[القرآن مصدر الأدلة النقلية والعقلية]
قواعد مهمة في دراسة مسائل العقيدة يتضح للمهتمين بكتب السلف في أصول الدين، والذين لهم تمرس بها، منهج أئمة السلف - ﵏ - في دراسة مسائل العقيدة، ومناقشات المخالفين والرد عليهم، وقد رأيت مناسبة ختم هذه الرسالة بإِيراد أهم القواعد والأسس في ذلك المنهج، وهي منقولة من مقدمة كتاب " شرح العقيدة الطحاوية " لابن أبي العز (١) أرجو أن يكون فيها فائدة للمهتمين بهذا الموضوع.
١ - القرآن مصدر الأدلة النقلية والعقلية: تَضَمَّن القرآن الدعوةَ إِلى توحيد الله، وبَثَّ في الأنفس والآفاق دلائل التوحيد، ولَفَتَ نَظَرَ الإِنسان إليها، وحَثَّه على النظرِ والتفكير فيها، وبَيَّنَ بالبراهين العقلية إثباتَ صفاته، وصدقَ رُسُلِه، وأمْرَ المعاد، وغيرَ ذلك من أصول الدين، وأجاب عن مُعارضَةِ المشركين، وكَشَفَ شُبَهَهُم،
_________________
(١) " شرح العقيدة الطحاوية " ص (١٤ - ٣٤) الطبعة الأولى (١٠٤٨ هـ)، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، والشيخ شعيب الأرنؤوط.
[ ١٣١ ]
ونَقَضَ أقوالهم، وفَنَّد مزاعمهم.
وهذه الأدلة شرعيةٌ، لأن الشرعَ دلَّ عليها، وأرشد إليها.
وعقليةٌ، لأنها تُعْلَمُ صحتُها بالعقل.
فإِذا أخبر الله بالشيء، ودَلَّ عليه بالدلالات العقلية، صار مدلولًا عليه بخبره، ومدلولًا عليه بالدليل العقلي الذي يُعْلَمُ به، فيصير ثابتًا بالسمع والعقل، وكلاهما دَاخِلٌ في دلالةِ القرآن التي تُسمى الدلالةَ الشرعية.
ونقدُ السلف لعلم الكلام، لم يصدر عن انتقادهم المنهج العقلي، ولكنَّهم فَضَّلُوا المقاييس الشرعية، لأنها عقلية أيضًا، وهي أبلغُ وأكملُ من أدلة المتكلمين، مع تنزهها عن الأغاليط التي تشتمل عليها أدلتهم.
وقد جاءت هذه الأدلةُ بأسلوبٍ باهر متدفِّقٍ بالحيوية، وضربِ الأمثلة المستمدة من حياةِ الإِنسان، وما يُحيط به مهما اختلف جنسُه، أو بيئتُه، أو عصرُه، فهي أبلغُ من كل أُسلوبٍ، وأشدُّ تأثيرًا في النفس من أيِّ أسلوب آخر، وفيها مجالٌ واسعٌ للعقل يقضي فيها رغبتَه، ويُشْبعُ نهمتَه، مع
[ ١٣٢ ]
ضمانِ السير في المسارِ الصحيح دونَ تعثر أو انحِرَاف.
وقد أعَدَّ الله العقولَ بصفة عامة لإِدراك ما هو مطلوب شرعا، وأعدّ لها ما يُسدِّدُها فيه من الفطرة التي لم تُفْسِدْهَا الأهواء، والآياتِ الظاهرِة في الأنْفُسِ والآفاقِ، ثم أكمل بالشرع المتمثِّلِ بالكتاب وناطقِ السنة.
وقد اكتفى السلفُ الصالحُ بالقرآن الكريم إِلى جانب السنة في اتخاذه دليلًا وهاديا، وقد استنبطوا من آياته قواعدَ النظر العقلي، فكانوا من أقدر الناس على توضيح مسائل الاعتقاد، وتوثيقها بالحجة والبرهان والإِجابة عن كل تساؤل أو تشكيك في الاعتقاد.
[اتباع السلف الصالح في تفسير النصوص]
٢ - اتباع السلف الصالح في تفسير النصوص: ونعني بالسلف الصالح، الصحابةَ والتابعين مِنْ أهل القرون الثلاثة الممتدحة الذين يَتقيَّدونَ بالكتاب والسنةِ نصا ورُوحًا، دُونَ مَنْ وصف بالبدعة، كالخوارج، والقدرية، والمعتزلة، وغيرهم منَ الفِرَق.
وإِنما يُؤخذُ برأيهم، ويُعتَدُّ به، لكونهم أبَرَّ قلوبًا، وأعمقَ علمًا، وأقل تكلّفًا، وأقربَ إِلى التوفيق، لما
[ ١٣٣ ]
خَصَّهم الله به من توقّدِ الأذهانِ، وسَعَةِ العلم، وقوةِ الإِدراك، وحسنِ القصدِ، وتَقوى الله، وقُرب العهد بنور النبَّوِة، فكانت طريقتُهم لذلك، هي الطريقة المحمودة، وطريقة غيرهم لا تُساويهم، ولا تدنو منهم.
[الإيمان بمسائل الغيب محصور في الخبر الصادق]
٣ - الإيمان بمسائل الغيب محصور في الخبر الصادق: إِن المسائل التي لا يتناوَلها الحِسّ، ولا مَحَلَّ فيها للتَّجربَةِ، وليس ثمة مقدماتٌ عقلية يَصِلُ بها العقل إِلى معرفة واقعها، كمسائل الغيب، يَنحصِر مَصدَرُ العلم بها في خصوص الخبر الصادق المؤيَّد بالمعجزات الواصِلِ إِلى الناس مِن عالِمِ الغيب، ومُبْدع الأكوان والمخلوقات.
فما أخبرَ الله عنه أو رسولُه من شؤون الغيب، نؤمِنُ به على القدر الذي أخبرَ الله به أو رسولُه دونَ صرفِ اللفظ عن معناه، ودونَ زيادة عمَّا تضمَّنَهُ الخبرُ الصادق، ودونَ استبعاد أو إِنكارٍ.
وَمِن التكلّفِ المنهيِّ عنه، البحثُ في أمور غيبية وَرَدَ الشرعُ بالإِيمانِ بها مع تَرك كيفيتِها. ومنها ما لا يكونُ له شاهد في عالم الحس، كالسؤال عن وقت الساعة، وعن
[ ١٣٤ ]
الروح، وعن مُدَّةِ هذه الأمة، إِلى أمثال ذلك مما لا يُعلمُ إِلا بالنقل الصِّرف، فهذا النوع يجبُ الإِيمانُ به من غير بحثٍ.
[تقسيم التوحيد إلى توحيد الرُّبوبية وتوحيد الألوهية ووجوب التّصديق بها]
٤ - تقسيم التوحيد إلى توحيد الرُّبوبية، وتوحيد الألوهية، ووجوب التّصديق بها: التوحيدُ عند السلف نوعان:
الأول: توحيدُ الربوبية: وهو الاعتقادُ بأن ربَّ العالَم وخالقه واحدٌ وليس اثنين، وهو الربّ سبحانه الذي جُبلت الفِطَرُ السليمةُ على الإِقرار به، والخضوع له، والإِيمان بما له من الأسماء والصفات على وفق ما جاء في الكتاب والسنّة، فتوحيد الأسماء والصفات داخل في توحيد الربوبية عند الإِجمال، وأما عند التفصيل فيكون قسمًا ثالثًا، خصوصًا إِذا قصد الرد على من يُقر بالربوبية وينكر الصفات، كالجهميَّة والمعتزلة.
الثاني: توحيد الألوهية: ومعناه: أن يُعبَدَ الله وحدَه، ويكفر بعبادة ما سواه، وبهذا النوع يتحقَّقُ معنى كلمة التوحيد: " لا إِله إِلا الله ".
وهذا النوع من التوحيد، هو دعوة كل رسول إلى قومه
[ ١٣٥ ]
منْ لَدُنْ آدم إِلى محمدٍ ﵊، ومِنْ أجله خَلَقَ الله الخلقَ، وجَعَلَ الجنةَ والنارَ، وفَرَّقَ الناس إِلى شقي وسعيدٍ، ولا يُقبلُ إِيمانُ المرءِ إِلا بالإِقرارِ به قولًا وعملا وهو يَتَضَمَّنُ توحيدَ الربوبية.
وقد عُنِيَ القرآنِ بتقريرِ هذا النوع من التوحيد، والبرهنة عليه بالأدِلَّةِ العقلية والبراهين الصحيحة، لأن الشِّرْكَ الذي وَقَعَ في جميع الأمم كان في هذا النوع، فإن عامة مشركي الأمم كانوا مُقِرِّينَ بربوبيته سبحانه، ولكنهم مع إِقرارِهم بربوبيته قد أشْرَكُوا بعبادتِه غَيْرَهُ.
[إثبات الأسماء والصفات مع الإقرار بمعناها وعدم التعرض لكيفيتها]
٥ - إثبات الأسماء والصفات مع الإقرار بمعناها وعدم التعرض لكيفيتها: تُعَدُّ مسألةُ الصفات من أجلِّ وأعظم ما تُكُلِّمَ فيه من أصول الاعتقاد، وقد اضطَرَبَتْ فيها أقوالُ الفلاسفة والمتكلِّمين، فمنهم مَنْ قال بالنفي المَحْضِ، ومنهم من أقرَّ بأسماء الله في الجملة ونَفَى الصفات، ومنهم من أقر بالأسماء والصفات، لكنه رَدَّ طائفةً منها، وتأوَّلَها، وصَرَفَها عن ظاهرها.
[ ١٣٦ ]
ومَذْهَبُ السلف في هذه المسألة: هو الإِيمانُ بكل ما وَرَدَ في كتاب الله وناطِقِ السنة من الأسماء والصفات من غير زيادة عليها، ولا نُقصانٍ منها، ولا تجاوُزٍ لها، ولا تأويلٍ لها بما يُخالِفُ ظاهرهَا، وقدِ انقضى عَصْرُ الصحابة والتابعين من السلف والأئمة على التسليم المُطْلَقِ بما جاءَ في الكتاب والسنة عن الذاتِ الإِلهية وصفاتها، ولم يتنازَعُوا في مسألةٍ واحدةٍ من مسائل الأسماءِ والأفعالِ، بل كلُّهم على إِثبات ما نَطَقَ به الكتابُ والسنة، كَلِمَتُهم واحدةٌ من أولِهم إِلى آخرهم، لم يَسُومُوها تأويلًا، ولم يُحَرِّفوها عن مواضعها تبديلًا.
وهم يعتقدون أن أسماء الله تعالى وصفاته تَوقيفيَّةٌ، لا يجوزُ إِطلاقُ شيءٍ منها على الله في الإِثبات أو النَّفي إِلا بإِذنِ الشرع، فلا يُثْبتونَ له سبحانه من الأسماء والصفات إلا ما أثبَتَهُ هو لنفسه، أو أثبَتَه له رسولُه ﷺ، وأنَّ كل ما ثبتَ له من الأسماء والصفات لا يماثِل شيئًا من خلقه، ولا يُماثلُه شيءٌ، بل كل ما ثبتَ له من صفات الكمَال التي وَردَت في النصوص الصريحة، فهو مُختص به لا يَشْرَكُهُ فيه أحدٌ من خلقه، وإِذا كان هناك من الأسماء ما
[ ١٣٧ ]
يُطْلَقُ على صفاتِ الله كما يُطْلَقُ على صفات خَلْقه، فإن هذا ليس إِلا مَحْضَ اشتراكٍ في الاسم والمعنى العام، فلا يَلْزَمُ من اتفاقِهما في مسمَّى الصفة ومعناها العام اتفاقُهما في حقيقة الصفة، فإِذا كانت ذاتُه سبحانه لا تُمَاثِلُ الذوات، فكذلك صفاتُه لا تماثِلُ الصفاتِ، لأنه سبحانه لا تُضْرَب له الأمثالُ بخَلقِه لا في ذاته، ولا في صفاته.
ولم يَقُلْ أحدٌ منهم: إِن آيات الصفات لا يَعْلَمُ معناها إِلا الله، بدليل أنهم كانوا يثبتون لله ما تضمنته من صفات، ولو كان معنى الآيات والأحاديث غير مفهوم لهم ألبَتَّة، لما صَحَّ منهم الإثباتُ، إِذ كيف يثبتَون شيئًا لا يُعْقَل معناه، غايةُ الأمر أنهم لم يكونوا يبحثُون وراءَ هذه الظواهر عن كُنْهِ هذه الصفات، أو عن كيفية قيامِها بذاته تعالى، لأنَّ معرفةَ ذلك فوقَ مستوى العقل البشري، وهو من الغيب الذي استأثَر الله بعلمِه، فهو سبحانه أجلُّ من أن يُدرَكَ كُنْهُ ذاته وصفاته، أو يحاطَ بها علمًا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]
وبهذا يُعلَمُ أنّ السلف الصالح كانوا أكثرَ فطنةً، وأحد ذكاءً من أصحاب الفِرَق، لأنهم عَرَفُوا أنه لا سبيل إِلى إِدراك
[ ١٣٨ ]
كُنْه الصفات بالعقل، لأنه من شؤون الغيب التي لا تدخل في نطاقِ قُدرته.
[الجمع بين الإثبات والتنزيه]
٦ - الجمع بين الإثبات والتنزيه: فإِنَّ القرآن جمع فيما وَرَدَ فيه عن الصفات بينَ الإِثباتِ والتنزيه في آية واحدة حين قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فالله سميع بصير، ولا يُشْبِهُهُ أحد من خلقه، مع أنهم يسمعون ويبصرون، وكذا في بقية الصفات، لأن التماثلَ في الصفات فرعٌ عن التماثل في الذواتِ، والذاتان هنا مختلفتان تمامًا، فكذا صفاتُهما.
فتسميتُه تعالى قادرًا وتسمية العبد قادرًا لا تُوجبُ مماثلة قدرة الله لِقُدْرَة العبد، وكذا تسميتُه عالمًا، ومُريدًا، وحيًّا، وسميعًا، وبصيرًا، ومتكلمًا، مع تسمية عباده بهذه الأسماء لا يَستلزمُ أنَّ علمَهُم كعلمِه، ولا إِرادتهم كإِرادتِهِ، ولا حياتَهم كحياتِه.
وما يوجد في الخارج من الأسماء لا يوجد مطلقا كليًّا، وإِنما يُوجد معينًا مختصًا، وهذه الأسماء إِذا سمُي الله بها، كان مُسمَّاه معينًا مختصًا به، وإِذا سُمِّيَ بها العبد، كان مسمّاه معيِنًا مختصًا به، فما يُوصف الله به،
[ ١٣٩ ]
ويُوصَفُ به العبادُ، يوصفُ الله به على ما يليقُ به، ويُوصَفُ العبادُ على ما يَليقُ بهم من ذلك.
[رفض التأويل الكلامي]
٧ - رفض التأويل الكلامي: إِن التأويل عند المتكلمين عامةً يقتضي اتخاذَ العقل أصلًا في التفسير مقدمًا على الشرع، فإِذا ظَهَرَ تعارض بينهما، فينبغي تأويلُ النصوص إِلى ما يُوافِقُ مقتضى العقل، كتأويل أدلة الرؤية، وأدلة العلو، وآيات الصفات، وما إِلى ذلك، والسلفُ يرفُضُون هذا النوع من التأويل، ويُخَطِّئُون القائل به، ويَشْتَدُّونَ في النكير عليه، لأنه يُفْضِي إلى تعطيل النصوص، والتجاوز بها إِلى معانٍ وآراء مدخولة، تستهدفُ هدمَ الشريعة، وإِضلالَ معتَقِدِيها، وبلبلةَ مَا استقرَّ في قلوبهم، وامتَزَجَ بنفوسهم من عقائد واضحة لا لَبْسَ فيها، ولا شائبة من غموضٍ، والتأويل الصحيحَ المقبولُ عندهم هو الذي يُوافق ما دَلَّتْ عليه النصوصُ، وجاءَتْ به السنةُ، وغيرُه هو الفاسدُ.
[تقييد العقل وعدَمُ الاعتداد به في غير مجاله]
٨ - تقييد العقل وعدَمُ الاعتداد به في غير مجاله: إِنَّ العقل وسيلةٌ محدودة من وسائل المعرفة، لا يُدرك غير الأمور المحسوسة على سبيل التّيَقُّن، ويدرك الأمور
[ ١٤٠ ]
الغيبية على سبيل فهم المعنى فقط، دون الكيفية، فالسلف يؤمنون بإِثبات ما أخبر به النص في ما يتعلق بالأمور الغيبية، ويصدقون به، ولا يتعرضون للبحث في كيفيته، لأن ذلك مما يعز على العقل مَرَامُه.
وليس عدم الاعتداد بالعقل فيما لا يدخل في مجاله إلغاء للعقل بالكلية، فقد أجمع المسلمون على أنه لا تكليف على صبيٍّ ولا مجنون، وأنه لا بُدَّ من نظر العقل، ولذلك أمر الله بتدبر كتابه، ولا يمكن أن يتحقق هذا التدبر إِلا بالعقل، وإِنما الممنوع أن يستخدم العقل في غير موضعه، أو أن يخضع في الاستدلال لمنهجِ يخالف المنهج الذي جاء في القرآن والسنة.
فهم لا يُعلُونَ من شأن العقل، ولا يُغالون في أحكامه، ولا يحكمون باستقلاله وكفايته، وإِنما يضعونه في موضعه اللائق به، فَيستَعملونَه في نطاق قُدَرتِه وإِمكاناته في النظر في ملكوت السمَّاوَات والأرَض، وفي الاجتهاد فيَ القضايا العملية، وفي اكتشافِ العلومِ المادِّيَّة، التي تهدفُ إِلى ترقية المجتمع وتطويرِه، وهذا من تمام علمهم، وبُعْد نظرِهم، وسلامةِ تفكيرهم، ولو كان العقل يفسَّرُ بواسطتهَ
[ ١٤١ ]
كُلّ الأشياء، لما كان هناك حاجةٌ إِلى إِرسال الرسل، وإِنزال الكتب السماوية.
يقول ابن خلدون في " مقدمته " (١) .
" العقلُ ميزان صحيحٌ، فأحكامُه يقينيّةٌ لا كَذِب فيها، غير أنك لا تَطْمُعُ أن تَزِنَ به أمورَ التوحيد، والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائِقَ الصفات الإِلهية، وكلَّ ما وراءَ طًوره، فإنِ ذلك طمعٌ في محال، ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب، فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا يدل على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن العقل قد يقف عنده، ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته، فإِنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه ".
ويقول السرهندي: (٢) .
" إِن طور النبوة وراء العقل والتفكير، فالحقائق التي يعجز العقل عن إِدراكها، تأتي النبوة لتثبيتها وتحققها ولو كان العقل كافيًا وحده، لما بعث الأنبياء صلوات الله وتسليماته عليهم أجمعين، ولما ربط عذاب الآخرة ببعثتهم:
_________________
(١) الصفحة: (٣٦٤ - ٣٦٥) .
(٢) في الرسالة رقم (٣٦) المجموعة الثالثة.
[ ١٤٢ ]
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]
والعقلُ حجةٌ، ولكنه ليس بحجةِ بالغة، وليس في حجته بكامل، وقد تحققت الحجة البَالغة ببعثة الأنبياء والرسل عليهم الصلوات والتسليم، فقطعت ألسنة المكلفين، وقضت على معاذيرهم، يقول الله تعالى:
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]
ولما ثبت عجز العقل وقصوره في بعض القضايا، فليس من المستحسن أن توزن جميع الأحكام الشرعية في ميزان العقل، وإن محاولة التطبيق بين العقل وبين الأحكام الشرعية بصفة دائمة، والتزام ذلك، والتقيد به، حكم بكفاية العقل وغناه، وإنكارٌ للنبوة. أعاذنا الله تعالى منه ".
ويقول أيضًا:
" إِن إِخضاع أخبار الأنبياء الصادقة للطريقة العقلية للبحث والتأمل، والتحقيق والتوفيق بينهما، إِنكار في الحقيقة للنبوة، فالاعتماد في هذه القضايا التي هي وراء طور العقل على الاتباع الكامل، والإِيمان الصادق بالأنبياء عليهم الصلوات والتسليمات من غير طلب الدليل والبرهان.
[ ١٤٣ ]
ولا يظن ظان أن طريقة النبوة تعارض طريق العقل، لا، بل إِن طريق العقل، وهو النظر والاستدلال، لا يؤدِّي بدون تقليد الأنبياء واتباعهم إِلى هذا المقصِد الرفيع، المعارضة شيء، والعجز والقصور شيء آخر، لأن المعارضة لا تتصور إِلا بعد القدرة والتمكن ".
[الأخذ بقياس الأوْلى]
٩ - الأخذ بقياس الأوْلى (١) في الإثبات والنفي في حقه سبحانه: فإِن لله المثل الأعلى، وقد أثبت الله تعالى ذلك لنفسه في ثلاثة مواضع من القرآن:
أحدها: قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠]
الثاني: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧]
_________________
(١) ويسمى عند الأصوليين: القياس الجلي، وهو ما يكون الفرع أولى من الأصل بالحكم، لوضوح العلة وظهورها فيه، كتحريم الضرب للوالدين، قياسًا على تحريم التأفيف، وأما قياس التمثيل والشمول؛ فالأول: إلحاق الشيء بنظيره، والثاني: إدخال الشيء تحت حكم المعنى العام الذي يشمله. " الوجيز في أصول التشريع الإسلامي ": (٣٧٣)، " أصول مذهب الإمام أحمد ": (٦١٣، ٦٤٣) .
[ ١٤٤ ]
الثالث: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]
فقياس الأوْلى: هو طريق إِثبات الكمال لله، فما كان كمالًا لغيره، فهو أحق به منه، لأن له المثل الأعلى في كل كمال لا نقص فيه.
والكمال والنقص هما قطب الرحى في موقف السلف من الصفات نفيًا وإِثباتًا.
فكل ما تضمن كمالًا لا نقص فيه، فالله أحق به.
وكل ما كان نقصًا من صفات المخلوقين، أو كان كمالًا متضمنا لنقص بوجه من الوجوه، فالله أولى بأن يُنزَّه عنه، كالنوم والولد والأكل.
ومعنى الكمال والنقص، يجب أن يؤخذ من الشرع، حتى لا نصفه بما قد يظن أنه كمال في حقه بالمقايسة على المخلوقين، وهو ليس كمالًا بالنسبة له سبحانه.
فما سكت عنه الشرع نفيًا وإِثباتًا، ولم يكن في العقل ما يثبته أو ينفيه، سكتنا عنه، ونثبت ما علمنا ثبوته من
[ ١٤٥ ]
ذلك، وننفي ما علمنا نفيه.
[تحديد الألفاظ المتنازع عليها وتعيين مدلولاتها]
١٠ - تحديد الألفاظ المتنازع عليها وتعيين مدلولاتها: لقد اشتدت عناية السلف في تحديد الألفاظ، وتعيين مدلولاتها، لأن كثيرًا من الفرق يحتجون بألفاظ متشابهة مجملة يعارضون بها نصوص الكتاب والسنة، وتلك الألفاظ قد وردت في الكتاب، والسنة، وكلام الناس بمعانٍ أُخر غير المعاني التي قصدوها هم بها، فمثلًا التوحيد عند المتكلمين: هو الإِقرار بأن الله واحد في ذاته لا قسيم له، وواحدٌ في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له.
وهذا التعريف لا يتعدى توحيد الربوبية.
والتوحيد الذي جاء به الرسول ﷺ، هو إِثبات الإلهية لله وحده، بأَن يشهد أن لا إِله إِلا الله، ولا يعبد إِلا إِياه، ولا يتوكل إِلا عليه، ولا يوالي إلِا له، ولا يُعادي إِلاَ فيه، ولا يعملَ إِلاَ لأجلِه.
وذلك يتضمن توحيد الربوبية ويتضمن ما أثبته لنفسه.
والألفاظُ نوعان: نوعٌ جاء به الكتاب والسنة، فيجب
[ ١٤٦ ]
على كلِّ مؤمن أن يقِرَّ بموجب ذلك، فيثبت ما أثبته الله ورسوله ﷺ، ومن تمام العلم أن يَبْحَثَ عن مرادِ رسوله بها، ليُثبتَ ما أَثْبَتَه، وينفي ما نفاه من المعاني.
وأما الألفاظُ التي ليست في الكتاب والسنة، ولا اتفق السلف على إِثباتها ونفيها، فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده، فإِن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول، أقر به، وإِن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول، أنكره.
يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية (١) - ﵀ -:
" وإِذا كان المتكلم في مقام الإِجابة لمن عارضه بالعقل، وادعى أن العقل يعارض النصوص، فإِنه قد يحتاج إِلى حل شبهته، وبيان بطلانها، فإِذا أخذ النافي يذكر ألفاظا مجملة، مثل أن يقول: لو كان استوى على العرش لكان جسمًا أو مركَّبًا، وهو منزَّهٌ عن ذلك، ولو خَلَقَ واستوى، وأتى لفصل القضاء، لكانت تحُلُّة الحوادثُ وهو منزَّهٌ عن ذلك، ولو قامت به الصفات لحلَّته الأعراض وهو منزَّهٌ عن
_________________
(١) " درء تعارض العقل والنقل " لابن تيمية: (١ / ٢٣٨ - ٢٣٩) .
[ ١٤٧ ]
ذلك.
فهنا يستفصلُ السائل ويقول له: ماذا تريد بهذه الألفاظ المُجملة؟
فإِن أراد بها حقًا وباطلًا، قُبِلَ الحقُّ، ورُدَّ الباطل، مثل أن يقول: أنا أريد بنفي الجسم نفيَ قيامه بنفسه، وقيام الصفات به، ونفي كونِه مركبًا، فنقول: هو قائم بنفسه، وله صفات قائمة به، وأنتَ إِذا سَمَّيتَ هذا تجسيمًا، لم يَجُز أن أدَعَ الحق الذي دل عليه صحيح المنقول، وصريح المعقول، لأجل تسميتك أنت له بهذا.
وأما قولك: " ليس مركَّبًا "، فإن أردتَ به أنه سبحانه رَكَّبَهُ مركِّب، أو كان متفرِّقًا، فَتَركَّب، وأنه يمكنُ تفرُّقُه وانفصالُه، فالله تعالى منزَّهٌ عن ذلك، وإِن أردت أنه موصوفٌ بالصفات مباينٌ للمخلوقات، فهذا المعنى حقٌ، ولا يجوز رده لأجل تسميتك له مركَّبًا، فهذا ونحوه مما يجاب به ".
ويقول أيضًا:
" فليس لأحدٍ أن يقول: إِن الألفاظ التي جاءت في القرآن موضوعة لمعان، ثم يريد أن يفسر مراد الله بتلك
[ ١٤٨ ]
المعاني، هذا من فعل المفترين، فإِن هؤلاء عمدوا إِلى المعاني، وظنوها ثابتة، فجعلوها هي معنى الواحد، والوجوب، والغنى، والقدم، ونفي المثل.
ثم عمدوا إِلى ما جاء في القرآن من تسمية الله تعالى بأنه أحدٌ وواحدٌ، ونحو ذلك من نفي المثل والكُفْءِ، فقالوا: هذا يَدُلّ على المعاني التي سميناها بهذه الأسماء، وهذا من أعظم الافتراءِ على الله " (١) .
[تحديد معنى المتشابه وبيان أن القرآن كله واضح يمكن تفسيره]
١١ - تحديد معنى المتشابه وبيان أن القرآن كله واضح يمكن تفسيره: المُحْكَمُ أقسامٌ ثلاثة، ويقابل كلَّ واحد منها نوعٌ من المتشابه:
فالإِحكام تارة يكون في التنزيل، ويقابله ما يلقيه الشيطان مما نسخَهُ الله وأزالَهُ.
وتارةً يكون في إِبقاء التنزيل، ويقابلُهُ المنسوخُ الذي هو رَفع ما شُرعَ.
وتارةً يكونُ في التأويل، ومعناه تمييز الحقيقةِ المقصودة
_________________
(١) " مجموعة الفتاوى لابن تيمية ": (٦ / ١١١) .
[ ١٤٩ ]
حتى لا تَشتَبهَ بغيرها، ويُقابلُها الآياتُ المتشابهات، أي: التي تشبه هذا، وتشبه ذاك، فتكون محتملة للمعنيين. قال الإِمام أحمد (١) .
" المحكَمُ: الذي ليس فيه اختلافٌ، والمتشابه: الذي يكون في موضعِ كذا، وفي موضعِ كذا ".
والتشابه أمرٌ نسبي إِضافي، فقد يَشْتَبِهُ على إِنسان، ما لا يَشتبِهُ على غيره، وقد يكون في القرآن آياتٌ كثيرة لا يَعْلَمُ معناها كثيرٌ من العلماء، فضلًا عن غيرهم، وليس ذلك في آية معينة، بل قد يُشكِلُ على هذا ما يَعْرِفُه ذلك، وذلك تارة قد يكون لغرابة في اللفظ، وتارة لاشتباه المعنى بغيره، وتارة لشبهَةٍ في نفس الإِنسان تَمنَعُه من معرفة الحق، وتارة لعدم التدبّر التام، وتارة لغير ذلك من الأسباب، ولكن ذلك لا يعني أن معرفة المعنى المقصود من هذه الآيات مستحيلٌ لا يمكن دركُهُ كما يدَّعي ذلك من يدَّعيه مِن المتكلمين.
ولفظُ التأويل في عُرْف السَّلَف له معنيان:
أحدهما: تفسير الكلاَم وبيانُ معناه، سواءٌ أوافقَ ظاهره
_________________
(١) " العدة في أصول الفقه " لأبو يعلى محمد بن الحسين الفراء: (٢ / ٦٨٥) .
[ ١٥٠ ]
أو خالَفه، فيكون التأويل والتفسير بهذا المعنى متقاربين أو مترادفين، وهذا هو الذي عَنَاه مجاهد حينما قال: إِنَّ العلماء يعلمون تأويله.
ومحمد بن جرير الطبري يقول في " تفسيره ": القولُ في تأويل قوله كذا وكذا، واختلف أهلُ التأويل في هذه الآية ونحو ذلك، ومرادُه التفسير، والقرآن كله بهذا المعنى، محكمه ومتشابهه يمكن تأويله، ليس فيه شيء لا يفقه معناه، ورسول الله لم يمُتْ حتى كان صحابتُه على علم تام بجميع معاني الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية.
قال مجاهد: عَرَضْتُ المصحف على ابن عباس من فاتحته إِلى خاتمته أقِفُ عند كُلِّ آية أَسأَلهُ عنها.
وقال ابنُ مسعود: ما في كتاب الله آيةٌ إِلاَ وأنا أعلم فيم أنِزلَتْ.
وقال الحسن: ما أَنزَلَ الله آيةً إِلا وهو يُحِبُّ أن يُعْلَمَ ما أراد بها.
ولهذا كانوا يجعلون القرآن محيطًا بكل ما يُطلب من علم الدين، كما قال مسروق، ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمُهُ في القرآن، ولكن عِلْمُنا قَصَرَعنه.
[ ١٥١ ]
ويعارضون من يقول: إِن التشابه يكون في معنى اللفظ بحيث لا يَعْلَمُ المراد به إِلا الله تعالى، ويَرَوْنَ أن لازم هذا القول أن الله أنزل على نبيِّه كلامًا لم يكن يَفهم معناه لا هو ولا جبريل ولا غيرهما، وهذا قدحٌ في النبي ﷺ، وفي القرآن، إِذ كان الله أنزل القرآن، وأخبر أنه جعله بيانًا وهدى ونورًا وشفاءً، وأمرنا أن نتدبره ونعقله كله، لم يستثن منه شيئًا لا يُتدبر ولا يُعقل، وأمر الرسول أن يبين للناس ما نُزِّلَ إِليهم، وأن يبلِّغَهم البلاغَ المبين.
فلو كان في القرآن شيءٌ لا يُفُقَه معناه، لم يكن هناك معنى للأمر بتدبّره وعقله، ولم يكن الرسول حينئذٍ بَيَّنَ للناس ما نُزِّلَ إِليهم، ولا بَلَّغَ البلاغ المبين.
وأما المعنى الثاني للتأويل، فهو نفس المراد بالكلام، فإِن كان الكلامُ أمرًا أو نهيًا، فتأويلُه نفسُ فعل المأمور به، وترك المحظور، كما قالت عائشة ﵂:
«كان رسول الله ﷺ يُكثر أن يقول في ركوعِه وسجوده: " سبحانَكَ اللهمّ ربَّنا وبِحَمْدِكَ، اللهمّ اغْفِرْ لي " يتأوًّلُ القرآن» (١) . تعني أن هذا هو تأويلُ قوله تعالى:
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، سورة (إذا جاء نصر الله والفتح) (٤٩٦٧، ٤٩٦٨)، ومسلم في كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود: (٤٨٤)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب في الدعاء في الركوع والسجود: (٨٧٧)، والنسائي في كتاب التطبيق، باب نوع آخر من الذكر في الركوع: (١٠٤٧، ١١٢٢، ١١٢٣)، وابن ماجه في كتاب إِقامة الصلاة. .، باب التسبيح في الركوع والسجود: (٨٨٩)، وأحمد في مسنده: (١ / ٣٨٨، ٣٩٢) .
[ ١٥٢ ]
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣]
وإِن كان الكلام خبرًا، فتأويله نفسُ الشيء المُخبرِ عنه، فتأويل ما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر، هو نفس الحقيقة التي يُخبر عنها، وذاك في حق الله هو كُنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره، وتلك هي المتشابه الذي لا يَعْلَمُ تأويله إِلا الله، فإِنَّ أحدًا لا يعرفُ كيفيةَ ما أخبر الله به عن نفسه، ولا يقف على كنه ذاته وصفاته غيره، وهذا هو الذي يجبُ تفويضُ العلم فيه إِلى الله ﷿ (١) .
[تأثير الأسباب الطبيعيّة في مسبباتها بإذن الله]
١٢ - تأثير الأسباب الطبيعيّة في مسبباتها بإذن الله: إِن الله يخلق السحاب بالرياح، وينزل الماء بالسحاب، ويُنْبِتُ النباتَ بالماء، ونحو ذلك.
_________________
(١) انظر " مجموع الفتاوى لابن تيمية ": (٦ / ٤٣٤) .
[ ١٥٣ ]
والقولُ بأن الله يَفْعَلُ عند الأسباب لا بِها يُفضي إلى إِبطال حِكمةِ الله في خلقه، وأنه لم يجعل في العين قوةَ تمتاز بها عن الخدِّ تُبصِرُ بها، ولا في النار قوةً تمتازُ بها عن التراب تَحْرِقُ بها، فضلًا عمَّا في هذا القول من مخالفةٍ للكتاب والسنة، فإِن الله تعالى يقول:
﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]
ويقول:
﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ١٦٤]
ويقول:
﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤]
ويقول:
﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢]
ويقول:
﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]
[ ١٥٤ ]
ويقول:
﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]
ومثل هذا في القرآن كثير، وكذلك في الحديث عن النبي ﷺ كقوله: «لا يموتن أحدٌ منكم إِلا آذَنْتُمونيِ حتى أُصلِّي عليه، فإِنَّ الله جاعلٌ بصلاتي عليه بركةً ورحمةَ» (١) .
وقال ﷺ: «إِن هذه القبور مملوءةٌ على أهلها ظُلْمَةً، وإِنَّ الله جاعلٌ بصلاتي عليهم نورًا» (٢) .
فالله سبحانه خلق الأسباب والمسببات وجعل هذا سببًا لهذا، فإِذا قال القائل: إِن كان مقدورًا، حصل بدون السبب، وإِلا لم يحصل. جوابه أنه مقدورٌ بالسبب، وليس مقدورًا بدون السبب.
وقولهم: إِن الله تعالى أجرى العادة بهذه الأسباب، وأنه
_________________
(١) أخرجه النسائي في كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر: (٢٠٢٢)، وابن ماجه في كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على القبر: (١٥٢٨) .
(٢) أخرجه البخاري بنحوه في كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر بعدما يدفن: (١٣٣٧)، وأخرجه مسلم واللفظ له في كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر: (٩٥٦) .
[ ١٥٥ ]
ليس لها تأثير في المسببات بإِذنه، قولٌ بعيدٌ جدًا عن مُقْتَضى الحكمة، بل هو مُبطلٌ لها، لأنَّ المسببات إِنْ كان يمكن أن تُوجَدَ من غير هذه الأسباب، فأي حكمةٍ في وجودها عن هذه الأسباب.
[الحسنُ والقبْحُ في الأفعال عقْليّان وشرعيان]
١٣ - الحسنُ والقبْحُ في الأفعال عقْليّان وشرعيان: وقد ذهبوا في هذه المسألة مذهبًا وسطًا، وهو أن الأفعال في نفسها حسنةٌ وقبيحةٌ، كما أنها نافعةٌ وضارةٌ، وأنَّ العقلَ يُدركُ الحسْنَ والقُبْحَ في الأشياء، والله قد فطر عباده على استحسان الصدق، والعدل، والعفة، والإِحسان، ومقابلة المنعم بالشكر، وفطرهم على استقباح أضدادها، لكنَّ الثواب والعقاب شرعيّان يتوقفان على أمر الشارع ونهيه، ولا يَجِبانِ عن طريق العقل.
[إثبات العقيدة بخبر الواحد المتلقى بالقبول عملًا وتصديقًا]
١٤ - إثبات العقيدة بخبر الواحد المتلقى بالقبول عملًا وتصديقًا: فقد احتجُّوا بخبر الواحد المتلقى بالقبول في مسائل الصفات والقدر، وعذاب القبر ونعيمِه، وسؤال الملكين، وأشراط الساعة، والشفاعة لأهل الكبائر، والميزان، والصراط، والحوض، وكثير من المُعجزات، وما جاء في صفة القيامة والحشر والنشر، والجزم بعدم خلود أهل الكبائر في النار.
[ ١٥٦ ]
[موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول]
١٥ - موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول: فكُلّ ما ثبت من مسائل العقيدة في الكتاب، والسنة، يصدقها العقل الكامل الصحيح الذي يُستخدم بدقةِ وإِمعانٍ، لأن العقل الصريح في دلالته على المراد، لا يمكن أن يخالف المنقول الصحيح الثابت، لأن العقل والنقل وسيلتان لغايةٍ واحدةٍ، هي الوصولُ إِلى الله، والوسائل التي تؤدِّي إِلى غايةٍ واحدةٍ لا يمكن لها أن تتعارض.
يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية:
" المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط، وقد تأملت ما تنازع فيه الناس، فوجدت ما خالف النصوص الصريحة شبهات فاسدة يُعلم بالعقل بطلانها، بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع، وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار، كمسائل التوحيد والصفات، ومسائل القدر، والنبوات، والمعاد، وغير ذلك.
ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه السمع، الذي يقال إِنه يخالفه: إِما حديثٌ موضوعٌ، أو دلالةٌ ضعيفةٌ، فلا يصلح أن يكون دليلًا لو تجرد عن معارضة العقل الصريح، فكيف إِذا خالفه صريح المعقول!
[ ١٥٧ ]
ونحن نعلم أن الرسل لا يُخبِرون بمحالات العقول، بل بمحارات العقول، فلا يخبرون بما يعلم العقل انتفاءه، بل يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته.
١٦ - عدم جواز تكفير المسلم بذنب فعله إذا كان دون الشرك الأكبر، وكان هذا الذنب مما اختلف فيه، ولا بخطأ أخطأ فيه: يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية (١) - ﵀ - وهو بصدد الحديث عن قاعدة أهل السنة والجماعة في أهل الأهواء والبدع:
" ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله، ولا بخطأ أخطأ فيه، كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة، فإن الله تعالى قال:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقد ثبث في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء، وغفر للمؤمنين خطأهم (٢)
_________________
(١) " مجموعة الفتاوى لابن تيمية ": (٣ / ٢٨٢ - ٢٨٥) .
(٢) أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الإِيمان، باب بيان أنه ﷾ لم يكلف إِلا ما يطاق: (١٢٦)، والترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب " ومن سورة البقرة ": (٢٩٩٢) عن ابن عباس ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) [البقرة: ٢٨٤]، قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء فقال النبي ﷺ: " قولوا: سمعنا وأطعنا وسلّمنا " قال: فألقى الله الإِيمان في قلوبهم فأنزل الله ﷿: (لا يكلف الله نفسًا إِلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إِن نسينا أو أخطأنا)، قال: قد فعلت، (ربنا ولا تحمل علينا إِصرا كما حملته على الذين من قبلنا)، قال: قد فعلت، (واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا)، قال: فعلت [الآية من سورة البقرة: ٢٨٦] . كما أخرجه مسلم من طريق آخر من حديث أبي هريرة ﵁: (١٢٥) .
[ ١٥٨ ]
والخوارج المارقون الذين أمر النبي ﷺ بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمةُ الدين من الصحابة والتابعين من بعدهم، ولم يُكَفِّرهم عليُّ بن أبي طالب، وسعدُ بن أبي وقاص، وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم عليّ حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم، لا لأنهم كفارٌ، ولهذا لم يسبِ حريمهم، ولم يَغْنَمْ أموالهم.
وإِذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإِجماع لم يكفروا مع أمر الله ورسوله ﷺ بقتالهم، فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلِط فيها من هو أعلم منهم!
[ ١٥٩ ]
فلا يحلُّ لإِحدى هذه الطوائف أن تُكفِّرَ الأخرى ولا تستحل دمها ومالها، وإِن كانت فيها بدعة محققة، فيكف إِذا كانت المكفرة لها مبتدعةً أيضًا!
وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ. والغالب أنهم جميعًا جُهالٌ بحقائق ما يختلفون فيه.
والأصل أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمةٌ من بعضهم على بعض، لا تَحِلّ إِلا بإِذن الله ورسوله.
قال النبي ﷺ لمَّا خطبهم في حجة الوداع:
«إِن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا» (١) .
وقال ﷺ: «كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ: دمُهُ، وماله، وعِرضُه» (٢) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب قول النبي ﷺ: " رب مبلغ أوعى من سامع ": (٦٧)، ومسلم في كتاب القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال: (١٦٧٩)، والترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء دماؤكم وأموالكم. . إِلخ: (٢١٥٩)، وابن ماجه في كتاب المناسك، باب الخطبة يوم النحر: (٣٠٥٥، ٣٠٥٧، ٣٠٥٨)، وأحمد في مسنده: (١ / ٢٣٠) .
(٢) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم وخذله. . إِلخ: (٢٥٦٤)، وأبو داود في كتاب الأدب، باب في الغيبة: (٤٨٨٢)، والترمذي في كتاب البرّ والصلة، باب ما جاء في شفقة المسلم على المسلم: (١٩٢٧)، وابن ماجه في كتاب الفتن، باب حرمة دم المؤمن وماله: (٣٩٣٣)، وأًحمد في مسنده: (٢ / ٢٧٧، ٣٦٠) .
[ ١٦٠ ]
وقال ﷺ: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله، وذمة رسوله فلا تُخفروا الله في ذمته» (١) .
وقال: «إِذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بالُ المقتول؟ قال: " إِنه أراد قتل صاحبه» (٢) .
وقال: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٣) .
وقال: «أيما رجل قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما» (٤) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب فضل استقبال القبلة. . إِلخ: (٣٩١)، والنسائي في كتاب الإيمان وشرائعه، باب صفة المسلم: (٤٩٩٧) .
(٢) تقدم تخريجه في الصفحة (٥٩) .
(٣) تقدم تخريجه في الصفحة (٥٨) .
(٤) تقدم تخريجه في الصفحة (٥٩) .
[ ١٦١ ]
هذه الأحاديث كلها في الصحاح.
إِذا كان المسلم متأولا في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك، كما قال عمر بن الخطاب في حاطب بن أبي بلتعة: «يا رسول الله، دعني أضرب عُنُقَ هذا المنافق، فقال النبي ﷺ: " إِنه قد شهد بدرا، وما يدريك، لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وهذا في " الصحيحين " (١) .
وفيهما أيضًا من حديث الإِفك: «أن أُسيدَ بن الحُضير قال لسعد بن عبادة: إِنك منافقٌ تُجادلُ عن المنافقين، واختصم الفريقان، فأصلح النبي ﷺ بينهم» (٢) فهؤلاء البدريون فيهم مَنْ قال لآخر منهم: إنك منافق، ولم يكفِّر النبي ﷺ
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب من شهد بدرًا: (٣٩٨٣)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر ﵁. . . إلخ: (٢٤٩٤) .
(٢) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب حديث الإفك: (٤١٤١)، ومسلم في كتاب التوبة، باب في حديث الإفك. . إلخ: (٢٧٧٠) .
[ ١٦٢ ]
لا هذا، ولا هذا، بل شَهِدَ للجميع بالجنة.
وكذلك ثَبَتَ في " الصحيحين " (١) عن أسامة بن زيد «أنه قتل رجلًا بعدما قال: لا إِله إِلاَ الله، وعظَم النبي ﷺ ذلك لما أخبره، وقال: " يا أسامة، أَقَتَلْتَهُ بعدما قال: لا إِلى إِلا الله! " وكرر ذلك عليه حتى قال أسامةُ: تمنَّيتُ أني لم أكن أسلمتُ إِلا يومئذ» .
ومع ذلك لم يوجب عًليه قَوَدًا ولا ديةً ولا كفّارة، لأنه كان متأولًا ظن جواز قتل ذلك القائل لظنه أنه قالها تعوّذًا.
وهكذا السلفُ قاتل بعضُهم بعضًا من أهل الجمل وصفِّين ونحوهم، وكلّهم مسلمون مؤمنون، كما قال تعالى:
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الديات، باب قول الله تعالى: (ومن أحياها. .): (٦٨٧٢)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله: (٩٦، ٩٧) .
[ ١٦٣ ]
فقد بيَّن الله تعالى أنهم مع اقتتالهم وبغي بعضهم على بعض إِخوة مؤمنون، وأمَرَ بالإِصلاح بينهم بالعدل، ولهذا كان السلفُ مع الاقتتال يوالي بعضُهم بعضًا موالاةَ الدِّين، لا يُعادُون كمعاداة الكفَّار، فيقبلُ بعضُهم شهادة بعضٍ، ويأخذ بعضهم العلم عن بعض، ويتوارثون، ويتناكحون، ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض، مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك.
[ ١٦٤ ]