[ ٦٢١ ]
المبحث الأول: محاسن التوحيد والإيمان بالملائكة.
وفيه أربعة مطالب.
المطلب الأول: التوحيد أعظم مشهود عليه.
• قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: الآية: ١٩].
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: " اعلم أن الآية تدل على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله تعالى" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "أنه استشهد بهم على أجل مشهود به وأعظمه وأكبره وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والعظيم القدر إنما يستشهد على الأمر العظيم أكابر الخلق وساداتهم" (^٢).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "وفي هذه الآية دليل على شرف العلم من وجوه كثيرة، منها: أن الله خصهم بالشهادة على أعظم مشهود عليه دون الناس" (^٣).
_________________
(١) تفسير مفاتيح الغيب للرازي (سورة آل عمران الآية: ١٩).
(٢) مفتاح دار السعادة ١/ ٤٩.
(٣) تفسير ابن سعدي (سورة آل عمران الآية: ١٨).
[ ٦٢٣ ]
• قال عبد الرحمن بن قاسم (ت: ١٣٩٢ هـ) ﵀: "شهادة أن لا إله إلا الله أعظم شهادة في الوجود على أعظم مشهود به، فلا ينصرف الإطلاق إلاَّ إليها" (^١).
المطلب الثاني: التوحيد يلزم الملائكة كما يلزمهم الصلاة.
• قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "وقال بعض من احتج لهذه الطائفة أن الصلاة لا تشبه سائر العبادات ولا يقاس إليها لأنها لم تزل مفتاح شرائع الأديان وهي دين الملائكة والخلق أجمعين. ولم يكن لله تعالى دين قط بغير صلاة، وليس كذلك الزكاة والصيام والحج فليس على الملائكة منها شيء والصلاة تلزمهم كما يلزمهم التوحيد وهي علم الإسلام الفاصل بين المسلم والكافر في كلام أكثر من هذا قد ذكره" (^٢).
المطلب الثالث: الملائكة تستغفر لأهل التوحيد:
• قال تعالى: ﴿فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك﴾ [غافر: ٧]
• قال مطرف بن عبد الله الشخير (ت: ٩٥ هـ) ﵀: "أنصح عباد الله للمؤمنين هم الملائكة، وأغش الخلق للمؤمنين هم الشياطين" (^٣).
_________________
(١) حاشية ثلاثة الأصول (٤٨).
(٢) معالم السنن للخطابي ١/ ١٥٠.
(٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي (سورة غافر: الآية: ٧).
[ ٦٢٤ ]
• قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: "وينبغي أن يقال: "أنصح العباد للعباد الأنبياء والملائكة" (^١).
• قال قتادة (ت: ١١٨ هـ) ﵀: "قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ للّذِينَ آمَنُوا﴾ لأهل لا إله إلا الله" (^٢).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ): ﵀ " ﴿فاغفر للذين تابوا﴾ من الشرك ﴿واتبعوا سبيلك﴾ يعني دينك ﴿وقهم عذاب الجحيم﴾ " (^٣).
• قال خلف بن هشام البزار القارئ (ت: ٢٢٩ هـ) ﵀: "كنت أقرأ على سليم بن عيسى (ت: ١٨٨ هـ) ﵀، فلما بلغت: ﴿ويستغفرون للذين آمنوا﴾ بكى"، ثم قال: "يا خلف ما أكرم المؤمن على الله، نائما على فراشه والملائكة يستغفرون له" (^٤).
• قال يحيى بن معاذ الرازي (ت: ٢٥٨ هـ) ﵀-لأصحابه في هذه الآية: افهموها فما في العالم جنة أرجى منها، إن ملكا واحدا لو سأل الله أن يغفر لجميع المؤمنين لغفر لهم، كيف وجميع الملائكة وحملة العرش يستغفرون للمؤمنين" (^٥).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "ويسألون ربهم أن يغفر للذين أقرّوا بمثل إقرارهم من توحيد الله، والبراءة من كلّ معبود سواه ذنوبهم، فيعفوها عنهم" (^٦).
_________________
(١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة غافر الآية: ٧).
(٢) تفسير جامع البيان في تأويل القرآن للطبري (سورة غافر: الآية: ٧).
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة غافر: الآية: ٧).
(٤) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة غافر: الآية: ٧).
(٥) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة غافر: الآية: ٧).
(٦) تفسير جامع البيان في تأويل القرآن للطبري (سورة غافر: الآية: ٧).
[ ٦٢٥ ]
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿فاغفر للذين تابوا﴾ من الشرك ﴿واتبعوا سبيلك﴾ يعني: الإسلام" (^١).
• قال الوزير ابن هبيرة (ت: ٥٦٠ هـ) ﵀: "علمت الملائكة أن الله-﷿-يحب عباده المؤمنين، فتقربوا إليه بالشفاعة فيهم. وأحسن القرب أن يسأل المحب إكرام حبيبه، فإنك لو سألت شخصا أن يزيد في إكرام ولده لارتفعت عنده، حيث تحثه على إكرام محبوبه" (^٢).
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: " ﴿فاغفر للذين تابوا﴾ أي من الشرك والمعاصي ﴿واتبعوا سبيلك﴾ أي دين الإسلام" (^٣).
• قال عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (ت: ٧١٠ هـ) ﵀: " ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ كأنه قيل: ويؤمنون به ويستغفرون لمن في مثل حالهم، وفيه دليل على أن الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة والشفقة، وإن تباعدت الأجناس والأماكن" (^٤).
• قال الحسن بن محمد النيسابوري (ت: ٨٥٠ هـ) ﵀: "قال علماء السنة: إن مراد الملائكة ﴿فاغفر للذين تابوا﴾ عن الكفر ﴿واتبعوا سبيلك﴾ الإيمان وهذا لا ينافي كون المستغفر لهم مذنبين ومما يؤيد ما قلنا أن الاستغفار طلب المغفرة، والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العذاب، أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفارًا" (^٥).
• قال عبد الرحمن الثعالبي المالكي (ت: ٨٧٥ هـ) ﵀: "قوله
_________________
(١) تفسير ابن أبي زمنين (سورة غافر: الآية: ٧).
(٢) ذيل طبقات الحنابلة، لابن رجب ٢/ ١٥٠.
(٣) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة غافر: الآية: ٧).
(٤) تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي. (سورة غافر: الآية: ٧).
(٥) غرائب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري. (سورة غافر: الآية: ٧).
[ ٦٢٦ ]
تعالى: ﴿الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ الآية، أَخْبَرَ اللَّهُ سبحانَهُ بِخَبَرٍ يتضمَّنُ تَشْرِيفَ المؤمنِينَ، ويُعظِّمُ الرَّجاءَ لهم، وهو أنَّ الملائِكَةَ الحَامِلِينَ لِلْعَرْشِ والذينَ حَوْلَ العَرْشِ؛ وهؤلاءِ أفضلُ الملائِكَةِ يستغْفِرُونَ للمؤمنين، ويسألون اللَّهَ لَهُمُ الرَّحْمَةَ والجَنَّةَ؛ وهذا معنى قوله تعالى في غير هذه الآية، ﴿كَانَ على رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾ [الفرقان: ١٦] أي سأَلَتْهُ الملائكةُ" (^١).
• قال أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (ت: ٨٨٠ هـ) ﵀: "لما بين أن الكفار يبالغون في إظهار العداوة مع المؤمنين بين أن أشرف طبقات المخلوقات هم الملائكة الذين هم حملة العرش والحافّون حول العرش يبالغون في إظهار المحبة والنصرة للمؤمنين، فكأنه تعالى يقول: إن كان هؤلاء الأراذل يبالغون في العداوة فلا تلفت إليهم ولا تُقِمْ لهم وزنًا فإن حملة العرش معك، والحافّون من حول العرش ينصرونك وهم الكُرُبِيُّونَ" (^٢).
المطلب الرابع: الملائكة تحرس قائلها وتحفظه.
• عن عمارة بن شبيب السبائى (ت: ٥٠ هـ) ﵁، قال قال رسول الله ﷺ: «من قال: لا اله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات على أثر المغرب بعث الله مسلحة يحفظونه من الشيطان حتى يصبح، وكتب الله له
_________________
(١) الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي. (سورة غافر: الآية: ٧).
(٢) اللباب في علوم الكتاب لابن عادل. (سورة غافر: الآية: ٧).
[ ٦٢٧ ]
بها عشر حسنات موجبات، ومحى عنه عشر سيئات موبقات، وكانت له بعدل عشر رقاب مؤمنات» (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀ "من كان إيمانه أقوى من غيره، كان جنده من الملائكة أقوى" (^٢).
_________________
(١) رواه الترمذي - كتاب الدعوات عن رسول الله ﷺ، باب (٩٨) - (٥/ ٥٤٤).
(٢) النبوات (ص ٤١٦).
[ ٦٢٨ ]
المبحث الثاني: محاسن التوحيد والإيمان بالكتب.
وفيه تسعة مطالب.
المطلب الأول: التوحيد من أجله أنزل الله الكتب
• قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [هود: الآيات: ١ - ٢].
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وعبادة الله وحده هي أصل الدين، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب" (^١).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "أي: نزل هذا القرآن المحكم المفصَّل لعبادة الله وحده لا شريك له؛ كقوله - تعالى -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٥]، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: الآية: ٣٦] " (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٩٧.
(٢) "تفسير ابن كثير": (هود: ١ - ٢).
[ ٦٢٩ ]
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "يقول-تعالى-: هذا ﴿كِتَابٌ﴾ عظيم، ونُزُل كريم، ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾؛ أي: أُتْقِنت وأُحْسِنَت، صادقة أخبارها، عادلة أوامرها ونواهيها، فصيحة ألفاظه بهية معانيه، ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾؛ أي: ميزت، بينت بيانًا في أعلى أنواع البيان، ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ﴾ يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها، لا يأمر ولا ينهى إلا بما تقتضيه حكمته، ﴿خَبِيرٍ﴾ مطَّلع على الظواهر والبواطن، فإذا كان إحكامه وتفصيله من عند الله الحكيم الخبير فلا تسأل بعد هذا عن عظمته وجلالته واشتماله على كمال الحكمة وسعة الرحمة، وإنما أنزل الله كتابه لأجل ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ﴾؛ أي: لأجل إخلاص الدين كله لله، وألاّ يشرك به أحد من خلقه، ﴿إِنَّنِي لَكُمْ﴾ أيُّها الناس ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من الله ربكم ﴿نَذِيرٌ﴾ لِمَنْ تجرَّأ على المعاصي، بعقاب الدنيا والآخرة ﴿وَبَشِيرٌ﴾ للمطيعين لله، بثواب الدنيا والآخرة" (^١).
• قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "فهذه الآية الكريمة فيها الدلالة الواضحة على أن الحكمة العظمى التي أُنزل القرآن من أجلها هي: أن يُعبد الله-جلَّ وعلا-وحده، ولا يُشرك به في عبادته شيء؛ لأن قوله-جل وعلا-: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [هود: الآيات: ١ - ٢]- صريح في أن آيات هذا الكتاب فصِّلت من عند الحكيم الخبير؛ لأجل أن يُعبد الله وحده" (^٢).
_________________
(١) "تفسير السعدي": (هود: ١ - ٢).
(٢) "تفسير أضواء البيان"؛ للشنقيطي: (هود: ١ - ٢).
[ ٦٣٠ ]
المطلب الثاني: سور التوحيد أفضل من غيرها.
• قال أبو عبد الله الحسن بن الحسين الحليمي (ت: ٤٠٤ هـ) ﵀: "الآيات التي تشتمل على تعديد أسماء الله تعالى وبيان صفاته، والدلالة على عظمته وقدسه أفضل أو خير، بمعنى أن يتعين أنها أسنى وأجل قدرا" (^١).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "الآيات المشتملة على دلائل علم الأصول أشرف من الآيات المشتملة على دلائل علم الفروع، بدليل أنه قد جاء في فضيلة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: الآية: ١]. و﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: الآية: ٢٨٥]، وآية الكرسي، و﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: الآية: ١٨]، ما لم يجيء في فضيلة قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: الآية: ٢٢٢]، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: الآية: ٢٧٥]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: الآية: ٢٨٢] الآية. ولذلك فإن الزهاد والعباد يواظبون في شرائف الأوقات على قراءة هذه الآيات المشتملة على الإلهيات، دون الآيات المشتملة على الأحكام.
والآيات الواردة في الأحكام الشرعية أقل من ستمائة آية، وأما اللواتي في بيان التوحيد والرد على عبدة الأوثان وأصناف المشركين، وفي إثبات النبوات والمعاد، ومسألة القضاء والقدر فكثيرة. " (^٢).
• قال أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي المالكي (ت: ٥٤٣ هـ) ﵀: "القرآن توحيد وأحكام ووعظ و﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: الآية: ١]، فيها
_________________
(١) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي ٢/ ٢٤٤.
(٢) عجائب القرآن ص ١٧ - ١٨.
[ ٦٣١ ]
التوحيد كله. وبهذه المعاني وقع البيان في قوله ﷺ لأبى بن كعب: «أي آية في القرآن أعظم؟» قال: ﴿لا إله إلا هو الحي القيوم﴾. قال: «ليهنك العلم يا أبا المنذر» (^١). وإنما كانت أعظم؟ لأنها توحيد كلها، كما صار قوله: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله" الحديث (^٢)، أفضل الذكر؛ لأنها كلمة حوت علوم جميع التوحيد، والفاتحة تضمنت التوحيد كله والعبادة والوعظ والتذكير، ولا يستبعد ذلك في قدرة الله، فإن الله جمع التوحيد كله في آية الكرسي، ثم جمعه في أقل حروفا منها التوحيد، وهو: ﴿قل هو الله أحد﴾. ثم جمعه لرسوله في كلمات يوم عرفة المتقدمة. ثم جمع ذلك في آية واحدة، وهي قوله: ﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق﴾ [الأحقاف: الآية: ٣]. وقوله: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا﴾ [المؤمنون: الآية: ١١٥] " (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ولهذا كانت سورة "الأنعام" أفضل من غيرها وكذلك سورة "يس" ونحوها من السور التي فيها أصول الدين التي اتفق عليها الرسل كلهم صلوات الله عليهم. ولهذا كانت ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: الآية: ١]، مع قلة حروفها تعدل ثلث القرآن؛ لأن فيها التوحيد فعلم أن آيات التوحيد أفضل من غيرها﴾ " (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كلمة التوحيد أفضل الكلام،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨١٠).
(٢) أخرجه مالك في الموطأ (٥٧٢) رواية يحيى، وأحمد: ٢/ ٢١٠، والترمذي (٣٥٨٥) من حديث عمرو بن شعبب، عن أبيه، عن جده. قال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه". وصححه من المعاصرين الألباني في سلسلته الصحيحة (١٥٠).
(٣) كتاب المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي المالكي ٢/ ٣٧٠.
(٤) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٩٠).
[ ٦٣٢ ]
وأعظمه فأعظم آية في القرآن آية الكرسي ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥]. وقال ﷺ «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (^١) " (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "النبي ﷺ سأل أبيًا «أي آية في كتاب الله أعظم؟» فأجابه أبيّ بأنها آية الكرسي، فضرب بيده في صدره وقال «ليهنك العلم»، ولم يستشكل أبيّ ولا غيره السؤال عن كون بعض القرآن أعظم من بعض، بل شهد النبي بالعلم لمن عرف فضل بعضه على بعض؛ وعرف أفضل الآيات" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الآيات المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته أعظم قدرا من آيات المعاد، فأعظم آية في القرآن آية الكرسي؛ المتضمنة لذلك، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم، وقد ثبت عنه ﷺ من غير وجه أن ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: الآية: ١]، تعدل ثلث القرآن" (^٤).
المطلب الثالث: كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه.
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه، فإن القرآن: إمَّا خبر عن الله
_________________
(١) رواه أحمد (٢١٥٢٩) وأبو داود (٣١١٦) وحسنه الألباني في "إرواء الغليل" (٦٨٧).
(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٠).
(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ١٩٩).
(٤) درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٦١.
[ ٦٣٣ ]
وأسمائه وصفاته وأفعاله فهو التوحيد العلمي الخبري، وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع كل ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإمَّا أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإمَّا خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده، وإمَّا خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم" (^١).
• قال ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: ٦٣٧ هـ) ﵀: "المراد بالقرآن هو دعوة العباد إلى الله تعالى، ولذلك انحصرت سوره وآياته في ستة أقسام:
ثلاثة منها هي الأصول، وثلاثة هي الفروع.
أما الأصول:
فالأول منها: تعريف المدعوّ إليه، وهو الله تعالى، ويشتمل هذا الأصل على ذكر ذاته وصفاته وأفعاله.
والأصل الثاني: تعريف الصراط المستقيم الذي تجب ملازمته في السلوك إلى الله تعالى ويشتمل هذا الأصل على التّبتّل بعبادة الله بأفعال القلب وأفعال الجوارح؛
والأصل الثالث: تعريف الحال بعد الوصول إلى الله تعالى، أعني بعد الموت، ويشتمل هذا الأصل على تفصيل أحوال الدار الآخرة من الجنة والنار والصراط والميزان والحساب، وأشباه ذلك؛ فهذه الأصول الثلاثة.
_________________
(١) مدارج السالكين ٣/ ٤٥٠.
[ ٦٣٤ ]
وأما الفروع
فالأول منها: تعريف أحوال المجيبين للدعوة، ولطائف صنع الله بهم من النّصرة والإدالة، وتعريف أحوال المخالفين للدعوة والمحادّين لها، وكيفية صنع الله في التّدمير عليهم والتنكير بهم،
والفرع الثاني: ذكر مجادلة الخصوم ومحاجّتهم، وحملهم بالمجادلة والمحاجّة على طريق الحق، وهؤلاء هم اليهود والنصارى ومن يجري مجراهم من أرباب الشرائع، والفلاسفة والملحدة من غير أرباب الشرائع؛
والفرع الثالث: تعريف عمارة منازل الطريق، وكيفية أخذ الزاد والأهبة للاستعداد، وذاك قياس الشريعة، وتبيين الحكمة في أوامرها التي تتعلق بأفعال أهل التكليف.
فهذه الأقسام الستة المشار إليها هي التي تدور معاني القرآن عليها ولا تتعداها" (^١).
المطلب الرابع: التوحيد يعدل ثلث القرآن.
• قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "وقوله: "إنها لتعدل ثلث القرآن"، أي: في الفضيلة والأجر، وليس يجوز تفضيل شيء من القرآن على شيء منه لذاته، فإن المفضول منقوص، وإنما فضلت هذه السورة في فضل ثوابها، إذ هي سورة الإخلاص ليس فيها شيء من العمل، إنما هي التوحيد والتفريد لاغير" (^٢).
_________________
(١) المثل السائر ٢/ ٦٨.
(٢) أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) للخطابي. ٤/ ٢٨٣.
[ ٦٣٥ ]
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وقال ﷺ: «إن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن». قال: بما فيها من التوحيد" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وقوله ﷺ للناس: «احتشدوا حتى أقرأ عليكم ثلث القرآن فحشدوا حتى قرأ عليهم: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: الآية: ١]، قال: «والذي نفسي بيده إنها تعدل ثلث القرآن».
وأما توجيه ذلك: فقد قالت طائفة من أهل العلم: إن القرآن باعتبار معانيه ثلاثة أثلاث: ثلث توحيد وثلث قصص وثلث أمر ونهي. و﴿قل هو الله أحد﴾ هي صفة الرحمن ونسبه وهي متضمنة ثلث القرآن، وذلك لأن القرآن كلام الله تعالى والكلام إما إنشاء وإما إخبار فالإنشاء هو الأمر والنهي وما يتبع ذلك كالإباحة ونحوها وهو الإحكام.
والإخبار: إما إخبار عن الخالق، وإما إخبار عن المخلوق.
فالإخبار عن الخالق: هو التوحيد وما يتضمنه من أسماء الله وصفاته.
والإخبار عن المخلوق: هو القصص وهو الخبر عما كان وعما يكون ويدخل فيه الخبر عن الأنبياء وأممهم ومن كذبهم والإخبار عن الجنة والنار والثواب والعقاب.
قالوا: فبهذا الاعتبار تكون ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن لما فيها من التوحيد الذي هو ثلث معاني القرآن" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿قل هو الله
_________________
(١) تفسير ابن عطية ٥/ ٥٣٧.
(٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٠٧).
[ ٦٣٦ ]
أحد - الله الصمد - لم يلد ولم يولد - ولم يكن له كفوا أحد﴾ [الإخلاص: الآيات: ١ - ٤]. ولهذا كانت هذه السورة تعدل ثلث القرآن؛ لأنها صفة الرحمن.
والقرآن ثلثه توحيد، وثلثه قصص، وثلثه أمر ونهي؛ لأنه كلام الله، والكلام إما إنشاء وإما إخبار، والإخبار إما عن الخالق وإما عن المخلوق، فصار ثلاثة أجزاء: جزء أمر ونهي وإباحة وهو الإنشاء، وجزء إخبار عن المخلوقين، وجزء إخبار عن الخالق، ف " ﴿قل هو الله أحد﴾ " صفة الرحمن [محضا].
وقد بسطنا الكلام على تحقيق قول النبي ﷺ «إنها تعدل ثلث القرآن» في مجلد، وفي تفسيرها في مجلد آخر" (^١).
• قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀-في إشارته إلى الحيّز الكبير الذي تشغله النصوص المتضمنة للعلم بالله تعالى وعبادته من القرآن؛ عن التوحيد العلمي الخبري: "لا تكاد تخلو ورقة من المصحف منه" (^٢).
المطلب الخامس: آيات التوحيد أكثر ورودًا في القرآن من آيات الأحكام.
من التقسيم الذي قال به بعضُ أهل العلم أن القرآن ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد، وأخبار، وأحكام، وهذه الأقسام عند التحقيق كلها تعود إلى التوحيد.
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٣/ ٢٩٠ - ٢٩١.
(٢) العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ٢/ ٢٥٣.
[ ٦٣٧ ]
• قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والقرآن فيه من ذِكْر أسماء الله وصفاته وأفعاله أكثر مما فيه من ذِكر الأكل والشُّرب والنكاح في الجنة، والآياتُ المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته أعظمُ قدرًا من آيات المعاد؛ فأعظمُ آيةٍ في القرآن آيةُ الكرسي المتضمنة لذلك …، وأعظم سورةٍ سورةُ أمِّ القرآن .. " (^١).
بل إن أغلب آيات الأحكام تختم بذكر أسماء الله وصفاته، والمتدبِّرُ لكلام الله - جل ذكره - يجد أن الآياتِ المختومةَ ببعض أسماء الله -تعالى- لا تنتهي إلا بما يناسِبُها من الأسماء، ولنكتفِ بمثال واحد؛ قال -تعالى- في سورة المائدة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: الآيات: ٣٨، ٣٩]، قال الأصمعي - رحمه الله تعالى -: "قرأتُ هذه الآيةَ وإلى جنبي أعرابي، فقلت: والله غفور رحيم - أي بدلًا من "وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" - سهوًا، فقال الأعرابيُّ: كلامُ من هذا؟ قلت: كلامُ الله، قال: أعِدْ، فأعَدْتُ والله غفور رحيم، فقال: ليس هذا كلامَ الله، فتنبَّهْتُ، فقلت: "وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" فقال: أصَبْتَ، هذا كلامُ الله، فقلت: أتقرأُ القرآن؟ قال: لا، فقلت: فمن أين علِمْتَ أني أخطأت؟ فقال: يا هذا، عزَّ فحكَم فقطَع، ولو غفَر ورحِم ما قطَع" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد والدعوة إليه، وتعليق النجاة والفلاح، واقتضاء السعادة في الآخرة به. ومعلوم أن الناس متفاضلون في تحقيقه، وحقيقته إخلاص
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل، (٣/ ٦١)،
(٢) ذكَر هذه القصة ابن الجوزي - رحمه الله تعالى - في تفسيره المسمى زاد المسير (تفسير سورة المائدة الآية: ٣٨ - ٣٩)
[ ٦٣٨ ]
الدين كله لله" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "جماع الدين هو عبادة الله وحده، وأعظم الذنوب الشرك، والقرآن مملوء من تعظيم التوحيد بالدعاء إليه والترغيب فيه، وبيان سعادة أهله، وتعظيم الشرك بالنهي عنه والتحذير منه وبيان شقاوة أهله" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فتأمل آيات التوحيد والصفات في القرآن على كثرتها وتفننها واتساعها وتنوعها كيف تجدها كلها قد أثبتت الكمال للموصوف بها وأنه المتفرد بذلك الكمال فليس له فيه شبه ولا مثال" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الله سبحانه نصب الأدلة على التوحيد، وأقام البراهين وأظهر الآيات، وأمرنا أن نشهد الأدلة والآيات، وننظر فيها ونستدل بها، ولا يجتمع هذا الإثبات وذلك النفي البتة، والمخلوقات كلها آيات للتوحيد، وكذلك الآيات المتلوة أدلة على التوحيد" (^٤).
المطلب السادس: آيات التوحيد دلالتها على معانيها أظهر من دلالة كثير من آيات الأحكام على معانيها.
قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الصحابة لم يتنازعوا في
_________________
(١) منهاج السنة ٥/ ٣٤٧.
(٢) الرد على الإخنائي ص ١٧٢ ..
(٣) كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ٣/ ٩١٦.
(٤) مدارج السالكين ٣/ ٤٦٥.
[ ٦٣٩ ]
تأويل آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفقت كلمتهم وكلمة التابعين بعدهم على إقرارها وإمرارها، مع فهم معانيها وإثبات حقائقها. وهذا يدل على أنها أعظم النوعين بيانا، وأن العناية ببيانها أهم؛ لأنها من تمام تحقيق الشهادتين، وإثباتها من لوازم التوحيد، فبينها الله ورسوله بيانا شافيًا لا يقع فيه لبس ولا إشكال يوقع الراسخين في العلم في منازعة ولا اشتباه.
ومن شرح الله لها صدره ونور لها قلبه يعلم أن دلالتها على معانيها أظهر من دلالة كثير من آيات الأحكام على معانيها. ولهذا آيات الأحكام لا يكاد يفهم معانيها إلا الخاصة من الناس، وأما آيات الأسماء والصفات فيشترك في فهمها الخاص والعام، أعني: فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية. ولهذا أشكل على بعض الصحابة قوله: ﴿يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ حتى بين لهم بقوله: ﴿من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٦] ولم يشكل عليه ولا على غيره قوله: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ [البقرة: ١٨٥] وأمثالها من آيات الصفات، وأشكل على عمر بن الخطاب آية الكلالة، ولم يشكل عليه أول الحديد وآخر الحشر وأول سورة طه، ونحوها من آيات الصفات" (^١).
المطلب السابع: آيات التوحيد يستحيل دخول النسخ عليها.
• قال أبو بكر بن أبي طالب القيسي (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "فلا يجوز أن يدخل أخبار الله تعالى النسخ أو التبديل، بل هي محكمة ثابتة؛
_________________
(١) كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ١/ ٤٩.
[ ٦٤٠ ]
لأنه تعالى إذا أخبر عن شيء فإنما يخبر بعلمه، وعلمه أزلي لا أول له، وهو مطابق للأمر في نفسه، علم ما كان، وما يكون، وما سيكون، فلو أخبر عن شيء أنه كان أو سيكون، ثم أخبر بنقيض ذلك أو برفعه، لكان ذلك خلفا وكذبا، مستلزما سبق الجهل، وحدوث العلم وتجدده، وهذا مما يعلم ضرورة أن الله تعالى منزه عنه، بل هو من صفات المخلوقين المربوبين، لا من صفات الخالق سبحانه" (^١).
• قال أبو جعفر النحاس (ت: ٣٣٨ هـ) ﵀-في معرض الرد على من يجوز النسخ في الأخبار-: "وهذا القول عظيم جدا، يؤول إلى الكفر؛ لأن قائلا لو قال: قام فلان، ثم قال: لم يقم، ثم قال: نسخته لكان كاذبا" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كتاب الله نوعان: خبر وأمر، أما الخبر فلا يجوز أن يتناقض، ولكن قد يفسر أحد الخبرين الآخر، ويبين معناه، وأما الأمر فيدخله النسخ، ولا ينسخ ما أنزل الله إلا بما أنزله الله، فمن أراد أن ينسخ شرع الله الذي أنزله برأيه وهواه كان ملحدا، وكذلك من دفع خبر الله برأيه ونظره كان ملحدا" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀، عند الكلام عن سورة الكافرون: "فلا نسخ في السورة ولا تخصيص، بل هي محكمة، وعمومها نص محفوظ، وهي من السور التي يستحيل دخول النسخ في مضمونها، فإن أحكام التوحيد الذي اتفقت عليه دعوة الرسل يستحيل
_________________
(١) الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه. لأبي بكر بن أبي طالب القيسي (٥٧).
(٢) الناسخ والمنسوخ في القرآن لأبي جعفر النحاس ص ٣.
(٣) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٠٨.
[ ٦٤١ ]
دخول النسخ فيه، وهذه السورة أخلصت التوحيد، ولهذا تسمى سورة الإخلاص" (^١).
المطلب الثامن: آيات التوحيد الأكثر ورودًا في السور المكية.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإن السور المكية تضمنت الأصول التي اتفقت عليها رسل الله؛ إذ كان الخطاب فيها يتضمن الدعوة لمن لا يقر بأصل الرسالة وأما السور المدنية ففيها الخطاب لمن يقر بأصل الرسالة كأهل الكتاب الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض وكالمؤمنين الذين آمنوا بكتب الله ورسله؛ ولهذا قرر فيها الشرائع التي أكمل الله بها الدين: كالقبلة والحج والصيام والاعتكاف والجهاد وأحكام المناكح ونحوها؛ وأحكام الأموال بالعدل كالبيع والإحسان كالصدقة والظلم كالربا وغير ذلك مما هو من تمام الدين ولهذا كان الخطاب في السور المكية: ﴿يا أيها الناس﴾ لعموم الدعوة إلى الأصول؛ إذ لا يدعى إلى الفرع من لا يقر بالأصل" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول الدين من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة، وأما تقرير الأحكام والشرائع فمظنة السور المدنية" (^٣).
_________________
(١) التفسير القيم ص ٥٩٧.
(٢) مجموع الفتاوى ١٥/ ١٦٠.
(٣) التبيان في أقسام القرآن لابن القيم ١/ ١٤٠.
[ ٦٤٢ ]
المطلب التاسع: التوحيد هو أول أمر في القرآن.
• قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: الآية: ٢١].
هذه الآية تضمّنت أوّل أمر وأوّل نهي في القرآن الكريم، فكان أوّل أمر هو الأمر بتوحيد الله، وأوّل نهي هو النّهي عن الإشراك بالله ﷿.
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "كل ما ورد في القرآن من العبادة فمعناها التوحيد" (^١).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾، يعني المنافقين واليهود وحِّدوا ربكم، ﴿الذي خلقكم﴾ ولم تكونوا شيئا، ﴿والذين من قبلكم﴾ من الأمم الخالية ﴿لعلكم﴾، يعني لكي ﴿تتقون﴾ الشرك وتوحدوا الله ﷿ إذا تفكرتم في خلقكم وخلق الذين من قبلكم" (^٢).
• قال سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٣٣ هـ) ﵀: "هذا أول أمر في القرآن، وهو الأمر بعبادته وحده لا شريك له، والنهي عن الشرك، كما في قوله: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ [البقرة: الآية: ٢١]. وتأمل كيف أمر تعالى بعبادته، أي: فعلها خالصة له، ولم يخص بذلك نوعا من
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة البقرة: الآية: ٢٢).
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة البقرة: الآية: ٢٢).
[ ٦٤٣ ]
أنواع العبادة، لا دعاء ولا صلاة ولا غيرهما، ليعم جميع أنواع العبادة، ونهى عن الشرك به، ولم يحض أيضا نوعا من أنواع العبادة بجواز الشرك فيه" (^١).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميدص ٤٣.
[ ٦٤٤ ]
المبحث الثالث: محاسن التوحيد والإيمان بالرسل.
وفيه أحد عشر مطلبًا.
المطلب الأول: التوحيد أساس دعوة الرسل.
• قال-﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٥].
فكل الرسل عليهم الصلاة والسلام قبل النبي-ﷺ: زبدة رسالتهم وأصلها: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وبيان أنه الإله الحق المعبود، وأن عبادة ما سواه باطلة (^١)؛ ولهذا قال الله ﷿: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُون﴾ [الزخرف: الآية: ٤٥].
• قال ﷾: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا الله وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل: الاية: ٣٦].
_________________
(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٨/ ٤٢٧، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص ٤٧٠.
[ ٦٤٥ ]
• قال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [الشورى: الآية: ١٥].
• قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿فلذلك فادع﴾ أي: فإلى هذا فادع، وهو التوحيد" (^١).
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) عند تفسير قوله-تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٥]؛ "أي: قلنا للجميع: لا إله إلا الله؛ فأدلَّة العقل شاهدةٌ أنه لا شريك له، والنقل عن جميع الأنبياء موجود، والدليل إمَّا معقولٌ وإما منقولٌ، وقال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ): لم يُرْسَل نبيٌّ إلا بالتوحيد، والشرائع مختلفة في التوراة والإنجيل والقرآن، وكلُّ ذلك على الإخلاص والتوحيد" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأصل دعوة جميع المرسلين قولهم ﴿اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ وعلى ذلك قاتل من قاتل منهم المشركين كما قال خاتم الرسل: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» (^٣)، قال الله تعالى ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه﴾ [الشورى: الآية: ١٣] " (^٤).
_________________
(١) تفسير السمعاني ٥/ ٦٨.
(٢) "تفسير القرطبي": (الأنبياء: ٢٥).
(٣) رواه البخاري (٢٥) ومسلم (٢٢).
(٤) قاعدة في المحبة ص ١١ - ١٢.
[ ٦٤٦ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ (﵀: "التوحيد الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وبه بعث الله الأولين والآخرين من الرسل.
• قال تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ [الزخرف: الآية: ٤٥].
• قال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة﴾ [النحل: الآية: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٥].
وقد أخبر الله - تعالى - عن كل من الرسل، مثل نوح وهود، وصالح وشعيب، وغيرهم، أنهم قالوا لقومهم: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. وهذا أول دعوة الرسل وآخرها" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله تعالى: قال تعالى: ﴿لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: الآية: ٥٩] وقال هود لقومه: ﴿اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: الآية: ٦٥] وقال صالح لقومه: ﴿اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: الآية: ٧٣] وقال شعيب لقومه: ﴿اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: الآية: ٨٥] وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل: الآية: ٣٦] " (^٢).
_________________
(١) منهاج السنة ٥/ ٣٤٦.
(٢) مدارج السالكين ٣/ ٤١١.
[ ٦٤٧ ]
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "دعوة الرسل تدور على ثلاثة أمور: تعريف الرب المدعو إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله.
الأصل الثاني: معرفة الطريق الموصلة إليه وهي ذكره وشكره وعبادته التي تجمع كمال حبه وكمال الذل له.
الأصل الثالث: تعريفهم ما لهم بعد الوصول إليه في دار كرامته من النعيم الذي أفضله وأجله رضاه عنهم وتجليه لهم ورؤيتهم وجهه الأعلى وسلامه عليهم وتكليمه إياهم ومحاضرتهم في مجالسهم" (^١).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "أصل الدعوة في كل ملة التوحيد، وكان الشاك فيه شاكا في الله، وكان أمر الله من الظهور بحيث لا يشك فيه عاقل حكم عقله مجردا عن الهوى" (^٢).
• قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: "لم يبعث الله سبحانه رسله، ولا أنزل عليهم كتبه إلا لإخلاص توحيده، وإفراده بالعبادة" (^٣).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "يخبر الله-﷿-أن حجته قامت على جميع الأمم، وأنه ما من أمّة متقدّمة، أو متأخرة إلا وبعث الله فيها رسولًا، وكلهم متفقون على دعوة واحدة، ودين واحد، وهو: عبادة الله وحده لا شريك له، فانقسمت الأمم بحسب استجابتها لدعوة الرسل قسمين: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله﴾ [النحل: الآية: ٣٦] فاتبعوا المرسلين، ﴿وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل: الآية: ٣٦]، فاتبع سبيل الغي" (^٤).
_________________
(١) الصواعق المرسلة ٤/ ١٤٨٩.
(٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ١٠/ ٣٩١.
(٣) الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني» (١/ ١٧٣).
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص ٣٩٣.
[ ٦٤٨ ]
• قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "اتفقت دعوتهم من أولهم إلى آخرهم على أصل العبادة وأساسها، وهو التوحيد بأن يفرد الله تعالى بجميع أنواع العبادة اعتقادا وقولا وعملا، ويكفر بكل ما يعبد من دونه، وأما الفروض المتعبد بها فقد يفرض على هؤلاء من الصلاة والصوم ونحوها مالا يفرض على الآخرين، ويحرم على هؤلاء ما يحل للآخرين، امتحانا من الله تعالى ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ [هود: ٧]
الدليل على ذلك من الكتاب على نوعين مجمل ومفصل.
أما المجمل فمثل قوله تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل: الآية: ٣٦] وقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٥] وقوله تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ [الزخرف: الآية: ٤٥] الآيات،
وأما المفصل فمثل قوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: الآية: ٥٩] ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله﴾ [الأعراف: الآية: ٧٣] ﴿وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: الآية: ٦٥] ﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: الآية: ٨٥] ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون - إلا الذي فطرني﴾ [الزخرف: الآيات: ٢٦ - ٢٧] وقال موسى: ﴿إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما﴾ [طه: الآية: ٩٨]، ﴿وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار﴾ [المائدة: الآية: ٧٢] ﴿قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله
[ ٦٤٩ ]
الواحد القهار﴾ [ص: الآية: ٦٥] وغيرها من الآيات" (^١).
• قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "فعلينا أن نعلم أن هذا الذي أمر به سيدنا ﷺ من تحقيق العبودية لله، وإخلاص حقوق الله لله، وتحقيق معنى (لا إله إلا الله) علينا أن نتبع فيه نبينا-ﷺ" (^٢).
المطلب الثاني: التوحيد مفتاح دعوة الرسل.
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالتوحيد: مفتاح دعوة الرسل، ولهذا قال النبي-ﷺ-لرسوله معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁-وقد بعثه إلى اليمن - «إنك تأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: عبادة الله وحده، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة» (^٣). وذكر الحديث وقال ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله» (^٤)، ولهذا كان الصحيح: أن أول واجب يجب على المكلف: شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك - كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم" (^٥).
_________________
(١) أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة ص ٤٩ - ٥٠.
(٢) العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ٢/ ٦٢٩.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي أمته إلى توحيد الله ﵎ ٤/ ٣٧٨، ح ٧٣٧٢.
(٤) رواه البخاري (٢٥) ومسلم (٢٢).
(٥) مدارج السالكين ٣/ ٤١١ - ٤١٢.
[ ٦٥٠ ]
• قال ابن القيم ٠ ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وقد اقتضت رحمة العزيز الحكيم أن بعث الرسل به معرفين وإليه داعين، وجعل معرفته سبحانه بأسمائه وصفاته، أفعاله هي مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم، فأساس دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، والأصل الأول فيها: معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله. ثم يتبع هذا الأصل أصلان عظيمان هما:
ا- تعريف الناس الطريق الموصلة إلى الله، وهي: "شريعته المتضمنة لأمره ونهيه".
٢ - تعريفهم مآلهم في الآخرة.
وهذان الأصلان تابعان للأصل الأول مبنيان عليه، فأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصلة إليه، وأعرفهم بحال الناس عند القدوم عليه" (^١).
• قال ابن القيم ٠ ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فإن الله ﷾ جعل لكل خير وشر مفتاحًا وبابًا يُدخل منه إليه.
كما جعل الشرك والكِبر والأعراض عما بعث الله به رسوله والغفلة عن ذكره والقيام بحقه مفتاحا للنار" (^٢).
• قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ومفتاح كل شرٍّ؛ حُبُّ الدنيا وطول الأمل. وهذا بابٌ عظيمٌ، من أنفع أبواب العلم، وهو: معرفة مفاتيح الخير والشر، لا يُوفق لمعرفته ومراعاته إلا من عَظُم حظُّه وتوفيقه" (^٣).
_________________
(١) الصواعق المرسلة ١/ ٥ - ٦.
(٢) حادي الأرواح ص ٤٩.
(٣) حادي الأرواح ص ٤٨.
[ ٦٥١ ]
المطلب الثالث: التوحيد خلاصة الدعوة النبوية، وزبدة الرسالة الإلهية.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "معرفة رب العالمين غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية، وزبدة الرسالة الإلهية" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإخلاص الدين لله هو الدين الذي لا يقبل الله سواه وهو الذي بعث به الأولين والآخرين من الرسل، وأنزل به جميع الكتب واتفق عليه أهل الإيمان، وهذا هو خلاصة الدعوة النبوية وهو قطب القرآن الذي تدور عليه رحاه" (^٢).
• قال محمد بن عبد الله الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ) ﵀: " التوحيد هو المقصود الأصلي من بعثة الرسل" (^٣).
المطلب الرابع: التوحيد أصل دين الأنبياء وإن اختلفت شرائعهم.
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أَولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات؛ أمهاتهم شتى ودينهم واحد» (^٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢/ ١٣.
(٢) مجموع الفتاوى ١٢/ ٤٨ - ٤٩.
(٣) كتاب معنى لا إله إلا الله للزركشي ص: ٨٧.
(٤) أخرجه البخاري (٣٤٤٣)، ومسلم (٢٣٦٥).
[ ٦٥٢ ]
• قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى ﴿وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم﴾ [البقرة: الآية: ٤١]، بما أنزلت في القرآن مصدقا لما معكم من التوراة. يعني أن القرآن مصدق لما في التوراة من التوحيد ونعت محمد" (^١).
• قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الزنبياء: الآية: ٩٢]، أي: وحدوني، وحقيقة معنى الآية: أن الملة التي دعوتكم إليها هي ملة الأنبياء قبلكم، إذ دين الكل واحد، وهذا في التوحيد، فأما الشرائع يجوز اختلافها، ويقال: معنى الآية: أنكم خلق واحد وكونوا على دين واحد" (^٢).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "واختلف المتأولون في معنى قوله ﷿ ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾
فقال علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁-وقتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀ (ت: ١١٨ هـ)، وجمهور المتكلمين: المعنى «لكل أمة منكم جعلنا شرعة ومنهاجا» أي لليهود شرعت ومنهاج وللنصارى كذلك وللمسلمين كذلك.
وهذا عندهم في الأحكام، وأما في المعتقد فالدين واحد لجميع العالم توحيد وإيمان بالبعث وتصديق للرسل، وقد ذكر الله تعالى في كتابه عددا من الأنبياء شرائعهم مختلفة، ثم قال لنبيه ﷺ ﴿أولئك الذين
_________________
(١) تفسير السمعاني ١/ ٧١.
(٢) تفسير السمعاني ٣/ ٤٠٧.
[ ٦٥٣ ]
هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: الآية: ٩٠] فهذا عند العلماء في المعتقدات فقط، وأما أحكام الشرائع فهذه الآية هي القاضية فيها لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" (^١).
• قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: "قال جمهور العلماء معنى الحديث: أصل إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة فإنهم متفقون في أصول التوحيد وأما فروع الشرائع فوقع فيها الاختلاف، فقوله: «ودينهم واحد» أي أصول التوحيد، أو أصل طاعة الله تعالى وإن اختلفت صفتها، أو أصول التوحيد والطاعة جميعا" (^٢).
فآفاد الحديث أن الأنبياءَ كلَّهم على دين واحد هو دين الإسلام فكلُّهم دعَوا إلى عبادة الله وحده وعدمِ الإشراك به شيئًا والتصديقِ بأنبيائه، ولكنَّ شرائعَهم مختلفةٌ أي الأحكام.
فالمرسلين قاطبة يَنتسِبون إلى أصلٍ واحد، هو الدين القيِّم، الذي ارتضاه الله لنفسه، وشرَعه لعبده، ثم وصَّى به رُسله، وكتب ألا يَقبَل غيره، وألا يجزي إلا به، وتعاقب الأنبياء على هذا الدين الحق، الذي أصوله: توحيد الله وتنزيهه.
• قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: عند قوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا﴾ [النساء: الآية: ١٦٣] "المراد كما أوحينا إليهم في التوحيد ونحوه من قواعد الأصول" (^٣).
_________________
(١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٢/ ٢٠٠ - ٢٠١.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/ ١٢٠.
(٣) الإشارات الأصولية إلى المباحث الإصولية ص: ١٩١.
[ ٦٥٤ ]
• قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: "اختصاص كل أمة بشرعة إنما هو في فروع التكاليف، أما التوحيد ونحوه من أصول الديانات فالشرائع فيه واحدة" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فأصل الدين وقاعدته يتضمن أن يكون الله هو المعبود الذي تحبه القلوب وتخشاه ولا يكون لها إله سواه، والإله ما تألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والإجلال والإعظام ونحو ذلك.
والله سبحانه أرسل الرسل بأنه لا إله إلا هو فتخلو القلوب عن محبة ما سواه بمحبته، وعن رجاء ما سواه برجائه، وعن سؤال ما سواه بسؤاله، وعن العمل لما سواه بالعمل له، وعن الاستعانة بما سواه بالاستعانة به" (^٢).
• قال محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀: "التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به، ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه " (^٣).
• قال محمد أنور شاه بن معظم شاه الكشميري الهندي (ت ١٣٥٣ هـ) ﵀: "والذي ظهر لي: أن بعثة الأنبياء كلهم عامة في حق التوحيد كما صرح به ابن دقيق العيد (ت: ٦٢٥ هـ) ﵀، بمعنى أنه يجوز لهم أن يدعو إليه من شاؤوا سواء كانوا مبعوثين إليهم أم لا. ويجب على
_________________
(١) الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية ص: ٢١٩ ..
(٢) مجموع الفتاوى ١١/ ٥٢٣ - ٥٢٤.
(٣) مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب "الجزء الأول" ص: ٢٩٣.
[ ٦٥٥ ]
القوم إجابة دعوتهم ولا يسع لهم الإنكار بحال، فإن أنكروا استحقوا النار" (^١).
المطلب الخامس: التوحيد هو نذارة الأنبياء والرسل للناس.
• قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِر وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: الآية: ٦٥].
• قال تعالى: ﴿ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون﴾ [النحل: الآية: ٢].
• قال الربيع بن أنس (ت: ١٣٩ هـ) ﵀: "حق على من اتبع رسول الله ﷺ أن يدعو كالذي دعا رسول الله ﷺ، وأن ينذر كالذي أنذر" (^٢).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿قل إنما أنا منذر﴾ يعني رسول ﴿وما من إله إلا الله الواحد﴾ لا شريك له ﴿القهار﴾ آية لخلقه" (^٣).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " ﴿وَما مِنْ إلَهٍ إلاّ اللّهُ الوَاحِدُ القهّارُ﴾ [ص: الآية: ٦٥]، "يقول: وما من معبود تصلح له العبادة، وتنبغي له الربوبية، إلا الله الذي يدين له كلّ شيء، ويعبدهُ كلّ خلق، الواحد الذي لا ينبغي أن يكون له في ملكه شريك، ولا ينبغي أن تكون له
_________________
(١) كتاب فيض الباري على صحيح البخاري ١/ ٢٨٠.
(٢) تفسير ابن كثير (سورة الأنعام: الآية: ١٩).
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة ص: الآية: ٦٥).
[ ٦٥٦ ]
صاحبة، القهار لكلّ ما دونه بقدرته" (^١).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿قل إنما أنا منذر﴾ أي: نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ﴿وما من إله إلا الله الواحد القهار﴾ أي: وما من معبود تجب له العبادة إلا الله الواحد، أي: المنفرد بالعبادة القهار لكل ما دونه بقدرته" (^٢).
• قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: "واعلم أن الشرائع مختلفة، ولكل قوم شريعة … وأما الدين في الكل واحد، وهو التوحيد" (^٣).
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: " قوله تعالى: ﴿قل إنما أنا منذر﴾ أي مخوف عقاب الله لمن عصاه وقد تقدم. ﴿وما من إله﴾ أي معبود ﴿إلا الله الواحد القهار﴾ الذي لا شريك له" (^٤).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: " ﴿قل﴾ أي لمن يقول لك ذلك: ﴿إنما أنا منذر﴾ أي مخوف لمن عصى، ولم أدّع أني إله، ليطلب مني ذلك فإنه لا يقدر على مثله إلا الإله، فهو قصر قلب للموصوف على الصفة، وأفرد قاصرًا للصفة في قوله: ﴿وما﴾ وأعرق في النفي بقوله: ﴿من إله﴾ أي معبود بحق لكونه محيطًا بصفات الكمال. ولما كان السياق للتوحيد الذي هو أصل الدين، لفت القول عن مظهر العظمة إلى أعظم منه وأبين فقال: ﴿إلا الله﴾ وللإحاطة عبر بالاسم العلم
_________________
(١) تفسير الطبري (سورة ص: الآية: ٦٥).
(٢) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة ص: الآية: ٦٥).
(٣) تفسير السمعاني ٢/ ٤٣.
(٤) تفسير الجامع لأحكام القرآن. (سورة ص: الآية: ٦٥).
[ ٦٥٧ ]
الجامع لجميع الأسماء الحسنى ولو شاركه شيء لم يكن محيطًا وللتفرد قال مبرهنًا على ذلك: ﴿الواحد﴾ أي بكل اعتبار فلا يمكن أن يكون له جزء أو يكون له شبيه محتاجًا مكافئًا ﴿القهار﴾ أي الذي يقهر غيره على ما يريد، وهذا برهان على أنه الإله وحده وأن آلهتهم بعيدة عن استحقاق الإلهية لتعددها وتكافئها بالمشابهة واحتياجها" (^١).
• قال أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت: ٨٩٨ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿كل كذب الرسل﴾ [ق: الآية: ١٤]، أي فيما أرسلوا به من الشرائع التي من جملتها البعث الذي أجمعوا عليه قاطبة أي كل قوم من الأقوام المذكورين كذبوا رسولهم أو كذب جميعهم جميع الرسل بالمعنى المذكور وإفراد الضمير باعتبار لفظ الكل أو كل واحد منهم كذب جمع الرسل لاتفاقهم على الدعوة إلى التوحيد والإنذار بالبعث والحشر فتكذيب واحد منهم تكذيب للكل وهذا على تقدير رسالة تبع ظاهر وأما على تقدير عدمها وهو الأظهر فمعنى تكذيب قومه الرسل تكذيبهم بمن قبلهم من الرسل المجمعين على التوحيد والبعث" (^٢).
• قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: "ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يقول قولًا جامعًا بين التخويف، والإرشاد إلى التوحيد، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ﴾ أي: مخوّف لكم من عقاب الله وعذابه ﴿وَمَا مِنْ إله﴾ يستحق العبادة ﴿إِلاَّ الله الواحد﴾ الذي لا شريك له القهار﴾ لكل شيء سواه" (^٣).
_________________
(١) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي. (سورة ص: الآية: ٦٥).
(٢) تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود (تفسير سورة ق: الآية: ١٤)، ٨/ ١٢٨.
(٣) تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني. (سورة ص: الآية: ٦٥).
[ ٦٥٨ ]
المطلب السادس: التوحيد هو القول اللين.
• قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلا لَّيِّنا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: الآية: ٤٤].
• عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀-في قوله: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قال: لا إله إلا الله" (^١).
• قال أبو منصور الماتريدي (ت: ٣٣٣ هـ) ﵀: "قال بعضهم: ﴿قولا لينا﴾ قول: لا إله إلا الله" (^٢).
• قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: "وقيل: القول اللين لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولِينها خفتها على اللسان" (^٣).
• قال الألوسي (ت: ١٢٧٠ هـ) ﵀: "وروي عن عكرمة أن القول اللين لا إله إلا الله ولينه خفته على اللسان" (^٤).
المطلب السابع: التوحيد هو وصيته سبحانه لأنبيائه ورسله.
• قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (سورة طه: الآية: ٤٤).
(٢) تفسير تأويلات أهل السنة للماتريدي. (سورة طه: الآية: ٤٤).
(٣) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة طه: الآية: ٤٤).
(٤) تفسير روح المعاني للألوسي. (سورة طه: الآية: ٤٤).
[ ٦٥٩ ]
تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: الآية: ١٣].
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "ودين الإسلام الذي تمسك به الأنبياء جميعهم ﵈ ودعوا إليه هو توحيد الله والإيمان به وطاعة رسله وقبول شرائعه" (^١).
والدين الذي أمر الله سبحانه الأنبياء بالاجتماع عليه والتمسك به هو دين واحد وهو دين الإسلام.
• قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿أن أقيموا الدين﴾ أي: اثبتوا على التوحيد" (^٢).
• قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: الآيات: ٥١ - ٥٣].
• قال عبد الله بن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، قوله تعالى: ﴿وإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: الآية: ٥٢]، يقول: دينكم دين واحد" (^٣).
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "ومعنى الأمة هنا: الدين (^٤) أي دينكم يا معشر الأنبياء دين واحد وملة واحدة وهو الدعوة إلى عبادة الله لا شريك له (^٥).
_________________
(١) انظر «تفسير الطبري» (١٧/ ٦٧).
(٢) انظر «تفسير السمعاني» (٥/ ٦٧).
(٣) تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٩).
(٤) انظر «الفرقان بين الأولياء الرحمن وأولياء الشيطان» ضمن مجموعة التوحيد (٢/ ٥٩٤) وانظر الفتاوى (٣/ ٦٤).
(٥) تفسير القرطبي (١٢/ ٨٦).
[ ٦٦٠ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الدين هو دين الإسلام، الذي لا يقبل الله دينا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، قال تعالى عن نوح: ﴿واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون • فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين﴾ [يونس: الآيات: ٧١ - ٧٢]، وقال عن إبراهيم: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين • إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين • ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [البقرة: الآيات: ١٣٠ - ١٣٢]، وقال عن موسى: ﴿وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين﴾ [يونس: الآية: ٨٤]، وقال في خبر المسيح: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون﴾ [المائدة: الآية: ١١١]، وقال فيمن تقدم من الأنبياء: ﴿يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا﴾ [المائدة: الآية: ٤٤]، وقال عن بلقيس أنها قالت: ﴿رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين﴾ [النمل: الآية: ٤٤].
فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده.
وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت، فإذا أمر في أول الأمر باستقبال الصخرة، ثم أمر ثانيا باستقبال الكعبة، كان كل من
[ ٦٦١ ]
الفعلين حين أمر به داخلا في دين الإسلام، فالدين هو الطاعة والعبادة له في الفعلين، وإنما تنوع بعض صور الفعل وهو وجهة المصلي، فكذلك الرسل دينهم واحد، وإن تنوعت الشرعة. والمنهاج والوجهة والمنسك، فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدين واحدا، كما لم يمنع ذلك في شرعة الرسول الواحد" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿فويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾ [فصلت: الآية: ٧]، أي لا يؤتون ما تزكى به أنفسهم من التوحيد والإيمان، ولهذا فسرها غير واحد من السلف بأن قالوا لا يأتون الزكاة لا يقولون لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأن يكون الله أحب إلى العبد من كل ما سواه هو أعظم وصية جاءت بها الرسل ودعوا إليها الأمم" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "التوحيد-كل التوحيد-أن يشهد كل شيء دليلا عليه، مرشدا إليه، ومعلوم أن الرسل أدلة للتوحيد" (^٣).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀-في تفسير قوله تعالى: ﴿فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم﴾ [الشورى: الآية: ١٥]، اللام في قوله: ﴿فلذلك﴾ قالت فرقة: هي بمنزلة إلى، كما قال تعالى: بأن ربك أوحى لها [الزلزلة: الآية: ٥] أي إليها، كأنه قال: فإلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد فادع" (^٤).
_________________
(١) الرسالة التدمرية ١/ ١٦٨ - ١٧٠.
(٢) مفتاح دار السعادة ٢/ ١٢٠.
(٣) مدارج السالكين ٣/ ٤٦٥.
(٤) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٥/ ٣٠.
[ ٦٦٢ ]
المطلب الثامن: التوحيد وصية الأنبياء لذريتهم.
• قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: الآيات: ١٣٢ - ١٣٣].
• عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄، أن رسول الله-ﷺ-قال: «إنَّ نبيَّ اللهِ نوحًا صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم لَمَّا حضَرَتْه الوفاةُ قال لابنِه: إنِّي قاصٌّ عليكَ الوصيَّةَ: آمُرُكَ باثنتينِ وأنهاكَ عن اثنتينِ؛ آمُرُكَ بلا إلهَ إلَّا اللهُ؛ فإنَّ السَّمواتِ السَّبعَ والأرَضينَ السَّبعَ، لو وُضِعَتْ في كِفَّةٍ ووُضِعَتْ لا إلهَ إلَّا اللهُ في كِفَّةٍ، رجَحَتْ بهنَّ لا إلهَ إلَّا اللهُ، ولو أنَّ السَّمواتِ السَّبعَ والأرَضينَ السَّبعَ كُنَّ حَلقةً مُبْهَمةً، قَصَمَتْهُنَّ لا إلهُ إلَّا اللهُ وسُبحانَ اللهِ وبحمدِه؛ فإنَّها صلاةُ كلِّ شيءٍ، وبها يُرزَقُ الخَلْقُ، وأنهاكَ عنِ الشِّركِ والكِبْرِ» (^١).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: الآية: ١٣٢]، يعني: كلمة التوحيد ﴿ويعقوب﴾ أي: وأوصى بها أيضا يعقوب بنيه بعد إبراهيم قال: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أي: اختار لكم الإسلام" (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري في الأدب المفرد (٤٨).
(٢) تفسير القرآن العزيز لابن زبي زمنين ١/ ١٨٠
[ ٦٦٣ ]
المطلب التاسع: من تمام التوحيد شهادة أن محمدًا رسول الله.
• عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀؛ في قوله ﷿: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ [الشرح: الآية: ٤]؛ قال: إذا ذكرت ذكرت معي؛ أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله" (^١).
• عن محمد بن كعب (ت: ١٠٨ هـ) ﵀: "قال: إذا ذكر الله ﷿ ذكر معه؛ أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله-ﷺ" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "محمد رسول الله، من تمام قول لا إله إلا الله. فالكلمتان تخرجان من أصل القلب، من مشكاة واحدة. لا تتم إحداهما إلا بالأخرى" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إثبات حمده التام، فإنه يقتضي كمال حكمته، وأن لا يخلق خلقه عبثا، ولا يتركهم سدى، لا يؤمرون ولا ينهون، ولذلك نزه الله نفسه عن هذا في غير موضع من كتابه، وأخبر أن من أنكر الرسالة والنبوة وأن يكون ما أنزل على بشر من شيء فإنه ما عرفه حق معرفته، ولا عظمه حق تعظيمه، ولا قدره حق قدره، بل نسبه إلى ما لا يليق به، ويأباه حمده ومجده.
فمن أعطى الحمد حقه علما ومعرفة وبصيرة استنبط منه "أشهد أن محمدا رسول الله" كما يستنبط منه أشهد أن لا إله إلا الله، وعلم قطعا أن تعطيل النبوات في منافاته للحمد، كتعطيل صفات الكمال، وكإثبات
_________________
(١) سنن سعيد بن منصور تكملة التفسير ٨/ ٣٧٧.
(٢) سنن سعيد بن منصور تكملة التفسير ٨/ ٣٧٨.
(٣) مدارج السالكين ٣/ ٤٧.
[ ٦٦٤ ]
الشركاء والأنداد" (^١).
المطلب العاشر: النبوة مرتبطة بالتوحيد أعظم من ارتباطها بغيرها.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأيضا فالإلهيات التي تعلم منها قدرة الرب وإرادته وحكمته وأفعاله: منها يعلم النبي من المتنبئ، ومنها يعلم صدق النبي فهي أدل على صدق النبي من مجرد القصص وما في القصص من الدلالة على صدقه إنما يدل مع الإلهيات وإلا فلو تجرد لم يدل على شيء، فالنبوة مرتبطة بالإلهيات أعظم من ارتباطها بغيرها، والأنبياء إنما بعثوا بالدعوة إلى الله وحده وقد يذكرون المعاد مجملا ومفصلا، والقصص قد يذكر بعضهم بعضها مجملا. وأما الإلهيات فهي الأصل ولا بد من تفصيل الأمر بعبادة الله وحده دون ما سواه فلا بد لكل نبي من الأصول الثلاثة: الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح" (^٢).
المطلب الحادي عشر: التوحيد حماه النبي-ﷺ-عما يشوبه من الأقوال والأعمال التي يضمحل معها التوحيد أو ينقص.
حمايته ﷺ حمى التوحيد عما يشوبه من الأقوال والأعمال التي
_________________
(١) مدارج السالكين ١/ ٩٠.
(٢) مجموع الفتاوى ١٧/ ١٢٥ - ١٢٦.
[ ٦٦٥ ]
يضمحل معها التوحيد أو ينقص.
• فعن عبد الله بن الشخير-﵁، قال: "انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي-ﷺ-فقلنا: أنت سيدنا (^١)، فقال: «السيد الله ﵎». قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: «قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان» " (^٢).
• عن أنس (ت: ٩٠ هـ) ﵁"أن ناسا قالوا: يا رسول الله! يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. فقال: «يا أيها الناس! قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿» " (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: " "وقد حمى النبي ﷺ جانب التوحيد أعظم حماية، حتى نهى عن صلاة التطوع لله سبحانه عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ لئلا يكون ذريعة إلى التشبه بعباد الشمس الذين يسجدون لها فى هاتين الحالتين، وسد الذريعة بأن منع الصلاة بعد العصر والصبح لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين يسجد المشركون
_________________
(١) وأما إطلاق السيد فقد ذكر ابن القيم-رحمه الله تعالى-في بدائع الفوائد (ص ١٦٢) ما نصه: "اختلف العلماء في جواز إطلاق السيد على البشر فمنعه قوم، ونقل عن مالك، واحتجوا بقول النبي ﷺ لما قيل له: أنت سيدنا، فقال: "السيد الله". وجوزه قوم، واحتجوا بقول النبي ﷺ للأنصار: " قوموا إلى سيدكم" ٣ وهذا أصح من الحديث الأول.
(٢) رواه أبو داود بسند جيد برقم (٤٨٠٦) في الأدب: باب في كراهية التمادح، وأحمد في "المسند" ٤/ ٢٥، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم (٢٤٥ - ٢٤٧)، وابن السني رقم (٣٨٧)، وإسناده صحيح.
(٣) رواه النسائي في " عمل اليوم والليلة رقم (٢٤٨ و٢٤٩)، وأحمد في المسند ٣/ ١٥٣ و٢٤١ وهو حديث صحيح.
[ ٦٦٦ ]
فيهما للشمس" (^١).
• قال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت: ١٢٨٥ هـ) ﵀: "قوله في حديث أنس (ت: ٩٠ هـ): " أن ناسا قالوا يا رسول الله يا خيرنا وابن خيرنا "الحديث، كره ذلك لئلا يكون وسيلة إلى الغلو فيه والإطراء كما تقدم في قوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله» (^٢)، وهذا من كمال نصحه للأمة وشفقته عليهم، حذرهم مما يكون ذريعة إلى الغلو فيه.
فقوله: "لا تطروني" الإطراء هو الغلو، "كما أطرت النصارى ابن مريم"، كما قال تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ [النساء: الآية: ١٧١]، قوله: «إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله»، أمرهم ﷺ أن لا يتجاوزوا هذا القول، وقد أمر الله عباده بالصلاة والسلام عليه؛ لأن أشرف مقامات الأنبياء العبودية الخاصة والرسالة.
وقوله: «أنا محمد عبد الله ورسوله»، فأعلى مراتب العبد هاتان الصفتان العبودية الخاصة والرسالة، وللنبي ﷺ أكملها، وقد أخبر تعالى أنه وملائكته يصلون عليه، وأمر أمته أن يصلوا عليه، وأثنى عليه بأحسن ثناء وأبلغه، وشرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، فلا يذكر في الأذان والتشهد والخطب، إلا ذكر معه صلوات الله وسلامه عليه" (^٣).
_________________
(١) الداء والدواء ص ١٣٥.
(٢) رواه البخاري: أحاديث الأنبياء (٣٤٤٥)، وأحمد (١/ ٢٣، ١/ ٢٤، ١/ ٤٧). قوله: "لا تطروني" الإطراء هو الغلو، "كما أطرت النصارى ابن مريم"، كما قال تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ ٢ قوله: " إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله " ٣ أمرهم ﷺ أن لا يتجاوزوا هذا القول، وقد أمر الله عباده بالصلاة والسلام عليه؛ لأن أشرف مقامات الأنبياء العبودية الخاصة والرسالة.
(٣) قرة عيون الموحدين ص ٢٥٩.
[ ٦٦٧ ]
المبحث الربع: محاسن التوحيد والإيمان باليوم الآخر.
وفيه أربع وثلاثون مطلبًا
المطلب الأول: كلمة التوحيد مما يسأل عنه العبد يوم القيامة وفي قبره:
• قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: الآية: ٢٤].
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "قال المفسرون: لما سيقوا إلى النار حبسوا عند الصراط لأن السؤال عند الصراط، فقيل: وقفوهم ﴿إنهم مسئولون﴾.
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "عن لا إله إلا الله" (^١).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿وقفوهم﴾ أي: احبسوهم، وهذا قبل أن يدخلوا النار ﴿إنهم مسئولون﴾ عن لا إله إلا الله" (^٢).
• قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الصافات الآية: ٢٤)، تفسير القرطبي (سورة الصافات الآية: ٢٤).
(٢) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٤/ ٥٨.
[ ٦٦٨ ]
الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: الآية: ٢٧].
• عن البراء بن عازب (ت: ٧٢ هـ) ﵁ مرفوعًا: «المسلمُ إذا سُئِلَ في القَبْرِ يَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فذلك قولُهُ تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الذِينَ آمَنُوا بالقَوْلِ الثَّابِتِ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]» (^١).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: " قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثات﴾، كلمة التوحيد، وهي قول: لا إله إلا الله ﴿في الحياة الدنيا﴾، يعني قبل الموت، ﴿وفي الآخرة﴾، يعني في القبر. هذا قول أكثر أهل التفسير. وقيل: ﴿في الحياة الدنيا﴾: عند السؤال في القبر" (^٢).
• قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "وهذه الآية نصُّها في عذاب القبر بصريح الأحاديث، وباتِّفاق أئمة التفسير من الصحابة فالتابعين فمن بعدهم، وأن المراد بالتثبيت هو عند السؤال في القبر حقيقة"" (^٣).
المطلب الثاني: التوحيد يعين صاحبه على حسن الخاتمة.
فالإنسان في حالة وفاته يرى عليه أحيانا أشياء تدل على حسن
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٦٩)، ومسلم (٢٨٧١).
(٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة إبراهيم: الآية: ٢٧).
(٣) "معارج القبول": (٢/ ١١٥).
[ ٦٦٩ ]
خاتمته، من أفضل ما يدل على ذلك قول: لا إله إلا الله عند وفاته.
• عن معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁-قال: قال النبي ﵌: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (^١)، فهذه من علامات حسن الخاتمة.
• عن حذيفة (ت: ٣٦ هـ) ﵁، أن النبي ﷺ قال: «من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله، ختم له بها، دخل الجنة» (^٢)، أي: ختم الله له بهذه الكلمة فيدخل الجنة بسببها.
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: ولقد أهلكنا الأمم التي كذبت رسل الله من قبلكم أيها المشركون بربهم، ﴿لما ظلموا﴾، يقول: لما أشركوا وخالفوا أمر الله ونهيه، ﴿وجاءتهم رسلهم﴾ من عند الله، ﴿بالبينات﴾، وهي الآيات والحجج التي تُبين عن صِدْق من جاء بها. ومعنى الكلام: وجاءتهم رسلهم بالآيات البينات أنها حق، ﴿وما كانوا ليؤمنوا﴾ يقول: فلم تكن هذه الأمم التي أهلكناها ليؤمنوا برسلهم ويصدِّقوهم إلى ما دعوهم إليه من توحيد الله وإخلاص العبادة له، ﴿وكذلك نجزي المجرمين﴾، يقول تعالى ذكره: كما أهلكنا هذه القرون من قبلكم، أيها المشركون، بظلمهم أنفسَهم، وتكذيبهم رسلهم، وردِّهم نصيحتَهم، كذلك أفعل بكم فأهلككم كما أهلكتهم بتكذيبكم رسولكم محمدًا ﷺ، وظلمكم أنفسكم بشرككم بربكم، إن أنتم لم تُنيبوا وتتوبوا إلى الله من شرككم فإن من ثواب الكافر بي على كفره عندي، أن أهلكه بسَخَطي في الدنيا، وأوردُه النار في
_________________
(١) رواه أحمد (٢١٥٢٩) وأبو داود (٣١١٦) وحسنه الألباني في "إرواء الغليل" (٦٨٧).
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٣٩١)، وإسناده صحيح، قال المنذري (٢/ ٦١) "لا بأس به" ..
[ ٦٧٠ ]
الآخرة" (^١).
• قال الحافظ الإشبيلي (ت: ٥٨١ هـ) ﵀: "إنّ سوء الخاتمة لا يكون لمن استقام ظاهره وصلُح باطنُه، ما سُمع بهذا قطُّ ولا عُلم به والحمد لله وإنما يكون لمن كان له فسادٌ في العقل أو إصرار على الكبائر وإقدام على العظائم أو لمن كان مستقيما ثم تغيّرت حاله وخرج عن سُننه وأخذ في غير طريقه" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "من أعظم الفقه أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنة" (^٣).
ومن أعظم صور سوء الخاتمة ما حل بالمكذبين بتوحيد الله قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يونس: الآية: ١٣].
المطلب الثالث: التوحيد به انقسم الناس إلى سعداء وأشقياء.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وذلك أنه علم بالاضطرار: أن الرسل كانوا يجعلون ما عبده المشركون غير الله؛ ويجعلون عابده عابدا لغير الله مشركا بالله عادلا به جاعلا له ندا فإنهم دعوا الخلق إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ وهذا هو دين الله؛ الذي أنزل به كتبه؛ وأرسل به رسله؛ وهو الإسلام العام؛ الذي لا يقبل الله من الأولين
_________________
(١) تفسير الطبري (سورة يونس الآية: ١٣).
(٢) الاعتصام ١/ ٢٢٤.
(٣) الداء والدواء ص: ٣٩٠.
[ ٦٧١ ]
والآخرين غيره؛ ولا يغفر لمن تركه بعد بلاغ الرسالة؛ كما قال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: الآية: ٤٨].
وهو الفارق بين أهل الجنة وأهل النار والسعداء والأشقياء كما قال النبي ﷺ «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله: وجبت له الجنة» (^١)، وقال: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله: وجبت له الجنة»، وقال: «إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت: إلا وجد روحه لها روحا وهي رأس الدين»، وكما قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها: عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» (^٢) " (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "هذه الكلمة هي: الفارق بين أهل الجنة وأهل النار كما في "صحيح مسلم" عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «الموجبتان: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار» (^٤)، وفي الصحيح عنه: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» (^٥)، وفي الصحيح أيضا: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» (^٦) " (^٧).
_________________
(١) رواه أحمد (٢١٥٢٩) وأبو داود (٣١١٦) وحسنه الألباني في "إرواء الغليل" (٦٨٧).
(٢) رواه البخاري (٢٥) ومسلم (٢٢).
(٣) مجموع الفتاوى ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦.
(٤) أخرجه مسلم (٩٣) (١٥١).
(٥) أخرجه مسلم (٢٦) (٤٣).
(٦) أخرجه مسلم (٩١٦) (١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وفي الباب عن أبي هريرة: رواه مسلم (٩١٧) (٢).
(٧) قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات. لابن تيمية. ص ٢٨ - ٢٩.
[ ٦٧٢ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإن التوحيد أصل الإيمان وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل النار وهو ثمن الجنة " (^١).
المطلب الرابع: التوحيد آخر ما يخرج به من الدنيا.
• عن معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «من كان آخرُ كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة» (^٢).
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «لقِّنوا موتاكم لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ فإنَّه مَنْ كان آخرُ كلمتِه لا إلهَ إلَّا اللهُ عندَ الموتِ، دخَل الجنَّةَ يومًا مِنْ الدَّهرِ، وإنْ أصابه قبْلَ ذلك ما أصابه» (^٣).
• عن أبي ذر (ت: ٣٠ أو ٣١ هـ) ﵁-قال: "أتيتُ النبيَّ ﷺ وعليه ثوبٌ أبيضُ، وهو نائمٌ، ثم أتيْتُه وقد استيقَظَ، فقال: «ما مِنْ عبدٍ قال: لا إلهَ إلا اللهُ، ثم ماتَ على ذلك إلا دخَلَ الجنةَ، قلتُ: وإن زنى وإن سَرَقَ؟ قال: وإن زنى وإن سَرَقَ، قلتُ: وإن زنى وإن سَرَقَ؟ قال: وإن زنى وإن سَرَقَ، قلتُ: وإن زنى وإن سَرَقَ؟! قال: وإن زنى وإن سَرَقَ على رَغْمِ أنفِ أبي ذرٍّ!، وكان أبو ذرٍّ إذا حدَّثَ بهذا قال: وإن رَغِمَ أنفُ أبي ذرٍّ!» (^٤).
• وفي الصحيح من حديث عثمان بن عفان (ت: ٣٥ هـ) ﵁: «من
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٣٥.
(٢) رواه أحمد (٢١٥٢٩) وأبو داود (٣١١٦) وحسنه الألباني في "إرواء الغليل" (٦٨٧).
(٣) (ابن حبان: ٣٠٠٤)، وصححه الألباني في (صحيح الجامع: ٥١٥٠).
(٤) رواه (البخاري: ٥٨٢٧) و(مسلم: ٩٤).
[ ٦٧٣ ]
مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله، دخل الجنة» (^١).
كان سفيان الثوري (ت: ١٦١ هـ) ﵀-يأتي إبراهيم بن أدهم فيقول: "يا إبراهيم بن أدهم ادع الله أن يقبضنا على التوحيد" (^٢).
قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ): " فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: الآية: ١٨].
والمقصود من التكرير وجهان:
أن يكون العبد مواظبًا على تكريرها طول عمره.
الثاني: كأنه قال: عبدي، جعلت هذه الكلمة أول الآية وآخرها، فاجعلها أنت أيضًا أول عمرك وآخره، حتى تفوز بالنجاة والسلامة" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: " الصحيح: أن أول واجب يجب على المكلف: شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك - كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم.
فالتوحيد: أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال النبي-ﷺ: «من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله؛ دخل الجنة»، فهو أول واجب، وآخر واجب، فالتوحيد: أول الأمر وآخره" (^٤).
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦).
(٢) الثبات عند الممات لابن الجوزي ص: ٨٠
(٣) عجائب القرآن ص ٣٤.
(٤) مدارج السالكين ٣/ ٤١٢.
[ ٦٧٤ ]
المطلب الخامس: التوحيد هو ما يسأل عنه جميع الخلق.
لما روي عن أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ)، وابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ومجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) في قوله ﷿: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ﴾ [الحجر: الآية: ٩٢] قالوا: (عن لا إله إلا الله) (^١).
المطلب السادس: التوحيد يوصل صاحبه إلى الله وثوابه وجنته.
• قال تعالى ﴿إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى﴾ [الليل: الآيات ١٢ - ١٣].
• وقال تعالى ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾ [النحل: الآية: ٩].
• وقال تعالى: ﴿هذا صراط علي مستقيم﴾ [الحجر: الآية: ٤١].
• فعن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀، في قوله: ﴿وَعلى اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ﴾ [سورة النحل: الآية: ٩]، يقول: على الله البيان، بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته" (^٢).
• قال عبد الله بن المبارك (ت: ١٨١ هـ) ﵀، وسهل بن عبد الله
_________________
(١) رواه البخاري معلقًا قبل حديث (٢٦) قائلًا: وقال عدة من أهل العلم …، قال ابن حجر في «تغليق التعليق» (٢/ ٢٨): قلت: روي ذلك عن أنس، ومجاهد، وابن عمر وغيرهم. وقال الدارقطني في «العلل» (١٢/ ٢٠): ورفعه غير صحيح، وانظر: «تفسير الطبري» (١٧/ ١٥٠)، «الدعاء» للطبراني (ص: ٤٣٨ - ٤٣٩).
(٢) تفسير الطبري (سورة النحل: الآية: ٩).
[ ٦٧٥ ]
التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: ﴿قصد السبيل﴾: السنة، ﴿ومنها جائر﴾ الأهواء والبدع. دليله قوله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل﴾ [الأنعام-١٥٣] " (^١).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: ﴿وعلى الله﴾ أيها الناس بيان طريق الحقّ لكم، فمن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها. والسبيل: هي الطريق، والقصد من الطريق: المستقيم الذي لا اعوجاج فيه.
وقوله: ﴿وَمِنْها جائِرٌ﴾ يعني تعالى ذكره: ومن السبيل جائر عن الاستقامة معوّج، فالقاصد من السبل: الإسلام، والجائر منها: اليهودية والنصرانية وغير ذلك من ملل الكفر كلها جائر عن سواء السبيل وقصدها، سوى الحنيفية المسلمة.
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "المعنى من سلك الهدى فعلى الله سبيله كقوله ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾ وهذا قول مجاهد (ت: ١٠٤ هـ)، وهو أصح الأقوال في الآية، قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ): ﴿علينا للهدى﴾ أي إن الهدى يوصل صاحبه إلى الله وإلى ثوابه وجنته وهذا المعنى في القرآن في ثلاث مواضع ههنا، وفي النحل في قوله: ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾ [سورة النحل: الآية: ٩]، وفي الحجر في قوله ﴿هذا صراط علي مستقيم﴾ [الحجر: الآية: ٤١]، وهو معنى شريف جليل يدل على أن سالك طريق الهدى يوصله طريقه إلى الله ولا بد والهدى هو الصراط المستقيم فمن سلكه أوصله إلى الله فذكر الطريق والغاية فالطريق الهدى والغاية الوصول إلى الله فهذه أشرف الوسائل وغايتها أعلى
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة النحل: الآية: ٩)، والكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي (سورة النحل: الآية: ٩).
[ ٦٧٦ ]
الغايات ولما كان مطلوب السالك إلى الله تحصيل مصالح دنياه وآخرته لم يتم له هذا المطلوب إلا بتوحيد طلبه والمطلوب منه فأعلمه سبحانه أن سواه لا يملك من الدنيا والآخرة شيئا وأن الدنيا والآخرة جميعا له وحده فإذا تيقن العبد ذلك اجتمع طلبه ومطلوبه على من يملك الدنيا والآخرة وحده فتضمنت الآيتان أربعة أمور هي المطالب العالية ذكر أعلى الغايات وهو الوصول إلى الله سبحانه وأقرب الطرق والوسائل إليه وهي طريقة الهدى وتوحيد الطريق فلا يعدل عنها إلى غيرها وتوحيد المطلوب وهو الحق فلا يعدل عنه إلى غيره فاقتبس هذه الأمور من مشكاة هذه الكلمات فإن هذه غاية العلم والفهم وبالله التوفيق.
والهدى التام يتضمن توحيد المطلوب وتوحيد الطلب وتوحيد الطريق الموصلة والانقطاع وتخلف الوصول يقع من الشركة في هذه الأمور أو في بعضها فالشركة في المطلوب تنافي التوحيد والإخلاص والشركة في الطلب تنافي الصدق والعزيمة والشركة في الطريق تنافي اتباع الأمر فالأول يوقع في الشرك والرياء والثاني يوقع في المعصية والبطالة والثالث يوقع في البدعة ومفارقة السنة فتأمله" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: " ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾ [سورة النحل: الآية: ٩]، في أصح القولين: أي السبيل القصد الذي يوصل إلى الله وهي طريق عليه قال الشاعر:
فهن المنايا أي واد سلكنه … عليها طريقي أو علي طريقها
وقد قررت هذا المعنى وبينت شواهده من القرآن وسر كون الصراط المستقيم على الله وكونه تعالى على الصراط المستقيم كما في قول هود:
_________________
(١) التبيان في أقسام القرآن ص ٦٩ - ٧٠.
[ ٦٧٧ ]
﴿إن ربي على صراط مستقيم﴾ [هود: الآية: ٥٦]، في كتاب التحفة المكية والمقصود أن طريق الحق واحد إذ مرده إلى الله الملك الحق وطرق الباطل متشعبة متعددة فإنها لا ترجع إلى شيء موجود ولا غاية لها يوصل إليها بل هي بمنزلة بنيات الطريق وطريق الحق بمنزلة الطريق الموصل إلى المقصود فهي وإن تنوعت فأصلها طريق واحد ولما كانت الظلمة بمنزلة طرق الباطل والنور بمنزلة طريق الحق فقد أفرد النور وجمعت الظلمات وعلى هذا جاء قوله: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٧]، فوحد ولي الذين آمنوا وهو الله الواحد الأحد وجمع الذين كفروا لتعددهم وكثرتهم وجمع الظلمات وهي طرق الضلال والغي لكثرتها واختلافها ووحد النور وهو دينه الحق وطريقه المستقيم الذي لا طريق إليه سواه" (^١).
• وقال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: "والسبيل: الإسلام، وبيانه بإرسال الرسل وإقامة الحجج والبراهين. والقصد في السبيل هو كونه موصلًا إلى المطلوب، فالمعنى: وعلى الله بيان الطريق الموصل إلى المطلوب.
﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ الضمير في ﴿منها﴾ راجع إلى السبيل بمعنى: الطريق، لأنها تذكر وتؤنث. وقيل: راجع إليها بتقدير مضاف أي: ومن جنس السبيل جائر مائل عن الحق عادل عنه، فلا يهتدي به، ومنه قول امرئ القيس:
ومن الطريقة جائر وهدى … قصد السبيل ومنه ذو دخل
_________________
(١) بدائع الفوائد ١/ ١٢٠.
[ ٦٧٨ ]
وقيل: إن الطريق كناية عن صاحبها، والمعنى: ومنهم جائر عن سبيل الحق: أي عادل عنه، فلا يهتدي إليه، قيل: وهم أهل الأهواء المختلفة، وقيل: أهل الملل الكفرية" (^١).
• قال شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (ت: ١٢٧٠ هـ) ﵀: " ﴿وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل﴾ هداية الطريق المستقيم الموصل لمن سلكه إلى الحق الذي هو التوحيد بنصب الأدلة وإرسال الرسل ﵈ وإنزال الكتب لدعوة الناس إليه" (^٢).
• قال جمال الدين القاسمي (ت: ١٣٣٢ هـ) ﵀: "قال أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت: ٨٩٨ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿ولو شاء لهداكم أجمعين﴾ أي لو شاء أن يهديكم إلى ما ذكر من التوحيد، هداية موصلة إليه البتة، مستلزمة لاهتدائكم أجمعين، لفعل ذلك. ولكن لم يشأه. لأن مشيئته تابعة للحكمة الداعية إليها. ولا حكمة في تلك المشيئة. لما أن الذي عليه يدور فلك التكليف، وإليه ينسحب الثواب والعقاب، إنما هو الاختيار، الذي عليه يترتب الأعمال، التي بها نيط الجزاء" (^٣).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "ذكر الطريق المعنوي الموصل إليه فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ أي: الصراط المستقيم، الذي هو أقرب الطرق وأخصرها موصل إلى الله.
وأما الطريق الجائر في عقائده وأعماله وهو: كل ما خالف الصراط
_________________
(١) تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني. (سورة النحل: الآية: ٩).
(٢) روح المعاني للألوسي (سورة النحل: الآية: ٩).
(٣) محاسن التأويل للقاسمي (سورة النحل: الآية: ٩).
[ ٦٧٩ ]
المستقيم فهو قاطع عن الله، موصل إلى دار الشقاء، فسلك المهتدون الصراط المستقيم بإذن ربهم، وضل الغاوون عنه، وسلكوا الطرق الجائرة ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ولكنه هدى بعضا كرما وفضلا، ولم يهد آخرين، حكمة منه وعدلا" (^١).
المطلب السابع: التوحيد يحمل البشرى لأصحابه.
• قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ﴾ [الزمر: الآيات ١٧ - ١٨].
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ): "قال ابن زيد (ت: ١٨٢ هـ)، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا …﴾ الآيتين، حدثني أبي أن هاتين الآيتين نزلتا في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله: زيد بن عمرو، وأبي ذر الغفاري (ت: ٣٠ أو ٣١ هـ) ﵁، وسلمان الفارسي (ت: ٣٣ هـ) ﵁، نزل فيهم: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ في جاهليتهم ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ لا إله إلا الله، أولئك الذين هداهم الله بغير كتاب ولا نبي ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ﴾ " (^٢).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ): " ﴿وأنابوا إلى الله﴾ أقبلوا مخلصين إليه ﴿لهم البشرى﴾ يعني الجنة ﴿فبشر عباد الذين يستمعون
_________________
(١) تفسير السعدي (سورة النحل: الآية: ٩).
(٢) تفسير الطبري (سورة الزمر: الآيات ١٧ - ١٨).
[ ٦٨٠ ]
القول فيتبعون أحسنه﴾ أي: بشرهم بالجنة" (^١).
• قال تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نزلا من غفور رحيم﴾ [فصلت: الآية: ٣٠].
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ): " ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت﴾ يعني الأوثان، وهي مؤنثة ﴿أن يعبدوها وأنابوا إلى الله﴾ يعني ورجعوا من عبادة الأوثان إلى عبادة الله ﷿، فقال تعالى: ﴿لهم البشرى﴾ يعني الجنة ﴿فبشر عباد﴾ أي فبشر عبادي بالجنة" (^٢).
• قال وكيع بن الجراح (ت: ١٩٧ هـ) ﵀: "البشرى تكون في ثلاث مواطن: عند الموت وفي القبر وعند البعث" (^٣).
• قال زيد بن أسلم (ت: ١٣٦ هـ) ﵀: "البشارة في ثلاثة مواطن: عند الموت، وعند القبر، وعند البعث" (^٤).
المطلب الثامن: التوحيد سبب في تكفير الذنوب ومحو الخطايا.
فيغفر الله بالتوحيد الذنوب ويكفر به السيئات
• عن أنس (ت: ٩٠ هـ) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني
_________________
(١) تفسير القرآن العزيز لابن إبي زمنين ٤/ ١٠٨.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة الزمر: الآية: ١٧).
(٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة فصلت الآية: ٣٠).
(٤) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب (سورة فصلت الآية: ٣٠).
[ ٦٨١ ]
لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة" (^١).
• عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ)، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما على الأرض أحد يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ إلا كفرت عنه خطاياه ولو كانت مثل زيد البحر» (^٢).
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) -رضي الله تعالى عنه-: أن النبي ﷺ قال: «من حلَف فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعالَ أُقامِرْك، فليتصدَّق» (^٣).
• قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "اليمين إنما تكون بالمعبود الذي يعظم، فإذا حلف بهما؛ فقد ضاهى الكفار في ذلك، فأمره أن يتداركه بكلمة التوحيد المبرئة من الشرك" (^٤).
• قال محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري (ت: ٥٣٦ هـ) ﵀: "الأعمال لا يحبطها شيء غير الكفر، وأما مع وجود الإيمان فالأعمال متقبلة وإنما تختلف باختلاف الإخلاص، والقيام بالصالحات على الوجه الأتم" (^٥).
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٤٥٠). وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وصححه ابن القيم في «إعلام الموقعين» (١/ ٢٠٤) وقال ابن رجب: إسناده لا بأس به، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
(٢) أخرجه الترمذي (٣٤٦٠) واللفظ له، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (١٢٤)، وأحمد (٦٤٧٩). وإسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما؛ انظر: صحيح الجامع. (٥٦٣٦).
(٣) رواه البخاري (٦٢٧٤)، ومسلم (١٦٤٧).
(٤) أعلام الحديث (شرح صحيح البخارى) للخطاني ٣/ ١٩١٨.
(٥) كتاب المعلم بفوائد مسلم للمازري ١/ ١٣٧.
[ ٦٨٢ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "العبدُ قد تنزِلُ به النازلة؛ فيكون مقصوده طلب حاجته، وتفريج كُرُبات، فيسعى في ذلك بالسؤال والتضرُّع، وإن كان ذلك من العبادة والطاعة، ثم يكون في أول الأمر قصْدُهُ حُصول ذلك المطلوب من الرِّزق والنصر والعافية مُطلقا، ثم الدعاء والتضرُّع يَفتَحُ له من أبواب الإيمان بالله ﷿ ومعرفته ومحبَّته، والتنعُّم بِذِكْره ودُعائه؛ ما يكون هو أحبَّ إليه وأعظم قدرًا عنده من تلك الحاجة التي همَّته، وهذا من رحمة الله بعباده: يسوقهم بالحاجات الدنيوية إلى المقاصد العَلِيَّة الدينيَّة" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالمسلمون ذنوبهم ذنوب موحدين، ويقوي التوحيد على محو آثارها بالكلية وإلا فما معهم من التوحيد يخرجهم من النار إذا عذبوا بذنوبهم.
وأما المشركون والكفار فإن شركهم وكفرهم يحبط حسناتهم، فلا يلقون ربهم بحسنة يرجون بها النجاة، ولا يغفر لهم شيء من ذنوبهم، قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: الآية: ١١٦] " (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالذنوب تزول آثارها بالتوبة النصوح، والتوحيد الخالص، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة لها، وشفاعة الشافعين في الموحدين، وآخر ذلك إذا عذب بما يبقى عليه منها أخرجه توحيده من النار، وأما الشرك بالله والكفر بالرسول فإنه يحبط جميع الحسنات بحيث لا تبقى معه حسنة" (^٣).
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ٢/ ٣١٢.
(٢) هداية الحيارى في أجوبة اليهود. والنصاري ص ٢٥٢.
(٣) هداية الحيارى في أجوبة اليهود. والنصاري ص ٢٥٢.
[ ٦٨٣ ]
المطلب التاسع: كلمة التوحيد هي المنجية من عذاب القبر.
• قال تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾ [إبراهيم: الآية: ٢٧].
• عن البراء بن عازب (ت: ٧٢ هـ) ﵁، أن رسول الله ﷺ ذكر قبض روح المؤمن وقال: "فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه في قبره فيقولان له من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد فينتهرانه ويقولان له الثانية: من ربك وما دينك ومن نبيك وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن فيثبته الله ﷿، فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد ﷺ، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ [إبراهيم: الآية: ٢٧] " (^١).
فالملكان لا يسألان الميت في قبره إلا عن أمور التوحيد وما يتصل به.
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ): "ثم ذكر المؤمنين بالتوحيد في حياتهم وبعد موتهم، فقال سبحانه: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾، وهو التوحيد، ﴿في الحياة الدنيا﴾، ثم قال: ويثبتهم ﴿وفي الآخرة﴾، يعني في قبره في أمر منكر ونكير بالتوحيد، وذلك أن المؤمن يدخل عليه ملكان أحدهما منكر والآخر نكير، فيجلسانه في القبر،
_________________
(١) سنن أبي داود [٤٧٥٣]، مسند أحمد [١٨٨٣٢]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [١٦٧٦].
[ ٦٨٤ ]
فيسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ ومن رسولك؟ فيقول: ربي الله ﷿، وديني الإسلام، ومحمد ﷺ رسولي، فيقولان له: وقيت وهديت، ثم يقولان: اللهم إن عبدك أرضاك فأرضه، فذلك قوله سبحانه: ﴿وفي الآخرة﴾، أي يثبت الله قول الذين آمنوا" (^١).
• قال الفراء (ت: ٢٠٧ هـ): "وقوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ﴾
"يقال: بلا إله إلا الله فهذا في الدنيا. وإذا سئل عنها في القبر بعد موته قالها إذا كان من أهل السَّعادة، وإذا كان منْ أهل الشقاوة لم يقلها. فذلك قوله ﷿ ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ عنها أي عن قول لا إله إلا الله ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يشاء﴾ (٢٩) أي لا تنكروا له قدرةً ولا يُسأل عما يَفعل" (^٢).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ): " ﴿وفي الآخرة﴾ هي وقت سؤاله في قبره. وقال البراء بن عازب (ت: ٧٢ هـ)، وجماعة في الحياة الدنيا هي وقت سؤاله في قبره- ورواه البراء عن النبي ﵇ في لفظ متأول" (^٣).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ): "وقيل: معنى الآية: يثبتهم الله في الحياة الدنيا على الإيمان، حتى يموتوا عليه؛ ﴿وفي الآخرة﴾ المساءلة في القبر، قاله طاووس (ت: ١٠٦ هـ)، وقتادة (ت: ١١٨ هـ)، وهو اختيار جماعة من العلماء" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ): "وهي المنجية من عذاب القبر
_________________
(١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة إبراهيم: الآية: ٢٧).
(٢) معاني القرآن لفراء (سورة إبراهيم: الآية: ٢٧).
(٣) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٣/ ٣٣٧.
(٤) تفسير مكي بن أبي طالب (سورة إبراهيم: الآية: ٢٧).
[ ٦٨٥ ]
وعذاب النار" (^١).
• قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: " وهي الأمان من وحشة القبور وهول الحشر" (^٢).
المطلب العاشر: كلمة التوحيد السؤال كله عنها يوم القيامة.
• قال تعالى: ﴿فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون﴾ [الحجر: الآيات: ٩٢ - ٩٣].
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ): "عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ)، في قوله (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) قال: عن لا إله إلا الله" (^٣).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ): "وقوله فو ربك لنسئلنهم إلى آخر الآية، ضمير عام ووعيد محض يأخذ كل أحد منه بحسب جرمه وعصيانه، فالكافر يسأل عن لا إله إلا الله وعن الرسل وعن كفره وقصده به، والمؤمن العاصي يسأل عن تضييعه، والإمام عن رعيته، وكل مكلف عما كلف القيام به، وفي هذا المعنى أحاديث، وقال أبو العالية (ت: ٩٣ هـ) في تفسير هذه الآية: يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة عما كانوا يعبدون وماذا أجابوا المرسلين، وقال في تفسيرها
_________________
(١) الجواب الكافي ص: ١٧٠.
(٢) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد لحافظ الحكمي. ص ٢٢١.
(٣) تفسير الطبري (سورة الحجر الآيات: ٩٢ - ٩٣).
[ ٦٨٦ ]
أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ)، وابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ومجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ): إن السؤال عن لا إله إلا الله" (^١).
• قال ابن القيم: "قال غير واحد من السلف: هو عن قول «لا إله إلا الله» وهذا حق. فإن السؤال كله عنها وعن أحكامها وحقوقها، وواجباتها ولوازمها. فلا يسأل أحد قط إلا عنها وعن واجباتها، ولوازمها وحقوقها. قال أبو العالية (ت: ٩٣ هـ): كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟.
فالسؤال عما ذا كانوا يعبدون: هو السؤال عنها نفسها. والسؤال عما ذا أجابوا المرسلين: سؤال عن الوسيلة والطريق المؤدية إليها: هل سلكوها وأجابوا الرسل لما دعوهم إليها؟ فعاد الأمر كله إليها. وأمر هذا شأنه حقيق بأن تثنى عليه الخناصر، ويعض عليه بالنواجذ، ويقبض فيه على الجمر.
ولا يؤخذ بأطراف الأنامل، ولا يطلب على فضلة، بل يجعل هو المطلب الأعظم، وما سواه إنما يطلب على الفضلة. والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه" (^٢).
المطلب الحادي عشر: التوحيد ضمان للنجاة.
فأهل التوحيد هم أهل النجاة
• قال ﷿: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ
_________________
(١) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (سورة الحجر الآيات: ٩٢ - ٩٣) ٣/ ٣٧٥ ..
(٢) التفسير القيم ص ٤١٦ - ٤١٧.
[ ٦٨٧ ]
صَاعِقَةُ العَذَابِ الهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصِّلت: ١٧ - ١٨].
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿وأما ثمود فهديناهم﴾، يعني بينا لهم، ﴿فاستحبوا العمى على الهدى﴾، يقول: اختاروا الكفر على الإيمان، ﴿فأخذتهم صاعقة﴾، يعني صيحة جبريل ﵇، ﴿العذاب الهون بما كانوا يكسبون﴾ آية، يعني يعملون من الشرك" (^١).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿فاسْتَحَبّوا العَمَى على الهُدَى﴾ يقول: فاختاروا العمى على البيان الذي بيّنت لهم، والهدى الذي عرفتهم، بأخذهم طريق الضلال على الهدى، يعني على البيان الذي بيّنه لهم، من توحيد الله" (^٢).
• قال عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي المعروف ب ابن شاهين (ت ٣٨٥ هـ) ﵀: "أهل النجاة هم العالمون بالصلاح من الفساد عند اختلاف الناس، فمن لم يعرف الحق، وقع في الباطل، ومن عرف الباطل اجتنبه" (^٣).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم﴾ دعوناهم، قال مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ)، وقال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ): بينا لهم سبيل الهدى. وقيل: دللناهم على الخير والشر، كقوله: ﴿هديناه السبيل﴾ [الإنسان-٣]، ﴿فاستحبوا العمى على الهدى﴾ فاختاروا الكفر على الإيمان، ﴿فأخذتهم صاعقة العذاب﴾ أي: مهلكة العذاب، ﴿الهون﴾ أي: ذي الهوان، أي: الهوان، وهو الذي يهينهم
_________________
(١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة فصلت: الآيات: ١٧ - ١٨).
(٢) تفسير الطبري (سورة فصلت: الآيات: ١٧ - ١٨).
(٣) كتاب شرح مذاهب أهل السنة ومعرفة شرائع الدين والتمسك بالسنن ص: ٣٥.
[ ٦٨٨ ]
ويخزيهم. ﴿بما كانوا يكسبون ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ " (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وإنما ضمنت النجاة لمن حكم هدى الله تعالى على غيره، وتزود التقوى، وأتم بالدليل وسلك الصراط المستقيم، واستمسك من التوحيد واتباع الرسول-ﷺ-بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والله سميع عليم" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ما سلبت النعم إلا بترك تقوى الله، والإساءة للناس" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إذا أراد الله بعبد خيرا أقام في قلبه شاهدا يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة. ويؤثر منهما ما هو أولى بالإيثار" (^٤).
التوحيد شرطٌ في الشفاعة.
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، قوله ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٨]، يقول: الذين ارتضى لهم شهادة أن لا إله إلا الله" (^٥).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا﴾ [طه: الآية: ١٠٩]، يعني: التوحيد" (^٦).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا﴾ [مريم: الآية: ٨٧]، قال بعضهم العهد: التوحيد" (^٧).
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة فصلت: الآيات: ١٧ - ١٨).
(٢) اجتماع الجيوش الإسلامية ١/ ٨٣.
(٣) أحكام أهل الذمة ١/ ٢١.
(٤) مدارج السالكين ٢/ ١٢.
(٥) تفسير الطبري (سورة الأنبياء الآية: ٢٨).
(٦) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٣/ ١٢٨.
(٧) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٣/ ١٠٧.
[ ٦٨٩ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وإنما الشفاعة سبب من الأسباب التي بها يرحم الله من يرحم من عباده، وأحق الناس برحمته هم أهل التوحيد والإخلاص له، فكل من كان أكمل في تحقيق إخلاص " لا إله إلا الله " علما وعقيدة، وعملا وبراءة، وموالاة ومعاداة، كان أحق بالرحمة.
والمذنبون الذين رجحت سيئاتهم على حسناتهم فخفت موازينهم فاستحقوا النار من كان منهم من أهل " لا إله إلا الله " فإن النار تصيبه بذنوبه، ويميته الله في النار إماتة، فتحرقه النار إلا موضع السجود، ثم يخرجه الله من النار بالشفاعة، ويدخله الجنة، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة.
فبين أن مدار الأمر كله على تحقيق كلمة الإخلاص، وهى "لا إله إلا الله" لا على الشرك بالتعلق بالموتى وعبادتهم، كما ظنه الجاهليون" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فأهل التوحيد المخلصون لله هم أحق الناس بشفاعته ﷺ، فمن كان لا يدعو إلا الله، ولا يرجو إلا الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يدعو مخلوقا، لا ملكا، ولا بشرا، لا نبيا، ولا صالحا، ولا غيرهما، كان أحق بشفاعته ممن يدعوه، أو يدعو غيره من المخلوقين، فإن هؤلاء مشركون، والشفاعة إنما هي لأهل التوحيد.
_________________
(١) الحسنة السيئة لابن تيمية ص: ١٥٤.
[ ٦٩٠ ]
وإذا كان كذلك فالذين يدعون المخلوقين، ويطلبون من الموتى، والغائبين، من الملائكة، والبشر، الدعاء، والشفاعة، هم أبعد عن الشفاعة فيهم، والذين لا يدعون إلا الله هم أحق بالشفاعة لهم" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وفي الصحيح أن أبا هريرة قال له: أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: "من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" (^٢). فبين ﷺ أن أحق الناس بشفاعته يوم القيامة من كان أعظم توحيدا وإخلاصا لأن التوحيد جماع الدين والله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فهو سبحانه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فإذا شفع محمد ﷺ حد له ربه حدا فيدخلهم الجنة وذلك بحسب ما يقوم بقلوبهم من التوحيد والإيمان. وذكر ﷺ أنه من سأل الله له الوسيلة حلت عليه شفاعته يوم القيامة فبين أن شفاعته تنال باتباعه بما جاء به من التوحيد والإيمان وبالدعاء الذي سن لنا أن ندعو له به" (^٣).
• قال سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ (ت: ١٢٣٣ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: الآية: ١٠٩]، والله لا يرتضي إلاَّ التوحيد؛ كما قال - تعالى -: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: الآية: ٨٥]، وقال النبي-ﷺ: «أسعد الناس بشفاعتي مَنْ قال: لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه» (^٤) " (^٥).
_________________
(١) قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أه الشرك والنفاق ص: ١٢٨.
(٢) رواه البخاري (٩٩، ٦٥٧٠).
(٣) مجموع الفناوى ١/ ٢١٣.
(٤) رواه البخاري (٩٩، ٦٥٧٠).
(٥) "تيسير العزيز الحميد": ص ٢٨٠.
[ ٦٩١ ]
• قال الشيخ حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: " قال تتعالى: ﴿يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا﴾ [طه: الآية: ١٠٩]، وهو سبحانه لا يرتضي إلا أهل التوحيد والإخلاص، وأما غيرهم فقال تعالى: ﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾ [غافر: الآية: ١٨]، وقال تعالى عنهم: ﴿فما لنا من شافعين - ولا صديق حميم﴾ [الشعراء: الآيات: ١٠٠ - ١٠١]، وقال تعالى فيهم: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر: الآية: ٤٨]، وقد «أخبرنا النبي ﷺ أنه أوتي الشفاعة، ثم أخبر أنه يأتي فيسجد تحت العرش ويحمد ربه بمحامد يعلمه إياها، لا يبدأ بالشفاعة أولا حتى يقال له: «ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع» (^١)، الحديث، ثم أخبر أنه لا يشفع في جميع العصاة من أهل التوحيد دفعة واحدة، بل قال: «فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة»، ثم يرجع فيسجد كذلك فيحد له حدا إلى آخر حديث الشفاعة، وقال له أبو هريرة (ت: ٥٨ هـ) -رضي الله تعالى عنه-: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه» (^٢) " (^٣).
المطلب الثاني عشر: أهل التوحيد هم أسعد الناس بشفاعة النبي ﷺ
يقول الله تعالى مثنيًا على المهاجرين والأنصار ومن اتبعهم بإحسان ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: الآية: ١٠٠].
_________________
(١) رواه البخاري (٣٣٤٠، ٤٤٧٦، ٤٧١٢)، ومسلم (الإيمان/ ٣٢٢، ٣٢٦).
(٢) رواه البخاري (٩٩، ٦٥٧٠).
(٣) أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة ص ٧٥.
[ ٦٩٢ ]
قال ابن القيم (ت: ٦٥١ هـ) ﵀: "أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد، الذين جردوا التوحيد وخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه، وهم الذين ارتضى الله سبحانه" (^١).
المطلب الثالث عشر: أهل التوحيد يشفع بعضهم لبعض.
• قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: الآيات: ٤١ - ٤٢].
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿إلا من رحم الله﴾ قال الحسن: يعني: من المؤمنين يشفع بعضهم لبعض؛ فينفعهم ذلك عند الله" (^٢).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا﴾ [مريم: الآية: ٨٧] يقول تعالى ذكره: لا يملك هؤلاء الكافرون بربهم يا محمد، يوم يحشر الله المتقين إليه وفدا الشفاعة، حين يشفع أهل الإيمان بعضهم لبعض عند الله، فيشفع بعضهم لبعض" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإن المؤمنين أهل التوحيد يشفع بعضهم في بعض كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة. كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري (ت: ٧٤ هـ) ﵁، عن
_________________
(١) إغاثة اللهفان ص: ٢٢٠.
(٢) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (سورة الخان: الآيات: ٤١ - ٤٢).
(٣) تفسير الطبري (سورة مريم: الآية: ٨٧).
[ ٦٩٣ ]
النبي-ﷺ قال: -في الحديث الطويل حديث التجلي والشفاعة - «حتى إذا خلص المؤمنون من النار. فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار. يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون. فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم. فتحرم صورهم على النار» وذكر تمام الحديث ". وسبب نزول الآية - على ما ذكروه - مؤيد لما ذكره. قال أبو الفرج ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: سبب نزولها: أن النضر بن الحارث ونفرا معه قالوا "إن كان ما يقول محمد حقا. فنحن نتولى الملائكة. فهم أحق بالشفاعة من محمد. فنزلت هذه الآية " قاله مقاتل.
وعلى هذا: فيقصد أن الملائكة وغيرهم لا يملكون الشفاعة. فليس توليكم إياهم واستشفاعكم بهم: بالذي يوجب أن يشفعوا لكم. فإن أحدا ممن يدعى من دون الله لا يملك الشفاعة. ولكن ﴿من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ [الزخرف: الآية: ٨٦]، فإن الله يشفع فيه. فالذي تنال به الشفاعة: هي الشهادة بالحق. وهي شهادة أن لا إله إلا الله. لا تنال بتولي غير الله. لا الملائكة ولا الأنبياء ولا الصالحين. فمن والى أحدا من هؤلاء ودعاه وحج إلى قبره أو موضعه ونذر له وحلف به وقرب له القرابين ليشفع له: لم يغن ذلك عنه من الله شيئا. وكان من أبعد الناس عن شفاعته وشفاعة غيره. فإن الشفاعة إنما تكون: لأهل توحيد الله وإخلاص القلب والدين له. ومن تولى أحدا من دون الله فهو مشرك. فهذا القول والعبادة الذي يقصد به المشركون الشفاعة: يحرم عليهم الشفاعة. فالذين عبدوا الملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين - ليشفعوا لهم - كانت عبادتهم إياهم وإشراكهم بربهم الذي به طلبوا شفاعتهم: به حرموا شفاعتهم وعوقبوا بنقيض قصدهم. لأنهم أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا. وكثير من أهل الضلال: يظن أن الشفاعة تنال بهذه الأمور التي فيها شرك أو
[ ٦٩٤ ]
هي شرك خالص كما ظن ذلك المشركون الأولون. وكما يظنه النصارى ومن ضل من المنتسبين إلى الإسلام. الذين يدعون غير الله ويحجون إلى قبره أو مكانه وينذرون له ويحلفون به. ويظنون: أنه بهذا يصير شفيعا لهم. قال تعالى ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا - أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا﴾ [الإسراء: الآيات: ٥٦ - ٥٧]. قال طائفة من السلف: كان أقوام يعبدون المسيح والعزير والملائكة فبين الله أنهم لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويله. كما بين أنهم لا يملكون الشفاعة. وهذا لا استثناء فيه وإن كان الله يجيب دعاءهم ثم قال ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا﴾ [الإسراء: الآية: ٥٧]، فبين أن هؤلاء المزعومين الذين يدعونهم من دون الله كانوا يرجون رحمة الله ويخافون عذابه ويتقربون إليه بالأعمال الصالحة كسائر عباده المؤمنين وقد قال تعالى ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾ [آل عمران: الآية: ٨٠] " (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الشفاعة: سببها توحيد الله وإخلاص الدين والعبادة بجميع أنواعها له فكل من كان أعظم إخلاصا كان أحق بالشفاعة كما أنه أحق بسائر أنواع الرحمة. فإن الشفاعة: من الله مبدؤها وعلى الله تمامها فلا يشفع أحد إلا بإذنه. وهو الذي يأذن للشافع. وهو الذي يقبل شفاعته في المشفوع له. وإنما الشفاعة سبب من الأسباب التي بها يرحم الله من يرحم من عباده. وأحق الناس برحمته: هم أهل التوحيد والإخلاص له فكل من كان أكمل في تحقيق إخلاص " لا إله إلا الله "
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٤١١ - ٤١٣.
[ ٦٩٥ ]
علما وعقيدة وعملا وبراءة وموالاة ومعاداة: كان أحق بالرحمة.
والمذنبون - الذين رجحت سيئاتهم على حسناتهم فخفت موازينهم فاستحقوا النار -: من كان منهم من أهل "لا إله إلا الله" فإن النار تصيبه بذنوبه. ويميته الله في النار إماتة. فتحرقه النار إلا موضع السجود. ثم يخرجه الله من النار بالشفاعة. ويدخله الجنة كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة. فبين أن مدار الأمر كله: على تحقيق كلمة الإخلاص وهي "لا إله إلا الله" (^١).
المطلب الرابع عشر: كلمة التوحيد اختص الله بها في الشفاعة يوم القيامة.
• عن أبي سعيد الخدري (ت: ٧٤ هـ) ﵁، في حديث الشفاعة وفيه قوله-ﷺ «فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواما قد امتحشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل قد رأيتموها إلى جانب الصخرة إلى جانب الشجرة فما كان إلى الشمس منها كان أخضر وما كان منها إلى الظل كان أبيض فيخرجون كأنهم اللؤلؤ فيجعل في رقابهم الخواتيم فيدخلون الجنة فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه فيقال لهم لكم ما رأيتم ومثله معه» (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٤١٤ - ٤١٥.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٧٠٠١) ٦/ ٢٧٠٦، ومسلم رقم (١٨٣) ١/ ١٦٧، والطيالسي رقم (٢١٧٩) ص ٢٨٩، وأبو نعيم المسند المستخرج على صحيح مسلم رقم (٤٥٨) ١/ ٢٤٨، والدا رقطني في رؤية الله رقم (١٠) ص ٣٠، وأبو عوانة في مسنده رقم (٤٤٩) ١/ ١٥٥.
[ ٦٩٦ ]
• جاء في حديث الشفاعة الطويل: «ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي، وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله» (^١).
• وجاء في لفظ مسلم: «فأقول: يا رب، ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: ليس ذاك لك، أو قال: ليس ذاك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي، لأخرجن من قال: لا إله إلا الله» (^٢).
المطلب الخامس عشر: الكلمة التى تحط بها الخطايا، هي كلمة التوحيد.
• قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدا وَقُولُوا حِطَّة نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: الآية: ٥٨].
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: " وقوله جل وعلا: ﴿قولوا حطة﴾ [البقرة: الآية: ٥٨] قال: "لا إله إلا الله" (^٣).
• قال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀: "هي قول: لا إله إلا الله" (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣).
(٢) أخرجه مسلم (١٩٣).
(٣) كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١.
(٤) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري (سورة البقرة: الآية: ٥٨).
[ ٦٩٧ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الاعتراف بالخطيئة مع التوحيد إن كان متضمنا للتوبة أوجب المغفرة؛ وإذا غفر الذنب زالت عقوبته؛ فإن المغفرة هي وقاية شر الذنب" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: " ﴿وقولوا حطة﴾ [البقرة: الآية: ٥٨] أي: حط عنا خطايانا. هذا قول الحسن (ت: ١١٠ هـ) ﵀، وقتادة (ت: ١١٨ هـ) ﵀، وعطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) ﵀. وقال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀ وغيره: أي قولوا: لا إله إلا الله. وكأن أصحاب هذا القول اعتبروا الكلمة التي تحط بها الخطايا، وهي كلمة التوحيد. وقال سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀، عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: أمروا بالاستغفار. وعلى القولين فيكونون مأمورين بالدخول بالتوحيد والاستغفار، وضمن لهم بذلك مغفرة خطاياهم، فتلاعب الشيطان بهم، فبدلوا قولا غير الذي قيل لهم، وفعلا غير الذي أمروا به" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الكلمة التى تحط بها الخطايا، وهى كلمة التوحيد" (^٣).
المطلب السادس عشر: التوحيد الخالص الذى لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب.
• قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: الآية: ٤٨]، [النساء: الآية: ١١٦]
_________________
(١) الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٧٤.
(٢) إغاثة اللهفان ٢/ ١٠٨٧.
(٣) إغاثة اللهفان: ٢/. ٣٠٨
[ ٦٩٨ ]
• عن معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «ما على الأرض نفس تموت لا تشرك بالله شيئا تشهد أني رسول الله يرجع ذلك إلى قلب موقن إلا غفر الله لها» (^١).
• عن يعلى بن شداد-﵀-قال: حدثني أبي شداد بن أوس (ت: ٥٨ هـ) ﵁، وعبادة بن الصامت (ت: ٣٤ هـ) ﵁ حاضر يصدقه ﵃، قال: إنا لعند رسول الله ﷺ إذ قال: «هل فيكم غريب؟» (يعني أهل الكتاب) قلنا: لا يا رسول الله فأمر بغلق الباب، فقال: «ارفعوا أيديكم فقولوا: لا اله إلا الله»، فرفعنا أيدينا ساعة ثم وضع رسول الله ﷺ يده، ثم قال: «الحمد لله، اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة، إنك لا تخلف الميعاد»، ثم قال ﷺ: «أبشروا فإن الله قد غفر لكم» (^٢).
• عن علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁-قال: قال لي رسول الله ﷺ: «ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن غفر الله لك وإن كنت مغفورا لك؟ قال: قل لا اله إلا الله العلي العظيم، لا اله إلا الله الحليم الكريم، لا اله إلا الله، سبحان الله رب العرش العظيم» (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأما قول السائل: هل
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الإيمان، (١/ ٥٠). وأخرجه أحمد في المسند، مسند معاذ بن جبل ﵁، (٧/ ٣٤٥) رقم (٢٢٣٥٠). ورواه ابن ماجه- كتاب الأدب، باب فضل لا اله إلا الله، (ج ٢/ ص ١٢٤٦).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك-كتاب الدعاء والتكبير والتهليل والتسبيح والذكر، (١/ ٦٧٩)، قال الذهبي في التلخيص: راشد ضعفه الدارقطني وغيره، ووثقه دحيم. قال الهيثمي في المجمع - كتاب الإيمان، باب فيمن شهد أن لا اله إلا الله - (١/ ٣٢): رواه أحمد والطبراني والبزار ورجاله موثقون.
(٣) رواه الترمذي- كتاب الدعوات عن رسول الله ﷺ، باب، (ج ٥/ ص ٥٢٩).
[ ٦٩٩ ]
الاعتراف بالخطيئة بمجرده مع التوحيد موجب لغفرانها وكشف الكربة الصادرة عنها؛ أم يحتاج إلى شيء آخر؟ فجوابه: أن الموجب للغفران مع التوحيد هو التوبة المأمور بها؛ فإن الشرك لا يغفره الله إلا بتوبة؛ كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: الآية: ٤٨]، [النساء: الآية: ١١٦]، في موضعين من القرآن وما دون الشرك فهو مع التوبة مغفور؛ وبدون التوبة معلق بالمشيئة. كما قال تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ [الزمر: الآية: ٥٣]، فهذا في حق التائبين ولهذا عمم وأطلق وحتم أنه يغفر الذنوب جميعا وقال في تلك الآية: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: الآية: ٤٨]، فخص ما دون الشرك وعلقه بالمشيئة، فإذا كان الشرك لا يغفر إلا بتوبة؛ وأما ما دونه فيغفره الله للتائب؛ وقد يغفره بدون التوبة لمن يشاء، فالاعتراف بالخطيئة مع التوحيد إن كان متضمنا للتوبة أوجب المغفرة؛ وإذا غفر الذنب زالت عقوبته؛ فإن المغفرة هي وقاية شر الذنب" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ويعفى لأهل التوحيد المحض الذى لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك فلو لقى الموحد الذى لم يشرك بالله شيئًا البتة ربه بقراب الأرض خطايا أتاه بقرابها مغفرة، ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده وشابه بالشرك. فإن التوحيد الخالص الذى لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب. فإنه يتضمن من محبة الله تعالى وإجلاله، وتعظيمه، وخوفه، ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب" (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٥/ ٣١٦ - ٣١٧.
(٢) إغاثة اللهفان: ١/ ٦٤.
[ ٧٠٠ ]
• قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "فالإنسان قد تغلبه نفسه أحيانا، فيقع في الخطايا لكنه مخلص لله في عبادته وطاعته فحسنة التوحيد تكفر عنه الخطايا إذا لقي الله بها" (^١).
المطلب السابع عشر: كلمة التوحيد تثقل الميزان.
• عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄-قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللَّهَ سيُخَلِّصُ رجلًا من أمَّتي على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ فينشُرُ علَيهِ تسعةً وتسعينَ سجلًّا، كلُّ سجلٍّ مثلُ مدِّ البصرِ، ثمَّ يقولُ: أتُنكِرُ من هذا شيئًا؟ أظلمَكَ كتَبَتي الحافِظونَ؟ يقولُ: لا يا ربِّ، فيقولُ: أفلَكَ عذرٌ؟ فيقولُ: لا يا ربِّ، فيقولُ: بلَى، إنَّ لَكَ عِندَنا حسنةً، وإنَّهُ لا ظُلمَ عليكَ اليومَ، فتخرجُ بطاقةٌ فيها: "أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ"، فيقولُ: احضُر وزنَكَ، فيقولُ: يا ربِّ، ما هذِهِ البطاقةُ مع هذِهِ السِّجلَّاتِ؟ فقالَ: فإنَّكَ لا تُظلَمُ، قالَ: فتوضَعُ السِّجلَّاتُ في كِفَّةٍ، والبطاقةُ في كفَّةٍ، فطاشتِ السِّجلَّاتُ، وثقُلتِ البطاقةُ، ولا يثقلُ معَ اسمِ اللَّهِ شيءٌ» (^٢).
• عن رجل من الأنصار-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «قال نوح لابنه: إني موصيك بوصيةٍ، وقاصرُها لكي لا تنساها: أوصيك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين: أما اللتان أوصيك بهما، فيستبشر الله بهما وصالحُ خَلقِه، وهما يكثرانِ الولوجَ على الله: أوصيك ب (لا إله إلا الله)؛ فإن
_________________
(١) القول المفيد (ص ٨٥).
(٢) سنن الترمذي: ٢٦٣٩.
[ ٧٠١ ]
السمواتِ والأرضَ لو كانتا حلقةً قصمتْهما، ولو كانتا في كفة وزنتْهما، وأوصيك ب (سبحان الله وبحمده)؛ فإنهما صلاة الخَلق، وبهما يُرزَقُ الخَلقُ، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: الآية: ٤٤]، وأما اللتان أنهاك عنهما، فيحتجب الله منهما وصالح خلقه: أنهاك عن الشِّرك، والكِبر» (^١).
• عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄-عن النبي-ﷺ: «إن نوحا ﵊ قال لابنه عند موته: آمرك بلا إله إلا الله فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعن في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن لا إله إلا الله ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كل حلقة مبهمة لفصمتهن لا إله إلا الله» (^٢).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "فقد تقرر في الشرع أن كلمة التوحيد ترجح ميزان من وزنت في أعماله ولا بد، فإن قال قائل كيف تثقل موازين العصاة من المؤمنين بالتوحيد ويصح لهم حكم الفلاح ثم تدخل طائفة منهم النار وذلك شقاء لا محالة؟ فقالت طائفة إنه توزن أعمالهم دون التوحيد فتخف الحسنات فيدخلون النار ثم عند إخراجهم يوزن التوحيد فتثقل الحسنات فيدخلون الجنة، وأيضا فمعرفة العاصي أنه غير مخلد فلاح وإن تقدمه شقاء على جهة التأديب" (^٣).
• قال القاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ) ﵀: "وقد جاء فى الحديث هنا أيضًا: أفضل الذكر التهليل، وأنه أفضل ما قاله-﵇-والنبيون من
_________________
(١) (صححه الألباني في صحيح الترغيب: ١٥٤٣).
(٢) رواه أحمد (٢/ ١٦٩)، (٦٥٨٣)، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٣٤).
(٣) المحرر الوجيز في تفسير القرآن العزيز ٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧.
[ ٧٠٢ ]
قبله. وقد قيل: إنه اسم الله الَاعظم، وهي كلمة الإخلاص" (^١).
• قال محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "ثم يؤتى ببطاقة-والبطاقة: القطعة الصغيرة قدر الأنملة-مكتوب فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا ﷺ-رسول الله، فيقول: وما تغني هذه البطاقة مع هذه السجلات العظيمة الكثيرة؟! فيقال له: إنك لا تظلم. فتوضع تلك البطاقة الصغيرة في كفة الميزان وتلك السجلات العظيمة الهائلة في الكفة الأخرى، فطاشت تلك السجلات، وثقلت تلك البطاقة؛ لأن اسم الله-جل وعلا-لا يعادله شيء.
استدلوا بهذا الحديث على أن الموزون هو صحائف الأعمال لذكر وزن السجلات ووزن البطاقة التي فيها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.
وذهبت جماعة من العلماء، ورواه غير واحد عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) (^٢): أن الموزون نفس الأعمال، وأن الله يحول الأعمال الحسنة إلى أجرام حسنة مضيئة نيرة، والله-جل وعلا-قادر على كل شيء، فهو قادر على أن يقلب ما ليس بجسم أن يقلبه جسما، وقد جاء ما يدل على هذا كما جاء في حديث الترغيب في الزهراوين البقرة وآل عمران «أنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو فرقان من طير صواف» (^٣)، وكما جاء
_________________
(١) "إكمال المعلم" للقاضي عياض (٨/ ١٩٢).
(٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٢/ ٦٩)، وتفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (٢/ ١٤٩)، ونقله عنه ابن كثير (٢/ ٢٠٢)، وذكره السيوطي في الدر (٣/ ٧٠)، وهذا الأثر لا يصح عن ابن عباس ﵄ لأنه من طريق الكلبي عن أبي صالح
(٣) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب: فضل قراءة القرآن وسورة البقرة. حديث رقم (٨٠٤ - ٨٠٥)، (١/ ٥٥٣ - ٥٥٤)، من حديث أبي أمامة والنواس بن سمعان ﵄.
[ ٧٠٣ ]
في الحديث أن عمل الإنسان يتجسم له في صورة إنسان طيب الريح، وكذلك العمل الخبيث (^١)، وكما جاء في بعض الأحاديث أن القرآن يتمثل لصاحبه في قبره (^٢)، وأمثال هذا كثيرة جدا، وعلى كل حال فالله قادر على أن يقلب الأعمال أجساما، فهو قادر على كل ما يشاء، فيجعل الأعمال الصالحة في صور نيرة حسنة. والأعمال القبيحة في صور مظلمة قبيحة، فتوضع هذه في كفة الحسنات وهذه في كفة السيئات، فتثقل موازين بعض، وتطيش موازين آخرين والعياذ بالله.
وقال بعض أهل العلم: إن ما يوزن أصحاب الأعمال، واستدلوا بالحديث المعروف المشهور: أن الرجل السمين-الأكول الشروب-يأتي يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة (^٣)، وفي مناقب عبد الله بن مسعود (ت: ٢٩ هـ) ﵁: أنهم لما رأوا دقة ساقيه قال لهم ﷺ «إنها في الميزان أثقل من جبل أحد» (^٤).
وما قاله ابن فورك (ت: ٤٠٦ هـ) ﵀، وغيره من المتكلمين: إن وزن حقيقة الأعمال مستحيل؛ لأن ما ليس بجسم يستحيل أن يكون
_________________
(١) كما في حديث البراء ﵁ مرفوعا عند أحمد (٤/ ٢٩٥)، وأصله في الصحيحين.
(٢) كما في حديث بريدة ﵁ عند أحمد (٥/ ٣٥٢)، وابن ماجه في الأدب، باب ثواب القرآن، حديث رقم (٣٧٨١)، (٢/ ١٢٤٢)، وأورده الألباني في صحيح ابن ماجه (٣٠٤٨)، وقال: ضعيف يحتمل التحسين.
(٣) أخرجه البخاري في التفسير، باب: ﴿أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم﴾ حديث رقم (٤٧٢٩)، (٨/ ٤٢٦)، ومسلم في صفة القيامة والجنة والنار، حديث رقم (٢٧٨٥)، (٤/ ٢١٤٧).
(٤) أخرجه أحمد (١/ ٤٢٠، ٤٢١)، والطبراني في الكبير (٩/ ٧٥ - ٧٦)، (١٩/ ٢٨)، وابن أبي شيبة (١٢/ ١١٣) والحاكم (٣/ ٣١٧).
[ ٧٠٤ ]
جسما (^١)!! لا يعول عليه لأن الله قادر على كل ما يشاء، لا يتعاصى على قدرته شيء، فهو قادر على ما شاء، وقادر على ما لم يشأ أيضا، فهو قادر على هداية أبي بكر (ت: ١٣ هـ) ﵁، وأبي لهب (ت: ٢ هـ)، وقد شاء أحد المقدورين وهو هداية أبي بكر (ت: ١٣ هـ)، ولم يشأ مقدوره الثاني وهو هداية أبي لهب.
فهذه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الموزون صحف الأعمال.
والثاني: أن الموزون الأعمال، تقلب أجساما في صور موزونة.
الثالث: أن الموزون أصحاب الأعمال. وكان ابن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀-كبير المفسرين-يرى أن كفة الحسنات يكون فيها نفس الشخص وحسناته، وأن الكفة الأخرى فيها سيئاته (^٢)، هكذا يقوله العلماء، وعلى كل حال فالتحقيق أنه وزن حقيقي بميزان ذي لسان وكفتين" (^٣).
المطلب الثامن عشر: قيام التوحيد مانع لقيام الساعة
• عَنْ أَنَسٍ (ت: ٩٠ هـ) ﵁-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ» (^٤).
_________________
(١) عبارة ابن فورك: «وقد أنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها إذ لا تقوم بأنفسها، ومن المتكلمين من يقول …» اه التذكرة ص ٣١٣، وانظر: القرطبي (٧/ ١٦٥) ..
(٢) ابن جرير (١٢/ ٣١٤).
(٣) العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ٣/ ٧٣ - ٧٥.
(٤) رواه مسلم (١٤٨)
[ ٧٠٥ ]
• عَنْ عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ، قَالَ: فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا فَيَتَمَثَّلُ لَهُمْ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ» (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وأخبر النبي ﷺ أن في آخر الزمان يرفع الله بيته من الأرض وكلامه من المصاحف وصدور الرجال فلا يبقى له في الأرض بيت يحج ولا كلام يتلى فحينئذ يقرب خراب العالم وهكذا الناس اليوم إنما قيامهم بقيام آثار نبيهم وشرائعه بينهم وقيام امورهم حصول مصالحهم واندفاع أنواع البلاء والشر عنهم بحسب ظهورها بينهم وقيامها.
وهلاكهم وعنتهم وحلول البلاء والشر بهم عند تعطلها والإعراض عنها والتحاكم إلى غيرها واتخاذ سواها.
ومن تأمل تسليط الله سبحانه على من سلطه على البلاد والعباد من الأعداء علم أن ذلك بسبب تعطيلهم لدين نبيهم وسننه وشرائعه فسلط الله عليهم من أهلكهم وانتقم منهم حتى إن البلاد التي لآثار الرسول ﷺ
_________________
(١) رواه مسلم (١٤٨).
[ ٧٠٦ ]
وسننه وشرائعه فيها ظهور دفع عنها بحسب ظهور ذلك بينهم" (^١).
المطلب التاسع عشر: التوحيد نعم العدة.
• قال الحسن (ت: ١١٠ هـ) ﵀، للفرزدق (ت: ١١٠ هـ) ﵀-وهو يدفن امرأته-: "ما أعددت لهذا اليوم؟
قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة.
قال الحسن: نعم العدة إن ل "لا إله إلا الله" شروطها؛ فإياك وقذف المحصنة!.
وروي عنه أنه قال للفرزدق: هذا العمود. فأين الطنب" (^٢).
• قال أبو عبد الله الحسن بن الحسين الحليمي (ت: ٤٠٤ هـ) ﵀: "الراغب في الإيمان لا يسلم مقصوده منه، إلا بأن يكون شحيحًا به، فإنه إذا شح بالإيمان لم يأت ما يفسده عليه، كما أن من وجد حلاوة الحلو لم يأت بما يبطلها عليه". (^٣).
المطلب العشرون: التوحيد مفتاح الجنة.
• قال وهب بن منبه (ت: ١١٤ هـ) ﵀-لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان؛ فإن
_________________
(١) جلاء الأفهام ص ٣١٣.
(٢) كتاب التوحيد أو تحقيق كلمة الإخلاص لابن رجب ص ٤٧.
(٣) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي ٢/ ١٧٩.
[ ٧٠٧ ]
جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام " (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولقد جعل الله لكل مطلوب مفتاحًا يفتح به، فجعل مفتاح الصلاة الطهارة، كما قال ﷺ: «مفتاح الصلاة الطهور»، ومفتاح الحج الإحرام، ومفتاح البر الصدق، ومفتاح الجنة التوحيد … " (^٣).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "ويدل على صحة هذا القول أن النبي-ﷺ رتب دخول الجنة على الأعمال الصالحة في كثير من النصوص، كما في "الصحيحين" عن أبي أيوب (ت: ٥٠ هـ) أن رجلا قال: يا رسول الله! أخبرنى بعمل يدخلنى الجنة. فقال: «تعبد الله، لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصل الرحم» (^٤).
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁"أن رجلا قال: يا رسول الله، دلنى على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدى الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان». فقال الرجل: والذى نفسى بيده لا أزيد على هذا شيئا ولا أنقص منه.
فقال النبي ﷺ: «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر
_________________
(١) رواه البخاري معلقًا قبل حديث (١٢٣٧)، ووصله أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٤/ ٦٦). وانظر: «تغليق التعليق» لابن حجر (٢/ ٤٥٣ - ٤٥٤).
(٢) الجواب الكافي ص: ١٧٠.
(٣) حادي الأرواح ص ٦٨.
(٤) أخرجه البخاري (١٣٩٦)، ومسلم (١٣).
[ ٧٠٨ ]
إلى هذا» (^١).
وفي "المسند" عن بشير بن الخصاصية قال: "أتيت النبي ﷺ لأبايعه فاشترط علي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله، أما اثنتان فوالله لا أطيقهما: الجهاد والصدقة! فقبض رسول الله ﷺ يده ثم حركها، وقال: «فلا جهاد ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذا؟!» قلت: يا رسول الله! أن أبايعك، فبايعته عليهن كلهن" (^٢).
المطلب الواحد والعشرون: التوحيد سبيل الفوز.
• قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: الآية: ١٨٥].
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص (ت: ٦٥ هـ) ﵄-قال: قال رسول الله ﷺ: «فمَن أحَب أن يُزحزَح عن النار ويدخل الجنة، فلتأتِه منيَّتُه وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه» (^٣).
• عبد الله بن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄-قال: قال رسول الله ﷺ: "من سرّه أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن
_________________
(١) برقم (١٤)، وكذا البخاري (١٣٩٧).
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٥/ ٢٢٤) وفي إسناده مؤثر بن عفارة وهو مجهول.
(٣) أخرجه مسلم (١٨٤٤).
[ ٧٠٩ ]
لا اله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله، ويأتي الناس ما يحب أن يؤتى إليه" (^١).
• قال الحسن بن محمد النيسابوري (ت: ٨٥٠ هـ) ﵀: "قال ﷺ: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه». "فالأول رعاية حقوق الله، والثاني محافظة حقوق العباد" (^٢).
المطلب الثاني والعشرون: التوحيد يدخل الله به الجنة.
• فعن عبادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (^٣).
• وفي حديث جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵄-عن النبي ﷺ أنه قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة» (^٤).
• وفي حديث عمر (ت: ٢٣ هـ) ﵁-عن النبي-ﷺ-أنه قال: "ما
_________________
(١) ذكره الثعلبي في تفسير الكشف والبيان عن تفسير القرآن (تفسير سورة آل عمران: الآية: ١٨٥)، وذكره ابن حيان الأندلسي في تفسير البحر المحيط (تفسير سورة آل عمران: الآية: ١٨٥).
(٢) تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري. (سورة آل عمران: الآية: ١٨٥).
(٣) رواه البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨).
(٤) رواه مسلم (٢٩٤٠)
[ ٧١٠ ]
منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ويعفى لأهل التوحيد المحض الذى لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك فلو لقى الموحد الذى لم يشرك بالله شيئًا البتة ربه بقراب الأرض خطايا أتاه بقرابها مغفرة، ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده وشابه بالشرك، فإن التوحيد الخالص الذى لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب. فإنه يتضمن من محبة الله تعالى وإجلاله، وتعظيمه، وخوفه، ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب" (^٢).
المطلب الثالث والعشرون: التوحيد أساس دخول الجنة.
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-أن أعرابيا أتى النبي ﷺ، فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة.
قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان». قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا. فلما ولى قال الرسول ﷺ: «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» (^٣).
_________________
(١) رواه مسلم (٢٣٤)
(٢) إغاثة اللهفان ١/ ٦٤.
(٣) رواه البخاري (١٣٩٧) ومسلم (١٤).
[ ٧١١ ]
• وعَنْ جَابِرٍ (ت: ٧٨ هـ) ﵁-قال: أتَى النَّبِيَّ-ﷺ-رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا المُوجِبَتَانِ؟ فَقَالَ: «مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ» (^١).
• عن عتبان بن مالك الأنصاري (ت: وسط خلافة معاوية) ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لن يوافي عبد يوم القيامة يقول: «لا اله إلا الله يبتغي به وجه الله إلا حرم الله عليه النار» (^٢).
• قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فالقلب لَا يصلح وَلَا يفلح وَلَا ينعم وَلَا يسر وَلَا يلتذ وَلَا يطيب وَلَا يسكن وَلَا يطمئن إِلَّا بِعبَادة ربه وحبه والإنابة إِلَيْهِ وَلَو حصل لَهُ كل مَا يلتذ بِهِ من الْمَخْلُوقَات لم يطمئن وَلم يسكن إِذْ فِيهِ فقر ذاتي إِلَى ربه من حَيْثُ هُوَ معبوده ومحبوبه ومطلوبه وَبِذَلِك يحصل لَهُ الْفَرح وَالسُّرُور واللذة وَالنعْمَة والسكون والطمأنينة، وَهَذَا لَا يحصل لَهُ إِلَّا باعانة الله لَهُ فَإِنَّهُ لَا يقدر على تَحْصِيل ذَلِك لَهُ إِلَّا الله فَهُوَ دَائِما مفتقر إِلَى حَقِيقَة ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ [الفاتحة: الآية: ٥] " (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وليس للقلوب سرور ولذة تامة إلا في محبة الله تعالى، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تتم محبة الله إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله" (^٤).
• قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ (ت: ١٢٣٣ هـ) ﵀:
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٩٣).
(٢) أخرجه البخاري-كتاب الرقاق، باب العمل الذي يبتغى به وجه الله (٧/ ٢٢١)، وأخرجه مسلم برقم (٩٣).
(٣) العبودية (١/ ٩٧).
(٤) مجموع الفتاوى ٢٣/ ٢٨.
[ ٧١٢ ]
"فمن قال: لا إله إلا الله ولم يقم بموجبها، بل اكتسب مع ذلك ذنوبا وسيئات، وكان صادقا في قولها موقنا بها، لكن ذنوبه أضعاف أضعاف صدقه ويقينه، وانضاف إلى ذلك الشرك الأصغر العملي، رجحت هذه الأشياء على هذه الحسنة، ومات مصرا على الذنوب، بخلاف من يقولها بيقين وصدق تام، فإنه لا يموت مصرا على الذنوب، إما أن لا يكون مصرا على سيئة أصلا أو يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته.
والذين يدخلون النار ممن يقولها قد فاتهم أحد هذين الشرطين: إما أنهم لم يقولوها بالصدق واليقين التامين المنافيين للسيئات، أو لرجحان السيئات، أو قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئات رجحت على حسناتهم، ثم ضعف لذلك صدقهم ويقينهم، ثم لم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين تام، لأن الذنوب قد أضعفت ذلك الصدق واليقين من قلوبهم، فقولها من مثل هؤلاء لا يقوى على محو السيئات بل ترجح سيئاتهم على حسناتهم. انتهى ملخصا.
وقد ذكر معناه غيره كابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀، وابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀، والمنذري (ت: ٦٥٦ هـ) ﵀، والقاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ) ﵀، وغيرهم.
وحاصله: أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة، والنجاة من النار، ومقتض لذلك، ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع.
ولهذا قيل للحسن (ت: ١١٠ هـ) ﵀-إن ناسا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها
[ ٧١٣ ]
دخل الجنة" (^١)
• وقال وهب بن منبه (ت: ١١٤ هـ)، لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: "بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح" (^٢)
ويدل على ذلك أن الله رتب دخول الجنة على الإيمان والأعمال الصالحة، وكذلك النبي ﷺ كما في "الصحيحين" عن أبي أيوب: "أن رجلا قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة. فقال: «تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم» (^٣) " (^٤).
• وفي "المسند" عن بشر بن معبد بن الخصاصية (لم أقف على سنة وفاته) ﵁، قال: "أتيت النبي ﷺ لأبايعه، فاشترط علي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أوتي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله.
_________________
(١) كلمة الإخلاص وتحقيق معناها لابن رجب ص ١٣ - ١٤، وانظر: شرح صحيح مسلم للنووي ١/ ٢٠٠.
(٢) رواه البخاري معلقا قبل حديث (١٢٣٧) كتاب: الجنائز، باب: في الجنائز، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله. ورواه موصولا في «التاريخ الكبير» (٢٦١)، ورواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٤/ ٦٦)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (١/ ٢٧٤). قال البوصيري في «إتحاف الخيرة» (٨/ ٨٥): رواه إسحاق بن راهويه بإسناد حسن، وقد علقه البخاري لوهب. وله شاهد مرفوع من حديث معاذ بن جبل رواه أحمد بن حنبل، والبزار، والطبراني في كتاب «الدعاء» بسند ضعيف. وقال ابن حجر في «المطالب العالية» (٣/ ٢٥٤): إسناده حسن موقوف، قد علقه البخارى لوهب.
(٣) أخرجه البخاري: (١٣٩٦).
(٤) أخرجه البخاري: الزكاة (١٣٩٦)، ومسلم: الإيمان (١٣)، والنسائي: الصلاة (٤٦٨)، وأحمد (٥/ ٤١٧، ٥/ ٤١٨).
[ ٧١٤ ]
فقلت: يا رسول الله، أما اثنتين، فوالله ما أطيقهما: الجهاد والصدقة، فقبض رسول الله ﷺ يده ثم حركها وقال: «فلا جهاد ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذا؟!»، قلت: يا رسول الله أبايعك عليهن كلهن" (^١).
ففي الحديث: أن الجهاد والصدقة شرط في دخول الجنة مع حصول التوحيد، والصلاة، والحج، والصيام. والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
وفي الحديث دليل على أنه لا يكفي في الإيمان النطق من غير اعتقاد، وبالعكس.
وفيه تحريم النار على أهل التوحيد الكامل، وفيه أن العمل لا ينفع إلا إذا كان خالصا لله تعالى" (^٢).
المطلب الرابع والعشرون: التوحيد يمنع دخول النار بالكلية إذا كمل في القلب.
• ففي حديث عتبان بن مالك الأنصاري (ت: وسط خلافة معاوية) ﵁-عن النبي ﷺ: «… فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (^٣).
• عن عبادة بن الصامت (ت: ٣٤ هـ) ﵁-مرفوعا: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، حرم الله عليه النار» (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٤).
(٢) تيسير العزيز الحميد ص ٦٦ - ٦٧.
(٣) رواه البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣).
(٤) رواه البخاري: العلم (١٢٨)، ومسلم: الإيمان (٣٢)، وأحمد (٣/ ١٣١، ٣/ ١٥٧، ٣/ ٢٤٤).
[ ٧١٥ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الكامل: هُوَ من كَانَ لله أطوع وعَلى مَا يُصِيبهُ أَصْبِر.
فَكلما كَانَ أتبع لما يَأْمر الله بِهِ وَرَسُوله وَأعظم مُوَافقَة لله فِيمَا يُحِبهُ ويرضاه وصبرا على مَا قدره وقضاه كَانَ أكمل وَأفضل. وكل من نقص عَنْ هذَيْن كَانَ فِيهِ من النَّقْص بِحَسب ذَلِك" (^١).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿إنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه﴾ [فصلت: الآية: ٦]: "فمن كان له أصل الاستقامة في التوحيد أمن من النار بالخلود، ومن كان له كمال الاستقامة في الأصول والفروع أمن الوعيد" (^٢).
• قال سليمان بن عبد الله آل الشيخ (ت: ١٢٣٣ هـ) ﵀: "وأحسن ما قيل في معناه ما قاله شيخ الإسلام وغيره: إن هذه الأحاديث إنما هي فيمن قالها ومات عليها كما جاءت مقيدة، وقالها خالصا من قلبه مستيقنا بها قلبه، غير شاك فيها بصدق ويقين، فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله جملة، فمن شهد أن لا إله إلا الله خالصا من قلبه، دخل الجنة، لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحا، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك؛ فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، وما يزن خردلة، وما يزن ذرة، وتواترت بأن كثيرا ممن يقول: لا إله إلا الله يدخل النار ثم يخرج منها، وتواترت بأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم، فهؤلاء كانوا يصلون ويسجدون لله، وتواترت بأنه يحرم على النار من
_________________
(١) دقائق التفسير ٢/ ٢٩٩.
(٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ١٧/ ١٨٣.
[ ٧١٦ ]
قال: لا إله إلا الله، ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال، وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص ولا اليقين، ومن لا يعرف ذلك يخشى عليه أن يفتن عنها عند الموت فيحال بينه وبينها، وأكثر من يقولها إنما يقولها تقليدا أو عادة، ولم يخالط الإيمان بشاشة قلبه، وغالب من يفتن عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء كما في الحديث: - سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد واقتداء بأمثالهم وهم أقرب الناس من قوله تعالى: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾ [الزخرف: الآية: ٢٣]. وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام، لم يكن في هذه الحال مصرا على ذنب أصلا، فإنه كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله ولا كراهية لما أمر الله، وهذا هو الذي يحرم من النار، وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإيمان، وهذه التوبة، وهذا الإخلاص، وهذه المحبة وهذا اليقين، لا يتركون له ذنبا إلا يمحى كما يمحى الليل بالنهار، فإذا قالها على وجه الكمال المانع من الشرك الأكبر والأصغر، فهذا غير مصر على ذنب أصلا، فيغفر له ويحرم على النار، وإن قالها على وجه خلص به على الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك، فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات، فيرجح بها ميزان الحسنات، كما في حديث البطاقة، فيحرم على النار ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه، وهذا بخلاف من رجحت سيئاته على حسناته ومات مصرا على ذلك، فإنه يستوجب النار، وإن قال: لا إله إلا الله، وخلص بها من الشرك الأكبر، لكنه لم يمت على ذلك، بل أتى بعد ذلك بسيئات رجحت على حسنة توحيده، فإنه في حال قولها كان مخلصا، لكنه أتى
[ ٧١٧ ]
بذنوب أوهنت ذلك التوحيد والإخلاص فأضعفته، وقويت نار الذنوب حتى أحرقت ذلك، بخلاف المخلص المستيقن، فإن حسناته لا تكون إلا راجحة على سيئاته، ولا يكون مصرا على سيئة، فإن مات على ذلك دخل الجنة، وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئات راجحة يضعف إيمانه، فلا يقولها بإخلاص ويقين مانع من جميع السيئات، ويخشى عليه من الشرك الأكبر والأصغر، فإن سلم من الأكبر بقي معه من الأصغر، فيضيف إلى ذلك سيئات تنضم إلى هذا الشرك، فيرجح جانب السيئات، فإن السيئات تضعف الإيمان واليقين، فيضعف بذلك قول: لا إله إلا الله، فيمتنع الإخلاص في القلب، فيصير المتكلم بها كالهاذي أو النائم، أو من يحسن صوته بآية من القرآن من غير ذوق طعم ولا حلاوة، فهؤلاء لم يقولوها بكمال الصدق واليقين، بل يأتون بعدها بسيئات تنقص ذلك الصدق واليقين، بل يقولونها من غير يقين وصدق، ويموتون على ذلك ولهم سيئات كثيرة تمنعهم من دخول الجنة، وإذا كثرت الذنوب ثقل على اللسان قولها، وقسا القلب عن قولها، وكره العمل الصالح، وثقل عليه سماع القرآن، واستبشر بذكر غيره، واطمأن إلى الباطل واستحلى الرفث ومخالطة أهل الغفلة، وكره مخالطة أهل الحق، فمثل هذا إذا قالها قال بلسانه ما ليس في قلبه، وبفيه ما لا يصدق عمله، كما قال الحسن: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، فمن قال خيرا وعمل خيرا قبل منه، ومن قال شرا وعمل شرا لم يقبل منه.
وقال بكر بن عبد الله المزني (ت: ١٠٨ هـ) ﵀: "ما سبقهم أبو بكر (ت: ١٣ هـ) ﵁، بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في قلبه" (^١).
_________________
(١) قال المرتضى الزبيدي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين للغزالي "قال العراقي: لا أصل لهذا مرفوعا، وإنما يعرف من قول بكر بن عبد الله المزني رواه الحكيم الترمذى في نوادره. قال المحقق: وبكر ثقة سمع من ابن عباس وابن عمر، وعزاه ابن القيم إلى أبي بكر بن عياش من قوله، ولفظه: "ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه".
[ ٧١٨ ]
فمن قال: لا إله إلا الله ولم يقم بموجبها، بل اكتسب مع ذلك ذنوبا وسيئات، وكان صادقا في قولها موقنا بها، لكن ذنوبه أضعاف أضعاف صدقه ويقينه، وانضاف إلى ذلك الشرك الأصغر العملي، رجحت هذه الأشياء على هذه الحسنة، ومات مصرا على الذنوب، بخلاف من يقولها بيقين وصدق تام، فإنه لا يموت مصرا على الذنوب، إما أن لا يكون مصرا على سيئة أصلا أو يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته.
والذين يدخلون النار ممن يقولها قد فاتهم أحد هذين الشرطين: إما أنهم لم يقولوها بالصدق واليقين التامين المنافيين للسيئات، أو لرجحان السيئات، أو قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئات رجحت على حسناتهم، ثم ضعف لذلك صدقهم ويقينهم، ثم لم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين تام، لأن الذنوب قد أضعفت ذلك الصدق واليقين من قلوبهم، فقولها من مثل هؤلاء لا يقوى على محو السيئات بل ترجح سيئاتهم على حسناتهم. انتهى ملخصا" (^١).
المطلب الخامس والعشرون: إن التوحيد يمنع الخلود في النار إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة من خردل وأنه إذا اكتمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية.
• عن عبادة بن الصامت (ت: ٣٤ هـ) ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٦٣ - ٦٦؛ وانظر: رسالة العبودية لابن تيمية ص: ١٢٣ - ١٢٦.
[ ٧١٩ ]
«من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (^١).
• عن أَنسٍ (ت: ٩٠ هـ) ﵁: "أن نبي الله ﷺ، ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل، قال: يا معاذ قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار، قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا، قال: إذا يتكلوا، فأخبر بها معاذ عند موته تأثما" (^٢).
• عن عتبان بن مالك الأنصاري (ت: وسط خلافة معاوية) ﵁ «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" (^٣).
• عن جابر (ت: ٧٨ هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار» (^٤).
• عن أبي سعيد الخدري (ت: ٧٤ هـ) ﵁، قال: «… أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان …» (^٥).
• عن عبد الله بن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁-قال: يقول أهل النار لمن دخلها من أهل التوحيد: قد كان هؤلاء مسلمين، فما أغنى عنهم؟!
_________________
(١) رواه البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨).
(٢) رواه البخاري (١٢٨)، ومسلم (٣٢).
(٣) رواه البخاري (٥٤٠١).
(٤) رواه مسلم (٩٣).
(٥) رواه البخاري (٢٢)، ومسلم (١٨٤).
[ ٧٢٠ ]
قال: فيغضب لهم ربهم فيدخلهم الجنة، فعند ذلك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين" (^١).
• قال سعيد بن محمد الغساني ويعرف بأبي عثمان بن الحداد (ت: ٣٠٢ هـ) ﵀-عند قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: الآية: ٤٨]: "إن الله تعالى لا يخلد في النار من عمل عملا مقبولا منه، إذ قبول العمل يوجب ثوابه، والتخليد في العذاب يمنع ثواب الأعمال، وقد أخبر الله تعالى في كتابه الصادق به ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها﴾ [النساء: الآية: ٤٠]، وترك المثوبة على الإحسان ظلم، تعالى الله عن ذلك" (^٢).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: "وفي تفسير السدي (ت: ١٢٨ هـ) -رحمة الله-: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ [هود: الآية: ١٠٧]، يعني: ما نقص لأهل التوحيد الذين أخرجوا من النار" (^٣).
• قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "وأما قوله فى حديث أبى ذر: «من قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك دخل الجنة وإن زنا وإن سرق». وقول البخارى: فقال هذا عند الموت إذا تاب وندم وقال: لا إله إلا الله، غفر له. هذا تفسير يحتاج إلى تفسير آخر، وذلك أن التوبة والندم إنما تنفع فى الذنوب التى بين العبد وبين ربه، فأما مظالم العباد فلا تسقطها عنه التوبة.
ومعنى الحديث أن من مات على التوحيد أنه يدخل الجنة وإن ارتكب الذنوب، ولا يخلد فى النار بذنوبه كما يقوله الخوارج وأهل
_________________
(١) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٢/ ٣٧٩.
(٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال ٣/ ٢٣٦.
(٣) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٢/ ٣١٠.
[ ٧٢١ ]
البدع" (^١).
• قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: "لا يخلد في النار أحد مات على التوحيد، وهذه قاعدة متفق عليها عند أهل السنة" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ولا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد بل يخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان أو مثقال شعيرة من إيمان أو مثقال ذرة من إيمان" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولذلك كان مثقال ذرة من إيمان بالله ورسوله يخلص من الخلود في دار الآلام فكيف بالإيمان الذي يمنع من دخولها" (^٤).
• قال الشيخ حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "فاعلم أن الذي أثبتته الآيات القرآنية والسنن النبوية ودرج عليه السلف الصالح والصدر الأول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أئمة التفسير والحديث والسنة أن العصاة من أهل التوحيد على ثلاث طبقات:
الأولى: قوم رجحت حسناتهم بسيئاتهم، فأولئك يدخلون الجنة ولا تمسهم النار أبدا.
الثانية: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، وهؤلاء هم أصحاب الأعراف الذين ذكر الله تعالى أنهم يقفون بين الجنة والنار ما شاء الله أن يقفوا ثم يؤذن لهم في دخول الجنة كما قال الله تعالى بعد أن أخبر بدخول أهل
_________________
(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال ٩/ ١٠٤ - ١٠٥.
(٢) شرح صحيح مسلم ١/ ٢٨.
(٣) قاعدة في المحبة ص ٦٧.
(٤) روضة المحبين ص ١٦٨.
[ ٧٢٢ ]
الجنة الجنة، وأهل النار النار، وتناديهم فيها، قال: ﴿وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ [الأعراف: الآية: ٤٦]- إلى قوله: ﴿ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون﴾ [الأعراف: الآية: ٤٩]
الطبقة الثالثة: قوم لقوا الله تعالى مصرين على كبائر الإثم والفواحش ومعهم أصل التوحيد والإيمان، فرجحت سيئاتهم بحسناتهم، فهؤلاء هم الذين يدخلون النار بقدر ذنوبهم، ومنهم من تأخذه إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، حتى أن منهم من لم يحرم الله منه على النار إلا أثر السجود، وهذه الطبقة هم الذين يأذن الله تعالى في الشفاعة فيهم لنبينا محمد ﷺ ولغيره من بعده من الأنبياء والأولياء والملائكة ومن شاء الله أن يكرمه، فيحد لهم حدا فيخرجونهم، ثم يحد لهم حدا فيخرجونهم وهكذا فيخرجون من كان في قلبه وزن دينار من خير، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار من خير، ثم من كان في قلبه وزن برة من خير، إلى أن يخرجوا منها من في قلبه وزن ذرة من خير، إلى أدنى من مثقال ذرة إلى أن يقول الشفعاء: ربنا لم نذر فيها خيرا. ولن يخلد في النار أحد ممن مات على التوحيد ولو عمل أي عمل، ولكن كل من كان منهم أعظم إيمانا وأخف ذنبا كان أخف عذابا في النار وأقل مكثا فيها وأسرع خروجا منها، وكل من كان أعظم ذنبا وأضعف إيمانا كان بضد ذلك، والأحاديث في هذا الباب لا تحصى كثرة وإلى ذلك أشار النبي ﷺ بقوله: «من قال: لا إله إلا الله نفعته يوما من الدهر يصيبه قبل ذلك ما أصابه» (^١)؛ وهذا مقام ضلت فيه
_________________
(١) (صحيح) رواه البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٥٦)، وأبو نعيم (٥/ ٤٦)، وقد صححه الشيخ الألباني في الصحيحة (١٩٣٢).
[ ٧٢٣ ]
الأفهام وزلت فيه الأقدام واختلفوا فيه اختلافا كثيرا: ﴿فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ [البقرة: الآية: ٢١٣] " (^١).
المطلب السادس والعشرون: الأعمال والأقوال متوقفة في قبولها وكمالها على التوحيد.
فجميع الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها، وفي ترتيب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمّت.
وفي السُّنة النبوية دلالةٌ على عدم نفع الأعمال لمن لم يوفِّ حقَّ التوحيد وأشرَكَ بالله تعالى؛
• فعن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) -رضي الله تعالى عنه-قال: قال النبيُّ ﷺ: «قال اللهُ ﵎: أنا أغنَى الشركاءِ عن الشركِ؛ مَنْ عمِل عملًا أشرَكَ فيه معِي غيرِي، تركتُه وشِركَه» (^٢).
• عن أم المؤمنين عائشة (ت: ٥٨ هـ) ﵂-قالت: يا رسولَ اللهِ، ابنُ جُدْعَانَ كان في الجاهليةِ يصلُ الرَّحِمَ، ويُطعِمُ المسكينَ، فهلْ ذاكَ نافعُهُ؟ قال: «لا ينفعهُ؛ إنهُ لم يقُلْ يومًا: ربِّ اغفرْ لي خَطيئتي يومَ الدِّينِ» (^٣).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿يصلح لكم أعمالكم﴾ [الأحزاب:
_________________
(١) أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة ص ١١٥ - ١١٧.
(٢) (رواه مسلم: ٢٩٥٨).
(٣) (رواه مسلم: ٢١٤).
[ ٧٢٤ ]
الآية: ٧١]، لا يقبل العمل إلا ممن قال: لا إله إلا الله، مخلصا من قلبه" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ففعل جميع المأمورات وترك جميع المحظورات يدخل في التوحيد في قول: لا إله إلا الله؛ فإنه من لم يفعل الطاعات لله ويترك المعاصي لله: لم يقبل الله عمله، قال تعالى: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ [المائدة: الآية: ٢٧] " (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "العمل بغير إخلاصٍ ولا اقتداءٍ؛ كالمسافر يملأُ جرابه رملًا يُثقله ولا ينفعه" (^٣).
• قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: " ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم﴾ [محمد: الآية: ١٩] يحتج به على تقديم أصول الدين كالتوحيد على فروعه كالاستغفار وغيره؛ لتقديمه التوحيد ها هنا، ولأن رتبة الأصل قبل رتبة الفرع، وعلى أن المعتبر في الأصول العلم لا غيره" (^٤).
• قال أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت: ٨٩٨ هـ) ﵀: " ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾ [فصلت: الآية: ٣٠]، أي جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم، والاستقامة في أمور الدين التي هي منتهى العمل؛ وثم للدلالة على تراخي رتبة العمل وتوقف الاعتداد به على التوحيد" (^٥).
_________________
(١) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٣/ ٤١٥.
(٢) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٣٤.
(٣) الفوائد ص ٤٩
(٤) كتاب الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية ص: ٥٨٤.
(٥) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (سورة الأحقاف: الآية: ١٣)، ٨/ ٨٢.
[ ٧٢٥ ]
• قال محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀"فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي-ﷺ-وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج فكيف إذا جحد الإنسان شيئا من هذه الأمور كفر، ولو عمل بكل ما جاء به الرسول، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر، سبحان الله ما أعجب هذا الجهل" (^١).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "جميع الأعمال متوقفة في صحتها وقبولها على التوحيد" (^٢).
• قال محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ (ت: ١٣٨٩ هـ) ﵀: "فالحاصل أنه لو قدر أن التوحيد بعض المذكورات لكان جحده كفرًا، فكيف وهو أساس ذلك كله؟! بل التوحيد قد يكفي وحده في إسلام العبد ودخوله الجنة؛ فإنه إذا تكلم بكلمة التوحيد ثم توفى قبل وجوب شيء من الفروع عليه كفى التوحيد وحده؛ فالتوحيد ليس فقيرا إليها بل هي الفقيرة إليه في صحتها" (^٣).
المطلب السابع والعشرون: الكمل من أهل التوحيد يدخلون الجنة بعير حساب.
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-قال: قال النبي ﷺ: «عُرضت عليّ الأمم، فأخذ النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد
_________________
(١) كشف الشبهات ص: ٣٩.
(٢) القول السديد شرح كتاب التوحيد ص: ٣٦
(٣) شرح كشف الشبهات للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ص: ٩٥.
[ ٧٢٦ ]
كثير، قلت: يا جبريل، هؤلاء أمتي؟ قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير. قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفًا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب، قلت: ولم؟ قال: كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام إليه عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: اللهم اجعله منهم. ثم قام إليه رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: سبقك بها عكاشة» (^١).
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون، ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الأَلُوَّة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًا» (^٢).
• عن سهل بن سعد (ت: ٩٠ هـ) ﵁-عن النبي ﷺ قال: «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفًا أو سبعمائة ألف لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر» (^٣).
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-وفي الحديث: «هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون» (^٤)
فالمشار إليهم في الحديث هم في منزلة عالية من هذه الأمة لمزايا خاصة اختصوا بها تتعلق بالتوحيد.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٤١).
(٢) رواه البخاري (٣٢٤٥).
(٣) رواه البخاري (٣٢٤٧).
(٤) رواه البخاري (٥٢٧٠).
[ ٧٢٧ ]
المطلب الثامن والعشرون: اللقاء جزاء التوحيد.
• قال تعالى: ﴿الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين (٦٩) ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون﴾ [الزخرف: الآيات: ٦٩ - ٧٠].
فلذة النظر جزاء لما من عليهم من التوحيد عند تجلي المكاشفة لأوليائه، وهو البقاء مع الباقي. ألا ترى كيف خصهم في الإيمان بشرط التسليم لأمره والسكون بين يديه.
• قال تعالى: ﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين﴾ [الزخرف: الآية: ٧١]
• قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: "أي ما تشتهي الأنفس من ثواب الأعمال، وتلذ الأعين بما فضل الله به من التمكين في وقت اللقاء جزاء لتوحيدهم. فالجنة جزاء أعمال الجوارح، واللقاء جزاء التوحيد، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ " (^١).
المطلب التاسع والعشرون: جميع العبادات زائلة عن أهل الجنة إلا طاعة الذكر والتوحيد.
• قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: الآية: ٧٤].
_________________
(١) تفسير التستري ص ١٤٠.
[ ٧٢٨ ]
• قال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: الآية: ١٠].
• قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: الآة: ٧٩].
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "جميع الطاعات تزول يوم القيامة مثل الصلاة والصيام والحج، فإن التكاليف الظاهرة تزول في عالم الغيب، أما طاعة التهليل والتحميد فلا تزول عنهم، وكيف يمكن زوالها عنهم والقرآن يدل على أنهم مواظبون على الحمد، والمواظبة على الحمد تدل على المواظبة على الذكر والتوحيد. وإنما قلنا: إنهم مواظبون على الحمد لقوله تعالى حكاية عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: الآية: ٧٤]. وقال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: الآية: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: الآة: ٧٩] فثبت أنهم مواظبون على الحمد، والمواظبة على الحمد مواظبة على الذكر، فعلمنا أن جميع العبادات زائلة عن أهل الجنة إلا طاعة الذكر والتوحيد" (^١).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "إن هذه الكلمة ثابتة في الآخرة، لا ترتفع عن العبيد، وذلك لأن أهل الجنة يشتغلون في الجنة بذكر التوحيد. ألا ترى أن الله أخبر عنهم بقوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: الآية: ٣٤]، ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا
_________________
(١) عجائب القرآن ص ٣٨.
[ ٧٢٩ ]
وَعْدَهُ﴾ [الزمر: الآية: ٧٤]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: الآية: ٤٣] " (^١).
المطلب الثلاثون: التوحيد صفوف أهله في روضات الجنات مصفوفة.
• قال تعالى: ﴿متكئين على سرر مصفوفة﴾ [الطور: الآية: ٢٠].
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: " ﴿مصفوفة﴾ قال ابن الأعرابي (ت: ٧٨ هـ) ﵀: أي موصولة بعضها إلى بعض حتى تصير صفا" (^٢).
• وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "ومعنى ﴿مصفوفة﴾ أي: وجوه بعضهم إلى بعض" (^٣).
• قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "وبمعنى صفوف أهل التوحيد في روضات الجنات" (^٤).
المطلب الواحد والثلاثون: التوحيد يصحح الصلة بين الأحياء والأموات.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فزيارة أهل التوحيد لقبور المسلمين تتضمن السلام عليهم والدعاء لهم وهي مثل الصلاة على جنائزهم.
وزيارة أهل الشرك تتضمن أنهم يشبهون المخلوق بالخالق ينذرون
_________________
(١) عجائب القرآن ص ٥٨.
(٢) تفسير القرطبي (سورة الطور الآية ٢٠).
(٣) تفسير ابن كثير (سورة الطور الآية ٢٠).
(٤) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٣/ ٤٢٠.
[ ٧٣٠ ]
له ويسجدون له ويدعونه ويحبونه مثل ما يحبون الخالق فيكونون قد جعلوه لله ندا وسووه برب العالمين" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الفرق بين زيارة الموحدين للقبور، وزيارة المشركين:
أما زيارة الموحدين فمقصودها ثلاثة أشياء:
أحدها: تذكر الآخرة، والاعتبار والاتعاظ، وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك بقوله «زوروا القبور؛ فإنها تذكركم الآخرة».
الثاني: الإحسان إلى الميت، وأن لا يطول عهده به، فيهجره، ويتناساه، كما إذا ترك زيارة الحي مدة طويلة تناساه، فإذا زار الحي فرح بزيارته وسر بذلك، فالميت أولى؛ لأنه قد صار في دار قد هجر أهلها إخوانهم وأهلهم ومعارفهم، فإذا زاره وأهدى إليه هدية من دعاء، أو صدقة، أو أهدى قربة، ازداد بذلك سروره وفرحه، كما يسر الحي بمن يزوره ويهدي له.
ولهذا شرع النبي ﷺ للزائر أن يدعو لأهل القبور بالرحمة والمغفرة، وسؤال العافية فقط، ولم يشرع أن يدعوهم، ولا يدعو بهم، ولا يصلي عندهم.
الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة، والوقوف عند ما شرعه الرسول ﷺ، فيحسن إلى نفسه وإلى المزور.
وأما الزيارة الشركية: فأصلها مأخوذ عن عباد الأصنام.
قالوا: الميت المعظم الذي لروحه قرب ومزية عند الله، لا تزال
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٣٤٠.
[ ٧٣١ ]
تأتيه الألطاف من الله، وتفيض على روحه الخيرات، فإذا علق الزائر روحه به، وأدناها منه، فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها، كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم المقابل له.
قالوا: فتمام الزيارة: أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه، ويوجه قصده كله وإقباله عليه، بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره، وكلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب إلى انتفاعه به.
وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه: ابن سينا والفارابي وغيرهما. وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها، وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية فاض عليها منها النور.
وبهذا السر عبدت الكواكب، واتخذت لها الهياكل، وصنفت لها الدعوات، واتخذت الأصنام المجسدة لها، وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها أعيادا، وتعليق الستور عليها، وإيقاد السرج عليها، وبناء المساجد عليها، وهو الذي قصد رسول الله-ﷺ-إبطاله ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه، فوقف المشركون في طريقه، وناقضوه في قصده، وكان-ﷺ-في شق، وهؤلاء في شق.
وهذا الذي ذكره هؤلاء المشركون في زيارة القبور هو الشفاعة التي ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها، وتشفع لهم عند الله.
قالوا: فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المقرب عند الله، وتوجه بهمته إليه، وعكف بقلبه عليه؛ صار بينه وبينه اتصال، يفيض به عليه منه نصيب مما يحصل له من الله، وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاه وحظوة وقرب من السلطان، فهو شديد التعلق به، فما يحصل لذلك من
[ ٧٣٢ ]
السلطان من الإنعام والإفضال، ينال ذلك المتعلق به بحسب تعلقه به.
فهذا سر عبادة الأصنام، وهو الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بإبطاله، وتكفير أصحابه، ولعنهم، وأباح دماءهم وأموالهم، وسبى ذراريهم، وأوجب لهم النار.
والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله، وإبطال مذهبهم.
قال تعالى: ﴿أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون (٤٣) قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض﴾ [الزمر: الآية: ٤٤، ٤٣].
فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السماوات والأرض، وهو الله وحده، فهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه، ليرحم عبده، فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه، فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له، والذي يشفع عنده إنما يشفع بإذنه له وأمره، بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه، وهى إرادته من نفسه أن يرحم عبده.
وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم، وهى التي أبطلها الله سبحانه في كتابه، بقوله: ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة﴾ [البقرة: الآية: ١٢٣]، وقوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٤]، وقال تعالى: ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون﴾ [الأنعام: الآية: ٥١]، وقال: ﴿الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع﴾ [السجدة: الآية: ٤].
فأخبر سبحانه أنه ليس للعباد شفيع من دونه، بل إذا أراد الله
[ ٧٣٣ ]
سبحانه رحمة عبده أذن هو لمن يشفع فيه، كما قال تعالى: ﴿ما من شفيع إلا من بعد إذنه﴾ [يونس: الآية: ٣]، وقال: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥] " (^١).
المطلب الثاني والثلاثون: في التوحيد السلامة من الخسارة الدنيوية والآخروية.
• قال-تعالى-: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: الآيات: ١ - ٣].
• قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦) [الكهف: الآيات: ١٠٣ - ١٠٦].
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "فيه دلالة على أن من الناس من يعمل العمل وهو يظن أنه محسن وقد حبط سعيه، والذي يوجب إحباط السعي إما فساد الاعتقاد أو المراءاة، والمراد هنا الكفر" (^٢).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول، وهو مخطئ، وعمله مردود" (^٣).
_________________
(١) إغاثة اللهفان ١/ ٣٩٣ - ٣٩٥.
(٢) تفسير القرطبي سورة الكهف (١٠٣ - ١٠٦).
(٣) تفسير ابن كثير سورة الكهف (١٠٣ - ١٠٦).
[ ٧٣٤ ]
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولا تتم له سلامته مطلقا حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى يناقض التجريد والإخلاص. وهذه الخمسة حجب عن الله، وتحت كل واحد منها أنواع كثيرة تتضمن أفرادا لا تنحصر" (^١).
والآيات في هذا المعنى كثيرة ومنها:
• قال تعالى: ﴿وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية﴾ [الغاشية: الآية: ٢ - ٤].
• قال تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ [الفرقان: الآية: ٢٣].
• قال تعالى: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا﴾ [النور: الآية: ٣٩].
• قال تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: الآية: ١٥].
• وقال تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ [المائدة: الآية: ٥].
• قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "بمعنى التوحيد وكلمة الإيمان: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ [المائدة: الآية: ٥]، أي بكلمة التوحيد" (^٢).
_________________
(١) الجواب الكافي ١/ ٢٨٣.
(٢) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٢/ ١٥٠.
[ ٧٣٥ ]
المطلب الثالث والثلاثون: التوحيد نور للعبد يوم القيامة.
• عن جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵁، قال: "سمعت عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁ يقول لطلحة بن عبيد الله-﵁ (ت: ٣٦ هـ): ما لي أراك قد شعثت واغبررت منذ توفي رسول الله ﷺ؟ لعلك ساءك يا طلحة إمارة ابن عمك؟ قال: معاذ الله، إني لأجدركم أن لا أفعل ذاك، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني لأعلم كلمة لا يقولها رجل عند حضرة الموت إلا وجد روحه لها روحا حين تخرج من جسده، وكانت له نورا يوم القيامة» فلم أسأل رسول الله-ﷺ-عنها، ولم يخبرني بها، فذلك الذي دخلني، قال عمر: فأنا أعلمها، قال: فلله الحمد، قال: فما هي؟ قال: هي الكلمة التي قالها لعمه: لا إله إلا الله، قال طلحة: صدقت" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وفي الحديث الصحيح عنه- ﷺ: «إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت إلا وجدت روحه لها روحا» (^٢)، فحياة هذه الروح بحياة هذه الكلمة فيها، فكما أن حياة البدن بوجود الروح فيه، وكما أن من مات على هذه الكلمة فهو في
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في المسند ١/ ١٦١، (١٣٨٤) (١٣٨٦)؛ وأخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (١٠٩٣٧)، ورواه ابن ماجة من طريق سعدى المرية وصححه الألباني، انظر صحيح ابن ماجة للألباني (٣٠٧٧)، وأورده ابن حجر في الفتوحات الربانية (٤/ ١١٢) من طريق يحيى بن طلحة وقال: "حسن رواته موثوقون".
(٢) أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (١٠٩٣٧)، وأحمد (١٨٧) باختلاف يسير.
[ ٧٣٦ ]
الجنة يتقلب فيها، فمن عاش على تحقيقها والقيام بها فروحه تتقلب في جنة المأوى وعيشه وأطيب عيش قال: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى - فإن الجنة هي المأوى﴾ [سورة النازعات: الآية: ٤٠ - ٤١]. فالجنة مأواه يوم اللقاء.
وجنة المعرفة والمحبة والأنس بالله والشوق إلى لقائه والفرح به والرضا به وعنه مأوى روحه في هذه الدار، فمن كانت هذه الجنة مأواه ها هنا، كانت جنة الخلد مأواه يوم الميعاد، ومن حرم هذه الجنة فهو لتلك الجنة أشد حرمانا، والأبرار في النعيم وإن اشتد بهم العيش، وضاقت عليهم الدنيا، والفجار في جحيم وإن اتسعت عليهم الدنيا، قال تعالى: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ [سورة النحل: الآية: ٩٧] وطيب الحياة جنة الدنيا، قال تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾ [سورة الأنعام: الآية: ١٢٥] " (^١).
المطلب الرابع والثلاثون: إن الله تكفل لأهل التوحيد بالأمن والطمأنينة والولاية ودخول الجنان.
• قال تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نزلا من غفور رحيم﴾ [فصلت: الآية: ٣٠].
• سئل أبو بكر الصديق (ت: ١٣ هـ) ﵁-عن الاستقامة فقال: "أن
_________________
(١) الجواب الكافي ص ١٩٦ - ١٩٧.
[ ٧٣٧ ]
لا تشرك بالله شيئًا" (^١).
• قرأت عند أبي بكر الصديق (ت: ١٣ هـ) ﵁-هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: هم الذين لم يشركوا بالله شيئًا" (^٢).
• قال مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀-وعكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀: "استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله" (^٣).
• قال وكيع بن الجراح (ت: ١٩٧ هـ) ﵀: "البشرى تكون في ثلاث مواطن: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث" (^٤).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وحده لا شريك له، وبرئوا من الآلهة والأنداد، ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على توحيد الله، ولم يخلطوا توحيد الله بشرك غيره به، وانتهوا إلى طاعته فيما أمر ونهى" (^٥).
• قال محمد بن عبد الرؤف المناوي (ت: ١٠٣١ هـ) ﵀: "فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضا والغبطة. ومن ألهاته حياته وشغلته أهواؤه، عادة أمره إلى الندامة والحسرة" (^٦).
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة فصلت الآية: ٣٠)
(٢) تفسير الطبري (سورة فصلت الآية: ٣٠)
(٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة فصلت الآية: ٣٠)
(٤) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة فصلت الآية: ٣٠)
(٥) تفسير الطبري (سورة فصلت الآية: ٣٠)
(٦) فيض القدير ٣/ ٥٢٤.
[ ٧٣٨ ]
المبحث الخامس: محاسن التوحيد والإيمان بالقدر.
وفيه ستة مطالب.
المطلب الأول: من تمام التوحيد الإيمان بالقدر.
• عَنِ ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، قَالَ: "الْقَدَرُ نِظَامُ التَّوْحِيدِ، فَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ ﷿، وَآمَنَ بِالْقَدَرِ، فَهِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى الَّتِي لَا انْفِصَامَ لَهَا، وَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ تَعَالَى، وَكَذَّبَ بِالْقَدَرِ، نَقْضَ التَّوْحِيدَ" (^١).
• قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "فإن قيل: ما معنى قول النبى-ﷺ-للذى رفع صوته بلا إله إلا الله، «ألا أدلك على كنز الجنة». فقال: «لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا إله إلا الله تغنى عن غيرها، وهى المنجية من النار؟» (^٢)، فالجواب: أن النبى-ﷺ
_________________
(١) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد، تحت رقم (٩٢٥، ٩٢٨)، القدر للفريابي تحت رقم (٢٠٥)، والشريعة للآجري ص ١٩٧، وابن بطة في: الإبانة تحت رقم (١٦١٨، ١٦١٩)، وشرح اعتقاد أهل السنة للالكائي تحت رقم (١١١٢ - ١٢٢٤). ويتقوى بتعدد الطرق إلى الحسن لغيره.
(٢) أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (١١٣٠٣)، وابن ماجه (٣٨٢٥)، وأحمد (٢١٢٩٨) باختلاف يسير، والكلاباذي في «بحر الفوائد» (ص ٢٨٦) واللفظ له.
[ ٧٣٩ ]
كان معلما لأمته، وكان لا يراهم على حالة من الخير، إلا أحب لهم الزيادة عليها فأحب للذى رفع صوته بكلمة الإخلاص والتوحيد أن يردفها بالتبرؤ من الحول والقوة لله تعالى وإلقاء القدرة إليه، فيكون قد جمع مع التوحيد الإيمان بالقدر" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "لا بد من الإيمان بالقدر فإن الإيمان بالقدر من تمام التوحيد كما قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: هو نظام التوحيد فمن وحد الله وآمن بالقدر تم توحيده، ومن وحد الله، وكذب بالقدر نقض توحيده" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وبالجملة فكل دليل في القرآن على التوحيد فهو دليل على القدر وخلق أفعال العباد ولهذا كان إثبات القدر أساس التوحيد قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه التوحيد" (^٣)
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إن الإيمان بالقدر أصل الإيمان بالأمر وهو نظام التوحيد فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه إيمانه" (^٤)
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والذي دل عليه قول ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁، وهو قول الصحابة كلهم وأئمة السنة من التابعين ومن بعدهم هو إثبات القدر الذي هو نظام التوحيد؛ إثبات فعل العبد الاختياري، الذي هو نظام الأمر والنهي، وهو متعلق المدح والذم
_________________
(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال ١٠/ ١٣٩.
(٢) مجموع الفتاوى ٣/ ١١٣.
(٣) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص: ٦٥).
(٤) روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص: ٦١).
[ ٧٤٠ ]
والثواب والعقاب والله أعلم" (^١)
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "النبي ﷺ أرشد الأمة في القدر إلي أمرين هما سببا السعادة:
الإيمان بالأقدار فإنه نظام التوحيد.
والإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره وذلك نظام الشرع.
فأرشدهم إلى نظام التوحيد والأمر؛ فأبى المنحرفون إلا القدح بإنكاره في أصل التوحيد، أو القدح بإثباته في أصل الشرع، ولم تتسع عقولهم التي لم يلق الله عليها من نوره للجمع بين ما جمعت الرسل جميعهم بينه وهو القدر والشرع والخلق والأمر.
وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم والنبي ﷺ شديد الحرص على جمع هذين الأمرين للأمة وقد تقدم قوله: «أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز» (^٢). وإن العاجز من لم يتسع للأمرين" (^٣)
• قال الشيخ حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد كما أن الإيمان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره هي نظام الشرع، ولا ينتظم أمر الدين ويستقيم إلا لمن آمن بالقدر وامتثل الشرع، كما قرر النبي ﷺ الإيمان بالقدر ثم قال لمن قال له: "أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: «اعملوا فكل ميسر
_________________
(١) حاشيته على تهذيب السنن (٦/ ١٠٥).
(٢) رواه مسلم (٢٦٦٤).
(٣) شفاء العليل ١/ ٢٦.
[ ٧٤١ ]
لما خلق له» (^١)، فمن نفى القدر زاعما منافاته للشرع فقد عطل الله تعالى عن علمه وقدرته وجعل العبد مستقلا بأفعاله خالقا لها، فأثبت مع الله تعالى خالقا، بل أثبت أن (جميع المخلوقين خالقون)، ومن أثبته محتجا به على الشرع محاربا له به نافيا عن العبد قدرته واختياره التي منحه الله تعالى إياها وكلفه بحسبها زاعما أن الله كلف عباده ما لا يطاق، كتكليف الأعمى بنقط المصحف، فقد نسب الله تعالى إلى الظلم وكان إمامه في ذلك إبليس لعنه الله تعالى إذ يقول: ﴿قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾ [الأعراف: الآية: ١٦] وأما المؤمنون حقا فيؤمنون بالقدر خيره وشره وأن الله خالق ذلك كله، وينقادون للشرع أمره ونهيه ويحكمونه في أنفسهم سرا وجهرا، والهداية والإضلال بيد الله يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، وهو أعلم بمواقع فضله وعدله ﴿هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى﴾ [النجم: الآية: ٣٠] وله في ذلك الحكمة البالغة والحجة الدامغة، وأن الثواب والعقاب مترتب على الشرع فعلا وتركا على القدر، وإنما يعزون أنفسهم بالقدر عند المصائب، فإذا وفقوا لحسنه عرفوا الحق لأهله فقالوا: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ [الأعراف: الآية: ٤٣] ولم يقولوا كما قال الفاجر: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ [القصص: الآية: ٧٨] وإذا اقترفوا سيئة قالوا كما قال الأبوان: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ [الأعراف: الآية: ٢٣] ولم يقولوا كقول الشيطان الرجيم: ﴿رب بما أغويتني﴾ [الحجر: الآية: ٣٩] وإذا أصابتهم مصيبة قالوا: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة: الآية: ١٥٦]، ولم يقولوا كما قال الذين كفروا: ﴿وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٩٤٩)، ومسلم (٢٦٤٧).
[ ٧٤٢ ]
يحيي ويميت والله بما تعملون بصير﴾ [آل عمران: الآية: ١٥٦] " (^١).
المطلب الثاني: التوحيد تقرير بأن النفع والضر بيد الله.
• قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ﴾ [الأنعام: الآية: ١٧]. فالنافع الضار هو المستحق للعبادة وحده.
• قال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ الله مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم﴾ [يونس: الآيتان: ١٠٦ - ١٠٧].
• قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: " قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون﴾ [الزمر: الآية: ٣٨] هي شبيهة بقول إبراهيم: ﴿أو ينفعونكم أو يضرون﴾ [الشعراء: الآية: ٧٣] وقول صاحب يس: ﴿أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون﴾ [يس: الآية: ٢٣] وهو استدلال على التوحيد، ونفي إلهية الشركاء بعدم ملكهم التصرف بالضر والنفع أي: هؤلاء لا تصرف لهم، وكل من لا تصرف له؛ فليس بإله، فهؤلاء ليسوا آلهة" (^٢).
_________________
(١) أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة ص ٩١ - ٩٢.
(٢) كتاب الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية ص: ٥٤٢.
[ ٧٤٣ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والدعاء من جملة العبادات، فمن دعا المخلوقين من الموتى والغائبين واستغاث بهم-مع أن هذا أمر لم يأمر به الله ولا رسوله أمر إيجاب ولا استحباب- كان مبتدعا في الدين، مشركا برب العالمين، متبعًا غير سبيل المؤمنين" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "من تمام نعمة الله على عباده المؤمنين؛ أن ينزل بهم من الشدّة والضر ما يلجؤهم إلى توحيده، فيدعونه مخلصين له الدين، ويرجونه ولايرجون أحدًا سواه، فتتعلق قلوبهم به لابغيره، فيحصل لهم من التوكل عليه ما هو أعظم نعمة عليهم من زوال المرض والخوف" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "التوكل: حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يَضره في دينه ودنياه. ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب وإلَّا كان معطلًا للحكمة والشرع؛ فلا يجعل العبد عجزه توكلًا ولا توكله عجزًا" (^٣).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "وهذا وصف لكل مخلوق، وأنه لا ينفع ولا يضرّ، وإنما النافع الضارّ هو الله، ومن دعا ما لا يضرّه ولا ينفعه فقد ظلم نفسه بالوقوع في الشرك الأكبر، وإذا كان النبي ﵊ لو دعا غير الله لكان من الظالمين المشركين، فكيف بغيره؟ (^٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ١/ ٣١٢.
(٢) المستدرك على الفتاوى ١/ ١٥.
(٣) زاد المعاد (٤/ ١٥).
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص ٣٣١.
[ ٧٤٤ ]
المطلب الثالث: الله-عزوجل-قَضَى، وَوَصَّى، وحَكَم، وأمر بالتوحيد.
• قال الله-﷾: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: الآية: ٢٣].
• فالله-﷿-قَضَى، وَوَصَّى، وحَكَم، وأمر بالتوحيد فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ قضاءً دينيًا، وأمرًا شرعيًّا، ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا﴾ أحدًا: من أهل الأرض والسموات، الأحياء، والأموات، ﴿إِلاَّ إِيَّاهُ﴾؛ لأنه الواحد الأحد، الفرد الصمد" (^١).
المطلب الرابع: التوحيد دعوة للتوكل على الله في كل الأحوال.
• قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: الآية: ١٠٧].
• قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [آل عمران: الآية: ١٠٩].
• قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: الآية: ٨٨].
_________________
(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٧/ ٤١٣، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٣/ ٣٤، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص ٤٠٧.
[ ٧٤٥ ]
• قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: الآية: ١٢٣].
• قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. [الأحزاب: الآية: ١٧].
• قال تعالى ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: الآية: ٥].
فمن يتأمل النصوص الشرعية الواردة في التوحيد والدالة على عظمة الله فإنها تشعر العبد المؤمن بالطمئنينة وتحثه على حسن التوكل عليه، والقرآن دعوة لتثبت الإيمان في القلوب قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: الآية: ١٢٠].
فمن يقرأ عن عظمة الله في القرآن فإنه يشعر بطمأنينة وسكينة لأن آيات القرآن تقرر أن كل كل شيء عنده سبحانه، وهو كتوب وبمشيئته وتحت ملكه، فهو المتصرف في الكون كله
فإذا آمن العبد بذلك كله فإن ذلك يجعل من المؤمن لا يخاف، فالموحد لا يخشى أحدًا إلا الله، فالتوحيد الحقيقي أنك لا ترى مع الله أحدًا أبدًا، وذلك بأن تعلم وتتيقن بأن كل شيء وقع وتحقق فقد أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، فالله غني عن العالمين.
فهل يعقل أن الله يأمرك بعبادته ويأمرك أن تتوكل عليه ويجعل مصيرك في يد أحد من البشر.
[ ٧٤٦ ]
الإجابة
المطلب الخامس: التوحيد شرط في تحقيق التوكل.
• قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ لَنْ يُصيبَنا إِلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَولانا وَعَلَى اللَّهِ فَليَتَوَكَّلِ المُؤمِنونَ﴾ [التوبة: الآية: ٥١].
• قال عبد الرحمن بن محمد بن قدامة (ت: ٦٨٢ هـ) ﵀: "إن التوكل لا يمكن له أن يوجد في قلب العبد المؤمن بدون أن يكون القلب صافيًا في توحيد الله-تعالى-؛ لأنه إن أخلص التوحيد، وأيقن أن لا خالق في هذا الكون ولا رازق إلا الله -تعالى-، لم يطلب الرزق من غير الله، وإذا أيقن أن القوة لله، لم يخشَ ولم يخف إلا الله -تعالى-" (^١).
• قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده، بل حقيقة التوكل توحيد القلب، فما دامت فيه علائق الشرك فتوكله معلول مدخول، وعلى قدر تجريد التوحيد يكون صحة التوكل، فإن العبد متى التفت إلى غير الله أخذ ذلك الالتفات شعبة من شعب قلبه فنقص من توكله على الله بقدر ذهاب تلك الشعبة" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "أَرْجَحُ الْمَكَاسِبِ: التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ وَالثِّقَةُ بِكِفَايَتِهِ وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ" (^٣).
_________________
(١) مختصر منهاج القاصدين ص: ٣٣١.
(٢) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٥/ ٢٧٣.
(٣) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٦٠.
[ ٧٤٧ ]
المطلب السادس: التوحيد يرسخ في الإنسان أنه عبد لله راجع وهذا معنى إنا لله وإنا إليه راجعون.
• قال الحسين بن علي (ت: ٦١ هـ) ﵄: "من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمن غير ما اختار الله له" (^١).
• قال الفضيل بن عياض (ت: ١٨٧ هـ) ﵀-لرجل: كم أتت عليك؟
قال: ستون سنة.
قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك توشك أن تبلغ.
فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون.
فقال الفضيل: أتعرف تفسيره؟
تقول: أنا لله عبد .. وإليه راجع فمن علم أنه لله عبد .. وأنه إليه راجع فليعلم أنه موقوف .. ومن علم أنه موقوف .. فليعلم أنه مسؤول.
ومن علم أنه مسؤول .. فليعد للسؤال جوابا.
فقال الرجل: فما الحيلة؟
قال: يسيرة.
فقال الرجل: ما هي؟
قال: تحسن فيما بقي .. يغفر لك ما مضى فإنك إن أسأت فيما بقي .. أخذت بما مضى وبما بقي" (^٢).
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ١٧٥.
(٢) جامع العلوم والحكم لابن رجب ١/ ٣٨٣.
[ ٧٤٨ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "حقيقة الدين هو الطاعة والانقياد، وذلك إنما يتم بالفعل لا بالقول فقط، فمن لم يفعل لله شيئا فما دان الله دينا، ومن لا دين له فهو كافر" (^١).
• قال إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (ت ٧٩٠ هـ) ﵀: "المقصد الشرعي مِنْ وضْع الشريعة هو إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدًا لله اختيارًا كما هو عبد الله اضطرارًا" (^٢).
_________________
(١) شرح العمدة ٢/ ٨٦.
(٢) الموافقات ٢/ ١١٤.
[ ٧٤٩ ]