الموت خلقًا جديدًا كالنشأة الأولى التي لا ترتابون فيها فكيف تنكرون إحدى النشأتين مع مشاهدتكم لنظيرها" اهـ٢.
٢ - قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ٣.
قال شيخ الإسلام: فإن قول الله تعالى ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ قياس حذفت إحدى مقدمتيه لظهورها، والأخرى سالبة كلية قرن معها دليلها وهو المثل المضروب الذي ذكره بقوله ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ وهذا استفهام إنكار متضمن للنفي أي لا أحد يحيي العظام وهى رميم، فإن كونها رميمًا يضع عنده إحياءها لمصيرها إلى حال اليبس والبرودة المنافية للحياة التي مبناها على الحرارة والرطوبة، ولتفرق أجزائها واختلاطها بغيرها ولنحو ذلك من الشبهات، والتقدير هذه العظام رميم ولا أحد يحيي العظام وهى رميم فلا أحد يحييها، ولكن هذه السالبة كاذبة ومضمونها امتناع الإحياء، فبين - سبحانه - إمكانه من وجوه ببيان إمكان ما هو أبعد من ذلك وقدرته عليه فقال ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقد أنشأها من التراب ثم قال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ . ليبين علمه بما تفرق من الأجزاء أو استحال اهـ٤.
٣ - قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا
_________________
(١) سورة الحج آية: ٥.
(٢) أعلام الموقعين ١/١٤٢.
(٣) سورة يس آية: ٧٨ - ٧٩.
(٤) درء تعارض العقل والنقل ١/٣٣.
[ ٥٨٠ ]
حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ١.
هذه الآيات تقرر بأن شبهات المنكرين للبعث تكاد تكون متجانسة لأنها تدور حول استبعاد جمع الأجزاء بعد تفرقها وإعادة الحياة إليها بعد فنائها وهذه الشبهة لا تكون إلا بالقدح في كمال علم الله - جل وعلا - المحيط بكل شيء، وكمال قدرته على كل شيء، وقد قام البرهان على كمال العلم والقدرة لله - تعالى - فلا وجه للإستبعاد والإستغراب بعد ذلك وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ يعني به أنكم مهما تفرقتم وعلى أية حالة كنتم فالله قادر على بعثكم وإعادتكم حتى لو تحولتم إلى حجارة أو حديد فالله قادر على إعادة الحياة إليكم مرة أخرى مع أن المنافاة بين الحجرية والحديدية وبين قبول الحياة أشد من المنافاة بين العظمة وبين القبول الحياة وذلك أن العظم قد كان جزءًا من بدن الحي أما الحجارة والحديد فما كانا ألبتة موصوفين بالحياة.
قال شارح الطحاوية: " فتأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال على التفصيل فإنهم قالوا أولًا ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ٢. فقيل لهم في جواب هذا السؤال: إن كنتم تزعمون أنه لا خالق لكم ولا رب لكم فهلا كنتم خلقًا لا يفنيه الموت كالحجارة والحديد وما هو أكبر في صدوركم من ذلك؟ فإن قلتم: كنا خلقًا على هذه الصفة التي لا تقبل البقاء فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وبين إعادتكم خلقًا جديدًا؟ وللحجة تقدير آخر وهو: لو كنتم من حجارة أو حديد أو خلق أكيد منهما فإنه قادر على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم، وينقلها من حال إلى حال ومن يقدر على التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة فما الذي يعجزه فيما دونها؟ ثم أخبر أنهم يسألون آخر بقولهم: من يعيدنا إذا استحالت جسومنا وفنيت؟ فأجابهم بقوله: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٣ فلما أخذتهم الحجة، ولزمهم حكمها، انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به بعلل المنقطع، وهو قولهم: ﴿مَتَى هُوَ﴾؟ فأجيبوا بقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ٤.
_________________
(١) سورة الإسراء آية: ٤٩ - ٥١.
(٢) سورة الإسراء آية: ٤٩.
(٣) سورة الإسراء آية: ٥١.
(٤) شرح الطحاوية ص ٤٥٩ - ٤٦٠.
[ ٥٨١ ]
ثالثًا: الإستدلال على إمكان البعث بخلق ما هو أعظم منه مثل السموات والأرض والجبال والأنهار والبحار فإن خلقها أعظم من خلق الإنسان ومن الآيات الدالة على ذلك ما يلي:
١ - قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ١.
٢ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ ٢.
٣ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣.
فهذه الآيات جميعها أكبر برهان على قدرة الله المطلقة التي لا تقيد بقيود، ولا تنتهي عند حدود فإن تلك الآيات الكونية مما هو معروف ببداهة العقول أن خلقها أعظم من إعادة خلق الإنسان.
قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ ٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعالى - "فإنه من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم والقدرة عليه أبلغ وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك" اهـ٥.
فالآيات المتقدمة فيها التنبيه على إمكان البعث بأمر مشاهد أمام الأنظار وهو خلق السموات والأرض ألم ير أولئك المكذبون أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن قادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير فالذي يصنع الأمر العظيم
_________________
(١) سورة الإسراء آية: ٩٨ - ٩٩.
(٢) سورة يس آية: ٨١.
(٣) سورة الأحقاف آية: ٣٣.
(٤) سورة غافر آية: ٥٧.
(٥) درء تعارض العقل والنقل ١/٣٢.
[ ٥٨٢ ]
لا يعسر عليه أن يصنع الأمر اليسير، وما نسبة خلق الإنسان مرة أخرى بالنسبة لخلق السموات والأرض، فالله - تعالى - له القدرة المطلقة على كل شيء، وإذا أراد شيئًا إنما يقول له كن فيكون.
رابعًا: الإستدلال على إمكان البعث بخلق النباتات المختلفة وتحول الأرض من هيأة إلى هيئة ومن الآيات الدالة على ذلك ما يلي:
١ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ١.
٢ - وقال تعالى: ﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ ٢.
٣ - وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣.
ففي هذه الآيات السابقة استدلال واضح بتبدل أحوال النباتات من حياة إلى موت، فحياة وسلب خاصّيّة النشوء والنماء في بعض النباتات فتمهد وتتفتت، ثم تسقى بالماء فتعود إليها تلك الخاصية فلو كان مستحيلًا إعادة الحياة إلى الإنسان مرة أخرى لما عادت الحياة إلى النباتات المختلفة بعد موتها لأن المشابهة واضحة في القدرة الإلهية في إعادة الحياتين سيرتهما الأولى، ولهذا لفت القرآن الكريم أنظار المنكرين للبعث إلى التبصر في الموجودات الحسية واستنتاج العظات والعبر منها ليعود للنفس إيمانها فتسعد بالطمأنينة والإستقرار.
وإحياء الأرض بعد موتها بالنبات من الأمور الحسية المشاهدة أرض أصابها الجدب فإذا بأشجارها تيبس بعد نضارتها وإذا بتلك الأرض هامدة خاشعة مستكينة قد مات منها كل شيء فيريد الله إحياءها فتنزل عليها الأمطار فإذا بها تظهر بمظهر آخر مخضرة بالزهور على
_________________
(١) سورة الأعراف آية: ٥٧.
(٢) سورة فاطر آية: ٩.
(٣) سورة فصلت آية: ٣٩.
[ ٥٨٣ ]
أشكال شتى أفيعجز من أعاد الحياة إلى هذه الأرض الميتة والأشجار اليابسة أن يعيد إلى الإنسان حياته مرة أخرى لمجازاته على ما عمل في هذه الحياة الدنيا؟ بلى إنه على كل شيء قدير.
قال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً﴾ ١ "هذا دليل آخر على قدرته - تعالى - على إحياء الموتى كما يحيي الأرض الميتة الهامدة وهي المقحلة التي لا ينبت فيها شيء ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أي: فإذا أنزل الله عليها الماء اهتزت أي: تحركت بالنبات وحييت بعد موتها وربت أي: ارتفعت ثم أنبتت ما فيها من الألوان والفنون ومن ثمار وزروع وأشتات النباتات في اختلاف ألوانها وطعومها ورائحتها وأشكالها ومنافعها ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أي: حسن المنظر طيب الريح" اهـ٢.
خامسًا: الإستدلال على البعث والإعادة بإخراج النار من الشجر الأخضر، والآيات الدالة على ذلك ما يلي:
١ - قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ ٣.
٢ - قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ ٤.
إن الذي قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر مع ما فيه من الماء قادر على إعادة الحياة إلى ما كان غضًَّا طريًَّا ثم تحول إلى يابس"٥. تلك هي بعض الدلائل الواضحة، والبراهين الساطعة التي استعملها القرآن لإثبات الإيمان باليوم الآخر والمسالك التي استعملها القرآن لإثبات ذلك اليوم كثيرة جدًا، ويكفينا منها في مقامنا هذا تلك الإستدلالات الخمسة المتقدمة.
_________________
(١) سورة الحج آية: ٥.
(٢) تفسير ابن كثير ٤/٦١٧.
(٣) سورة يس آية: ٨٠.
(٤) سورة الواقعة آية: ٧١ - ٧٢.
(٥) هذه الطرق التي استعملها القرآن لإثبات البعث بعد الموت أشار إليها بإيجاز شيخ الإسلام ابن تيمية. انظر "مجموع الفتاوى" ٩/٢٢٤ - ٢٢٥. وانظر النهاية لابن كثير ١/١٦٥ - ١٦٨.
[ ٥٨٤ ]
المبحث الرابع: أرض المحشر
لقد دلت السورة على أن هناك أرضًا أخرى يحشر الخلائق عليها، وتلك الأرض هي أرض المحشر.
قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ الآية.
فالمراد بالأرض المذكورة في هذه الآية هي أرض المحشر فقد أخبر - تعالى - في هذه الآية الكريمة بأن أرض المحشر ستضيء بنوره - سبحانه - وهو نور غير نور الشمس والقمر، وهو نور حقيقي صفة لذاته المقدسة يليق بجلاله - تعالى ـ، ويمكن أن تشمل هذه الآية مع النور الحقيقي النور المعنوي وهو عدل - الرب سبحانه - الذي لا جور فيه ولا ظلم لأنه - تعالى - الحكم العدل.
قال الإمام البغوي: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ﴾ أضاءت ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ بنور خالقها، وذلك حين يتجلى - الرب - لفصل القضاء بين خلقه فما يتضادُّون في نوره، كما لا يتضادُّون في الشمس في اليوم الصحو.
وقال الحسن والسدي: "بعدل ربها وأراد بالأرض عرصات القيامة" اهـ١.
وقال العلامة ابن جرير: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ .
يقول تعالى ذكره: فأضاءت الأرض بنور ربها يقال: أشرقت الشمس: إذا صفت وأضاءت.
قال قتادة: فما يتضادُّون في نوره إلا كما يتضادُّون في الشمس في اليوم الصحو الذي لا دخن فيه.
_________________
(١) تفسير البغوي على حاشية الخازن ٦/٧١.
[ ٥٨٥ ]
وقال السدي: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ أضاءت أ. هـ١.
وقال ابن كثير: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ أي: "أضاءت يوم القيامة إذا تجلى - الحق جل وعلا - للخلائق لفصل القضاء" أ. هـ٢.
وقال الشوكاني: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ .
الإشراق: الإضاءة، يقال أشرقت الشمس: إذا إضاءت وشرقت: إذا طلعت، ومعنى ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ بعدل ربها قاله الحسن وغيره.
وقال الضحاك: بحكم ربها، والمعنى: أن الأرض أضاءت وأنارت بما أقامه الله من العدل بين أهلها، وما قضى به من الحق فيهم، فالعدل نور والظلم ظلمات.
وقيل: "إن الله يخلق نورًا يوم القيامة يلبسه وجه الأرض فتشرق به غير نور الشمس، والقمر، ولا مانع من الحمل على المعنى الحقيقي، فإن الله - سبحانه - هو نور السموات والأرض" أ. هـ٣.
وحمله على الحقيقة هو الصواب لأن النور صفة كمال وضده نقص ولقد وصف الله - تعالى - نفسه بصفة النور حيث قال جل ثناؤه: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٤ الآية. فلا ينكر صفة النور التي اتصف الله بها - إلا من أشرب قلبه بمرض التعطيل أعاذنا الله منه.
قال العلامة ابن القيم: عند قوله - تعالى ـ: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ "فأخبر أن الأرض يوم القيامة تشرق بنوره وهو نوره الذي هو نوره فإنه - سبحانه - يأتي لفصل القضاء بين عباده وينصب كرسيه بالأرض فإذا جاء الله - تعالى - أشرقت الأرض وحق لها أن تشرق بنوره وعند المعطلة لا يأتي ولا يجيء ولا له نور تشرق به الأرض" أ. هـ٥.
_________________
(١) جامع البيان ٢٤/٣٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٦/١١١.
(٣) فتح القدير ٤/٤٧٦، وانظر الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٨٢.
(٤) سورة النور آية: ٣٥.
(٥) مختصر الصواعق المرسلة ٢/١٩٣.
[ ٥٨٦ ]
صفة هذه الأرض:
لقد بين النبي ﷺ صفة أرض المحشر التي يقف عليها الخلائق للحساب وللجزاء العادل وكيف هي:
فقد جاء عن سهل بن سعد رضي الله - تعالى - عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي" قال سهل - أو غيره - ليس فيها معلم لأحد١.
فمن هذه الصفات الواردة في هذا الحديث يتبين أن تلك الأرض التي يقف عليها العباد يوم القيامة بين يدي ربّهم ﵎ هي أرض مغايرة لأرض الدنيا، وليس بينهما أي تشابه فأرض الموقف لها صفات أخرى، وأرض الدنيا لها صفات أخرى، وأن أرض الدنيا التي يعرفها الخالق ستنتهي وتضمحل وتحل محلها أرض أخرى هي أكبر منها وأطهر.
وقوله ﷺ في الحديث "عفراء" للعلماء في هذه الكلمة عدة تفاسير نقلها عنهم الحافظ ابن حجر ﵀ تعالى - فقال: "قال الخطابي: العفر بياض ليس بالناصع".
وقال عياض: "العفر بياض يضرب إلى حمرة قليلًا ومنه سمي عفر الأرض وهو وجهها".
وقال ابن فارس٢: معنى عفراء: خالصة البياض.
وقال الداودي: شديدة البياض.
قال ابن حجر: "كذا قال والأول هو المعتمد" أ. هـ٣.
فالحافظ ﵀ رجح من هذه الأقوال قول الخطابي وهو أن معنى كلمة "عفراء"
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح ١١/٣٧٢، صحيح مسلم بشرح النووي ١٧/١٣٤.
(٢) هو أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي أبو الحسين من أئمة اللغة والأدب أصله من قزوين ولد سنة سبع وعشرين وثلاثمائة وتوفي سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. انظر ترجمته في: "وفيات الأعيان"١/٣٥، والأعلام ١/١٨٤.
(٣) الفتح ١١/٣٧٥.
[ ٥٨٧ ]
هو البياض غير الناصع ومعنى قوله ﵊ في الحديث: "كقرصة النقي" بفتح النون وكسر القاف أي: الدقيق النقي من الغش والنخالة قاله الخطابي.
ومعنى قوله ﷺ: "ليس فيها معلم لأحد، أو علم كما في رواية مسلم هما بمعنى واحد".
قال الخطابي: يريد أنها مستوية والمعلم - بفتح الميم واللام - بينهما مهملة ساكنة: هو الشيء الذي يستدل به على الطريق.
وقال عياض: المراد أنها ليس فيها علامة سكن ولا بناء ولا أثر ولا شيء من العلامات التي يهتدى بها في الطرقات كالجبل والصخرة البارزة.
قال الحافظ: "وفيه تعريض بأرض الدنيا وأنها ذهبت وانقطعت العلاقة منها".
وقال الداودي: "المراد أنه لا يحوز أحد منها شيئًا إلا ما أدرك منها".
وقال ابن أبي جمرة١: "وفيه دليل على عظيم القدرة، والإعلام بجزئيات يوم القيامة ليكون السامع على بصيرة فيخلص نفسه من ذلك الهول لأن في معرفة جزئيات الشيء قبل وقوعه رياضة النفس وحملها على ما فيه خلاصها بخلاف مجيء الأمر بغتة وفيه إشارة إلى أن أرض الموقف أكبر من هذه الأرض الموجودة جدًا، والحكمة في الصفة المذكورة أن ذلك اليوم يوم عدل وظهور حق فاقتضت الحكمة أن يكون المحل الذي يقع فيه ذلك طاهرًا عن عمل المعصية والظلم، وليكون تجليه - سبحانه - على عباده المؤمنين على أرض تليق بعظمته ولأن الحكم فيه إنما يكون لله - وحده - فناسب أن يكون المحل خالصًا له وحده" أ. هـ٢.
وقال ﵊: "يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر"٣.
_________________
(١) هو محمد بن أحمد بن عبد الملك بن أبي جمرة الأموي بالولاة أبو بكر: فقيه مالكي من أعيان الأندلس، ولد بمرسية سنة ثماني عشرة وخمسمائة وتوفي سنة تسع وتسعين وخمسمائة. انظر ترجمته في: "شذرات الذهب" ٤/٣٤٢، والأعلام ٦/٢١٣.
(٢) الفتح ١١/٣٧٥.
(٣) رواه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁. انظر الفتح ٨/٣٩٥.
[ ٥٨٨ ]
"ومعناه يبلغ أولهم وآخرهم لاستواء الأرض فلا يكون فيها ما يستتر به أحد من الرائي"١.
والذي يريده ﵊ أرضًا مستوية لا جبل فيها ولا أكمة ولا ربوة ولا وهدة أرض بيضاء نقية لم يسفك عليها دم ولا عمل عليها خطيئة ولا ارتكب فيها محرم"٢.
بيان خلاف العلماء في أرض المحشر:
إن تبديل هذه الأرض بأرض أخرى جديدة مما وقع الخلاف فيه بين السلف قال الحافظ ابن حجر: "وقد وقع للسلف في ذلك خلاف في المراد بقوله - تعالى - ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ﴾ الآية٣.
"هل معنى تبديلها تغيير ذاتها وصفاتها، أو تغيير صفاتها فقط" أ. هـ٤ فقد بين الحافظ: بقوله هذا أن للعلماء في ذلك قولين:
القول الأول: أن التبديل يكون في ذاتها وصفاتها.
القول الثاني: أن التغيير إنما يحصل في صفاتها فقط.
ثم أخذ ﵀ تعالى - في ذكر أدلة الفريقين، فمما ذكره من أدلة الفريق الأول ما يأتي:
١ - حديث سعد المتقدم في بيان صفة أرض المحشر.
٢ - ما أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد والطبري في تفاسيرهم والبيهقي في الشعب من طريق عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود في قوله - تعالى - ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ ﴾ الآية قال: تبد الأرض أرضًا كأنها فضة لم يسفك فيها دم حرام ولم يعمل عليها خطيئة. ورجاله رجال الصحيح وهو موقوف، وأخرجه البيهقي من وجه آخر مرفوعًا وقال: الموقوف أصح، وأخرجه الطبري والحاكم من طريق عاصم عن زر بن حبيش عن ابن مسعود بلفظ "أرض بيضاء كأنها سبيكة فضة" ورجاله موثقون أيضًا.
_________________
(١) الفتح ٨/٣٩٦.
(٢) انظر شرح الطحاوية ص٢٥٢، وانظر تكملة شرح الصدور ص١٨ "مخطوط".
(٣) سورة إبراهيم آية: ٤٨.
(٤) فتح الباري ١١/٣٧٥.
[ ٥٨٩ ]
ولأحمد من حديث أبي أيوب "أرض كالفضة البيضاء فأين الخلق يومئذ؟ قال: هم أضياف الله لن يعجزهم ما لديه".
وللطبري من طريق سنان بن سعد عن أنس مرفوعًا "يبدلها الله بأرض من فضة لم يعمل عليها الخطايا" وعن علي موقوفًا نحوه من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد: "أرض كأنها فضة والسموات كذلك" وعن علي: "السموات من ذهب".
وعن عبد من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة قال: "بلغنا أن هذه الأرض يعني أرض الدنيا وإلى جنبها أخرى يحشر الناس منها إليها".
وفي حديث الصور الطويل "تبدل الأرض غير الأرض والسموات فيبسطها ويسطحها ويمدها مد الأديم العكاظي لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة فإذا هم في الأرض المبدلة في مثل مواضعهم من الأولى ما كان في بطنها كان في بطنها وما كان في ظهرها كان عليها".
قال الحافظ: "وهذا يؤخذ منه أن ذلك يقع عقب نفخة الصعق بعد الحشر الأول ويؤيده قوله - تعالى - ﴿وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ ١".
وبعد أن فرغ الحافظ من نقله حجج القول الأول وهو قول من قال: "بأن التغيير يحصل في ذات أرض الدنيا وصفاتها" شرع في ذكر أدلة الفريق الثاني القائل بأن التغيير يحصل في صفات الأرض وليس في ذاتها فقال: "وأما من ذهب إلى أن التغيير إنما يقع في صفات الأرض دون ذاتها فمستنده ما أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمرو قال: "إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وحشر الخلائق".
ومن حديث جابر رفعه: "تمد الأرض مد الأديم ثم لا يكون لابن آدم منها إلا موضع قدميه" ورجاله ثقات. إلا أنه اختلف على الزهري في صحابيه.
ووقع في تفسير الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله - تعالى - ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ ٢
قال: "يزاد فيها وينقص منها ويذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها وتمد مد الأديم
_________________
(١) سورة الانشقاق آية: ٣ - ٤.
(٢) سورة إبراهيم آية: ٤٨.
[ ٥٩٠ ]
العكاظي" وعزاه الثعلبي في تفسيره لرواية أبي هريرة وحكاه البيهقي عن أبي منصور الأزهري وبعد عرضه لأدلة الفريق الثاني قال: "وهذا وإن كان ظاهره يخالف القول الأول فيمكن الجمع بأن ذلك كله يقع لأرض الدنيا لكن أرض الموقف غيرها" أ. هـ١.
أما العلامة ابن جرير فقد أجمل الأقوال في أرض المحشر في خمسة أقوال ونسب كل قول إلى قائله من السلف عند قوله - تعالى - ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ ٢ حيث قال ﵀: "واختلف في معنى قوله ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ ".
فقال بعضهم: معنى ذلك يوم تبدل الأرض التي عليها الناس اليوم في دار الدنيا غير هذه الأرض فتصير أرضًا بيضاء كالفضة. وقد عزا هذا القول إلى عبد الله بن مسعود وعمرو بن ميمون ومجاهد.
وقال آخرون: تبدل نارًا وقد أسند هذا القول إلى ابن مسعود أيضًا وذكر له روايتين ليستا مرفوعتين.
وقال آخرون: بل تبدل الأرض أرضًا من فضة، وقد عزا هذا القول إلى أنس بن مالك وابن عباس وعلي بن أبي طالب إلا أنه لم يبين من سمعها عن علي ﵁.
وقال آخرون: يبدلها خبزة وقد بين بأن القائل بهذا القول هو سعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي، أو عن محمد بن قيس.
وقال آخرون: تبدل الأرض غير الأرض وقد عزا هذا القول إلى كعب ورواية عن أبي هريرة مرفوعة ولم يسم الراوي عنه وإلى عمرو بن ميمون الأودي٣.
وبعد أن انتهى من عرض الأقوال ونسبتها إلى أصحابها اختار قولًا منها ورجحه.
فقال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: يوم تبدل الأرض التي نحن عليها اليوم يوم القيامة غيرها وكذلك السموات - اليوم تبدل غيرها كما قال جل ثناؤه، وجائز أن تكون نارًا، وجائز أن تكون خبزًا، وجائز أن تكون غير ذلك، ولا خبر في ذلك
_________________
(١) انظر فتح الباري ١١/٣٧٥ - ٣٧٦.
(٢) سورة إبراهيم آية: ٤٨.
(٣) جامع البيان ١٣/٢٤٩ - ٢٥٢، التذكرة للقرطبي ص١٩١ - ١٩٢.
[ ٥٩١ ]
عندنا من الوجه الذي يجب التسليم له أي ذلك يكون فلا قول في ذلك يصح إلا ما دل عليه ظاهر التنزيل" أ. هـ١.
وهذا القول الذي رجحه ابن جرير هو الذي دل عليه ظاهر القرآن والسنة.
فأما القرآن فقد تقدم قوله - تعالى - ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لله الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ٢.
وأما السنة فقد روى مسلم ﵀ تعالى - من حديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: كنت قائمًا عند رسول الله ﷺ فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد وذكر الحديث وفيه فقال اليهودي: أين يكون الناس ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ فقال رسول الله ﷺ: "هم في الظلمة دون الجسر " الحديث٣.
وروي أيضًا: من حديث عائشة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن قوله - تعالى - ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ فأين يكون الناس يومئذ؟ قال: "على الصراط"٤.
وروى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فأين يكون الناس؟ قال: "على الصراط يا عائشة" قال هذا حديث حسن صحيح٥.
وخرّج عن مجاهد قال: قال ابن عباس أتدري ما سعة جهنم؟ قلت: لا، قال أجل والله ما تدري حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قالت: قلت: فأين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: "على جسر جهنم" - قال - وهذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه٦.
_________________
(١) جامع البيان ١٣/٢٥٤.
(٢) سورة إبراهيم آية: ٤٨.
(٣) صحيح مسلم ١/٢٥٢.
(٤) صحيح مسلم ٤/٢١٥٠.
(٥) سنن الترمذي ٤/٣٥٩.
(٦) المصدر السابق ٥/٥١ - ٥٢.
[ ٥٩٢ ]
فهذه الأحاديث المتقدمة نص في أن الأرض والسموات تبدل وتزال ويخلق الله أرضًا أخرى يكون عليها الناس بعد كونهم على الجسر وهو الصراط لا كما قال كثير من الناس: أن تبديل الأرض عبارة عن تغيير صفاتها وتسوية آكامها ونسف جبالها ومد أرضها إذ هذا هو ما يحصل لأرض الدنيا أما أرض الموقف فهي غيرها والله أعلم.
_________________
(١) التذكرة للقرطبي ص:١٩١.
[ ٥٩٣ ]
المبحث الخامس: كتاب الأعمال
لقد دلت السورة على أن من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكتاب الأعمال الذي يسجل فيه كل ما يعمله العبد في هذه الحياة الدنيا من خير أو شر.
قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ .
ووجه دلالة هذه الآية على الإيمان بكتاب الأعمال بقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ أي: ووضعت صحف الأعمال لكل فرد من العباد فمنهم الآخذ كتابه بيمينه، ومنهم الآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره.
قال ابن جرير ﵀ تعالى ـ: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ يعني: كتاب أعمالهم لمحاسبتهم ومجازاتهم.
وروى بإسناده إلى قتادة أنه قال: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ قال: "كتاب أعمالهم" أ. هـ١. وقال البغوي ﵀ تعالى ـ: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ أي: كتاب الأعمال٢ ومن هذا يتبين وجه دلالة السورة على أن من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكتاب الأعمال الذي يحصى فيه على ابن آدم كل ما عمله من خير، أو شر، وأن هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
_________________
(١) جامع البيان ٢٤/٣٢، تفسير ابن كثير ٦/١١١، الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٨٢، فتح القدير ٤/٤٧٦.
(٢) تفسير البغوي على حاشية الخازن ٦/٧١.
[ ٥٩٤ ]
وقد ثبت في كثير من آيات الكتاب العزيز والسنة المطهرة وإجماع علماء الإسلام أن - الباري سبحانه - سيؤتي كل عبد من عباده يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا ويقال له: اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا فيقرأ في كتابه ذلك كلما قدمه في الدنيا من الخير والشر ويجد أن الملائكة قد سجلت كلما عمله فلم يتركوا منه صغيرة ولا كبيرة إلا دوّنوها في ذلك الكتاب ويكون الإنسان حسيب نفسه يوم القيامة، كما أخبرنا - الرب جل وعلا - بذلك في كتابه الكريم ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ ١.
وقد جعل الله مع كل إنسان ملكين يراقبانه ويحصيان عليه أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، فالذي عن يمينه مهمته كتابة الحسنات، والذي عن يساره مهمته كتابة السيئات، يراقبانه في كل صغيرة وكبيرة ويجازى على كل صغيرة وكبيرة عملها يوم القيامة ولأهمية كتاب الأعمال أكثر القرآن من ذكره ونوه بشأنه ليتنبه العباد له، وليتحرزوا من أن يكتب عليهم فيه ما لا يرضى - الرب جل شأنه - وعندما نمعن النظر في آيات القرآن الكريم التي وردت في شأن كتابة أعمال العبد وإحصائها نجد أنها جاءت في أساليب متعددة.
فتارة يسند - الرب ﵎ الكتابة إلى نفسه مع العلم بأن الذي يقوم بكتابة الأعمال هم الملائكة ولكنه ﵎ أسندها إلى نفسه للإهتمام البالغ بذلك.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ ٢.
وفي هذه الآية من التهديد والوعيد ما لا يقادر قدره.
ومعنى قوله - تعالى - في الآية ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ أي: "سنكتبه في صحف الملائكة، أو سنحفظه، والمراد الوعيد لهم وأن ذلك لا يفوت على الله بل هو معد لهم ليوم الجزاء"٣.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ ٤.
_________________
(١) سورة الإسراء آية: ١٤.
(٢) سورة آل عمران آية: ١٨١.
(٣) فتح القدير للشوكاني ١/٤٠٦.
(٤) سورة يس آية: ١٢.
[ ٥٩٥ ]
وتارة يخبر تعالى عن مراقبة الملائكة الشديدة للعبد في تسجيل ما يلفظه من الأقوال قال - تعالى - في شأن ذلك: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ١.
وتارة: يسند الله - تعالى - كتابة أعمال العبد إلى الكرام الكاتبين من الملائكة. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ٣.
وتارة: يسند - الباري سبحانه - كتابة أعمال العباد للمجهول للعلم به وهم الملائكة.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ٦.
فهذه الآيات المتقدمة دلت بوضوح على أنه يجب على كل إنسان أن يؤمن بصحف
_________________
(١) سورة ق آية: ١٧ - ١٨.
(٢) سورة الانفطار آية: ١٠ - ١٢.
(٣) سورة الزخرف آية: ٨٠.
(٤) سورة الزخرف آية: ١٩.
(٥) سورة التوبة آية: ١٢٠ - ١٢١.
(٦) سورة الكهف آية: ٤٩.
[ ٥٩٦ ]
الأعمال التي يقرؤها العباد، وهي الكتب التي كتبت فيها الملائكة ما فعله العباد في حياتهم الدنيا، فيجب الإيمان بأن الله ﷿ وكَّل بنا من ملائكته من يحفظنا، ويكتب أعمالنا وأقوالنا وهم الحافظون الكرام الكاتبون فكل ما يكتبه هؤلاء الملائكة يقرؤه العباد يوم القيامة، طبقًا لما عملوه، أو قالوه دون زيادة، أو نقصان.
وقد دلت السنة المطهرة في أحاديث متعددة على كتابة الملائكة لأعمال بني آدم فمن ذلك:
ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، ومثل المهجر١ كمثل الذي يهدي بدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كبشًا، ثم دجاجة، ثم بيضة، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم يستمعون الذكر" ٢.
وروى البخاري بإسناده إلى رفاعة بن رافع الزرقي قال: كنا يومًا نصلي وراء النبي ﷺ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: "سمع الله لمن حمده" قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: "من المتكلم؟ " قال: أنا قال: "رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أولًا" ٣.
وروى البخاري ومسلم أيضًا: بإسنادهما إلى عبد الله بن عباس ﵄ عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﷿ قال قال: "إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة فإن هو همَّ بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها كتبها الله له عنده سيئة واحدة" ٤.
وقد أرشد النبي ﷺ أمته إلى بعض الأعمال إن هم عملوها كتب الله لهم الأجر العظيم، والثواب الجزيل.
_________________
(١) مثل المهجر: المبكر كما في النهاية ٥/٢٤٦.
(٢) صحيح البخاري مع الفتح ٢/٤٠٧، صحيح مسلم ٢/٥٨٧.
(٣) صحيح البخاري مع الفتح ٢/٢٨٤.
(٤) صحيح البخاري مع الفتح ١١/٣٢٣، صحيح مسلم ١/١١٨.
[ ٥٩٧ ]
قال ﷺ: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك ومن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر" ١.
وعن مصعب بن سعد قال: حدثني أبي قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: "أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟ " فسأله سائل من جلسائه كيف يكسب أحدنا ألف حسنة قال: "يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة" ٢.
والأحاديث الواردة في هذا المعنى كثيرة جدًا فنكتفي بهذا القدر الذي قدمنا ذكره منها.
كيفية أخذ الكتاب:
لقد بين الله - تعالى - في كتابه الكريم الكيفية التي بها يأخذ العباد كتبهم يوم القيامة، وأنهم يأخذونها على هيئات مختلفة.
١ - فمنهم من يأخذ كتابه بيمينه.
٢ - ومنهم من يأخذ كتابه بشماله.
٣ - ومنهم من يعطى كتابه وراء ظهره.
فهذه الحالات الثلاث نص عليها القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَة * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ ٣.
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح ٦/٣٣٨ - ٣٣٩، صحيح مسلم ٤/٢٠٧١.
(٢) صحيح مسلم ٤/٢٠٧٣.
(٣) سورة الحاقة آية: ١٩ - ٢٩.
[ ٥٩٨ ]
فهذه الآيات صورت لنا مشهد من يأخذ كتابه بيمينه، ومن يأخذه بشماله وأما عن القسم الثالث فقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ ١.
فالقرآن الكريم حصر الكيفية في أخذ الكتب على ثلاث حالات فقط هذا على حسب ظاهر الآيات، ولكنها في واقع الأمر ترجع إلى حالتين إما أن يكون الأخذ باليمين وهذه للسعداء من أهل التوحيد والإيمان، وإما أن يكون الأخذ بالشمال وهذه حالة أهل الشقاوة والخسران ولذلك حصل الخلاف بين العلماء في الحالة الثالثة وهي حالة إيتاء الكافر كتابه من وراء ظهره ولكن نتيجة الخلاف يرجع إلى أن الكافر يتناول كتابه بشماله، وإليك بعض أقوال العلماء في ذلك:
قال سعيد بن المسيب: الذي يأخذ كتابه بشماله تلوى يده خلف ظهره، ثم يعطى كتابه، وقيل تنزع من صدره إلى خلف ظهر.
وقال مجاهد: في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ قال: تجعل شماله وراء ظهره فيأخذ بها كتابه٢.
وقال القرطبي: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ تخلع كتفه اليسرى، فتجعل يده خلفه فيأخذ بها كتابه.
وقال مجاهد: "يحول وجهه في موضع قفاه فيقرأ كتابه"٣. وقراءة تلك الكتب تكون من القارئ وغير القارئ.
قال قتادة: "سيقرأ من لم يكن قارئًا في الدنيا"٤.
وقال الحسن: "يقرأ الإنسان كتابه أميًا، أو غير أمي" ٥.
وبقراءة الإنسان كتابه تظهر له نتيجة أعماله، وأقواله حسنة كانت أم قبيحة.
_________________
(١) سورة الانشقاق آية: ١٠ - ١٥.
(٢) انظر لوامع الأنوار: ٢/١٨٢.
(٣) التذكرة ص٢٥٨، الجامع لأحكام القرآن ١٩/٢٧٢، وانظر تكملة شرح الصدور ص١٥، دفع إيهام الاضطراب ص٣١٢.
(٤) جامع البيان ١٥/٥٣.
(٥) التذكرة للقرطبي: ص٢٥٥.
[ ٥٩٩ ]
والحاصل: مما تقدم من الآيات والأحاديث أنه يجب على كل إنسان أن يؤمن بصحف الأعمال وقراءتها يوم القيامة كما يجب الإيمان بأن الكرام الكاتبين يسجلون أعمال الإنسان الفعلية، والقولية، وكذلك النية لأنها فعل القلب يشملها عموم قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ١ ويشهد لهذا قوله ﷺ: "قال الله ﷿ إذا همَّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها عليه سيئة، وإذا همَّ عبدي بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها عشرًا" ٢.
وقال ﷺ: "قالت الملائكة: ذاك عبد يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما تركها من جراي"٣.
فلا مجال لمن ينكر صحف٤ الأعمال وهو يتلو تلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تلقاها سلف الأمة وأئمتها بالقبول ولا خلاف بينهم في ثبوت صحف الأعمال وأخذها باليمين، أو بالشمال، فيجب الإذعان لتلك النصوص وقبولها، والتسليم بما ترمي إليه ومن أنكر ذلك كفر بدين الإسلام.
قال محمد بن أحمد السفاريني: "والحاصل أن نشر الصحف وأخذها باليمين والشمال مما يجب الإيمان به وعقد القلب بأنه حق لثبوته بالكتاب والسنة والإجماع"٥.
_________________
(١) سورة الانفطار آية: ١٢.
(٢) صحيح مسلم ١/١١٧ من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) المصدر السابق ص١١٨.
(٤) انظر "التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع" ص١١١ فإنه بين بأن الجهم بن صفوان ينكر صحف الأعمال.
(٥) لوامع الأنوار البهية ٢/١٨١.
[ ٦٠٠ ]
المبحث السادس: جزاء الأعمال يوم القيامة
لقد دلت السورة على أن من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بجزاء الأعمال وأن كل إنسان لا بد أن يوفى جزاء عمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ .
هذه ست آيات من السورة دلت على إثبات الجزاء على الأعمال يوم القيامة، وأن ذلك الجزاء سيكون طبقًا لأعمال الإنسان التي قدمتها يداه في هذه الحياة الدنيا.
فالآية الأولى: وهي قوله - تعالى ـ: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بين الله فيها أن مرجع العباد إليه يوم القيامة وسيخبرهم بأعمالهم التي أحاط بها علمه، وجرى بها قلمه، وكتبتها عليهم الحفظة، وشهدت بها جوارحهم، فيجازي كلًا منهم بما يستحق، وهو - سبحانه - العليم بنفس الصدور، وما تنطوي عليه من وصف بر، أو فجور والغرض من هذا إخباره - تعالى - بالجزاء بالعدل التام.
[ ٦٠١ ]
قال ابن جرير: عند قوله - تعالى - ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
يقول تعالى ذكره: ثم بعد اجتراحكم في الدنيا ما اجترحتم من صالح وسيئ وإيمان وكفر أيها الناس، إلى ربكم مصيركم من بعد وفاتكم فينبئكم يقول: فيخبركم بما كنتم في الدنيا تعملونه من خير وشر، فيجازيكم على كل ذلك جزاءكم، المحسن بإحسانه، والمسيء بما يستحقه.
يقول ﷿: "فاتقوا أن تلقوا ربكم وقد عملتم في الدنيا بما لا يرضاه منكم فتهلكوا، فإنه لا يخفى عليه عمل عامل منكم" أ. هـ١.
وأما الآية الثانية: وهي قوله - تعالى - ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ .
بين الله - تعالى - فيها أنه لا مساواة ولا التقاء بين من هداه الله ووفقه لسلوك الطريق الذي يوصله إلى طريق الجنة التي هي دار الكرامة وبين من كان في الضلال واستمر على عناده حتى قدم على الله يوم القيامة فجاءه عذاب الله الذي لا يقادر قدره، فجعل يتقيه بوجهه الذي هو أشرف الأعضاء، وأقل شيء من العذاب يؤثر فيه فهو يتقي به سوء العذاب لأن يديه ورجليه قد غلت وألقي في نار جهنم وفاقًا لكسبه الذي كسبته يداه في دنياه، فآثر الكفر على الإيمان والشرك على التوحيد فكان من أصحاب النار.
قال البغوي ﵀ تعالى - ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أي: شدته يوم القيامة.
قال مجاهد: يجر وجهه في النار.
وقال عطاء: يرمى به في النار منكوسًا فأول شيء تمسه النار وجهه.
قال مقاتل: هو أن الكافر يرمى به في النار مغلولة يداه إلى عنقه وفي عنقه صخرة مثل جبل عظيم من الكبريت فتشتعل النار وهو معلق في عنقه فحرها ووهجها على وجهه لا يطيق دفعها عن وجهه للأغلال التي في عنقه ويده، ومجاز الآية ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾
_________________
(١) جامع البيان ٢٣/١٩٨.
[ ٦٠٢ ]
كمن هو آمن من العذاب. وقيل: يعني تقول الخزنة ﴿لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي: وباله أ. هـ١.
وقال العلامة ابن جرير: حول هذه الآية: "اختلف أهل التأويل في صفة اتقاء هذا الضال بوجهه سوء العذاب".
فقال بعضهم: "هو أن يرمى به في جهنم مكبوبًا على وجهه فذلك اتقاؤه إياه وقد أسند هذا القول إلى مجاهد ﵀ تعالى ـ.
وقال آخرون: هو أن ينطلق به إلى النار مكتوفًا ثم يرمى به فيها، فأول ما تمس النار وجهه، وهذا قول يذكر عن ابن عباس من وجه كرهت أن أذكره لضعف سنده، وهذا أيضًا مما ترك جوابه استغناء بدلالة ما ذكر من الكلام عليه عنه، ومعنى الكلام: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة خيرًا أم من ينعم في الجنان؟
وقوله: ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ يقول: "ويقال يومئذ للظالمين أنفسهم بإكسابهم إياها سخط الله، وذوقوا اليوم أيها القوم وبال ما كنتم في الدنيا تكسبون من معاصي الله" أ. هـ٢.
وأما الآية الثالثة والرابعة - والخامسة - من الآيات الست السابقة: وهي قوله - تعالى - ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
فقد أخبر الله - تعالى - فيها بأن الذي جاء بالصدق في قوله وعمله ويدخل في ذلك الأنبياء ومن قام مقامهم فصدق فيما قاله من الأخبار عن الله وأحكامه، وفيما فعله من خصال الصدق، وصدّق بذلك إذ الإنسان قد يأتي بالصدق ولكنه لا يصدق به بسبب ما حل بقلبه من الكبر والعناد والإحتقار لمن قاله، وجاء به، فلا بد من الصدق والتصديق، فالذين وفقوا للجمع بين الأمرين فإن الجزاء الذي ينتظرهم عند الله هو ما لا عين رأت ولا أذن
_________________
(١) معالم التنزيل للبغوي على حاشية تفسير الخازن ٦/٦٢.
(٢) جامع البيان ٢٣/٢١١ - ٢١٢، وانظر تفسير ابن كثير ٦/٨٩.
[ ٦٠٣ ]
سمعت ولا خطر على قلب بشر، فكل ما تعلقت به مشيئتهم، وإرادتهم من أنواع اللذات والمشتهيات فإن ذلك حاصل ومهيئ ومعد لهم عند الله - تعالى - في الجنات.
﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ وهم الذين يعبدون ربهم كأنهم يرونه فإن لم يكونوا يروه فإنه يراهم، وإضافة إلى ذلك أنهم يحسنون إلى عباد الله.
ومن إكرام الله لهؤلاء المتقين المحسنين أنه - تعالى - يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا ويثيبهم بأحسن الذي كانوا يعملون ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
ومن هذه الآية أيضًا: يتبين أن عمل الإنسان له حالات ثلاث:
الحالة الأولى: إما أن يكون عملًا أسوأ.
الحالة الثانية: أن يكون عملًا أحسن.
الحالة الثالثة: أن يكون عملًا لا أسوأ ولا أحسن وهذه الحالة الأخيرة هي العمل المباح الذي لا يتعلق به ثواب ولا عقاب وهذه الحالة الأخيرة لم تذكر في الآية كالحالتين قبلها.
والعمل الأسوأ هي المعاصي كلها، والعمل الأحسن هي الطاعات كلها، وبمعرفة هذه الحالات الثلاث يتضح معنى الآية ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ فيكون المراد بها صغائر الذنوب بسبب إحسانهم وتقواهم.
﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بحسناتهم كلها ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١.
قال مقاتل: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
قال: "يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم ولا يجزيهم بالمساوئ"٢.
وقال العلامة ابن جرير: وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾
_________________
(١) سورة النساء آية: ٤٠.
(٢) تفسير البغوي المسمى "معالم التنزيل على حاشية تفسير الخازن ٦/٦٤".
[ ٦٠٤ ]
يقول تعالى ذكره: لهم عند ربهم يوم القيامة ما تشتهيه أنفسهم وتلذه أعينهم ذلك جزاء المحسنين.
يقول تعالى ذكره: هذا الذي لهم عند ربهم جزاء من أحسن في الدنيا فأطاع الله فيها وائتمر لأمره، وانتهى عما نهاه فيها عنه.
وقال أيضًا: ﵀ تعالى - عند قوله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
يقول تعالى ذكره: وجزى هؤلاء المحسنين ربهم بإحسانهم، كي يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا في الدنيا من الأعمال، فيما بينهم وبين ربهم، بما كان منهم فيها من توبة، وإنابة، مما اجترحوا من السيئات فيها.
﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ يقول: "ويثيبهم ثوابهم ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا﴾ في الدنيا ﴿يَعْمَلُونَ﴾ مما يرضي الله عنهم دون أسوئها" أ. هـ١.
وأما الآية السادسة: وهي قوله - تعالى - ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ .
بينت أنه - تعالى - سيوفي كل نفس يوم القيامة جزاء عملها بالعدل التام، والقسط العظيم لأنه جزاء صادر ممن لا يظلم مثقال ذرة، وممن هو محيط بكل شيء، وكتابه الذي هو اللوح المحفوظ محيط بكل ما عملوه والحفظة الكرام الذين لا يعصون ربهم طرفة عين قد كتبوا كل ما عمله بنو آم، وسيجازي - سبحانه - العباد على أعمالهم بما يستحقون من الثواب والعقاب ولذلك قال - جل شأنه - ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ .
قال عطاء: "يريد أني عالم بأفعالهم لا أحتاج إلى كاتب ولا إلى شاهد"٢.
وقال ابن جرير حول هذه الآية: "يقول تعالى ذكره ووفى الله حينئذ كل نفس جزاء عملها من خير وشر وهو أعلم بما يفعلون في الدنيا من طاعة، أو معصية ولا يعزب عنه علم
_________________
(١) جامع البيان ٢٤/٥.
(٢) معالم التنزيل للبغوي على تفسير الخازن ٦/٧١.
[ ٦٠٥ ]
شيء من ذلك وهو مجازيهم عليه يوم القيامة فمثيب المحسن بإحسانه، والمسيء بما أساء" أ. هـ١.
ومما قدمنا يتبين وجه دلالة السورة على وجوب الإيمان بجزاء الأعمال وأنه - تعالى - سيجزي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
ولقد جاء ذكر الجزاء، والحث على الإيمان به في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ذلك لأن يوم القيامة هو اليوم الفاصل بين هذه الحياة الدنيا، وبين الحياة الآخرة، ولأن من مقاصد البعث بعد الموت هو أن يجازي كل عامل وفق عمله في دنياه، ولأن أعمال الخلائق تختلف اختلافًا كثيرًا من إنسان لآخر ومن أمة لأخرى ولذلك قال ﷻ ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ ٢.
فالله - جل وعلا - سيظهر أعمال كل إنسان نصب عينيه فاقتضى الحال أنه لا بد أن يكون جزاء كل إنسان من جنس عمله.
قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ ٤.
"والدين هو الجزاء، فيقال كما تدين تدان أي: كما تجازي تجازى"٥.
وقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ٦.
وقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٧.
_________________
(١) جامع البيان ٢٤/٣٣.
(٢) سورة الليل آية: ٤.
(٣) سورة القصص آية: ٨٤.
(٤) سورة النور آية: ٢٥.
(٥) شرح الطحاوية ص ٤٦٥.
(٦) سورة الأنعام آية: ١٦٠.
(٧) سورة النمل آية: ٨٩ - ٩٠.
[ ٦٠٦ ]
وقال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿جَزَاءًا وِفَاقًَا﴾ ٢ أي: "موافقًا لأعمالهم" ٣.
والآيات في إثبات الجزاء على الأعمال يوم القيامة كثيرة جدًا ويكفينا منها هنا هذا القدر المتقدم.
وقد وردت أحاديث صحيحة في السنة المطهرة دلت على إثبات جزاء الأعمال يوم القيامة.
ومن تلك الأحاديث: قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿ أنه قال " يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" ٤.
ومن الأحاديث التي دلت على ثبوت جزاء الأعمال يوم القيامة الحديث الطويل الذي بين فيه النبي ﷺ عقوبة مانعي الزكاة في الذهب والفضة والإبل، والبقر والغنم، وبين فيه أن الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وفي هذا الحديث أنه قيل يا رسول الله فالحمر٥ قال: "ما أنزل علي في الحمر٦ شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ٧.
وقوله ﷺ: "ما أنزل الله علي في الحمر شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة" معنى الفاذة القليلة النظير والجامعة أي: العامة المتناولة لكل خير ومعروف وفيه إشارة إلى التمسك بالعموم٨.
_________________
(١) سورة السجدة آية: ١٧.
(٢) سورة النبأ آية: ٢٦.
(٣) تفسير النسفي ٤/٣٢٧، وانظر جامع البيان ٣٠/١٥.
(٤) رواه مسلم من حديث أبي ذر ﵁ ٤/١٩٩٣ - ١٩٩٥.
(٥) "جمع حمار" أي: فما حكمها.
(٦) أي: لم ينزل علي فيها نص بعينها.
(٧) رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ ٢/٦٨٢ - ٦٨٣ والآيتان من سورة الزلزلة آية: ٧ - ٨.
(٨) شرح النووي على صحيح مسلم ٧/٦٧.
[ ٦٠٧ ]
وفي الحديث دلالة على أن كل إنسان سيرى جزاء عمله ويوفى به إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
ومنها ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله - تعالى - عنه قال: قام فينا رسول الله ﷺ فذكر الغلول - فعظمه وعظم أمره قال: "لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة ١. يقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، أو على رقبته بعير له رغاء٢ يقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، أو على رقبته رقاع٣ تخفق فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك"٤.
وقال البخاري ﵀ تعالى ـ: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شبيب عن الزهري قال أخبرني عروة عن أبي حميد الساعدي أنه أخبره أن رسول الله ﷺ استعمل عاملًا فجاء العامل حيث فرغ من عمله فقال يا رسول الله هذا لكم وهذا أهدي إلي فقال له: "أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك فنظرت أيهدى لك أم لا؟ " ثم قام رسول الله ﷺ عشيّة بعد الصلاة فتشهد وأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: "أما بعد فما بال العامل نستعمله فيأتينا فيقول هذا من عملكم وهذا أهدي لي؟ أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فنظر هل يهدى له أم لا؟ فوالذي نفس محمد بيده لا يغل أحدكم منها شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه إن كان بعيرًا جاء به له رغاء، وإن كان بقرة جاء بها لها خوار٥ وإن كانت شاة جاء بها تيعر٦ فقد بلغت" فقال أبو حميد، ثم رفع رسول الله ﷺ يده حتى إنا لننظر إلى عفرة إبطيه، قال أبو حميد: وقد سمع ذلك معي زيد بن ثابت من النبي صلى الله عليه وسلم٧.
هذان الحديثان فيهما بيان لخطورة الغلول، وفيهما دلالة واضحة على أن الجزاء من جنس العمل.
_________________
(١) جاء في النهاية لابن الأثير: الحمحمة: صوت الفرس دون الصهيل ١/٤٣٦.
(٢) جاء في النهاية: الرغاء: صوت الإبل ٢/٢٤٠.
(٣) قال ابن الأثير: أراد بالرقاع ما عليه من الحقوق المكتوبة في الرقاع. النهاية ٢٢٥٣.
(٤) صحيح البخاري مع الفتح ٦/١٨٥، صحيح مسلم ٣/١٤٦١ - ١٤٦٢.
(٥) الخوار: صوت البقرة. النهاية ٢/٨٧.
(٦) هو صوت الشاة الشديد، ذكره الحافظ في الفتح ١٣/١٦٦.
(٧) صحيح البخاري ٤/١٤٩، وانظر سنن أبي داود ٢/١٢١ - ١٢٢.
[ ٦٠٨ ]
وهذه العقوبة التي ذكرت في الحديثين السابقين للغال تحصل له على وجه الحقيقة كما ذكرها النبي ﷺ.
قال القرطبي: "قال علماؤنا ﵏ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ١ أن ذلك على الحقيقة كما بينه ﷺ أي: يأت به حاملًا له على ظهره ورقبته معذبًا بحمله وثقله ومرعوبًا بصوته، وموبخًا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد"٢.
والذي نخلص إليه مما تقدم من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة أنه يجب على كل مسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا بأن الله - تعالى - سيجازي المكلفين من عباده بحسب كسبهم الإرادي الإختياري الذي كسبوه في هذه الحياة الدنيا لأن الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ٣.
فالعباد يعيشون في هذه الدنيا متفاوتين تفاوتًا عظيمًا في الأرزاق، والآجال، والأعمال، وفي السعادة والشقاوة، فمنهم الظالم العنيد، ومنهم المظلوم المغلوب، ومنهم الذليل، ومنهم الصحيح السليم، ومنهم المريض، ومنهم الغني الثري، ومنهم الفقير، ومنهم العزيز ومنهم الذليل، ومنهم المحسن، ومنهم المسيء، فاقتضت حكمة الله وعدله أنه لا بد من أن يجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته ولو أنهم يموتون عند انقضاء الآجال ولا يبعثون لكان ذلك منافيًا للحكمة، مجانبًا للعدل والرحمة، ولذلك قضى الله ﷿ بالبعث والجزاء وحكم بهما فهما كائنان لا محالة، ولذلك أمر الله ﵎ رسوله محمدًا ﷺ أن يقسم على وقوعهما، قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ * إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٥.
_________________
(١) سورة آل عمران آية: ١٦١.
(٢) التذكرة للقرطبي ص٢٩٦، وانظر "فتح الباري" ٦/١٨٦.
(٣) سورة آل عمران آية:١٨٥.
(٤) سورة التغابن آية: ٧.
(٥) سورة النحل آية: ٣٨ - ٤٠.
[ ٦٠٩ ]
الفصل الثاني: النار دار الكافرين
المبحث الأول: كيفية دخول أهل النار النار
تمهيد
إن جهنم هي دار الذل والهوان والعذاب والخذلان، دار الشهيق والزفير، والأنين والعبرات، دار أهل البؤس والشقاء، والندامة والبكاء الأغلال تجمع بين أيديهم وأعناقهم، والنار تضطرم من تحتهم ومن فوقهم، دار شرب أهلها الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود، ومأكلهم من شجر الزقوم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم، يدعون على أنفسهم بالموت فلا يجابون، ويسألون ربهم الخروج منها فيقال لهم: إخسأوا فيها ولا تكلمون، يسحبون فيها على وجوههم وهم لا يبصرون، صراخهم عال، وعويلهم مرتفع، أهلها من المشركين والكافرين، يلقون فيها أمة بعد أمة جنهم وإنسهم كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اجتمعوا فيها اشتكت آخر أمة إلى الله تعالى أول أمة لأنهم هم الذين أضلوهم عن سواء السبيل، وتردّ أول أمة على آخر أمة لقد ضللتم كما ضللنا على الرغم من الحجج الكثيرة التي قامت علينا وعليكم في الدنيا على ألسنة الرسل ولو هدانا الله لهديناكم، سواء علينا وعليكم أصبرنا أم جزعنا ما لنا من خلاص، وقد تناولت سورة "الزمر" عدة أمور متعلقة بالنار التي هي دار الكافرين وهي ما سنتحدث عنها في المباحث الآتية:
[ ٦١٤ ]
المبحث الأول: كيفية دخول أهل النار النار
لقد جاء في السورة بيان الكيفية التي يدخل بها فريق الكفار دار البوار وذلك أنهم يساقون إليها سوقًا عنيفًا بواسطة الزبانية الغلاظ الشداد، يسوقونهم إلى شر محبس، وأفظع مكان وهي جهنم التي قد اجتمع فيها كل عذاب وحضرها كل شقاء وزال عنها كل سرور.
قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .
هذه الآية من السورة بينت أن الكافرين يساقون إلى جهنم على شكل جماعات متفرقة كل زمرة مع الزمرة التي تناسب عملها وتشاكل سعيها، والسوق هو الدفع إلى الأمام، وقد يكون دفعًا عنيفًا مصحوبًا بالإهانة والتحقير حتى إذا ما وصلوا إلى دار العذاب يجدون أبوابها مغلقة، فتفتح لهم، ويدفعون إليها تعجيلًا لهم بالعذاب المعد لهم فيها.
قال ابن جرير: "وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ﴾ يقول: وحشر الذين كفروا بالله إلى ناره التي أعدها لهم يوم القيامة جماعات، جماعة جماعة، وحزبًا حزبًا".
قال قتادة: في قوله: ﴿زُمَرًا﴾ قال: "جماعات" اهـ١.
وقال البغوي: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ﴾ سوقًا عنيفًا ﴿زُمَرًا﴾ أفواجًا بعضها على أثر بعض كل أمة على حدة.
_________________
(١) جامع البيان ٢٤/٣٤.
[ ٦١٥ ]
قال أبو عبيدة والأخفش: زمرًا أي: جماعات في تفرقة واحدتها زمرة ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ السبعة وكانت مغلقة قبل ذلك" اهـ.١.
وقال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ "يخبر - تعالى - عن حال الأشقياء الكفار كيف يساقون إلى النار وإنما يساقون سوقًا عنيفًا بزجر وتهديد ووعيد" اهـ٢.
وجاء في "تفسير روح المعاني" والسوق يقتضي الحث على المسير بعنف وإزعاج وهو الغالب ويشعر بالإهانة وهو المراد هنا أي سيقوا إليها بالعنف والإهانة أفوجًا متفرقة بعضها في أثر بعض مترتبة حسب ترتب طبقاتهم في الضلالة والشرارة" اهـ٣.
"وقد بين - تعالى - أن سوق الكافرين إلى جهنم مصحوب بالعنف وعدم التكريم بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ٤ أي: يدفعون دفعًا عنيفًا شديدًا بأن تغل أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم فيدفعون إلى النار ويطرحون فيها"٥.
كما أخبر - تعالى - بأنهم يساقون إليها وهم عطاش ظماء.
قال تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ٦.
قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: "ونسوق الكافرين بالله الذين أجرموا إلى جهنم عطاشًا" وساق بإسناده إلى ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ يقول: عطاشًا.
وقال قتادة في قوله ﴿إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ قال: "ظلماء إلى النار"٧.
وقال البغوي رحمه الله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ﴾ الكافرين الكاذبين ﴿إِلَى
_________________
(١) "معالم التنزيل" على حاشية تفسير الخازن ٦/٧١، وانظر زاد المسير ٧/١٩٩.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٦/١١٢.
(٣) ٢٤/٣١ - ٣٢.
(٤) سورة الطور آية: ١٣.
(٥) روح العاني ٢٧/٣٠، وانظر تفسير ابن كثير ٦/٤٣١.
(٦) سورة مريم آية: ٨٦.
(٧) جامع البيان ٢٦/١٢٧.
[ ٦١٦ ]
جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ يعني: مشاة وقيل: "عطاشًا قد تقطعت أعناقهم من العطش، والورد جماعة يردون الماء ولا يرد أحد الماء إلا بعد عطش" اهـ.١.
وقد بين - تعالى - أن الأمم الداخلة في جهنم يلعن بعضها بعضًا وأن الأتباع يلقون باللائمة على المتبوعين وقد صوّر هذا المشهد قوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ٢.
فقد بين تعالى في هاتين الآيتين: أنه كلما دخلت أمة من الأمم تابعة، أو متبوعة في النار فإنها تلعن أختها بمعنى: تدعو على نظيرتها في الدين، فتلعن التابعة المتبوعة التي أضلتها، وتلعن المتبوعة التابعة التي زادت في ضلالها.
قال أبو مسلم: يلعن الأتباع القادة يقولون: أنتم أوردتمونا هذه الموارد فلعنكم الله - تعالى ـ.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ غاية لما قبله أي: يدخلون فوجًا فوجًا لاعنًا بعضهم بعضًا إلى انتهاء تلاحقهم باجتماعهم في النار وعند ذلك تقول: أخراهم منزلة وهم الأتباع والسفلة لأولاهم منزلة وهم القادة والرؤساء، أو تقول: أخراهم دخولًا لأولاهم كذلك ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا﴾ أي: دعونا إلى الضلال وأمرونا به حيث سنوه فاقتدينا بهم ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا﴾ أي: مضاعفًا.
قال تعالى رادًا عليهم "لكل" منكم ومنهم عذاب "ضعف" من النار.
أما القادة فلضلالهم وإضلالهم، وذلك بسبب الدعاء السابق.
وأما كونهم مضلين فلأن اتخاذهم إياهم رؤساء يصدرون عن أمرهم يزيد في طغيانهم كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ ٣.
_________________
(١) "معالم التنزيل" على حاشية تفسير الخازن ٤/٢١١.
(٢) سورة الأعراف آية: ٣٨ - ٣٩.
(٣) روح المعاني للألوسي ٨/١١٦ والآية رقم (٦) من سورة الجن.
[ ٦١٧ ]
وقد أخبر تعالى أن أهل النار يلقون فيها أفواجًا: كما قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ١.
فقد بين - تعالى - أنه كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنتها: ألم يأتكم نذير يعني: سأل الفوج خزنة جهنم فقالوا لهم ألم يأتكم في الدنيا نذير ينذركم هذا العذاب الذي أنتم فيه؟ فيجيبونهم بأن النذير جاءهم وأنذرهم هذا العذاب ولكنهم كذبوه وزعموا بأنه في ذهاب عن الحق بعيد٢.
وأخبر - تعالى - أن الكافرين يحشرون إلى جهنم صمًا وبكمًا وعميًا ومنهم من يمشي على وجهه.
وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ٤.
روى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا قال: يا نبي الله يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة قال: "أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة". قال قتادة: بلى وعزة ربنا٥.
وروى الترمذي بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفًا مشاة وصنفًا ركبانًا وصنفًا على وجوههم" قيل: يا رسول الله؟ كيف يمشون على وجوههم؟ قال: "إن الذي أمشاهم على أقدامهم
_________________
(١) سورة الملك آية: ٨ - ١١.
(٢) جامع البيان ٢٩/٥.
(٣) سورة الإسراء آية: ٩٧.
(٤) سورة الفرقان آية: ٣٤.
(٥) صحيح البخاري ٣/١٦٩، صحيح مسلم ٤/٢١٦١.
[ ٦١٨ ]
قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كل جدب وشوكة". قال الترمذي: هذا حديث حسن١.
فتبين مما تقدم كيفية دخول أهل النار النار، وأنها حالة مؤلمة تقشعر منها الجلود، وتضطرب منها القلوب وأنها صورة مخيفة حيث يساقون إليها سوقًا عنيفًا مقرونًا بالإهانة والإذلال والتحقير، تكاد حلوقهم تتقطع من العطش والظمأ، يلعن بعضهم بعضًا، ويحشرون إليها صمًا، وبكمًا، وعميًا، وبعضهم يمشون إليها على وجوههم وأولئك شر مكانًا وأضل سبيلًا.
_________________
(١) السنن ٤/٣٦٧، ورواه أحمد في المسند ٢/٣٥٤ وفي لفظه "أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك".
[ ٦١٩ ]
المبحث الثاني: أبواب جهنم
لقد جاء في السورة ذكر أبواب جهنم مجملة، دون تحديد لعددها كما دلت على أن أبوابها تكون مغلقة، وأنها لا تفتح إلا عند مجيء أهلها إليها يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ .
فالمراد بالأبواب المذكورة في هذه الآية هي أبواب جهنم السبعة.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ١.
قال ابن جرير: "يقول تعالى ذكره لإبليس: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ﴾ لموعد من تبعك أجمعين ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ يقول: لجهنم سبعة أطباق، لكل طبق منهم يعني من أتباع إبليس جزء، يعني قسمًا ونصيبًا مقسومًا" اهـ٢.
وقال ابن كثير: "وقوله ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: جهنم موعد جميع من اتبع إبليس، كما قال عن القرآن ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ ٣ ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ أي: قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه لا محيد لهم عنه، أجارنا الله منها، وكل يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في درك بقدر عمله" اهـ٤.
وقال أبو عبد الله القرطبي: "قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يعني
_________________
(١) سورة الحجر آية: ٤٣ - ٤٤.
(٢) جامع البيان ١٤/٣٥.
(٣) سورة هود آية: ١٧.
(٤) تفسير القرآن العظيم ٤/١٦٢ - ١٦٣.
[ ٦٢٠ ]
إبليس ومن اتبعه ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ أي: أطباق، طبق فوق طبق ﴿لِكُلِّ بَابٍ﴾ أي: لكل طبقة ﴿مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ أي: حظ معلوم"اهـ١.
وكما جاء في الكتاب العزيز أن لجهنم سبعة أبواب، كذلك ورد في السنة المطهرة أن أبوابها سبعة كذلك روى الترمذي بإسناده إلى ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سل السيف على أمتي - أو قال على أمة محمد ـ" ثم قال الترمذي رحمه الله تعالى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول٢.
وقد فسر السلف الصالح قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ٣ بأن أبواب جهنم طبقات بعضها فوق بعض.
فقد أخرج ابن جرير بإسناده إلى علي ﵁ أنه قال: هل تدرون كيف أبواب النار؟ قالوا: كنحو هذه الأبواب قال: لا ولكن هكذا ووصف بعضها فوق بعض.
وقال أيضًا ﵁: "أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض فيمتلئ الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم تمتلئ كلها".
وقال عكرمة: في قوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ قال: لها سبعة أطباق. وقال ابن جريج: في قوله ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ قال: أولها جهنم، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، والجحيم فيها أبو جهل.
وقال قتادة: في قوله ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ هي: والله منازل بأعمالهم٤.
وقد جاء في بعض الآيات القرآنية أن أبواب جهنم تكون مغلقة على أهل النار.
قال تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ٥ أي: مطبقة مغلقة.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٠/٣٠.
(٢) سنن الترمذي ٤/٣٥٩ - ٣٦٠.
(٣) سورة الحجر آية: ٤٤.
(٤) جامع البيان ١٤/٣٥ - ٣٦، وانظر تفسير ابن كثير ٤٣/١٦٣.
(٥) سورة الهمزة آية: ٨.
[ ٦٢١ ]
وقال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ ١.
قال عبد الله بن عباس ﵄: مغلقة الأبواب.
وقال مجاهد: أصد الباب بلغة قريش أي: أغلقه٢.
وقال قتادة: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي: مطبقة، أطبقها الله عليهم فلا ضوء فيها ولا فرج، ولا خروج منها آخر الأبد.
وقال الضحاك: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مغلقة عليهم٣.
وقال مقاتل: في قوله تعالى ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ يعني: أبوابها مطبقة عليهم لا يفتح لها باب ولا يخرج منها غم ولا يدخل فيها روح آخر الأبد٤.
وقد بين ابن رجب ﵀ تعالى - أن هذه الأطباق نوعان:
أحدهما:
إطباق خاص وهو لمن يدخل في النار، أو من يريد الله التضييق عليه أجارنا الله من ذلك.
الثاني:
إطباق عام وهو إطباق النار على أهلها المخلدين فيها وقد قال سفيان وغيره في قوله تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ﴾ ٥ قالوا: "هو إطباق النار على أهلها"اهـ٦.
وقد قلنا فيما تقدم أن الآية التي صدرنا بها هذا المبحث وهي قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ فيها دلالة على أن أبواب جهنم لا تفتح إلا عند مجيء أهلها إليها يوم القيامة، وذلك ليفجأهم عذابها، وليكون ذلك أعظم في نكايتهم، وزيادة في حسرتهم وندامتهم.
_________________
(١) سورة البلد آية: ٢٠.
(٢) تفسير ابن كثير ٧/ ٢٩٨، وانظر الجامع لأحكام القرآن ٢٠/١٨٥.
(٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٣٠/٢٠٧.
(٤) ذكره ابن رجب في كتابه "التخويف من النار" ص٦٠.
(٥) سورة الأنبياء آية: ١٠٣.
(٦) "التخويف من النار" ص٦١.
[ ٦٢٢ ]
وقد ورد حديث صحيح دل على أن أبواب جهنم مفتوحة وأنها تغلق في رمضان.
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين ومردة الجن" ١.
قال القاضي عياض حول هذا الحديث: "يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته، وأن تفتيح أبواب الجنة وتغليق أبواب جهنم وتصفيد الشياطين علامة لدخول الشهر وتعظيم لحرمته ويكون التصفيد ليمتنعوا من إيذاء المؤمنين والتهويش عليهم.
قال: ويحتمل أن يكون المراد المجاز ويكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو وأن الشياطين يقل إغواؤهم وإيذاؤهم حتى يصيروا كالمصفدين ويكون تصفيدهم عن أشياء دون أشياء ولناس دون ناس.
قال: ويحتمل أن يكون فتح أبواب الجنة عبارة: عما يفتحه الله - تعالى - لعباده من الطاعات في هذا الشهر التي لا تقع في غيره عمومًا كالصيام والقيام وفعل الخيرات والإنكفاف عن كثير من المخالفات، وهذه أسباب لدخول الجنة، وأبواب لها وكذلك تغليق أبواب النار وتصفيد الشياطين عبارة عما ينكفون عنه من المخالفات" اهـ٢.
والأولى حمل الحديث على الحقيقة، ولا ضرورة تدعو إلى صرف الحديث عن ظاهره، ولا منافاة بين الآية والحديث، فقد تكون أبواب الجنة والنار مفتوحة في بعض الأحيان، وتكون مغلقة في أوقات أخرى، فمن هنا لا تعارض بين الآية والحديث وينبغي الإبتعاد عن تأول الحديث بالتأويلات والاحتمالات التي ليس لها أية دلالة من اللفظ النبوي الشريف تؤيدها.
والذي نخلص إليه مما تقدم من الآيات وبعض الأحاديث أنه يجب على كل مسلم الإيمان بأن لجهنم سبعة أبواب كما نطق بذلك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وأن تلك الأبواب سيدخل منها أهل الكفر والشرك والجحود والنفاق على حسب أعمالهم وذنوبهم التي تلبسوا بها واقترفوها في الحياة الدنيا.
_________________
(١) صحيح البخاري ١/٣٢٥، صحيح مسلم ٢/٧٥٨ واللفظ له.
(٢) شرح النووي على مسلم ٧/١٨٨، وانظر "الفتح" ٤/١١٤.
[ ٦٢٣ ]
المبحث الثالث: خزنة جهنم
الخزنة: جمع خازن مثل حفظة وحافظ وهو المؤتمن على الشيء الذي قد استحفظه١.
ولقد بينت السورة أن لجهنم خزنة من الملائكة يقومون عليها. قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ .
فهذه الآية من السورة بين الله - تعالى - فيها أن خزنة جهنم يوبخون أصناف الكفار الداخلين جهنم من جميع الأمم على الأعمال التي أوصلتهم إلى دار البوار بقولهم ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ يعني: من جنسكم تعرفونهم وتعرفون صدقهم، وتتمكنون من التلقي عنهم عندما يتلون عليكم آيات ربكم التي أرسلهم الله بها إليكم، والتي دلت على الحق المبين بأوضح الأدلة والبراهين ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ وهو يوم القيامة، وهذا مما يوجب عليكم إتباعهم والحذر من عذاب هذا اليوم باستعمال تقواه، ولكن كانت حالكم بخلاف هذه الحال، وعندما يسمع الكفار كلام خزنة جهنم يجيبون مقرين بذنبهم وأن حجة الله قامت عليهم بقولهم "بلى" قد جاءتنا رسل ربنا بالبينات والآيات الواضحات وحذرونا من هذا اليوم ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ بسبب كفرهم حقت عليهم كلمة العذاب التي هي لكل من كفر بآيات ربه وجحد ما جاءت به رسل الله، فأقروا
_________________
(١) حادي الأرواح ص٧٥، وانظر "بصائر ذوي التمييز" ٢/٥٣٥، "والمفردات في غريب القرآن" ص١٤٦ - ١٤٧.
[ ٦٢٤ ]
بذنبهم وقيام حجة الله عليهم، وعندما يسمع الخزنة اعترافهم وإقرارهم بذنبهم يقولون لهم: على وجه الإهانة والإذلال ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ فيخبرونهم بأن لهم الشقاء الأبدي والعذاب السرمدي الذي لا يظعنون منه ولا يفتر عنهم ساعة ولا ينظرون لأنهم تكبروا عن الحق فجازاهم الله من جنس عملهم بالإهانة والذل والخزي والندامة"١.
وهذا الحوار يجري بين خزنة جهنم، وبين الكفار عندما يساقون إليها أفواجًا وجماعات متفرقة بعضها في أثر بعض وقد بين الله - تعالى - أن عدد خزنة جهنم تسعة عشر.
قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ٢ وقد استهان بعض المشركين بهذا العدد، فقد روى ابن جرير بسنده إلى ابن عباس لما نزل قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ إلى قوله ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ ٣ أن أبا جهل لما سمع ذلك قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الدهم٤ أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم٥ فرد الله عليه وعلى أمثاله بأن خزنة جهنم ليسوا رجالًا وإنما هم من الملائكة الغلاظ الشداد الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون بقوله - عز شأنه - ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً﴾ .
قال ابن زيد: ما جعلناهم رجالًا فيأخذ كل رجل رجلًا كما قال هذا يعني - أبا جهل - وإنما جعل الله الخبر عن عدة خزنة جهنم فتنة للذين كفروا لتكذيبهم بذلك وقول بعضهم أنا أكفيكموهم.
قال مجاهد: قوله ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال: جعلوا فتنة.
_________________
(١) انظر جامع البيان ٢٤/٣٤، تفسير البغوي على حاشية "تفسير الخازن" ٦/٧١ - ٧٢، تفسير ابن كثير ٦/١١٢، وانظر "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" ٧/٤٥ - ٤٦.
(٢) سورة المدثر آية: ٢٦ - ٣٠.
(٣) سورة المدثر آية: ٣٠ - ٣١.
(٤) الدهم: العدد الكثير. النهاية ٢/١٤٥.
(٥) جامع البيان ٢٩/١٥٩.
[ ٦٢٥ ]
قال أبو الأشد بن الجمحي: "لا يبلغون رتوتي حتى أجهضهم عن جهنم"١.
وكما جعل الله ذلك العدد فتنة للذين كفروا بالله من قريش جعله استيقانًا لأهل الكتاب وليزداد الذين آمنوا إيمانًا.
قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ ٢ فقد أخبر - تعالى - أن عدة خزنة جهنم ليستيقن به أهل التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، إذا وافق ذلك ما أنزل الله في كتابه على محمد ﷺ.
قال قتادة: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: يصدق القرآن الكتب التي كانت قبله فيها كلها، التوراة والإنجيل أن خزنة النار تسعة عشر.
وقال الضحاك بن مزاحم: "عدة خزنة جهنم تسعة عشر في التوراة والإنجيل"٣.
وروى الترمذي بإسناده إلى جابر ﵁ قال: "قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي ﷺ: هل يعلم نبيكم كم عدد خزنة جهنم؟ قالوا: لا ندري حتى نسأله، فجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا محمد غلب أصحابك اليوم. قال: وبما غلبوا؟ قال: سألهم يهود هل يعلم نبيكم كم عدد خزنة جهنم قال: فما قالوا؟ قال: قالوا: لا ندري حتى نسأل نبينا قال: أفغلب قوم سئلوا عما لا يعلمون فقالوا لا نعلم حتى نسأل نبينا لكنهم قد سألوا نبيهم فقالوا: أرنا الله جهرة عليّ بأعداء الله إني سائلهم عن تربة الجنة وهي الدرمك فلما جاءوا قالوا: يا أبا القاسم كم عدد خزنة جهنم؟ قال: هكذا وهكذا في مرة عشرة وفي مرة تسعة قالوا: نعم" الحديث٤.
فعدد خزنة جهنم تسعة عشر كما نص الله - تعالى - على ذلك في كتابه وسنة رسوله ﷺ بل وفي الكتب السابقة التوراة والإنجيل.
وقد وصف الله - تعالى - هؤلاء الخزنة بأنهم غلاظ شداد.
قال تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا
_________________
(١) المصدر السابق ٢٩/١٦٠.
(٢) سورة المدثر آية: ٣١.
(٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٢٩/١٦١.
(٤) سنن الترمذي ٤/١٠٢.
[ ٦٢٦ ]
يُؤْمَرُونَ﴾ ١ أي: بعزمهم ونيتهم لا يريدون أن يخالفوه في شيء أبدًا ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: "ولهم قوة على إبراز ما أمروا به من العزم إلى الفعل فلهم عزم صادق وأفعال عظيمة وقوة بليغة وشدة باهرة"٢.
وقد سمى الله - تعالى - كبير هؤلاء الخزنة "مالكًا" وهو اسم مشتق من الملك وهو القوة والشدة حيث تصرفت حروفه٣.
قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ ٤ أي: مقيمون في العذاب"٥.
وقد أخبر - تعالى - أن أدوات التعذيب من سلاسل وأغلال بأيدي هؤلاء الخزنة يقودون بها أهل النار إلى النار قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ ٦.
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ٧.
كما أخبر - تعالى - أن هؤلاء الخزنة هم الذين يقدمون لأهل النار الشراب والطعام الجهنمي.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ ٨.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا٩ * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ ١٠.
_________________
(١) سورة التحريم آية: ٦.
(٢) النهاية لابن كثير ٢/١٥٩.
(٣) حادي الأرواح ص٧٦.
(٤) سورة الزخرف آية: ٧٧.
(٥) تفسير الخازن ٦/١١٨.
(٦) سورة الحاقة آية: ٣٠ - ٣٢.
(٧) سورة القمر آية: ٤٨.
(٨) سورة الكهف آية: ٢٩.
(٩) الأنكال: "قيود سوداء من نار جهنم" جامع البيان ٢٩/١٣٥.
(١٠) سورة المزمل آية: ١٢ - ١٣.
[ ٦٢٧ ]
فالذي يقدم ذلك الشراب والطعام الجهنمي هم خزنة جهنم الذين يقومون عليها، وكل ما تقدم من الآيات والأحاديث يدل على وجوب الإيمان بهؤلاء الخزنة الذين أسند الله إليهم القيام بتعذيب أهل النار، ومن أنكرهم، أو كذب بهم فقدوته في ذلك أبو جهل وأمثاله من مشركي قريش.
[ ٦٢٨ ]
المبحث الرابع: إحاطة النار بأهلها وشدة عذابها
لقد دلت السورة على شدة عذاب جهنم وهوله، وأن عذابًا يحيط بالكافرين من كل الجهات وجميع الجوانب.
قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ فَأَذَاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
هذه الآيات من السورة فيها بيان لشدة عذاب جهنم الذي أعده الله للخاسرين الذين كفروا بربهم وظلموا أنفسهم بتكذيبهم رسله، وإشراكهم مع الله غيره في العبادة ولم يخضعوا له بالعبادة، والطاعة وحسن الإنقياد، والإذعان لما أمرهم الله به، والإبتعاد عما نهاهم عنه، فآثروا المعاصي وارتكاب المآثم على طاعة الله - تعالى - فكان جزاؤهم أن يحيط بهم عذاب جهنم من جميع الجهات، كما صرحت بذلك الآيات المتقدمة.
فالآية الأولى: من تلك الآيات هي قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ هذه الآية فيها بيان أن عذاب جهنم يحيط بالكافرين من فوقهم، ومن تحت أرجلهم، فيكون العذاب، فوقهم، وكهيئة الظل المبنية من النار، ومن تحتهم من النار ما يعلوهم حتى يصير ما يعلوهم منها من تحتهم
[ ٦٢٩ ]
ظللًا١. جاء في تفسير البغوي حول هذه الآية ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ أي: "أطباق وسرادقات من النار ودخانه ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ فراش ومهاد من نار إلى أن ينتهي إلى القعر سمي الأسفل ظللًا لأنها ظلل لمن تحتهم" أ. هـ٢.
وأما الآية الثانية والثالثة: من مجموعة الآيات المتقدمة وهما قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ فَأَذَاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .
فهاتان الآيتان: فيهما بيان أن الأمم السابقة كذبت الرسل الذين أرسلهم الله إليهم كما فعل الكافرون من قريش مع النبي ﷺ، فأنزل الله بهم ألوانًا من العذاب في الحياة الدنيا من الخسف والمسخ والإغراق، والتدمير، وجاءهم ذلك العذاب من جهة ما كانت تخطر على بالهم، وبسبب لم يكونوا يتوقعون أن يصل بهم إلى تلك النتيجة المؤلمة"٣.
ثم فصل الله ذلك العذاب الذي أنزله بهم في الدنيا، وما سيحل بهم من العذاب الشديد في الأخرى.
فقال تعالى: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بما أنزله بهم من العذاب والنكال والذل والهوان وتشفي المؤمنين بهم. وفي هذا تحذير شديد لمن كذب خاتم الأنبياء ﵊.
وأما العذاب الذي سيلحقهم في الأخرى فقد بينه بقوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ أي: ولعقاب الله لهم في الدار الثانية الباقية أكبر وأشد وأنكى وآلم وأبقى.
قال ابن جرير عند قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .
يقول تعالى ذكره: "فعجل الله لهؤلاء الأمم الذين كذبوا رسلهم الهوان في الدنيا، والعذاب قبل الآخرة ولم ينظرهم إذا عتوا عن أمر ربهم ولعذاب الآخرة أكبر".
_________________
(١) جامع البيان ٢٣/٢٠٥.
(٢) معالم التنزيل على حاشية "تفسير الخازن" ٦/٥٩، وانظر زاد المسير لابن الجوزي ٧/١٦٩، وانظر روح المعاني للألوسي ٢٣/٢٥١.
(٣) تفسير البيضاوي ص ٦١٠.
[ ٦٣٠ ]
قول: "ولعذاب الله إياهم في الآخرة إذا أدخلهم النار فعذبهم بها أكبر من العذاب الذي عذبهم به في الدنيا لو كانوا يعلمون: يقول لو علم هؤلاء المشركون من قريش ذلك"١.
وأما الآية الرابعة والخامسة: من مجموعة الآيات المتقدمة قريبًا، وهما قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
فقد بين - تعالى - فيهما أن للمشركين والكافرين يوم القيامة - سوء العذاب - وهو أشده وأفظعه لأنهم أصروا على الكفر الذي ليس بعده ذنب وأنهم على الفرض والتقدير لو كان لهم ما في الأرض جميعًا من ذهبها وفضتها وحيواناتها وأشجارها وزروعها وجميع أوانيها وأثاثها، ومثله معه، ثم بذلوه يوم القيامة ليفتدوا به من العذاب، وينجوا منه، ما قبل منهم ولا أغنى عنهم من عذاب الله شيئًا، وحينئذ يظهر لهم من سخط الله وغضبه وانتقامه وبطشه ما لم يمر لهم على بال، أو يدور بخلد.
وهناك يتضح لهم قبائح أعمالهم، وتحيط بهم خطيئآتهم ويحدق بهم العذاب الذي كانوا يسخرون من ذكره أو الإنذار به٢ ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
وببيان معاني الآيات الخمس المتقدمة من السورة تبين وجه دلالة السورة على شدة عذاب جهنم وهوله وأن عذابها لا يقادر قدره، ولا يخطر على بال.
وقد وردت آيات كثيرة في معنى تلك الآيات التي تقدم ذكرها وكلها تبين شدة عذاب جهنم وإحاطته بالكافرين من جميع الجهات والجوانب.
قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) جامع البيان ٢٣/٢١٢.
(٢) مستفاد من "جامع البيان" ٢٤/١١ - ١٢، وتفسير القرآن العظيم ٦/٩٨ - ٩٩، ومعالم التنزيل للبغوي على حاشية تفسير الخازن ٦/٦٦.
(٣) سورة الأعراف آية: ٤١.
[ ٦٣١ ]
قال محمد بن كعب القرظي ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ . قال: الفراش ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ قال: اللحف. وكذا قال الضحاك بن مزاحم والسدي".
وقال ابن جرير: وأما قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ فإنه يقول: "وكذلك نثبت من ظلم نفسه فأكسبها من غضب الله ما لا قبل لها به بكفره بربه وتكذيبه أنبياءه"١.
وقال البغوي ﵀: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ أي: فراش ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ أي: "لحف وهي جمع غاشية يعني ما غشاهم وغطّاهم يريد إحاطة النار بهم من كل جانب" أ. هـ٢.
وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ * يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٣.
وفي هاتين الآيتين: يبين الله - تعالى - أن عذاب جهنم محيط بالكافرين ويغشاهم عذابها من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ويقول الله لهم: ذوقوا ما كنتم تعملون في الدنيا من معاصي الله وما يسخطه فيها.
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ٤.
ومعنى هاتين الآيتين: "لو يعلم هؤلاء الكفار المستعجلون عذاب ربهم ماذا لهم من البلاء حين تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون فلا يكفون عن وجوههم النار التي تلفحها، ولا عن ظهورهم فيدفعونها عنها بأنفسهم ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يقول: ولا لهم ناصر ينصرهم، فيستنقذهم حينئذ من عذاب الله لما أقاموا على ما هم عليه مقيمون من الكفر بالله، ولسارعوا إلى التوبة منه، والإيمان بالله، ولما استعجلوا لأنفسهم البلاء" أ. هـ٥.
_________________
(١) جامع البيان ٨/١٨٢.
(٢) معالم التنزيل على حاشية "تفسير الخازن" ٢/١٨٩.
(٣) سورة العنكبوت آية: ٥٤ - ٥٥.
(٤) سورة الأنبياء آية: ٣٨ - ٣٩.
(٥) جامع البيان عن تأويل آي القرآن /٢٨.
[ ٦٣٢ ]
وقال تعالى مبينًا شدة النار التي أعدها للظالمين ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ ١.
قال ابن عباس: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ قال: "حائط من نار"٢.
وقال تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاقٍ﴾ ٣.
وقال ابن كثير حول هذه الآية "ذكر - تعالى - عقاب الكفار وثواب الأبرار فقال: بعد إخباره عن حال المشركين وما هم عليه من الكفر والشرك ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: بأيدي المؤمنين - قتلًا وأسرًا - ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ أي: المدخر مع هذا الخزي في الدنيا "أشق" أي: من هذا بكثير كما قال ﷺ: للمتلاعنين "إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة"٤. وهو كما قال صلوات الله وسلامه عليه فإن عذاب الدنيا له انقضاء وذاك دائم أبدًا في نار هي بالنسبة إلى هذه سبعون ضعفًا، ووثاق لا يتصور كثافته وشدته" أ. هـ٥.
وقال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ ٦.
قال ابن عباس: ظل من دخان.
وقال مجاهد: ظل من دخان جهنم وهو السموم.
وقال أبو مالك: اليحموم ظل من دخان جهنم.
وقال الحسن وقتادة: في قوله: ﴿لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ ٧ لا بارد المدخل ولا كريم المنظر.
_________________
(١) سورة الكهف آية: ٢٩.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٤/٣٨٤.
(٣) سورة الرعد آية: ٣٤.
(٤) رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ ٢/١١٣١ والدارمي في سننه ٢/١٥١.
(٥) تفسير القرآن العظيم ٤/٩٧ - ٩٨.
(٦) سورة الواقعة آية: ٤١ - ٤٤.
(٧) سورة الواقعة آية: ٤٤.
[ ٦٣٣ ]
والسموم: هو الريح الحارة قاله قتادة وغيره.
وهذه الآية: تضمنت ذكر ما يتبرد به في الدنيا من الكرب والحر وهو ثلاثة: الماء، والهواء، والظل.
فهواء جهنم: السموم وهو الريح الحارة الشديدة الحر.
وماؤها الحميم: الذي قد اشتد حره، وظلها: "اليحموم وهو قطع دخانها أجارنا الله من ذلك كله بكرمه ومنِّه"١.
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ ٢.
هذه الآية بين الله - تعالى - فيها أن حرارة جهنم لا يمكن أن تقاس بالمقاييس التي يعرفها البشر بالنسبة لدرجات الحرارة لأنها نار اليوم الذي يفصل الله فيه بين الخلائق، وهي نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة. فلا يستطيع أحد أن يقيسها بنار الدنيا.
وقد بين النبي ﷺ شدة ارتفاع حرارة جهنم بقوله: "ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءًا من حر جهنم".
قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله قال: "فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا كلها مثل حرها" ٣.
وقوله ﵊ "ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم" يعني أنه لو جمع كل ما في الوجود من النار التي يوقدها ابن آدم لكانت جزءًا من أجزاء جهنم المذكور، وبيانه أنه لو جمع حطب الدنيا فأوقد كله حتى صار نارًا لكان الجزء الواحد من أجزاء نار جهنم الذي هو من سبعين جزءًا أشد من حر نار الدنيا كما بينه في آخر الحديث".
وقولهم: "وإن كانت لكافية" إن هنا مخففة من الثقيلة عند البصريين نظيره ﴿وَإِنْ
_________________
(١) التخويف من النار "لابن رجب" ص٨٢.
(٢) سورة التوبة آية: ٨١.
(٣) رواه البخاري ومسلم صحيح البخاري ٢/٢١٩، صحيح مسلم ٤/٢١٨٤، واللفظ له وكلاهما من حديث أبي هريرة.
[ ٦٣٤ ]
كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ ١ أي: "إنها كانت كافية فأجابهم النبي ﷺ بأنها كما فضلت عليها في المقدار والعدد بتسعة وستين وفضلت عليها أيضًا: في شدة الحر بتسعة وستين ضعفًا"٢.
وروى البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضًا فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير" ٣.
فبين النبي ﷺ أن شدة الحرارة في الصيف وشدة البرد في الشتاء إنما ذلك بسبب تنفس جهنم أعاذنا الله منها.
وروى مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة. فيصبغ في النار صبغة٤ ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟.
فيقول: لا والله يا رب ويؤتى بأشد الناس بؤسًا٥ في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مرّ بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط. ولا رأيت شدة قط ٦.
وروى البخاري من حديث النعمان بن بشير قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة رجل على أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل٧ والقمقم" ٨ ٩.
_________________
(١) سورة البقرة آية: ١٤٣.
(٢) التذكرة للقرطبي ص٣٩٥.
(٣) صحيح البخاري ٢/٢١٩.
(٤) "فيصبغ في النار صبغة" أي: يغمس غمسة.
(٥) "بؤسًا" البؤس: هو الشدة.
(٦) صحيح مسلم ٤/٢١٦٢.
(٧) المرجل: قدر من نحاس، ويقال: لكل إناء يغلي فيه الماء من أي صنف كان "الفتح" ١١/٤٣١.
(٨) القمقم: إناء من آنية العطار، ويقال: هو إناء ضيق الرأس يسخن فيه الماء يكون من نحاس وغيره "الفتح" ١١/٤٣١.
(٩) صحيح البخاري ٤/١٣٨.
[ ٦٣٥ ]
وهذان الحديثان فيهما بيان لشدة عذاب جهنم، وأن عذابها أليم، لا يقادر قدره، ويجب الفرار منه بطاعة الله ﷿.
ثم من المتعارف عليه عند الناس في هذه الحياة الدنيا أنهم يوقدون لما يحتاجون إليه من طعام وغيره بالحطب من الأشجار، وبما استجد من الغازات في عصرنا هذا وغير ذلك مما هو صالح استعماله للوقود.
أما وقود جهنم فإنه الناس والحجارة. كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ١.
قال ابن جرير: "فإن قال قائل: وكيف خصت الحجارة فقرنت بالناس حتى جعلت لنار جهنم حطبًاَ؟ قيل: إنها حجارة الكبريت وهي أشد الحجارة فيما بلغنا حرًّا إذا أحميت.
وروى بإسناده إلى ابن مسعود ﵁ في قوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ قال: "هي حجارة من كبريت خلقها الله يوم خلق السموات والأرض في السماء الدنيا يعدها للكافرين".
وفي رواية ثانية عنه أنه قال في قوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ قال: حجارة الكبريت جعلها الله كما شاء.
وقال ابن عباس وغيره: في قوله ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ .
أما الحجارة فهي حجارة في النار من كبريت أسود يعذبون به مع النار٢.
قال القرطبي في شأن هذه الحجارة: "وخصت بذلك لأنها تزيد على جميع الحجارة بخمسة أنواع من العذاب.
١ـ سرعة الإيقاد.
٢ـ ونتن الرائحة.
٣ـ وكثرة الدخان.
٤ـ وشدة الإلتصاق بالأبدان.
_________________
(١) سورة البقرة آية: ٢٤.
(٢) انظر هذه الروايات في جامع البيان ١/١٦٨ - ١٦٩.
[ ٦٣٦ ]
٥ - وقوة حرها إذا حميت.
وقيل: المراد بالحجارة الأصنام لقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ١ أي: حطب وهو ما يلقى في النار مما تذكى به" اهـ٢.
_________________
(١) سورة الأنبياء آية: ٩٨.
(٢) التذكرة ص٤٠٧.
[ ٦٣٧ ]
المبحث الخامس: صفات أهل النار
لقد ذكر في السورة بعض صفات أهل النار، وكما هو معلوم أنه ينبغي للمسلم أن يكون على علم ومعرفة لصفاتهم حتى يجتنبها ويبتعد عن التخلق بها حتى لا يقع فيها دون أن يدري ومن صفات أهل النار التي ذكرت في السورة:
أـ شدة ظلمهم واختلاقهم الكذب على الله والإفتراء عليه بنسبة الولد إليه، أو يجعلون له الأنداد والشركاء، أو يعبدون معه غيره من المخلوقين بدعوى أنه يقربهم إلى الله زلفى.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ﴾ .
فهذه الآية من السورة إلى جانب أنها بينت صفات يتخلق بها أهل النار إلا أنها أيضًا:
تضمنت التحذير والإخبار بأنه لا أظلم ممن كذب على ربه بنسبته إلى ما لا يليق بجلاله، أو بادعاء النبوة أو الإخبار بأنه - تعالى - قال: كذا: أو أخبر بكذا: وهو كاذب فهذا يدخل في عموم قوله - تعالى - ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ١ إن كان جاهلًا أما إن كان عالمًا فهو أشنع وأفظع.
كما بينت أن من يرد الحق المؤيد بالبينات بتكذيبه فإنه ظلم عظيم لأنه رد للحق بعد تبينه، والذي يجمع بين الكذب على الله والتكذيب بالصدق كان ظلمًا على ظلم، وجزاء من يتسم بذلك جهنم ولذلك ختم الله الآية بقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ﴾ فهي مقام ومستقر كل ظالم وكافر ينال جزاءه على عمله بها.
_________________
(١) سورة الأعراف آية: ٣٣.
[ ٦٣٨ ]
وجاء في زاد المسير: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ﴾ بأن ادعى له ولدًا وشريكًا ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ وهو التوحيد والقرآن ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: مقام للجاحدين وهذا استفهام بمعنى التقرير يعني إنه كذلك اهـ١.
وقال ابن كثير: حول قوله - تعالى - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ .
يقول ﷿ مخاطبًا للمشركين الذين افتروا على الله وجعلوا معه آلهة أخرى وادعوا أن الملائكة بنات الله وجعلوا لله ولدًا - تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا ـ، ومع هذا كذبوا بالحق إذ جاءهم على ألسنة رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولهذا قال ﷿ ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ أي لا أحد أظلم من هذا لأنه جمع بين طرفي الباطل كذب على الله وكذّب رسول الله ﷺ قالوا: الباطل وردوا الحق ولهذا قال جلت عظمته متوعدًا لهم: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ﴾؟ وهم الجاحدون المكذبون" اهـ٢
ب - ومن صفات أهل النار القبيحة التي ورد ذكرها في السورة.
أنهم حينما يذكر - الباري جل وعلا - تشمئز قلوبهم، وتتقزز نفوسهم وتنقبض صدورهم، وينفرون من التذكير لأنهم لا يؤمنون بالمعاد ولا يخافون سوء الحساب.
قال تعالى مبينًا هذه الصفة الذميمة: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ .
فهذه الآية الكريمة من السورة أوضحت أن أهل النار حينما يذكر عندهم الباطل وأهله من الأصنام والطواغيت فإنهم يبتهجون ويفرحون وتطفح وجوههم بالبشر والسرور والبهجة، وتجدهم يغضبون على من يتنقصها وينتقمون منه بأنواع الإيذ اء.
قال ابن جرير رحمه الله تعالى حول هذه الآية:
"يقول تعالى ذكره: وإذا أفرد الله جل ثناؤه بالذكر، فدعي وحده وقيل "لا إله إلا الله" اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالمعاد والبعث بعد الممات وعنى بقوله ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾:
_________________
(١) ٧/١٨٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٦/٩٢ - ٩٣.
[ ٦٣٩ ]
نفرت من توحيد الله ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ يقول: وإذا ذكر الآلهة التي يدعونها من دون الله مع الله فقيل: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتها لترتجى١ إذا الذين لا يؤمنون بالآخرة يستبشرون بذلك ويفرحون" اهـ٢.
جـ - ومن صفات أهل النار التي ذكرت في السورة الإستكبار عن الإيمان بآيات الله والترفع عنها، وعدم الإذعان والإنقياد لها.
قال تعالى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ .
وهاتان الآيتان من السورة بين الله - تعالى - فيهما أن الإستكبار عن الحق، والتكبر على الخلق من موجبات النار.
قال ابن رجب ﵀ تعالى ـ: "وأما المستكبر فهو الذي يتعاطى الكبر على الناس والتعاظم عليهم، وقد قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ اهـ٣.
فقوله - تعالى ـ: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ تضمنت ثلاث صفات كلها بلغت النهاية في القبح، وتدل على شناعة الإستكبار، فالمستكبر يقع بين أقبح الجرائم على الإطلاق، وهما التكذيب بآيات الله وهو كفر، ثم الكفر الصريح دل على ذلك قوله تعالى ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ .
وأما قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ .
فقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ﴾ كلمة شاملة يدخل فيها من كذب على الله بادعاء الولد، أو الشريك، أو الصاحبة، أو المعبود الذي يزعمون أنه يقرب إلى الله أو يشفع عنده، أو يزعم أن الله حرم شيئًا، أو أحل شيئًا - خلاف ما جاء به دينه الحنيف كتحريم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي التي كان يفتريها المشركون على الله بغير علم.
_________________
(١) كأنه يشير إلى قصة الغرانيق وهي قصة باطلة انظر كتاب "نصب المنجانيق لنسف قصة الغرانيق" للألباني.
(٢) جامع البيان ٢٤/١٠.
(٣) التخويف من النار ص١٩٨.
[ ٦٤٠ ]
قال أبو عبد الله القرطبي: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ أي: مما أحاط بهم من غضب الله ونقمته١.
فوجوه أهل النار يوم القيامة تسود وتكون مغطاة بالسواد كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ٢.
وكقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ بين - سبحانه - أن الكبر من أقبح الصفات الذميمة التي تجعل من جهنم مثوى ومستقرًا لمن تخلق به وقد بين النبي ﷺ معنى الكبر بقوله: "الكبر بطر الحق وغمط الناس" ٤.
قال النووي: "بطر الحق: دفعه ورده على قائله، وغمط الناس: احتقارهم" اهـ٥.
وصفات أهل النار التي تقدم ذكرها كما قلنا سابقًا إنما هي بعض صفاتهم التي وردت في السورة، وإلا فلهم صفات أخرى ذكرت في غيرها من سور القرآن وفي السنة المطهرة. مثل النفاق فإنه صفة من صفات أهل النار.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا﴾ ٦.
ومثل ترك الصلاة وعدم إطعام المساكين والتكذيب بالرجوع إلى الله - تعالى - ولقد أخبر - تعالى - أن أهل الجنة يسألون أهل النار عن السبب الذي دخلوا به النار بقوله تعالى:
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٧٥.
(٢) سورة آل عمران آية: ١٠٦.
(٣) سورة يونس آية: ٢٧.
(٤) رواه مسلم في صحيحه ١/٩٣ من حديث ابن مسعود ﵁.
(٥) رياض الصالحين ص٢٨٥.
(٦) سورة النساء آية: ١٤٥.
[ ٦٤١ ]
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ١.
ومثل الطغيان، وحب الدنيا وإيثارها على الآخرة، فإن ذلك من صفات أهل النار.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ٢. إلى غير ذلك من الصفات الذميمة الكثيرة التي يصعب حصرها هنا، وكما بين القرآن صفات أهل النار كذلك بين النبي ﷺ صفاتهم، فقد قال ﵊ "وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعًا لا يتبعون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك" وذكر البخل أو الكذب و"الشنظير الفحاش"٣. ففي هذا الحديث قسم النبي ﷺ أهل النار خمسة أصناف.
الصنف الأول:
الضعيف الذي لا زبر له، ويعني بالزبر القوة والحرص على ما ينتفع به صاحبه في الآخرة من التقوى والعمل الصالح.
الصنف الثاني:
الخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، أي يعني لا يقدر على خيانة ولو كانت حقيرة يسيرة إلا بادر إليها واغتنمها، ويدخل في ذلك التطفيف في المكيال والميزان وكذلك الخيانة في الأمانات القليلة كالودائع وأموال اليتامى وغير ذلك وهو خصلة من خصال النفاق، ويدخل في الخيانة من خان الله ورسوله في ارتكاب المحارم سرًا مع إظهار اجتنابها.
الصنف الثالث:
المخادع الذي دأبه صباحًا ومساءًا مخادعة الناس على أهليهم وأموالهم، والخداع
_________________
(١) سورة المدثر آية: ٤٢ - ٤٦.
(٢) سورة النازعات آية: ٣٧ - ٣٩.
(٣) رواه مسلم في صحيحه من حديث عياض بن حمار المجاشعي ٤/٢١٩٨ - ٢١٩٩.
[ ٦٤٢ ]
من أوصاف المنافقين كما وصفهم الله - تعالى - بذلك، والخداع معناه إظهار الخير وإضمار الشر لفصد التوصل إلى أموال الناس وأهاليهم والانتفاع بذلك، وهو من جملة المكر والحيل المحرمة، بنص الشارع.
الصنف الرابع:
الكذب والبخل، ولم يحفظ الراوي ما قال النبي ﷺ في هذا حفظًا جيدًا، والكذب والبخل خصلتان.
والكذب والبخل كلاهما ينشأ عن الشح، والشح هو شدة حرص الإنسان على ما ليس له من الوجوه المحرمة، وينشأ عنه البخل وهو إمساك الإنسان ما في يده والامتناع عن إخراجه في وجوهه التي أمر بها، فالمخادع الذي سبق ذكره هو الشحيح وهذا الصنف هو البخيل، فالشحيح أخذ المال بغير حقه والبخيل منعه من حقه، وينشأ عن الشح أيضًا: الكذب والمخادعة، والتحيل على ما لا يستحقه الإنسان بالطرق الباطلة المحرمة قال ﷺ: "إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار" ١.
وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو قال: سئل النبي ﷺ ما عمل أهل النار؟ قال: "الكذب، إذا كذب - العبد - فجر، وإذا فجر كفر، وإذا كفر دخل النار" ٢.
الصنف الخامس:
الشنظير: وقد فسر بالسيء الخلق، والفحاش هو الفاحش المتفحش وفي حديث عائشة عن النبي ﷺ قال: "إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه"٣.
وروى الترمذي عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ "إن الله ليبغض الفاحش البذيء" ٤.
والبذيء الذي يجري لسانه بالسفه ونحوه من لغو الكلام.
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه ٤/٦٥، ورواه مسلم أيضًا في صحيحه ٤/٢٠١٣، كلاهما من حديث ابن مسعود.
(٢) ٢/١٧٦.
(٣) رواه البخاري في صحيحه ٤/٧٠، ومسلم ٤/٢٠٠٢، كلاهما من حديث عائشة ﵂.
(٤) السنن ٣/٢٤٤.
[ ٦٤٣ ]
وروى الإمام أحمد في مسنده عن النبي ﷺ قال: "حسب الرجل أن يكون فاحشًا بذيئًا بخيلًا جبانًا" ١ فالفاحش هو الذي يفحش في منطقه ويستقبل الرجال بقبيح الكلام من السب ونحوه ويأتي في كلامه بالسخف وما يفحش ذكره"اهـ٢.
ومن صفات أهل النار التي وضحها النبي ﷺ مخالفتهم الحق بعد معرفتهم له، وقد يأمرون به ولا يفعلونه، ويرتكبون المنكر وهم يعرفون أنه منكر، وقد ينهون عنه مراءاة للناس وتعمية لأفعالهم روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أسامة بن زيد رضي الله - تعالى - عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقوله: "يجاء برجل فيطرح في النار فيطحن فيها كما يطحن الحمار برحاء فيطيف به أهل النار فيقولون: أي فلان ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: كنت آمر بالمعروف ولا أفعله، وأنهى عن المنكر وأفعله" ٣.
وفيهما من حديث حارثة بن وهب عن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر" ٤.
قال النووي: العتل: الغليظ الجافي، والجواظ: هو الجموع المنوع وقيل: الضخم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين. أ. هـ٥.
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله ﷿ العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته" ٦.
فالمستكبر يعرض نفسه للذل والهوان فالذي يتعالى على الناس ويتعاظم عليهم فعاقبة عمله ذلك أنه يذل ويهان بسبب تعاظمه وتعاليه على الناس، ومنازعته ربّه فيما
_________________
(١) ٤/١٤٥ من حديث عقبة بن عامر رضي الله - تعالى عنه ـ.
(٢) التخويف من النار لابن رجب ص٢٠٤.
(٣) صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٤٨، ومسلم ٤/٢٢٩٠ - ٢٢٩١.
(٤) صحيح البخاري مع الفتح ٨/ ٦٦٢، ومسلم ٤/٢١٩٠.
(٥) رياض الصالحين ص: ١٣١.
(٦) ٤/٢٠٢٣.
[ ٦٤٤ ]
يختص به من الصفات كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ ١.
هذه عقوبة المتكبر الشنيعة التي يجازى بها بعد الرجوع إلى الله - جل وعلا ـ.
ومن صفات أهل النار التي بينها النبي ﷺ اتباعهم الشهوات روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "حجبت الجنة بالمكاره وحجبت النار بالشهوات" ٢.
وعند مسلم "حفت الجنة بالمكاره وحجبت النار بالشهوات" ٣.
"المكاره كل ما يشق على النفس فعله ويصعب عليها عمله كالطهارة في السبرات وغيرهما من أعمال الطاعات، والصبر على المصائب وجميع المكروهات.
"والشهوات كل ما يوافق النفس ويلائمها وتدعو إليه ويوافقها وأصل الحفاف الدائر بالشيء المحيط به الذي لا يتوصل إليه إلا بعد أن يتخطى فمثّل ﷺ المكاره والشهوات بذلك، فالجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره، والصبر عليها، والنار لا ينجو منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها" ٤.
وروى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "تحاجت الجنة والنار فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم" ٥.
قال الله ﷿ للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها.
وأما النار فلا تمتلئ حتى يضع عليها رجله فتقول: "قط٦، قط، فهنالك تمتلئ
_________________
(١) سورة الأحقاف آية: ٢٠.
(٢) صحيح البخاري مع الفتح ١١/٣٢٠.
(٣) ٤/٢١٧٤.
(٤) التذكرة للقرطبي ص٣٥٩ - ٣٦٠.
(٥) سقطهم: أي ضعفاؤهم والمحتقرون منهم. شرح النووي ١٧/١٨١.
(٦) قط قط: بمعنى: حسب وتكرارها للتأكيد. النهاية لابن الأثير ٤/٧٨.
[ ٦٤٥ ]
ويزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ينشىء لها خلقًا"١.
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت٢ المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا" ٣.
وأعمال أهل النار وصفاتهم كثيرة جدًا وقد استوفى الكثير منها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى٤.
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٤٣٤، صحيح مسلم ٤/٢١٨٦، واللفظ له.
(٢) معناه: "أنهن يعظمن رؤوسهن بالخمر والعمائم وغيرها مما يلف على الرأس حتى تشبه أسنمة الإبل البخت" شرح النووي ١٧/١٩١.
(٣) صحيح مسلم ٤/٢١٩٢.
(٤) مجموع الفتاوى ١٠/٤٢٣ - ٤٢٤.
[ ٦٤٦ ]
المبحث السادس: أبدية النار ودوام عذابها
لقد دلت السورة على أبدية النار ودوام عذابها في قوله - تعالى - ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ. مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ .
هذه الآيات من السورة فيها دلالة واضحة على أن عذاب جهنم دائم ومستمر لا انقطاع له، وأن أهلها خالدون مخلدون فيها.
فالآية الأولى: من هذه الآيات وهي قوله - تعالى ـ: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فيها أمر من الله - تعالى - لنبيه ﷺ أن يهدد المشركين ويتوعدهم بالعذاب إن هم استمروا على شركهم وكفرهم بالله تعالى.
ويخبرهم بأنه ثابت ومستمر على طريقته وملته ودينه وأنه لن يحيد عن التوحيد والإيمان بالله - تعالى - وأن المستقبل سيكشف لهم عمن ينزل به عذاب الله في الدنيا فيخزيه، ثم في الآخرة يحل به العذاب الدائم الذي لا انقطاع له وهو عذاب جهنم.
قال ابن جرير عند قوله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ .
وقوله: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ﴾ يقول تعالى ذكره: من يأتيه عذاب يخزيه، ما أتاه من ذلك العذاب، يعني يذله ويهينه ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ يقول: ينزل عليه عذاب دائم لا يفارقه" ا. هـ١.
_________________
(١) جامع البيان ٢٤/٨.
[ ٦٤٧ ]
قال العلامة ابن كثير: " ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي: في الدنيا ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: دائم مستمر لا محيد له عنه وذلك يوم القيامة" اهـ١.
وجاء في تفسير روح المعاني: "قوله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ فإن الأول إشارة إلى العذاب الدنيوي وقد نالهم يوم بدر والثاني إشارة إلى العذاب الأخروي فإن العذاب المقيم عذاب النار" اهـ٢.
وجاء في فتح القدير: " ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي: يهينه ويذله في الدنيا فيظهر عند ذلك أنه المبطل وخصمه المحق، والمراد بهذا العذاب عذاب الدنيا وما حل بهم من القتل والأسر والقهر والذلة.
ثم ذكر عذاب الآخرة فقال: " ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: دائم مستمر في الدار الآخرة وهو عذاب النار" اهـ٣.
وأما قوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ .
فقد قال ابن جرير حول هذه الآية: "يقول تعالى ذكره: "فتقول خزنة جهنم للذين كفروا حينئذ: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ السبعة على قدر منازلكم فيها ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يقول: ماكثين فيها لا ينقلون إلى غيرها ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ يقول: فبئس مسكن المتكبرين على الله في الدنيا، أن يوحدوه ويفردوا له الألوهة جهنم يوم القيامة" اهـ٤.
وقال ابن كثير: "وقوله ﵎ ههنا: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾: أي: كل من رآهم وعلم حالهم يشهد عليهم بأنهم مستحقون للعذاب ولهذا لم يسند هذا القول إلى قائل معين بل أطلقه ليدل على أن الكون شاهد عليهم بأنهم يستحقون ما هم فيه بما حكم العدل الخبير عليهم به ولهذا قال - جل وعلا ـ: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها لا خروج لكم منها ولا زوا لكم عنها ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٦/٩٥.
(٢) ٢٤/٧.
(٣) ٤/٤٦٥.
(٤) جامع البيان ٢٤/٣٤.
[ ٦٤٨ ]
الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي: فبئس المصير وبئس المقيل لكم بسبب تكبركم في الدنيا وإبائكم عن اتباع الحق فهو الذي صيركم إلى ما أنتم فيه فبئس الحال وبئس المآل" اهـ١.
ومن أقوال العلماء التي سقناها حول الآيات الثلاث المتقدمة من السورة يتبين وجه دلالة السورة على أبدية النار ودوامها وعدم فنائها وخلود أهلها فيها وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة تدل على أبدية النار ودوام عذاب الكفار فيها.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ ٤ قال عبد الله بن عمرو: أهل النار يدعون مالكًا فلا يجيبهم أربعين عامًا ثم يقول: إنكم ماكثون، ثم يدعون ربهم فيقولون: ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون فلا يجيبهم مثل الدنيا ثم يقول: إخسأوا فيها ولا تكلمون ثم ييأس القوم فما هو إلا الزفير والشهيق تشبه أصواتهم أصوات الحمير أولها شهيق وآخرها زفير"٥.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٦.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ٧.
فهذه الآيات القرآنية دلت على أن عذاب جهنم لا انقطاع له، وأن أهلها من الكفار
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٦/١١٢.
(٢) سورة النساء آية: ١٦٨ - ١٦٩.
(٣) سورة الأحزاب آية: ٦٤ - ٦٥.
(٤) سورة الزخرف آية: ٧٧.
(٥) انظر مجمع الزوائد ١٠/٣٩٦، وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٦) سورة الأعراف آية: ٣٦.
(٧) سورة الجن آية: ٢٣.
[ ٦٤٩ ]
والمشركين والجاحدين خالدون مخلدون فيها "أي: لا يخرجون منها ولا هي تفنى بهم، فيزولوا بزوالها، وإنما هي حياة أبدية لا نهاية لها"١.
"فإذا جاء مع لفظ خلود الكفار في النار وصف بتأييده كان ذلك تأكيدًا للخلود الذي لا نهاية له ولا أمد لانقضائه"٢.
وقد بين النبي ﷺ أن أهل النار خالدون فيها أبدًا.
فقد روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وصار أهل النار إلى النار، أتي بالموت حتى يجعل بين الجنة، والنار ثم يذبح ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم" ٣.
"فهذا الحديث نص صريح في خلود أهل النار فيها، لا إلى غاية ولا إلى أمد، مقيمين على الدوام والسرمد من غير موت ولا حياة، ولا راحة، ولا نجاة، بل كما قال تعالى في كتابه الكريم وأوضح فيه عن عذاب الكافرين: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ ٤ فمن قال إن أهل النار يخرجون منها وأن النار تبقى خالية بجملتها خاوية على عروشها، وأنها تفنى، وتزول فهو خارج عن مقتضى المعقول، ومخالف لما جاء به الرسول، وما أجمع عليه أهل السنة، والأئمة العدول.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٥، وإنما تخلى جهنم وهي الطبقة العليا التي فيها العصاة من أهل التوحيد"٦.
والخلاصة مما تقدم أنه يجب على المسلم أن يؤمن بما دل عليه كتاب الله وسنة
_________________
(١) انظر تفسير المنار ١/٢٣٤.
(٢) انظر كتاب "الإنسان في القرآن الكريم لعبد الكريم الخطيب ص٤٧٠".
(٣) ٤/٢١٨٩.
(٤) سورة فاطر آية: ٣٦.
(٥) سورة النساء آية: ١١٥.
(٦) انظر التذكرة للقرطبي ص٤٣٦ - ٤٣٧.
[ ٦٥٠ ]
رسوله بأن أهل الكفر والشرك والإلحاد خالدون في النار خلودًا مؤبدًا، دائمًا بلا انقطاع، ولا فتور وعلى هذا أجمع علماء الإسلام، وأئمته العدول.
قال أبو الحسن الأشعري:
"قال أهل الإسلام جميعًا ليس للجنة والنار آخر، وأنهما لا تزالان باقيتين، وكذلك أهل الجنة لا يزالون في الجنة يتنعمون وأهل النار لا يزالون في النار يعذبون وليس لذلك آخر ولا لمعلوماته ومقدوراته غاية ولا نهاية"١.
وقال ابن حزم في معرض حكايته الأمور التي أجمع عليها المسلمون: "وأن النار حق وأنها دار عذاب أبدًا لا تفنى، ولا يفنى أهلها أبدًا بلا نهاية وأنها أعدت لكل كافر مخالف لدين الإسلام ولمن خالف الأنبياء السالفين قبل مبعث رسول الله ﷺ وعليهم الصلاة والتسليم وبلوغ خبره إليه"٢.
وقال العلامة السيوطي مصرحًا بعدم فنائها:
ثمانية حكم البقاء يعمها من الخلق والباقون في حيز العدم
هي العرش والكرسي ونار وجنة وعجب وأرواح كذا اللوح والقلم٣
وقال العلامة ابن القيم ﵀: "وأما النار فإنها دار الخبث في الأقوال والأعمال والمآكل والمشارب ودار الخبيثين، فالله - تعالى - يجمع الخبيث بعضه إلى بعض فيركمه كما يركم الشيء لتراكب بعضه على بعض ثم يجعله في جهنم مع أهله فليس إلا خبيث، ولما كان الناس على ثلاث طبقات، طيب لا يشوبه خبث، وخبيث لا طيب فيه وآخرون فيهم خبث وطيب كانت دورهم ثلاثة:
دار الطيب المحض.
دار الخبث المحض.
وهاتان الداران لا تفنيان.
_________________
(١) انظر المقالات ١/٢٤٤.
(٢) مراتب الإجماع ص١٧٣.
(٣) ذكره في توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم ١/٩٦.
[ ٦٥١ ]
ودار لمن معه خبث وطيب وهي الدار التي تفنى وهي دار العصاة، فإنه لا يبقي في جهنم من عصاة الموحدين أحد، فإنهم إذا عذبوا بقدر جزائهم أخرجوا من النار فأدخلوا الجنة، ولا يبقى إلا دار الطيب المحض ودار الخبث المحض١.
وقال الطحاوي: "والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان ولا تبيدان٢".
وقال السفاريني: بعد أن ساق كثيرًا من الأدلة الدالة على أبدية الجنة والنار "فثبت بما ذكرنا من الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة خلود أهل الدارين خلودًا مؤبدًا كل بما هو فيه من نعيم وعذاب أليم وعلى هذا إجماع أهل السنة والجماعة، فأجمعوا على أن عذاب الكفار لا ينقطع كما أن نعيم أهل الجنة لا ينقطع ودليل ذلك الكتاب والسنة، وزعمت الجهمية أن الجنة والنار يفنيان، وقال هذا إمامهم جهم بن صفوان إمام المعطلة، وليس له في ذلك سلف قط لا من الصحابة ولا من التابعين ولا أحد من أهل أئمة الدين، ولا قال به أحد من أهل السنة٣".
هذا ما يجب على المسلم أن يعتقده في الجنة والنار وهو أنهما مخلوقتان لا يتطرق إليهما الفناء ولا الإبادة وأن أهلهما كل خالد فيما هو فيه من نعيم، وعذاب، فأهل الجنة منعمون فيها، وأهل النار معذبون بلا فتور ولا إنقطاع وهذا هو معتقد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة٤ جعلنا الله منهم.
_________________
(١) الوابل الصيب ص١٨.
(٢) العقيدة الطحاوية مع شرحها ص٤٧٦.
(٣) لوامع الأنوار البهية ٢/٢٣٤.
(٤) وقد عد بعض العلماء الأقوال في أبدية النار إلى سبعة أقوال. انظر "حادي الأرواح" ص٢٤٨ - ٢٤٩، شرح الطحاوية ص٤٨٣، فتح الباري ١١/٤٢١ - ٤٢٢، لوامع الأنوار البهية ٢/٢٣٤ - ٢٣٥، يقظة أولي الاعتبار لصديق خان ص٤١، جلاء العينين ص٤٢٠ - ٤٢١.
[ ٦٥٢ ]
الفصل الثالث: الجنة دار المتقين
المبحث الأول: كيفية دخول أهل الجنة الجنة
تمهيد:
إن الجنة دار الذي أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهي دار جنانها تجري من تحتها الأنهار قصورها لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها١ المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران وخيامها اللؤلؤ المجوف، وهي نور يتلألأ، وريحانة تهتز، ونهر مطرد وفاكهة وخضرة وزوجات حسان فيها السدر المخضود، والطلح المنضود، والظل الممدود، والماء المسكوب، أهلها يأكلون فيها ويتنعمون، ولا يمتخطون، ولا يبولون بل مسك يرشح، ويحيون ولا يموتون وجوههم مسفرة ضاحكة مستبشرة فيها الجمال المبين فيها الأزواج من الحور العين، كل نعيمها دائم، وكل شيء فيها باسم، فيها يرفع الحجاب، وينظرون إلى وجه العزيز الوهاب، ومهما عبرنا عن صفاتها فإن تعبيرنا لا يحيط بما هي عليه، ولا يمكن أن يصفها أحد كما هي عليه حقيقة إلا شخص واحد ذلكم هو الرسول ﷺ الذي تلقى صفاتها عن - الباري جل وعلا - وأيضًا جاءت الأحاديث الصحيحة أنه ﵊ رآها مرتين، مرة في اليقظة٢، ومرة منامًا٣ فلنستمع إليه وهو يصفها.
روى البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله ﷿ أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن
_________________
(١) أي: طينها.
(٢) انظر الحديث الطويل الذي جاء في صلاة الكسوف وفيه أنه ﷺ رأى الجنة وهمَّ أن يتناول منها عنقودًا وهذه الرؤية كانت يقظة. الحديث في صحيح البخاري ١/١٨٧، صحيح مسلم ٢/٦١٩.
(٣) رؤيته لها منامًا جاء ذلك في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة "بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر الحديث. صحيح البخاري ٢/٢١٦، صحيح مسلم ٤/١٨٦٣.
[ ٦٥٥ ]
سمعت ولا خطر على قلب بشر فاقرؤوا إن شئتم ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ "١.
فهذا الحديث القدسي بين الله - تعالى - فيه أنه أعد لعباده الصالحين من النعيم في الجنة ما تقصر عقول البشر عن الإحاطة به. وقد ورد في سورة "الزمر" آيات تضمنت ذكر مباحث تتعلق بالجنة وهي ما سنتحدث عنها فيما يأتي:
_________________
(١) صحيح البخاري ٢/٢١٧، صحيح مسلم ٤/٢١٧٤، والآية رقم (١٧) من سورة السجدة.
[ ٦٥٦ ]
المبحث الأول: كيفية دخول أهل الجنة الجنة
لقد بين الله في سورة "الزمر" الكيفية التي يدخل بها المتقون الجنة بقوله - تعالى - ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ ١ فقد بين تعالى أن دخولهم الجنة يكون على هيئة جماعات متتابعة، وأفواج متتالية كما يفهم ذلك من قوله ﷿ ﴿زُمَرًا﴾ ودخولهم الجنة على هذا النحو يجعلهم فرحين مستأنسين بعضهم ببعض.
ولقد بين النبي ﷺ صفة كل زمرة على حدة.
جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوطون فيها. آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة ومجامرهم من الألوة٢ ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشيًا" ٣.
وهذه الصفات في هذا الحديث هي صفات السابقين الذين كانوا في دنياهم سبّاقين إلى فعل الخيرات فكان جزاؤهم في الآخرة أن سبقوا إلى الجنات، إذ سبقهم في الآخرة كان على قدر سبقهم إلى الطاعات في هذه الحياة الدنيا.
_________________
(١) جاء في اللسان: "والزمرة الفوج من الناس والجماعة من الناس وقيل: الجماعة في تفرقة، والزمر الجماعات" اهـ. ٤/٣٢٨.
(٢) الألوة: في النهاية: "هو العود الذي يتبخر به" ١/٦٣.
(٣) صحيح البخاري ٢/٢١٧، صحيح مسلم ٤/٢١٨٠.
[ ٦٥٧ ]
وأما صفة الزمرة التي تلي أولئك المقربين في دخول الجنة فقد جاء أن أحدهم يرى كأشد الكواكب إضاءة في السماء.
روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة أيضًا أن رسول الله ﷺ قال: "أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أشد كوكب درّي في السماء إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يتفلون أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين أخلاقهم على خلق رجل واحد. على صورة أبيهم آدم. ستون ذراعًا في السماء" ١.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ: "أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل الحديث" ٢.
وروى الشيخان أيضًا من حديث أبي حازم عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفًا، أو سبعمائة ألف - لا يدري أبو حازم أيّهما قال ـ: متماسكون، آخذ بعضهم بعضًا لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم وجوههم على صورة القمر ليلة البدر "٣.
فلله ما أعظم هذا النعيم، وما أجل هذا التكريم الذي يناله أولئك المتقون المؤمنون، ويا ذلة من حرمه ولم يظفر به وذلك هو الخسران المبين.
_________________
(١) صحيح البخاري ٢/٢١٧. صحيح مسلم ٤/٢١٧٩.
(٢) صحيح مسلم ٤/٢١٧٩.
(٣) صحيح البخاري مع الفتح ١١/٤١٦، صحيح مسلم ١/١٩٨ - ١٩٩.
[ ٦٥٨ ]
المبحث الثاني: أبواب الجنة
ورد ذكر أبواب الجنة في السورة من غير نص على عددها، أو تسميتها قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ .
قال العلامة ابن القيم بعد أن ذكر هذه الآية مبينًا أسرارها العجيبة ومعانيها الدقيقة.
قال ﵀: "وقال في صفة النار ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ بغير واو فقالت طائفة: هذه واو الثمانية دخلت في أبواب الجنة لكونها ثمانية وأبواب النار سبعة فلم تدخلها الواو، وهذا قول ضعيف لا دليل عليه، ولا تعرفه العرب، وإنما هو من استنباط بعض المتأخرين".
وقالت طائفة أخرى: الواو زائدة والجواب الفعل الذي بعدها كما هو في الآية الثانية، وهذا أيضًا ضعيف فإن زيادة الواو غير معروف في كلامهم ولا يليق بأفصح الكلام أن يكون فيه حرف زائد لغير معنى ولا فائدة.
وقالت طائفة ثالثة: الجواب محذوف، وقوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ عطف على قوله ﴿جَاءُوهَا﴾ وهذا اختيار أبي عبيدة والمبرد١ والزجاج وغيرهم. قال المبرد: وحذف
_________________
(١) هو: محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي أبو العباس المعروف بالمبرد إمام العربية ببغداد في زمنه. ولد سنة عشر ومائتين وتوفي سنة ست وثمانين ومائتين هجرية. بغية الوعاة ١/٢٦٩، وفيات الأعيان ١/٤٩٥، تاريخ بغداد ٣/٣٨٠.
[ ٦٥٩ ]
الجواب أبلغ عند أهل العلم، قال أبو الفتح ابن جني١ وأصحابنا يدفعون زيادة الواو ويرون أن الجواب محذوف للعلم به.
قال ابن القيم: "بقي أن يقال: فما السر في حذف الجواب في آية أهل الجنة، وذكره في آية "أهل النار"؟ فيقال: هذا أبلغ في الموضعين فإن الملائكة تسوق أهل النار إليها وأبوابها مغلقة حتى إذا وصلوا إليها فتحت في وجوههم فيفجأهم العذاب بغتة فحين انتبهوا إليها فتحت أبوابها بلا مهلة، فإن هذا شأن الجزاء المرتب على الشرط أن يكون عقيبه فإنها دار الإهانة والخزي فلم يستأذن لهم في دخولها، ويطلب إلى خزنتها أن يمكنوهم من الدخول".
وأما الجنة فإنها دار الله ودار كرامته، ومحل خواصه وأوليائه فإذا انتهوا إليها صادفوا أبوابها مغلقة فيرغبون إلى صاحبها ومالكها أن يفتحها لهم ويستشفعون إليه بأولي العزم من رسله، وكلهم يتأخر عن ذلك حتى تقع الدلالة على خاتمهم وسيدهم، وأفضلهم فيقول أنا لها فيأتي إلى تحت العرش ويخر ساجدًا لربه فيدعه ما شاء الله أن يدعه ثم يأذن له في رفع رأسه وأن يسأله حاجته فيشفع إليه - سبحانه - في فتح أبوابها فيشفعه ويفتحها تعظيمًا لخطرها، وإظهارًا لمنزلة رسوله وكرامته عليه، وإن مثل هذه الدار التي هي دار ملك الملوك ورب العالمين إنما يدخل إليها بعد تلك الأهوال العظيمة التي أولها من حين عقل العبد في هذه الدار إلى أن انتهى إليها، وما ركبه من الأطباق طبقًا بعد طبق وقاساه من الشدائد شدة بعد شدة حتى أذن الله - تعالى - لخاتم أنبيائه ورسله وأحب خلقه إليه أن يشفع إليه في فتحها لهم، وهذا أبلغ وأعظم في تمام النعمة وحصول الفرح والسرور مما يقدر بخلاف ذلك لئلا يتوهم الجاهل أنها بمنزلة الخان الذي يدخله من شاء، فجنة الله عالية غالية، بين الناس وبينها من العقبات والمفاوز والأخطار مالا تنال إلا به، فما لمن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ولهذه الدار فلبعد عنها إلى ما هو أولى به، وقد خلق له وهيئ له، وتأمل ما في سوق الفريقين إلى الدارين زمرًا من فرحة هؤلاء بإخوانهم وسيرهم معهم كل زمرة على حدة كل مشتركين في عمل متصاحبين فيه على زمرتهم وجماعتهم مستبشرين أقوياء القلوب كما كانوا في الدنيا وقت اجتماعهم على الخير، كذلك يؤنس بعضهم بعضًا ويفرح بعضهم
_________________
(١) هو: عثمان بن جني الموصلي أبو الفتح من أئمة الأدب والنحو. توفي سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة. انظر ترجمته في: "وفيات الأعيان ١/٣١٣، بغية الوعاة ٢/١٣٢، شذرات الذهب ٣/١٤٠".
[ ٦٦٠ ]
ببعض وكذلك أصحاب الدار الأخرى يساقون إليها زمرًا يلعن بعضهم بعضًا، ويتأذى بعضهم ببعض وذلك أبلغ في الخزي والفضيحة والهتيكة من أن يساقوا واحدًا واحدًا فلا تهمل تدبر قوله ﴿زُمَرًا﴾ وقال خزنة الجنة لأهلها ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ فبدؤهم بالسلام المتضمن للسلامة من كل شر ومكروه أي: سلمتم فلا يلحقكم بعد اليوم ما تكرهون، ثم قالوا لهم ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ أي: سلامتكم، ودخولها بطيبكم فإن الله حرمها إلا على الطيبين فبشروهم بالسلامة والطيب والدخول والخلود.
وأما أهل النار فإنهم لما انتهوا إليها على تلك الحال من الهم والغم والحزن وفتحت لهم أبوابها وقفوا عليها وزيدوا على ما هم عليه توبيخ خزنتها وتكبيتهم لهم بقولهم ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ فاعترفوا وقالوا ﴿بَلَى﴾ فبشروهم بدخولها والخلود فيها وأنها بئس المثوى لهم، وتأمل قول خزنة الجنة لأهلها "ادخلوها" وقول خزنة النار لأهلها "ادخلوا أبواب جهنم" تجد تحته سرًا لطيفًا ومعنى بديعًا لا يخفى على المتأمل وهو أنها لما كانت دار العقوبة وأبوابها أفظع شيء وأشده حرًا وأعظمه عما يستقبل فيها الداخل من العذاب ما هو أشد منها ويدنوا من الغم والخزي والحزن والكرب بدخول الأبواب فقيل: ادخلوا أبوابها صغارًا لهم وإذلالًا وخزيًا، ثم قيل لهم: لا يقتصر بكم على مجرد دخول الأبواب الفظيعة ولكن وراءها الخلود في النار، وأما الجنة فهي دار الكرامة والمنزل الذي أعده الله لأوليائه فبشروا من أول وهلة بالدخول إلى المقاعد والمنازل والخلود فيها، وتأمل قوله سبحانه ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾ ١. كيف تجد تحته معنى بديعًا وهو أنهم إذا دخلوا الجنة لم تغلق أبوابها عليهم بل تبقى مفتحة كما هي، وأما النار فإذا دخلها أهلها أغلقت عليهم أبوابها كما قال تعالى ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ٢ أي مطبقة مغلقة ومنه سمي الباب "وصيدًا" وهي ﴿مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قد جعلت العمد ممسكة للأبواب من خلفها كالحجر العظيم الذي يجعل خلف الباب.
قال مقاتل: "يعني أبوابها عليهم مطبقة فلا يفتح لها باب ولا يخرج منها غم ولا يدخل فيها روح آخر الأبد".
_________________
(١) سورة ص آية: ٥٠، ٥١.
(٢) سورة الهمزة آية: ٨.
[ ٦٦١ ]
وأيضا: فإن في تفتيح الأبواب لهم إشارة إلى تصرفهم وذهابهم وإيابهم وتبوئهم في الجنة حيث شاؤوا ودخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف والألطاف من ربهم ودخول ما يسرهم عليهم كل وقت وأيضا إشارة إلى أنها دار أمن لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب كما كانوا يحتاجون إلى ذلك في الدنيا" اهـ١.
ولقد اقتبست هذا النص بطوله من كلام ابن القيم لما فيه من تجلية وبيان لمعاني الآية المتقدمة ذلك أن هذا التنقيب لإخراج تلك المعاني الدقيقة والأسرار العجيبة في تلك الآية لم أجده بهذه الصورة البديعة عند غير ابن القيم رحمة الله - تعالى - عليه ثم إني قلت قريبًا إن ذكر أبواب الجنة في السورة قد ورد مطلقًا من غير نص على عددها، أو تسميتها، وكذلك غيرها من سور القرآن التي ورد فيها ذكر أبواب الجنة فإنه لم يرد فيها التنصيص على العدد أو التسمية لتلك الأبواب.
قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ ٢.
وقال ﷿: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ﴾ ٣.
أما السنة النبوية الشريفة فقد بينت أن عدد أبواب الجنة ثمانية، كما بينت أسماء بعضها، وأن أعلى تلك الأبواب هو باب الجهاد، ولها باب يقال له الريان لا يدخل منه إلا الصائمون، فإذا دخلوا أغلق، فلا يدخل منه أحد غيرهم ولكل نوع من الأعمال الصالحة باب يدخل منه أهله المبرزون فيه وقد يدعى العبد من تلك الأبواب الثمانية جميعها إذا قام بجميع شعب الإيمان، ووفى بجميع شرائع الإسلام، ومن هذا النوع صدِّيق هذه الأمة وأفضل الناس جميعًا بعد النبيّين أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ فرضي الله عنه وأرضاه.
روى الشيخان بإسنادهما من حديث سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة بابًا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم يقال:
_________________
(١) حادي الأرواح ص٣٨ - ٤٠.
(٢) سورة الرعد آية: ٢٣.
(٣) سورة ص آية: ٥٠.
[ ٦٦٢ ]
أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد"١.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من أنفق زوجين في شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام" فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة؟ فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ فقال: "نعم وأرجو أن تكون منهم"٢.
"لما سمت همة الصديق إلى تكميل مراتب الإيمان، وطمعت نفسه أن يدعى من تلك الأبواب كلها سأل رسول الله ﷺ هل يحصل ذلك لأحد من الناس ليسعى في العمل الذي ينال به ذلك فخبّره بحصوله، وبشّره بأنه من أهله، وكأنه قال: هل تكمل لأحد هذه المراتب فيدعى يوم القيامة من أبوابها كلها؟ فلله ما أعلى وأكبر هذه النفس"٣.
وقال الحافظ ابن حجر: "في الحديث إشعار بقلة من يدعى من تلك الأبواب كلها وفيه إشارة إلى أن المراد ما يتطوع به من الأعمال المذكورة لا واجباتها لكثرة من يجتمع له العمل بالواجبات كلها بخلاف التطوعات فقلّ من يجتمع له العمل بجميع أنواعها، ثم من يجتمع له ذلك إنما يدعى من جميع الأبواب على سبيل التكريم له، وإلا فدخوله إنما يكون من باب واحد ولعله باب العمل الذي يكون أغلب عليه والله أعلم" اهـ٤.
وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما منكم من أحد يتوضأ فيبالغ، أو فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيّها شاء" ٥.
_________________
(١) صحيح البخاري ١/٣٢٤، صحيح مسلم ٢/٨٠٨.
(٢) صحيح البخاري ١/٣٢٥، صحيح مسلم ٢/٧١٢.
(٣) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص: ٧٥ - ٧٦.
(٤) الفتح ٧/٢٨ - ٢٩.
(٥) ١/٢١٠.
[ ٦٦٣ ]
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث لقيط بن عامر عندما خرج وافدًا إلى النبي ﷺ وفيه: "وإن للجنة لثمانية أبواب ما منهما بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عامًا" ١.
وقال ﵊: "ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية من أيّها شاء دخل"٢.
وهكذا نرى أن السنة المطهرة أوضحت أن أبواب الجنة ثمانية كما عينت بعض أبوابها بأسمائها.
وأما سعة أبوابها وهي المسافة التي تكون بين مصراعي الباب فقد وردت بشأنها أحاديث عدة منها:
حديث الشفاعة الطويل المتفق على صحته وهو المروي عن أبي هريرة ﵁ قال: أتي رسول الله ﷺ يومًا بلحم فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه فنهس٣ منه نهسة فقال: "أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر" إلى أن قال ﵊: "فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله عليّ ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال: يا محمد. إرفع رأسك سل تعطه، إشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول: يا رب. أمتي، أمتي. فيقال: يا محمد. أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى".
وفي لفظ آخر "والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة إلى عضادتي الباب٤ لكما بين مكة وهجر، أو هجر ومكة. هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري:
_________________
(١) ٤/١٤.
(٢) رواه ابن ماجة من حديث عتبة بن عبد السلمي ﵁. السنن ٢/٥١٢.
(٣) النهس: أخذ اللحم بأطراف الأسنان، النهاية ٥/١٣٦.
(٤) عضادتا الباب: هما خشبتاه من جانبيه، شرح النووي على مسلم ٣/٧٠.
[ ٦٦٤ ]
"إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير، أو كما بين مكة وبصرى"١.
وروى الإمام أحمد من حديث حكيم بن معاوية عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله، وما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عامًا، وليأتين عليه يوم وإنه لكظيظ" ٢.
وأما مقدار المسافة التي تكون بين كل بابين:
فقد قدرت بمسيرة سبعون عامًا. روى الطبراني٣ في معجمه والإمام أحمد في مسنده من حديث لقيط بن عامر ﵁ أنه خرج وافدًا إلى رسول الله ﷺ قال: قلت يا رسول الله فما الجنة والنار؟ قال: لعمر إلهك أن للنار سبعة أبواب ما منهن بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عامًا، وأن للجنة ثمانية أبواب ما منهن بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عامًا الحديث٤.
وهذا الحديث الظاهر منه أن هذه المسافة بين الباب، والباب لأن ما بين مكة وبصرى لا يحتمل التقدير بسبعين عامًا، ولا يمكن حمله على باب معين لقوله "ما منهن بابان" والله أعلم٥.
وبعد أن ذكرنا أبواب الجنة وما يتعلق بهما من حيث سعتها والمسافة التي تكون بين كل بابين من أبوابها يحسن بنا أن نتبع ذلك بالمفتاح الذي تفتح به تلك الأبواب.
فنقول: إن تلك الأبواب لا تفتح إلا لمن يملك مفتاحها ولا بد لهذا المفتاح من أسنان حتى يكون صالحًا للفتح، ومفتاح تلك الأبواب هي كلمة التوحيد، وشهادة
_________________
(١) صحيح مسلم ١/١٨٥ - ١٨٦، صحيح البخاري ٣/١٥٠.
(٢) المسند ٥/٣، وانظر خطبة عتبة بن غزوان في صحيح مسلم ٤/٢٢٧٨ - ٢٢٧٩، ومسند أحمد ٤/١٧٤.
(٣) هو: سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم من كبار المحدثين أصله من طبرية الشام وإليها نسبته. ولد "بعكا" سنة ستين ومائتين، وتوفي سنة ستين وثلاثمائة هجرية. انظر ترجمته في: "وفيات الأعيان" ١/٢١٥، النجوم الزاهرة ٤/٥٩، تهذيب دمشق لابن عساكر ٦/٢٤٠.
(٤) الحديث بطوله في "معجم الطبراني الكبير" ١٩/٢١١ - ٢١٤، والمسند ٤/١٤.
(٥) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص٩٦.
[ ٦٦٥ ]
الإخلاص التي هي "لا إله إلا الله". وأما أسنان هذا المفتاح فهي شرائع الإسلام كلها، من الصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة والجهاد وبر الوالدين وأداء الأمانة والإحسان إلى الجار وغير ذلك مما حض عليه دين الإسلام الحنيف والمفتاح لا يكمل إلا بأسنانه أما بدونها فلا فقد ذكر البخاري في صحيحه عن وهب١ بن منبه أنه قيل له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى. ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك"٢.
وجاء في عمدة القارئ أن أبا نعيم الأصبهاني قال في كتابه "أحوال الموحدين": "إن أسنان هذا المفتاح هي الطاعات الواجبة من القيام بطاعة الله - تعالى - وتأديتها والمفارقة لمعاصي الله ومجانبتها" اهـ٣.
وفي الحقيقة أن هذا المثال الذي ضربه وهب بن منبه يجب اعتباره إذ أنه متضمن الإشارة إلى حل الإستشكال في بعض أحاديث الوعد التي علق فيها دخول الجنة على قول "لا إله إلا الله" أو الموت على التوحيد، فالواجب أن لا يفهم من تلك الأحاديث أن مجرد النطق بقول: "لا إله إلا الله" كاف في دخول الجنة والنجاة من النار، بل لا بد من القيام معها بحقوقها التي هي شرائع الإسلام والحرص قولًا وعملًا على تكميل مراتب الإيمان فكلمة لا إله إلا الله، سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، ومقتضٍ لذلك، ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع.
قال الحسن للفرزدق٤ وهو يدفن امرأته: ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن
_________________
(١) هو: وهب بن منبه بن كامل اليماني الصنعاني روى عن أبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس وابن عمر وغيرهم. قال العجلي: تابعي ثقة وكان على قضاء صنعاء ووثقه أيضًا: أبو زرعة والنسائي وابن حبان كان مولده سنة أربع وثلاثين وتوفي سنة عشر ومائة هجرية. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" ١١/١٦٦ - ١٦٨".
(٢) ١/٢١٥.
(٣) عمدة القارئ ٨/٣.
(٤) هو: همام بن غالب التميمي الدارمي أبو فارس الشهير بالفرزدق شاعر بليغ من أهل البصرة عظيم الأثر في اللغة من الطبقة الأولى في الإسلاميين كانت وفاته في بادية البصرة سنة عشر ومائة هجرية، وكلمة الحسن له تعريض بما كان الفرزدق يقوله في شعره من هجر القول. انظر ترجمته في: "خزانة الأدب للبغدادي ١/١٠٥ - ١٠٨، وفيات الأعيان ٢/١٩٦، الأعلام ٩/٩٦ - ٩٧".
[ ٦٦٦ ]
لا إله إلا الله منذ سبعين سنة. قال الحسن: نعم العدة لكن ل"لا إله إلا الله" شروط فإياك وقذف المحصنة، وقيل للحسن: إن ناسًا يقولون من قال: "لا إله إلا الله" دخل الجنة؟ فقال: "من قال: لا إله إلا الله، فأدى حقها وفرضها دخل الجنة"١.
_________________
(١) كلمة الإخلاص وتحقيق معناها لابن رجب ص١٣ - ١٤.
[ ٦٦٧ ]
المبحث الثالث: خزنة الجنة
قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ .
والخزنة: جمع خازن مثل حفظة وحافظ وهو المؤتمن على الشيء الذي قد استحفظه١.
ففي هذه الآية الكريمة من السورة بين - جل وعلا - بأن للجنة خزنة، وهم القائمون عليها من الملائكة، وأنهم يقولون لأهل الجنة وهم المتقون إذا انتهوا إليها: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ .
فيبدؤون الكلام معهم بالسلام الذي هو متضمن للسلامة من كل مكروه وشر، وكأنهم يقولون لهم: سلمتم فلا يلحقنكم بعد اليوم ما تكرهون، ثم يقولون لهم: إن دخولكم الجنة كان بطيبكم إذ الجنة حرمها الله على غير الطيبين، فبشروهم بالسلامة، والطيب والدخول والخلود فيها أبدًا، وهذه النتيجة النهائية لأهل الإيمان. روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما بإسنادهما من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزنة الجنة كل خزنة باب: أي فل٢ هلمّ" فقال أبو بكر: يا رسول الله ذلك الذي لا توى عليه٣ قال رسول الله ﷺ: "إني لأرجو أن تكون منهم"٤.
_________________
(١) حادي الأرواح ص٧٥.
(٢) فل: معناه: أي فلان فرخم ونقل إعراب الكلمة على إحدى اللغتين في الترخيم، وقيل: فل: لغة في فلان في غير النداء والترخيم كذا نقله النووي عن القاضي عياض شرح النووي ٧/١١٧.
(٣) لا توى عليه: أي: لا ضياع ولا خسارة وهو من التوى: الهلاك. النهاية ١/٢٠١، هدي الساري ص٩٤.
(٤) البخاري: ٢/٢١٢، صحيح مسلم ٢/٧١٢. ومسند أحمد ٢/٣٦٦.
[ ٦٦٨ ]
وروى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول محمد. فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك"١.
قال ابن القيم: "قد سمى الله ﷾ كبير هذه الخزنة رضوان وهو اسم مشتق من الرضا" اهـ٢.
_________________
(١) ١/١٨٨.
(٢) حادي الأرواح ص٧٦، وانظر: البداية: ١/٥٣.
[ ٦٦٩ ]
المبحث الرابع: أرض الجنة
لقد بينت السورة أن المتقين هم الذين يرثون أرض الجنة، وأنهم ينزلون منها حيث يشاؤون ويسكنون منها منازل حيث يحبون ويشتهون وأنهم عندما يشاهدون الجنة وما فيها من النعيم يحمدون ربهم ويثنون عليه، وينوهون بصدق وعده لهم.
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لله الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ .
فالمراد بالأرض في قوله ﴿وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ﴾ هي: أرض الجنة.
قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ﴾ قال: أرض الجنة وبهذا قال السدي وابن زيد وقتادة وأبو العالية١ وأبو صالح٢.
وقال البغوي: ﴿وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ﴾ أي: أرض الجنة وهو قوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ ٣.
"وقال ابن قتيبة٤: " ﴿وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ﴾ أي: "أرض الجنة"٥.
_________________
(١) أبو العالية: رفيع بن مهران الرياحي البصري عالم بالقرآن توفي سنة إحدى عشرة ومائة هجرية. انظر ترجمته في: "طبقات الحفاظ للسيوطي ص٢٩، تذكرة الحفاظ للذهبي ١/٦١، تهذيب التهذيب ٣/٢٨٤".
(٢) جامع البيان ٢٤/٣٧، تفسير القرآن العظيم ٦/١١٦.
(٣) تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن ٦/٧٢ والآية رقم ١٥٠ من سورة الأنبياء.
(٤) هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري أبو محمد من أئمة الأدب، ومن المصنفين المكثرين. ولد ببغداد وسكن الكوفة، ثم ولي قضاء الدينورة مدة فنسب إليها. ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين وتوفي سنة ست وسبعين ومائتين هجرية. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ١/٢٥١، الميزان ٢/٥٠٣، الأعلام ٤/٢٨٠.
(٥) تفسير غريب القرآن ص ٣٨٤.
[ ٦٧٠ ]
وقال القرطبي: ﴿وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ﴾ أي: أرض الجنة١.
وبعض أهل العلم يرى أن المراد بالأرض أرض الجنة التي كانت لأهل النار لو دخلوها.
وقال ابن جرير ﴿وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ﴾ يقول: "وجعل أرض الجنة التي كانت لأهل النار لو كانوا أطاعوا الله في الدنيا فدخلوها ميراثًا لنا"٢.
ولعل مستندهم في حمل الآية على هذا قوله ﷺ: "ما منكم من أحد إلا له منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ ٣.
قال الحافظ بعد أن ذكر هذا الحديث: "وقال جمهور المفسرين: في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لله الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ﴾ الآية. المراد بأرض الجنة التي كانت لأهل النار لو دخلوا الجنة وهو موافق لهذا الحديث"٤.
أقول:
كون الحديث دل على أن لكل أحد منزلًا في الجنة ومنزلًا في النار هذا مما لا نزاع فيه بل يجب على كل امرئ الإيمان بذلك إلا أن حمل الآية عليه غير صواب لأن أهل الجنة يرثون من الجنة منازلهم المعدة لهم بسبب أعمالهم وتقواهم كما قال ﷿: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون﴾ ٥.
وعلى سبيل الفرض أن أهل الجنة يرثون منازل أهل النار وأن قصر الآية على ذلك يوهم أنهم ليس لهم في الجنة إلا ما أورثوا من منازل أهل النار والواقع من خلال النصوص يخالف ذلك. قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ ٦.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٨٧.
(٢) جامع البيان ٢٤/٣٧.
(٣) رواه ابن ماجة من حديث أبي هريرة ﵁ ٢/١٤٥٣.
(٤) الفتح ١١/٤٤٢.
(٥) سورة الأعراف آية: ٤٣.
(٦) سورة مريم آية: ٦٣.
[ ٦٧١ ]
وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١.
فهذه صفات وشروط الإرث للفردوس الأعلى فمن أحرز هذه الصفات وتمثل بها كان من سكانها بعد رحمة الله تعالى.
وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
فهذه الآيات وأشباهها بينت أن سبب إرث أهل الجنة للجنة هو تقواهم لربهم وما قدموا من الأعمال الصالحة في دنياهم ومما ينبغي أن يعلم أن العمل لا يكفي مستقلًا في دخول الجنة بل لابد من رحمة الله - تعالى - بعد ذلك.
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لن يدخل أحدًا منكم عمله الجنة" قالوا: ولا أنت يا رسول الله. قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضله ورحمته".
وفيه أيضًا: من حديث عائشة ﵂ أنها كانت تقول: قال رسول الله ﷺ: "سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لن يدخل الجنة أحدًا عمله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، واعلموا إن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلّ".
ومن حديث جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخل أحدًا منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار ولا أنا إلا برحمة من الله" ٣.
فهذه الأحاديث تدل على أن العمل لا يكفي وحده لدخول الجنة بل الدخول فيها يكون برحمة الله - تعالى - وفضله مع مراعاة جانب العمل.
_________________
(١) سورة المؤمنون آية: ١ - ١٠.
(٢) سورة الزخرف آية: ٧٢.
(٣) انظر هذه الأحاديث الثلاثة في "صحيح مسلم" ٤/٢١٧٠ - ٢١٧١.
[ ٦٧٢ ]
قال النووي: "وفي ظاهر هذه الأحاديث دلالة لأهل الحق أنه لا يستحق أحد الثواب والجنة بطاعة وأما قوله - تعالى - ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١ ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٢ ونحوهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يدخل بها الجنة فلا يعارض هذه الأحاديث بل معنى الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال، ثم التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها وقبولها برحمة الله - تعالى - وفضله فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل وهو مراد الأحاديث، ويصح أنه دخل بالأعمال أي: بسببها وهي من الرحمة والله أعلم"٣.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ تعالى ـ: "الأعمال أسباب لا أعواض وأثمان والذي نفاه النبي ﷺ في الدخول بالعمل هو نفي استحقاق العوض ببذل عوضه فالمثبت باء السببية والمنفي باء المعاوضة والمقابلة وهذا فصل الخطاب في هذه المسألة" اهـ٤.
وهكذا جمع أهل العلم بين الآيات القرآنية التي ظاهرها أن الإنسان يدخل الجنة بعمله وبين الأحاديث التي دلت على أن الجنة لا يدخلها أهلها إلا برحمة الله وبمعرفة هذا الجمع بين الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة يتضح الرد على القدرية النفاة الذين يثبتون الأحكام بالعقل، ويوجبون على الله ثواب الأعمال، كما يوجبون أن يفعل الأصلح للعباد، ويمنعون خلاف هذا، وقولهم هذا صادر عن اختراعاتهم الباطلة التي مضمونها نبذ نصوص الشرع وراء ظهورهم وتحكيمهم عقولهم الفاسدة٥.
كما يتضح من الجمع السابق الرد على القدرية الجبرية الذين يلغون دور العمل في دخول الجنة، وينكرون أن يكون سببًا في النجاة من النار وكلا القولين باطلان بشهادة النقل والعقل والفطرة، وقول كل من الطائفتين مشتمل على خطأ وصواب.
فالقدرية النفاة: أصابوا في إثبات السببيّة وحالفهم الخطأ في إثبات المعاوضة.
_________________
(١) سورة النحل آية: ٣٢.
(٢) سورة الزخرف آية: ٧٢.
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/١٦٠ - ١٦١.
(٤) مفتاح دار السعادة ٢/٩٢، وانظر حادي الأرواح ص ٦١.
(٥) انظر المغني لعبد الجبار بن أحمد ١٤/١٧٢ وما بعدها، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/١٦٠، وانظر مفتاح دار السعادة لابن القيم ٢/٩٢.
[ ٦٧٣ ]
وأما القدرية الجبرية: فقد أصابوا في نفي المعاوضة ولازمهم الخطأ في نفي السببية والحق في هذه المسألة بين ذلك وهو أن المثبت في الآيات باء السببية والمنفي في الأحاديث باء المعاوضة والمقابلة كما تقدم في كلام ابن القيم ﵀ تعالى - فقد وفق الله أهل السنة لما اختلف فيه من الحق بإذنه حيث جمعوا ما مع الطائفتين من الحق والصواب فكانوا أسعد بالحق منهما وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم١.
وبعد هذا الاستطراد اليسير الذي تحتم الإتيان به هنا ليتناسب مع الآيات والأحاديث التي تقدم ذكرها نعود إلى ما نحن بصدد البحث حوله من بيان صفة أرض الجنة التي يرثها عباد الله المتقون فنقول: إنه لا يستطيع أحد أن يصفها لنا كما هي عليه إلا رسول الله ﷺ ولنستمع إلى ما جاء عنه في ذلك.
روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أنس أن النبي ﷺ قال في حديث الإسراء "ثم انطلق بي جبرائيل حتى أتى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ما هي قال: ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ٢ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك"٣.
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن ابن صياد سأل النبي ﷺ عن تربة الجنة؟ فقال: "درمكة بيضاء مسك خالص"٤.
قال النووي: "قوله في تربة الجنة "هي درمكة بيضاء مسك خالص" قال العلماء: معناه أنها في البياض درمكة وفي الطيب مسك والدرمك هو الدقيق الحواري الخالص البياض" اهـ٥.
وروى الإمام أحمد وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: قلنا يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: "لبنة ذهب، ولبنة فضة، وملاطها٦ المسك
_________________
(١) مستفاد من كتاب مفتاح دار السعادة ٢/٩٢.
(٢) جنابذ اللؤلؤ: قباب اللؤلؤ شرح النووي ٢/٢٢٢، فتح الباري ١/٤٦٣ - ٣٦٤.
(٣) صحيح البخاري ٢/٢٣٢، صحيح مسلم ١/١٤٩.
(٤) ٤/٢٢٤٣.
(٥) شرح النووي ١٨/٥٢.
(٦) الملاط: الطين الذي يجعل بين ساقي البناء يملط به الحائط. أي يخلط" اهـ النهاية لابن الأثير ٤/٣٥٧.
[ ٦٧٤ ]
الأذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وترابها الزعفران من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه"١.
وفي المصنف لابن أبي شيبة٢ أن ابن عمر قال: قيل يا رسول الله كيف بناء الجنة؟ قال: "لبنة من فضة ولبنة من ذهب ملاطها مسك وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وترابها الزعفران" ٣.
وفي سنن الترمذي من حديث جابر أن النبي ﷺ قال لناس من اليهود: "ما تربة الجنة؟ " قال: فسكتوا هنيهة ثم قالوا: خبزة يا أبا القاسم فقال النبي ﷺ: "الخبز من الدرمك" ٤.
والحاصل من الأحاديث المتقدمة في صفة أرض الجنة وتربتها أن بعضها أفاد أن ترابها الزعفران، والبعض الآخر أفاد أن ترابها المسك ولا تعارض بينهما إذ يجوز أن تكون تربتها متضمنة للنوعين، ويجوز أن يكون التراب من زعفران فإذا عجن بالماء صار مسكًا، والطين يسمى ترابًا ويدل على هذا قوله ﷺ: "ملاطها المسك" ٥ والملاط الطين.
"ويحتمل أن يكون زعفرانًا باعتبار اللون ومسكًا باعتبار الرائحة وهذا من أحسن شيء يكون البهجة والإشراق لون الزعفران، والرائحة رائحة المسك، وكذلك ورد تشبيهها بالدرمكة، وهي الخبزة الصافية التي يضرب لونها إلى الصفرة مع لينها ونعومتها"٦ والله أعلم.
_________________
(١) المسند ٢/٣٠٥، سنن الترمذي ٤/٧٩ - ٨٠.
(٢) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي مولاهم، الكوفي أبو بكر حافظ للحديث له فيه كتب منها: "المصنف". انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ" ٢/٤٣٢، تهذيب التهذيب ٦/٢، تاريخ بغداد ١٠/٦٦.
(٣) المصنف ١٣/٩٥ - ٩٦.
(٤) ٥/١٠٢ قال في مجمع الزوائد "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير مجالد ووثقه غير واحد ١٠/٣٩٩.
(٥) تقدم تخريجه قريبًا.
(٦) انظر حادي الأرواح ص ٩٤.
[ ٦٧٥ ]
المبحث الخامس: صفات أهل الجنة
إن للمتقين الذين يدخلون دار السلام ويتبؤون منها منازل حيث يشاؤون صفات يتميزون بها عن غيرهم، وصفاتهم كثيرة جدًا، وقد ذكر في سورة "الزمر" بعضها في عدد من آياتها.
قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ .
هذه المجموعة من الآيات من سورة "الزمر" تضمنت صفات عدة للمتقين الذين يساقون إلى الجنة "زمرًا" وتلك الصفات هي:
١ - أنهم يسمعون كلام الله سماع قبول وإجابة وفهم وإدراك فيعملون بأوامره، ويبتعدون عن نواهيه التي نهى عنها. ٢ - أنهم عندما يسمعون القرآن يتلى تقشعر جلودهم خوفًا من الله - جل وعلا - لما يفهمون من الوعيد الذي توعد به الكفار والمشركين.
[ ٦٧٦ ]
٣ - أنهم عند سماعهم كلام الله تلين جلودهم وقلوبهم إلى العمل بما في كتاب الله والتصديق به.
٤ - التصديق لما جاءهم من الحق.
قال مجاهد: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قال: أصحاب القرآن المؤمنون يجيئون يوم القيامة فيقولون: "هذا ما أعطيتمونا فعملنا فيه بما أمرتمونا"١.
٥ - تقواهم لربهم - جل وعلا - بامتثال الأوامر واجتناب النواهي وفي مقدمة ذلك إخلاصهم العبادة لله وحده لا شريك له، فلم يشركوا بعبادة ربهم أحدًا.
٦ - الصفة السادسة: أنهم طيبوا أعمالهم في الدنيا فلم يدنسوها بشرك ولا معصية، فطاب مأواهم في الدار الآخرة، وهو أنهم صاروا من سكان الجنة التي عرضها السموات والأرض ونجاهم الله من جهنم، وأمنهم من عذابها.
قال ابن كثير: عند قوله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ أي: هذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار المهيمن العزيز الغفار، لما يفهمون منه من الوعد والوعيد والتخويف والتهديد تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه:
أحدها:
أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات.
الثاني:
أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجدًا وبكيًا بأدب وخشية ورجاء ومحبة وفهم وعلم. كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ ٢ أي: لم يكونوا عند سماعها متشاغلين لاهين عنها بل مصغين إليها فاهمين بصيرين بمعانيها فلهذا إنما يعملون بها ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل ومتابعة لغيرهم.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٦/٩٣.
(٢) سورة الفرقان آية: ٧٣.
[ ٦٧٧ ]
الثالث:
أنهم يلزمون الأدب عند سماعها كما كان الصحابة ﵃ عند سماعهم كلام الله تعالى من تلاوة رسول الله ﷺ تقشعر جلودهم ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله لم يكونوا يتصارخون ولا يتكلفون ما ليس فيهم بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك ولهذا فازوا بالمدح من الرب الأعلى في الدنيا والآخرة.
وقال قتادة: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ قال: "هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله ﷿ بأن تقشعر جلودهم وتبكي أعينهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما هذا في أهل البدع وهذا من الشيطان"١.
وقال ابن جرير عند قوله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: وينجي الله من جهنم وعذابها الذين اتقوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه في الدنيا ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ يعني: بفوزهم.
قال السدي: في قوله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ قال: بفضائلهم.
وقال ابن زيد: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ قال: بأعمالهم. وقوله: ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: لا يمس المتقين من أذى جهنم شيء وهو السوء الذي أخبر - جل ثناؤه - أنه لن يمسهم، ولا هم يحزنون: يقول: ولا هم يحزنون على ما فاتهم من آراب الدنيا إذا صاروا إلى كرامة الله ونعم الجنان" اهـ٢.
قال البغوي: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ﴿بِمَفَازَاتِهِمْ﴾ بالألف على الجمع أي: بالطرق التي تؤديهم إلى الفوز والنجاة.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٦/٨٨ - ٨٩.
(٢) جامع البيان ٢٤/٢٢ - ٢٣.
[ ٦٧٨ ]
وقرأ الآخرون: ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ على الواحد لأن المفازة بمعنى الفوز أي: "ينجيهم بفوزهم من النار بأعمالهم الحسنة" اهـ١.
وجاء في زاد المسير حول قوله - تعالى - ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ فيها للمفسرين ثلاثة أقوال:
أحدها: بفضائلهم قاله السدي.
والثاني: بأعمالهم قاله ابن السائب.
والثالث: بفوزهم من النار.
قال المبرد: "المفازة مفعلة من الفوز وإن جمع فحسن كقولك السعادة، والسعادات، والمعنى: ينجيهم الله بفوزهم أي: بنجاتهم من النار وفوزهم بالجنة" اهـ٢.
وقال ابن كثير: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ أي: بما سبق لهم من السعادة، والفوز عند الله ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: لا يحزنهم الفزع الأكبر بل هم آمنون من كل فزع مزحزحون عن كل شر نائلون كل خير" اهـ٣.
وأما قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ .
فقد قال ابن جرير: حول هذه الآية: "يقول تعالى ذكره: وحشر الذين اتقوا ربهم بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه في الدنيا، وأخلصوا له فيها الألوهة، وأفردوا له العبادة، فلم يشركوا في عبادتهم إياه شيئًا إلى الجنة زمرًا يعني: جماعات" اهـ٤.
وقال العلامة ابن القيم: بعد سياقه لهذه الآية: عقَّب دخولها على الطيب بحرف الفاء الذي يؤذن بأنه سبب للدخول، أي بسبب طيبكم قيل لكم: ادخلوها - فإنها دار الطيبين لا يدخلها إلا طيب" اهـ٥.
_________________
(١) معالم التنزيل على حاشية تفسير الخازن ٦/٦٩.
(٢) ٧/١٩٤.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٦/١٠٥.
(٤) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٢٤/٣٤.
(٥) الوابل الصيب ص١٨.
[ ٦٧٩ ]
وقال ابن كثير: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ "وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون على النجائب وفدًا إلى الجنة. زمرًا أي: جماعة بعد جماعة. المقربون، ثم الأبرار، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كل طائفة مع من يناسبهم: الأنبياء مع الأنبياء، والصديقون مع أشكالهم، والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف كل زمرة يناسب بعضها بعضًا ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ أي: وصلوا إلى أبوب الجنة بعد مجاوزة الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة"١.
ثم إن المراد بسوق المتقين في قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ سوق مصحوب بالتكريم والتشريف والإعزاز مشيعين بما يشرح الصدور ويسر النفوس كتشييع المحبوب إلى أمر محبوب٢، وهو سوق يغاير سوق الإهانة والذل الذي تقدم ذكره في حق الكافرين، وصفات المتقين الطيبة في القرآن كثيرة، وخصالهم الحميدة وفيرة.
قال تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ. أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ٤.
ففي هذه الآيات "أخبر تعالى أنه أعد الجنة للمتقين دون غيرهم، ثم ذكر أوصاف المتقين فذكر بذلهم للإحسان في حالة العسر واليسر، والشدة والرخاء، فإن من الناس من
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٦/١١٣.
(٢) انظر فتح الباري ١١/٣٨١.
(٣) سورة البقرة آية: ١ - ٤.
(٤) سورة آل عمران آية: ١٣٣ - ١٣٦.
[ ٦٨٠ ]
يبذل في حال اليسر والرخاء، ولا يبذل في حال العسر والشدة، ثم ذكر كف أذاهم عن الناس بحبس الغيظ بالكظم، وحبس الانتقام بالعفو، ثم ذكر حالهم بينهم وبين ربهم في ذنوبهم، وأنها إذا صدرت منها قابلوها بذكر الله والتوبة والإستغفار، وترك الإصرار فهذا حالهم مع الله، وذاك حالهم مع خلقه" ١.
فينبغي للمسلم أن يتدبر كتاب الله، وأن يتميز عن غيره من أهل المعاصي بصفات المتقين الذين يحبون لقاء الله ويطلبون الفوز برضاه.
أما صفاتهم في السنة فقد جاء عن النبي ﷺ عنها الشيء الكثير.
فقد روى مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي ﷺ فقالوا: فلان شهيد، فلان شهيد حتى مرّوا على رجل فقالوا: فلان شهيد فقال رسول الله ﷺ: "كلا إني رأيته في النار في بردة٢ غلّها٣ أو عباءة" ثم قال رسول الله ﷺ: "يا ابن الخطاب. إذهب فناد في الناس إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون". قال: فخرجت فناديت ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون"٤.
فبين ﵊ أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإيمان الذين قاموا بشرائع الإسلام كلها، وأنه لا حظ فيها لغيرهم.
وروى أيضًا بإسناده في حديث طويل من حديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله ﷺ قال: ": وأهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم عفيف ذو عيال " الحديث٥.
قال القرطبي مبينًا معنى هذا الحديث: "فصل" قوله ذو سلطان مقسط وما بعده مرفوع على أنها صفات "لذو" وهي بمعنى صاحب، والمقسط العادل، والمتصدق
_________________
(١) حادي الأرواح ص٨٢.
(٢) البردة: الشملة المخططة، وقيل: كساء أسود مربّع فيه صفر تلبسه الأعراب، النهاية ١/١١٦.
(٣) غلّها: أي سرقها خفية: الإغلال: الخيانة أو السرقة الخفية، النهاية ٣/٣٨٠.
(٤) ١/١٠٧ - ١٠٨.
(٥) ٤/٢١٩٨.
[ ٦٨١ ]
المعطي الصدقات والموفق: المسدد لفعل الخيرات، ورقيق القلب: ليّنه عند التذكر والموعظة ويصلح أن يكون بمعنى الشفيق"اهـ١.
وفي صحيح مسلم أيضًا: من حديث حارثة بن وهب الخزاعي قال: قال رسول الله ﷺ "ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره" ٢.
"وقوله: "ضعيف متضعف" يعني: ضعيف في أمور الدنيا قوي في أمر دينه كما قال ﵊: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير" ٣
فإن كان ضعيفًا في أمور دينه لا يعنى بها فمذموم، وذلك من صفات أهل النار كما قال ﵊ "وأهل النار خمسة الضعيف الذي لا زبر له"٤ أي لا عقل ومن لا عقل له ينفك به عن المفاسد، ولا ينزجر عنها فحسبك به ضعفًا وخسارة في الدين.٥
وروى الشيخان في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: مرَّ بجنازة فأثني عليها خيرًا فقال نبي الله ﷺ: "وجبت وجبت وجبت" ومرَّ بجنازة فأثني عليها شرًا فقال نبي الله ﷺ: "وجبت وجبت وجبت" قال عمر: فدى لك أبي وأمي. مرّ بجنازة فأثني عليها خيرًا فقلت: "وجبت وجبت وجبت"، ومرّ بجنازة فأثني عليها شرًا فقالت: "وجبت وجبت وجبت" فقال رسول الله ﷺ: "من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض. أنتم شهداء الله في الأرض. أنتم شهداء الله في الأرض" ٦.
وقال ﵊: "يوشك أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار" قالوا: بم
_________________
(١) التذكرة ص٣٦٢ - ٣٦٣.
(٢) ٤/٢١٩٠.
(٣) رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ ٤/٢٠٥٢.
(٤) رواه مسلم من حديث عياض بن حماد المجاشعي ٤/٢١٩٨.
(٥) التذكرة ص ٣٦٣.
(٦) صحيح البخاري ٢/٢٣٧، صحيح مسلم ٢/٦٥٥، واللفظ له.
[ ٦٨٢ ]
ذاك يا رسول الله؟ قال: "بالثناء الحسن والثناء السيئ أنتم شهداء الله بعضكم على بعض" ١.
وبالجملة فأهل الجنة أربعة أصناف تضمنهم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ٢ جعلنا الله منهم بفضله ومنه وكرمه إنه أرحم الراحمين٣.
_________________
(١) رواه ابن ماجة في سننه ٢/١٤١١، وأحمد في مسنده ٣/٤١٦، من حديث أبي زهير الثقفي.
(٢) سورة النساء آية: ٦٩.
(٣) للزيادة في معرفة صفات أهل الجنة يراجع "مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية فإنه أوجز الكثير منها ١٠/٤٢٢ - ٤٢٣".
[ ٦٨٣ ]
المبحث السادس: غرف الجنة، وقصورها وأنهارها
قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعَادَ﴾ .
هذه الآية الكريمة من السورة بين الله - تعالى - فيها ما أعده للمتقين من عوالي الغرف في الجنة.
والمتقون الذين ينالون هذه الغرف هم الذين اتقوا سخط الله وعقابه بترك الشرك والمعاصي، وإخلاص العبادة لله باتباع ما أمر به واجتناب ما نهى عنه.
فهؤلاء لهم محالّ إقامة رفيعة، مستعلية بعضها فوق بعض درجات ثابتة ثبات البناء المستقر، والأنهار تجري من تحت تلك الغرف والقصور العالية، وأنهار الجنة ليس بينها وبين أنهار الدنيا تشابه إلا في الإسم فقط، وجريان الأنهار من تحت تلك الغرف والقصور مما يزيدها بهجة وجمالًا، وهي حاصلة، ومتحققة لعباد الله المؤمنين لأن الله وعدهم بتلك الغرف المتعالية التي تجري من تحتها الأنهار وعدًا صادقًا لا يتخلف لأنه من الله الذي لا يخلف وعده.
قال ابن جرير: وقوله ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: لكن الذين اتقوا ربهم بأداء فرائضه، واجتناب محارمه، لهم في الجنة غرف من فوقها غرف مبنية علالي بعضها فوق بعض ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ .
يقوله تعالى ذكره: تجري من تحت أشجار جناتها الأنهار وقوله: ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ يقوله جل ثناؤه: وعدنا هذه الغرف التي من فوقها غرف مبنية في الجنة هؤلاء المتقين.
[ ٦٨٤ ]
﴿لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعَادَ﴾ يقول جل ثناؤه: والله لا يخلفهم وعده ولكنه يوفي وعده اهـ١.
وقال البغوي: " ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ أي: منازل في الجنة رفيعة وفوقها منازل أرفع منها ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعَادَ﴾ أي: وعدهم الله تلك الغرف والمنازل وعدًا لا يخلفه" اهـ٢.
وقال العلامة ابن القيم: قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ .
فأخبر أنها غرف فوق غرف، وأنها مبنية بناءًا حقيقة لئلا تتوهم النفوس أن ذلك تمثيل، وأنه ليس هناك بناء بل تتصور النفوس غرفًا مبنية كالعلالي بعضها فوق بعض حتى أنها ينظر إليها عيانًا، ومبنية صفة للغرف الأولى والثانية أي: "لهم منازل مرتفعة، وفوقها منازل أرفع منها" اهـ٣.
وقال العلامة ابن كثير: "أخبر ﷿ عن عباده السعداء أن لهم غرفًا في الجنة وهي القصور أي: الشاهقة ﴿مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ طباق فوق طباق مبنيات محكمات مزخرفات عاليات" اهـ٤.
وقد بين الله - تعالى - في كتابة وصف غرف الجنة في مواضع كثيرة.
قال تعالى بعد أن بين الكثير من صفات عباد الرحمن منوهًا بجزائهم الذين ينتظرهم:
﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ ٥.
قال ابن القيم:
"والغرفة جنس كالجنة، وتأمل كيف جعل جزاءهم على هذه الأقوال المتضمنة
_________________
(١) جامع البيان ٢٣/٢٠٨.
(٢) "معالم التنزيل" على حاشية تفسير الخازن ٦/٦٠.
(٣) حادي الأرواح ص ٩٦.
(٤) تفسير ابن كثير ٦/٨٥.
(٥) سورة الفرقان آية: ٧٥.
[ ٦٨٥ ]
للخضوع والذل والإستكانة لله الغرفة، والتحيّة والسلام في مقابلة صبرهم على سوء خطاب الجاهلين لهم فبدلوا بذلك سلام الله وملائكته عليهم" اهـ١.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ ٣.
فهاتان الآيتان بين الله - تعالى - فيهما أن غرف الجنات لا تنال إلا بالإيمان والعمل الصالح وذلك هو الذي يقرب العبد إلى الله زلفى. أما كثرة الأموال والأولاد عند الإنسان فإنها لا تدل على أن الله يحب صاحبها، لا. ليس الأمر كذلك، وليست بمقياس عند الله - تعالى - وإنما المقياس الحقيقي هو الإيمان والعمل الصالح فمن حقق الإيمان وعمل صالحًا يكون من الذين تضاعف حسناتهم ومن الذين هم في منازل الجنة العالية آمنون من كل بأس وخوف وأذى، ومن كل شيء يحذر منه.
هذه أوصاف غرف الجنة في القرآن الكريم.
أما ما جاء في شأن وصفها في السنة النبوية فقد وردت أحاديث توضح صفة هذه الغرف وعلوها.
فقد روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الجنة ليتراؤون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدرّي٤ الغابر من الأفق من المشرق، أو المغرب لتفاضل ما بينهم" قالوا: يا رسول الله
_________________
(١) حادي الأرواح ص ٩٦، وقد فسرت "الغرفة" بالجنة. انظر: المصنف لابن أبي شيبة ١٣/١٢٦.
(٢) سورة العنكبوت آية: ٥٨.
(٣) سورة سبأ آية: ٣٧.
(٤) قيل سمي دريًا لبياضه، وقيل لإضاءته، وقيل لشبهه بالدر في كونه أرفع من باقي النجوم كالدر أرفع الجواهر، شرح النووي على مسلم ١٧/١٦٨. أما الغابر: فهو الذاهب الماشي الذي تدلى للغروب، وبعد عن العيون شرح النووي ١٧/ ١٦٩.
[ ٦٨٦ ]
تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال: "بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين"١.
قال أبو عبد الله القرطبي: "وقوله والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" ولم يذكر عملًا ولا شيئًا سوى الإيمان والتصديق للمرسلين ذلك ليعلم أنه عنى الإيمان البالغ وتصديق المرسلين من غير سؤال آية ولا تلجلج، وإلا فكيف تنال الغرفات بالإيمان والتصديق الذي للعامة، ولو كان كذلك كان جميع الموحدين في أعالي الغرفات، وأرفع الدرجات وهذا محال، وقد قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ ٢.
والصبر بذل النفس والثبات له وقوفًا بين يديه بالقلوب عبودية وهذه صفة المقربين.
وقال في آية أخرى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ ٣.
فذكر شأن الغرفة وأنها لا تنال بالأموال والأولاد وإنما تنال بالإيمان والعمل الصالح، ثم بين لهم جزاء الضعف وأن محلهم الغرفات، يعلمك أن هذا إيمان طمأنينة وتعلق قلب به مطمئنًا به في كل ما نابه وبجميع أموره وأحكامه، فإذا عمل عملًا صالحًا فلا يخلطه بضده وهو الفاسد، فلا يكون العمل الصالح الذي لا يشوبه فساد إلا مع إيمان بالغ مطمئن صاحبه بمن آمن وبجميع أموره وأحكامه، والمخلط ليس إيمانه وعمله هكذا، فلهذا كانت منزلته دون غيره" اهـ٤.
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الجنة يتراؤون الغرفة في الجنة كما تراؤون الكوكب في السماء" ٥.
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الجنة يتراؤون في الجنة كما تراؤون الكوكب الدريّ الغارب في الأفق
_________________
(١) صحيح البخاري ٢/٢١٨، صحيح مسلم ٤/٢١٧٧.
(٢) سورة الفرقان آية: ٧٥.
(٣) سورة سبأ آية: ٣٧.
(٤) التذكرة للقرطبي ص: ٤٦١ - ٤٦٢.
(٥) صحيح مسلم ٤/٢١٧٧، المسند ٥/٣٤٠.
[ ٦٨٧ ]
والطالع في تفاضل الدرجات قالوا: يا رسول الله أولئك النبيون؟ قال: "بلى، والذي نفسي بيده وأقوام آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" ١.
وروى أيضًا بإسناده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن المتحابين لترى غرفهم في الجنة كالكوكب الطالع الشرقي أو الغربي فيقال من هؤلاء؟ فيقال هؤلاء المتحابون في الله ﷿" ٢.
وروى الإمام أحمد وابن أبي شيبة بإسنادهما إلى علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن في الجنة لغرفًا يرى ظهورها من بطونها، وبطونهما من ظهورها" قال: فقام أعرابي فقال: هي لمن يا رسول الله؟ فقال: "هي لمن طيّب الكلام، وأطعم الطعام، وأفشى السلام وصلى بالليل والناس نيام" ٣.
فهذا الحديث بين فيه النبي ﷺ صفة غرف الجنة كما بين فيه بعض صفات سكان أهل تلك الغرف، وهو أنهم طيبوا الكلام، ويطعمون الطعام، ويفشون السلام، ويقومون في ليلهم يصلون لله - تعالى - والناس نيام.
وما تقدم من اختلاف غرف الجنة في العلو والصفة إنما هو بحسب اختلاف أصحابها في الأعمال وتفاوتهم فيها، وكما تقدم في الأحاديث من أن بعض غرف الجنة أعلى من بعض وأرفع.
وأما عن قصور الجنة فقد ورد عن النبي ﷺ في وصفها أحاديث كثيرة.
فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله - تعالى - عنه قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ قال: "بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت لمن هذا القصر؟ فقالوا لعمر بن الخطاب فذكرت غيرته فوليت مدبرًا" فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟ ٤.
وروى الترمذي بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "دخلت
_________________
(١) ٢/٣٣٩ قال ابن كثير: قال الضياء: "وهذا على شرط البخاري". النهاية ٢/٢٣٥٠.
(٢) المسند ٣/٨٧.
(٣) المسند ١/١٥٦، والمصنف لابن أبي شيبة ٣١/١٠١، ورواه الترمذي في سننه ٤/٨٠.
(٤) صحيح البخاري ٢/٢١٦، صحيح مسلم ٤/١٨٦٣.
[ ٦٨٨ ]
الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت لمن هذا القصر؟ قالوا: لشاب من قريش فظننت أني أنا هو فقلت ومن هو؟ قالوا: عمر بن الخطاب" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح١.
وروى الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: أتى جبريل النبي ﷺ فقال يا رسول الله. خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام، أو طعام، أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ﷿ ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب٢.
قال العلامة ابن القيم: "والقصب ههنا قصب اللؤلؤ المجوف"٣.
وقال الحافظ: "قوله من قصب" قال ابن التين: "المراد به لؤلؤة مجوفة واسعة كالقصر المنيف" إلى أن قال: وعند الطبراني في "الأوسط" من حديث فاطمة قالت: قلت يا رسول الله أين أمي خديجة؟ قال "في بيت من قصب" قلت: أمن هذا القصب؟ قال: "لا. من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت"٤.
أما صفة بناء قصور الجنة:
فقد جاء عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قلنا: يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: لبنة ذهب، ولبنة فضة وملاطها المسك الأذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه"٥.
وروى ابن أبي شيبة بإسناده إلى ابن عمر قال: قيل يا رسول الله كيف بناء الجنة؟ قال: "لبنة من فضة، ولبنة من ذهب ملاطها مسك وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وترابها الزعفران"٦.
_________________
(١) سنن الترمذي ٥/٢٨٢.
(٢) صحيح البخاري ٢/٣١٥ - ٣١٦، صحيح مسلم ٤/١٨٨٧.
(٣) حادي الأرواح ص ٩٧.
(٤) فتح الباري ٦/١٣٨.
(٥) رواه أحمد والترمذي المسند ٢/٣٠٥، سنن الترمذي ٤/٧٩ - ٨٠، ثم قال: هذا حديث ليس إسناده بذلك القوي، وليس هو عندي بمتصل وقد روي هذا الحديث بإسناد آخر عن أبي هريرة.
(٦) المصنف ١٣/٩٥ - ٩٦.
[ ٦٨٩ ]
هذا وصف قصور الجنة وبناؤها التي ينبغي المسابقة المسارعة إلى الأعمال التي تكون سببًا في الحصول على ذلك بعد رحمة الله - تعالى - قال ابن كثير بعد أن ذكر كثيرًا من الأحاديث الواردة في وصف قصور الجنة وغرفها.
"وقد ورد في بعض الأحاديث أن القصر يكون من لؤلؤة واحدة أبوابه ومصارعه، وسقفه، وفي حديث آخر أن بعض سقوف الجنة نور يتلألأ كالبرق اللامع لولا أن الله يثبت أبصارهم لأوشك أن يخطفها" اهـ١.
وأما أنهار الجنة فقد جاء وصفها في السورة بأنها تجري من تحت غرف الجنة وقصورها كما هو ظاهر الآية التي صدرنا بها هذا المبحث وهي قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ فهذه الآية من السورة وصفت أنهار الجنة بأنها تجري من تحت تلك الغرف التي بعضها فوق بعض درجات.
قال ابن كثير: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ أي: تسلك الأنهار بين خلال ذلك كما شاؤوا وأين أرادوا٢.
ولقد تكرر ذكر أنهار الجنة في القرآن الكريم في مواضع كثيرة وكلها مقترنة بحرف "من" ما عدا موضعًا واحدًا من كتاب الله فإنه جاء بدون حرف "من" وهو قوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ ٣. قال مسروق رحمه الله تعالى: "أنهار الجنة في غير أخدود"٤.
وقال ابن جرير الطبري: عند قوله تعالى: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ ٥ "يعني: مصبوب سائل في غير أخدود كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا مهران عن سفيان ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ قال يجري في غير أخدود" اهـ٦.
_________________
(١) النهاية ٢/٢٤٠.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٦/٨٦.
(٣) سورة التوبة آية: ١٠٠.
(٤) المصنف لابن أبي شيبة ١٣/٩٧.
(٥) سورة الواقعة آية: ٣١.
(٦) جامع البيان ٢٧/١٨٤.
[ ٦٩٠ ]
وقال العلامة ابن القيم؛ بعد أن ذكر آيات من القرآن الكريم التي تصف أنهار الجنة بأنها جارية:
"وهذا يدل على أمور":
أحدها: وجود الأنهار فيها حقيقية.
الثاني: أنهار جارية لا واقفة.
الثالث: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا، وقد ظن بعض المفسرين أن معنى ذلك جريانها بأمرهم وتصريفهم لها كيف شاؤوا، وكأن الذي حملهم على ذلك أنه لما سمعوا أن أنهارها تجري في غير أخدود فهي جارية على وجه الأرض حملوا قوله ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ على أنها تجري بأمرهم إذ لا يكون فوق المكان تحته وهؤلاء أوتوا من ضعف الفهم، فإن أنهار الجنة وإن جرت في غير أخدود فهي تحت القصور والمنازل والغرف وتحت الأشجار وهو - سبحانه - لم يقل من تحت أرضها.
وقد أخبر - سبحانه - عن جريان الأنهار تحت الناس في الدنيا فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ ١. فهذا على ما هو المعهود والمتعارف وكذلك ما حكاه من قول فرعون ﴿وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِيْ﴾ ٢.
وقال تعالى مبينًا أنواع أنهار الجنة: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾ ٣.
قال ابن جرير: موضحًا معنى الآية "يقول تعالى ذكره: صفة الجنة التي وعدها المتقون وهم الذين اتقوا في الدنيا عقابه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ
_________________
(١) سورة الأنعام آية: ٦.
(٢) حادي الأرواح ص١٢١ والآية رقم ٥١ من سورة الزخرف.
(٣) سورة محمد آية ١٥.
[ ٦٩١ ]
مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ يقول تعالى ذكره: في هذه الجنة التي ذكرها: أنهار من ماء غير متغير الريح، يقال منه "قد أسن ماء هذه البئر إذا تغيرت ريح مائها فأنتنت ".
قال عبد الله بن عباس ﵄ في قوله ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ يقول: غير متغير.
وقال قتادة: في قوله: ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ من ماء غير منتن وقوله ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ . يقول تعالى ذكره: وفيها أنهار من لبن لم يتغير طعمه لأنه لم يحلب من حيوان فيتغير طعمه بالخروج من الضرع ولكنه خلقه الله ابتداء في الأنهار فهو بهيئته لم يتغير عما خلقه عليه وقوله ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾ يقول: وفيها أنهار من عسل قد صفي من القذى وما يكون في عسل أهل الدنيا قبل التصفية، وإنما أعلم - تعالى - ذكره عباده بوصفه ذلك العسل بأنه مصفى أنه خلق في الأنهار ابتداء سائلًا جاريًا سيل الماء واللبن المخلوقين فيها فهو من أجل ذلك مصفى، قد صفاه الله من الأقذاء التي تكون في عسل أهل الدنيا الذي لا يصفو من الأقذاء إلا بعد التصفية لأنه كان في شمع فصفي منه" اهـ١.
قال العلامة ابن القيم: بعد أن ذكر الآية السابقة: "فذكر - سبحانه - هذه الأجناس الأربعة، ونفى عن كل واحد منها الآفة التي تعرض له في الدنيا فآفة الماء أن يأسن ويأجن من طول مكثه، وآفة اللبن أن يتغير طعمه إلى الحموضة، وأن يصير قارصًا، وآفة الخمر كراهة مذاقها المنافي للذة شربها، وآفة العسل عدم تصفيتة وهذا من آيات - الرب تعالى - أن تجري أنهار من أجناس لم تجر العادة في الدنيا بإجرائها ويجريها في غير أخدود وينفي عنها الآفات التي تمنع كمال اللذة بها كما ينفي عن خمر الجنة جميع آفات خمر الدنيا من الصداع والغول واللغو والإنزاف وعدم اللذة فهذه خمس آفات من آفات خمر الدنيا فتغتال العقل ويكثر اللغو على شربها بل لا يطيب لشرابها ذلك إلا باللغو وتنزف في نفسها، وتنزف المال وتصدع الرأس وهي كريهة المذاق وهي رجس من عمل الشيطان توقع العداوة والبغضاء بين الناس وتصد عن ذكر الله، وعن الصلاة وتدعو إلى الزنا، وربما دعت إلى الوقوع على البنت والأخت وذوات المحارم، وتذهب الغيرة، وتورث الخزي والندامة، والفضيحة، وتلحق شاربها بأنقص نوع الإنسان، وهم المجانين، وتسلبة أحسن الأسماء
_________________
(١) جامع البيان ٢٦/٤٩ - ٥٠.
[ ٦٩٢ ]
والسمات وتكسوه أقبح الأسماء والصفات، وتسهل قتل النفس، وإفشاء السر الذي في إفشائه مضرته، أو هلاكه ومؤاخاة الشياطين في تبذير المال الذي جعله الله قيامًا له ولم يلزمه مؤنته، وتهتك الأستار، وتظهر الأسرار، وتدل على العورات، وتهون ارتكاب القبائح والمآثم وتخرج من القلب تعظيم المحارم، ومدمنها كعابد وثن، وكم أهاجت من حرب وأفقرت من غنى، وأذلت من عزيز، ووضعت من شريف وسلبت من نعمة وجلبت من نقمة، وفسخت مودة، ونسجت عداوة، وكم فرقت بين رجل وزوجته، فذهبت بقلبه وراحت بلبه، وكم أورثت من حسرة، وأجرت من عبرة وكم أغلقت في وجه شاربها بابًا من الخير، وفتحت له بابًا من الشر، وكم أوقعت في بلية وعجلت من منية، وكم أورثت من خزية وجرت على شاربها من محنة وجرت عليه من سفلة فهي جماع الإثم ومفتاح الشر وسلابة النعم وجالبة النقم، ولو لم يكن من رذائلها إلا أنها لا تجتمع هي وخمر الجنة في جوف عبد كما ثبت عنه ﷺ أنه قال: "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة" ١ لكفى وآفة الخمر أضعاف أضعاف ما ذكرنا وكلها منتفية عن خمر الجنة، فإن قيل فقد وصف - سبحانه - الأنهار بأنها جارية ومعلوم أن الماء الجاري لا يأسن فما فائدة قوله ﴿غَيْرِ آسِنٍ﴾ ٢.
قيل الماء الجاري وإن كان لا يأسن فإنه إذا أخذ منه شيء وطال مكثه أسن، وماء الجنة لا يعرض له ذلك ولو طال مكثه ما طال، وتأمل اجتماع هذه الأنهار الأربعة التي هي أفضل أشربة الناس فهذا لشربهم، وطهورهم، وهذا لقوتهم وغذائهم، وهذا للذتهم وسرورهم، وهذا لشفائهم ومنفعتهم والله أعلم"اهـ٣.
وما تقدم من الآيات كلها تصف أنهار الجنة وهي تجري من تحت غرفها وقصورها وبساتينها وجريان الأنهار من تحت تلك الغرف والقصور والبساتين مما يزيدها بهجة وجمالًا وكل ذلك حاصل ومتحقق لعباد الله المتقين لأن - الباري سبحانه - وعدهم بذلك ووعده - سبحانه - حق لا يخلف.
_________________
(١) رواه ابن ماجة من حديث ابن عمر ﵄ ٢/١١١٩، رواه أبو داود ٢/٢٩٣، ورواه النسائي في سننه ٨/٣١٨، ورواه أحمد في المسند ٢/٢٢، كلهم من حديث ابن عمر.
(٢) سورة محمد آية: ١٥.
(٣) حادي الأرواح ص١٢٢ - ١٢٣.
[ ٦٩٣ ]
ولنستمع بعد وصف القرآن لأنهار الجنة، إلى بعض ما جاء في وصفها في السنة المطهرة:
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقًا على الله أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها" فقالوا: يا رسول الله أفلا نبشر الناس؟ قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة أراه فوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة" ١.
فلقد وصف النبي ﷺ في هذا الخبر أنهار الجنة بأنها تتفجر من أعلى درجة الجنة، ثم تنحدر نازلة إلى أقصى درجة فيها فيا له من منظر رائع، ويا له من تكريم لمن نزل تلك الدرجات العلى.
وروي أيضًا من حديث أنس ﵁ قال:
لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء قال: "أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوفًا فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال هذا الكوثر" ٢.
وفي لفظ آخر: "فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات عنصرهما، ثم مضى به في السماء، فإذا بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب يده فإذا هو مسك أذفر قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربّك" ٣.
ومن حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت تربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج" ٤.
_________________
(١) صحيح البخاري ٢/١٣٦.
(٢) المصدر السابق ٣/٢٢١.
(٣) صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٤٧٨.
(٤) رواه الترمذي في سننه وقال: هذا حديث حسن صحيح ٥/١١٩ - ١٢٠.
[ ٦٩٤ ]
فالكوثر هو أحد أنهار الجنة المشهورة، وهو أعظمها وأحلاها، وأحسنها وهو كرامة وهداية من الله ﷿ أكرم به نبينا محمدًا ﷺ خصوصية له من بين سائر الأنبياء، وهو دليل على علوه قدره ﷺ، وارتفاع منزلته عند الله - تعالى - وليس في وسعنا أن نصف هذه المنزلة غير أنه يكفينا أن نقول: إنه خير البشر وأفضلهم على الإطلاق كيف وقد قال ﵊: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة".
وظاهر الأحاديث التي تقدم ذكرها في بيان صفة الكوثر تدل دلالة واضحة على أن الكوثر غير الحوض المورود الذي يكون في عرصات القيامة وقبل الصراط.
ذلك هو وصف أنهار الجنة، كما هو واضح من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتقدمة.
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ ٤/١٧٨٢.
[ ٦٩٥ ]
المبحث السابع: أبدية الجنة ودوام نعيمها
لقد دلت السورة على أبدية الجنة وخلود أهلها فيها ودوام نعيمها في قوله - تعالى ـ: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ .
فقوله - تعالى - في هذه الآية ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ فيه دلالة واضحة على أن أهل الجنة خالدون فيها بلا انقطاع.
قال ابن كثير: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا لا يبغون عنها حولًا. اهـ١.
وقد أكد - تعالى - خلود أهل الجنة وأبديتها ودوام نعيمها في مواضع أخرى كثيرة في القرآن الكريم.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًاّ ظَلِيلًا﴾ ٢.
قال ابن كثير بعد هذه الآية: "هذا إخبار عن مآل السعداء في جنات عدن التي تجري فيها الأنهار في جميع فجاجها، ومحالها وأرجائها حيث شاؤوا، وأين أرادوا وهم خالدون فيها أبدًا لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولًا" اهـ٣.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٦/١١٦.
(٢) سورة النساء آية: ٥٧.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٢/٣١٩.
[ ٦٩٦ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ ١.
أخبر - تعالى - في هاتين الآيتين بأنه أعد لعباده السعداء وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات الفردوس نزلًا - "والنزل: هو ما يهيأ من الإكرام للضيف أو القادم ومعنى قوله - تعالى ـ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ أي: خالدين في جنات الفردوس لا يبتغون عنها حولًا أي: تحولًا إلى منزل آخر، لأنها لا يوجد منزل أحسن منها يرغب في التحول إليه عنها بل هم خالدون فيها دائمًا من غير تحول ولا انتقال"٢.
قال ابن كثير: "وفي قوله: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ تنبيه على رغبتهم فيها وحبهم لها، مع أنه قد يتوهم فيمن هو مقيم في المكان دائمًا أنه قد يسأمه، أو يمله، فأخبر أنهم مع هذا الدوام والخلود السرمدي لا يختارون عن مقامهم ذلك متحولًا ولا انتقالًا ولا ظعنًا ولا رحلة ولا بدلًا"اهـ٣.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا﴾ ٤.
هذه الآية بين الله فيها أن الذين صدقوا الله ورسوله وأقروا له بالوحدانية ولرسوله ﷺ بالنبوة، وأدوا مع ذلك فرائض الله التي فرضها عليهم، فإن جزاءهم أن يدخلهم يوم القيامة إذا صاروا إلى الله جنات يعني: بساتين تجري من تحتها الأنهار ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: باقين في هذه الجنات التي هذا وصفها أبدًا دائمًا"٥.
وقال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٦.
_________________
(١) سورة الكهف آية: ١٠٨.
(٢) أضواء البيان ٤/١٩٧.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٤/٤٣١.
(٤) سورة النساء آية: ١٢٢.
(٥) جامع البيان ٥/٢٨٧.
(٦) سورة المائدة آية: ١١٩.
[ ٦٩٧ ]
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ١.
بشّر الله - تعالى - "عباده المؤمنين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيله برحمة منه لهم، وأنه قد رحمهم من أن يعذبهم، وبرضوان منه لهم، بأنه قد رضي عنهم بطاعتهم إياه، وأدائهم ما كلفهم، وجنات يعني: بساتين لهم فيها نعيم مقيم لا يزول ولا يبيد، ثابت دائم أبدًا لهم لا نهاية لذلك ولا حد"٢.
وقال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ ٣.
بين الله - تعالى - في هاتين الآيتين أنه يُخرج ما في صدور المتقين من عداوة وبغضاء وحقد من بعضهم لبعض، ويجعلهم إخوانًا على سرر متقابلين، وأنه لا يمسهم في الجنة تعب، ولا يخرجون من الجنة ونعيمها وما أعطاهم الله فيها من النعيم بل ذلك دائم أبدًا.
وقال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ ٤.
هذه الآيات نوه الله - تعالى - فيها بأصحاب اليمين، وأن شأنهم عظيم وحالهم جسيم، كما نوّه بما يؤولون إليه من النعيم من فواكه لذيذة، وظل ظليل، وكثير من العيون والأنهار السارحة والمياه المتدفقة، ثم بين - تعالى - أن فاكهة الآخرة ليست كفاكهة الدنيا تنقطع في وقت من الأوقات وتكون ممتنعة متعسرة على مبتغيها بل هي على الدوام موجودة وجناها قريب يتناوله العبد على أي حال كان.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ
_________________
(١) سورة التوبة آية: ٢٠ - ٢٢.
(٢) جامع البيان ١٠/٩٧.
(٣) سورة الحجر آية: ٤٧ - ٤٨.
(٤) سورة الواقعة آية: ٢٧ - ٣٤.
[ ٦٩٨ ]
وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ ١.
وهذه الآيات بين الله - تعالى - فيها أن المتقين في الجنة خالدون، لا يذوقون فيها الموت أبدًا، ولا يخرجون من الجنة أبدًا.
ويكفينا من الآيات ما تقدم في الإستدلال على أبدية الجنة ودوامها، وأما الأدلة من السنة على ذلك فكثيرة جدًا.
ومنها قوله ﷺ: "من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس٢ لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه" ٣.
ومنها حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: "ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبتئسوا أبدًا فذلك قوله ﷿ ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ " ٤.
ومنها ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح" ٥ فيوقف بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم. هذا الموت قال ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم. هذا الموت قال فيؤمر به فيذبح قال ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٦
وفيهما من حديث ابن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "يدخل
_________________
(١) سورة الدخان آية: ٥١ - ٥٦.
(٢) البأس: هو شدة الحال والبأس، والبؤس، والبأساء، والبؤساء بمعنى واحد شرح النووي ١٧/١٧٤.
(٣) رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ ٤/٢١٨١ - ٢١٨٢.
(٤) صحيح مسلم ٤/٢١٨٢، من حديث أبي سعيد وأبي هريرة معًا والآية رقم ٤٣ من سورة الأعراف.
(٥) الأملح: من الكباش الذي يكون فيه بياض وسواد والبياض أكثر، التذكرة ص٤٣٨.
(٦) صحيح البخاري ٣/١٥٧، صحيح مسلم ٤/٢١٨٨، واللفظ له والآية رقم ٣٩ من سورة مريم.
[ ٦٩٩ ]
الله أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت كل خالد فيما هو فيه" ١.
والأحاديث الواردة في أبدية الجنة ودوام نعيمها كثيرة جدًا، وكلها دلت على أن نعيم الجنة لا يفنى ولا ينقطع، وأنه نعيم أبدي سرمدي، وهذا هو اعتقاد أهل السنة وعامة المسلمين.
قال النووي: "مذهب أهل السنة وعامة المسلمين أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، يتنعمون بذلك وبغيره من ملاذ وأنواع نعيمها تنعمًا دائمًا لا آخر له ولا انقطاع أبدًا، وأن تنعمهم بذلك على هيئة تنعم أهل الدنيا إلا ما بينهما من التفاضل في اللذة والنفاسة التي لا يشارك نعيم الدنيا إلا في التسمية وأصل الهيئة، وإلا في أنهم لا يبولون، ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبصقون، وقد دلت دلائل القرآن والسنة أن نعيم الجنة دائم لا انقطاع له أبدًا" أهـ٢.
والذي نخلص إليه مما تقدم من الآيات والأحاديث التي سقناها للاستدلال على أبدية الجنة ودوام نعيمها أنه يجب على كل إنسان أن يصدق التصديق الجازم بوجود الجنة وأنها مخلوقة الآن وأنها باقية بإبقاء الله لها لا تفنى أبدًا، ويدخل في ذلك كل ما اشتملت عليه من النعيم"٣.
_________________
(١) صحيح البخاري ٤/١٣٦، صحيح مسلم ٤/٢١٨٩.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/١٧٣ - ١٧٤ وانظر: مراتب الإجماع لابن حزم ص ١٧٣".
(٣) ولم يخالف في هذا الاعتقاد الحق إلا "الجهم بن صفوان" فإنه زعم "أن الجنة والنار تفنى وليس له سلف ألبتة في هذا الاعتقاد الباطل وتبعه على هذا الاعتقاد "أبو الهذيل العلاف" فإنه زعم: أن حركات أهل الجنة تفنى ويصيرون في سكون دائم". أنظر: مذهب الجهم في "حادي الأرواح" ص٢٤٤ - ٢٤٥، شرح الطحاوية ص ٤٨٠ - ٤٨١، لوامع الأنوار البهية ٢/٢٣٤. وانظر "مقالات الإسلاميين" ١/٢٤٣، وانظر الفرق بين الفرق ص٢١١، ٢١٢، وانظر "الملل والنحل" ١/٥١، وانظر مذهب "محمد بن الهذيل العلاف" في "الملل والنحل" ١/٥١، التبصير في الدين ص١٠٨، ص ٧٠، ولقد كفر السلف الصالح من قال بفناء الجنة لأن ذلك تكذيب للقرآن وكفر به. انظر كتاب "السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ص٢٠".
[ ٧٠٠ ]
المبحث الثامن: وجوب الإيمان بالعرش، وهو سقف الجنة
لقد دلت السورة على وجوب الإيمان بالعرش، وهو من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها، وهو أعظم المخلوقات، خلقه - الرب جل وعلا - قبل أن يخلق السموات والأرض، واختصه بالعلو والارتفاع، ثم استوى عليه.
وقد جاء ذكر العرش في آخر آية من سورة "الزمر" وذلك في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
فهذه الآية من السورة أوضحت لنا مشهدًا رائعًا لعباد الله المكرمين وهم محدقون حول هذا المخلوق العظيم - العرش - يسبحون بحمد ربهم، ويعظمونه وينزهونه عن النقائص ويثنون عليه الثناء الطيب الذي يليق بجلاله وعظيم سلطانه، فإذا ما تم القضاء بين الخلائق بالعدل، والقول الفصل على أتم وجه وأكمله، نطق كله بالثناء والتحميد لله الحكم العدل الذي لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
قال العلامة ابن القيم: "فحذف فاعل القول، لأنه غير معين بل كل أحد يحمده على ذلك الحكم الذي حكم به، فيحمده أهل السموات، وأهل الأرض، الأبرار والفجار، والإنس والجن، حتى أهل النار".
قال الحسن وغيره: "لقد دخلوا النار، وإن حمده لفي قلوبهم، وما وجدوا لهم عليه سبيلًا، وهذا - والله أعلم - هو السر الذي حذف لأجله الفاعل في قوله: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا
[ ٧٠١ ]
أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ . وفي قوله: ﴿وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ ١كأن الكون كله نطق بذلك، وقال لهم ذلك والله أعلم بالصواب"٢.
وقال البغوي رحمه الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ أي: "محدقين محيطين بحافته وجوانبه" أ. هـ٣.
وقال ابن كثير حول قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ الآية: "لما ذكر تعالى حكمه في أهل الجنة والنار، وأنه نزل كلًا من المحل الذي يليق به ويصلح له، وهو العادل في ذلك الذي لا يجور، أخبر عن ملائكته أنهم محدقون حول العرش المجيد يسبحون بحمد ربهم ويمجدونه، ويعظمونه ويقدسونه، وينزهونه عن النقائص والجور، وقد فصل القضية، وقضي الأمر وحكم بالعدل ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: نطق الكون أجمعه ناطقه وبهيمه لله - رب العالمين - بالحمد في حكمه وعدله ولهذا لم يسند القول إلى قائل بل أطلقه، فدل على أن جميع المخلوقات شهدت له بالحمد.
قال قتادة: افتتح الخلق بالحمد في قوله: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ٤. واختتم بالحمد في قوله ﵎ ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٥.
وبعد بيان معنى الآية نقول: إنها دلت على وجوب الإيمان بالعرش وهو مقصودنا الذي نريد التوصل إليه، وذكرناه هنا عقب ذكر الجنة لأمرين:
١ - الأمر الأول: أن هذه الآية التي نصت على وجوب الإيمان بالعرش جاءت عقب الآيات الدالة على الإيمان بالجنة.
٢ - الأمر الثاني: ثبت في السنة الصحيحة أن العرش سقف الجنة. فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن في
_________________
(١) سورة التحريم آية: ١٠.
(٢) روضة المحبين ص ٦٥.
(٣) تفسير البغوي على حاشية الخازن ٦/٧٢.
(٤) سورة الأنعام آية: ١.
(٥) تفسير القرآن العظيم ٦/١١٨.
[ ٧٠٢ ]
الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة"١.
ولا بد لنا هنا من بيان معنى العرش في اللغة، ومفهومه عند العرب الذين بلغتهم نزل القرآن وخاطبنا الله بها فنقول: العرش في اللغة:
هو عبارة عن سرير الملك ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ ٢ وعرش البيت سقفه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ٣ أي: على سقوفها، ويأتي لمعنى الملك يقال: ثل عرشه على ما لم يسم فاعله أي: زال ملكه وذهب عزه.
قال زهير:
تداركتما الأحلاف قد ثل عرشها وذبيان إذ زلت بأحلامها النعل٤
والمراد بالعرش في الآيات والأحاديث النبوية هو المعنى الأول وهو: السرير وهذا المعنى معروف عند العرب.
جاء في تهذيب اللغة: "العرش في كلام العرب، سرير الملك يدلك على ذلك سرير ملكة سبأ سماه الله - جل وعز - عرشًا فقال: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ ٥.
وما جاء في كلام بعض أهل اللغة من أن المراد بالعرش الملك لا يعني أن الملك يكون بدون عرش، فالملك تبع للعرش فإذا ذهب العرش ذهب الملك.
وقال في القاموس: "العرش عرش الله ولا يحد"٦، لعل قصد صاحب القاموس بقوله: "لا يحد" أي: لا يوصف بغير ما وصفه الله به في كتابه وسنة رسوله ﷺ.
_________________
(١) ٢/١٣٦.
(٢) سورة النمل آية: ٢٣.
(٣) سورة البقرة آية: ٢٥٩.
(٤) الصحاح ٣/١٠١٠، لسان العرب ٦/٣١٣، القاموس ٢/٢٨٨.
(٥) تهذيب اللغة ١/٤١٤، والآية رقم ٢٣ من سورة النمل.
(٦) القاموس ٢/٢٨٨.
[ ٧٠٣ ]
وأما عرش الله تعالى:
فهو سرير ذو قوائم خلقه الله واستوى عليه وأمر الملائكة بحمله وهو كالقبة على العالم وهو سقف المخلوقات ومنه قول: أمية بن أبي الصلت:
مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرًا
بالبناء العالي الذي سبق النا س وسوى فوق السماء سريرًا
مرجعًا لا يناله بصر العين ترى دونه الملائكة صورًا١
وثبوت العرش من أوضح الأمور عند جميع الأمم، وفي جميع الأديان.
قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي: "باب الإيمان بالعرش وهو أحد ما أنكرته المعطلة ثم قال: "وما ظننا أن نضطر إلى الإحتجاح على أحد ممن يدعي الإسلام في إثبات العرش والإيمان به حتى ابتلينا بهذه العصابة الملحدة في آيات الله فشغلونا بالاحتجاج لما لم تختلف فيه الأمم قبلنا"٢.
قال أحمد بن الحسين البيهقي في كتابه "الأسماء والصفات" بعد أن ذكر آيات العرش: "اتفقت أقاويل أهل التفسير على أن العرش هو السرير، وأنه جسم خلقه الله وأمر ملائكته بحمله وفي أكثر هذه الآيات دلالة على صحة ما ذهبوا إليه وفي الأخبار والآثار الواردة في معناه دليل على صحة ذلك"٣ أ. هـ.
والآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة الدالة على إثبات العرش كثيرة جدًا فقد أخبر - الباري جل وعلا - عن نفسه بأنه استوى على عرشه في مواضع سبعة من كتابه وقد تقدم ذكرها.
وقال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ ٥.
_________________
(١) الاختلاف في اللفظ لابن قتيبة ص ٢٤٠ ضمن عقائد السلف.
(٢) الرد على الجهمية ص١٢.
(٣) ص٤٩٧.
(٤) سورة البروج آية: ١٥ - ١٦.
(٥) سورة غافر آية: ١٥.
[ ٧٠٤ ]
وقال تعالى: ﴿الَهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢.
وةقال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٤.
وأما الأحاديث والآثار التي دلت على ثبوت العرش ووجوب الإيمان به فكثيرة جدًا ومنها ما يلي:
١ - فقد روى الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ قال:
"كان النبي ﷺ يقول عند الكرب لا إله إلا الله العليم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات، ورب الأرض ورب العرش الكريم"٥.
٢ - ومنها حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
"إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى الفيض - أو القبض - يرفع ويخفض" ٦.
قال الإمام الذهبي ﵀ تعالى - "فالقرآن مشحون بذكر العرش، وكذلك الآثار بما يمنع أن يكون المراد به الملك، فدع المكابرة والمراء فإن المراء في القرآن كفر، وما أنا قلت: بل المصطفى ﷺ قاله"٧.
_________________
(١) سورة النمل آية: ٢٦.
(٢) سورة غافر آية: ٧.
(٣) سورة الحاقة آية: ١٧.
(٤) سورة التوبة آية: ١٢٩.
(٥) صحيح البخاري ٤/٢٨٢، صحيح مسلم ٤/٢٠٩٢ - ٢٠٩٣.
(٦) صحيح البخاري ٤/٢٨١.
(٧) كتاب العلو للذهبي ص٥٨.
[ ٧٠٥ ]
أما الجهمية وأفراخهم المعتزلة، وطائفة من الخوارج وبعض الأشاعرة فقد أنكروا العرش بطريقة التأويل الفاسد، فقد زعموا: أن المراد بالعرش في الآيات والأحاديث هو عبارة عن سعة الملك والسلطان، وليس العرش الذي هو سقف المخلوقات وزعم بعضهم أن عرشه سماواته وأرضه، وجميع خلقه وهذا هو عين التحريف لنصوص الكتاب والسنة"١.
وقد بين محمد بن عثمان٢ بن أبي شيبة مذهب الجهمية في العرش فقال: "ذكروا أن الجهمية يقولون: أن ليس بين الله ﷿ وبين خلقه حجاب وأنكروا العرش، وأن يكون هو فوقه وفوق السموات وقالوا: إن الله في كل مكان وأنه لا يتخلص من خلقه شيء ولا يتخلص الخلق منه إلا أن يفنيهم أجمع فلا يبقى من خلقه شيء ﵎ عما يقولون علوًا كبيرًا" اهـ٣.
وقد عبر عبد الجبار بن أحمد عن مذهب إخوانه المعتزلة في العرش فقال بعد أن ذكر آيات الاستواء على العرش: "إن العرش ههنا بمعنى الملك وذلك ظاهر في اللغة يقال:
ثل عرش بني فلان أي إذا زال ملكهم، ثم استدل على هذا بقول الشاعر:
إذا ما بنوا مروان ثُلَّتْ عروشهم وأودت كما أودت إياد وحمير٤
وأما الأشاعرة وأفراخ المعتزلة فقد عبر عن مذهبهم في العرش أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي حيث قال: "والصحيح عندنا تأويل العرش في هذه الآية ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥ على معنى الملك كأنه أراد أن الملك ما استوى لأحد
_________________
(١) انظر: التنبيه والرد على أهل الأهواء ص٩٥، التوحيد للمعتزلي ص٥٩٩، الاختلاف في اللفظ ص٢٤٢، الرد على الجهمية للدارمي ص١٣، العلو للعلي الغفار ص٥٨، مختصر الصواعق المرسلة ٢/١٤٠، شرح الطحاوية ص٣١٢.
(٢) هو محمد بن عثمان بن محمد بن أبي شيبة العبسي من عبس غطفان أبو جعفر الكوفي مؤرخ لرجال الحديث من الحفاظ، توفي سنة سبع ومائتين هجرية. انظر ترجمته في: الميزان ٣/٦٤٢، تاريخ بغداد ٣/٤٢، الأعلام ٧/١٤٢.
(٣) كتاب العرش ٥١ ق "مخطوط".
(٤) شرح الأصول الخمسة ص٢٢٧.
(٥) سورة طه آية: ٥.
[ ٧٠٦ ]
غيره، وهذا التأويل مأخوذ من قول العرب "ثل عرش بني فلان" إذا ذهب ملكهم، وقال متمم بن نويرة في هذا المعنى:
عروش تفانوا بعد عز وأمة
هَوَوْ بعد ما نالوا السلامة والبقاء
وأراد بالعروش ملوكًا انقرضوا، وقال سعيد بن زائدة الخزاعي في النعمان بن المنذر:
قد نال عرشًا لم ينله خائل
جن ولا إنس ولا ديار
وأراد بالعرش الملك والسلطان. وقال النابغة:
بعد ابن جفنة وابن هاتك عرشه
والحارثين يؤملون فلاحا
"وأراد بهاتك عرش ابن جفنة سالب ملكه فصح بهذا التأويل العرش على الملك في آية الاستواء على ما بيناه والله الموفق للصواب"١.
وهذه التأويلات الفاسدة التي انتحلها الجهمية والمعتزلة والأشاعرة للعرش الذي استوى عليه الرب ﷻ استواءً يليق بجلاله يقصدون منها التوصل إلى نفي صفة العلو والفوقية ولكنهم باءوا بالفشل في مسعاهم ذلك لأن الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة تكذبهم فيما قالوا وتثبت لله - تعالى - صفة العلو والفوقية، وأن المراد من العرش المخلوق العظيم الذي هو سقف المخلوقات وأنه ذو قوائم ويحمله ثمانية من الملائكة الكرام البررة.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "فمن أنكر عرشه، وأنكر استواءه أو أنكر تدبيره فقد قدح في ملكه" اهـ٢.
وقال شارح الطحاوية: ردًا على المعطلة "وأما من حرف كلام الله وجعل العرش عبارة عن الملك كيف يصنع بقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ٣ وقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ٤ أيقول: "ويحمل ملكه يومئذ ثمانية؟ وكان ملكه على
_________________
(١) أصول الدين ص ١١٣ - ١١٤.
(٢) مختصر الصواعق المرسلة ٢/١٤٠.
(٣) سورة الحاقة آية: ١٧.
(٤) سورة هود آية ٧:.
[ ٧٠٧ ]
الماء ويكون موسى ﵇ آخذًا بقائمة من قوائم الملك؟ هل يقول هذا عاقل يدري ما يقول؟ " ١ اهـ.
والذي نخلص إليه مما تقدم من الآيات والأحاديث النبوية السابقة أن العرش من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها كما أخبر الله ورسوله بذلك، وأن العرش أعظم مخلوقات الله خلقه قبل خلقه للسموات والأرض، واختصه - سبحانه - بالعلو والارتفاع على سائر المخلوقات، ثم استوى عليه استواء يليق بجلاله - سبحانه - وتعالى وهذا ما يجب على الإنسان أن يعتقده في العرش، كما يجب عليه أن ينآى بنفسه من الاعتقادات المنحرفة المخالفة للكتاب والسنة في عرش الرحمن، وقد تقدم ذكر بعضها ٢.
_________________
(١) شرح الطحاوية ص٣١٢.
(٢) "وهناك طائفة من الفلاسفة والمتكلمين ذهبوا إلى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه محيط بالعالم من كل جهة وهو عندهم الفلك التاسع. جاء في رسائل إخوان الصفا "وأما الفلك التاسع المحيط بهذه الأفلاك الثمانية فهو العرش العظيم الذي يحمله فوقهم يومئذ ثمانية كما قال ﷿. انظر: رسائل إخوان الصفا ٢/٢٦، تفسير روح المعاني ١١/٥٣، شرح الطحاوية ص٣١٠، "وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية قولهم هذا ورد عليه وبين بأنه قول لم يثبت بدليل عقلي ولا شرعي". انظر الرسالة العرشية ضمن مجموعة الرسائل الكبرى ١/٢٦١ - ٢٦٤.
[ ٧٠٨ ]
"الخاتمة"
وأوجز في هذه الخاتمة النتائج التي اشتمل عليها هذا البحث المتعلق بمباحث العقيدة في "سورة الزمر" وذلك فيما يلي:
١ - الإيمان بالله يتضمن: الاعتقاد الجازم بأنه تعالى رب كل شيء ومليكه وأنه الخالق الرازق المحيي المميت، وأنه - وحده - الذي يستحق أن يفرده العباد بالعبودية والطاعة، والذل والخضوع وغير ذلك من أنواع العبادة، وأنه - تعالى - المتصف بصفات الكمال المنزه من كل عيب ونقصان، وهذا ما يجب على كل إنسان أن يعتقده في الله ﷿ حتى يحقق عبوديته للخالق ﷾.
٢ - الإيمان بأن الله - تعالى - عالٍ على جميع المخلوقات مستو على عرشه بائن من خلقه، وأنه لا يحل بشيء ولا يتحد به.
٣ - القرآن كلام الله منزل غير مخلوق في جميع أحواله سواء كان مقروءًا، أو مسموعًا، أو مكتوبًا فهو كلامه - تعالى - على كل حال لأن الكلام ينسب إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغًا، ومن ثم لا يكون مخلوقًا.
٤ - ثبوت صفة العزة - للباري جل وعلا - بنص الكتاب والسنة فلا عزة لأحد إلا والله مالكها، ومن يريد العزة فليطلبها منه - جل وعلا - ولا سبيل إلى نيلها إلا بطاعته والخضوع له - وحده لا شريك له.
٥ - إن صفة الحكمة من الصفات التي أثبتها لنفسه - سبحانه - فله حكمة تتعلق به يحبها ويرضاها، ويفعل لأجلها فهو - تعالى - يفعل ما يفعل لحكمة يعلمها، والنافون للحكمة والتعليل مخالفون للكتاب والسنة والإجماع والعقل الصحيح والفطرة المستقيمة التي فطر الله الناس عليها.
٦ - بطلان زعم اليهود والنصارى ومشركي العرب مما ادعوه من نسبتهم الولد إلى
[ ٧١٠ ]
الله - تعالى - فقد نفى - سبحانه - عن نفسه الولادة، ونفى اتخاذ الولد جميعًا فهو المنزه - جل وعلا - من كل نقص وعيب - تعالى الله - عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
٧ - اتصاف الباري ﷾ بصفتي الرحمة والمغفرة حقيقة لا مجازًا، وأن صفة الرحمة تنقسم إلى قسمين رحمة عامة يشترك فيها المؤمنون والكافرون كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ١ ورحمة خاصة بالأنبياء والرسل وعباده المؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ٢ فهما صفتان حقيقيتان ثابتتان لله ﷿ حقيقة على ما يليق بجلاله وعظيم سلطانه.
٨ - صفة الغنى من صفات الكمال التي أثبتها الباري - سبحانه - لنفسه فلا يحتاج إلى شيء، والخلائق جميعهم محتاجون إليه وفقراء إليه في كل أمر من أمورهم فلا قوام لهم إلا به تعالى - في كل حركاتهم وسكناتهم وفي كل لحظة من لحظاتهم، وفي كل نفس من أنفاسهم فلا غنى لهم عنه طرفة عين.
٩ - إن صفة الرضا من الصفات الفعلية التي أثبتها - الباري سبحانه - لنفسه على ما يليق بجلاله يفعلها متى شاء وكيف شاء وأن الإرادة نوعان إرادة قدرية كونية، وإرادة شرعية دينية، والشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضا والقدرية الكونية هي الشاملة لجميع الموجودات فما شاءه - سبحانه - كان وما لم يشأه لم يكن، والأمر الشرعي إنما تلازمه الإرادة الشرعية الدينية، ولا تلازم بينه وبين الإرادة الكونية القدرية، فالكافر أمره الله بالإيمان، وأراده منه شرعًا ودينًا ولم يرده منه كونًا وقدرًا، ولو أراده كونًا لحصل لأن الإرادة الكونية القدرية لا يتخلف عنها المراد بخلاف الإرادة الشرعية قد يتخلف المراد بها.
١٠ - صفة العلم من صفات الكمال التي أثبتها - الباري سبحانه - لنفسه فقد علم - جل وعلا - أزلًا ما يكون من عبده المختار من سعادة وشقاوة، وما يحصل له من الغنى والفقر، ومن ناحية تحديد عمره وانقضاء أجله، ثم كتب ما يعمله في اللوح المحفوظ فهو - سبحانه - كتب لا ليجبر أحدًا من عباده على حسب ما كتب في الأزل ما يكون من العبد بمحض اختياره، وإرادته فعلمه - تعالى صفة انكشاف للماضي والحاضر والمستقبل وهو
_________________
(١) سورة الأعراف آية:١٥٦.
(٢) سورة الأحزاب آية: ٤٣.
[ ٧١١ ]
معنى قول أهل العلم علم ما كان وعلم ما يكون، وعلم ما لم يكن إن لو كان كيف كان يكون.
١١ - لله تعالى يدان حقيقيتان وهما من صفات الكمال التي اتصف بها - سبحانه - وأنهما كما يليق بجلاله، وما ورد في شأنهما من الإمساك والطي، والقبض والبسط والحثيات والخلق باليدين وكتب التورراة بيده وغرس جنة عدن بيده، وكون المقسطين عن يمينه وتخيير آدم بين ما في يديه، وأخذ الصدقة بيمينه يربيها لصاحبها، وأنه مسح ظهر آدم بيده إلى غير ذلك مما ورد في شأنها مما يدل دلالة واضحة على أنها يد حقيقة كما أخبر بذلك - جل وعلا - وأن تأويلها بالقدرة أو النعمة أو القوة تأويل ظاهر البطلان.
١٢ - لا يستحق العبادة بجميع أنواعها الاعتقادية والقولية والعملية إلا الله - جل وعلا - فأنواع العبادة مثل الدعاء والخوف والرجاء والإنابة، والتوكل والخشية وغيرها من أنواع العبادة لا يستحق أي أحد كائنًا من كان أي شيء منها.
١٣ - الإخلاص روح العبادة وعمودها الذي تقوم عليه، وأي عبادة بدون إخلاص عبادة مردودة على صاحبها لأنها لم توجه إلى الله - وحده لا شريك له - ومتى شاب العبادة قصد غير الله - تعالى - اعتبرت لاغية لا قيمة لها ولا فائدة منها سوى التعب لصاحبها لأن الله - تعالى - لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، وقد تضافرت الأدلة من كتاب وسنة، وأقوال الأئمة في إشتراط الإخلاص للأعمال والأقوال الدينية، وأن الله لا يقبل منها إلا ما كان خالصًا له وابتغي به وجهه.
١٤ - العبودية: تنقسم إلى عامة، وخاصة، والعامة هي عبودية أهل السموات والأرض جميعهم عبيده - تعالى - برهم وفاجرهم، ومؤمنهم وكافرهم، وهذه العبودية هي عبودية القهر والملك، وأما العبودية الخاصة فهي عبودية الطاعة والمحبة واتباع الأوامر والبعد عن النواهي فعلى العبد أن يتحلى بتحقيق العبودية الخاصة إذ السعادة في الدارين لا تنال إلا بها.
١٥ - الإسلام دين الأولين والآخرين من بني آدم، وأن أول المسلمين في جميع الشرائع الإلهية هم الرسل لأنهم أول من يعرف الشرائع فالخير كل الخير بالإلتزام بدين الإسلام الذي رضيه الله دينًا لعباده المؤمنين.
[ ٧١٢ ]
١٦ - الطاغوت اسم عام يشمل كل ما عبد من دون الله وكل رأس ضلال يدعو إلى الباطل ويزينه لمتبعيه، كما أنه يشمل كل من نصبه الناس للحكم بينهم فحكم بأحكام الجاهلية المنتنة المضادة لحكم رب العالمين وحكم رسوله الأمين ﷺ، فالحاكم بغير ما أنزل الله طاغوت لأنه نصب نفسه منصب الإله المشرع. وهنا يظهر معنى مجاوزة الحد في معنى الطاغوت، فإن الحاكم ملزم بأن يتقيد بأحكام الرب - سبحانه - التي أنزلها لعبيده وأوضحها لهم، بل إن معنى الطاغوت يتناول كل ما صرف الناس عن عبادة ربهم كالأوثان والأشجار والقباب التي تعبد من دون الله لأنها تصرف من يعبدها عن عبادة الإله الحق - سبحانه تعالى ـ.
١٧ - المطلوب من الإنسان أن يجمع في حياته بين الخوف والرجاء ولا ينبغي له أن يغلب أحدهما على الآخر، فإنه لو غلب جانب الرجاء وإنهمك في العصيان لربه ﵎ فإن ذلك قد يؤدي إلى أن يمكر الله به، وإذا غلب جانب الخوف ربما جرّه ذلك إلى اليأس فالغرض من الرجاء أن الإنسان لو وقع في تقصير فعليه أن يحسن الظن بالله - تعالى - ويرجو منه أن يغفر له ذنبه، وكذلك إذا وفقه الله - تعالى - للإتيان بالطاعة يرجو من الله أن يقبلها منه، ويخاف أن لا تقبل.
١٨ - التوكل على الله لا ينافي اتخاذ الأسباب، بل إن التوكل لا يتم إلا إذا اتخذ الإنسان لكل عمل يريده الأسباب التي توصله إلى تحقيقه - فلله تعالى - ربط الأسباب بمسبباتها، والتوكل من أعظم الأسباب وأنفعها في دفع المضار، وجلب المنافع، فلا بد من الأخذ بالأسباب التي توصل الإنسان إلى تحقيق حاجاته والحصول على مطالبه، ومن قال بنفي الأسباب فتوكله مشوب ومدخول.
١٩ - أرسل الله الرسل من أجل توحيد العبادة، وهو التوحيد المطلوب الذي أمر الله عباده أن يفردوه به دون سواه ولذلك كان أساس دعوة الرسل جميعًا وهو المطلوب في فاتحة دعوة كل نبي من الأنبياء من لدن نوح ﵇ إلى نبينا محمد ﷺ.
٢٠ - الشفاعة نوعان منفية، ومثبتة، فالمنفية هي التي إدعاها المشركون لإلهتهم والمثبتة هي التي أثبتها الله ورسوله بشرطيها الإذن، والرضا، والشفاعة لأهل الكبائر ثابتة بنص الكتاب والسنة خلافًا لأهل البدع النافين لها، والممنوع منها إنما هو الشفاعة لأهل الكفر والشرك
[ ٧١٣ ]
٢١ - الإقرار بالرب - جل وعلا - أمر فطري مركوز في كل نفس ولهذا كانت دعوة الرسل إنما كانت إلى عبادة الله - وحده لا شريك له - وللتذكير بالربوبية لأن عامة الخلق مقرون به - سبحانه - حتى الكفار يقرون بأنه - تعالى - الخالق الرازق النافع الضار المحيي المميت، ولكن هذا الإقرار لم يجد شيئًا، ولم ينقذهم من النار.
٢٢ - تظهر أهمية الإقرار بتوحيد الربوبية في أنه مقدمة لنتيجة، فإذا أقر العبد بأن الله - تعالى - هو الرب المتفرد بالربوبية وخصائصها استلزم ذلك حتمًا أن ينتج عن إقراره هذا إقرار بتفرد الرب - جل وعلا - بالعبادة فيفرده بها وحده لا شريك له ولا يصرف منها شيئًا لغير الله - تعالى - إذ أنه لا يصلح أن يعبد إلا من كان ربًا سيدًا خالقًا بارئًا مصورًا، مالكًا رازقًا، معطيًا نافعًا، محييًا مميتًا مدبرًا لأمر الكون كله وذلك كله لا يثبت إلا لله - وحده - لا شريك له فوجب أن يكون هو المعبود وحده دون سواه.
٢٣ - أصل الشرك في بني الإنسان والدافع إليه عند جميع فرق المشركين قديمًا وحديثًا إنما هو تعلقهم بأذيال الشفاعة الباطلة وزعمهم اتخاذ الأولياء والشفعاء إنما هو لأجل يقربوهم إليه زلفى، وإلا فهم يعتقدون أنها لا تخلق ولا ترزق، ولا تملك من الأمر شيئًا، وهذا من أقبح الأعذار لإقدامهم على أشد الذنوب وأقبحها حرمة عند الله تعالى.
٢٤ - الشرك بالله أظلم الظلم وهو أشد ذنب عصي الله به ولذلك رتب الله عليه من العقوبات الدنيوية والأخروية ما لم يرتبه على ذنب سواه من إباحة دماء أهله وأموالهم وسبي ذراريهم ونسائهم وعدم مغفرته من بين الذنوب إلا بالتوبة منه، وإذا وقع فيه الإنسان أحبط عمله وصار من الخاسرين.
٢٥ - الإيمان بالملائكة يتضمن التصديق والاعتقاد الجازم بأن لله - تعالى - ملائكه موجودون، مخلوقون من نور، وأنهم كما وصفهم الباري - سبحانه - عباد مكرمون يسبحون الله الليل والنهار لا يفترون، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وأنهم قائمون بوظائفهم التي أسندها الله إليهم، ويجب الإيمان بمن ورد تعيينه باسمه الخاص به كهاروت وماروت، وجبريل وميكائيل على التفصيل، أما من لم يرد تعيينه باسمه الخاص، أو لم يشتهر بعمل معين، فيجب الإيمان بهم إجمالًا، ولا يعلم عددهم إلا الله ﷾.
[ ٧١٤ ]
٢٦ - الإيمان بالكتب يتضمن التصديق الجازم بأن للباري - سبحانه - كتبًا أنزلها على أنبيائه، وهي كلامه حقيقة وأنها نور وهدى وأن ما تضمنته حق وصدق وعدل، ولا يعلم عددها إلا هو - سبحانه ـ، وأنه يجب الإيمان بها جملة إلا ما سمي منها وهي التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وصحف إبراهيم وموسى فهذه يجب الإيمان بها تفصيلًا.
٢٧ - الإيمان بالرسل يتضمن التصديق الجازم بأن - الرب جل وعلا - أرسل رسلًا وأنبياء ليرشدوا الخلق في معاشهم ومعادهم، وقد اقتضت حكمة اللطيف الخبير أن لا يترك خلقه سدى، ولا هملًا بل أرسل إليهم رسلًا مبشرين ومنذرين، فيجب الإيمان بمن سمى الله منهم في كتابه على التفصيل، والإيمان إجمالًا بأن له - تعالى - رسلًا غيرهم وأنبياء لا يحصيهم إلا هو ﷾ ويختص آخرهم وسيدهم نبينا محمد ﷺ باعتقاد عموم رسالته وشمولها لكل أحد دون تطرق النقص إليها وبقائها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
٢٨ - الإيمان بالقدر يتضمن التصديق الجازم بأن كل خير وشر فهو بقضاء الله تعالى وقدره، وأنه - جل وعلا - الفعال لما يريد لا يكون شيء في هذا الكون إلا بإرادته، ولا يخرج عن مشيئته وليس في العالم شيء يخرج عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن قدره، ولا يتجاوز الإنسان ما خط له في اللوح المحفوظ، وهو الذي خلق العباد وأفعالهم من طاعات ومعاصي، ومع ذلك أمرهم ونهاهم وجعلهم مختارين لجميع أفعالهم وليسوا مجبورين عليها، بل تقع بقدرتهم وإرادتهم يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته لا يسأل عما يفعل وهم يُسألون.
٢٩ - الإيمان باليوم الآخر يتضمن التصديق الجازم بكل ما أخبر الله به عن هذا اليوم الذي توفى فيه كل نفس ما كسبت، وتصديق النبي ﷺ فيما أخبر به مما يكون بعد الموت من الحشر والنشر والصحف والميزان والحساب والجزاء والصراط والحوض والشفاعة، وفتنة القبر وعذابه ونعيمه، والجنة والنار، وما أعد الله لأهلهما فيهما.
٣٠ - القول الراجح أن عدد النفخات ثلاث: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث، كما صرح بذلك القرآن، فيجب الإيمان بالنفخ في الصور الذي جعله الله سبب الفزع، والصعق والقيام من القبور، كما يجب الاعتقاد الجازم بأن الذي يعيده الله عند البعث هو هذا الجسد بعينه الذي أطاع وعصى، فينعمه ويعذبه، كما ينعم الروح التي
[ ٧١٥ ]
آمنت بعينها، ويعذب التي كفرت بعينها لا أنه - سبحانه - يخلق روحًا أخرى غير هذه فينعمها ويعذبها كما قال من لم يعرف المعاد الذي أخبرت به الرسل حيث زعم أن الله - سبحانه - يخلق بدنًا غير هذا البدن من كل وجه عليه يقع النعيم والعذاب، والروح عنده عرض من أعراض البدن فيخلق روحًا غير هذه الروح وبدنًا غير هذا البدن وهذا غير ما اتفقت عليه الرسل، ودل عليه القرآن والسنة وسائر كتب الله تعالى" ١.
٣١ - الجنة والنار مخلوقتان أبديتان لا تفنيان ولا تبيدان ومن زعم أنهما يفنيان فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
تلك هي نتائج البحث والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
_________________
(١) الفوائد لابن القيم ص٨.
[ ٧١٦ ]