الفصل الأول: دلالة السورة على وجوب الإيمان بالملائكة
المبحث الأول: تعريف الملائكة، ومن أي شيء خلقوا؟
المبحث الأول: تعريف الملائكة، ومن أي شيء خلقوا؟
١ـ تعريف الملائكة:
"الملائكة جمع ملاك" نقلت حركة الهمزة فيه إلى الساكن قبله، ثم حذفت الهمزة تخفيفًا فصارت "ملكًا" وهو مشتق من كلمة "الألوكة" التي هي الرسالة والجمع "ملائك" و"ملائكة"١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "والملك في اللغة: حامل الألوكة وهي الرسالة"اهـ٢.
والذي نستفيده من التعريف اللغوي: أن الملائكة هم سفراء الله إلى أنبيائه ورسله في تبليغ الوحي والشرائع.
أما التعريف الاصطلاحي:
فالملائكة: "أجسام نورانية - لطيفة أعطيت قدرة على التشكل بأشكال مختلفة ومسكنها السموات، وأبطل من قال: أنها الكواكب أو أنها الأنفس الخيرة التي فارقت أجسادها وغير ذلك من الأقوال التي لا يوجد في الأدلة السمعية شيء منها"اهـ٣.
_________________
(١) القاموس المحيط ٣/٣٢٧ لسان العرب ١٠/٤٩٦ المصباح المنير ١/١٨ بصائر ذوي التمييز ٤/٥٢٤ الفتح ٦/٣٠٦.
(٢) النبوات ص٢٥٧.
(٣) فتح الباري ٦/٣٠٦ وانظر "كتاب التعريفات للجرجاني ص٢٢٩".
[ ٤٣٥ ]
٢ـ من أي شيء خلقوا؟:
لقد بين النبي ﷺ المادة - التي خلق الله منها الملائكة وهي النور، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم" ١.
فبين ﷺ أن الملائكة خلقوا من نور، ولم يبين النبي ﷺ أي نور هذا؟ الذي خلقهم الله منه. فلا يجوز الخوض لأي أحد في نوع هذا النور لزيادة تحديده لأنه غيب لم يأت فيه ما يوضحه أكثر من هذا الحديث النبوي الشريف وأما تحديد الزمن الذي خلقوا فيه فلم يرد في الكتاب والسنة ما يفيد ذلك إلا أن الله - تعالى - أخبر بأن خلقهم كان قبل خلق آدم ﵇ فقد أخبر - سبحانه - أنه أعلم الملائكة بأنه سيجعل في الأرض خليفة قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ٢.
والمراد بالخليفة آدم ﵇ وأمرهم بالسجود له حين خلقه ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ٣.
فالملائكة نوع من مخلوقات الله - تعالى - خلقهم الله من نور وأقدرهم الله على التشكل بأشكال مختلفة فقد أرسل الله جبريل إلى مريم في صورة بشر قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ ٤.
وإبراهيم ﵇ جاءته الملائكة في صورة بشر، ولم يعرف أنهم ملائكة حتى كشفوا له عن حقيقة أمرهم.
قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا
_________________
(١) صحيح مسلم ٤/٢٢٩٤ ومسند الإمام أحمد ٦/١٦٨.
(٢) سورة البقرة آية: ٣٠.
(٣) سورة الحجر آية: ٢٩.
(٤) سورة مريم آية: ١٦ - ١٩.
[ ٤٣٦ ]
قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ١.
وفي آية أخرى قال: ﴿فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ٢.
وجاؤوا إلى لوط في صورة شباب حسان الوجوه، وضاق لوط بهم وخشي عليهم من قومه فقد كانوا قوم سوء يفعلون السيئات ويأتون الذكران من العالمين قال تعالى:
﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ ٣.
قال ابن كثير ﵀ تعالى ـ: "تبدي لهم الملائكة في صورة شباب حسان امتحانًا واختبارًا حتى قامت على قوم لوط الحجة وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر"٤.
وقد كان جبريل يأتي النبي ﷺ في صورة دحية بن خليفة الكلبي٥ وتارة يأتيه في صورة أعرابي وقد شاهده كثير من الصحابة كما في حديث عمر قال: "بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد فجلس إلى رسول الله ﷺ وأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام"؟
وفي الحديث أنه سأله عن الإيمان والإحسان والساعة وأمارتها ثم أخبرهم النبي ﷺ فيما بعد أن السائل جبريل جاء يعلم الصحابة دينهم٦ إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في هذا المعنى والملائكة كثيرون لا يحيط بهم عد ولا يحصيهم من دون الله أحد وهم مجبولون على أعمال الخير فلا يعملون الشر ولا يأمرون به، فلذلك هم لربهم مطيعون، وبعبادته مشتغلون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وقد كلف الله جميع عباده الإيمان
_________________
(١) سورة الذاريات آية: ٢٤ - ٢٨.
(٢) سورة هود آية: ٧٠.
(٣) سورة هود آية: ٧٧.
(٤) البداية والنهاية ١/٤٣.
(٥) هذا الصحابي الجليل كان يضرب به المثل في الحسن انظر الإصابة ١/٤٦٣ رقم ٢٣٩٠.
(٦) صحيح مسلم ١/٣٧.
[ ٤٣٧ ]
بهم، والتصديق بوجودهم لأن ذلك من جملة عقائد الإيمان التي أمرهم الله بها وفرضها عليهم في محكم كتابه وسنة نبيه ﷺ.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ ٣.
وقد ذكر رسول الله ﷺ أركان الإيمان الستة وذكر من بينها الإيمان بالملائكة كما في حديث عمر بن الخطاب ﵁ المشهور بحديث جبريل الطويل حيث سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة وجاء في هذا الحديث أن جبريل ﵇ قال للرسول ﷺ: أخبرني عن الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" ٤.
فأجاب النبي ﷺ على سؤال جبريل عن الإيمان ببيان أركانه الستة وأخبر بأن الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان فمن هنا كان وجود الملائكة ثابت بالدليل القطعي الذي لا يمكن أن يتطرق إليه شك ومن هنا كان إنكار وجود الملائكة كفرًا بإجماع المسلمين بل بنص كتاب الله الكريم وسنة رسوله الأمين فمن كفر بهم أو حاول التشكيك في وجودهم فهو كاذب كافر لا حظ له في الإسلام لتكذيبه لله - تعالى - ولرسوله وللمؤمنين.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: بعد أن ذكر جملة من الأحاديث الواردة في شأن الملائكة وصفاتهم "وفي هذا وما ورد من القرآن رد على من أنكر وجود الملائكة من الملاحدة"٥ ومن هذا يفهم بأن من أنكر وجود الملائكة فهو ملحد زنديق كافر بالله
_________________
(١) سورة البقرة آية: ١٧٧.
(٢) سورة البقرة آية: ٢٨٥.
(٣) سورة النساء آية: ١٣٦.
(٤) صحيح مسلم ١/٣٧.
(٥) الفتح: ٦/٣٠٦.
[ ٤٣٨ ]
العظيم، فيجب الإيمان بالملائكة على سبيل الإجمال، ويجب الإيمان على سبيل التفصيل، بمن اشتهر باسمه الخاص كهاروت وماروت أو من أضيف إليه عمل معين بأدلة الكتاب والسنة، كجبريل، وميكائيل واسرافيل ورضوان ومالك، فمثل هؤلاء الملائكة لا يكفي الإيمان بهم إجمالًا بل لا بد من الإيمان بهم تفصيلًا.
[ ٤٣٩ ]
المبحث الثاني: ذكر بعض أعمال الملائكة التي أنيطت بهم
لقد دلت سورة "الزمر" على أن لله ملائكة أسند إليهم القيام بمهام الجنة والنار كما ورد فيها أن بعض الملائكة محدقون بعرش الرحمن - جل وعلا ـ.
قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ * وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
فهذه الآيات الأربع من السورة دلت على وجود الملائكة وأن منهم من أوكل الله إليه القيام على أمور الجنة والنار فمن المهام التي أسندت إليهم تجاه جهنم أن الكفار عندما يحشرون تسوقهم الملائكة إليها أفواجًا متفرقة فوجًا بعد فوج فعند ذلك تفتح لهم أبواب جهنم فتتلقاهم الملائكة خزنة النار يوبخونهم ويبكتونهم ويسألونهم أما جاءكم في الدنيا رسل من جنسكم؟ يقرؤون عليكم ما أنزل من الآيات البينات والحجج الواضحات ويخوفونكم هول هذا اليوم الذي ترديتم فيه؟ فيعترفون بأن الرسل بلغوهم آيات ربهم فكذبوهم فلم يصدقوهم فحقت عليهم كلمة العذاب التي توعد الله بها الكافرين فإذا سمع الملائكة منهم هذه الإجابة سارعوا في الرد عليهم بقولهم ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ .
[ ٤٤٠ ]
إنكم فيها إلى الأبد لا تخرجون منها ولا تنفصلون عنها فبئس المقام الذي تبوأتموه جزاء تكبركم وتكذيبكم برسل الله وآياته ولقائه وأما مهامهم في الجنة فإنه عندما يحشر الذين اتقوا ربهم بأداء الفرائض واجتناب المعاصي فأخلصوا الدين لله وحده لا شريك له فإن الملائكة الموكلين بالجنة يحتفون بهم ويرحبون بلقائهم ويحيونهم بأطيب تحية ويذكرونهم بأطيب صفاتهم ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ .
وأما الآية الأخيرة من الآيات الأربع السابقة وهي آخر آية من السورة فهي تبين مشهدًا عظيمًا لعباد الله المكرمين الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وهذا المشهد هو أنهم محدقون بعرش الرحمن ينزهونه عما نسبه إليه المشركون وعما لم ينسبوه من صفات النقص، وليست هذه أعمالهم فحسب بل لهم أعمال أخرى كثيرة جدًا أنيطت بهم ونذكر هنا طرفًا منها إذ يتعذر علينا حصرها هنا.
فجبريل ﵇: أوكل الله إليه النزول بالوحي وقد أخبرنا الله تعالى أن جبريل يكاد يختص بهذه المهمة الجليلة قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ١.
وجبريل هو الروح الأمين كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ٢ وقد ينزل بالوحي غير جبريل إلا أن هذا - قليل جدًا ـ.
لما رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضًا من فوقه فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: "أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته" ٣.
ومنهم من أوكل الله إليه القطر والنبات والأرزاق.
قال ابن كثير: "وميكائيل موكل بالقطر والنبات اللذين يخلق منهما الأرزاق في هذه الدار، وله أعوان يفعلون ما يأمرهم به بأمر ربه، يصرّفون الرياح والسحاب كما يشاء الرب
_________________
(١) سورة البقرة آية: ٩٧.
(٢) سورة الشعراء آية: ١٩٣ - ١٩٤.
(٣) ١/٥٥٤.
[ ٤٤١ ]
ﷻ وقد روينا أنه ما من قطرة تنزل من السماء إلا ومعها ملك يقررها في موضعها من الأرض١ ومنهم من هو موكل بالسحاب ففي سنن الترمذي عن ابن عباس أن الرسول ﷺ قال: "الرعد ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله".
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب٢.
ومنهم من أوكل الله إليه مهمة النفخ في الصور وهو إسرافيل، ومنهم من اختصه الله بقبض أرواح بني آدم عندما تنتهي آجالهم التي قدرها الله لهم قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ٣ ولملك الموت أعوان يكونون معه عند قبض أرواح بني آدم.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ ٤ وتنزع الملائكة أرواح الكفرة والمجرمين نزعًا شديدًا عنيفًا بلا رفق ولا هوادة.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ ٥.
أما المؤمنون فإن الملائكة تنزع أرواحهم نزعًا رفيقًا وتبشرهم عند النزع.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ ٦.
_________________
(١) البداية والنهاية ١/٥٠ مطبعة الفجالة الجديدة.
(٢) سنن الترمذي ٤/٢٥٧، وأحمد في مسنده ١/٢٧٤ وانظر صحيح الجامع الصغير للألباني ٣/١٨٨.
(٣) سورة السجدة آية: ١١.
(٤) سورة الأنعام آية: ٦١ - ٦٢.
(٥) سورة الأنفال آية: ٥٠.
(٦) سورة فصلت آية: ٣٠ - ٣١.
[ ٤٤٢ ]
ومنهم من أوكل الله إليه حفظ أعمال بني آدم من خير وشر وهم الكرام الكاتبون. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ١. ومنهم من أوكل الله إليه الجنة ونعيمها وهم رضوان ومن معه، قال ابن كثير "وخازن الجنة ملك يقال له: رضوان جاء مصرحًا به في بعض الأحاديث" أ. هـ٢.
ومنهم من أسند إليه القيام على النار وعذاب أهلها وهم مالك ومن معه فقد أخبر الله - تعالى - أن أهل النار ينادون مالكًا وهو كبير خزنة أهل النار بقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ ٣.
ومنهم من أوكل الله إليه فتنة القبر وهما منكر ونكير٤.
ومنهم حملة العرش قال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ٥.
ومنهم الموكل بالنطف في الأرحام وكتابة ما يراد بها.
روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "وكل الله - تعالى - بالرحم ملكًا: فيقول: أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة، فإذا أراد أن يقضي خلقها قال: أي رب ذكر أم أنثى أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل فيكتب كذلك في بطن أمه٦.
ومنهم ملائكة يدخلون البيت المعمور ويدخله كل يوم سبعون ألفًا ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم٧.
ومنهم ملائكة سياحون يتتبعون مجالس الذكر روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن لله تبارك - وتعالى - ملائكة يطوفون
_________________
(١) سورة الانفطار آية: ١٠ - ١٢.
(٢) البداية والنهاية ١/٥٣.
(٣) سورة الزخرف آية: ٧٧ - ٧٨.
(٤) انظر موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان حديث رقم ٧٨٠ ص١٩٧.
(٥) سورة الحاقة آية: ١٧.
(٦) صحيح البخاري ٤/١٤٣ صحيح مسلم ٤/٢٠٣٨.
(٧) صحيح البخاري ٣/٢١١ صحيح مسلم ١/١٥٠ كلاهما من حديث أنس.
[ ٤٤٣ ]
في الطريق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله - تعالى - تنادوا هلموا إلى حاجتكم قال: فيحفوهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا١.
ومنهم الموكل بالجبال فقد أرسل الله - تعالى - ملك الجبال إلى عبده ورسوله محمد ﷺ يستأمره في إهلاك أهل مكة فقد جاء في الحديث المتفق على صحته المروي عن عائشة ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن كلاب فلم يجبني إلى ما أردت".
فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب - مكان قرب مكة - فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا به عليك وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين٢ فقال النبي ﷺ: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا"٣.
ومنهم الموكل بكتابة الناس يوم الجمعة يكتب الأول فالأول، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر" ٤.
"ومنهم المعقبات وهم الذين أوكل الله إليهم حفظ العبد فيحفظونه من بين يديه ومن خلفه من أمر الله".
وقد بين حبر الأمة عبد الله بن عباس أن المعقبات من الله هم الملائكة جعلهم الله
_________________
(١) صحيح البخاري ٤/١١٤ صحيح مسلم ٤/٢٠٦٩ - ٢٠٧٠.
(٢) الأخشبان: هما الجبلان المطيفان بمكة أبو قبيس والأحمر وهو جبل مشرف وجهه على قعيقعان. النهاية ٢/٣٢.
(٣) صحيح البخاري ٢/٢١٢ صحيح مسلم ٣/١٤٢٠.
(٤) صحيح البخاري مع الفتح ٢/٤٠٧.
[ ٤٤٤ ]
ليحفظوا الإنسان من أمامه، ومن ورائه، فإذا جاء قدر الله الذي قدر أن يصل إليه خلوا عنه١.
وقال مجاهد: "ما من عبد إلا له ملك موكل بحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام فما منها شيء يأتيه إلا قال له الملك وراءك إلا شيء أذن الله فيه فيصيبه".
وقال رجل لعلي بن أبي طالب: "إن نفرًا من مراد يريدون قتلك فقال - أي علي - إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، إن الأجل جنة حصينة"٢.
والمعقبات المذكورة في آية - سورة الرعد - هي المقصودة بالآية الأخرى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ ٣.
فالحفظة الذين يرسلهم الله يحفظون العبد حتى يأتي أجله المقدر له.
وورد أن الملائكة يؤمنون على قراءة المصلي، قال ﵊: "إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" ٤.
وورد أنهم يدعون لمنتظر الصلاة كما جاء في الصحيحين "أن الملائكة تصلي على الذي يأتي المسجد للصلاة فتقول: اللهم صل عليه اللهم ارحمه ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه" ٥.
وورد أنهم يلعنون من هجرت فراش زوجها لما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح" ٦ وأعمال الملائكة كثيرة جدًا فإنهم يقومون على مختلف شؤون هذا الكون مما نشاهده وما لا نشاهده، وإذا تأمل الإنسان
_________________
(١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ١٣/١١٧، البداية والنهاية ١/٥٤.
(٢) جامع البيان ١٣/١١٩ وانظر البداية والنهاية ١/٥٤.
(٣) سورة الأنعام آية: ٦١.
(٤) صحيح البخاري ٣/٩٧، صحيح مسلم ١/٣٠٧.
(٥) صحيح البخاري ٢/٢١٤، صحيح مسلم ١/٤٥٩ كلاهما من حديث أبي هريرة.
(٦) ٢/٢١٥.
[ ٤٤٥ ]
الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة في أعمال الملائكة مثل قوله - تعالى ـ: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ ١.
ومثل قوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ ٢.
جزم في يقين بأن هذا الكون كله علويه وسفليه، قد أنيط أمر تدبيره إلى الملائكة، وذلك بإذن ربهم ﵎ قال ﷺ "أطت السماء وحق لها أن تئط ما من موضع أربع أصابع إلا عليه ملك واضع جبهته ساجدًا لله تعالى" ٣.
ومما تقدم يتبين بطلان قول الزائغين من الفلاسفة الزنادقة بأن الملائكة قوى معنوية ليس لها حقيقة في الخارج٤ بل هم كما أخبر ﷺ أنهم مخلوقون من نور وأنهم كما وصفوا في الكتاب والسنة أولوا أجنحة مثنى وثلاث ورباع، ومن زعم غير ذلك فقد كذب الله ورسوله والمؤمنين
_________________
(١) سورة الصافات آية: ١ - ٣.
(٢) سورة النازعات آية: ١ - ٥.
(٣) رواه ابن ماجة من حديث أبي هريرة ﵁ ٢/١٣٠٢ سنن الترمذي ٣/٣٨١ من حديث أبي ذر ﵁.
(٤) انظر كتاب النبوات لشيح الإسلام ص١٧٢، إغاثة اللهفان ٢/٢١٦ شرح الطحاوية ٣٣٣.
[ ٤٤٦ ]
الفصل الثاني: دلالة السورة على وجوب الإيمان بالكتب
المبحث الأول: كيفية الإيمان بالكتب السابقة
المبحث الأول: كيفية الإيمان بالكتب السابقة
قبل أن نبين كيفية الإيمان بالكتب السماوية السابقة نذكر الآيات الدالة على وجوب الإيمان بالكتب من سورة "الزمر" ونبين وجه دلالتها على ذلك. فنقول: إن الإيمان بالكتب التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله ركن من أركان العقيدة الإسلامية الستة، ودعامة من دعائمها الأساسية التي لا تقوم العقيدة إلا بالإيمان بها كلها.
فكما أن الله - تعالى - أنزل القرآن الكريم على محمد ﷺ فقد أنزل من قبله كتبًا.
والإيمان بالكتب: هو التصديق الجازم بأن لله كتبًا أنزلها على أنبيائه ورسله وهي من كلامه - تعالى - حقيقة اشتملت على النور والهدى وكل ما احتوته حق وصدق ولا يعلم عددها إلا الله - تعالى - الذي أنزلها، ولقد دلت السورة على أن الله - تعالى - أنزل القرآن على نبينا محمد ﷺ كما أشارت إلى إنزال الكتب السابقة قبله على من سبقه من الأنبياء والمرسلين، فيجب الإيمان بالكتب وتصديقها كلها وأن من كذب بها كان من أهل النار.
قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ .
[ ٤٤٩ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى ﴾ الآية.
هذه المجموعة الكثيرة من الآيات كلها وردت في السورة، وكلها واضحة الدلالة في وجوب الإيمان بالكتب السماوية المنزلة من عند الله ﷿ ووجوب التصديق بها والعمل بمقتضاها. إذا الإيمان بالكتب معناه "التصديق بأنها كلام الله وأن ما تضمنته حق"١.
فالآيات السبع الأولى: من هذه الآيات كلها توجب الإيمان بالقرآن وقد قدمنا الكلام عليها تحت عنوان "القرآن كلام الله منزل غير مخلوق" في "الفصل الأول"من "الباب الأول" فليرجع إليه. وأما قوله تعالى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ فالمراد بالآيات المذكورة في هذه الآية هي الآيات التنزيلية، القرآن وغيره من الكتب السماوية قبله التي نزلت على الرسل لتبليغها إلى سائر الأمم فقوله ﷿ ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ رد من قبل الله تعالى على الكافر الذي يظهر الحسرة والندامة يوم القيامة بحيث أنه فرط في طاعة الله، ومع ذلك كان من المستهزئين بدين الله في الدنيا، وبكتابه وبرسوله وبالمؤمنين وحينما يشاهد العذاب يتعلل بما لا طائل تحته فيتمنى لو أن الله أرشده وهداه إلى دينه ليتقي الشرك والمعاصي، ويتمنى الرجعة إلى الدنيا ليكون من الموحدين لله تعالى المحسنين أعمالهم وهذه من الأماني الواهية التي يتعلق بها المشركون يوم القيامة فيكون الجواب من قبل الله
_________________
(١) الفتح: ١/١١٧ - ١١٨.
[ ٤٥٠ ]
﷿ على كل مشرك متمن على الله الأماني الباطلة ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ بحيث قلت إنها ليست من عند الله، واستكبرت عن الإيمان بها وبذلك كنت في عداد الكافرين.
قال ابن جرير الطبري: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ يقول: "قد جاءتك حججي من بين رسول أرسلته إليك وكتاب أنزلته يتلى عليك ما فيه من الوعد والوعيد والتذكير ﴿فَكَذَّبْتَ﴾ بآياتي ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ عن قبولها واتباعها" اهـ١.
فالآية دلت على وجوب الإيمان بالكتب المنزلة من عند الله ﷿ وحرمة الكفر بها والإعراض عن قبولها.
وأما قوله - تعالى - ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ ﴾ الآية ففيها تأنيب وتقريع لجميع أصناف الكفار الداخلين جهنم من خزنة جهنم بقولهم: ألم تأتكم رسل منكم ومن جنسكم تفهمون عنهم وتعرفون أمرهم ويتلون عليكم آيات ربكم وهي الكتب المنزلة على رسله وحججه التي بعث بها رسله إلى أممهم؟ فيقول الكافرون مجيبين لخزنة جهنم: إن الرسل جاؤوهم وبلغوهم وحي الله، ولكنهم كذبوهم وقالوا ما نزل الله من شيء فحقت عليهم كلمة العذاب وهي حكم الله عليهم بالشقاوة وأنهم من أهل جهنم بسوء اختيارهم وشنيع فعلهم الذي فعلوه مع أنبيائهم فالسورة دلت دلالة قاطعة على وجوب الإيمان بكتب الله وتحريم تكذيبها ولا شك أن من كذب بكتب الله المنزلة على رسله وأنبيائه فإنه كافر بالله العظيم لأنه - تعالى - ربط الإيمان بالكتب بالإيمان به ﷾ قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾ ٢.
قال ابن كثير: "والكتاب" وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء حتى ختمت بأشرفها وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب الذي انتهى إليه كل خير واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة، ونسخ به كل ما سواه من الكتب قبله. اهـ٣.
_________________
(١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٢٤/٢١.
(٢) سورة البقرة آية: ١٧٧.
(٣) تفسير القرآن العظيم ١/٣٦٥.
[ ٤٥١ ]
فمن كذب بكتب الله المنزلة على رسله كان من الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة بإرادته واختياره أعاذنا الله من ذلك.
وأما كيفية الإيمان بالكتب السماوية السابقة:
فالإيمان بها يكون إجمالًا، وتفصيلًا فيجب الإيمان على التفصيل بما سماه الله منها في القرآن الكريم، والذي سمي لنا منها في القرآن هي:
١ - التوراة وهي الكتاب الذي أنزله الله على كليمه موسى ﵊. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ ١.
٢ - الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى ﵊. قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
٣ - الزبور الذي أنزله الله على داود ﵊. قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ ٣.
٤ - الصحف التي أنزلها الله على إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام والتي أخبر عنها بقوله - جل شأنه - ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ ٥.
فهذه الكتب يجب الإيمان بها على التفصيل.
وأما الكتب الأخرى التي نزلت على سائر الرسل، ولم يخبرنا الله - تعالى - بأسمائها وإنما جاء الخبر في كتاب الله أن لكل نبي أرسله الله رسالة بلغها إلى قومه. قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ
_________________
(١) سورة المائدة آية: ٤٤.
(٢) سورة المائدة آية: ٤٦.
(٣) سورة الإسراء آية: ٥٥.
(٤) سورة النجم آية: ٣٦ - ٣٧.
(٥) سورة الأعلى آية: ١٨ - ١٩.
[ ٤٥٢ ]
لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ ١. فالواجب الإيمان بهذه الكتب التي لم تسم إجمالًا، ولا يجوز نسبة كتاب إلى الله - جل وعلا - لم ينسبه إلى نفسه بالإخبار عنه في القرآن العظيم والسنة المطهرة، كما يجب الإيمان بأن هذه الكتب نزلت من عند الله بالحق والنور والهدى، وتوحيد الله - سبحانه - في ربوبيته وألوهيته، وأسمائه وصفاته، وما ألصق بها مما يخالف ذلك إنما هو من تحريف البشر الذين يحرفون الكلم عن مواضعه بسب ما علق بقلوبهم من مرض الإلحاد.
قال شارح الطحاوية مبينًا كيفية الإيمان بالكتب السابقة "وأما الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين فنؤمن بما سمى الله تعالى منها في كتابه، من التوراة والإنجيل والزبور، ونؤمن بأن لله - تعالى - سوى ذلك كتبًا أنزلها على أنبيائه لا يعرف أسماءها وعددها إلا الله تعالى" اهـ٢.
وبالجملة فقد بين الكتاب والسنة أن الإيمان بالكتب أحد أركان الإيمان الستة. قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ٣ "فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد أحد فرد صمد لا إله غيره ولا رب سواه. ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض بل الجميع عندهم صادقون بارُّون راشدون مهديون هادون إلى سبيل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله حتى نسخ الجميع بشرع محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تقوم الساعة على شريعته" اهـ٤.
وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ٥. فجعل الله ﷾ الإيمان
_________________
(١) سورة البقرة آية: ٢١٣.
(٢) شرح الطحاوية ص٣٥٠.
(٣) سورة البقرة آية: ٢٨٥.
(٤) تفسير ابن كثير ١/٦٠٨.
(٥) سورة البقرة آية: ١٧٧.
[ ٤٥٣ ]
هو الإيمان بهذه الجملة وسمى من آمن بهذه الجملة مؤمنين١، ومن بينها الإيمان بالكتب.
ولقد أوجب الحق - سبحانه - في كتابه الإيمان بجميع الكتب السماوية قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ ٢.
إن هذه الآية وحدها كافية في الدلالة على وجوب الإيمان بكتب الله - تعالى - على وجه العموم وبالقرآن الكريم كتاب رب العالمين على وجه الخصوص وإنها أيضًا لكافية في الدلالة على تحريم التكذيب بها وعدم التصديق بكل ما ورد فيها مما هو وحي الله وكلامه ﷾.
وأما دلالة السنة على وجوب الإيمان بالكتب فقد قال ﷺ في الحديث المتفق على صحته وهو حديث جبريل وسؤاله للنبي ﷺ عن الإيمان، فقال "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" ٣.
"فهذه أصول اتفقت عليها الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وسلامه ولم يؤمن بها حقيقة الإيمان إلا إتباع الرسل"٤
قال الحافظ: عند قوله ﷺ "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله" ودل الإجمال في الملائكة والكتب والرسل على الإكتفاء بذلك في الإيمان بهم من غير تفصيل، إلا من ثبتت تسميته فيجب الإيمان به على التعيين وهذا الترتيب مطابق للآية ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ﴾ الآية٥. ومناسبة الترتيب المذكور، وإن كانت الواو لا ترتب بل المراد من التقديم أن الخير والرحمة من الله، ومن أعظم رحمته أن أنزل كتبه إلى عباده والمتلقي لذلك منهم الأنبياء والواسطة بين الله وبينهم الملائكة"اهـ٦.
_________________
(١) شرح الطحاوية ص٣٣٢.
(٢) سورة النساء آية: ١٣٦.
(٣) صحيح البخاري ١/١٨، صحيح مسلم ١/٣٦ - ٣٧.
(٤) شرح الطحاوية ص٣٣٣.
(٥) سورة البقرة آية: ٢٨٥.
(٦) الفتح ١/١١٨.
[ ٤٥٤ ]
ولا يفوتنا أن نقول هنا: "إنه وإن كان الإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء السابقين قبل نبينا محمد ﷺ واجبًا إلا أنه لا يجوز الأخذ بما في أيدي اليهود والنصارى لأنهم قد حرفوا كتب الله المنزلة على أنبيائهم وذمهم الله على ذلك وتوعدهم وزجرهم"١.
ومما تقدم يتبين أن الإنسان مطالب بالإيمان بالكتب السماوية السابقة من حيث إنها نزلت من عند الله تعالى، وأن الانقياد لها والحكم بها كان فرضًا على الأمم التي نزلت إليها تلك الكتب، كما يجب الإيمان بأن تلك الكتب السماوية يصدق بعضها بعضًا كما قال تعالى في شأن الإنجيل: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ ٢ كما يجب على الإنسان أن يؤمن بأن من الشرائع اللاحقة ما هو ناسخ للشرائع السابقة إما جزئيًا أو كليًا.
قال تعالى حكاية عن عيسى ﵇ بأنه كان من المؤمنين بالتوراة وناسخًا لبعضها: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ ٣.
قال ابن كثير حول هذه الآية: "فيه دلالة على أن عيسى ﵇ نسخ بعض شريعة التوراة وهو الصحيح من القولين"٤.
وقد بين تعالى أن القرآن نسخ ما في التوراة والإنجيل، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ ٥.
_________________
(١) انظر المنهاج في شعب الإيمان للحليمي ١/٣٢٢ - ٣٢٣.
(٢) سورة المائدة آية: ٤٦.
(٣) سورة آل عمران آية: ٥٠.
(٤) تفسير القرآن العظيم ٢/٤٠.
(٥) سورة الأعراف آية: ١٥٧.
[ ٤٥٥ ]
المبحث الثاني: كيفية الإيمان بالقرآن
تقد معنا فيما سبق أنه يجب على المرء أن يؤمن بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ كلامه تعالى حقيقة لا كلام غيره.
إلا أنه يجب مع هذا الإيمان الإيمان بأنه آخر الكتب السماوية، وأنه مهيمن عليها وقد خصه الله بمزية الحفظ من التغيير والتبديل والتحريف، ويجب على كل شخص أن يقر بما فيه، ويتبعه ويتمسك به ظاهرًا وباطنًا، وأن يقوم بحقه.
قال شارح الطحاوية: "وأما الإيمان بالقرآن، فالإقرار به، واتباع ما فيه وذلك أمر زائد على الإيمان بغيره من الكتب"١ وقد تميز القرآن الكريم عما سبقه من الكتب المنزلة بمزايا من أهمها:
١ـ "أنه جمع التعاليم الربانية، وجاء مؤيدًا لما جاء في تلك الكتب السابقة من توحيد الله ﷿ وعبادته، ووجوب طاعته وجمع كل ما كان مفرقًا في تلك الكتب من المحاسن والفضائل وجاء مهيمنًا عليها ورقيبًا يقر ما فيها من حق، ويبين ما دخل فيها من التحريف والتغيير. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ ٢ فقد جاء بشريعة عامة لبني الإنسان فيها كل ما يحتاجون إليه، وما يلزمهم لسعادتهم في الدنيا والآخرة، ونسخ الله به جميع الشرائع العملية الخاصة بالأمم السابقة، وأثبت الأحكام النهائية الخالدة التي تصلح لكل زمان ومكان.
_________________
(١) شرح الطحاوية ص٣٥٠.
(٢) سورة المائدة آية: ٤٨.
[ ٤٥٦ ]
فمعنى قوله تعالى في الآية السابقة ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ أي: مؤتمنًا وشاهدًا على ما قبله من الكتب، ومصدقًا لها يعني: يصدق ما فيها من الصحيح وينفي ما فيها من التحريف، والتبديل والتغيير ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير"١.
٢ـ أن القرآن الكريم هو الكتاب الإلهي الوحيد الذي ضمن الله حفظه وصانه من عبث البشر. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٣ قال ابن كثير عند قوله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ "ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل عليه الذكر وهو القرآن وهو الحافظ له من التغيير والتبديل"اهـ٤.
"فمن أجاز أن يتمكن أحد من زيادة شيء في القرآن، أو نقصانه منه، أو تحريفه، أو تبديله، فقد كذب على الله تعالى في خبره، وأجاز وقوع الخلف فيه وذلك كفر فصح أن من تمام الإيمان الإعتراف بأن جميعه هذا، المتوارث خلفًا عن سلف لا زيادة فيه ولا نقصان"٥. ومزية الحفظ هذه للقرآن الكريم متفرعة عن مزية أخرى وهي أن هذا الكتاب العظيم أنزله الله للبشرية جمعاء وليس خاصًا بأمة معينة، أو قوم معينين كما كان الحال في الكتب السابقة وكان حفظه من التحريف والتغيير والتبديل الذي يحصل من البشر العابثين لكي يبقى ما تضمنه حجة قائمة على الناس إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
أما الكتب السماوية الأخرى، فكانت تنزل ويوجه الكلام الذي تتضمنه إلى أمم مخصوصة دون سائر الأمم وإن اتفقت في أصل الدين إلا أن أحكامها وشرائعها خصت بأزمنة معينة، وأقوام معينين قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ٦.
قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ يقول: سبيلًا وسنة، والسنن مختلفة، هي في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي الفرقان
_________________
(١) انظر جامع البيان ٦/٢٦٦ وما بعدها، تفسير القرآن العظيم ٢/٥٨٦ - ٥٨٧، فتح القدير ٢/٤٧ - ٤٨.
(٢) سورة الحجر آية: ٩.
(٣) سورة فصلت آية: ٤١ - ٤٢.
(٤) تفسير القرآن العظيم ٤/١٥٤.
(٥) كتاب المنهاج في شعب الإيمان للحليمي ١/٣٢٠.
(٦) سورة المائدة آية: ٤٨.
[ ٤٥٧ ]
شريعة يحل الله فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه والدين الذي لا يقبل الله غيره التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام١.
وتلك الشرائع التي سبقت القرآن لم يضمن الله حفظها على مدى الأزمان كما هو الشأن في القرآن، بل أخبرنا - سبحانه - بما طرأ على تلك الكتب من التحريف.
فعن تحريف اليهود وتغييرهم الذي أدخلوه في التوراة. قال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ ٣.
وأما عن تحريف النصارى الذي أدخلوه على الإنجيل فقد قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ ٤.
ومن التحريفات الباطلة التي أحدثها اليهود والنصارى في دينهم ما زعمه اليهود في العزير من أنه ابن الله وما زعمه النصارى في المسيح أنه ابن الله تعالى الله عن قولهم جميعًا علوًا كبيرًا.
ولقد ذكر الله في القرآن هذا الانحراف وأكذبهم فيه ولعنهم عليه. قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٥.
وقد بين الله تعالى فساد هذا المعتقد ونزه نفسه عنه فقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٦.
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٢/٥٨٦.
(٢) سورة البقرة آية: ٧٥.
(٣) سورة النساء آية: ٤٦.
(٤) سورة المائدة آية: ١٤ - ١٥.
(٥) سورة التوبة آية: ٣٠.
(٦) سورة الإخلاص.
[ ٤٥٨ ]
وأخبر - سبحانه - بأن الرسل جميعهم بشر اختصهم الله بالوحي ومنحهم من الكمال ما يجعلهم أهلًا لتلقي الوحي وتبليغه لغيرهم من الخلق قال تعالى مخاطبًا رسوله الأمين ﷺ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ١.
ومن تحريف النصارى الذين جنوه على دينهم زعم بعضهم بأن عيسى إله قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ٢ وقول بعضهم بالتثليث. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٣.
فقد بين القرآن الكريم أن هذا تحريف منهم للعقيدة الصحيحة كما بين الاعتقاد الصحيح في عيسى ﵇ وأمه. قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ. انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٤.
والحق الذي لا يقبل الجدال ولا النزاع أنه لا يوجد على وجه الدنيا بأسرها كتاب تصح نسبته إلى الخالق - جل وعلا - سوى القرآن الكريم وهذه حقيقة لا يماري فيها عاقل يدل على صحة هذه الحقيقة أدلة حسية إضافة إلى ما أخبر به القرآن الكريم من التحريف والواقع في الكتب التي يدعي اليهود والنصارى نسبتها إلى موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ومن هذه الأدلة:
١ـ أن الكتب التي أنزلها الله قبل القرآن قد فقدت نسخها الأصلية، ولم يبق في أيدي الناس إلا تراجمها. أما القرآن فإنه ما زال محفوظًا، سوره وآياته وكلماته وحركاته كما ألقاه جبريل على النبي ﷺ، وكما بلغه المصطفى ﷺ لصحابته الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين.
٢ـ أن تلك الكتب قد اختلط فيها كلام الله تعالى بكلام البشر من سير الأنبياء
_________________
(١) سورة الكهف آية: ١١٠.
(٢) سورة المائدة آية: ٧٢.
(٣) سورة المائدة آية: ٧٣.
(٤) سورة المائدة آية: ٧٥.
[ ٤٥٩ ]
وتاريخهم وذكر تلاميذهم، واستنباطات علمائهم حتى أصبح كلام الله فيها لا يميز من كلام الأحبار والرهبان أما القرآن الكريم فإنه جميعه كلام الباري - سبحانه - ولم يختلط غيره من حديث رسول الله ﷺ أو أقوال الصحابة أو غيرهم١. جاء في كتاب "الوفاء بأحوال المصطفى" قال أبو الوفاء علي بن عقيل: "إذا أردت أن تعلم أن القرآن ليس من قول رسول ﷺ وإنما هو ملقى عليه، فانظر إلى كلامه كيف يمتاز عن القرآن، وتلمح ما بين الكلامين والأسلوبين ومعلوم أن كلام الإنسان يتشابه، وما للنبي ﷺ كلمة تشاكل القرآن" وقال أيضًا: "ومن إعجاز القرآن أنه لا يمكن أحد أن يستخرج منه آية قد أخذ معناها من كلام قد سبق فإنه ما زال الناس يكشف بعضهم عن بعض، فيقال مثلًا: المتنبي أخذ من البحتري"٢.
٣ - "إن تلك الكتب المنزلة على الأنبياء السابقين ليس فيها كتاب تصح نسبته إلى الرسول الذي ينسب إليه فليس لأي كتاب منها سند صحيح متصل إلى ذلك النبي حتى يوثق بنسبته إليه فالأسفار الموجودة التي تسمى بالعهد القديم، ويطلقون عليها اسم "التوراة" إنما كان تدوينها بعد موسى ﵊ وأما القرآن الكريم فهو الكتاب الوحيد الذي ثبتت نسبته بصورة قطعية إلى النبي ﷺ فقد نقل إلينا هذا القرآن بسوره وآياته وطريقة ترتيبها، وكيفية تلاوته، إلى كل عصر جاء بعد عصر نزوله بالتواتر بحيث لا يشك في أن القرآن الذي نتلوه هو الذي نزله الله على نبيه محمد ﷺ"٣.
٤ - "من الأدلة على وقوع التحريف في تلك الكتب كثرة نسخها وتعددها واختلافها فيما اشتملت عليه من أقوال وآراء"٤.
_________________
(١) انظر مبادئ الإسلام للمودودي ص٩١.
(٢) الوفاة بأحوال المصطفى لابن الجوزي ١/٢٧٠.
(٣) انظر مبادئ الإسلام للمودودي ص٩١ - ٩٢.
(٤) قال السيد سابق: "ويكفي لصحة التدليل على التحريف في الأناجيل المتداولة بأيدي النصارى الآن - أنها أربعة اختيرت من نحو سبعين إنجيلًا وهذه الأناجيل تناولت الكتابة عن سيرة عيسى ﵇ ومؤلفوها معروفون وأسماؤهم مكتوبة عليها وقد قرر نقاد المسيحيين أنفسهم أن عقائد الأناجيل هي رأي بولس دون سائر الحواريين، ودون أقرب الأقربين إلى عيسى وقد وجد في مكتبة أمير من الأمراء في باريس نسخة من إنجيل "برنابا" وقد طبعته "مطبعة المنار" بعد ترجمته إلى العربية وهو يخالف الأناجيل الأربعة، مخالفة كبيرة" اهـ. انظر "العقائد الإسلامية" ص١٦٨.
[ ٤٦٠ ]
٥ - ومن القرائن القوية القاطعة على وقوع التحريف في هذه الكتب ما تضمنته من العقائد الباطلة، والتصورات الفاسدة عن - الباري جل وعلا - وعن رسله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام فإنه يوجد فيها تشبيه الخالق بالمخلوق، والطعن في الأنبياء بما يمس كرامتهم ويتنافى مع عصمتهم١ وذلك من أعظم الأدلة وأقواها على أن ذلك من وضع البشر الذين اتبعوا أهواءهم وعبدوا شياطينهم.
والذي نخلص إليه مما تقدم أن الإيمان بالكتب السماوية الإلهية أحد أركان الإيمان التي بنيت عليها العقيدة الإسلامية، فلا إسلام صحيح ولا إيمان ثابت لأحد حتى يؤمن الإيمان الجازم بأنها نزلت من عند الله، وأنها كلامه تكلم بها حقيقة على ما يليق بجلاله، ويزاد في القرآن الكريم على ذلك أنه خاتمة الكتب والمهيمن عليها، والمعجزة الخالدة، وأن كل لفظ فيه محفوظ، ويجب الإقرار بما فيه، وإتباع أمره، واجتناب نهيه، وتصديق خبره، ورفض كل ما يخالفه، ويخالف سنة النبي ﷺ كما قال ﵊: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" ٢.
_________________
(١) من ذلك ما جاء في التوراة المتداولة عندهم فإنه قد جاء في سفر التكوين "وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفًا بالخير والشر" وفيه أيضًا: "فحزن الرب أنه عمل الإنسان وتأسف في قلبه" ومما جاء فيه "مما يمس شرف الأنبياء وينافى مع عصمتهم ما قالوه عن إبراهيم ﵇ إنه كذاب وأن لوطًا زنى بابنتيه" وفي سفر الخروج: "زعموا أن هارون دعا الإسرائيليين إلى عبادة العجل" وفي سفر صموئيل الثاني: زعموا أن داود زنا" وفي سفر الملوك الأول: "زعموا أن سليمان عبد الأصنام إرضاء لبعض نسائه" انظر هذه التحريفات الفاسدة في "العهد القديم" من "الكتاب المقدس" ص٧ وص١٠ وص٢٩ وص١٤٠ وص٤٩٨ وص٥٥٣ - ٥٥٤. وهذه المفتريات من أقوى الأدلة وأظهرها على التحريف الذي غيروا به كتب الله المنزلة على أنبيائهم.
(٢) رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ ١/١٣٤.
[ ٤٦١ ]
الفصل الثالث: دلالة السورة على وجوب الإيمان بالأنبياء والرسل
المبحث الأول: تعريف النبي والرسول والفرق بينهما
المبحث الأول: تعريف النبي والرسول والفرق بينهما
أولًا - تعريف النبي والرسول:
النبي في اللغة: مشتق النبأ وهو الخبر قال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ﴾ ١ وإنما سمي النبي نبيًا لأنه مخبر، فهو مخبر بمعنى أن الله أخبره وأوحى إليه قال تعالى: ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ٢ وبمعنى كونه مخبرًا فهو يخبر عن الله تعالى بأمره ووحيه قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٣.
وقيل: "إن النبوة مشتقة من "النبوة" وهي المكان المرتفع من الأرض، وتطلق العرب لفظ النبي على علم من أعلام الأرض التي يهتدي بها، والرابط بين لفظ النبي والمعنى اللغوي واضح ذلك أن النبي ذو رفعة وقدر عظيم في الدنيا والآخرة، فالأنبياء كما هو معلوم أشرف خلق الله وهم الأعلام التي يهتدي بها العباد فيما يكون فيه صلاح دينهم ودنياهم"٤.
تعريف النبي في الإصطلاح
النبي في الإصطلاح: هو الذي ينبئه الله بأن يعمل بشريعة من قبله ولم يرسل إلى كفار خالفوا أمر الله ليبلغهم رسالة من الله إليهم وقد يوحى إليه وحي خاص في قصة معينة فالأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به المؤمنين بهم"٥.
_________________
(١) سورة النبأ آية: ١ - ٢.
(٢) سورة التحريم آية: ٣.
(٣) سورة الحجر آية: ٤٩.
(٤) الصحاح للجوهري ٦/٢٥٠٠، لسان العرب ١٥/٣٠٢، المصباح المنير ٢/٥٩١.
(٥) كتاب النبوات لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٢٥٥، ٢٥٦ طبع دار القلم بيروت - لبنان.
[ ٤٦٥ ]
وأما تعريف الرسول في اللغة:
فالإرسال في اللغة: هو التوجيه١ فإذا بعثت شخصًا في القيام بمهمة ما فهو رسولك قال تعالى حكاية عن ملكة سبأ ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ ٢.
فالرسل: إنما سموا بذلك لأنهم وجهوا من قبل - الباري جل وعلا - قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرًَا﴾ ٣ قال ابن عباس: "يتبع بعضهم بعضًا" اهـ٤. فالله تعالى بعث رسله برسالة معينة وكلفهم بحملها وأمرهم بتبليغها إلى الناس. تعريف الرسول في الإصطلاح:
الرسول في الإصطلاح: "هو الذي ينبئه الله، ثم يأمره بأن يبلغ رسالته من خالف أمره كنوح فقد ثبت في الصحيح أنه أول رسول بعث إلى أهل الأرض وقد كان قبله أنبياء كشيث وإدريس وقبلهما آدم كان نبيًا مكلمًا"٥.
ثانيًا - الفرق بين النبي والرسول:
لا يصحُ قول من يقول أنه لا فرق بين النبي والرسول، إذ القرآن شاهد بعدم صحة هذا القول حيث ورد في كتاب الله العزيز عطف النبي على الرسول قال - تعالى - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ٦. وأيضًا وصف الله - تعالى - بعض الرسل بالنبوة والرسالة وهذا يدل على أن الرسالة أمر زائد على النبوة كقوله - تعالى - في شأن موسى ﵊: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ ٧.
والذي شاع عند أهل العلم أن الرسول أعم من النبي: قال شارح الطحاوية بعد أن
_________________
(١) لسان العرب ١١/٢٨٣، وانظر الصحاح للجوهري ٤/١٧٠٩، المصباح المنير ١/٢٢٦.
(٢) سورة النمل آية: ٣٥.
(٣) سورة المؤمنون آية: ٤٤.
(٤) تفسير ابن كثير ٥/٢٠.
(٥) النبوات لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٢٥٥.
(٦) سورة الحج آية: ٥٢.
(٧) سورة مريم آية: ٥١.
[ ٤٦٦ ]
ذكر الفرق بين النبي والرسول: "ولكن الرسالة أعم من جهة نفسها فالنبوة جزء من الرسالة إذ الرسالة تتناول النبوة وغيرها بخلاف الرسل، فإنهم لا يتناولون الأنبياء وغيرهم بل الأمر بالعكس، فالرسالة أعم من جهة نفسها، وأخص من جهة أهلها" أ. هـ١.
وجاء في لوامع الأنوار البهية في تعريفه للنبي قال: "وهو إنسان أوحي إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه فإن أمر بتبليغه فهو رسول أيضًا على المشهور فبين النبي والرسول عموم وخصوص مطلق، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، والرسول أفضل من النبي إجماعًا لتميزه بالرسالة التي هي أفضل من النبوة على الأصح" أ. هـ٢.
وما ذكره شارح الطحاوية وصاحب لوامع الأنوار فيه بعد لأمرين:
الأمر الأول: أن الله - تعالى - أخبر بأنه أرسل الأنبياء كما أرسل الرسل قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ ٣. ولو كان الفرق بينهما إنما هو الأمر بالبلاغ فالإرسال يقتضي من النبي أن يبلغ ما أنزل الله إليه من الوحي.
الأمر الثاني: روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد " الحديث٤ فهذا الحديث دل على أن الأنبياء أمرهم الله بتبليغ ما أوحاه إليهم وأنه حصل بينهم تفاوت في الإستجابة لهم من قبل أممهم.
والتعريف الراجح هو ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، حيث قال: "فالنبي هو الذي ينبئه الله وهو ينبئ بما أنبأ الله به فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول.
"وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول" أ. هـ٥.
_________________
(١) شرح الطحاوية ص١٦٧.
(٢) ١/٤٩ - ٥٠.
(٣) سورة الحج آية: ٥٢.
(٤) ١/١٩٩.
(٥) النبوات ص٢٥٥ وانظر تفسير الألوسي ١٧/١٧٣.
[ ٤٦٧ ]
ومما يؤكد هذا أن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء كلما توفي نبي بعث الله بعده نبيًا آخر بذلك كما أخبر بذلك الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام١. وأنبياء بني إسرائيل من بعد موسى كانوا يحكمون بالتوراة قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا ﴾ الآية٣.
فالآيتان دلتا على أن النبي يوحى إليه شيء من السماء ويوجب على قومه أمرًا، وهذا لا يحصل إلا بعد أن يجب عليه التبليغ.
_________________
(١) انظر صحيح البخاري مع الفتح ٦/٤٩٥.
(٢) سورة المائدة آية: ٤٤.
(٣) سورة البقرة آية: ٢٤٦.
[ ٤٦٨ ]
المبحث الثاني: كيفية الإيمان بالأنبياء السابقين
قبل أن نبين كيفية الإيمان بالأنبياء والمرسلين السابقين الذين بعثهم الله إلى أممهم قبل نبينا محمد ﷺ نذكر الآيات التي جاءت في سورة "الزمر" التي دلت على وجوب الإيمان بالأنبياء والمرسلين مع بيان وجه دلالتها على ذلك.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .
فهذه الآيات الثلاث من السورة دلت على أن الله تعالى أرسل رسلًا وأنبياء إلى جميع خلقه ليبلغوهم عن ربهم ما أوحاه إليهم من النور والهدى الذي يسعدهم في دنياهم وأخراهم فيجب الإيمان بهم ووجه دلالة الآيات الثلاث على وجوب الإيمان بهم تتضح بما يلي:
فالآية الأولى: هي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فيها الإخبار المؤكد من الله - تعالى - بأنه أوحى إلى نبينا محمد ﷺ وإلى من سبقه من إخوانه الأنبياء والمرسلين بخطورة الشرك وأنه محبط، ومبطل لكل أعمال العبد متى تلبس به.
[ ٤٦٩ ]
وأما الآية الثانية: وهي قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ ﴾ الآية. ففيها الإخبار من الله - تعالى - بأن أرض المحشر ستضيء بنوره إذا تجلى لفصل القضاء بين الخلائق ويوضع كتاب الأعمال ويؤتى بالنبيين ليشهدوا على أممهم بأنهم بلغوهم رسالات الله - تعالى - لإقامة الحجة على المنكرين والمكذبين من الأمم.
قال عبد الله بن عباس ﵄ ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ قال: "يشهدون على الأمم بأنهم بلغوهم رسالات الله"١.
وأما الآية الثالثة: وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ الآية ففيها إخبار من المولى - جل وعلا - بأن خزنة جهنم من ضمن توبيخهم لأصناف الكفار الداخلين جهنم توبيخهم لهم بقولهم: ألم تجئكم رسل من جنسكم يمكنكم مخاطبتهم والأخذ عنهم وأقاموا عليكم الحجج والبراهين على صحة ما دعوكم إليه وحذروكم شر هذا اليوم؟ فيكون الجواب منهم بأن الرسل جاؤوهم وأنذروهم وأقاموا عليهم الحجج والبراهين ولكنهم كذبوهم كما قال تعالى: ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ ٢ فهذه الآيات الثلاث المتقدمة من السورة دلت على وجوب الإيمان بالأنبياء والرسل ومعنى الإيمان بالأنبياء والرسل الإعتقاد الجازم بأن الله - جل وعلا - أرسل رسلًا من البشر ليرشدوا الخلق إلى ما يهمهم في معاشهم ومعادهم فقد اقتضت حكمة الحكيم العليم أن لا يترك خلقه سدى، بل أرسل إليهم رسلًا مبشرين بثوابه ومنذرين عقابه، وقد قاموا بتبليغ ما أمرهم الله بتبليغه من تنزيه لذاته وتبيين لأحكامه من أوامر ونواهي فيجب على كل مسلم ومسلمة أن يعتقد وجوب تصديقهم في أنهم يبلغون ذلك عن الله - تعالى ـ.
ويعتقد وجوب اقتداء أممهم بهم في سيرهم، وأن يأتمروا بما أمروا به ويكفوا عما نهوا عنه.
وأن يعتقد بأنهم مؤيدون بالمعجزات الإلهية الدالة على صدق دعواهم أنهم أنبياء الله ورسله.
_________________
(١) جامع البيان ٢٤/٣٣، تفسير ابن كثير ٦/١١.
(٢) سورة الملك آية: ٩.
[ ٤٧٠ ]
أما كيفية الإيمان بالأنبياء والمرسلين:
فيجب الإيمان على التفصيل بمن سمى الله - تعالى - في كتابه من رسله وأنبيائه ويجب الإيمان إجمالًا بمن لم يسم الله - تعالى - منهم فإن لله رسلًا وأنبياء لا يعلم عددهم وأسماءهم إلا هو - تعالى ـ.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٢ وقال - عز شأنه - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ ٣ والذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم من الأنبياء والمرسلين خمسة وعشرون هم: آدم، ونوح، وإدريس، وصالح، وإبراهيم، وهود، ولوط، ويونس، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، واليسع، وذو الكفل، وداود، وزكريا، وسليمان، وإلياس، ويحيى، وعيسى، ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين.
وقد ورد ثمانية عشر منهم في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًاّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًاّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٤.
وورد ذكر الباقين في مواضع متفرقة من القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ ٦ وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ ٧ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ ٨ وقال تعالى:
_________________
(١) سورة غافر آية: ٧٨.
(٢) سورة فاطر آية: ٢٤.
(٣) سورة يونس آية: ٤٧.
(٤) سورة الأنعام آية: ٨٣ ـ٨٦.
(٥) سورة الأعراف آية: ٦٥.
(٦) سورة الأعراف آية: ٧٣.
(٧) سورة الأعراف آية: ٨٥.
(٨) سورة آل عمران آية: ٣٣.
[ ٤٧١ ]
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ١ وقال ﷿ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ٢ فهؤلاء الأنبياء والرسل يجب الإيمان بهم إيمانًا تفصيليًا بحيث لو عرض على إنسان واحد منهم لم ينكر نبوته ولا رسالته إذ من أنكر نبوة واحد منهم أو رسالته فهو كافر بالله العظيم، أما الأنبياء الذين لم يقصصهم الله علينا فالواجب علينا الإيمان بهم إجمالًا. وليس لأحد أن يقول بنبوة أحد أو رسالته طالما أن القرآن لم يذكره في عداد من ورد ذكرهم من الأنبياء والمرسلين ولم يأتنا الإخبار بنبوته عن طريق الرسول ﷺ.
أولو العزم من الرسل:
ذكر كثير من العلماء أن أولي العزم من الرسل عددهم خمسة ٣ وهم: محمد ﷺ وإبراهيم، وموسى، ونوح وعيسى عليهم أفضل الصلاة والسلام وهؤلاء الرسل جمعهم الله في آيتين من كتابه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ٥.
_________________
(١) سورة الأنبياء آية: ٨٥.
(٢) سورة الفتح آية: ٢٩.
(٣) جامع البيان ٢٦/٣٧، تفسير ابن كثير ٦/٣٠٧.
(٤) سورة الأحزاب آية: ٧.
(٥) سورة الشورى آية: ١٣.
[ ٤٧٢ ]
المبحث الثالث: كيفية الإيمان بمحمد ﷺ
قال شارح الطحاوية رحمه الله تعالى: "وأما الإيمان بمحمد ﷺ فتصديقه واتباع ما جاء به من الشرائع إجمالًا وتفصيلًا" أ. هـ١.
فيجب علينا أن نؤمن بأن محمد بن عبد الله ﷺ نبي الله ورسوله وعبده وصفيه فلم يعبد صنمًا ولم يشرك بالله طرفة عين٢.
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "ومحمد رسول الله ﷺ خاتم النبيين وسيد المرسلين لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته ولا يقضي بين الناس في يوم القيامة إلا بشفاعته، ولا تدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته، صاحب لواء الحمد والمقام المحمود والحوض المورود وهو إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم، أمته خير الأمم"٣.
فيجب على الإنسان أن يؤمن بأنه خاتم الأنبياء لقوله - تعالى - ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ الله وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٤ فالآية نصت على أنه لا نبوة بعده ﷺ وكل من ادعاها بعده فهو كذاب لقوله ﷺ: "وأنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي" ٥.
_________________
(١) ص٣٤٩.
(٢) الفقه الأكبر مع شرحه لملا على القاري ص٩٦.
(٣) لمعة الاعتقاد ص٢٥.
(٤) سورة الأحزاب آية: ٤٠.
(٥) صحيح مسلم ٤/٢٢٤٠، سنن أبي داود ٢/٤١٤، سنن الترمذي ٣/٣٣٨، المسند ٥/٤١.
[ ٤٧٣ ]
كذلك يجب الإعتقاد الجازم بأنه ﵊ إمام المتقين الذي يقتدى به في الخير كله وأنه وحده الجدير بأن يقتدى ويتأسى به دون سواه.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ ١.
ويجب الإيمان بأنه خليل الرحمن، وأن له أعلى مراتب محبة الله ﷿ فقد قال ﵊ "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكنه أخي وصاحبي وقد اتخذ الله ﷿ صاحبكم خليلًا"٢. ويجب الاعتقاد الجازم بأنه عليه الصلاة السلام مبعوث إلى عامة الورى بالحق والهدى قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ٣ وقد حكى الله عن الجن أنهم قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٤ قال شارح الطحاوية: "وكونه ﷺ مبعوثًا إلى الناس كافة معلوم من دين الإسلام بالضرورة"أ. هـ٥.
ويجب على كل مسلم أن يقدم محبته ﵊ على الوالد والولد والنفس لقوله ﷺ "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" ٦.
ويجب الإيمان بأن الله - تعالى - أجرى على يديه ﷺ معجزات باهرات، وآيات بينات إذا تأملها من يريد الحق دلته على أنها شهادة صادقة من قبل الله ﷿ لرسوله ﷺ بأنه رسول الله حقًا. ومعجزاته ﷺ كثيرة جدًا ألفت فيها مؤلفات مستقلة، وتناولها علماء التوحيد والتفسير، والحديث والتاريخ، بالشرح والبيان، ومن تلك المعجزات التي دلت على صدقه ﷺ ما يأتي:
١ـ المعجزة العظمى:
من أعظم المعجزات التي أعطيها رسولنا ﷺ القرآن الكريم - الذي يخاطب النفوس والعقول، وهو الآية الباقية الدائمة إلى يوم الدين لا يعتريه التغيير والتبديل ﴿وَإِنَّهُ
_________________
(١) سورة آل عمران آية:٣١.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ١٥/١٥٢ من حديث ابن مسعود ﵁.
(٣) سورة سبأ آية:٢٨.
(٤) سورة الأحقاف آية:٣١.
(٥) شرح الطحاوية ص١٧٨.
(٦) صحيح البخاري ١/١٢، صحيح مسلم ١/٦٧ من حديث أنس ﵁.
[ ٤٧٤ ]
لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ١. وقد تحدى الله بهذا الكتاب أرباب الفصاحة، وقادة البلاغة من العرب، فقد كانت البلاغة والفصاحة وجودة القول هي بضاعتهم وقد تصدوا لمعاداة دعوة الإسلام ورسول الإسلام ﷺ ولكن رغم فصاحتهم وبلاغتهم تحداهم الله عن أن يأتوا بشيء من مثله، ولكنهم عجزوا عن ذلك قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ٢.
٢ـ انشقاق القمر:
ومن المعجزات التي أيد الله بها نبيه ﷺ انشقاق القمر فقد سأل أهل مكة الرسول ﵊ آية فانشق القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما، وقد كان القمر حين انشقاقه بدرًا، وقد ذكر الله هذه الآية العظيمة في كتابه فقال ﷿: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ٣.
وقد نقل العلامة ابن كثير: "إجماع المسلمين على وقوع هذه الآية، كما ذكر أنه قد وردت أحاديث متواترة من طرق متعددة في انشقاق القمر"٤.
وقد شاهد هذه المعجزة الناس في أرجاء الجزيرة العربية، فإن أهل مكة لم يصدقوا وقالوا: سحرنا محمد، ولكنهم استدركوا قائلين: انظروا ما يأتيكم به المسافرون فإن محمدًا لا يستطيع أن يسحر الناس جميعهم وفي اليوم الثاني سألوا من وفد إليهم، من خارج مكة، فأخبروهم أنهم قد رأوه.
وقد شاهد الناس انشقاق القمر في خارج جزيرة العرب. قال ابن كثير: "وشوهد انشقاقه في كثير من بقاع الأرض، ويقال إنه أرخ ذلك في بعض بلاد الهند، وبني بناء في تلك الليلة وأرخ بليلة انشقاق القمر"٥.
_________________
(١) سورة فصلت آية:٤١ - ٤٢.
(٢) سورة البقرة آية:٢٣ - ٢٤.
(٣) سورة القمر آية:١ - ٢.
(٤) البداية والنهاية /١٣٠.
(٥) البداية والنهاية ٣/١٣٢.
[ ٤٧٥ ]
٣ـ تسليم الحجر:
ومن المعجزات التي أيد الله بها نبيه ﷺ أنه كان حجر بمكة يسلم على النبي ﷺ قبل بعثته.
فقد روى مسلم بإسناده إلى جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن" ١.
٤ـ حنين الجذع:
جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عمر ﵄: كان النبي ﷺ يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحن الجذع فأتاه فمسح يده عليه. وفي رواية أخرى عنه: فلما صنع له المنبر فكان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار٢.
٥ـ نبع الماء من بين أصابعه:
وفي صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: عطش الناس يوم الحديبية والنبي ﷺ بين يديه ركوة - ظرف للماء - فتوضأ فجهش الناس٣ نحوه فقال: "مالكم؟ " قالوا: ليس عندنا ما نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك فوضع يده في الركوة فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون وتوضأنا قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة" ٤.
٦ـ تكثير القليل من الطعام:
من ذلك ما رواه أنس بن مال قال: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم فأخرجت أقراصًا من شعير، ثم أخرجت خمارًا لها فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يدي ولاثتني٥
_________________
(١) صحيح مسلم ٤/١٧٨٢.
(٢) صحيح البخاري مع "الفتح" ٦/٦٠١ - ٦٠٢.
(٣) فجهش الناس: أي: أسرعوا لأخذ الماء.
(٤) صحيح البخاري مع الفتح ٦/٥٨١.
(٥) المراد أنها لفت بعضه على رأسه، وبعضه على إبطه "الفتح" ٦/٥٨٩.
[ ٤٧٦ ]
ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ قال فذهبت به فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد ومعه الناس فقمت عليهم فقال لي رسول الله ﷺ: "آرسلك أبو طلحة؟ " فقلت: نعم. قال: "بطعام؟ " قلت: نعم. فقال رسول الله ﷺ لمن معه: "قوموا" فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله ﷺ بالناس وليس عندنا ما نطعمهم فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ فأقبل رسول الله ﷺ وأبو طلحة معه فقال رسول الله ﷺ: "هلمي يا أم سليم ما عندك؟ فأتت بذلك الخبز فأمر به رسول الله ﷺ ففت وعصرت أم سليم عكة١ فأدمته ثم قال رسول الله ﷺ فيه ما شاء أن يقول: ثم قال: "إئذن لعشرة" فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "إئذن لعشرة" فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "إئذن لعشرة" فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "إئذن لعشرة" فأكل القوم كلهم حتى شبعوا والقوم سبعون رجلًا، أو ثمانون رجلًا٢.
٧ـ نطق ذراع الشاة الذي قدم له ليأكله بأنه مسموم:
روى أبو داود بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄ أنه كان يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية٣ ثم أهدتها لرسول الله ﷺ فأخذ رسول الله ﷺ الذراع فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، ثم قال لهم رسول الله ﷺ: "ارفعوا أيديكم" وأرسل رسول الله ﷺ إلى المرأة فدعاها فقال لها: "أسممت هذه الشاة؟ " قالت اليهودية: من أخبرك؟ قال: "أخبرتني هذه التي في يدي" وهي الذراع قالت نعم قال: "فما أردت بذلك؟ " قالت: إن كنت نبيًا فلن تضرك، وإن لم تكن نبيًا استرحنا منك فعفا عنها رسول الله ﷺ ولم يعاقبها الحديث. وفي رواية أخرى: عن أبي سلمة: "فأمر بها رسول الله ﷺ فقتلت" ٤.
٨ـ كف الأعداء عنه:
من ذلك أن أبا جهل حلف باللات والعزى أنه لو رأى الرسول ﷺ يصلي في
_________________
(١) العكة: إناء من جلد مستدير يجعل فيه السمن غالبًا والعسل. انظر الفتح ٦/٥٩٠.
(٢) صحيح البخاري مع الفتح ٦/٥٨٦ - ٥٨٧.
(٣) أي: مشوية.
(٤) سنن أبي داود ٢/ ٤٨٢، وانظر صحيح البخاري مع الفتح ٥/٢٣٠.
[ ٤٧٧ ]
المسجد حيث مجامع قريش أن يطأ على رقبته، أو ليعفرن وجهه في التراب فلما رأى الرسول ﷺ ساجدًا أراد أن يفعل ما أقسم عليه، فلما اقترب منه ما فاجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة فقال رسول الله ﷺ: "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا" ١.
وفي معركة حنين انهزم المسلمون وثبت الرسول ﷺ في هذه الغزوة وأحاط الأعداء وأتوه من كل جانب فلما رأى ذلك ﵊ نزل عن بغلته، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم فقال "شاهت الوجوه" قال سلمة بن الأكوع: فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ الله عينيه ترابًا بتلك القبضة فولوا مدبرين،. فهزمهم الله ﷿ وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين٢.
٩ـ ما كان من شأن شاة أم معبد حين مسح بيده المباركة على ضرعها:
ومضمون هذه القصة أنه ﵊ عندما خرج مهاجرًا إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي فمروا بخيمتي أم معبد٣ الخزاعية، وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة تحتبي وتجلس بفناء الخيمة فتطعم وتسقي فسألوها هل عندها لحم، أو لبن يشترونه منها؟ فلم يجدوا عندها شيئًا من ذلك، وقالت: لو كان عندي شيء ما أعوزكم القرى، وإذا القوم مرملون مسنتون، فنظر رسول الله ﷺ فإذا شاة في كسر خيمتها فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد؟ " فقالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم قال: "فهل بها من لبن؟ " قالت: هي أجهد من ذلك، قال: "تأذنين لي أن أحلبها؟ " قالت: إن كان بها حلب فاحلبها، فدعا رسول الله ﷺ بالشاة فمسحها وذكر اسم الله ومسح ضرعها، وذكر اسم الله، ودعا بإناء لها يربض الرهط٤ فتفاجت٥ واجترت، فحلب فيه ثجًا حتى ملأه وأرسله إليها فسقاها وسقى أصحابه فشربوا عللًا بعد نهل حتى إذا رووا شرب
_________________
(١) صحيح مسلم ٤/٢١٥٤ من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) صحيح مسلم ٣/١٤٠٢ من حديث إياس بن سلمة عن أبيه.
(٣) اسمها: عاتكة بنت خلف بن معبد بن ربيعة بن أصرم "البداية والنهاية ٣/٢٠٩".
(٤) أي: يشبع الجماعة حتى يربضوا.
(٥) أي: فرجت بين رجليها.
[ ٤٧٨ ]
آخرهم وقال: "ساقي القوم آخرهم" ثم حلب فيه ثانيًا عودًا على بدء فغادره عندهم ثم ارتحلوا١.
١٠ـ استجابة الله - سبحانه - لدعائه ﵊:
من ذلك ما جاء عن أبي هريرة ﵁ قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يومًا فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي قلت: يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله ﷺ "اللهم أهد أم أبي هريرة" فخرجت مستبشرًا بدعوة نبي الله ﷺ، فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف٢ فسمعت أمي خشف٣ قدمي فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة٤ الماء قال فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله قال فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح قال قلت: يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرًا الحديث٥.
ومن معجزاته ﵊ إخباره بالمغيبات التي وقعت كما أخبر بها ﷺ، وكذلك عصمته من القتل فقد عصمه الله من أعدائه وهم الجمع الغفير، والعدد الكثير وهم على أتم حنق عليه، وأشد طلب لنفسه، وهو بينهم مسترسل ولهم مخالط ومكاثر، ترمقه أبصارهم شذرًا وترتعد عنه أيديهم ذعرًا، وقد هاجر عنه أصحابه حذرًا حتى استكمل مدته فيهم ثلاث عشرة سنة، ثم خرج عنهم سليمًا لم يكلم في نفس ولا جسد، وما كان ذاك بعصمة إلهية وعده الله تعالى بها فحققها حيث يقول: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ٦ فعصمه منهم٧ "ومعجزاته ﵊ كثيرة
_________________
(١) انظر دلائل النبوة للبيهقي ١/٢٧٨، والوفاء بأحوال المصطفى ١/٢٤٢، البداية والنهاية ٣/٢١١.
(٢) أي: مغلق.
(٣) أي: صوتهما في الأرض.
(٤) خضخضة الماء صوت تحريكه.
(٥) رواه مسلم في صحيحه ٤/١٩٣٨.
(٦) سورة المائدة آية:٦٧.
(٧) أعلام النبوة للماوردي ص٧٦.
[ ٤٧٩ ]
جدًا لا نستطيع إحصاءها هاهنا وإنما ذكرنا ما تقدم منها كنماذج فقط، وإلا فمعجزاته ﷺ الحسية جاءت بها أخبار كثيرة بعضها متواتر، وكثير منها مشهور وهي في جملتها تفيد العلم اليقيني بوقوع تلك المعجزات أولًا: وبصدقه ﷺ ثانيًا"١.
وللعلماء في معجزاته ﷺ تصانيف مستقلات٢.
_________________
(١) انظر الوفاء بأحوال المصطفى ١/٣٣٩.
(٢) مثل "دلائل النبوة للبيهقي"، "دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني"، "أعلام النبوة للماوردي"، "شمائل الرسول" لابن كثير.
[ ٤٨٠ ]
المبحث الرابع: ما يجب للرسل، وما يجوز عليهم
أولًا - ما يجب للرسل:
لقد دلت السورة على وجوب تصديق الأنبياء والرسل وحذرت أشد تحذير من تكذيبهم فيما جاؤوا به عن الله - تعالى - وجعلت تكذيبهم أبلغ النهاية في الظلم وبينت أن جزاء من يفعل ذلك أن النار مسكنه ومأواه إذ هو من عداد الكافرين.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ * وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ .
هاتان الآيتان من السورة دلتا على واجب واحد من الواجبات التي تجب للرسل على المبعوثين إليهم وهو وجوب تصديقهم فيما أخبروا به.
فالآية الأولى دلت على أنه لا أحد أظلم ولا أعظم فرية ممن كذب على الله بادعاء أن له ولدًا وصاحبة أو أنه حرم ما لم يحرمه من المطاعم، ولا أحد أظلم ممن كذب بالقرآن الذي نزل على الرسول ﷺ وابتعثه الله به رسولًا فعارض ما جاء به منكرًا قول "لا إله إلا الله"، ومن كذب بالقرآن وأنكر "لا إله إلا الله" فقد كذب الرسول ﷺ ومن كذب الرسول ﷺ فقد كذب سائر الأنبياء والمرسلين إذ المرسِل لهم واحد وهو الله - تعالى - لغاية واحدة وهي عبادة الله وحده لا شريك له.
ومن اعتقد تكذيب الرسول ﷺ وامتنع عن متابعته فيما يدعو إليه مما أتى به من عند الله من التوحيد وحكم القرآن فالنار مقامه ومستقره لأنه آثر الكفر على الإيمان بتكذيبه رسول ربه - جل وعلا - وعلى هذا دلت الآية على أن من حق المرسلين على من سواهم ممن بعثوا إليهم اعتقاد صدقهم فيما جاؤوا به من الوحي الإلهي الرباني.
[ ٤٨١ ]
وأما الآية الثانية: وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ فهي شهادة قاطعة من الله - تعالى - لرسله بأنهم صادقون فيما قالوه عن الله - تعالى - كما اشتملت على الثناء والمدح للذين صدقوهم وآمنوا بهم - بأنهم متقون - بقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الذين اتقوا الله بتوحيده، والبراءة من الأوثان والأنداد فأدوا الفرائض واجتنبوا المعاصي فخافوا عقابه.
وقد وردت آيات كثيرة على غرار قوله - تعالى - ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ وكلها تدل على صدق رسل الله وأنبيائه ووجوب تصديقهم قال تعالى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ ١.
وقال تعالى في شأن خليله إبراهيم ﵇: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ ٢ وقال تعالى في شأن إسماعيل ﵇ ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ ٣ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن رسل الله وأنبياءه هم أكمل البشرية صدقًا على الإطلاق، فيجب على كل مؤمن ومؤمنة اعتقاد صدق جميع أنبياء الله ورسله، ويجب الإعتقاد الجازم أنهم أدوا الأمانة وبلغوا الرسالة على الوجه الأكمل وبينوا بيانًا واضحًا شافيًا كافيًا. لا حاجة إلى بيان سواه، ويجب على العباد طاعتهم وعدم مخالفتهم لأن ذلك من طاعة الله، وأنهم أكمل البرية خلقًا وعملًا وأنهم مختصون بفضائل لا يصل إليها أحد سواهم، وأنهم معصومون من الكذب والخيانة والكتمان والتقصير في التبليغ وعن الكبائر كلها دون الصغائر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعالى - "القول بأن الأنبياء معصومون من الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف حتى إنه قول أكثر أهل الكلام كما ذكر أبو الحسن الآمدي أن هذا القول قول أكثر الأشعرية وهو أيضًا قول أهل التفسير والحديث والفقهاء بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول " أ. هـ٤.
ويجب الإيمان بأن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا رجالًا من بني آدم وليسوا من
_________________
(١) سورة يس آية: ٥٢.
(٢) سورة مريم آية: ٤١.
(٣) سورة مريم آية: ٥٤.
(٤) مجموع الفتاوى ٤/٣١٩.
[ ٤٨٢ ]
الملائكة ولم يبعث الله أنثى قط. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ١ وقد دعا القرآن الكريم إلى الإيمان بالرسل وحذر من الكفر بهم، أو التفريق بينهم.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ٤. فهذه الآية فيها الوعيد الشديد للكافرين بالله ورسله من اليهود والنصارى حيث فرقوا بين الله ورسله في الإيمان فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض بمجرد التشهي والعادة وما ألفوا عليه آباءهم لا عن دليل قادهم إلى ذلك بل بمجرد الهوى والعصبية فاليهود عليهم لعائن الله آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، والنصارى آمنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد ﷺ والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض فمن رد نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًا، وإنما هو عن غرض وهوى وعصبية"٥ فمن آمن ببعض الرسل وكفر ببعضهم أو كلهم لا غبار على وضوح كفره لأن كفره بالرسل كفر بالله تعالى.
ثانيًا - ما يجوز عليهم:
قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ .
هذه الآية إخبار مؤكد من الله - تعالى - لنبيه ﷺ بأنه سيموت عن قريب وأن
_________________
(١) سورة الأنبياء آية: ٧.
(٢) سورة النساء آية: ١٣٦.
(٣) سورة البقرة آية: ٢٨٥.
(٤) سورة النساء آية: ١٥٠ - ١٥١.
(٥) تفسير ابن كثير ٢/٤٢٥.
[ ٤٨٣ ]
المكذبين به من قومه المؤمنين منهم ميتون كذلك، وإذا كان أشرف الخلق وأحبهم إلى الله - تعالى - قد ذاق الموت فكذلك غيره من إخوانه الأنبياء والرسل قد ذاقوه من قبله.
قال عماد الدين ابن كثير ﵀ تعالى ـ"هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق ﵁ عند موت الرسول ﷺ حتى تحقق الناس موته مع قوله ﷿ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ومعنى هذه الآية أنكم ستنقلون من هذه الدار لا محالة وستجتمعون عند الله - تعالى - في الدار الآخرة وتختصمون فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله ﷿ فيفصل بينكم"١.
وهذه الآية دلت على أن الرسل يموتون ويقتلون كما يموت غيرهم من الخلق ويقتلون.
قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ٢ قال ابن جرير ﵀ تعالى - "يقول تعالى ذكره: لنبيه محمد ﷺ: وما خلدنا أحدًا من بني آدم يا محمد قبلك في الدنيا فنخلدك فيها ولا بد لك من أن تموت كما مات من قبلك من رسلنا" أ. هـ٣.
"وكونه ﷺ قد ذاق الموتة الأولى التي هي موتة الدنيا لا ينافي حياته البرزخية حيث أخبرنا الله - تعالى - في كتابه بأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ولم ينالوا ذلك إلا بمتابعتهم وإيمانهم بهم الإيمان الصادق، وحياة الأنبياء البرزخية تفوق حياة الشهداء إذ هم أفضل الخلق على الإطلاق"٤.
وروى أبو داود في سننه بسند صحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: "وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم "٥.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٦/٩٠، والآية رقم ١٤٤ من سورة آل عمران.
(٢) سورة الأنبياء آية: ٣٤.
(٣) جامع البيان ١٧/٢٤.
(٤) فتح الباري ٦/٤٨٨.
(٥) ٢/٤٧١.
[ ٤٨٤ ]
فالسورة ذكرت أمرًا واحدًا مما يجوز على الرسل وهو أنهم يموتون كما يموت غيرهم من المخلوقات وهناك أمور أخرى تجوز على الرسل ذكرت في غير هذه السورة وبعضها دلت عليها السنة المطهرة فيجب على الإنسان أن يؤمن الإيمان الجازم بأن الله - تعالى - لم يخص أنبياءه ورسله بطبائع غير طبائع البشر، وإنما كان اختيارهم من الرجال الذين يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق وينامون ويجلسون ويضحكون ولهم أزواج وذرية وتمتد إليهم أيدي الظلمة، وينالهم الاضطهاد ويقتلون بغير حق ويتألمون ويصيبهم المرض وسائر الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية بين الخلق وكل هذه الأمور منصوص عليها في القرآن الكريم وبعضها نصت عليه السنة المطهرة.
ومن هنا يجب على المرء أن يعتقد بأن الرسل لا يملكون شيئًا من خصائص الألوهية فليس لهم التصرف في الكون ولا يملكون لأحد نفعًا ولا ضرًا وليس لهم تأثير على إرادة الباري ﷾ ولا يعلمون الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه، وقد خصهم - الباري سبحانه - بمؤهلات من المزايا والفضائل والأخلاق التي أهلتهم لأن يتلقوا الوحي عن الله - تعالى - وليقوموا بأعباء الرسالة ليكونوا الأسوة المثلى والقدوة الحسنة للناس يقتدون بهم في أمور الدنيا والدين.
[ ٤٨٥ ]
المبحث الخامس: موضوع الرسالات السماوية
لقد دلت السورة على أن موضوع رسالة الأنبياء والمرسلين هو التبشير والإنذار وتبليغ أممهم ما أمرهم الله بتبليغه من الأوامر والنواهي التي فيها سعادة الأمم إن هم صدقوا المرسلين وآمنوا بهم، ولهم الشقاء المستمر إن هم كذبوهم وخالفوهم فيما يدعونهم إليه من توحيد العبادة وإخلاص الدين لله وحده لا شريك له.
قال تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .
فهاتان الآيتان من السورة دلتا على أن الله تعالى بعث أنبياءه ورسله مبشرين ومنذرين ومبلغين وحي الله إلى العباد وهم الواسطة بين الله وعباده وهي الواسطة الشرعية الحقة التي العباد بأمس الحاجة إليها وهي واسطة تبليغ الوحي إلى العباد، وما سواها من الوسائط باطلة.
قال البيضاوي: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ بالثواب على ألسنة الرسل أو الملائكة عند حضور الموت" أ. هـ١.
وقال ابن جرير ﵀ تعالى ـ: " ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ يقول: جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ فبشر يا محمد عبادي الذين يستمعون القول من
_________________
(١) تفسير البيضاوي ص٦٠٩.
[ ٤٨٦ ]
القائلين فيتبعون أرشده وأهداه وأدلهُ على توحيد الله والعمل بطاعته ويتركون ما سوى ذلك من القول الذي لا يدل على رشاد ولا يهدي إلى سداد" أ. هـ١.
وقال العلامة الشوكاني ﵀ تعالى - عند قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ بالثواب الجزيل وهو الجنة وهذه البشرى إما على ألسنة الرسل أو عند حضور الموت أو عند البعث ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ المراد بالعباد هنا العموم فيدخل الموصوفون بالإجتناب والإنابة إليه دخولًا أوليًا، والمعنى: يستمعون القول الحق من كتاب الله وسنة رسوله فيتبعون أحسنه أي محكمه ويعملون به.
قال السدي: "يتبعون أحسن ما يؤمرون به فيعملون بما فيه، وقيل هو الرجل يسمع الحسن والقبيح فيتحدث بالحسن ويكف عن القبيح فلا يتحدث به، وقيل: يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن، وقيل يستمعون الرخص والعزائم فيتبعون العزائم ويتركون الرخص، وقيل يأخذون بالعفو ويتركون العقوبة، ثم أثنى - سبحانه - على هؤلاء المذكورين فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ أي: هم الذين أوصلهم الله إلى الحق وهم أصحاب العقول الصحيحة لأنهم الذين انتفعوا بعقولهم ولم ينتفع من عداهم بعقولهم" أ. هـ٢.
ودعوة الرسل إلى الله - جل وعلا - دائمًا تقترن بالتبشير والإنذار، لأن ارتباط دعوتهم بالتبشير والإنذار وثيق جدًا، فقد قصر - القرآن الكريم - مهمة الرسل عليهما في بعض آياته: قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٣ وقد ضرب الرسول ﷺ لنفسه مثلًا في هذا فقال: "مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومًا فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبته طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبحهم
_________________
(١) جامع البيان ٢٣/٢٠٦.
(٢) فتح القدير ٤/٢٥٦.
(٣) سورة الكهف آية: ٥٦.
[ ٤٨٧ ]
الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني، فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق"١.
وتبشير الرسل عليهم الصلاة والسلام وإنذارهم دنيوي وأخروي، فهم في الدنيا يبشرون الطائعين بالحياة الطيبة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ ٢ ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ ٣. ويعدونهم بالتمكين في الأرض وتبديل خوفهم أمنًا ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ ٤.
أما العصاة من الخلق فإن الرسل يخوفونهم بالشقاء الدنيوي قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ ٥ كما يحذرونهم العذاب والهلاك الدنيوي. قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ ٦.
أما بالنسبة للآخرة فإنهم يبشرون الطائعين بالجنة ونعيمها قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٧.
وأما المجرمون والعصاة فإنهم يخوفونهم عذاب الله في الآخرة قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٨.
وعندما يتأمل الإنسان دعوة الرسل يجد أنها قد اصطبغت بالتبشير والإنذار، والذي يظهر أن التبشير والإنذار على النحو الذي جاءت به الرسل من أعظم الأسباب لفتح النفس الإنسانية، وإقبالها على الخير، لأن النفوس مطبوعة على طالب الخير لذاتها، ودفع الشر
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٢٥٠ من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٢) سورة النحل آية: ٩٧.
(٣) سورة طه آية: ١٢٣.
(٤) سورة النور آية: ٥٥.
(٥) سورة طه آية: ١٢٤.
(٦) سورة فصلت آية: ١٣.
(٧) سورة النساء آية: ١٣.
(٨) سورة النساء آية: ١٤.
[ ٤٨٨ ]
عنها، فقد أرسل الله الرسل ليبصروا النفوس بالخير العظيم الذي يحصلونه من وراء الإيمان والأعمال الصالحة فإن النفوس تشتاق إلى تحصيل الخير، وعندما تبين الرسل عليهم الصلاة والسلام الأضرار العظيمة التي تلحق النفوس من وراء الكفر والضلال فإنها تهرب من هذه الأعمال المشقية.
ومما تقدم يتضح أن موضوع الرسالات الرسالات السماوية التي أرسل الله بها الرسل عليهم الصلاة والسلام هو التبشير والإنذار يبشرون المدعوين برضوان الله وثوابه وجنته إن هم آمنوا بالله وصدقوا رسله.
والإنذار للمعاندين الكافرين بالله ورسله بغضب الله وسخطه قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ١.
أما دعوة الرسل فإنها كانت إلى غرض أساسي واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢.
_________________
(١) سورة النساء آية: ١٦٥.
(٢) سورة النحل آية: ٣٦.
[ ٤٨٩ ]
الفصل الرابع: دلالة السورة على وجوب الإيمان بالقدر
المبحث الأول: تعريف القضاء والقدر ومعنى الإيمان به
المبحث الأول: تعريف القضاء والقدر ومعنى الإيمان به
القضاء في اللغة:
جاء في لسان العرب: "تكرر في الحديث ذكر القضاء، وأصله القطع والفصل. يقال: قضى يقضي قضاءًا فهو قاض إذا حكم وفصل، وقضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه فيكون بمعنى الخلق.
وقال الأزهري: "القضاء في اللغة: على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، وكل ما أحكم عمله أو أتم، أو ختم، أو أدى أداء، أو أوجب، أو علم، أو أنقذ، أو أمضى فقد قضى. قال: وقد جاءت هذه الوجوه كلها في الحديث، ومنه القضاء المقرون بالقدر، والمراد بالقدر التقدير وبالقضاء الخلق كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ ١ أي: خلقهن، فالقضاء والقدر أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس، وهو القدر والآخر بمنزلة البناء وهو القضاء فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه"٢.
وأما تعريف القضاء شرعًا:
"فهو إرادة الله الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال"٣.
_________________
(١) سورة فصلت آية: ١٢.
(٢) اللسان ١٥/١٨٦.
(٣) لوامع الأنوار البهية ١/٣٤٥.
[ ٤٩٣ ]
وأما تعريف القدر في اللغة:
"فهو بتحريك الدال وتسكن "مصدر" بفتح الدال - مخففة - إذا أحطت بمقداره و"أل" فيه وفي "القضاء" عوض عن مضاف إليه أي: بتقدير الله - تعالى - لذلك"١.
وأما تعريف القدر اصطلاحًا:
فقد عرفه بعضهم: بأنه "تحديده - تعالى - أزلًا كل مخلوق بحده الذي يوجد به من حسن وقبح، ونفع وضر وما يحويه من زمان ومكان، وما يترتب عليه من طاعة وعصيان وثواب وعقاب وغفران.
وحده بعضهم "بأنه إيجاد لله - تعالى - الأشياء على قدر مخصوص، وتقدير معين في ذواتها وأحوالها طبق ما سبق به العلم وجرى به القلم"٢ ثم من العلماء من فرق بين القضاء والقدر ومنهم من اعتبرها شيئًا واحدًا. قال ابن بطال: عند شرحه لتعوذ النبي ﷺ: "من جهد البلاء ودرك الشقاء وشماتة الأعداء" ٣ "والمراد بالقضاء هنا المقضي لأن حكم الله كله حسن لا سوء فيه" ثم قال الحافظ وقال غيره: "القضاء: الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل. والقدر: الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل"٤.
وقال الخطابي: "قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر من الله تعالى والقضاء معنى الإجبار، والقهر للعبد على ما قضاه وقدره، ويتوهم أن قوله ﷺ: "فحج آدم موسى" ٥ من هذا الوجه، وليس كذلك، وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله تعالى بما يكون من أفعال العباد واكتسابهم وصدورها عن تقدير منه تعالى وخلق لها خيرها وشرها قال: والقدر: اسم لما صدر مقدرًا عن فعل القادر كالهدم والنشر والقبض أسماء لما صدر عن فعل الهادم، والناشر، والقابض يقال: قدرت الشيء، وقدرت خفيفه وثقيله بمعنى واحد،
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) لوامع الأنوار البهية ١/٣٤٥.
(٣) رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة. انظر فتح الباري ١١/١٤٧.
(٤) "فتح الباري" ١١/١٤٨.
(٥) رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة. انظر فتح الباري ١١/٥٠٥.
[ ٤٩٤ ]
قال: والقضاء: معناه في هذا الخلق كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ١ أي خلقهن، وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله فيهم أفعالهم واكتسابهم، ومباشرتهم تلك الأمور، وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقديم إرادة واختيار والحجة إنما تلزمهم بها واللائمة تلحقهم عليها قال: وجماع القول في هذا أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه" اهـ٢. فمن جعل للقضاء والقدر تعريفًا واحدًا كابن بطال والخطابي فمعناه: "هو النظام المتقن الذي وضعه الله لهذا الكون علويه وسفليه والقوانين العامة، والسنن التي ربط بها الأسباب بمسبابتها وهذا المعنى: هو الذي وردت به الكثير من الآيات القرآنية كقوله تعالى ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَار﴾ ٣ وقوله - جل شأنه - ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ٤. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٥ قال قتادة: سألت سعيد بن المسيب عن القدر فقال: "ما قدر الله فهو قدر"٦. وقد أجاب الإمام أحمد حين سئل عن القدر فقال: "القدر قدرة الله تعالى" قال ابن القيم معلقًا على تعريف الإمام أحمد: "واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدًا وقال هذا يدل على دقة علم أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين وهو كما قال أبو الوفاء فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الله على خلق أعمال العباد وكتابتها وتقديرها وسلف القدرية كانوا ينكرون علمه بها وهم الذين انفق سلف الأمة على تكفيرهم"٧ وفي الحقيقة أن تعريف الإمام أحمد السابق جامع مانع لمدلول القدر فالإمام أحمد رحمه الله تعالى يقصد أن القدر هو ما قرره - سبحانه - في قوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ﴾ ٨ وقوله: ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٩ وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِه﴾ ١٠ وغير ذلك من الآيات التي
_________________
(١) سورة فصلت آية: ١٢.
(٢) معالم السنن شرح سنن أبي داود ٥/٧٦ - ٧٧ وانظر لوامع الأنوار ١/٣٤٧ - ٣٤٨.
(٣) سورة الرعد آية: ٨.
(٤) سورة الحجر آية: ٢١.
(٥) سورة القمر آية: ٤٩.
(٦) ذكره عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة ص١١٦.
(٧) شفاء العليل ص٢٨ وانظر توضيح المقاصد وتصحيح القواعد ١/٢٥٧.
(٨) سورة آل عمران آية: ١٥٤.
(٩) سورة يس آية: ١٣.
(١٠) سورة يونس آية: ٣.
[ ٤٩٥ ]
تدل على أنه لا يحدث شيء في هذا الكون إلا بإرادته تعالى ومشيئته.
قال الطحاوي: "وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة العباد، إلا ما شاء الله فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره" اهـ١. ومما تقدم يفهم معنى الإيمان بالقدر. فالإيمان بالقدر هو أن يصدق الإنسان تصديقًا جازمًا بأن كل خير وشر فهو بقضاء الله وقدره وأنه - سبحانه - الفعّال لما يريد لا يكون الشيء إلا بإذنه وإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته وليس في الوجود شيء خارج عن تقديره ولا محيد لأحد عما قدره الله، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المحفوظ وأنه - تعالى - هو الخالق لأفعال عباده كلها من طاعات ومعاصي ومع ذلك فقد أمرهم - سبحانه - ونهاهم وجعلهم مختارين لجميع أفعالهم وليسوا مجبورين عليها بل تحصل منهم بقدرتهم وإرادتهم يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
الإيمان بالقدر على درجتين كل درجة تتضمن شيئين:
فالدرجة الأولى:
الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق فأول ما خلق الله القلم قال له اكتب قال ما أكتب؟ قال اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطئه لم يكن ليصيبه جفت الأقلام وطويت الصحف كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ ٢. وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ ٣.
وهذا التقدير التابع لعلمه - سبحانه - يكون في مواضع جملة وتفصيلًا فقد كتب في
_________________
(١) شرح الطحاوية ص١٥٣.
(٢) سورة الحج آية: ٧٠.
(٣) سورة الحديد آية: ٢٢.
[ ٤٩٦ ]
اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكًا فيؤمر بأربع كلمات فيقال له اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد ونحو ذلك، فهذا التقدير قد ينكره غلاة القدرية قديمًا ومنكروه اليوم قليل.
وأما الدرجة الثانية:
فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله - سبحانه - لا يكون في ملكه ما لا يريد، وأنه - سبحانه - على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه لا خالق غيره ولا رب سواه ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله ونهاهم عن معصيته، وهو - سبحانه - يحب المتقين والمحسنين والمقسطين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا يحب الكافرين ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد، والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم والعبد هو المؤمن، والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة والله خالقهم وقدرتهم وإرادتهم" اهـ١.
فشيخ الإسلام ﵀ تعالى - أبان لنا الكيفية المطلوبة في الإيمان بالقدر بل إنه أوجز لنا القدر كله بمراتبه الأربع في هذه العبارات القليلة وهذه الكيفية التي ذكرها هي الواجب المطلوب من الإنسان من حيث إيمانه بالقدر وكيفيته.
_________________
(١) العقيدة الواسطية مع شرحها لمحمد خليل هراس ص ١٣٠ - ١٣٦.
[ ٤٩٧ ]
المبحث الثاني: بيان المبتدعة الذين نازعوا في القدر والرد عليهم
إن إنكار القدر الذي هو أحد أركان الإيمان الستة التي لا يصح لأحد إيمان حتى يؤمن بها كلها اشتهرت بإنكاره إحدى الفرق الزائغة وتسمى فرقة القدرية١.
والكلام في القدر وتعلق أفعال العباد بمشيئته - سبحانه - من المسائل التي كان لها وجود قبل ظهور الإسلام كما أخبرنا الله بذلك في كتابه المبين عن كفار قريش ومن سبقهم من مشركي الأمم أنهم ينسبون شركهم وما هم عليه من المعاصي إلى مشيئته - جل وعلا ـ.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٢.
قال ابن كثير ﵀ تعالى - حول هذه الآية "يخبر تعالى عن اغترار المشركين بما هم فيه من الإشراك واعتذارهم محتجين بالقدر بقولهم ﴿لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ أي من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مما كانوا ابتدعوه واخترعوه من تلقاء أنفسهم ما لم ينزل به سلطانًا ومضمون كلامهم أنه لو كان - تعالى - كارهًا لما فعلنا لأنكره علينا بالعقوبة ولما مكننا منه، قال - تعالى - رادًا عليهم شبهتهم ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أي ليس الأمر كما تزعمون أنه لم ينكره عليكم بل قد أنكره عليكم أشد الإنكار ونهاكم عنه أشد النهي، وبعث في كل أمة أي في كل قرن وطائفة من الناس رسولًا، وكلهم يدعون إلى عبادة الله، وينهون عن عبادة ما سواه،
_________________
(١) القدرية: اسم أطلقه أهل السنة والجماعة على الزاعمين بأنهم الفاعلون لأعمالهم دون الباري - سبحانه - وقد وردت آثار كثيرة تصفهم بأنهم مجوس هذه الأمة. انظر سنن أبي داود ٢/٥٢٤، الاحتجاج بالقدر ص٨٦ - ٨٧، شفاء العليل ص٤٩، لوامع الأنوار ١/٣٠٥.
(٢) سورة النحل آية: ٣٥.
[ ٤٩٨ ]
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١ فلم يزل - تعالى - يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوح وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض إلى أن ختمهم بمحمد ﷺ الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب وكلهم كما قال الله - تعالى - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢. وقوله تعالى ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ .
فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول ﴿لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء﴾ ٤ فمشيئته - تعالى - الشرعية عنهم منتفية٥ لأنه نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله، وأما مشيئته الكونية وهي تمكينهم من ذلك قدرًا فلا حجة لهم فيها، لأنه - تعالى - خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة وهو لا يرضى لعباده الكفر وله في ذلك حجة بالغة، وحكمة قاطعة" اهـ٦.
وبهذا يتبين بطلان احتجاج المشركين بالقدر على ما هم واقعون فيه من الكفر والمعاصي والإشراك بالله - تعالى - وأنه لا حجة لهم فيه لانتفاء الإرادة الشرعية عنهم ولذلك نهاهم الله - تعالى - عن طريق الرسل.
وروى مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله - تعالى - عنه قال: جاء مشركو قريش إلى النبي ﷺ يخاصمونه في القدر فنزلت ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٧ وعلى عهد رسول الله ﷺ حصل بعض الخصام في القدر بين الصحابة ﵃ فصادف مجيء النبي ﷺ وهم
_________________
(١) سورة النحل آية: ٣٦.
(٢) سورة الأنبياء آية: ٢٥.
(٣) سورة الزخرف آية: ٤٥.
(٤) سورة النحل آية: ٣٥.
(٥) التعبير بالمشيئة عن الإرادة الدينية الشرعية لم يرد في الكتاب والسنة، بل المشيئة لم تأت إلا كونية قدرية بخلاف لفظ الإرادة فإنه جاء للمعنى الشرعي والمعنى القدري.
(٦) تفسير ابن كثير ٤/١٩٣/١٩٤.
(٧) انظر صحيح مسلم بشرح النووي ١٦/٢٠٥ والآيات من سورة القمر ٤٨ - ٤٩.
[ ٤٩٩ ]
يختصمون فاحمر وجهه غضبًا لذلك فقال: "بهذا أمرتم أو لهذا خلقتم تضربون القرآن بعضه ببعض بهذا هلكت الأمم قبلكم" ١.
فانتهى الصحابة عن ذلك فلم يعودوا لمثل ذلك قط.
ولم يظهر القول في القدر إلا بعد مضي نصف القرن الأول على وجه التقريب. فأثار القول فيه رجل يدعى "معبد الجهني". وقد تلقى هذا القول الباطل المخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة في إثبات القدر عن أحد النصارى كان قد أسلم، ثم ارتد إلى النصرانية. فقام تلميذه "معبد الجهني" بنشر قوله بين الناس.
روى مسلم في صحيحه بإسناده إلى يحيى بن يعمر أنه قال: "كان أول من قال في القدر بالبصرة "معبد الجهني" فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلًا المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر "أنف" قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر"٢.
ومما يؤكد أيضًا أن معبدًا تلقى القول في القدر عن أحد النصارى قول الأوزاعي "أول من نطق في القدر: رجل من أهل العراق يقال له "سوسن" كان نصرانيًا فأسلم ثم تنصر فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان٣ عن معبد٤ ٥
_________________
(١) سنن ابن ماجة ١/٣٣.
(٢) صحيح مسلم ١/٣٦ - ٣٧ وانظر مجموع الفتاوى ٨/٤٥٠.
(٣) هو غيلان بن مسلم الدمشقي أبو مروان وهو الذي تنسب إليه فرقة "الغيلانية" وهو ثاني من تكلم في القدر ودعا إليه، ولم يسبقه في ذلك سوى معبد الجهني قال الذهبي: "ضال مسكين" انظر ميزان الاعتدال ٣/٣٣٨، الأعلام ٥/٣٢٠.
(٤) هو معبد بن عبد الله بن عويم الجهني البصري أول من قال بالقدر في البصرة سمع الحديث من ابن عباس وعمران بن حصين وغيرهما وحضر يوم "التحكيم" وانتقل من البصرة إلى المدينة فنشر فيها مذهبه وعنه أخذ "غيلان" المتقدمة ترجمته قيل: قتله الحجاج صبرًا بعد أن عذبه، وقيل صلبه عبد الملك بن مروان بدمشق على القول في القدر ثم قتله. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" ١٠/٢٢٥، ميزان الاعتدال ٤/١٤١، شذرات الذهب ١/٨٨، البداية والنهاية ٩/٣٤.
(٥) انظر "كتاب الشريعة" للآجري ص٢٣٤، واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة برقم ١٣٩٧.
[ ٥٠٠ ]
قال ابن عون: "أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان حتى نشأ هاهنا حقير يقال له: "سنسويه البقال"، قال: فكان أول من تكلم بالقدر١ وذكر ابن سعد في الطبقات أن اسمه "سنهويه"٢ ومذهب القدرية عند ظهوره كان هو "إن الأمر أنف" كما تقدم عند مسلم عن يحيى بن يعمر ومعنى "إن الأمر أنف" أي: لم يسبق به قدر ولا علم من الله - تعالى - وإنما يعلمه بعد وقوعه"٣ فكان مذهب القدرية مبنيًا على أمرين:
الأمر الأول: إنكارهم علم الله السابق بالحوادث.
الأمر الثاني: أن العبد هو الذي يوجد أفعاله.
والقائلون بهذا القول قد انقرضوا وهلكوا ولم يبق لهم وجود. قال الحافظ: قال القرطبي وغيره: "قد انقرض هذا المذهب ولا نعرف أحدًا ينسب إليه من المتأخرين قال: والقدرية اليوم مطبقون على أن الله عالم بأفعال العباد قبل وقوعها وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لهم وواقعة منهم على جهة الإستقلال، وهو مع كونه مذهبًا باطلًا أخف من المذهب الأول" اهـ٤.
وهذا المذهب الأخف الذي ذكره الحافظ تبنته المعتزلة وحملة راية سلفهم من بعدهم وقد تشعبت فرقها القائلة به وتنوعت مذاهبها حوله.
قال الحافظ: وأما المتأخرون منهم فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد فرارًا من تعلق القديم بالمحدث، وهم مخصومون بما قال الشافعي: "إن سلم القدري العلم خصم يعني: يقال له: أيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم؟ فإن منع وافق قول أهل السنة وإن أجازه لزمه نسبة الجهل إلى الله تعالى الله عن ذلك"٥.
وحقيقة اعتقاد القدرية في نفي القدر إنما هو مضادة لنصوص الكتاب والسنة ومخالف لإجماع الأمة وقد وردت في السنة نصوص كثيرة فيها الوعيد الشديد لمن كذب
_________________
(١) شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي برقم ١٣٩٦.
(٢) الطبقات لابن سعد ٧/٢٦٤.
(٣) هكذا فسره النووي في شرحه على صحيح مسلم ١/١٥٦.
(٤) فتح الباري ١/١١٩.
(٥) الفتح ١/١١٩.
[ ٥٠١ ]
بالقدر ولم يؤمن به من ذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود عن عبادة بن الوليد بن عبادة: حدثني أبي قال: "دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي فقال: أجلسوني فقال: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان، ولن تبلغ حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبتاه كيف أعلم ما خير القدر وشره؟ قال أن تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة" يا بني إن مت ولست على ذلك دخلت النار"١ وغيره من الأحاديث التي ورد فيها الوعيد الشديد والتهديد الأكيد لمن كذب بالقدر كثيرة جدًا. وقال الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى صاحب كتاب "توضيح المقاصد وتصحيح القواعد" بعد أن ساق جملة من الأحاديث التي تتضمن الوعيد لنفاة القدر: "وكل هذه الأحاديث وما في معناها، فيها الوعيد الشديد على عدم الإيمان بالقدر، وهي الحجة على نفاة القدر من المعتزلة وغيرهم ومن مذهبهم تخليد أهل المعاصي في النار، وهذا الذي اعتقدوه من أكبر الكبائر، وأعظم المعاصي، وفي الحقيقة إذا اعتبرنا إقامة الحجة عليهم بما تواترت به نصوص الكتاب والسنة من إثبات القدر فقد حكموا على أنفسهم بالخلود في النار إن لم يتوبوا، وهذا لازم لهم على مذهبهم هذا، وقد خالفوا ما تواترت به أدلة الكتاب والسنة من إثبات القدر، وعدم تخليد أهل الكبائر الموحدين في النار"٢. وتلك الفرقة النافية للقدر قابلتها فرقة مضادة لها وهي فرقة غلاة القدرية وهم الجبرية الذي أخذ رايتهم الجهم بن صفوان السمرقندي، فقد زعم هو وأتباعه أنه لا اختيار لشيء من الحيوانات في شيء مما يجري عليهم كلهم مضطرون لا استطاعة لهم بحال وأن كل من نسب فعلًا إلى أحد غير الله فسبيله سبيل المجاز، وهو بمنزلة قول القائل: سقط الجدار، ودارت الرحى، وجرى الماء، وانخسفت الشمس. وهذا القول خلاف ما تجده العقلاء في أنفسهم لأن كل من رجع إلى نفسه يفرق في نفسه بين ما يرد عليه من أمر ضروري لا اختيار له فيه وبين ما يختاره ويضيفه إلى نفسه، كما أن كل عاقل يفرق بين كل حركة ضرورية كحركة المرتعش، وحركة المختار، يجد العاقل في نفسه
_________________
(١) المسند ٥/٣١٧، سنن أبي داود ٢/٥٣٨.
(٢) توضيح المقاصد وتصحيح القواعد شرح قصيدة الإمام ابن القيم ١/٢٥٨ - ٢٥٩.
[ ٥٠٢ ]
فرقًا بينهما، ومن أنكر هذه التفرقة لم يعد من العقلاء، وكل ما ورد في القرآن من قوله يعملون، ويعقلون، ويكسبون، ويصنعون حجة عليهم وكذلك قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ولو لم يكن للعبد اختيار كان الخطاب معه محالًا، والثواب والعقاب عنه ساقطين كالجمادات" وقد رد الله تعالى على الجبرية والقدرية في آية واحدة قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ .
قال العلامة ابن القيم حول هذه الآية: "اعتقد جماعة أن المراد بالآية سلب فعل الرسول عنه وإضافته إلى الرب تعالى، وجعلوا ذلك أصلًا في الجبر وإبطال نسبة الأفعال إلى العباد، وتحقيق نسبتها إلى الرب وحده، وهذا غلط منهم في فهم القرآن، فلو صح ذلك لوجب طرده في جميع الأعمال، فيقال ما صليت إذ صليت، وما صمت إذ صمت، وما ضحيت إذ ضحيت، ولا فعلت كل فعل إذ فعلته، ولكن الله فعل فإن طردوا ذلك لزمهم في جميع أفعال العباد طاعتهم ومعاصيهم إذ لا فرق، فإن خصوه بالرسول وحده وأفعاله جميعها، أو رميه وحده، تناقضوا فهؤلاء لم يوفقوا لفهم ما أريد بالآية وبعد فهذه الآية نزلت في شأن رميه ﷺ المشركين يوم بدر بقبضة من الحصباء، فلم تدع وجه أحد منهم إلا أصابته، ومعلوم أن تلك الرمية من البشر لا تبلغ هذا المبلغ فكان منه ﷺ مبدأ الرمي وهو الحذف، ومن الله ﷾ نهايته، وهو الإيصال فأضاف إليه رمي الحذف الذي هو مبدؤه ونفى عنه رمي الإيصال الذي هو نهايته، ونظير هذا قوله في الآية نفسها ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ﴾ ثم قال ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ فأخبر أنه وحده هو الذي تفرد بقتلهم ولم يكن ذلك بكم أنتم، كما تفرد بإيصال الحصباء إلى أعينهم من رسوله، ولكن وجه الإشارة بالآية: أنه سبحانه أقام أسبابًا ظاهرة لدفع المشركين وتولى دفعهم وإهلاكهم بأسباب باطنة غير الأسباب التي تظهر للناس فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنصرة مضافًا إليه به وهو خير الناصرين" اهـ.
_________________
(١) سورة المدثر آية: ٣٨.
(٢) التبصير في الدين ص١٠٧ - ١٠٨ وانظر الفرق بين الفرق ص٢١١، والملل والنحل ١/٨٧.
(٣) سورة الأنفال آية: ١٧.
(٤) مدارج السالكين ٣/٤٢٦ - ٤٢٧، وانظر التفسير القيم ص٢٨٧ - ٢٨٨. وانظر شرح الطحاوية ص٤٩٤ - ٤٩٥.
[ ٥٠٣ ]
المبحث الثالث: مراتب القدر
المبحث الرابع: مراتب القدر
لقد دلت سورة "الزمر" على مراتب القدر الأربع التي من لم يؤمن بها لم يتحقق له الإيمان بالقضاء والقدر، وتلك المراتب هي: علم - الرب سبحانه - بالأشياء قبل كونها، وكتابته لها قبل كونها، ومشيئته لها، وخلقه - سبحانه - الأعمال وتكوينه وإيجاده لها، كما تحدثت عن الهداية والضلال اللذين هما لب القدر وسنبين تلك المراتب كلًا منها على حدة، كما سنتحدث عن بيان الهداية والضلال وبذلك نختم الكلام على القدر.
١ - مرتبة العلم:
لقد دلت سورة "الزمر" على إثبات علم الرب - سبحانه - بالأشياء قبل كونها وأنه علم ما الخلق عاملون به بعلمه القديم الموصوف به أزلًا وأبدًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال كل ذلك سبق به علم الله - جل وعلا - قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .
هذه الآيات الأربع من السورة دلت على أن الله - تعالى - عالم بما يعمله العباد بعلمه القديم الذي اتصف به أزلًا وأبدًا فلا يخفى عليه من أعمالهم شيء، وأنه قد علم منهم الشقي والسعيد، ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن هو من أهل النار،
[ ٥٠٤ ]
فالآيتان الأوليان من هذه الآيات الأربع قد تقدم الكلام عليهما عند الحديث على إثبات صفة العلم بما أغنى عن إعادته هنا.
وأما الآية الثالثة فهي قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ .
فقد قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى حول هذه الآية قال ابن عباس ﵄: "من سبق في علم الله أنه من أهل النار. وقيل: كلمة العذاب قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ ١ وقيل: كلمة العذاب قوله: "هؤلاء في النار ولا أبالي"٢. ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي لا تقدر عليه قال ابن عباس: يريد أبا لهب وولده" اهـ٣.
وقال ابن جرير ﵀ تعالى ـ: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: أفأنت تنقذ يا محمد من هو في النار من حق عليه كلمة العذاب، فأنت تنقذه فاستغنى بقوله ﴿تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ عن هذا إلى أن قال: وإنما معنى الكلمة أفأنت تهدي يا محمد من قد سبق له في علم الله أنه من أهل النار إلى الإيمان فتنقذه من النار بالإيمان لست على ذلك بقادر اهـ٤.
وقال العلامة ابن كثير: " ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ يقول تعالى: أفمن كتب الله عليه أنه شقي تقدر تنقذه مما هو فيه من الضلال والهلاك؟ أي لا يهديه أحد من بعد الله لأنه من يضلل الله فلا هادي له ومن يهده فلا مضل له" اهـ٥.
وأما الآية الرابعة: وهي قوله - تعالى ـ: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .
فقد أوضحت أن كلمة العذاب وجبت على الكافرين، وكلمة العذاب هي
_________________
(١) سورة هود آية: ١١٩.
(٢) رواه أحمد في مسنده من حديث معاذ ﵁ ٥/٢٣٩.
(٣) تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن ٦/٥٩ - ٦٠.
(٤) جامع البيان ٢٣/٢٠٧ - ٢٠٨.
(٥) تفسير ابن كثير ٦/٨٥.
[ ٥٠٥ ]
قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ١ فقد وجبت كلمته - تعالى - أن عذابه لأهل الكفر به بسبب كفرهم وعدم قبولهم هدى الله الذي جاءهم عن طريق الرسل، قال قتادة: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ بأعمالهم٢ وقال ابن كثير حول الآية: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي ولكن كذبناهم وخالفناهم لما سبق من الشقوة التي كنا نستحقها حيث عدلنا عن الحق إلى الباطل" اهـ٣.
وقال العلامة ابن القيم: "وكلمته - سبحانه - إنما حقت عليهم بالعذاب بسبب كفرهم فحقت عليهم حجته، وكلمة عدله بعقوبته".
وحاصل هذا كله: أن الله - سبحانه - أمر العباد أن يكونوا مع مراده الديني منهم لا مع مراد أنفسهم فأهل طاعته آثروا الله ومراده على مرادهم فاستحقوا كرامته وأهل معصيته آثروا مرادهم على مراده.
وعلم - سبحانه - منهم أنهم لا يؤثرون مراده ألبتة، وإنما يؤثرون أهواءهم ومرادهم فأمرهم، ونهاهم فظهر بأمره ونهيه من القدر الذي عليهم من إيثارهم هوى أنفسهم، ومرادهم على مرضاة ربهم ومراده، فقامت عليهم بالمعصية حجة عدله فعاقبهم بظلمهم" اهـ٤.
فالآيات الأربع السابقة من السورة دلت دلالة واضحة على المرتبة الأولى من مراتب القدر وهي مرتبة العلم، فيجب على الإنسان أن يؤمن بأن الله تعالى علم الأشياء كلها قبل كونها، وهذه المرتبة إتفق عليها الصحابة ومن تبعهم من الأمة، وخالفهم مجوس الأمة، وكتابته - تعالى - السابقة تدل على علمه بها قبل كونها٥.
وقد كفر السلف من الصحابة ومن بعدهم من أنكر علم الله وتقدم قول ابن عمر
_________________
(١) سورة هود آية: ١١٩.
(٢) جامع البيان ٢٤/٣٤.
(٣) تفسير ابن كثير ٦/١١٢.
(٤) مدارج السالكين ١/٢١٩.
(٥) شفاء العليل ص٢٩ بتصرف.
[ ٥٠٦ ]
﵄، والذي يحلف به عبد الله بن عمر "لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبًا، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره" ١.
قال النووي: "هذا الذي قاله ابن عمر ﵄ ظاهر في تكفيره القدرية. قال القاضي عياض ﵀: هذا في القدرية الأول الذين نفوا تقدم علم الله بالكائنات قال: والقائل بهذا: كافر بلا خلاف، وهؤلاء الذين ينكرون القدر هم الفلاسفة" اهـ٢.
فالله تعالى علم أرزاق عباده وآجالهم وأحوالهم وأعمالهم، وجميع حركاتهم وسكناتهم، وشقاوتهم وسعادتهم، من قبل أن يخلقهم وهذا هو مقتضى اسمه العليم الخبير عالم الغيب والشهادة علام الغيوب، كما قال ﷿ ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ٣. وقوله - تعالى ـ: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ٤ وقوله - عز شأنه ـ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ٦.
والآيات في إثبات علم الله - تعالى - كثيرة جدًا، وأما الأحاديث فمنها ما رواه البخاري رحمه الله تعالى بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: سئل النبي ﷺ عن ذراري المشركين فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"٧.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه كما تنتج البهيمة هل تجدون فيها من جدعاء
_________________
(١) صحيح مسلم ١/٣٧.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١/١٥٦.
(٣) سورة الحشر آية:٢٢.
(٤) سورة الطلاق آية:١٢.
(٥) سورة النجم آية:٣٠.
(٦) سورة النجم آية:٣٢.
(٧) صحيح البخاري مع الفتح ١١/٤٩٣.
[ ٥٠٧ ]
حتى تكونوا أنتم تجدعونها". قالوا: يا رسول الله فرأيت من يموت وهو صغير قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"١.
قال نووي: "وفي قوله ﷺ: "الله أعلم بما كانوا عاملين" بيان لمذهب أهل الحق، أن الله علم ما كان وما يكون وما لا يكون لو كان كيف كان يكون" اهـ٢.
وعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رجل يا رسول الله أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: "نعم" قال: فلم يعمل العاملون؟ قال: "كل يعمل لما خلق له، أو لما ييسر له"٣.
وروى مسلم في صحيحه من حديث علي ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس رأسه فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: "ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة" قال؛ فقال رجل يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: "من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عما أهل الشقاوة، فقال: اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ "٤.
وعند البخاري "فقال رجل من القوم: ألا نتكل يا رسول الله؟ قال: لا. إعملوا فكل ميسر ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ الآية"٥.
فهذه الأحاديث فيها النهي عن ترك العمل والتوكل على القدر السابق بل يجب على الإنسان أن يعمل ويأخذ بالأسباب ويحرص على ما ينفعه.
قال ابن القيم ﵀ تعالى ـ: "فاتفقت هذه الأحاديث ونظائرها على أن
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ١٦/٢١١.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٢١١.
(٣) رواه البخاري انظر الفتح ١١/٤٩١.
(٤) انظر صحيح مسلم بشرح النووي ١٦/ ١٩٧.
(٥) انظر فتح الباري ١١/٤٩٤.
[ ٥٠٨ ]
القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الإتكال عليه بل يوجب الجد والاجتهاد ولهذا لما سمع بعض الصحابة ذلك قال: ما كنت أشد اجتهادًا مني الآن، وهذا مما يدل على جلالة فقه الصحابة ودقة أفهامهم، وصحة علومهم فإن النبي ﷺ أخبرهم بالقدر السابق وجريانه على الخليقة بالأسباب فإن العبد ينال ما قدر له بالسبب الذي أقدر عليه ومكن منه وهيئ له فإذا أتى بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أم الكتاب وكلما زاد اجتهادًا في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه وهذا كما إذا قدر له أن يكون من أعلم أهل وزمانه فإنه لا ينال ذلك إلا بالاجتهاد والحرص على التعلم وأسبابه فإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها كان أشد اجتهادًا في فعلها من القيام بها منه في أسباب معاشه ومصالح دنياه وقد فقه هذا كل الفقه من قال: ما كنت أشد اجتهادًا مني الآن فالقدر السابق معين على الأعمال وما يحث عليها ومقتض لها لا أنه مناف لها وصاد عنها وهذا موضع مزلة قدم من ثبتت قدمه فاز بالنعيم المقيم، ومن زلت قدمه عنه هوى إلى قرار الجحيم فالنبي ﷺ أرشد الأمة في القدر إلى أمرين هما سببا السعادة:
١ـ الإيمان بالأقدار فإنه نظام التوحيد.
٢ـ والإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجزه عن شره وذلك نظام الشرع فأرشدهم إلى نظام التوحيد والأمر" اهـ١.
والآيات والأحاديث الدالة على إتيان القدر واتصاف الله - تعالى - بصفة العلم أزلًا وأبدًا كثيرة جدًا.
٢ـ مرتبة الكتابة:
لقد دلت آيات الكتاب، وأحاديث السنة على أن مراتب الإيمان بالقضاء والقدر، الإيمان بأن كل كائن إلى يوم القيامة قد كتبه الله تعالى في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ وقد جاء في سورة "الزمر" في شأن هذه المرتبة قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ وقوله ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .
قال ابن كثير: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ "أفمن كتب
_________________
(١) شفاء العليل ص٢٥ - ٢٦.
[ ٥٠٩ ]
الله عليه شقي تقدر تنقذه مما هو فيه من الضلال والهلاك؟ أي لا يهديه أحد من بعد الله لأنه من يضلل الله فلا هادي له ومن يهده فلا مضل له" اهـ١.
والآيات التي دلت على مرتبة الكتابة كثيرة جدًا.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ ٢.
قال ابن القيم ﵀ تعالى - "فالزبور هنا جميع الكتب المنزلة من السماء لا تختص بزبور داود والذكر أم الكتاب الذي عند الله والأرض الدنيا وعباده الصالحون أمة محمد ﷺ هذا أصح الأقوال في هذه الآية وهي علم من أعلام نبوة رسول الله ﷺ فإنه أخبر بذلك بمكة وأهل الأرض كلهم كفار أعداء له ولأصحابه والمشركون قد أخرجوهم من ديارهم ومساكنهم وشتتوهم في أطراف الأرض فأخبرهم ربهم ﵎ أنه كتب في الذكر الأول إنهم يرثون الأرض من الكفار ثم كتب ذلك في الكتب التي أنزلها على رسله والكتاب قد أطلق عليه الذكر في قول النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء"٣ فهذا هو الذكر الذي كتب أن الدنيا تصير لأمة محمد ﷺ"اهـ٤.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ ٥.
فهذه الآية جمع الله فيها بين الكتابين الكتاب السابق لأعمال العباد قبل أن يوجدوا، والكتاب المقارن لأعمالهم، فأخبر - تعالى - أنه يحييهم بعد موتهم للبعث، ويجازيهم على أعمالهم، ونبههم بكتابته لها على ذلك والمقصود من الآية قوله ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللوح المحفوظ وهو أم الكتاب وهو الذكر الذي كتب الله فيه كل شيء
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٦/٨٥.
(٢) سورة الأنبياء آية:١٠٥ - ١٠٦.
(٣) فتح الباري ١٣/٤٠٣.
(٤) شفاء العليل ص٣٩.
(٥) سورة يس آية:١٢.
[ ٥١٠ ]
بما في ذلك أعمال العباد قبل أن يعملوها، وإحصاؤه - تعالى - لها يتضمن علمه بها وحفظه لها وإحاطته بعددها وإثباتها في اللوح المحفوظ١.
وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٣.
وقال تعالى عن موسى حين قال له فرعون: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ ٥.
قال ابن كثير: يخبر - تعالى - عن قدره السابق في خلقه قبل أن يبرأ البرية فقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي في الآفاق وفي نفوسكم ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ أي: من قبل أن نخلق الخليقة ونبرأ النسمة.
وقال بعضهم: من قبل أن نبرأها عائد على النفوس.
وقيل: عائد على المصيبة، والأحسن عوده على الخليقة والبرية لدلالة الكلام عليها اهـ٦.
قال ابن جرير حول هذه الآية حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية عن منصور بن عبد الرحمن قال: كنت جالسًا مع الحسن فقال رجل سله عن قوله - تعالى - ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ ﴾ الآية فسألته عنها فقال: - سبحان الله - ومن يشك في هذا؟ كل مصيبة بين السماء والأرض ففي كتاب الله من قبل أن يبرأ النسمة.
_________________
(١) شفاء العليل ص٤٠.
(٢) سورة هود آية:٦.
(٣) سورة الأنعام آية:٣٨.
(٤) سورة طه آية:٥١، ٥٢.
(٥) سورة الحديد آية:٢٢.
(٦) تفسير ابن كثير ٦/٥٦٤.
[ ٥١١ ]
وقال قتادة ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ﴾ قال: هي السنون يعني الجدب ﴿وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ يقول: الأوجاع والأمراض.
قال: "وبلغنا أنه ليس أحد يصيبه خدش عود ولا نكبة قدم ولا خلجان عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر" اهـ١.
قال ابن كثير: وهذه الآية الكريمة العظيمة من أدل دليل على القدرية نفاة - العلم السابق - قبحهم الله اهـ٢.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ ٣ فهو إخبار منه - تعالى - بأن علمه بكل الأشياء قبل أن تكون وكتابته لها على وفق وجودها في حينها سهل عليه - جل وعلا - لأنه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.
وقد دلت السنة على مرتبة الكتابة في أحاديث كثيرة.
روى مسلم صحيحه بإسناده إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. قال: وعرشه على الماء" ٤.
وروى البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين قال: إني عند النبي ﷺ إذ جاءه قوم من بني تميم فقال: "اقبلوا البشرى يا بني تميم" قالوا: بشرتنا فأعطنا، فدخل ناس من أهل اليمن فقال: "اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم" قالوا: قبلنا جئناك لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذه الأمر ما كان؟ قال: كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء" ثم أتاني رجل فقال: يا عمران أدرك ناقتك فقد ذهبت فانطلقت أطلبها فإذا السراب ينقطع دونها، وأيم الله لوددت أنها ذهبت ولم أقم٥.
_________________
(١) جامع البيان ٢٧/٤٣٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٦/٥٦٥.
(٣) سورة الحديد آية: ٢٢.
(٤) صحيح مسلم ٤/٢٠٤٤.
(٥) فتح الباري ١٣/٤٠٣.
[ ٥١٢ ]
فهذا الحديث دل على أن - الباري سبحانه - قد كتب ما يقوله وما يفعله وما يكون بقوله وفعله وكتب مقتضى أسمائه وصفاته وآثارها١ كما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي"٢.
وقال عبادة بن الصامت ﵁ لابنه: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب قال رب وما أكتب قال اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة"، يا بني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مات على غير هذا فليس مني"٣ وفي لفظ لأحمد: "يا بني إن مت على غير هذا دخلت النار"٤.
وقال أبو هريرة رضي الله - تعالى - عنه قال لي النبي ﷺ: "جف القلم بما أنت لاق" ٥.
قال الحافظ ابن حجر: "جف القلم" أي فرغت الكتابة إشارة أن الذي كتب في اللوح المحفوظ لا يتغير حكمه، فهو كناية عن الفراغ من الكتابة لأن الصحيفة حال كتابتها تكون رطبة أو بعضها وكذلك القلم فإذا انتهت الكتابة جفت الكتابة والقلم" اهـ٦.
ومن الأحاديث التي دلت على مرتبة الكتابة حديث علي المتقدم "ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من الجنة أو النار"٧.
ومما تقدم يتبين أن مرتبة الكتابة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة قال ابن القيم: وأجمع الصحابة والتابعون وجميع أهل السنة والحديث أن كل كائن إلى يوم القيامة فهو مكتوب في أم الكتاب وقد دل القرآن على أن الرب - تعالى - كتب في أم الكتاب ما يفعله
_________________
(١) شفاء العليل ص٤٣.
(٢) فتح الباري ١٣/٤٠٤، صحيح مسلم ٤/٢١٠٧.
(٣) رواه أبو داود في سننه ٢/٥٢٨.
(٤) المسند ٥/١٨٣ من حديث أبي بن كعب ﵁.
(٥) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١١/٤٩١.
(٦) المصدر السابق.
(٧) صحيح مسلم بشرح النووي ١٦/١٩٧.
[ ٥١٣ ]
وما يقوله فكتب في اللوح أفعاله وكلامه، فتبت يدا أبي لهب في اللوح المحفوظ قبل وجود أبي لهب" اهـ١.
٣ـ مرتبة المشيئة:
لقد دلت سورة "الزمر" على إثبات مرتبة المشيئة في ثلاث آيات من آياتها. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ ﴾ .
هذه الآيات الثلاث من السورة بين الله تعالى فيها أن له مشيئة مطلقة لا يخرج عنها شيء في هذا الوجود.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مبينًا مرتبة المشيئة "وهي الإيمان بأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن ما في السموات وما في الأرض من حركة، ولا سكون إلا بمشيئة الله - سبحانه - ولا يكون في ملكه إلا ما يريد" اهـ٢.
وقال العلامة ابن القيم: "وهذه المرتبة قد دل عليها إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم وجميع الكتب المنزلة من عند الله، والفطرة التي فطر الله عليها خلقه، وأدلة العقول والعيان، وليس في الوجود موجب ومقتض إلا مشيئة الله وحده فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن هذا عمود التوحيد الذي لا يقوم إلا به والمسلمون من أولهم إلى آخرهم مجمعون على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وخالفهم في ذلك من ليس منهم في هذا الموضع وإن كان منهم في موضع آخر فجوزوا أن يكون في الوجود ما لا يشاء الله، وأن يشاء ما لا يكون، وخالف الرسل كلهم وأتباعهم من نفي مشيئة الله، ولم يثبت له - سبحانه - مشيئة واختيارًا أوجد بها الخلق كما يقوله طوائف من أعداء الرسل من الفلاسفة وأتباعهم" اهـ٣.
_________________
(١) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر ص ٤١.
(٢) العقيدة الواسطية مع شرحها "لمحمد خليل هراس" ص١٣٣ - ١٣٤.
(٣) شفاء العليل ص٤٣.
[ ٥١٤ ]
وما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في بيان معنى المشيئة هو طبق ما جاء في الكتاب والسنة وأجمع عليه سلف الأمة وذلك أن لله مشيئة لا يخرج عنها حادث صغير ولا كبير ولا عين ولا فعل، ولا وصف إلا بمشيئته - تعالى - فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وقد أكثر القرآن في هذا الشأن. قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ ٦.
إلى غير ذلك من الآيات الدالة على إثبات المشيئة، كما تدل على تكذيب نفاتها.
قال ابن القيم بعد أن ساق الكثير من الآيات الدالة على إثبات مشيئة الرب - جل وعلا ـ: "وهذه الآيات ونحوها تتضمن الرد على طائفتي الضلال نفاة المشيئة بالكلية، ونفاة مشيئة أفعال العباد وحركاتهم وهداهم وضلالهم وهو - سبحانه - تارة يخبر أن كل ما في الكون بمشيئته، وتارة أن ما لم يشأ لم يكن، وتارة أنه لو شاء لكان خلاف الواقع، وأنه لو شاء لكان خلاف القدر الذي قدره وكتبه، وأنه لو شاء ما عصي وأنه لو شاء لجمع خلقه على الهدى وجعلهم أمة واحدة، فتضمن ذلك أن الواقع بمشيئته، وأن ما لم يقع فهو لعدم مشيئته وهذا حقيقة الربوبية، وهو معنى كونه رب العالمين وكونه القيوم القائم بتدبير عباده فلا خلق ولا رزق ولا عطاء ولا منع، ولا قبض ولا بسط ولا موت ولا حياة ولا إضلال، ولا هدى، ولا سعادة، ولا شقاوة إلا بعد إذنه، وكل ذلك بمشيئته وتكوينه إذ لا مالك غيره ولا
_________________
(١) سورة البقرة آية: ٢٥٣.
(٢) سورة السجدة آية: ١٣.
(٣) سورة هود آية: ١١٨.
(٤) سورة الأنعام آية: ٣٥.
(٥) سورة فاطر آية: ١٦.
(٦) سورة النساء آية: ١٣٣.
[ ٥١٥ ]
مدبر سواه، ولا رب غيره. قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ ١ وقال: ﴿وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ ٢ وقال: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ ٣ وقال: ﴿للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ ٤ وقال: ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ اهـ٥.
وقد دلت السنة على إثبات مشيئة الرب - سبحانه - في أحاديث كثيرة فمن ذلك ما رواه البخاري بإسناده من حديث أبي موسى قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه وربما قال جاءه السائل أو صاحب الحاجة قال: "اشفعوا فلتؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء"٦.
وفيه من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ طرقه وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ليلة فقال: "ألا تصلون؟ قال علي: فقلت يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا الحديث٧
وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء"٨.
وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال: "مثل المؤمن كمثل خامة الزرع يفيء ورقه من حيث أتتها الريح تكفئها فإذا سكنت اعتدلت، وكذلك المؤمن يكفأ بالبلاء، ومثل الكافر كمثل الأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء" ٩.
_________________
(١) سورة القصص آية: ٦٨.
(٢) سورة الحج آية: ٥.
(٣) سورة الانفطار آية: ٨.
(٤) سورة الشورى آية: ٤٩ - ٥٠.
(٥) شفاء العليل صفحة ٤٤ والآية رقم ٢٤ من سورة النور.
(٦) فتح الباري ١٣/٤٤٨.
(٧) المصدر السابق ص٤٤٦.
(٨) صحيح مسلم ٤/٢٠٤٥.
(٩) فتح الباري ١٣/٤٤٦.
[ ٥١٦ ]
وفيه أيضًا من حديث أبي قتادة ﵁ حين ناموا عن الصلاة قال النبي ﷺ: "إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها حين شاء " الحديث١.
وفيه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لكل نبي دعوة فأريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي لأمتي يوم القيامة" ٢.
فالآيات القرآنية والأحاديث النبوية السابقة دلت على أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
وقبل أن نختم الكلام على مرتبة المشيئة هناك أمر يجب أن يتنبه له وبمعرفته تزول إشكالات كثيرة تعرض لمن قصر علمه به وهو أن الله - جل وعلا - له الخلق والأمر، وأمره - سبحانه - نوعان:
أـ أمر كوني قدري.
ب - وأمر ديني شرعي.
فمشيئة الرب - سبحانه - متعلقة بخلقه وأمره الكوني، وكذلك تتعلق بما يحب وبما يكرهه كله داخل تحت مشيئته كما خلق إبليس وهو يبغضه، وخلق الشياطين والكفار والأعيان، والأفعال المسخوطة وهو يبغضها فمشيئته - سبحانه - شاملة لذلك كله، وأما محبته ورضاه فمتعلقة بأمره الديني وشرعه الذي شرعه على ألسنة رسله فما وجد منه تعلقت به المحبة والمشيئة جميعًا فهو محبوب للرب واقع بمشيئته كطاعات الملائكة والأنبياء والمؤمنين، وما لم يوجد منه تعلقت به محبته وأمره الديني ولم تتعلق به مشيئته وما وجد من الكفر والفسوق والمعاصي تعلقت به مشيئته ولم تتعلق به محبته ولا رضاه ولا أمره الديني، وما لم يوجد منها لم تتعلق به مشيئته ولا محبته فلفظ المشيئة كوني ولفظ المحبة ديني شرعي، ولفظ الإرادة ينقسم إلى إرادة كونية فتكون بمعنى المشيئة، وإرادة دينية فتكون بمعنى المحبة، إذا عرف هذا فقوله - تعالى - ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ وقوله: ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ ٣ وقوله: ﴿وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٤ لا يناقض نصوص القدر والمشيئة
_________________
(١) المصدر السابق صفحة ٤٤٧.
(٢) المصدر السابق ص٤٤٧.
(٣) سورة البقرة آية: ٢٠٥.
(٤) سورة البقرة آية: ١٨٥.
[ ٥١٧ ]
العامة الدالة على وقوع ذلك بمشيئته وقضائه وقدره فإن المحبة غير المشيئة والأمر غير الخلق ونظير هذا لفظ الأمر فإنه نوعان: أمر تكوين، وأمر تشريع والثاني قد يعصى وبخلاف أمر التكوين فقوله - تعالى - ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ ١ لا يناقض قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ ٢ وليس هناك حاجة إلى تكلف تقدير أمرنا مترفيها بالطاعة فعصونا وفسقوا فيها بل الأمر هنا أمر تكوين وتقدير لا أمر تشريع" أ. هـ٣.
والحاصل مما تقدم من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة إثبات مشيئة الرب - جل وعلا - وأنها الموجبة لكل موجود في هذا الكون كما أن عدم مشيئته - سبحانه - يوجب عدم الشيء فهما الموجبتان، فما شاء الله تحتم وجوده وما لم يشأ تحتم عدمه وامتناعه وهذا أمر شامل لكل مقدور من أعيان وأفعال، وحركات وسكنات - فسبحانه - أن يكون في ملكه ما لا يشاء، أو أن يشاء شيئًا فلا يكون، وإن كان في الأشياء ما لا يرضاه ولا يحبه، وإن كان يحب الشيء فلا يحصل لعدم مشيئته - سبحانه - له ولو شاء ذلك لوجد. له الحكم النافذ، والمشيئة المطلقة، والقدرة التامة على كل شيء.
٤ - مرتبة خلق الله - سبحانه - الأعمال وتكوينه وإيجاده لها:
لقد دلت سورة "الزمر" على أن الله تعالى هو الخالق لكل شيء ومن ذلك أعمال العباد، فهو المكون لها والموجد لها - وحده لا شريك له - قال تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ .
هذه الآية الكريمة من السورة تدل على أن جميع الأشياء مخلوقة فقد أخبر - تعالى - أنه خالق لجميع العالم علويه، وسفليه، ومن ضمن ذلك أفعال عباده فإنها شيء من الأشياء، ففيها رد على القدرية القائلين بأن العبد هو الخالق لأفعاله، كما أن فيها ردًا على الفلاسفة القائلين بقدم العالم، وهي أيضًا: ترد على القائلين بقدم الأرواح، وهذه الأقوال صادرة عن أهل الباطل، وهي تتضمن تعطيل - الباري سبحانه - عن خلقه.
_________________
(١) سورة الإسراء آية: ١٦.
(٢) سورة الأعراف آية: ٢٨.
(٣) شفاء العليل ص٤٧ - ٤٨.
[ ٥١٨ ]
قال العلامة ابن القيم: حول قوله تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية "وهذا عام محفوظ لا يخرج عنه شيء من العالم أعيانه وأفعاله وحركاته وسكناته، وليس مخصوصًا بذاته، وصفاته، فإنه الخالق بذاته وصفاته وما سواه مخلوق له واللفظ قد فرق بين الخالق والمخلوق، وصفاته - سبحانه - داخلة في مسمى اسمه فإن الله - سبحانه - اسم للإله الموصوف بكل صفة كمال المنزه عن كل صفة نقص ومثال، والعالم قسمان: أعيان وأفعال وهو الخالق لأعيانه وما يصدر عنها من الأفعال، كما أنه العالم بتفاصيل ذلك، فلا يخرج شيء منه عن علمه، ولا عن قدرته، ولا عن خلقه ومشيئته" أ. هـ١.
وقال شارح الطحاوية: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: الله خالق كل شيء مخلوق فدخلت أفعال العباد في عموم "كل" وما أفسد قولهم - يعني المعتزلة - في إدخال كلام الله تعالى في عموم "كل" الذي هو صفة من صفاته يستحيل عليه أن يكون مخلوقًا، وأخرجوا أفعالهم التي هي مخلوقة من عموم كل!! وهل يدخل في عموم كل إلا ما هو مخلوق؟ فذاته المقدسة وصفاته غير داخلة في هذا العموم، ودخل سائر المخلوقات في عمومها" أ. هـ٢.
وقال البغوي: " ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: مما هو كائن، أو يكون في الدنيا والآخرة" أ. هـ٣.
وقال ابن كثير: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يخبر تعالى أنه خالق الأشياء كلها وربها ومليكها والمتصرف فيها، وكل تحت تدبيره وقهره وكلاءته" أ. هـ٤.
ومن هذه التفاسير للآية من مفسري أهل السنة يتبين أن أفعال العباد جميعها مخلوقة ومقدرة للمولى - جل وعلا - إذ هو - سبحانه - الخالق وما سواه كله مخلوق.
وأما قول القدرية: في الآية ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مما لا يقدر عليه غيره وأما أفعال العباد التي يقدر عليها العباد فإضافتها إليهم ينفي أضافتها إليه، وإلا لزم وقوع مفعولين بين فاعلين وهو محال" أ. هـ٥.
_________________
(١) شفاء العليل ص٥٣.
(٢) شرح الطحاوية ص٤٩٦.
(٣) تفسير البغوي على حاشية الخازن ٦/٩٦.
(٤) تفسير القرآن العظيم ٦/١٠٥.
(٥) شفاء العليل ص٥٤.
[ ٥١٩ ]
فهذا زعم باطل لأن إضافة أفعال العباد إليهم فعلًا وكسبًا لا ينفي إضافتها إليه - سبحانه - خلقًا ومشيئة فهو - سبحانه - الذي شاءها وخلقها حقيقة وهم الذين فعلوها وكسبوها حقيقة فلو لم تكن مضافة إلى مشيئته وقدرته وخلقه لاستحال وقوعها منهم إذ العباد أعجز وأضعف من أن يفعلوا ما لم يشأه الله ولم يقدر عليه ولا خلقه" أ. هـ١.
وهناك آيات كثيرة وردت في كتاب الله - تعالى - وهي تدل على ما دلت عليه هذه الآية من السورة مثل قوله - تعالى - ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْء﴾ ٢ فيدخل في هذا العموم الأعيان والأفعال من الخير والشر.
وقوله - تعالى ـ: ﴿أَمْ جَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء﴾ ٣.
قال البيهقي: عقب هذه الآية: "فنفى أن يكون خالق غيره، ونفى أن يكون شيء سواه غير مخلوق، فلو كانت الأفعال غير مخلوقة لكان الله - سبحانه - خالق بعض الأشياء دون جميعها وهذا خلاف الآية، ومعلوم أن الأفعال أكثر من الأعيان، فلو كان الله خالق الأعيان والناس خالقي الأفعال لكان خلق الناس أكثر من خلقه ولكانوا أتم قوة منه وأولى بصفة المدح من ربهم - سبحانه - ولأن الله - تعالى - قال: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٤ فأخبر أن أعمالهم مخلوقة لله ﷿ أ. هـ٥.
ولا يقال إن "ما" مصدرية - أي خلقكم وعملكم - لأن سياق الآية يأباه لأن الخليل ﵊ إنما أنكر عليهم عبادة المنحوت لا النحت والآية تدل على أن المنحوت مخلوق لله - تعالى ـ، وهو ما صار منحوتًا إلا بفعلهم فيكون ما هو من آثار فعلهم مخلوقًا لله - تعالى - ولو لم يكن النحت مخلوقًا لله - تعالى - لم يكن المنحوت مخلوقًا له، بل الخشب أو الحجر لا غير"٦.
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) سورة غافر آية: ٦٢.
(٣) سورة الرعد آية: ١٦.
(٤) سورة الصافات آية: ٩٦.
(٥) الاعتقاد ص٥٩ - ٦٠.
(٦) شرح الطحاوية ص٤٩٦، وانظر مجموع الفتاوى ٨/٧٩.
[ ٥٢٠ ]
ومما يدل على أن العباد فاعلون حقيقة قوله - تعالى - ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ ٣ وقوله: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعالى ـ: "والعباد فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم، وللعباد القدرة على أعمالهم ولهم إرادة والله خالقهم وقدرتهم وإرادتهم كما قال - تعالى - ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٥ وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها" أ. هـ٦.
وقال العلامة ابن القيم: "ومن الدليل على خلق أعمال العباد قوله تعالى ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ ٧ فأخبر أنه هو الذي جعل السرابيل وهي الدروع والثياب المصنوعة ومادتها لا تسمى سرابيل إلا بعد أن تحيلها صنعة الآدميين وعملهم، فإذا كانت مجعولة لله فهي مخلوقة له بجملتها صورتها ومادتها وهيئاتها، ونظير هذا قوله ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ ٨ فأخبر - سبحانه - أن البيوت المصنوعة المستقرة والمتنقلة مجعولة له، وهي إنما صارت بيوتًا بالصنعة الآدمية"٩.
_________________
(١) سورة البقرة آية: ١٩٧.
(٢) سورة الحج آية: ٧٧.
(٣) سورة الأنعام آية: ١٣٧.
(٤) سورة هود آية: ٣٦.
(٥) سورة التكوير آية: ٢٨ - ٢٩.
(٦) العقيدة الواسطية مع شرحها لمحمد خليل هراس ص١٣٥ - ١٣٧.
(٧) سورة النحل آية: ٨١.
(٨) سورة النحل آية: ٨٠.
(٩) شفاء العليل ص٥٤ - ٥٥.
[ ٥٢١ ]
ومن الآيات الدالة على خلق أفعال العباد قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ ١.
قال البيهقي: "فأخبر أن قولهم وسرهم وجهرهم خلقه وهو بجميع ذلك عليم" أ. هـ٢.
فهذه الآيات التي قدمنا ذكرها دلت على أن الله خالق كل شيء فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته وكل ساكن وسكونه، وما من ذرة في السموات ولا في الأرض إلا والله ﷾ خالقها وخالق حركتها وسكونها - سبحانه - لا خالق غيره ولا رب سواه.
كما دلت على أن للعباد قدرة على أعمالهم، ولهم مشيئة والله تعالى خالقهم وخالق قدرتهم ومشيئتهم، وأقوالهم وأعمالهم وهو الذي منحهم إياها وأقدرهم عليها وجعلها قائمة بهم مضافة إليهم حقيقة، وبحسبها كلفوا وعليها يثابون ويعاقبون، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٤ ولم يكلفهم الله تعالى إلا وسعهم ولم يحملهم إلا طاقتهم كما قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ٥.
وروى البخاري في صحيحه بإسناده إلى البراء بن عازب ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ يوم الخندق ينقل معنا التراب وهو يقول:
والله لولا الله ما اهتدينا ولا صمنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إذ لا قينا
والمشركون قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا٦
_________________
(١) سورة الملك آية: ١٣.
(٢) الاعتقاد ص٦٠.
(٣) سورة الزخرف آية: ٧٢.
(٤) سورة السجدة آية: ١٤.
(٥) سورة البقرة آية: ٢٨٦.
(٦) صحيح البخاري مع الفتح ١١/٥١٥ - ٥١٦.
[ ٥٢٢ ]
وقال ﷺ في شأن الحمر: "ما أنزل الله علي فيها شيئًا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة" ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ١.
وكما أن العباد لم يوجدوا أنفسهم فكذلك لم يوجدوا أفعالهم، فقدرتهم وإرادتهم ومشيئتهم وأفعالهم، تبع لقدرة الله - سبحانه - وإرادته ومشيئته وأفعاله، إذ هو - تعالى - خالقهم وخالق قدرتهم ومشيئتهم وإرادتهم وأفعالهم وليست مشيئتهم وإرادتهم وقدرتهم وأفعالهم هي عين مشيئة الله - تعالى - وإرادته، وقدرته، وفعله، كما ليسوا هم إياه - تعالى - عن ذلك علوًا كبيرًا بل إن أفعالهم المخلوقة قائمة بهم لائقة بهم مضافة إليهم حقيقة، وهي من آثار أفعاله - تعالى - القائمة به اللائقة المضافة إليه حقيقة.
فالله - تعالى - هاد حقيقة، والعبد مهتد حقيقة ولهذا أضاف - تعالى - كلًا من الفعلين إلى من قام به. فقال ﷿ ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَد﴾ ٢ فإضافة الهداية إلى الله - تعالى - حقيقة، وإضافة الاهتداء إلى العبد حقيقة، وكما أن الهادي - تعالى - ليس هو عين المهتدي فكذلك ليست الهداية هي عين الإهتداء، وكذلك يضلل الله - تعالى - من يشاء حقيقة، وذلك العبد يكون ضالًا حقيقة وهو - سبحانه - وتعالى خالق المؤمن وإيمانه والكافر وكفره كما قال - جل وعلا - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٣. فالله - تعالى - هو الخالق لعباده على هذه الصفة وأراد منهم ذلك كونًا لا شرعًا، فلا بد من وجود المؤمن والكافر، وهو - سبحانه - البصير بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلال وهو شهيد على أعمالهم وسيجزيهم عليها جزاءًا وفاقًا ولذلك قال تعالى: ﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٤ فأضاف - سبحانه - الخلق الذي هو فعله القائم به إليه حقيقة وأضاف الإيمان والكفر الذي هو عملهم القائم بهم إليهم حقيقة والله ﵎ هو الذي جعلهم كذلك، وهم فعلوه فاختيارهم وقدرتهم ومشيئتهم التي منحهم الله إياها وخلقها فيهم وأمرهم ونهاهم بحسبها.
_________________
(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة، صحيح البخاري ٣/٢٢٠، مسلم ٢/٦٨٢.
(٢) سورة الأعراف آية: ١٧٨.
(٣) سورة التغابن آية: ٢.
(٤) جزء من الآية رقم ٢ من سورة التغابن.
[ ٥٢٣ ]
والأدلة من الكتاب والسنة على هذا كثيرة جدًا. قال ابن القيم: "وبالجملة فكل دليل في القرآن على التوحيد فهو دليل على القدر وخلق أفعال العباد ولهذا كان إثبات القدر أساس التوحيد.
قال ابن عباس: الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده" ا. هـ١.
أقوال الناس في أفعال العباد الإختيارية:
هذه المسألة فيها أراء ثلاثة:
القول الأول: للجبرية:
فقد زعمت الجبرية ورئيسهم الجهم بن صفوان السمرقندي: أن التدبير في أفعال الخلق كلها لله - تعالى ـ، وهي كلها اضطرارية كحركات المرتعش، والعروق النابضة، وحركات الأشجار وإضافتها إلى الخلق مجاز وهي على حسب ما يضاف الشيء إلى محله دون ما يضاف إلى محصله٢.
القول الثاني - للمعتزلة:
ورأي المعتزلة مقابل لرأي الجبرية: فقد قالوا: إن جميع الأفعال الإختيارية من جميع الحيوانات بخلقها لا تعلق لها بخلق الله - تعالى - واختلفوا فيما بينهم هل الله - تعالى - يقدر على أفعال العباد أم لا" أ. هـ٣.
القول الثالث - قول أهل الحق:
وهو أن أفعال العباد بها صاروا مطيعين وعصاة، وهي مخلوقة لله - تعالى - والحق ﷾ منفرد بخلق المخلوقات لا خالق لها سواه" أ. هـ٤.
_________________
(١) شفاء العليل ص٦٥.
(٢) شرح الطحاوية ص٤٩٣، الملل والنحل للشهرستاني ١/٨٥، التبصير في الدين ص١٠٧.
(٣) شرح الطحاوية ص٤٩٣، مقالات الإسلاميين ١/٢٩٨، الفرق بين الفرق ص١١٤، الملل والنحل للشهرستاني ١/٤٥.
(٤) شرح الطحاوية ص٤٩٣.
[ ٥٢٤ ]
فالقول الأول وهو قول الجبرية من أفسد المذاهب إذ أنهم غلوا في إثبات القدر حتى نفوا فعل العبد بالكلية وجعلوه كريشة في مهب الريح تصفقها كيف تشاء.
وأما القدرية نفاة القدر فقد جعلوا العباد خالقين مع الله - تعالى - ولهذا كانوا "مجوس هذه الأمة"١ بل أخبث من المجوس حيث أن المجوس أثبتوا خالقين اثنين وهم أثبتوا خالقين كثيرين. وللجبرية والقدرية أدلة يستدلون بها على دعاويهم الباطلة ومذاهبهم الفاسدة وهي في الحقيقة حجج عليهم في بطلان ما يدَّعون. فما استدل به الجبرية: قوله - تعالى - ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ ٢ قالوا: إن الله نفى عن نبيه الرمي وأثبته لنفسه - سبحانه - فدل على أنه لا فعل للعبد. وقالوا أيضًا: إن الجزاء غير مرتب على الأعمال بدليل قوله ﷺ: "لا يدخل أحدًا الجنة عمله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة" ٣. ومما استدل به القدرية قوله - تعالى - ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٤ قالوا: والجزاء مرتب على الأعمال ترتب العوض كما قال - تعالى - ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٥ ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٦ وحجج الفريقين عليهم لا لهم.
فأما ما استدل به الجبرية من قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ ٧ فهو دليل عليهم لا لهم لأنه - تعالى - أثبت لرسوله ﷺ رميًا بقوله: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ ومن هنا يعلم أن المثبت غير المنفي وذلك أن "الرمي" له ابتداء وانتهاء فابتداؤه الحذف، وانتهاؤه الإصابة، وكلاهما يسمى رميًا فيكون المعنى حينئذ والعلم لله تعالى: "وما أصبت إذ حذفت ولكن الله أصاب" وإلا فيطرد على قولهم: "وما صليت إذ صليت ولكن الله صلى! وما صمت إذ صمت وما سرقت إذ سرقت! وبطلان هذا بين واضح"٨.
_________________
(١) انظر سن أبي داود ٢/٥٢٥ من حديث ابن عمر.
(٢) سورة الأنفال آية: ١٧.
(٣) رواه البخاري من حديث عائشة الفتح ١١/٢٩٤، صحيح مسلم ٤/٢١٧١.
(٤) سورة المؤمنون آية: ١٤.
(٥) سورة السجدة آية: ١٧.
(٦) سورة الزخرف آية: ٧٢.
(٧) سورة الأنفال آية: ١٧.
(٨) شرح الطحاوية ص٤٩٥ وانظر مجموع الفتاوى ٨/١٨، التبصير في الدين ص١٠٧.
[ ٥٢٥ ]
ويشبه قول الجبرية في البطلان الكسب عند الأشاعرة فإنهم يقولون: إن قدرة العبد لا تأثير لها في فعله.
جاء في "غاية المرام" "وذهب من عدا هؤلاء من أهل الحق إلى أن أفعال العباد مضافة إليهم بالإكتساب وإلى الله تعالى بالخلق والإختراع وأنه لا أثر للقدرة الحادثة فيها أصلًا"١. "وهذا المذهب مماثل لمذهب الجبرية إن لم يكن عينه، وليس أهله أهل الحق كما زعم إذ كيف يثبتون قدرة لا أثر لها، وهذا في الحقيقة نفي للقدرة كليًا ولهذا يقال: كسب الأشعري من محالات الكلام"٢.
وأما ترتب الجزاء على الأعمال فقد ضلت فيه طائفتا الجبرية والقدرية وهدى الله أهل السنة والجماعة وذلك بفضله ومنته عليهم بسلوك الصراط السوي.
فهم يقولون: إن الباء التي في النفي غير الباء التي في الإثبات فالمنفي في قوله ﵊ "لن يدخل أحد الجنة بعمله" ٣ باء العوض وهو أن تكون العمل كالثمن لدخول الرجل إلى الجنة كما تزعم ذلك المعتزلة أن العامل مستحق دخول الجنة على ربه بعمله. بل ذلك برحمة الله وفضله والباء التي في قوله - تعالى - ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٤ وغيرها باء السبب أي بسبب عملكم والله - تعالى - هو خالق الأسباب والمسببات فرجع الكل إلى محض فضل الله ورحمته"٥.
وأما استدلال المعتزلة بقوله - تعالى - ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٦ فمعنى هذه الآية: أحسن المصورين المقدرين و"الخلق" يذكر ويراد به التقدير وهو المراد هنا بدليل قوله - تعالى - ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء﴾ ٧.
والناظر في مذهب الجبرية والقدرية يجد أن كل طائفة منهما معها حق وباطل وأدلة
_________________
(١) غاية المرام ص٢٠٧، الاعتقاد للبيهقي ص٦٠، المواقف في علم الكلام ص٣١٢ وما بعدها.
(٢) شفاء العليل ص٥٠.
(٣) تقدم تخريجه قريبًا وهو في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ وعن أبيها.
(٤) سورة السجدة آية: ١٧.
(٥) مجموع الفتاوى ٨/٧٠، وشرح الطحاوية ٤٩٥.
(٦) سورة المؤمنون آية: ١٤.
(٧) سورة الرعد آية: ١٦.
[ ٥٢٦ ]
كل منهما إنما تنهض على بطلان خطأ الطائفة الأخرى لا على إبطال ما أصابوا فيه، فكل دليل صحيح للجبرية إنما يدل على إثبات قدرة الرب - تعالى - ومشيئته وأنه لا خالق غيره وأنه على كل شيء قدير لا يستثنى من هذا العموم فرد واحد من أفراد الممكنات وهذا حق، ولكن ليس معهم دليل صحيح ينفي أن يكون العبد قادرًا مريدًا فاعلًا بمشيئته وقدرته وأنه فاعل حقيقة وأفعاله قائمة به، وأنها فعل له، وأنها قائمة به.
وكل دليل صحيح يقيمه القدرية فإنما يدل على أن أفعال العباد فعل لهم قائمة بهم واقعة بقدرتهم، ومشيئتهم وإرادتهم وأنهم مختارون لها غير مضطرين ولا مجبورين، وليس معهم دليل صحيح ينفي أن يكون الله - سبحانه - قادرًا على أفعالهم وهو الذي جعلهم فاعلين.
فأدلة الجبرية صحيحة متضافرة على من نفى قدرة الرب - سبحانه - على كل شيء من الأعيان والأفعال ونفى عموم مشيئته وخلقه لكل موجود، وأثبت في الوجود شيئًا بدون مشيئته وخلقه.
"وأدلة القدرية صحيحة متضافرة على من نفى فعل العبد وقدرته ومشيئته واختياره وقال إنه ليس بفاعل شيئًا والله يعاقبه على ما لم يفعله ولا له قدرة عليه بل هو مضطر إليه مجبور عليه"١.
"فإذا ضممنا ما عند كل طائفة منهما من الحق إلى حق الأخرى فإنما يدل ذلك على ما دل عليه كتاب الله، وسائر كتب الله المنزلة قبله من عموم قدرة الله ومشيئته لجميع ما في هذا الكون من الأعيان والأفعال وأن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة، وأنهم يستوجبون عليها المدح والذم"٢.
وعند التأمل للأدلة التي أسلفناها التي دلت على أن العباد فاعلون حقيقة، والله - تعالى - خالقهم وخالق أفعالهم وأنهم مختارون، لهم إرادة ومشيئة تابعة لإرادة الله ومشيئته. نعلم أن أهل الكلام الباطل، وأهل الأهواء والبدع من جميع الطوائف هم أبخس الناس حظًا، وأقلهم نصيبًا، وأخسرهم عملًا. وأن أهل السنة والجماعة هم أهل الحق في
_________________
(١) شفاء العليل ص٥١.
(٢) شرح الطحاوية ص٤٩٤.
[ ٥٢٧ ]
هذه المسألة وغيرها "فإنهم يثبتون قدرة الله على جميع الموجودات من الأعيان والأفعال ومشيئته العامة، وينزهونه أن يكون في ملكه ما لا يقدر عليه ولا هو واقع تحت مشيئته، ويثبتون القدر السابق وأن العباد يعملون على ما قدره الله وقضاه وفرغ منه وأنهم لا يشاؤون إلا أن يشاء الله، ولا يفعلون إلا من بعد مشيئته وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولا تخصيص عندهم في هاتين القضيتين بوجه من الوجوه، والقدر عندهم قدرة الله - تعالى - وعلمه، ومشيئته وخلقه فلا تتحرك ذرة فما فوقها إلا بمشيئته وعلمه، وقدرته فهم المؤمنون "بلا حول ولا قوة إلا بالله" على الحقيقة إذا قالها غيرهم على المجاز إذ العالم علويه، وسفليه، وكل حي يفعل فعلًا فإن فعله بقوة فيه على الفعل وهو في حول من ترك إلى فعل ومن فعل إلى ترك، ومن فعل إلى فعل، وذلك كله بالله - تعالى - ويؤمنون بأن من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأنه هو الذي يجعل المسلم مسلمًا والكافر كافرًا والمصلي مصليًا والمتحرك متحركًا وهو الذي يسير عبده في البر والبحر وهو المسير والعبد السائر ويثبتون مع ذلك قدرة العبد وإرادته، واختياره وفعله حقيقة لا مجازًا وهم متفقون على أن الفعل غير المفعول فحركات العباد واعتقاداتهم أفعال لهم حقيقة وهي مفعولة لله - سبحانه - مخلوقة له حقيقة والذي قام بالرب ﷿ علمه وقدرته ومشيئته وتكوينه والذي قام بهم هو فعلهم وكسبهم وحركاتهم وسكناتهم فهم المسلمون المصلون القائمون القاعدون حقيقة، وهو - سبحانه - هو المقدر لهم على ذلك القادر عليه الذي شاءه منهم وخلقه لهم ومشيئتهم وفعلهم بعد مشيئته فما يشاؤون إلا أن يشاء الله، وما يفعلون إلا أن يشاء الله، وإذا قارن الإنسان بينه وبين المذاهب الأخرى وجد أنه المذهب الوسط السوي ووجد غيره من المذاهب خطوطًا عن يمينه وعن شماله فقريب منه، وبعيد"١.
_________________
(١) شفاء العليل ص٥٢.
[ ٥٢٨ ]
المبحث الرابع: ما يتعلق بالهداية والضلال
قبل أن نشرع في عرض الآيات المتعلقة بالهدى والضلال من سورة "الزمر: نذكر تعريف الهدى والضلال أولًا:
أما الهدى: فهو في الأصل مصدر كالسرى ومعناه: "الرشاد والدلالة ولو غير موصلة"١.
وجاء في النهاية لابن الأثير: "ومن أسمائه - تعالى - الهادي وهو الذي بصَّر عباده وعرَّفهم طرق معرفته حتى أقروا بربوبيته وهدي كل مخلوق إلى ما لا بد منه في بقائه ودوام وجوده وفي الحديث "الهدي الصالح والسمت الصالح جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة"٢ والمراد بالهدي هنا السيرة، والهيئة والطريقة، ومعنى الحديث: أن هذه الخلال من شمائل الأنبياء وخصالهم الحميدة وأنها معلوم من أجزاء أفعالهم لا أن المعنى أن النبوة تتجزأ. ولا أن من جمع هذه الخلال كان فيه جزءًا من النبوة، فإن النبوة غير مكتسبة ولا مجتلبة بالأسباب وإنما هي كرامة من الله تعالى" أ. هـ٣.
وأما تعريف الضلال: "فقد جاء في القاموس: الضلال والضلالة ضد الهدى"٤.
وفي اللسان: قال أبو منصور: "والإضلال في كلام العرب ضد الهداية والإرشاد يقال: أضللت فلانًا إذا وجهته للضلال عن الطريق وإياه أراد لبيد:
_________________
(١) لوامع الأنوار البهية ١/٥٠.
(٢) رواه أبو داود في سننه ٢/٥٤٨ من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) النهاية ٥/٢٥٣، لوامع الأنوار ١/٥٠.
(٤) القاموس ٤/٥.
[ ٥٢٩ ]
من هداه سبل الخير اهتدى ناعم البال ومن شاء أضل
قال لبيد هذا في جاهليته فوافق قوله التنزيل العزيز ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ " أ. هـ١.
وبعد تعريف الهدى والضلال نقول: إن الهدى والضلال هما لب أبواب القدر، وما يتعلق به من المسائل، فإن أعظم نعمه يقدرها الله تعالى للعبد هي نعمة الهداية وأعظم مصيبة يصاب بها الإنسان هي مصيبة الضلال وكل ما بالإنسان من نعمة هي دون نعمة الهداية، وكل مصيبة مهما كبرت وعظمت فهي دون مصيبة الضلال وقد أجمع الرسل عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى خاتمهم والكتب المنزلة عليهم - أن الباري سبحانه - يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأن من هداه الله فلا مضل له ومن أضله الله فلا هادي له، فالهداية والإضلال بيده - سبحانه - وأن العبد لا يملك من ذلك شيئًا٢ ونصوص الكتاب والسنة تقرر أن العبد هو الضال أو المهتدي، وقد دلت سورة "الزمر" في عدد من آياتها على أن الهداية والإضلال فعل الله والإهتداء والضلال فعل العبد وكسبه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ .
_________________
(١) اللسان ١١/٣٩١، والآية رقم ٨ من سورة فاطر.
(٢) انظر شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر لابن القيم ص٦٥ بتصرف.
[ ٥٣٠ ]
هذه سبع آيات من السورة دلت على أن الهداية والإضلال بيد الله، وأن الله تعالى هو الهادي والعبد هو المهتدي.
فالآية الأولى: وهي قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ففيها الإخبار من الله - جل وعلا - بأنه لا يوفق للهداية إلى صراطه المستقيم من صفته الكذب والكفر بحيث تصل إليه المواعظ والآيات البينات ولا يزول عنه ما اتصف به من الصفات التي تحول بينه وبين الهداية حيث يرى الآيات فيجحدها ويكفر بها ويكذب فمثل هذا أنى له الهدى وقد أغلق على نفسه الباب فعاقبه الله بالطبع على قلبه فصار ليس أهلًا للهداية.
قال ابن جرير ﵀ تعالى - "يقول تعالى ذكره ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي﴾ إلى الحق ودينه الإسلام والإقرار بوحدانيته فيوفقه له ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ مفتر على الله يتقول عليه الباطل، ويضيف إليه ما ليس من صفته يزعم أن له ولدًا افتراءًا عليه كفار لنعمه جحود لربوبيته" أ. هـ١.
وقال الرازي: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ والمراد أن من أصر على الكذب والكفر بقي محرومًا عن الهداية" أ. هـ٢.
وأما الآية الثانية: وهي قوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ هذه الآية بينت بأن من فسح الله قلبه لمعرفته والإقرار بوحدانيته والإذعان لربوبيته، والخضوع لطاعته، فهو على بصيرة مما هو عليه ويقين بتنوير الحق في قلبه، فهو لذلك لأمر الله متبع، وعما نهاه عنه منته فيما يرضيه، ومن كان كذلك لا يستوي هو ومن أقسى الله قلبه وأخلاه من ذكره وضيقه عن استماع الحق، واتباع الهدى، والعمل بالصواب فبين هذا والذي قبله فرق عظيم، وتفاوت كبير إذ الذين قست قلوبهم عن ذكر الله في ضلال واضح بين عن الحق. قال مجاهد: "ليس المنشرح صدره مثل القاسي قلبه"٣.
وأما الآية الثالثة: وهي قوله: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ الآية. فهذه
_________________
(١) جامع البيان ٢٣/١٩٢.
(٢) التفسير الكبير ٢٦/١٩٢.
(٣) جامع البيان ٢٣/٢٠٩.
[ ٥٣١ ]
الآية بين الله - تعالى - فيها أن التأثير الحاصل لعباده المؤمنين عند سماعهم القرآن من اقشعرار جلودهم ولين قلوبهم إنما هو هدى من يهدي به من يشاء من عباده وهو من جملة فضل الله وإحسانه عليهم.
فالقرآن طريق موصل إلى الله - تعالى - يهدي به من يشاء من عباده وهم الذين صلحت أعمالهم وحسنت مقاصدهم كما قال ﷿ ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ ١، فلا سبيل إلى الله إلاَّ بتوفيقه، والتوفيق للإقبال على كتابه فإذا لم يحصل للعباد ذلك فلا وصول إلى الهدى، وما هو إلا الضلال المبين والشقاء الأليم.
قال ابن جرير ﵀ تعالى - ﴿ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ يقول تعالى ذكره "هذا الذي يصيب هؤلاء القوم الذين وصفت صفتهم عند سماعهم القرآن من اقشعرار جلودهم، ثم لينها ولين قلوبهم إلى ذكر الله من بعد ذلك وهدى الله يعني: توفيق الله إياهم ووفقهم له ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ يقول: يهدي ﵎ بالقرآن من يشاء من عباده، إلى أن قال وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن يخذله الله عن الإيمان بهذا القرآن والتصديق بما فيه، فيضله عنه ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ يقول: فما له من موفق له ومسدد يسدده في اتباعه" أ. هـ٢.
وأما الآية الرابعة: وهي قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ففيها توضيح أن من أضله الله لم يكن لأحد سبيل إلى هدايته ورده من الكفر إلى الإيمان.
قال القرطبي: " ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أي من خذله الله فلا مرشد له وهو يرد على القدرية"٣.
وأما الآية الخامسة: وهي قوله: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ ﴾ الآية. بين الله - تعالى - فيها أن من هداه ووفقه للرشاد فليس لأحد طريق إلى إضلاله.
قال الطبري: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ ﴾ يقول: "ومن يوفقه الله
_________________
(١) سورة المائدة آية:١٦.
(٢) جامع البيان ٢٣/٢١١.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٥٠.
[ ٥٣٢ ]
للإيمان به والعمل بكتابه ﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ يقول: فما له من مزيغ يزيغه عن الحق الذي هو عليه إلى الإرتداد إلى الكفر" أ. هـ١.
وقال الشوكاني: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ ﴾ "يخرجه من الهداية ويوقعه في الضلال" أ. هـ٢.
وأما الآية السادسة: وهي قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ الآية. هذه الآية فيها إخبار من الله تعالى بأن من اهتدى بالقرآن وعمل بما فيه واتبعه فإن نفع ذلك عائد إلى نفسه ومن ضل بعد أن اتضح له الهدى فإن ضرر ذلك عائد عليه ولا يضر الله شيئًا.
وأما الآية السابعة: وهي قوله: حكاية عن الكافر الذي يتأسف على نفسه يوم القيامة حيث جانب طريق الهدى بعدم أخذه بأسباب الهداية والإيمان بالرسل. ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ففي هذه الآية مشهد لحال النفس التي فرطت في جنب الله أي في جانب حقه فلم تمتثل أمر الله، ولم تكن أطاعته حق الطاعة أنها تتمنى لو أن الله هداها ووفقها للرشاد فتكون مع عباد الله المتقين فتسلم من العقاب، وتظفر بالثواب، ولكن هيهات لعدم نفع هذا التمني الكاذب حيث أضاعت الفرصة في المكان الذي كان لها القدرة في الأخذ بأسباب الهدى فتكون من المهتدين، ومع عباد الله المتقين ولكن هذا التمني والتأسف وقع بعد فوات الأوان.
وكما نرى أن هذه الآيات السبع المتقدمة كلها وردت في هداية التوفيق والإلهام وخلق المشيئة المستلزمة للفعل. كما أوضحت أن الهداية والإضلال فعل الله والإهتداء والضلال فعل العبد وكسبه.
وقد وردت آيات كثيرة في معنى الآيات السابقة في سور أخرى من القرآن، قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٣.
دلت هذه الآية على أنه لا سبيل إلى وجود الهداية للعبد إلا بعد هداية الله له فإذا وفقه
_________________
(١) جامع البيان ٢٤/٦.
(٢) فتح القدير ٤/٢٦٥.
(٣) سورة الأعراف آية:٧٨.
[ ٥٣٣ ]
الله للهدى كان من المهتدين. قال العلامة ابن القيم: "ولا سبيل إلى وجود الأثر إلا بمؤثره التام فإن لم يحصل فعله لم يحصل فعل العبد ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ ١ وهذا صريح في أن هذا الهدى ليس له ﷺ ولو حرص عليه ولا إلى أحد غير الله وأن الله - سبحانه - إذا أضل عبدًا لم يكن لأحد سبيل إلى هدايته" أ. هـ٢. وقال تعالى: ﴿مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هَادِيَ لَهُ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ ٥ وقال تعالى عن أهل الجنة ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾ ٦ ولم يقصدوا أن بعض الهدى من الله وبعضه منهم بل نسبوا الهدى كله لله ولولا أنه هداهم لما اهتدوا. وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ ٧ ففي هذه الآية التصريح بأن مشيئة الله تعالى في الهداية والضلال مطلقة لا يسأل عما يفعل ولكنه تعالى عدل فحاشاه أن يضل من يستحق الهداية، وحاشاه أن يهدي من يستحق الضلال فقد نزه نفسه عن ذلك فقال: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ٨ وقال - جل ثناؤه - ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ٩ بقي أن نعرف من هم الذين يشاء الله هدايتهم؟ ومن هم الذين يشاء الله ضلالهم؟ الذين يشاء الله هدايتهم هم الذين فتحوا قلوبهم للهدى وعقولهم للحق وأقبلوا على كتابه صادقين وانقادوا لأوامره طائعين فهؤلاء لهم العون من الله على الهداية ويوفقهم لطلبها والإقبال عليها، ويزيدهم إيمانًا وهدى، وعن هذه الفئة قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ١٠ وقال تعالى
_________________
(١) سورة النحل آية:٣٧.
(٢) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر ص٨١.
(٣) سورة الأنعام آية:٣٩.
(٤) سورة الأعراف آية:١٨٦.
(٥) سورة فاطر آية:٨.
(٦) سورة الأعراف آية:٤٣.
(٧) سورة المدثر آية:٣١.
(٨) سورة النساء آية:٤٠.
(٩) سورة فصلت آية:٤٦.
(١٠) سورة محمد آية:١٧.
[ ٥٣٤ ]
في شأن أهل الكهف ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ ١ وأما الذين يشاء الله ضلالهم فهم الذين حادوا عن الحق وأعرضوا عن الهدى وسدوا عن أنفسهم جميع المنافذ التي توصلهم إلى الإيمان بالله والتزام دين الإسلام فلم يكن عندهم أي استعداد لأن يتقبلوا هدى الله الذي أنزله على رسله فهم كما قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٢ وقد أخبر تعالى بأن من جحده أو كفر بدينه فإنه لا يهديه. قال تعالى: ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ٣. وأخبر بأن من فسق في حياته وخرج عن طاعة ربه فإنه لا يهديه قال تعالى: ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ٤ وأخبر بأنه لا يهدي القوم الظالمين قال تعالى: ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٥ وقال تعالى عن الفريقين معًا فريق الهداية، وفريق الضلالة ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ﴾ ٦.
ومما يجب أن يعلم أن الله تعالى إنما يضل من يضل من خلقه إنما يكون ذلك بعد العذر إليهم بتبيين طرق الهدى ويمنحهم القدرة الكفاية التي تمكنهم من السير عليها فإذا قدم العبد - بعد العلم - الضلال على الهدى ولاه الله ما تولى وكان ذلك بمحض عدله سبحانه لا ظلم فيه قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ ٧ والذي يؤثر طلب الهداية والرغبة فيها ويأخذ بالأسباب التي توصله إليها فإنه سيجد من الله عونًا على تحصيلها وتحقيقها وذلك من رحمة الله لعباده وفضله عليهم، ومن يؤثر الضلالة ويرغب فيها ويسعى جاهدًا في طلبها ويعمل بالأسباب التي توصله إليها تمت له فلم يجد من الله تعالى صارفًا عنها وهذا من عدل الله في عباده وحسن تدبيره لهم.
وإذا عرفنا ذلك فليس لعبد من عباد الله أن يعترض على الله ويقول إذا كان الله يضل ويهدي فليس للعبد حرية الإختيار. فالواقع أن الهداية والإضلال نتائج لمقدمات ومسببات
_________________
(١) سورة الكهف آية:١٣.
(٢) سورة البقرة آية:١٧١.
(٣) سورة البقرة آية:٢٦٤.
(٤) سورة المائدة آية:١٠٨.
(٥) سورة آل عمران آية:٨٦.
(٦) سورة البقرة آية:٢٦.
(٧) سورة التوبة آية:١١٥.
[ ٥٣٥ ]
لأسباب كما تقدم ذلك في الآيات التي قدمنا ذكرها حيث تبين لنا أن الهداية إنما هي ثمرة العمل الصالح والإقبال على منهج الله تعالى، والضلال إنما هو نتائج العمل القبيح السيئ وإذا رجعنا إلى الآيات القرآنية نجد هذا المعنى بينًا واضحًا لا التباس فيه ولا إشكال.
قال تعالى: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ٢ فالهداية الحاصلة للمؤمنين إنما هي ثمرة مجاهدتهم لأنفسهم وإنابتهم إلى الله واستمساكهم بإرشاده ووحيه. قال تعالى في شأن الإضلال ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ ٥.
فالذي نشاهده من خلال هذه الآيات أن سبب الإضلال هو الزيغ والخروج عن طاعة الله والكبر، والجبروت، والكفر، واقتراف الآثام، فالذي يؤثر العمى على الهدى ويستحب الظلام على النور يعاقب من الله بعمى البصيرة بمقتضى السنة الجارية وهي ارتباط الأسباب بمسبباتها. والمقدمات بنتائجها.
مراتب الهداية:
إن للهداية التي هي أعظم نعمة ينالها العبد أربع مراتب:
المرتبة الأولى: الهداية العامة المشتركة بين الخلق أجمعين وقد ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ ٦ أي: أعطى كل شيء صورته التي لا يشتبه فيها بغيره، وأعطى كل عضو شكله وهيأته، وأعطى كل موجود خلقه المختص به، ثم هداه إلى ما خلقه له من الأعمال، وهذه الهداية تعم هداية الحيوان المتحرك بإرادته إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره وهداية الجماد المسخر لما خلقه الله، فله هداية تليق به. كما أن لكل نوع من الحيوان هداية تليق به، وإن اختلفت أنواعها وضروبها، وكذلك لكل
_________________
(١) سورة الرعد آية:٢٧.
(٢) سورة العنكبوت آية:٦٩.
(٣) سورة غافر آية:٣٥.
(٤) سورة الصف آية:٥.
(٥) سورة النساء آية:١٥٥.
(٦) سورة طه آية:٥٠.
[ ٥٣٦ ]
عضو هداية تليق به، فالرجلان للمشي، واليدان للبطش والعمل، واللسان للكلام، والأذن للاستماع، والعين لكشف المرئيات، وكل عضو لما خلق له، وهدى الزوجين من كل حيوان للإزدواج والتناسل، وتربية الولد، وهدى الولد إلى التقام الثدي عند وضعه وطلبه، وجزئيات هذه الهداية لمخلوقات الله تعالى لا يحصيها إلا هو - سبحانه ـ.
المرتبة الثانية: هداية البيان والدلالة والتعريف لنجديْ الخير والشر وطريقي الهلاك والنجاة وهذه لا تستلزم الهدى التام فإنها سبب وشرط، وذلك لا يستلزم حصول المشروط والمسبب بل قد يتخلف عنه المقتضي، إما لعدم كمال السبب، أو لوجود مانع، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ ١ قال قتادة: في قوله ﷿ " ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي: بينا لهم طريق الهدى وطريق الضلالة فاستحبوا أي: آثروا الضلالة على الهدى"٢. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ ٣ فهداهم هدي الدلالة والبيان فلم يهتدوا فأضلهم عقوبة لهم على ترك الإهتداء أولًا بعد أن عرفوا الهدى فأعرضوا عنه فأعماهم عنه بعد أن أراهموه وهذا شأنه - سبحانه - في كل من أنعم عليه بنعمة، فكفرها فإنه يسلبه إياها بعد أن كانت نصيبه وحظه كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ٤ وقال تعالى عن قوم فرعون ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ٥ أي: جحدوا بآياتنا بعد أن تيقنوا صحتها. وقال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٦.
وهذه الهداية هي التي أثبتها الله لرسوله ﷺ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٧ ونفى عنه ملك الهداية الموجبة وهي هداية التوفيق والإلهام بقوله
_________________
(١) سورة فصلت آية:٥٠.
(٢) جامع البيان ٢٤/١٠٤، زاد المسير ٧/٢٤٨ - ٢٤٩، لسان العرب ١٥/٣٥٤.
(٣) سورة التوبة آية:١١٥.
(٤) سورة الأنفال آية:٥٣.
(٥) سورة النمل آية:١٤.
(٦) سورة آل عمران آية:٨٦.
(٧) سورة الشورى آية:٥٢.
[ ٥٣٧ ]
تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ١ فالرسول ﷺ بعثه الله داعيًا ومبلغًا ولا يملك من الهداية شيئًا سوى هداية الدلالة والبيان وخلق الله إبليس مزينًا ومغويًا، وليس له القدرة على إضلال أحد من البشر إذ الهدى والضلال بيده - سبحانه - وقال تعالى: ﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢ فجمع - سبحانه - بين الهدايتين العامة والخاصة، فعم بالدعوة حجة مشيئة وعدلًا، وخص بالهداية نعمة مشيئة وفضلًا، وهذه المرتبة أخص من التي قبلها فإنها هداية تخص المكلفين وهي حجة الله على خلقه التي لا يعذب أحدًا إلا بعد إقامتها عليه قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ٣ وقد يقول قائل: كيف تقوم حجة الله عليهم وقد منعهم من الهدى وحال بينهم وبينه؟ ويجاب على هذا أن حجة الله قائمة عليهم بتخليته بينهم وبين الهدى، وبيان الرسل لهم وإراءتهم الصراط المستقيم حتى كأنهم يشاهدونه عيانًا، ونصب لهم أسباب الهداية ظاهرًا وباطنًا، ولم يحل بينهم وبين تلك الأسباب، ومن حال بينه وبينها منهم بزوال عقل، أو صغر لا تمييز معه، أو كونه في ناحية من الأرض لم تبلغه دعوة الرسل فإنه - سبحانه - لا يعذبه حتى يقيم عليه حجته فهو - سبحانه - لم يمنعهم من هذا الهدى، ولم يحل بينهم وبينه، ولكنه - سبحانه - قطع عنهم توفيقه ولم يرد من نفسه إعانتهم، والإقبال بقلوبهم إليه فلم يحل بينهم، وبين ما هو مقدور لهم، وإن حال بينهم وبين ما لا يقدرون عليه، وهو فعله ومشيئته وتوفيقه فهذا غير مقدور لهم وهو الذي منعوه وحيل بينهم وبينه فليتنبه لهذا ليزول الإشكال.
المرتبة الثالثة من مراتب الهداية: هداية التوفيق والإلهام وخلق المشيئة المستلزمة للفعل وهذه المرتبة أخص من التي قبلها وهي التي ضل فيها جهال القدرية بالتأويل الفاسد فقد زعموا: أن المراد من الضلال والهدى هو تسمية الله العبد مهتديًا وضالًا فجعلوا هداه، وإضلاله مجرد تسمية العبد بذلك٤ وسنبين بطلان هذا قريبًا بعد ذكر الآيات الدالة على هذه المرتبة. وأما الجبرية: فقد ظلموا القدرية، ولم ينصفوهم بل ظلموا أنفسهم بإنكار
_________________
(١) سورة القصص آية:٥٦.
(٢) سورة يونس آية:٢٥.
(٣) سورة الإسراء آية:١٥.
(٤) انظر مقالات الإسلاميين ١/٣٢٤ - ٣٢٥، شفاء العليل ص٨٢.
[ ٥٣٨ ]
الأسباب والقوى وإنكارهم فعل العبد وقدرته، وأن يكون له تأثير في الفعل البتة فلم يهتدوا لقول القدرية، بل ازدادوا ضلالًا على ضلالهم وجمودًا على ما هم عليه من الباطل١.
وهداية التوفيق والإلهام وخلق المشيئة المستلزمة للفعل تتضمن أمرين:
أحدها - فعل - الرب تعالى - وهو الهدى:
الثاني: فعل العبد وهو الاهتداء وهو أثر فعل الباري - سبحانه - فهو الهادي والعبد هو المهتدي.
قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٢ وقد أمر - سبحانه - عباده جميعهم بأن يسألوه هدايتهم الصراط المستقيم في كل يوم وليلة في الصلوات الخمس المفروضة، وذلك يتضمن الهداية إلى الصراط والهداية فيه، كما أن الضلال نوعان: ضلال عن الصراط فلا يهتدي إليه، وضلال فيه، فالأول ضلال عن معرفته، والثاني ضلال عن تفاصيله، أو بعضها٣ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "والعبد مضطر دائمًا إلى أن يهديه الله الصراط المستقيم فهو مضطر إلى مقصود هذا الدعاء فإنه لا نجاة من العذاب ولا وصول إلى السعادة إلا بهذه الهداية فمن فاته فهو إما من المغضوب عليهم، وإما من الضالين وهذا الهدى لا يحصل إلا بهدي الله، وهذه الآية٤ مما يبين فساد مذهب القدرية"٥.
وهذه المرتبة دل عليها الكثير من آيات القرآن كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٦ وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ ٧ فالآيتان دلتا على أن هداية الإلهام والتوفيق وخلق الهداية في القلب ليس إليه ﷺ ولا إلى أحد غيره، وإنما ذلك لله وحده.
_________________
(١) الملل والنحل ١/٨٥ - ٨٦ شفاء العليل ص٨٠، لوامع الأنوار ١/٩٠ - ٩١.
(٢) سورة الأعراف آية:١٧٨.
(٣) شفاء العليل ص٨١.
(٤) يشير إلى قوله تعالى في سورة الفاتحة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ .
(٥) مجموع الفتاوى ١٤/٣٧، وانظر دقائق التفسير ١/٢٠٩، شفاء العليل ص٨١.
(٦) سورة القصص آية:٥٦.
(٧) سورة النحل آية:٣٧.
[ ٥٣٩ ]
وأما تأويل القدرية: بأن المراد من الهدى والضلال هو: "تسمية الله العبد مهتديًا وضالًا" فهذا تأويل فاسد أنكره عليهم سلف الأمة وأئمتها في كل مكان، وفي كل عصر، وبينوا أن قولهم هذا ليس له أساس، وإنما بنوه على تُرَّهاتهم الفاسدة وتأويلاتهم الباطلة. لا يصح حمل آيات الهدى والضلال على هذا المعنى وتأويلهم ذلك باطل من وجوه:
الوجه الأول: أننا إذا تأملنا آيات الهدى والضلال وجدناها لا تحتمل تأويلهم ذلك إذ أنه ليس في أي لغة من اللغات فضلًا عن اللغة الفصحى التي نزل بها القرآن أن هداه بمعنى سماه مهتديًا وأضله سماه ضالًا، ولا يصح أن يقال: علَّمه إذا سماه عالمًا، وفهمه إذا سماه فهمًا، وكيف يصح هذا في مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ١؟ فهل فهم أحد غير القدرية المحرفة للقرآن من هذا "ليس عليك تسميتهم ولكن الله يسمي من يشاء مهتديًا"؟ وهل فهم أحد غيرهم ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ إنك لا تهدي من أحببت لا تسميه مهتديًا ولكن الله يسميه بهذا الإسم - سبحانك - هذا بهتان عظيم وقوله على الشارع بغير علم.
الوجه الثاني: عليهم أن يبينوا صلاحية اللفظ للمعنى الذي ذكروه أولًا: واستعمال المتكلم له في ذلك المعنى، في أكثر المواضع حتى إذا استعمله فيما يحتمل غيره حمل على ما عهد منه استعماله فيه.
الوجه الثالث: "عليهم أن يقيموا دليلًا سالمًا عن المعارض على الموجب لصرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه واستعارته وإلا كان ذلك منهم مجرد دعوى لا تقبل منهم"٢.
وتأول بعضهم نصوص الهداية على أن المراد بها هداية البيان والتعريف لا خلق الهدى في القلب، فإنه - سبحانه - لا يقدر على ذلك عند هذه الطائفة الزائفة"٣.
قال محمد بن أحمد السفاريني: "تنبيه المشهور عند المعتزلة ومن مذهبهم أن
_________________
(١) سورة البقرة آية:٢٧٢.
(٢) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر ص٨٢ - ٨٣.
(٣) المصدر السابق ص٨٣.
[ ٥٤٠ ]
الهداية هي الدلالة الموصلة إلى المطلوب فإن لم تكن موصلة إلى المطلوب فليست بهداية عندهم"١.
ويرد عليهم في هذا التأويل: أن الله تعالى قد أخبر أنه قسم الهداية إلى قسمين:
قسم: لا يقدر عليه إلا هو ﷾.
وقسم: مقدور للعبد قال تعالى في القسم المقدور لعبده ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢ وقال تعالى في القسم غير المقدور للعبد ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ ٤ فحمل هذا على هداية الدعوة والبيان لا يصح وغير سائغ فإن هذا يهدي وإن أضله الله بالدعوة والبيان وكذا قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ﴾ ٥ فهل يجوز حمله على معنى فمن يدعوه إلى الهدى ويبين له ما تقوم به حجة الله عليه، وكيف يصنع هؤلاء القدرية بالنصوص التي فيها أنه - سبحانه - هو الذي أضلهم؟ أيجوز لهم حملها على أنه دعاهم إلى الضلال؟ لا شك أنهم يقولون ليس هذا معناه ولكنهم لما وجدوا أنفسهم لا يستقيم لهم دليل على دعواهم جنحوا إلى تحريفات أخرى.
فقالوا: إنما معناها ألفاهم، ووجدهم، كذلك، أو أعلم ملائكته ورسله بضلالهم، أو جعله على قلوبهم علامة يعرف الملائكة بها أنهم ضلال" ويرد على هذه التحريفات من وجوه:
الوجه الأول: أن اللغة لا تحتمل ذلك، وأن النصوص إذا تأملها المتأمل وجدها أبعد شيء من هذا المعنى.
الوجه الثاني: أما قولهم إنه علمهم بعلامة يعرفهم بها الملائكة فهذا من جنايتهم على كتاب الله تعالى ففي أي لغة وفي أي لسان يدل قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ على معنى إنك لا تعلمه بعلامة ولكن الله هو الذي يعلمه بها؟
_________________
(١) لوامع الأنوار ١/٣٣٥.
(٢) سورة الشورى آية:٥٢.
(٣) سورة القصص آية:٥٦.
(٤) سورة النحل آية:٣٧.
(٥) سورة الجاثية آية:٢٣.
[ ٥٤١ ]
وفي أي لغة يفهم من قول الداعي ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ١ علِّمنا بعلامة يعرف الملائكة بها أننا مهتدون؟ وفي أي لغة يكون معنى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ ٢ علمناها بعلامة أو وجدناها كذلك؟
الوجه الثالث: يقال لهم في أي لسان وفي أي لغة؟ وجدتم هديت الرجل إذا وجدته مهتديًا وختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة وجده كذلك، فهل هذا إلا من الإفتراء المحض ومن الجناية على القرآن واللغة لم يجنها غيركم، ولما يدركوا أن تأويلاتهم الفاسدة لم تساعدهم على ما يريدون وتضمحل أمام مناقشة أهل الحق لها يجنحون إلى مراوغة أخرى فيقولون: نحن لم نقل هذا إلا في نحو أضله الله أي: وجده ضالًا كما يقال: أحمدت الرجل، وأبخلته وأجننته إذا وجدته كذلك، أو نسبته إليه.
ويرد على تحريفهم هذا بأنه لم يرد إلا في ألفاظ معدودة نادرة وإلا فوضع هذا البناء على أنك فعلت ذلك به ولا سيما إذا كانت الهمزة للتعدية من الثلاثي كقام وأقمته لم نجد فيها لفظًا واحدًا معناه أنه وجده كذلك تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا ثم إذا نظرنا لم نجد أحدًا من الأولين والآخرين من أهل اللغة يقول: إن العرب وضعت أضله الله وهداه وختم على سمعه وقلبه، وأزاغ قلبه، وصرفه عن طاعته ونحو ذلك لمعنى وجده كذلك ولكن الله - سبحانه - لما أراد الإبانة عن هذا المعنى قال: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى﴾ ٣ ولم يقل وأضلك.
الوجه الرابع: يقال لهم أي مدح؟ وأي توحيد؟ وتعريف للخلق بأن الأمر كله لله وبيده، وأنه ليس لأحد من أمره شيء في مجرد التسمية والعلامة ومصادفة - الرب تعالى - عباده كذلك، ووجوده لهم على هذه الصفات من غير أن يكون له فيها صنع، أو خلق، أو مشيئة، إذ البشر كلهم لا يعجزون عن التسمية والمصادفة والوجود فيا عجبًا لهذا الهراء الذي لا مدح فيه ولا ثناء لرب العالمين"٤ ففي الحقيقة أن القدرية والجبرية لم يقدروا الله حق قدره بل هم هلكى فيما يجب لله من التعظيم والتنزيه، ولذلك أبغضهم أتباع رسول الله ﷺ وبينوا ما هم عليه من المنكر الواضح ومن الاعتقاد الفاسد.
_________________
(١) سورة الفاتحة آية: ٦.
(٢) سورة المائدة آية: ١٣.
(٣) سورة الضحى آية: ٧.
(٤) شفاء العليل ص٨٣ - ٨٤ بتصرف.
[ ٥٤٢ ]
روى أبو بكر محمد بن الحسين الآجري بإسناده إلى عبد الله بن الحارث قال: "خطب عمر بن الخطاب بالجابية١ فحمد الله وأثنى عليه وعنده جاثليق٢ يترجم له ما يقول عمر فقال: من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، فنفض جبينه كالمنكر لما يقول: قال عمر ما يقول؟ قالوا: يا أمير المؤمنين يزعم أن الله لا يضل أحدًا قال عمر: كذبت أي عدو الله بل الله خلقك، وقد أضلك، ثم يدخلك الله النار أما والله لولا عهد لك لضربت عنقك إن الله ﷿ خلق أهل الجنة وما هم عاملون وخلق أهل النار وما هم عاملون فقال هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه قال فتفرق الناس وما يختلفون في القدر"٣.
المرتبة الرابعة: من مراتب الهداية: غاية هذه الهداية وهي الهداية إلى الجنة والنار إذا سيق أهلهما إليهما. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ ٤.
وقال تعالى عن أهل النار ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ ٥.
والذي نخلص إليه مما تقدم أن الهدى والإضلال بيد الله تعالى وأن العباد لا يملكون من ذلك شيئًا، وأن الله تعالى يمنحها من طلبها بإخلاص، وأخذ بالأسباب التي توصله إليها، وأسباب الهداية في مقدور كل امرئ أن يأخذ بها حتى يكون من المهتدين، أما من أعرض عنها وأبى إلا أن ينحرف عن طريق الهدى فهذا يكون نصيبه الغواية والضلال وهذا من فعل العبد وكسبه، فالهداية والإضلال فعل الله، والإهتداء والضلال فعل العبد وكسبه.
_________________
(١) الجابية: مدينة بالشام انظر معجم البلدان ٢/٩١، وانظر مختار الصحاح ص٩٢.
(٢) الجاثليق: جمعه جثالقة وهو متقدم الأساقفة انظر المنجد في اللغة والأعلام ص٧٩.
(٣) الشريعة للآجري ص٢٠٠ - ٢٠١.
(٤) سورة يونس آية: ٩.
(٥) انظر أنواع الهداية في "شفاء العليل" ص٦٥ - ٨٤، بدائع الفوائد ٢/٣٥ - ٣٧، فتح الباري ١١/٥١٥، لوامع الأنوار البهية /٣٣٤ - ٣٣٥، والآيتان رقم ٢٢، ٢٣ من سورة الصافات.
[ ٥٤٣ ]