[الفصل الأول محبة الرسول ﷺ]
[المبحث الأول مفهوم المحبة]
الباب الأول
المحبة والاتباع (وفيه فصلان) الفصل الأول: محبة الرسول ﷺ.
الفصل الثاني: الاتباع.
[ ٢٧ ]
الفصل الأول وفيه أربعة مباحث المبحث الأول - مفهوم المحبة.
المبحث الثاني - وجوب محبة الرسول ﷺ.
المبحث الثالث - دواعي محبة الرسول ﷺ وأسباب زيادتها.
المبحث الرابع - مظاهر محبة الرسول ﷺ.
[ ٢٩ ]
المبحث الأول
مفهوم المحبة وأنواعها (أ) الحب في اللغة: الحب كلمة دائرة على ألسنة الناس، رمزا لتعلق القلوب وميلها إلى ما ترضاه وتستحسنه. ويطلق في اللغة على صفاء المودة.
جاء في لسان العرب:
(الحب: نقيض البغض. والحب: الوداد والمحبة. . . وأحب فهو محب. . . والمحبة أيضا: اسم للحب.: وتحبب إليه تودد. وامرأة محبة لزوجها، ومحب أيضا. . . والحب: الحبيب، مثل خدن وخدين. . . والحب: المحبوب، وكان زيد بن حارثة ﵁، يدعى حب رسول الله ﷺ.
. . . . وحببت إليه: صرت حبيبا. . . وهم يتحابون: أي يحب بعضهم بعضا. . . والتحبب: إظهار الحب) (١) .
وهذا النص كغيره من النصوص في المعاجم قد اقتصر على تعريف الحب بنقيضه أو بمرادفه لكن نرى الراغب الأصفهاني (٢) يفصل أكثر فيقول:
(. . . . حببت فلانا يقال في الأصل بمعنى: أصبت حبة قلبه، نحو: شغفته وكبدته وفأدته (٣) .
_________________
(١) لسان العرب. مادة " حبب " ١ / ٢٨٩.
(٢) هو أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل المعروف بالراغب الأصفهاني (. . - ٥٠٢ هـ) من تصانيفه: تحقيق البيان في تأويل القرآن، الذريعة إلى مكارم الشريعة، المفردات في غريب القرآن. انظر: الأعلام للزركلي. ط٥، دار العلم للملايين، بيروت ١٩٨٠م، ٢ / ٣٥٥ ومعجم المؤلفين عمر رضا كحالة. نشر دار إحياء التراث العربي. بيروت ٤ / ٥٩.
(٣) بمعنى أصبت شغاف قلبه، وكبده، وفؤاده.
[ ٣١ ]
وأحببت فلانا: جعلت قلبي معرضا لحبه، لكن في التعارف وضع محبوب موضع محب، واستعمل حببت أيضا في موضع أحببت) .
(ب) تعريف المحبة عند العلماء: ثم يستطرد الراغب فيقول:
(والمحبة إرادة ما تراه خيرا أو تظنه خيرا. وهي على ثلاثة أوجه:
- محبة للذة، كمحبة الرجل المرأة، ومنه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] (١) .
- محبة للنفع، كمحبة شيء ينتفع به، ومنه: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣] (٢) .
- ومحبة للفضل، كمحبة أهل العلم بعضهم لبعض من أجل العلم) (٣) .
وإذا كان الراغب هنا قد فسر المحبة بإرادة ما يظنه الإنسان خيرا، فقد كان " القاضي عياض (٤) أكثر وضوحا حين عرف المحبة: بأنها ميل الإنسان إلى ما يوافقه.
يقول القاضي عياض:
(وحقيقة المحبة: الميل إلى ما يوافق الإنسان، وتكون موافقته له:
_________________
(١) سورة الإنسان، آية (٨) .
(٢) سورة الصف، آية (١٣) .
(٣) المفردات في غريب القرآن. لأبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني. تحقيق. محمد سيد كيلاني. طبع مطبعة مصطفى الحلبي. مصر ١٩٦٢م، مادة " حب " ص١٠٥.
(٤) هو أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي (٤٧٦هـ - ٥٤٤) عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته. ولد سبته وولي قضاءها. من تصانيفه: الشفا بتعريف حقوق المصطفى. ومشارق الأنوار. وشرح صحيح مسلم، وغيرها. توفى بمراكش. انظر. وفيات الأعيان ٣ / ٤٨٣ وما بعدها والبداية والنهاية ١٢ / ٢٥٥.
[ ٣٢ ]
١ - إما لأستلذاذه بإدراكه كحب الصور الجميلة والأصوات الحسنة والأطعمة والأشربة اللذيذة وأشباهها مما كل طبع سليم مائل إليها لموافقتها له.
٢ - أو لاستلذاذه بإدراكه بحاسة عقله وقلبه معاني باطنة شريفة كحب الصالحين والعلماء، وأهل المعروف المأثور عنهم السير الجميلة والأفعال الحسنة، فإن طبع الإنسان مائل إلى الشغف بأمثال هؤلاء.
٣ - أو يكون حبه إياه لمرافقته له من جهة إحسانه له وإنعامه عليه فقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها) (١) .
وعلى ذلك فهذا الميل إما أن يكون حسيا أو عقليا أو قلبيا. وعلى هذه الجوانب الثلاثة- منفردة أو مجتمعة- يقوم الحب في القلب، فما وافقها مال إليه القلب وأحبه، وما خالفها نفر عنه وكرهه.
وأصل الحب قوة في القلب تحرك إرادة الإنسان لتحصيل المحبوبات أصلا، ودفع المكروهات تبعا، فتميل النفس إلى الشيء إن كان محبوبا وتنفر عنه إن كان مكروها (٢) .
ويتوقف تعلق النفس بالشيء حبا، أو النفور عنه كرها على الإدراك الفطري أو الكسبي.
فالحب إذن ثمرة الإدراك والمعرفة، فكلما كانت المعرفة أتم كان الحب أقوى والعكس صحيح.
لأجل هذا كان الناس متفاوتين في حبهم للأشياء والأشخاص تفاوتا بينا تبعا لتفاوت إدراكهم ومعرفتهم.
وإذا كانت وسائل المعرفة والإدراك لدى المرء سليمة وصحيحة أحب الإنسان ما ينفعه ويصلحه، وإلا أحب الضار يحسبه نافعا والفاسد يحسبه صالحا.
_________________
(١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى. للقاضي عياض اليحصبي طبع دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٩٩، هـ - ٢ / ٢٩ - ٣٠.
(٢) انظر. رسالة العبودية، ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية، ١٠ / ١٩٢.
[ ٣٣ ]
وبناء على هذا يمكن أن نعرف الحب بأنه: ميل القلب فطرة أو إدراكا ومعرفة الى ما يوافقه ويستحسنه.
(ج) المحبة في النصوص الشريعة: أما في الشرع فقد ورد لفظ الحب في القرآن والسنة بكل جوانبه الطبعية والشرعية.
فالجوانب الفطرية أو الطبعية مثل حب الآباء والأبناء والأزواج وحب المال وسائر الشهوات.
قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] (١) .
وقال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] (٢) .
وقال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] (٣) .
وقال: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] (٤) .
وفي الحديث الذي أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يزال قلب الكبير شابا في اثنتين: في حب الدنيا وطول الأمل» (٥) وأخرج عن أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان حب المال وطول العمر» (٦) .
هذه هي المحبة الفطرية الجبلية كما وردت في النصوص الشرعية، وأما المحبة الشرعية- أعني حب الله ورسوله- فالنصوص الواردة فيها كثيرة وإليك بيانها:
_________________
(١) سورة آل عمران، آية (١٤) .
(٢) سورة الفجر، آية (٢٠) .
(٣) سورة العاديات، آية (٨) .
(٤) سورة القيامة، آية (٢٠) .
(٥) صحيح البخاري. كتاب الرقاق. باب من بلغ ستين سنة ٨ / ١١١.
(٦) صحيح البخاري. كتاب الرقاق. باب من بلغ ستين سنة ٨ / ١١١.
[ ٣٤ ]
(د) حب الله ﷿: ولنبدأ بحب الله تعالى، أما النصوص الواردة في حب الرسول ﷺ فسوف تأتي في المبحث القادم.
فقد جاء لفظ الحب في القرآن والسنة لبيان حب الله لعباده المؤمنين وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] (١) . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] (٢) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] (٣) .
وفيما أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله قال: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه. وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه» . . . . . .) الحديث (٤) .
وأخرج البخاري ومسلم بسنديهما عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ " قل هو الله أحد " فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: " سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ " فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي ﷺ: " أخبروه أن الله يحبه» (٥) .
كما ورد ما يثبت حب المؤمنين لربهم ﷿ وذلك كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] (٦) .
_________________
(١) سورة المائدة، آية (٥٤) .
(٢) سورة البقرة، آية (٢٢٢) .
(٣) سورة الصف، آية (٤) .
(٤) صحيح البخاري. كتاب الرقاق. باب التواضع، ٨ / ١٣١.
(٥) صحيح البخاري. كتاب التوحيد. باب دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎، ٩ / ١٤٠-١٤١. ومسلم. كتاب صلاة المسافرين. باب فضل قراءة " قل هو الله أحد، ١ / ٥٥٧.
(٦) سورة البقرة، آية (١٦٥) .
[ ٣٥ ]
وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] (١) وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] الآية (٢) .
وأخرج البخاري ومسلم بسنديهما عن أنس بن مالك (أن رجلا سأل النبي ﷺ: «متى الساعة يا رسول الله؟ قال: ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. قال: أنت مع من أحببت» (٣) .
ومن ثم يتبين لنا أن الحب علاقة متبادلة بين الله تعالى وبين عباده المؤمنين. لكن حب الله لعباده صفة من صفاته منزهة عن مشابهة صفات المخلوقين ونصوص الكتاب والسنة تؤكد ذلك أتم تأكيد.
وجمهور السلف على إثبات حب الله لعباده كصفة من صفاته كما يليق بذاته سبحانه، بلا كيف ولا تأويل ولا مشاركة للمخلوق في شيء من خصائصها كما أنهم يثبتون محبة العباد لربهم محبة حقيقية قلبية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(وهذه المحبة حق كما نطق بها الكتاب والسنة، والذي عليه سلف الأمة وأئمتها وأهل السنة والحديث وجميع مشايخ الدين المتبعون وأئمة التصوف أن الله سبحانه محبوب لذاته محبة حقيقية، بل هي أكمل محبة، فإنها كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] (٤) وكذلك هو سبحانه يحب عباده المؤمنين محبة حقيقية) (٥) .
_________________
(١) سورة المائدة، آية (٥٤) .
(٢) سورة آل عمران، آية (٣١) .
(٣) صحيح البخاري. كتاب الأدب. باب علامة الحب في الله، ٨ / ٤٩، وصحيح مسلم كتاب البر والصلة. باب المرء مع من أحب، ٤ / ٢٠٣٣.
(٤) سورة البقرة، آية (١٦٥) .
(٥) مجموع فتاوى شيح الإسلام أحمد بن تيمية. جمع وترتيب. عبد الرحمن بن محمد بن قاسم وابنه محمد. طبع مكتبة المعارف. الرباط. المغرب ١٠ / ٦٦. وانظر تفسير القاسمي. المسمى محاسن التأويل. محمد جمال الدين القاسمي. تحقيق. محمد فؤاد عبد الباقي. ط ٢، طبع دار الفكر. بيروت، ١٣٩٨ هـ- ١٩٧٨ م، ٦ / ٢٥٣- ٢٥٥.
[ ٣٦ ]
ومع وضوح هذا الأمر إلا أن أهل الأهواء والبدع من الجهمية ومن تابعهم من المتكلمين حادوا عن إثبات حب الله لعباده كصفة من صفاته سبحان وتعالى. متأولين محبته سبحانه بإرادة الإحسان، أو بإحسانه وإنعامه على عباده. كما أنهم أولوا محبة العباد لربهم بأنها محبة طاعته، أو محبة إحسانه وثوابه (١) .
وهذا التأويل- مع بطلانه- يؤدي إلى إنكار المحبة، ومتى بطلت المحبة بطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان، وخلت الأعمال من روحها، إذ هي أصل كما عمل ديني. فإنكارهم للمحبة إنكار لحقيقة الإسلام، فإنه الاستسلام بالذل والحب والطاعة لله، فمن لا محبة في قلبه لله ورسوله فلا إيمان له ألبتة (٢) .
(هـ) محبة الرسول ﷺ: وبعد أن تكلمنا عن ورود لفظ الحب في اللغة والشرع نريد أن نخلص إلى تحديد مفهوم محبة الرسول ﷺ.
فأقول إنه لما كان الحب لغة: ميل القلب فطرة أو إدراكا ومعرفة إلى ما يوافقه ويستحسنه.
فكذلك محبة الرسول ﷺ معناها:
أن يميل قلب المسلم إلى رسول الله ﷺ ميلا يتجلى فيه إيثاره ﷺ على
_________________
(١) انظر في بيان ذلك: الكشاف عن حقائق التنزيل في وجوه التأويل. أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري. ط١. طبع دار الفكر. بيروت، ١٩٧٧، ١ / ٦٢١- ٦٢٢. والتفسير الكبير للفخر الرازي. ط٣، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ٤ / ٢٠٥ - ٢٠٨.
(٢) انظر في الرد على هذا التأويل. مجموع الفتاوى لابن تيمية، ٦ / ٤٧٧ وما بعدها، ١٠ / ٦٦ وما بعدها والنبوات لابن تيمية، ص ٦٦ وما بعدها. ومدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين. لابن القيم الجوزي تحقيق. محمد حامد الفقي. طبع دار الكتاب العربي. بيروت، ١٣٩٢هـ ٣ / ١٨ وما بعدها.
[ ٣٧ ]
كل محبوب من نفس ووالد وولد والناس أجمعين وذلك لما- خصه الله من كريم الخصال وعظيم الشمائل، وما أجراه على يديه من صنوف الخير والبركات لأمته، وما امتن الله على العباد ببعثته ورسالته إلى غير ذلك من الأسباب الموجبة لمحبته عقلا وشرعا.
يقول النووي ملخصا كلام القاضي عياض: (وبالجملة فأصل المحبة: الميل إلى ما يوافق المحب، ثم الميل قد يكون لما يستلذه الإنسان ويستحسنه، كحسن الصورة والصوت والطعام ونحوها، وقد يستلذه بعقله للمعاني الباطنة كحب الصالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقا، وقد يكون لإحسانه إليه ودفع المضار والمكاره عنه.
وهذه المعاني كلها موجودة في النبي ﷺ لما جمع من جمال الظاهر والباطن، وكمال خلال الجلال وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم ودوام النعم والأبعاد من الجحيم) (١) .
وحب المسلم لرسول الله ﷺ عمل قلبي من أجل أعمال القلوب، وأمر وجداني يجده المسلم في قلبه، وعاطفة طيبة تجيش بها نفسه، وإن تفاوتت درجة الشعور بهذا الحب تبعا لقوة الإيمان أو ضعفه.
وليس هذا الحب أمرا عقليا مجردا عن الميل القلبى كما ذهب إليه البيضاوي (٢) فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر: عند شرح قوله ﷺ: " أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما قال:
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي. طبع دار الفكر، بيروت ١٤٠١هـ، ٢ / ١٤.
(٢) هو أبو سعيد ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد البيضاوي (. . . - ٦٨٥) قاض. أصولي. متكلم. مفسر. من تصانيفه: أنوار التنزيل وأسرار التأويل، طواع الأنوار، منهاج الوصول إلى علم الأصول. انظر طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي تحقيق: عبد الفتاح محمد الحلو. ومحمود الطناحي. ط١، مطبعة عيسى الحلبي، مصر ٨ / ١٥٧، ١٥٨. وبغية الوعاة ٢ / ٥٠، ٥١.
[ ٣٨ ]
(المراد بالحب هنا الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه وإن كان على خلاف هوى النفس، كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه، ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله.
فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر ولا ينهي إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل- والعقل يقتضي رجحان ذلك- تمرن على الائتمار بأمره حيث يصير هواه تبعا له، ويلتذ به التذاذا عقليا، إذ الالتذاذ العقلي: إدراك مما هو كمال وخير من حيث هو كذلك) (١) .
وقد تعقبه صاحب كتاب تيسير العزيز الحميد بقوله:
(. . . . كلامه على قواعد الجهمية ونحوهم من نفي محبة المؤمنين لربهم ومحبته لهم والحق بخلاف ذلك، بل المراد في الحديث أن يكون الله ورسوله عند العبد أحب إليه مما سواهما حبا قلبيا.
. . . . وأما مجرد إيثار ما يقتضي العقل رجحانه وإن كان على خلاف هوى النذر كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه.
. . . . فهذا قد يكون في بعض الأمور علامة على الحب ولازما له. لا أنه الحب) (٢) . ثم إن إدراك العقل للكمال أو الخير أو أي معنى من المعاني الفاضلة لا يكفي حتى نسميه حبا، بل لا بد مع ذلك من الميل القلبي والتعلق النفسي.
وتمثيله حال من آثر محبة الله ورسوله- وإن كان على خلاف هوى النفس- بحال المريض مع الدواء المر- الذي تعافه نفسه ويميل عقله إلى تناوله- تمثيل غير مناسب وغير لائق أيضا.
لأن من كانت محبته لله ورسوله كمحبة المريض للدواء المر جدير بأن يقال أنه وجد مرارة الإيمان لا حلاوته.
_________________
(١) فتح الباري لابن حجر العسقلاني، ط دار المعرفة بيروت ١ / ٦٠- ٦١.
(٢) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد. للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب. ط٣، طبع المكتب الإسلامي. بيروت، ١٣٩٧هـ، ص٤٧٦، ٤٧٧.
[ ٣٩ ]
وإنما يجد حلاوة الإيمان من كان هواه وقلبه في تلك المحبة مناصرا لعقله ومسايرا له جنبا إلى جنب (١) .
وإذا كان هناك من فسر حب الله ورسوله بأنه حب عقلي، فهناك من يظن أن محبة الرسول ﷺ تعني طاعته، وهذا فهم خاطئ إذ أن محبته هي أساس طاعته، والطاعة شرط للمحبة وثمرتها.
فالطاعة أمر زائد على المحبة ومترتب عليها.
كما أن هذا الحب أمر زائد على الإعجاب بشخصية الرسول ﷺ وسمو أخلاقه وعظمة تعاليمه.
إذ نرى كثيرا ممن لا ينتسبون إلى الإسلام ولا يؤمنون برسول الله ﷺ يبدون إعجابهم وتقديرهم لرسول الله ﷺ ويفيضون في بيان جوانب عظمته، ومع ذلك لا يمكن أن نسمي هذا الإعجاب حبا شرعيا حتى يكون هناك إيمان بدين الإسلام.
ولقد كان أبو طالب عم الرسول ﷺ يحبه ويحوطه ويصد عنه أذى قريش بما استطاع. ومع هذا فلم يثمر ذلك حبا وإيمانا منه بدين الإسلام لأن حبه لرسول الله ﷺ كان حب قرابة وحمية جاهلية.
نخلص من هذا إلى أن المحبة الحقيقية لرسول الله ﷺ هي المحبة الشرعية الإرادية الاختيارية، وهي عمل قلبي من أجل أعمال القلوب، ورابطة من أوثق روابط النفوس تربط المسلم برسول الله ﷺ وتجعل قلبه وهمه وفكره وإرادته متوجهة لتحصيل ما يحبه الله ورسوله من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
(و) الصلة بين محبة الله ومحبة رسوله ﷺ:
الصلة بين المحبتين هي صلة الفرع بالأصل والتابع بالمتبوع فمحبتنا لرسول
_________________
(١) انظر. المختار من كنوز السنة. محمد عبد الله دراز. راجعه وأشرف على طبعه الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، ط٤، قطر ص٤٤٠.
[ ٤٠ ]
الله ﷺ تابعة لمحبتنا لله ﷿، إذ هي أساس المحبة الدينية الشرعية ومصدرها، وكل ما سواها من المحاب الشرعية تبع لها. وذلك كمحبة الأنبياء والصالحين، ومحبة كل ما يحبه الله ورسوله.
قال ابن تيمية:
(وليس للخلق محبة أعظم ولا أتم من محبة المؤمنين لربهم، وليس في الوجود ما يستحق أن يحب لذاته من كل وجه إلا الله تعالى وكل ما يحب سواه فمحبته تبع لحبه، فإن الرسول ﵊ إنما يحب لأجل الله ويطاع لأجل الله ويتبع لأجل الله.
كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] (١» (٢) .
وعلى ذلك فلا تنفك إحدى المحبتين عن الأخرى فمن أحب الله أحب رسوله ﷺ وكذلك سائر رسله ومحبة الرسول تبع لمحبة من أرسله. ولأجل هذا جاء حب الرسول ﷺ مقترنا بحب الله ﷿ في أكثر النصوص الشرعية.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] (٣) .
وفي الحديث «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (٤) .
وهذا الارتباط بين المحبتين ارتباط شرعي لا ينفك. فمن زعم أنه يحب الله ولم يحب رسوله ﷺ أو العكس فكلامه باطل واعتقاده فاسد.
_________________
(١) سورة آل عمران، آية (٣١) .
(٢) مجموع الفتاوى، ١٠ / ٦٤٩.
(٣) سورة التوبة، آية (٢٤) .
(٤) صحيح البخاري. كتاب الإيمان باب حلاوة الإيمان ١ / ١٠.
[ ٤١ ]
[المبحث الثاني وجوب محبة الرسول ﷺ]
المبحث الثاني
وجوب محبة الرسول ﷺ انتهينا مما سبق إلى أن محبة الرسول ﷺ هي ميل قلب المؤمن إلى رسول الله ﷺ ميلا يتجلى فيه إيثار حبه على كل من سواه من البشر وتتشوق النفس إلى معرفة حكم هذه المحبة في الشرع مع بيان أدلتها من الكتاب والسنة.
فأقول إن محبة الرسول ﷺ أصل عظيم من أصول الإيمان يتوقف على وجوده وجود الإيمان، فلا يدخل المسلم في عداد المؤمنين الناجين حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه بل ومن الناس أجمعين.
وأدلة هذا كثيرة القرآن والسنة.
فمن القرآن:
(أ) قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] (١) .
ففي هذه الآية توعد الله من كان أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله بقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] ومعلوم أن الله لا يتوعد أحدا بمثل هذا الوعيد الشديد إلا على ترك واجب، أو فعل محرم.
_________________
(١) سورة التوبة، آية (٢٤) .
[ ٤٢ ]
فعلم بذلك أنه يجب على كل مؤمن أن يكون الله ورسوله، والجهاد في سبيله أحب إليه من الأهل والإخوان والأموال والأوطان.
يقول القاضي عياض مستدلا بهذه الآية:
(فكفى بهذا حضا وتنبها ودلالة وحجة على إلزام محبته، ووجوب فرضها وعظم خطرها واستحقاقه لها ﷺ، إذ قرع الله من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وتوعدهم بقوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] ثم فسقهم بتمام الآية وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله) (١) .
وقد ذكر الله في هذه الآية ثمانية أصناف وهم الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال المكتسبة والتجارات والمساكن والديار. وهذه الأصناف تمثل بمجموعها كافة الروابط الاجتماعية والاقتصادية وعليها مدار مصالح الحلق ومعايشهم. وهي التي تجذب الإنسان إلى الأرض وتثقله عن الجهاد في، سبيل الله ما لم يكن حب الله ورسوله مستعليا في قلب المسلم على كل هذه الروابط والمصالح.
وفي ذكر الله للجهاد مقرونا بحبه ﷾ وحب رسوله ﷺ دليل على أنه من أظهر العلامات على ذلك الحب لأنه هو المحك الذي يتجلى فيه صدق هذا الحب وإيثاره على غيره من الكتاب التي ذكرها الله في هذه الآية.
ومن رحمة الله عز رجل أنه لم يذم حب الأهل والأقارب والأزواج ولا حب المال المتكسب والمساكن ولم ينه عن ذلك. وإنما جعل من مقتضى الإيمان إيثار محبة الله ورسوله على حب هذه الأنواع، وكذلك تقديم الجهاد إذا وجب عليها.
وهذا هو حال المؤمنين الصادقين في حبهم لله ورسوله (٢) .
_________________
(١) الشفا، ٢ / ١٨.
(٢) انظر تفسير المنار - محمد رشيد رضا - ط٢، دار المعرفة، بيروت، ١٠ / ٢٢٥ - ٢٤٢.
[ ٤٣ ]
(ب) قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (١) .
فهذه الآية إخبار عن مكانة الرسول ﷺ بين المؤمنين، كما أنها أيضا إخبار عن الحال التي ينبغي أن يكون فيها المؤمنون مع الرسول ﷺ، فهو أولى بهم من أنفسهم ولا يكون كذلك حتى يكون أحب إليهم من أنفسهم.
ويبين ابن القيم أن هذه الآية دليل على أن من لم يكن الرسول ﷺ أولى به من نفسه فليس من المؤمنين ثم يوضح أن هذه الأولوية تتضمن أمرين:
١ - (. . . أن يكون أحب إلى العبد من نفسه، لأن الأولوية أصلها الحب، ونفس العبد أحب إليه من غيره ومع هذا يجب ان يكون الرسول أولى به منها، وأحب إليه منها، فبذلك يحصل له اسم الإيمان.
ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم وسائر لوازم المحبة من الرضا بحكمه والتسليم لأمره وإيثاره على ما سواه.
٢ - ومنها: أن لا يكون للعبد حكم على نفسه أصلا، بل الحكم على نفسه للرسول ﷺ يحكم عليها أعظم من حكم السيد على عبده أو الوالد على ولده فليس له في نفسه تصرف قط إلا ما تصرف فيه الرسول الذي هو أولى به منها) (٢) .
فتبين من هذا أنه يجب على كل مؤمن أن يكون الرسول أولى به من نفسه في كل شيء، وأن يكون حكمه ﷺ في أي شيء مقدما على رغبات النفس وتطلعاتها، بل إن الحياة لتعد هينة ورخيصة بجانب تحقيق ما فرضه الله ورسوله
_________________
(١) سورة الأحزاب، آية (٦) .
(٢) الرسالة التبوكية. لابن القيم. مراجعة الشيخ عبد الطاهر أبي السمح، ط١، نشر المطبعة السلفية ومكتبتها مكة المكرمة، ١٣٤٧ هـ، ص ٢١- ٢٢.
[ ٤٤ ]
وإن كان على خلاف هوى النفس. لأن نفوسنا تدعونا إلى الهلاك، والرسول ﷺ يدعونا إلى النجاة فكان أولى بنا من أنفسنا ﷺ.
وحينما أيقن المسلمون الأولون بذلك أعزهم الله ومكن لهم في الأرض. فلما غلبت الأهواء واتبعت الشهوات صار الحال مبدلا معكوسا. ذلة وهوان بعد عزة وضياع وتفرق بعد القوة والتمكين. والسبب هو تقديم الأهواء وشهوات الأنفس عل ما يحبه الله ورسوله.
الأدلة من السنة: وقد جاءت الأحاديث لتؤكد مدلول هاتين الآيتين- أبلغ تأكيد وأوضحه ألا وهو وجوب محبة الرسول ﷺ.
فمنها ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده» (١) وأخرج البخاري ومسلم بسنديهما عن أنس قال: قال النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (٢) .
فهذان الحديثان من أوضح الأدلة على وجوب محبة الرسول ﷺ لأن المؤمن لايستحق اسم الإيمان الكامل ولا يدخل في عداد الناجين حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. والتعبير " بأحب " دليل صريح كل أن المحبة المطلوبة شرعا هي المحبة الراجحة، وأن الإيمان الكامل متوقف على رجحان هذه المحبة في القلب على ما سواها من محبة سائر المخلوقين.
وخص الوالد والولد بالذكر لكونهما أعز خلق الله على الإنسان، بل ربما كانا أحب إليه من نفسه، وفي هذا تأكيد على أنه يجب أن يكون الرسول ﷺ أحب إلى نفس المؤمن من كل حبيب وعزيز عليه من سائر البشر جميعا (٣) .
_________________
(١) صحيح البخاري. كتاب الإيمان. باب حب الرسول ﷺ من الإيمان ١ / ١٠.
(٢) صحيح البخاري كتاب الإيمان. باب حب الرسول ﷺ من الإيمان ١ / ١٠. ومسلم. كتاب الإيمان. باب وجوب محبة الرسول ﷺ ١ / ١٠.
(٣) انظر فتح الباري، ١ / ٥٩.
[ ٤٥ ]
ونفى الإيمان في هذا الحديث هو نفى لكمال الإيمان الواجب الذي ينجو به صاحبه من الوعيد ويستحق دخول الجنة بفضل الله. وذلك لأن محبة الرسول ﷺ من واجبات الإيمان فمن أخل بها فقد أخل بواجب من واجبات الإيمان التي لا يتم الإيمان بدونها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(والمقصود هنا أن كل ما نفاه الله ورسوله من مسمى أحماء الأمور الواجبة كاسم الإيمان، والإسلام والدين والصلاة والصيام والطهارة والحج، وغير ذلك فإنما يكون لترك واجب من ذلك المسمى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] (١) .
فلما نفى- الإيمان - حتى توجد هذه الغاية، دل على أن هذه الغاية فرض على الناس، فمن تركها كان من أهل الوعيد، لم يكن قد أتى بالإيمان الواجب الذكي وعد أهله بدخول الجنة بلا عذاب، فإن الله إنما وعد بذلك من فعل ما أمر به وأما من فعل بعض الواجبات وترك بعضها فهو معرض للوعيد) (٢) .
فنفي الإيمان عند عدم وجود المحبة الراجحة يدل على أنها واجبة وإن من لم يأت بها فقد تعرض للوعيد، فإن الله ورسوله لا ينفيان اسم مسمى أمر- أمر به الله ورسوله - إلا إذا ترك بعض واجباته، فأما إذا كان الفعل مستحب في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب، ولو صح هذا لنفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة والحج وحب الله ورسوله لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه، وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ما فعلها النبي ﷺ، بل ولا أبو بكر ولا عمر، فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفا عنه لجاز أن ينفى عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين وهذا لا يقوله عاقل. فإن قال
_________________
(١) سورة النساء، آية (٦٥) .
(٢) مجموع الفتاوى، ٧ / ١٥ وما بعدها.
[ ٤٦ ]
إن المنفي هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة، فقد صدق.
وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله ﷺ (١) .
ومعنى هذا أن محبة الرسول ﷺ من لوازم الإيمان وواجباته فلا يتحقق الإيمان بدونها، ولا يستحق المؤمن اسم الإيمان بدونها، وأن نفي الإيمان في الحديث إنما هو نفي لكمال الإيمان الواجب إذا لم توجد المحبة الراجحة على ما سواها من سائر المحاب فإذا وجدت هذه المحبة على هذه الصفة فهي دليل على كمال الإيمان بالنسبة لمن اتصف بها في هذا الجانب. وأما إذا لم توجد هذه المحبة على الصفة الراجحة كان من اتصف بها معرضا للوعيد لأنه أخل بواجب من واجبات الإيمان التي لا يتم الإيمان بدونها.
ومن الأحاديث الدالة على وجوب المحبة ما أخرجه البخاري بسنده عن عبد الله بن هشام قال: «كنا مع النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. ضال النبي ﷺ: لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك، قال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي ﷺ: الآن يا عمر» (٢) .
فهذا الحديث يبين أنه لا يبلغ المسلم حقيقة الإيمان حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه.
وتلك هي قمة السمو في الحب حين يستعلى المسلم على رغبات النفس وشهواتها، مؤثرا حب رسول الله ﷺ على كل ذلك، ويتبين هذا إذا تعارض أي أمر أمر به الرسول ﷺ مع رغبة من رغبات النفس فأيهما تقدم كان الحكم له.
_________________
(١) انظر المصدر نفسه ٧ / ٣٧.
(٢) صحيح البخاري. كتاب الإيمان والنذور. باب كيف كانت يمين النبي ﷺ ٨ / ١٦١.
[ ٤٧ ]
ونقل ابن حجر في شرح هذا الحديث عن بعض الزهاد أن:
(تقدير الكلام لا تصدق في حبي حتى تؤثر رضاي على هواك وإن كان فيه الهلاك.
. . . وقال الخطابي (١) حب الإنسان نفسه طبع، وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب وإنما أراد ﵊ حب الاختيار إذ لا سبيل إلى قلب الطباع وتغييرها عما جبلت عليه) .
ثم يستطرد ابن حجر معلقا على كلام الخطابي فيقول:
(فعلى هذا فجواب عمر أولا كان بحسب الطبع، ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبي ﷺ أحب إليه من نفسه لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والأخرى، فأخبر بما اقتضاه الاختيار ولذلك حصل الجواب بقوله: «الآن يا عمر» أي الآن عرفت فنطقت بما يجب) (٢) .
إذا فلم يكن حصول المحبة عند عمر ﵁ أمرا جديدا على نفسه وإنما كان الجديد لديه هو إدراكه لتلك المحبة والتفاته إليها.
وفي هذا الحديث إشارة إلى فضيلة التفكر.
فإن عمر ﵁ لما أجاب أول الأمر لم يكن قد تفكر في كون الرسول ﷺ أحب إليه من نفسه، فلما استوقفه الرسول ﷺ وراجعه تفكر وامتحن نفسه فإذا به يصل إلى النتيجة المطلوبة. وهي كون الرسول ﷺ أحب إليه من نفسه.
_________________
(١) هو أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي. نسبة إلى زيد بن الخطاب (٣١٩- ٣٨٨) إمام. محدث. له في الحديث اليد الطولي. فهو أول من شرح البخاري. فقيه. من تصانيفه: أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، ومعالم السنن في شرح سنن أبي داود، وغريب الحديث، ورسالة في العزلة، وشأن الدعاء، والغنية عن الكلام وأهله، وغيرها. انظر البداية والنهاية ١١ / ٢٣٦، وتذكرة الحفاظ للذهبي، ٣ / ٢٠٩.
(٢) فتح الباري، ١١ / ٥٢٨.
[ ٤٨ ]
لأجل هذا كان التفكر سبيلا من سبل الوصول إلى هذه المحبة. فإذا تفكر المسلم في النفع الحاصل له من جهة الرسول ﷺ وأنه سبب نجاته في الدنيا والآخرة، وأدرك ذلك بقلبه يقينا عظمت عند ذاك محبة النبي ﷺ في قلبه.
وبعد أن تبين لنا وجوب محبة الرسول ﷺ بأدلته من القرآن والسنة. أود أن أشير إلى أن هذه المحبة- كما قال ابن رجب (١) - على درجتين:
١ - إحداهما- فرض: وهي المحبة التي تقتضى قبول ما جاء به الرسول ﷺ من عند الله، وتلقيه بالمحبة والرضا والتعظيم والتسليم، وعدم طلب الهدى من غير طريقه بالكلية، ثم حسن الاتباع له فيما بلغه عن ربه، من تصديقه في كل ما أخبر به وطاعته فيما أمر به من الواجبات، والانتهاء عما نهي عنه من المحرمات، ونصرة دينه والجهاد لمن خالفه بحسب القدرة، فهذا القدر لا بد منه، ولا يتم الإيمان بدونه.
٢ - والدرجة الثانية: فضل، وهي المحبة التي تقتضى حسن التأسي به، وتحقيق الاقتداء بسنته، في أخلاقه، وآدابه، ونوافله، وتطوعاته، وأكله، وشربه، ولباسه، وحسن محاضرته لأزواجه، وغير ذلك من آدابه الكاملة، وأخلاقه الطاهرة. والاعتناء بمعرفة سيرته وأيامه، واهتزاز القلب من محبته، وتعظيمه، وتوقره ومحبة استماع كلامه، وإيثاره على كلام غيره من المخلوقين. ومن أعظم ذلك الاقتداء به في زهده في الدنيا والاجتزاء باليسير منها، ورغبته في الآخرة (٢) .
ومما سبق يتبين لنا أن المحبة والإيمان أمران متلازمان في قلب المؤمن تلازما مطردا يزيد أحدهما بزيادة الآخر وينقص بنقصانه.
_________________
(١) هو أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٢٦ هـ - ٧٩٥ هـ) محدث. فقيه. من تصانيفه: شرح سنن الترمذي، فتح الباري شرح صحيح البخاري لم يكمله، جامع العلوم والحكم. ذيل طبقات الحنابلة وغيرها. انظر. الأعلام ٣ / ٢٩٥.
(٢) استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس. لأبي الفرج عبد الر حمن بن رجب الحنبلي. طبع مطبعة الإمام. مصر ص٣٤، ٣٥.
[ ٤٩ ]
كما جاء ذلك مبينا في قوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده والناس أجمعين» (١) .
فقد وضح هذا الحديث العلاقة بين الإيمان والمحبة، إذ علق كمال الإيمان الواجب على وجود المحبة الراجحة لرسول الله ﷺ وجعلها شرطا يتوقف عليه الإيمان الذي ينجو به صاحبه من العقاب ويستحق دخول الجنة بفضل الله ورحمته.
ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان حب الرسول ﷺ في قلب المسلم راجحا على حب ما سواه من النفس والمال والولد وسائر البشر أجمعين.
فمن كان حبه لنفسه أو لشيء من الأشياء كحبه لله ورسوله أو أشد فهو من أصحاب الوعيد لأن الله تعالى جعل المحبة الراجحة لله ورسوله من لوازم الإيمان وجعل ما دونها من أوصاف المشركين.
فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] (٢) .
فإذا قويت المحبة في قلب المؤمن وزادت أثمر ذلك زيادة في الإيمان، وذاق العبد حينئذ حلاوة الإيمان.
كما في صحيح البخاري ومسلم عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. . .» الحديث) (٣) .
ولا يصل العبد إلى هذه المنزلة إلا إذا سعى في تحصيل ما يحبه الله ورسوله من الأقوال والأفعال.
_________________
(١) سبق تخريجه ص٤٩.
(٢) سورة البقرة، آية (١٦٥) .
(٣) صحيح البخاري. كتاب الإيمان. باب حلاوة الإبمان ١ / ١٠. وصحيح مسلم. كتاب الإيمان. باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان ١ / ٦٦.
[ ٥٠ ]
وكلما كان سعي العبد حثيثا لتحصيل هذه المحبوبات كلما ازداد إيمانه وذاق حلاوته، وإذا قصر العبد في أداء ما كلف به والالتزام بآداب الشرع فإنما يرجع ذلك إلى نقصان في الإيمان الدال على نقصان المحبة. فزيادة المحبة دليل على زيادة الإيمان ونقصانها دليل على نقصان الإيمان.
أما أصل الإيمان فلا يوجد بدون وجود المحبة، ولا يوجد مسلم ليس في قلبه محبة ولو كانت ضعيفة - لرسول الله ﷺ.
فتبين لنا من هذا أن العلاقة بين المحبة والإيمان علاقة وثيقة فوجود أحدهما متوقف على وجود الآخر وزيادة أحدهما تعني زيادة الآخر.
[ ٥١ ]
[المبحث الثالث دواعي محبة الرسول ﷺ وأسباب زيادتها]
المبحث الثالث
دواعي محبة الرسول ﷺ وأسباب زيادتها يرتبط الحب في قلب الإنسان بدوافع وبواعث تبعث عليه مهمتها أن تحرك القلب وتدفعه نحو محبوباته.
وتتعدد هذه الدوافع وتتنوع بحسب تنوع المحبوبات واختلافها. فمن الحب ما تدفع إليه البواعث الحسية، أو العقلية، أو القلبية. وذلك لوجود صفات قامت بالمحبوب واتصف بها من كمال، أو جمال، أو إحسان، أو غير ذلك من الدواعي والأسباب الباعثة على الحب. وإذا نظرنا إلى محبة الرسول ﷺ فسنجد أن البواعث عليها متنوعة ومتعددة، وذلك لكثرة ما خصه الله به من أنواع الفضائل، وما أجراه على يديه من الخيرات لأمته. إلى غير ذلك من الدواعي التي ترجع إلى مجموع خصائص النبي ﷺ وصفاته ومنها:
أولا: أن حب المسلم للرسول ﷺ تابع لحبه لله ﷿: وذلك لأن محبة الله تعالى هي أساس المحبة الشرعية، لأن الله هو المحبوب لذاته، وكل ما سواه مما يحب شرعا فمحبته تابعة لمحبة الله ﷿. وذلك كمحبة أنبيائه ورسله وملائكته وعباده الصالحين، وكذلك محبة الأعمال والأخلاق التي يحبها الله ويرضاها. فمحبة ذلك كله تبع لمحبة الله ﷿ وهي من لوازم محبته فإن محبة الله توجب محبة ما يحبه الله.
وعلى ذلك فمن أحب الله أحب رسوله ﷺ لأجل حب الله ﷿، فإن الرسول إنما يحب لأجل الله، ويطاع لأجل الله (١) كما قال الله تعالى:
_________________
(١) انظر. مجموع الفتاوى لابن تيمية، ١٠ / ٦٤٩.
[ ٥٢ ]
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] (١) .
ثانيا: أن الله تعالى أحبه واختاره من خلقه فحب ما يحبه الله من لوازم محبته: ذلك أن الله اصطفاه على الناس برسالته، وجعله خاتم النبيين، وأفضل الخلق أجمعين وحبيب رب العالمين، كما روى مسلم بسنده عن واثلة بن الأسقع قال سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل. واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (٢) .
وأخرج البخاري ومسلم واللفظ له عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله. إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه. فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا " وضعت هذه اللبنة! قال: فأنا اللبنة. وأنا خاتم النبيين» (٣) وأخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة أيضا قال- قال رسول الله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع» (٤) .
وقد ثبت في الحديث أن الله إذا أحب عبدا وضع له المحبة والقبول عند أهل الأرض والسماء. أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل،
_________________
(١) سورة آل عمران، آية (٣١) .
(٢) صحيح مسلم كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي ﷺ ٤ / ١٧٨٢.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب المناقب. باب خاتم النبيين ﷺ ٤ / ٢٢٦، ومسلم - كتاب الفضائل، باب كونه ﷺ خاتم النبيين، ٤ / ١٧٩١.
(٤) كتاب الفضائل باب تفضيل نبينا ﷺ على جميع الخلائق ٤ / ١٧٨٢.
[ ٥٣ ]
فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في أهل الأرض» (١) .
قال ابن حجر:
(المراد بالقبول في حديث الباب: قبول القلوب له بالمحبة والميل إليه والرضا عنه ويؤخذ منه أن محبة قلوب الناس علامة محبة الله) (٢) وإذا كان هذا الشأن في عامة عباد الله فأولى بهذه المحبة وذلك القبول أفضل الخلق أجمعين رسول الله ﷺ.
وقد تحقق هذا وأضعاف أضعافه، إذ لم تعرف الدنيا رجلا فاضت القلوب بحبه وفدته النفوس بكل عزيز وغال مثلما عرف ذلك عن رسول الله ﷺ حتى أولئك الذين ناصبوه العداء لم يملكوا أنفسهم من سيطرة الإعجاب برسول الله ﷺ وإجلاله.
فرسول الله أهل لأن يحب، لحب الله له واختياره لهذا الخير العميم. ومظاهر حب الله لرسوله كثيرة جدا منها:
(أ) اختياره واصطفاؤه لمقام النبوة والرسالة، إذ لا يختار الله لهذا الأمر إلا من أحبهم وارتضاهم.
كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] (٣) .
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] (٤) .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] (٥)
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب المقة من الله ٨ / ١٧.
(٢) فتح الباري، ١٠ / ٤٦٢.
(٣) سورة الحج، آية (٧٥) .
(٤) سورة الأنعام، آية (١٢٤) .
(٥) سورة الأحزاب، آية (٤٥ -٤٦) .
[ ٥٤ ]
(ب) تشريفه ﷺ بإنزال القرآن عليه.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] (١) .
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] (٢) .
(ج) إكرامه ﷺ بشرح صدره ووضع وزره ورفع ذكره وإعلاء قدره قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ - وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ - الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ - وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ١ - ٤] (٣) .
(د) تكريمه بصلاة الله وملائكته عليه في الملأ الأعلى إلى يوم الدين كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] (٤) . والصلاة من الله تتضمن الثناء عليه ومن الملائكة الدعاء له ﷺ.
(هـ) تشريفه بمقام الخلة، وهي أرفع درجة من المحبة، ولم ينلها من الأنبياء سوى إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام أن رسول الله ﷺ خليل الرحمن كما كان إبراهيم ﵇ خليل الرحمن.
أخرج مسلم بسنده عن جندب قال سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. الا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا فلا
_________________
(١) سورة الشورى، آية (٥٢) .
(٢) سورة الحجر، آية (٨٧) .
(٣) سورةالشرح، آية (١ - ٤) .
(٤) سورة الأحزاب، آية (٥٦) .
[ ٥٥ ]
تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك» (١) .
(و) إن الله جعله رحمة للعالمين، الإنس والجن، رحمة للمؤمنين منهم، بالعز في الدنيا والنجاة في الآخرة، وللكافرين بإمهالهم وتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة. كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٢) .
قال ابن القيم:
(وأصح القولين في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] إنه باق على عمومه وفيه على هذا التقدير وجهان:
أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته، أما أتباعه فنالوا بها كرامة الدنيا والآخرة، وأما أعداؤه المحاربون له، فالذين عجّل قتلهم وموتهم خير لهم من حياتهم، لأن حياتهم زيادة لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة، وهم قد كتب عليهم الشقاء فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر، وأما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته، وهم أقل شرا بذلك العهد من المحاربين له. وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهلهم واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيرها.
وأما الأمم النائية عنه فإن الله سبحانه رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض فأصاب كل العالمين النفع برسالته.
الوجه الثاني: أنه رحمة لكل أحد، لكن المؤمنين قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها، فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمة لهم لكن لم يقبلوها) (٣) .
_________________
(١) صحيح مسلم. كتاب المساجد. باب النهي عن بناء القبور مساجد ١ / ٣٧٥- ٣٧٦.
(٢) سورة الأنبياء، آية (١٠٧) .
(٣) جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام لابن القيم. تحقيق طه يوسف شاهين، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، ص٩٨ - ٩٩.
[ ٥٦ ]
وأخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة قال: «قيل لرسول الله: ادع على المشركين، قال: (إني لم أبعث لعَّانا، وإنما بعثت رحمة)» (١) .
(ز) ما خصه الله به وفضله على سائر الأنبياء، كإحلال الغنائم له، ونصرته بالرعب مسيرة شهر.
كما في الحديث الذي أخرجه البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» (٢) .
(ج) تشريفه وتكريمه يوم القيامة بكونه صاحب المقام المحمود وهو الشفاعة العظمى في أن يقضي الله بين الخلائق.
وكونه أول من تنشق عنه الأرض وأول شافع وأول مشفع وصاحب لواء الحمد، وصاحب الحوض المورود، وأول من تفتح له أبواب الجنة. إلى غير ذلك من وجوه التكريم والتشريف لنبينا محمد ﷺ والتي تعد من أقوى الدوافع إلى محبته.
ثالثا: كمال رأفته ورحمته بأمته وحرصه على هدايتها وإنقاذها من الهلكة: حتى كادت أن تذهب نفسه أسفا على قومه ألا يكونوا مؤمنين كما قال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] (٣) .
_________________
(١) صحيح مسلم. كتاب البر والآداب والصلة. باب النهي عن لعن الدواب وغيرها ٤ / ٢٠٠٦- ٢٠٠٧.
(٢) البخاري. كتاب التيمم، باب. قول الله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا"، ١ / ٩١- ٩٢.
(٣) سورة الشعراء، آية (٣) .
[ ٥٧ ]
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (١) .
وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] (٢) .
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] (٣) .
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٤) .
وقد جاءت أحاديث كثيرة تؤكد هذا المعنى. منها ما أخرجه البخاري ومسلم بسنديهما عن عبد الله بن زيد قال: «لما أفاء الله على رسوله ﷺ يوم حنين قسَّم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم رسول الله (فقال: يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟ كلما قال شيئاَ قالوا: الله ورسوله أمن. قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله ﷺ؟ قال: كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن. قال: لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا. ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم؟ لولا الهجرة، لكنت امرءا من الأنصار ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها. الأنصار شعار، والناس دثار. إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» (٥) .
_________________
(١) سورة التوبة، آية (١٢٨) .
(٢) سورة آل عمران، آية (١٠٣) .
(٣) سورة الأنفال، آية (٣٣) .
(٤) سورة الأنبياء، آية (١٠٧) .
(٥) البخاري. كتاب المغازي. باب غزوة الطائف ٥ / ٢٠٠. ومسلم. كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوى إيمانه، ٢ / ٧٣٨.
[ ٥٨ ]
ومنها ما أخرجه مسلم بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص: «أن النبي ﷺ تلا قول الله ﷿ في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦] (١) الآية. وقال عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] (٢) فرفع يديه وقال (اللهم! أمتي أمتي) وبكى. فقال الله ﷿ يا جبريل اذهب إلى محمد - وربك أعلم- فسله، فأتاه جبريل ﵊ فسأله فأخبره رسول الله ﷺ بما قال. وهو أعلم. فقال الله يا جبريل (اذهب إلى محمد فقل: أنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك» (٣) .
ومنها ما أخرجه البخاري ومسلم - واللفظ له عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته. وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا» (٤) .
إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة التي تبين حدب النبي ﷺ وشفقته على أمته ورحمته بها.
وجدير بمن كان بمثل هذه الشفقة والرحمة أن تتوجه قلوب المسلمين بكليتها إلى محبته وأن تجعل من حبه وسيلة قربى وزلفى إلى الله ﷿.
رابعا: كمال نصحه لأمته وهدايته لها وإحسانه إليها: إذ دل الأمة على كل خير يقربها إلى ربها، وحذرها من كل شر يجلب لها الذل والخزي في الدنيا والعذاب والنكال في الآخرة. فأصبح العز والتمكين في
_________________
(١) سورة إبراهيم، آية (٣٦) .
(٢) سورة المائدة، آية (١١٨) .
(٣) صحيح مسلم. كتاب الإيمان. باب دعاء النبي ﷺ لأمته وبكائه شفقة عليهم، ١ / ١٩١.
(٤) صحيح مسلم. كتاب الإيمان. باب اختباء النبي ﷺ دعوة الشفاعة لأمته ١ / ١٨٩، والبخاري. كتاب الدعوات. باب لكل نبي دعوة مستجابة. ٨ / ٨٢.
[ ٥٩ ]
الدنيا والسعادة والنعيم في الآخرة متوقفا على اتباع منهجه وسلوك سبيله. كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] (١) .
وإذا كان الإنسان بفطرته يحب من نصحه أو أحسن إليه مرة أو مرتين فما بالنا بالناصح الأمين البر الشفيق على أمته والذي كانت حياته كلها نصحا لأمته وتعليما لها وتزكية لأرواحها وأبدانها. وهو الذي هدى البشرية- بإذن ربها- إلى الصراط المستقيم بعدما كانت تعيش في جاهلية جهلاء وضلالة عمياء، ولولا رحمة الله للناس ببعثته ورسالته لعاش الناس في بحار الظلمات تتقاذفهم الأمواج فلا يجدون إلى ساحل الهداية سبيلا.
يقول الله ﷿: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] (٢) .
وقال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ - فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١ - ١٥٢] (٣) .
لأجل هذا كانت المنة ببعثة النبي ﷺ عظيمة، والنعمة بذلك جسيمة. ولا يعرف قدر هذه النعمة إلا من أدرك الفرق بين الهدى والضلال وبين الجاهلية والإسلام وبين رضى الله وسخطه.
فمن عرف هذا الفرق وأدركه إدراكا يقينيا علم عظم هذه النعمة التي لا تعادلها نعمة على ظهر الأرض، وأحب الرسول ﷺ بكل قلبه وآثر حب الله ورسوله على ما سواهما.
_________________
(١) سورة النحل، آية (٩٧) .
(٢) سورة آل عمران، آية (١٦٤) .
(٣) سورة البقرة، آية (١٥١- ١٥٢) .
[ ٦٠ ]
ولأجل هذا كان الصحابة أشد الخلق حبا لرسول الله ﷺ لأنهم عاشوا الجاهلية وعاينوها عن قرب فلما جاء الإسلام وأدركوا الفرق بين الظلمات والنور ازداد تمسكهم بالإسلام واشتد حبهم على مر الأيام لهذا النبي العظيم ﷺ.
أما عظيم إحسانه إلى أمته، فلأنه كان سبب انتفاع هذه الأمة بحياتها وأرواحها وأبدانها.
بل كان هو السبب- بإذن ربه- في حياة هذه الأمة كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] (١) الآية.
وإذا كان الإنسان يحب أبويه لكونهما وسيلة وجوده، ولأنهما منحاه الرعاية والعناية حتى استطاع شق طريقه في الحياة.
فرسول الله أولى بذلك الحب لأنه كان سبب انتفاع الإنسان بحياته وبدنه وروحه. فلولا الإيمان به واتباع دينه لكان الإنسان في درجة الحيوانات أو أحط كما كانت حال الجاهلية قبل أن تشرق عليهم شمس النبوة وهكذا الشأن في كل جاهلية قديما وحديثا.
خامسا: ما خصه الله به من كريم الخصال ورفيع الأخلاق مما ميزه على سائر الخلق أجمعين: ولو لم تكن له معجزة إلا أخلاقه العظيمة لكفت دليلا على صدق نبوته وسمو تعاليم رسالته.
والمطالع في سيرته ﷺ ومواقفه المتعددة يجد أن رسول الله ﷺ قد حاز من كل خلق أرفعه، وتسنم ذرى الأخلاق حتى سما بها، فكان كما وصفه ربه بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (٢) .
_________________
(١) سورة الأنفال، آية (٢٤) .
(٢) سورة القلم، آية (٤) .
[ ٦١ ]
فكان رسول الله ﷺ أكرم الناس خلقا، وأوسعهم صدرا، وأصدقهم.
فكان رسول الله ﷺ أكرم الناس خلقا، وأوسعهم صدرا وأصدقهم لهجة، وأكرمهم عشيرة، وأوفاهم عهدا، وأوصلهم للرحم، قريبا من كل بر، بعيدا عن كل إثم، لا يقول إلا حقا، ولا يعد إلا صدقا، جوادا بماله، فما قال لأحد: لا، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، شجاعا يتقي به أصحابه عند شدة البأس، صابرا محتسبا في جنب الله كل مكروه وأذى، يسبق حلمه غضبه ويعفو عند المقدرة، رحيم القلب، طيب النفس، آتاه الله الكمال في الخلق والخلق، والقول والعمل، وجمله بالسكينة والوقار، وكساه حسن القبول، فاستمال القلوب وملك زمامها، فانقادت النفوس لموافقته، وثبتت القلوب على محبته، وفدته النفوس بكل عزيز وغال.
فجدير بمن كان بتلك المنزلة أن تتوجه القلوب لمحبته، وكلما اطلع الإنسان على جوانب خلقه الكريم ازداد حبا له. ولذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم أكمل الأمة حبا له لما شاهدوه وعاينوه من أحواله الشريفة وأخلاقه الكريمة ﷺ.
هذه هي أهم موجبات محبة الرسول ﷺ ودواعيها. وهذه المحبة قد تضعف في قلب المسلم بسبب المعاصي والذنوب، أو الإقبال على حطام الدنيا. لأجل هذا يجب على المسلم أن يأخذ بالأسباب التي تزيد من محبته لرسول الله ﷺ.
أسباب زيادة المحبة: يرتبط الحب في القلب بما يحركه من تذكر وتفكر، ورؤية للآثار وسماع للأخبار.
ومع وجود هذه المحركات يزداد الحب في قلب الإنسان وتطلب النفس تحصيل المحبوبات. وحب المسلم للرسول ﷺ يحركه في قلبه أمور كثيرة منها:
١ - تذكر الرسول ﷺ وأحواله: إن للمعرفة ارتباطا وثيقا بالحب، وإذا لم يعرف المسلم رسوله محمدا ﷺ
[ ٦٢ ]
ويتعرف عليه وعلى عظيم قدره ومكانته في نفسه وعند ربه، فسيكون حبه له ضعيفا منزويا في أعماق الشعور والوجدان.
فإذا أراد المسلم أن يزداد حبه لرسول الله ﷺ فلا بد له من معرفته ومعرفة جوانب شخصيته وأخلاقه وذلك بمطالعة سيرته وشمائله وأيامه والنظر فيها بتمعن لاستخلاص الدروس والعبر والعيش مع رسول الله ﷺ والأحداث التي واجهته والمواقف التي وقفها والأعمال التي قام بها والنظر إلى حال الصحابة معه وكيف كان عيشهم وجهادهم لأعدائهم وحبهم لنبيهم ﷺ.
فكلما طالع الإنسان سيرة رسول الله ﷺ وتدبرها أدرك عظمة رسول الله فازداد حبا له وشوقا إليه. ومما يكمل هذا الجانب التفكر فيما لاقاه الرسول في سبيل تبليغ الدين وعظيم حرصه على هداية الناس جميعا وشفقته على أمته ورحمته بها فإذا أدرك المسلم هذا الأمر ازداد حبا لرسول الله ﷺ.
٢ - الوقوف على هديه ﷺ والاشتغال بالسنة قولا وعملا: الوقوف على هديه ﷺ وتدبر سنته والاقتداء به في كل أمر من أمور الدين حتى يكون المسلم على بصيرة ويقين من أنه على جادة الاتباع فيجعل الرسول ﷺ أمامه في كل أمر يقوم به من أمور الدين وكأنه واحد من أصحابه يأتمر بأمره وينتهي بنهيه وكلما استمسك المسلم بهديه وسنته وعاش معها بقلبه ووجدانه كلما كان ذلك ادعى إلى تذكر رسول الله ﷺ وحبه.
وإذا كان الحب مرتبطا بالمعرفة والتذكر، فأكثر الناس حبا له أهل سنته المشتغلون بها علما وعملا، رواية ودراية لأنهم أعلم الأمة بأقواله ﷺ وأفعاله وأخلاقه وشمائله، ولو لم يكن لهم نصيب من حبه سوى الصلاة والسلام عليه لكفى بهذا شرفا.
٣ - معرفة نعمة الله على عباده بهذا النبي ﷺ: ومن أعظم أسباب هذه المعرفة التفكر في النفع الحاصل لهذه الأمة بسبب
[ ٦٣ ]
بعثة النبي ﷺ فيها ونزول القرآن عليه.
وأنه سبب نجاة هذه الأمة في الدنيا والآخرة وأن كل خير وعز وسعادة حصلت لهذه الأمة أو يقدر لها أن تحصل فبسبب اتباعه.
وأن كل بلاء حصل لهذه الأمة أو سيحصل فسببه مخالفة ما جاء به من عند ربه. وحتى تكتمل هذه المعرفة يتخيل الإنسان كيف سيكون حال هذه الأمة لو لم يبعث فيها رسول الله ﷺ وكيف كان حالها قبل مبعثه ﷺ ثم كيف أصبح حالها بعد بعثته ونزول القرآن عليه. وكيف أن الله جمع به بعد فرقة، ورفع به شأن هذه الأمة وأخرجها به من الظلمات إلى النور.
قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦] (١) .
٤ - كثرة الصلاة والسلام عليه: إذ أنها من أعظم ما يربط قلب المسلم برسول الله ﷺ ويجعله متذكرا له دائما، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] (٢) .
وقد ورد الحث عليها والأمر بالإكثار منها في أحاديث كثيرة منها ما أخرجه مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من صلى علي واحدة، صلى الله عليه عشرا» (٣) .
وسيأتي لهذا مزيد بيان في المبحث القادم إن شاء الله.
_________________
(١) سورة المائدة، آية (١٥-١٦) .
(٢) سورة الأحزاب، آية (٥٦) .
(٣) صحيح مسلم. كتاب الصلاة. باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد، ١ / ٣٠٦.
[ ٦٤ ]
[المبحث الرابع مظاهر محبة الرسول ﷺ]
المبحث الرابع
مظاهر محبة الرسول ﷺ الحب وإن كان من أعمال القلوب إلا أنه لا بد وأن تظهر آثاره على الجوارح قولا وفعلا. ولما كان الحب أمرا يمكن أن يستتر وراء الدعاوى والمزاعم ويقع في الاشتباه، كان لا بد من التمييز بين الصادق فيه وبين الدعي الكاذب وبين من سلك في حبه لرسول الله ﷺ مسلكا صحيحا وبين من انحرف بمسلك حبه عن الصواب.
وقد جرت العادة أن الدعاوي لا تقبل إلا ببينات، فالبينة على من ادعى، ولو يعطى الناس بدعواهم لاختل ميزان الحق والعدل. وطالما استغلت دعوى الحب لله ولرسوله ﷺ أو حب الصالحين لتسويغ ألوان من البدع وضروب من الغلو وجعلها مقبولة طالما كان دافعها هذا الحب المزعوم.
لذا أردت في هذا المبحث الكلام على الشواهد الصادقة والمظاهر الواضحة لمحبة رسول الله ﷺ واتباعها بآثارها على السلوك والأفعال.
وذلك لبيان أن حب الرسول ﷺ مقيد بضوابط تحكمه، ومحدد بعلامات تؤكد صدقه، وآثار تظهر على من اتصف به. وهذه العلامات والمظاهر كثيرة، لكني سأتكلم عن أظهرها وأبينها.
أولا: طاعة الرسول ﷺ واتباعه:
إن أقوى شاهد على صدق الحب- أيا كان نوعه- هو موافقة المحب لمحبوبه وبدون هذه الموافقة يصير الحب دعوى كاذبة وأكبر دليل على صدق الحب لرسول الله ﷺ هو طاعته واتباعه.
[ ٦٥ ]
فالاتباع هو دليل المحبة الأول وشاهدها الأمثل، وهو شرط صحة هذه المحبة، وبدونه لا تتحقق المحبة الشرعية ولا تتصور بمعناها الصحيح.
وإذا كان الله سبحانه قد جعل اتباع نبيه ﷺ دليلا على حبه سبحانه، فهو من باب أوفى دليل على حب النبي ﷺ. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] (١) .
قال ابن كثير ﵀:
(هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية بأنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله.
كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء الحكماء: " ليس الشأن أن تحب إنما الشأن أن تحب ".
وقال الحسن البصري وغيره من السلف:
زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] (٣) فتبين من هذا أن الاتباع هو أعظم شاهد على صدق المحبة، بل هو من أجل ثمارها.
_________________
(١) سورة آل عمران، آية (٣١) .
(٢) أخرجه البخاري تعليقا في كتاب الاعتصام. باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول من غير علم فحكمه مردود، ٩ / ١٢٣.
(٣) تفسير ابن كثير. لإمام أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي ط. دار الفكر، بيروت، ١ / ٣٥٨.
[ ٦٦ ]
فالصادق في حب النبي ﷺ هو من أطاعه واقتدى به وآثر ما يحبه الله ورسوله على هوى نفسه، وظهرت أثار ذلك عليه من موافقته في حب ما يحبه وبغض ما يبغضه.
ويؤكد القاضي عياض على ارتباط هذه المحبة بالموافقة والاتباع فيقول: (اعلم أن من أحب شيئا آثره وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقا في حبه وكان مدعيا، فالصادق في حب النبي ﷺ من تظهر علامة ذلك عليه، وأولها:
الاقتداء به واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] (١) وإيثار ما شرعه على هوى نفسه وموافقة شهواته، قال الله تعالى ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] (٢) (٣) .
وقد استفاضت نصوص الكتاب والسنة في تعظيم شأن الاتباع وبيان أهميته، وأن سعادة المسلم في الدارين موقوفة على متابعة النبي ﷺ، وأن شقاء من شقي وهلاك من هلك إنما كان بسبب مخالفته لما جاء به الرسول ﷺ، وسنعرض لهذه النصوص في مبحث وجوب الطاعة.
نخلص من هذا إلى أن أقوى مظهر وأوضح شاهد على صدق المحبة لرسول الله ﷺ هو الاتباع وبدونه تصبح المحبة دعوى مجردة عن الدليل وقولا لا يصدقه عمل.
وهذا الاتباع محدد أيضا بشواهد وعلامات تؤكده وسنعرض لها فيما بعد.
ثانيا: تعظيم النبي ﷺ وتوقيره والأدب معه:
تعظيم النبي ﷺ هو ما يقتضيه مقام النبوة والرسالة من كمال الأدب وتمام
_________________
(١) سورة آل عمران، آية (٣١) .
(٢) سورة الحشر، آية (٩) .
(٣) الشفا، ٢ / ٢٤.
[ ٦٧ ]
التوقير، وهو من أعظم مظاهر حبه، ومن آكد حقوقه ﷺ على أمته، كما أنه من أهم واجبات الدين.
وهذا التعظيم مثل المحبة من حيث كونه تابعا للمعرفة، فعلى قدر المعرفة يكون التعظيم وتكون المحبة.
لذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم أكثر الناس حبا وتعظيم لرسول الله ﷺ لمعايشتهم له وقربهم منه. وتعظيم النبي ﷺ يكون بالقلب، واللسان والجوارح، فالتعظيم بالقلب هو ما يستلزم اعتقاد كونه رسولا اصطفاه الله برسالته، وخصه بنبوته، وأعلى قدره، ورفع ذكره، وفضله على سائر الخلق أجمعين، كما يستلزم تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين.
أما التعظيم باللسان فيكون بالثناء عليه بما هو أهله، مما أثنى به على نفسه، أو أثنى به عليه ربه من غير غلو ولا تقصير، ويدخل في ذلك الصلاة والسلام عليه، كما يشمل الأدب في الخطاب معه والحديث عنه ﷺ.
وأما التعظيم بالجوارح فيشمل العمل بطاعته، وتجديد متابعته، وموافقته في حب ما يحبه، وبغض ما يبغضه والسعي في إظهار دينه، ونصرة شريعته، والذب عنه وصون حرمته (١) .
وعلى ذلك فاساس التعظيم للنبي ﷺ وقاعدته التي ينبني عليها هو تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما عنه نهي وزجر، وعبادة الله بما شرع. فمن فقد هذا الأساس أو أخل به فقد أخل بتعظيمه وتوقيره ﷺ. وهذا الإخلال يأتي من أمرين كليهما على طرفي نقيض:
أولهما: الجفاء والتفريط في حقوقه ﷺ. وذلك كنسبته إلى ما لا يليق بمقام النبوة كالطعن في صدقه أو أمانته وعدالته وذلك كصنيع ذي الخويصرة التميمي الذي طعن في قسمة رسول الله ﷺ للغنائم كما روي ذلك البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال:
_________________
(١) انظر. الصارم المنكي في الرد على السبكي، لابن عبد الهادي، ص٣٤١ - ٣٤٢.
[ ٦٨ ]
«بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسماه أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله اعدل فقال: ويلك. ومن يعدل إذ لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه. فقال: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» . . . .) (١) الحديث.
ويشبه هذا الصنيع صنيع المنافقين ومن انطمست بصائرهم فلم يعرفوا للنبي ﷺ قدره ولم يحفظوا حرمته. ومما يلحق بالجفاء عدم التأدب في الحديث والكلام عن النبي ﷺ كصنيع بعض الشعراء والكتاب في تشبيه بعض الولاة والحكام أو وصفهم بصفات الرسول ﷺ الخاصة به. كقول المعري مثلا (٢) .
لولا انقطاع الوحي بعد محمد قلنا محمد عن أبيه بديل
هو مثله في الفضل إلا أنه لم يأته برسالة جبريل (٣)
وقد نقل القاضي عياض أمثلة من هذا القبيل من أقوال بعض الجفاة والمنافقين (٤) .
ومما يلحق بالجفاء ترك الصلاة والسلام عليه لفظا وخطا، أو الاستهانة بهديه وسنته وقلة المبالاة بها أو التعظيم لشأن المفكرين والكتاب والقادة بما يغض من
_________________
(١) صحيح البخاري. كتاب المناقب. باب علامات النبوة في الإسلام (٤ / ٢٤٣ - ٢٤٤) .
(٢) هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المقلب بالمعري. نسبة لمعرة النعمان بلدته (٣٦٣- ٤٤٩هـ) كان من أعلام الشعراء غير أنه كان زائغ الاعتقاد متشككا يميل إلى الزهد الفلسفي ولذلك كان متقلبا فتارة يكون موحدا وأخرى يكون ملحدا. وله عدة دواوين من أشهرها سقط الزند، واللزوميات وغيرها. انظر. البداية والنهاية، ١٢ / ٧٢ / -٧٦. ولسان الميزان لابن حجر، ١ / ٢٠٣ - ٢٠٨.
(٣) هذان البيتان من قصيدة للمعري يمدح بها رجلا من العلويين. انظر: سقط الزند - لأبي العلاء المعري. طبع دار صادر، ص١٤٢، ١٣٨٣، ١٩٦٣م.
(٤) انظر الشفا، ٢ / ٢٣٨ - ٢٤٧.
[ ٦٩ ]
شأنه ﷺ، مع أن هؤلاء مهما بلغوا لن يصلوا إلى مرتبة واحد من عامة الصحابة.
وقد كثر الجفاء في زماننا هذا بكثرة المارقين والمنهزمين من الكتاب والأدباء الذين سودوا الصحائف بالاستهزاء بتعاليم الإسلام وقيمه وربما بالتطاول على مقام النبوة. كما عزف كثير من المسلمين عن مطالعة سيرة النبي ﷺ ومذاكرة سنته وكثرة الصلاة والسلام عليه. مما أدى إلى الجفاء للنبي ﷺ وعدم توقيره.
ولقد كان سلفنا الصالح إذا ذكر عندهم النبي ﷺ أو حديثا من أحاديثه ظهر عليهم من الهيبة والإجلال والتأدب كما لو كان النبي ﷺ أمامهم حتى إن بعضهم كان يبكي عند ذكره ﷺ فكان محمد بن المنكدر (١) إذا سئل عن حديث بكى حتى يرحمه الجالسون، وكان عبد الرحمن بن مهدي (٢) إذا قرأ حديث النبي ﷺ أمر الحاضرين بالسكوت وقال: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] (٣) ويتأول أنه يجب له من الإنصات عند قراءة حديثه ما يجب عند سماع قوله ﷺ (٤) .
هكذا كان أدب سلفنا الصالح مع رسول الله ﷺ وسنته فأين منا هذا الأدب وذلك التوقير؟ كما نسأل الله العافية.
ثانيهما: الغلو في النبي ﷺ ورفعه فوق مرتبته التي وضعه الله عليها.
_________________
(١) هو أبو عبد الله محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير القرشي من أعلام التابعين روى عن جماعة من الصحابة وعمه جمع من الأئمة، كان سيد القراء قال ابن عيينة: كان من معادن الصدق، يجتمع إليه الصالحون. انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي، ١ / ١٢٧- ١٢٨.
(٢) هو أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي بن حسان البصري- من أعلام المحدثين حدث عن شعبة وسفيان وأمما، وعنه ابن المبارك وأحمد وابن المديني. انظر: تذكرة الحفاظ، ١ / ٣٢٩- ٣٣٢.
(٣) استشهد بقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " سورة الحجرات، آية (٢) .
(٤) انظر الشفا، ٢ / ٤٠- ٤٧.
[ ٧٠ ]
وذلك كاعتقاد أنه يعلم الغيب مطلقا أو أن وجوده سابق لهذا العالم وأن من نوره خلق الكون كله إلى غير ذلك من الاعتقادات الباطلة التي لم ترد في سنة. وسيأتي لهذا مزيد بيان في فصل الغلو في الرسول ﷺ.
وقد أوجب الله على الأمة كلها تعظيم النبي ﷺ وتوقيره فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٨ - ٩] (١) .
فالتسبيح لله ﷿ والتعزير والتوقير للنبي ﷺ وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (٢) والتعزير بمعنى التعظيم.
قال ابن جرير في تفسير الآية الأولى:
(معنى التعزير في هذا الموضع: التقوية والنصرة والمعونة ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال) (٣) .
ويعرف ابن تيمية التعزير بأنه:
(اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه، والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار) (٤) .
وقد أبان الله في كتابه عن وجوه الأدب مع النبي ﷺ وتعظيمه. وما ينبغي على المسلم أن يتأدب به مع رسول الله ﷺ وذلك في آيات شتى وبأساليب
_________________
(١) سورة الفتح، آية (٩) .
(٢) سورة الأعراف، آية (١٥٧) .
(٣) تفسير الطبري المسمى جامع البيان عن تأويل آي القرآن لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري. ط ٢، مصطفى الحلبي. القاهرة، ١٣٧٣ هـ، ٢٦ / ٧٥.
(٤) الصارم المسلول على شاتم الرسول. لابن تيمية. تحقيق. محمد محي الدين عبد الحميد، طبع دار الكتب العلمية، بيروت ١٣٩٨ هـ، ص ٤٢٢.
[ ٧١ ]
متنوعة. وقد اشتملت سورة الحجرات في صدرها على مجموعة من التوجيهات التربوية للمسلمين في كيفية تعاملهم مع رسول الله ﷺ والتأدب معه.
فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ - إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ - إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ - وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١ - ٥] (١) فقد أشارت هذه الآيات إلى بعض وجوه الأدب مع النبي ﷺ منها:
- عدم التقدم بين يدي الله ورسوله بقول أو فعل أو إذن أو تصرف كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] (٢) . قال ابن جرير في تفسير هذه الآية:
" لا تعجلوا بقضاء أمر في حروبكم أو دينكم، قبل أن يقضي الله لكم فيه، ورسوله، فتقضوا بخلاف أمر الله وأمر رسوله (٣) . وهذا الأمر فرض باق على الأمة إلى يوم القيامة- مثل طاعته ﷺ حيا وميتا- فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته ﷺ كالتقدم بين يديه في حياته، ولا فرق بينهما عند ذوي العقول السليمة، فالأدب كل الأدب معه ﷺ تقديم سنته وأقواله على كل قول أو رأي (٤) .
- ومنها عدم رفع الصوت فوق صوت النبي ﷺ، وعدم الجهر له بالقول
_________________
(١) سورة الحجرات، آية (١-٥) .
(٢) سورة الحجرات، آية (١) .
(٣) تفسير ابن جرير، ٢٦ / ١١٦.
(٤) انظر. مدارج السالكين لابن القيم، ٢ / ٣٨٩.
[ ٧٢ ]
مخافة حبوط العمل. فالأدب معه في حياته غض الصوت عنده مع الهيبة والإجلال له، وأن يكون مجلس علم وحلم ووقار وسكينة، وأن يكون الحديث معه بتأدب وتلطف.
وإذا كان الله قد حرم رفع الأصوات فوق صوت نبيه، وحرم الجهر له بالقول لما في ذلك من الجفاء والإيذاء لنبيه ﷺ، فكذلك رفع الأصوات عند قبره ﷺ في حكم رفع الصوت عنده في حياته من حيث التحريم لأن حرمة النبي ﷺ ميتا كحرمته حيا.
وقد شدد الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ النكير على رجلين رفعا أصواتهما في المسجد النبوي وذلك فيما رواه البخاري بسنده عن السائب بن يزيد قال:
(كنت قائما في المسجد فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فاتني بهذين، فجئته بهما. قال: من أنتما- أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما. ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ!) (١) .
فإذا تقرر هذا علمنا أن ما يحدث من كثير من الناس عند قبره ﷺ من رفع الأصوات واختلاطها، وصنيع من يسمون " بالمزورين " من رفع الأصوات عند القبر والتشويش في المسجد النبوي، كل هذا من الأمور المحرمة لما فيها من إيذاء النبي ﷺ، وانتهاك حرمة المسجد.
ومن مخالفة الأدب في هذا الباب رفع أراء بعض البشر وأقوالهم ومذاهبهم على سنة النبي ﷺ، ومحاولة إسكات صوت السنة والداعين إليها وفي هذا من الإيذاء والجفاء ما هو أكبر بكثير من مجرد رفع الصوت عند النبي ﷺ (٢) .
_________________
(١) صحيح البخاري. كتاب الصلاة. باب رفع الصوت في المساجد ١ / ١٢٧.
(٢) انظر. مدارج السالكين، ٢ / ٣٨٩.
[ ٧٣ ]
قال أبو بكر بن العربي (١) .
(حرمة النبي ﷺ ميتا كحرمته حيا، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه، فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاضر أن لا يرفع صوته عليه، ولا يعرض عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به، وقد نبه الله تعالى على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] (٢) . وكلام النبي ﷺ من الوحي، وله من الحرمة مثل ما للقرآن إلا معاني مستثناه (٣) بيانها في كتب الفقه والله أعلم) (٤) .
ومن الأدب مع الرسول ﷺ عدم جعل دعائه كدعاء الناس بعضهم بعضا، كما قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] (٥) وللمفسرين في معنى هذه الآية قولان:
- أحدهما: معناه أن لا تجعلوا دعاءكم ونداءكم للرسول ﷺ كما ينادي بعضكم بعضا باسمه المجرد فنهاهم الله أن ينادوا رسوله ﷺ بيا محمد. بل الأدب معه ﷺ أن ينادوه: بيا رسول الله، ويا نبي الله، مع خفض الصوت احتراما
_________________
(١) هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الأشبيلي المالكي المعروف بابن العربي، (٤٦٨هـ ٥٤٣ هـ) . محدث. ففيه - قاض، بلغ رتبة الاجتهاد في علوم الدين، وله مصنفات كثيرة منها: عارضة الأحوذي في شرح الترمذي. وأحكام القرآن، والعواصم من القواصم وغيرها انظر وفيات الأعيان (٤ / ٢٩٦ - ٢٩٧) ونفح الطيب من غض الأندلس الرطيب للشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني. تحقيق د. إحسان عباس، ٢ / ٢٥ وما بعدها.
(٢) سورة الأعراف، آية (٢٠٤) .
(٣) ذكر العلماء فروقا بين الحديث والقرآن منها: إن كلام الرسول ﷺ ليس معجزا كالقرآن. إننا متعبدون بالقرآن وتلاوته في الصلاة وخارجها وليس الحديث كذلك. - إن القرآن لا يقرأه القارئ إلا وهو طاهر على خلاف في ذلك وليس الحديث كذلك.
(٤) أحكام القرآن، لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي، تحقيق على محمد البجاوي، ٤ / ١٧٠٢ - ١٧٠٣.
(٥) سورة النور، آية (٦٣) .
[ ٧٤ ]
وتوقيرا له (١) .
الثاني: أن لا تجعلوا دعاء الرسول لكم من جنس دعاء بعضكم بعضا إذا شاء أجاب وإن لم يشأ لم يجب. بل الأدب معه أنه إذا دعاكم لم يسعكم إلا إجابته والسمع والطاعة له (٢) .
ومن الأدب معه ﷺ أن أصحابه إذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه.
كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢] (٣) .
قال ابن القيم:
(ومن الأدب معه: أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع- من خطة أو جهاد أو رباط- لم يذهب أحدهم مذهبا في حاجته حتى يستأذنه. . . فإذا كان هذا مذهبا مقيدا بحاجة عارضة، لم يوسع لهم فيه إلا بإذنه فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين: أصوله، وفروعه، دقيقة، وجليله؟ هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] (٤) ومن الأدب معه. أن لا يستشكل قوله. بل تستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس، بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولا، نعم هو مجهول وعن الصواب معزول.
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير، ٣ / ٣٠٦ - ٣٠٧، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن. الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، طبع مطبعة المدني، مصر، ٦ / ٢٥١ - ٢٥٢.
(٢) انظر مدارج السالكين، ٢ / ٣٨٩ - ٣٩٠.
(٣) سورة النور، آية (٦٢) .
(٤) سورة النحل، آية (٤٣)، وسورة الأنبياء، آية (٧) .
[ ٧٥ ]
ولا يوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد، فكل هذا من قلة الأدب معه ﷺ وهو عين الجرأة) (١) .
ومن الأدب مع الرسول ﷺ وتعظيمه: التأدب في الحديث معه والحديث عنه. وذلك باختيار أحسن الألفاظ وأعذبها، وأرق المعالي وألطفها، وتجنب كل ما فيه جفاء أو إساءة أدب مع الرسول ﷺ وتنزيه مقام النبوة والرسالة من كل عيب أو نقص ينافي عصمته ﷺ.
لأجل هذا نهى الله المؤمنين عن الجهر بالقول لرسول الله ﷺ، كما نهاهم عن مخاطبته كما يخاطب بعضهم بعضا كما سبق آنفا. لما فيه من الجفاء والإيذاء له. ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤] (٢) .
فنهى الله المؤمنين أن يقولوا لنبيه ﷺ (راعنا) لما فيها من احتمال معنى: ارعنا نرعاك على سبيل المقابلة كما يقال حادثنا وجالسنا، نحادثك ونجالسك. فكأنهم لا يرعونه إلا برعايته لهم. بل حقه ﷺ أن يرعى على كل حال، أو يكون معناها: ارعنا معك حتى نفهمك وتفهم عنا (٣) وكلا المعنيين فيه جفاء لا يليق بمقام النبوة.
وقيل نهوا عن ذلك لما فيه من التشبه باليهود لأنهم كانوا يورون بهذه الكلمة عن الرعونة فنهي المسلمون عن قولها قطعا للذريعة، ومنعا للتشبه بهم في قولهم (٤) .
وعلى ذلك فكل كلام يشعر بالجفاء وإن لم يقصده المتكلم- لا يجوز أن يخاطب به الرسول ﷺ أو يتحدث به عنه لما في ذلك من إيذائه ﷺ وإذهاب هيبته من النفوس.
_________________
(١) مدارج السالكين، ٢ / ٣٩٠.
(٢) سورة البقرة، آية (١٠٤) .
(٣) انظر. تفسير الطبري، تحقيق محمود وأحمد محمد شاكر، طبع دار المعارف مصر، ٢ / ٤٦٣ - ٤٦٦.
(٤) انظر. الشفا للقاضي عياض، ٢ / ٣٧. وتفسير ابن كثير، ١ / ١٤٨- ١٤٩.
[ ٧٦ ]
ومن تعظيمه ﷺ الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به على نفسه، أو أثنى به عليه ربه ﷾ من غير غلو ولا تقصير، ومن أعظم الثناء عليه: الصلاة والسلام عليه في مواطنها، وعند ورود ذكره الشريف على المسامع واللسان وعند الخط بالبنان.
ويتضمن معنى الصلاة عليه: ثناء الله عليه والإشارة برفع ذكره، والطلب من الله أن يعلى ذكره، ويزيده تعظيما وتشريفا، والمراد بالطلب هنا هو طلب الزكاة- زيادة الثناء والتشريف- لا طلب أصل الصلاة. أما السلام فيتضمن سلامته أي من كل آفة وعيب (١) .
أورد البخاري تعليقا عن أبي العالية قال: " صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء ".
قال ابن عباس:
يصلون: يبركون (٢) .
وقد أخبر الله أنه وملائكته يصلون على النبي وأمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] (٣) .
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية:
والمقصود من هذه الآية: أن الله ﷾ أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي
_________________
(١) انظر. جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام. لابن القيم ص٨٤، وما بعدها، وفتح الباري ١١ / ١٥٢ - ١٥٣، ١٦٩.
(٢) صحيح البخاري، كتاب التفسير. باب " إن الله وملائكته يصلون على النبي " ٦ / ١٥١.
(٣) سورة الأحزاب، آية (٥٦) .
[ ٧٧ ]
عليه ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والسلام عليه ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعا " (١) .
كما رغب رسول الله ﷺ في الصلاة والسلام عليه في أحاديث عدة: منها ما أخرجه مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من صلى علي واحدة، صلى الله عليه عشرا» (٢) .
وأخرج أبو داود بسنده عن أوس بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي قالوا يا رسول الله: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ ! يقولون: بليت. قال: إن الله ﷿ حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (٣) .
وأخرج الترمذي بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي» الحديث (٤) .
وأخرج الترمذي أيضا بسنده عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي» (٥) .
_________________
(١) تفسير ابن كثير، ٣ / ٥٠٧.
(٢) صحيح مسلم. كتاب الصلاة. باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد، ١ / ٣٠٦.
(٣) سنن أبي داود. كتاب الصلاة. باب فضل الجمعة وليلة الجمعة، ١ / ٦٣٥، ورواه أحمد في المسمد ٨ / ٤، والنسائي في كتاب الصلاة. باب إكثار الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة ٣ / ٩١ - ٩٢. وإسناده صحيح صححه الحاكم ١ / ٢٧٨. ووافقه الذهبي. وصححه النووي في الأذكار، ط٤، مصطفى الحلبي، مصر ص١٠٦.
(٤) سنن الترمذي كتاب الدعوات. باب ما جاء في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده ٥ / ٢١٠، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، نشر محمد عبد المحسن الكتبي، المدينة المنورة. وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١ / ٥٤٩.
(٥) المصدر نفسه، ٥ / ٢١١، ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي ١ / ٥٤٩.
[ ٧٨ ]
وأخرج أبو داود بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (١) .
وقد علم الرسول ﷺ أصحابه وأمته كيف يصلون عليه في الصلاة وغيرها وذلك فيما أخرجه البخاري ومسلم بسنديهما عند عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية، إن النبي ﷺ خرج علينا، فقال يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك فقال: قولوا اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) (٢) .
وأخرجا أيضا بسنديهما عن أبي حميد الساعدي أنهم قالوا: «يا رسول الله ﷺ كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: (اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما، صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» (٣) .
إلى غير ذلك من الصيغ التي علمهم النبي ﷺ إياها وأرشدهم إليها. وهذه الصيغ التي علمها النبي ﷺ لأصحابه وأمته من بعدهم هي أفضل كيفيات الصلاة والسلام عليه لأنها صادرة من مشكاة النبوة، ولأن النبي ﷺ لا يختار لهم ولنفسه إلا الأشرف والأفضل والأكمل من الأعمال والكيفيات.
فإذا تبين هذا علمنا أن ما ابتدعه كثير من مشايخ الصوفية من صيغ في الصلاة
_________________
(١) سنن أبي داود. كتاب المناسك. باب زيارة القبور ٢ / ٥٣٤. ورواه أحمد في المسند ٢ / ٣٦٧. والحديث سنده حسن على شرط مسلم، وهو صحيح بما له من طرق وشواهد. انظر أحكام الجنائز وبدعها للشيخ الألباني، ط٤، طبع المكتب الإسلامي، ٢١٩ - ٢٢٠.
(٢) البخاري. كتاب الدعوات. باب الصلاة على النبي ﷺ ٨ / ٩٥. ومسلم. كتاب الصلاة. باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد ١ / ٣٠٥.
(٣) البخاري، السابق نفسه، ٨ / ٩٥-٩٦. ومسلم، السابق نفسه، ١ / ٣٠٦.
[ ٧٩ ]
على النبي ﷺ زاعمين لها من الفضل والثواب الشيء الكثير، هذه الصلوات لا ترتقي إلى مرتبة الصيغ التي علمها النبي ﷺ لأصحابه وأمته في كيفية الصلاة والسلام عليه. هذا إن سلمت تلك الصلوات من الغلو وضروب البدع. كما يلاحظ أنه لم يرد في شيء من صيغ الصلاة على النبي ﷺ لفظ السيادة (سيدنا) . فدل عدم ورودها على أنها ليست مشروعة أو خلاف الأولى.
وقد سئل الحافظ ابن حجر عن صفة الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة أو خارج الصلاة سواء قيل بوجوبها أو ندبيتها، هل يشترط فيها أن يصفه ﷺ بالسيادة. كأن يقول مثلا. اللهم صل على سيدنا محمد أو على سيد الخلق، وعلى سيد ولد آدم؟ أو يقتصر على قوله: اللهم صل على محمد؟ وأيهما أفضل، الإتيان بلفظ السيادة لكونها صفة ثابتة له ﷺ، أو عدم الإتيان بها لعدم ورود ذلك في الآثار؟ .
فأجاب ﵀:
(نعم، اتباع الألفاظ المأثورة أرجح، ولا يقال: لعله ترك ذلك تواضعا منه ﷺ لم يكن يقول عند ذكره ﷺ: ﷺ وأمته مندوبة إلى أن تقول ذلك كلما ذكر. لأنا نقول: لو كان ذلك راجحا لجاء عن الصحابة ثم عن التابعين. ولم نقف في شيء من الآثار عن أحد من الصحابة ولا التابعين لهم قال: ذلك مع كثرة ما ورد عنهم من ذلك) (١) .
وللصلاة على النبي ﷺ مواطن يتأكد وجوبها أو استحبابها فيها: منها: التشهد الأخير في الصلاة، واختلف في وجوبه واستحبابه على قولين (٢) . ومنها عند دخول المساجد والخروج منها، وبين يدي الدعاء.
_________________
(١) أوردها بتمامها: الألباني نقلا عن الحافظ محمد بن محمد الغرابيلي تلميد الحافظ ابن حجر. انظر. صفة صلاة النبي ﷺ، تأليف محمد نصر الدين الألباني، ط١١، المكتب الإسلامي ١٤٠٣ هـ، ص ١٥٣- ١٥٥.
(٢) انظر: جلاء الأفهام، ص١٩٣- ٢١٦. وصفة صلاة النبي ﷺ، ص ١٦٢.
[ ٨٠ ]
وعند ذكره ﷺ، وروود اسمه الشريف وكتابته وفي الخطب وعند رواية الحديث وتعليم الناس العلم إلى غير ذلك من المواطن (١) .
ومن تعظيمه ﷺ نصرته والذب عنه، وقد أوجب الله على الأمة تعزير نبيه ﷺ وتوقيره، وسبق أن بينا أن تعزيره ﷺ يتضمن معنى النصرة والتعظيم. فواجب على الأمة أن تنصر الله ورسوله، وأن تنتصر لله ورسوله، وإذا كان نصر آحاد المسلمين واجبا، لقوله ﷺ: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» (٢) .
وقوله ﵊: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته» (٣) .
فكيف لا يكون نصر الرسول ﷺ من أوجب الواجبات، بل حقه أن يفدى بالأنفس والأموال وأن يؤثر بكل عزيز وغال.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] (٤) الآية.
فحرم الله على المؤمنين التخلف عن نصرة نبيه والرغبة بالأنفس عنه، وأوجب على المؤمنين نصرته، وذلك في آيات عدة من القرآن منها:
قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (٥) .
وقال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠] (٦) الآية.
_________________
(١) للوقوف على هذه المواطن وغيرها. انظر الشفا، ٢ / ٦٤ - ٦٨. وجلاء الأفهام، ١٩٣ - ٢٦١، وفتح الباري، ١١ / ١٦٩.
(٢) أخرجه البحاري في كتاب المظالم. باب: أعن أخاك ظالما أو مظلوما ٣ / ١٦٨. والإمام أحمد في المسند، ٣ / ٩٩.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب المظالم. باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه ٣ / ١٨٦.
(٤) سورة التوبة، آية (١٢٠) .
(٥) سورة الأعراف، آية (١٥٧) .
(٦) سورة التوبة، آية (٤٠) .
[ ٨١ ]
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤] (١) .
وامتدح الله المهاجرين بقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨] (٢) .
كما أثنى على الأنصار بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤] ونصر الرسول ﷺ يشمل نصره باللسان والسنان والبنان، بالقول والفعل. نصرا له في ذات نفسه حماية لعرضه، وصونا لحرمته، وإرغاما لأعدائه ومبغضيه، وانتصارا له من كل من يؤذيه، وإجلالا لمقام النبوة من أي قدح أو عيب.
وقد أجمع أهل العلم على وجوب قتل من سب الرسول ﷺ أو عابه أو ألحق به نقصا في نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله، أو عرض به أو شبهه بشيء على طريق السب له والإزراء عليه أو التحقير لشأنه.
فحكم من أتى بذلك أن يقتل بلا استتابة لأنه آذى رسول الله ﷺ بما يستوجب إهدار دمه إن كان مسلما، ونقض عهده وقتله إن كان ذميا (٣) كل ذلك حماية لعرضه ﷺ وصونا لمكانته ومنزلته.
ومن نصر الرسول ﷺ نصر سنته والذب عن شريعته ودفع كيد الكائدين وطعن الطاعنين في سنته وسيرته، برد شبههم ودحض مفترياتهم وإظهار ما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق.
_________________
(١) سورة الصف، آية (١٤) .
(٢) سورة الحشر، آية (٨) .
(٣) انظر في بيان ذلك. الشفا ٢ / ٢١٤ وما بعدها. والصارم المسلول ص ٣ وما بعدها، ص ٤١٨ - ٤١٩.
[ ٨٢ ]
ويدخل في نصر الله ورسوله نصر الشريعة وأهلها والداعين إليها وتكثير سوادهم وإعانتهم على أمورهم، وقمع أعدائهم. ولا يتأتى هذا النصر ولا يتحقق إلا برفع علم الجهاد في سبيل الله جهادا للكفار والمنافقين، وتتبع الزنادقة والملحدين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة حدود الله في أرضه. وتطيق شرعه.
وترك النصرة لرسول الله ﷺ ودينه والتخاذل عنها تمكين لأعداء الإسلام من الطعن فيه وتشويهه وإضعاف شوكته وانتهاك حرماته وإذهاب هيبة النبي ﷺ من النفوس.
ولا يكون ذلك إلا إذا ترك الجهاد في سبيل الله، وذهبت الغيرة على محارم الله من القلوب، حينما يكون الرضى بالذل والهوان حبا للدنيا وكراهية للموت، وهذا هو حال المسلمين اليوم. فالانتصار لرسول الله ﷺ حق على كل من آمن بالله واتبعه وزعم أنه يحبه، فمن ادعى حبه ولم ينصره وينتصر له فهو كاذب في دعواه.
فمقتضى الحب الصحيح أن تنصره وتفديه بالنفس والمال وأن تغار على حرمات الله أن تنتهك، تلك هي أهم جوانب تعظيم الرسول ﷺ وتوقيره. لكن بقي أن أنبه إلى أمرين مهمين في هذا الباب:
الأمر الأول:
أنه يجب على المسلم المعظم لرسول الله ﷺ أن يفرق بين حقوق الله تعالى التي هي من خصائص ربوبيته وألوهيته، والتي لا يجوز صرفها لغير الله تعالى، وبين حقوق النبي ﷺ ليضع كل شيء في موضعه حتى يكون على الصراط المستقيم.
فالتجاء المضطر- مثلا- الذي أحاطت به الكروب، ونزلت به الشدائد التي لا يقدر على كشفها إلا الله وحده، حق ممن حقوق الله تعالى لا يجوز صرفه
[ ٨٣ ]
لغير الله بحال من الأحوال، لأن كشف الضر، وإجابة المضطر بيد الله وحده. فصرف هذا الحق لله وإخلاصه له، هو عين طاعته سبحانه ومرضاته، وهو طاعة لرسول الله ﷺ واتباع له في تجريد التوحيد من كل شوائب الشرك.
أما صرف هذا الحق- أو غيره من الحقوق الخاصة بالله- لغير الله ولو لرسوله ﷺ بدعوى أنه تعظيم له - فهذا عين المحاده والمشاقة لله ورسوله " وهو من الشرك الذي نهى الله عنه فإذا تبين ذلك علمنا أن ما يفعله بعض المنتسبين إلى الإسلام من التجائهم وقت الشدائد إلى غير الله طالبين منه كشف الضر ورفع الشدة، وما يفعل من هذا القبيل عند قبر الرسول ﷺ، بدعوى أنه تعظيم له كل هذا من قبيل الشرك الذي حرمه الله ورسوله.
الأمر الثاني:
الفرق بين التعظيم المشروع وغير المشروع، ينبغي على المسلم أن يعلم أن التعظيم الذي أوجبه الله لرسوله ﷺ هو التعظيم المشروع اللائق بمقام النبوة والرسالة.
ومدار هذا التعظيم وأساسه هو الاتباع والاقتداء به ﷺ فمن كان اتباعا واقتداء كان أكثر محبة وتعظيما، وأبعد عن الغلو والبدع. وليس كل ما يظن أنه من باب التعظيم لرسول الله ﷺ هو في الحقيقة تعظيما مشروعا في حقه.
قال ابن عبد الهادي (١) .
فالتعظيم نوعان: أحدهما: ما يحبه المعظم ويرضاه ويأمر به ويثنى على فاعله، فهذا هو التعظيم في الحقيقة.
_________________
(١) هو أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي (٧٠٥- ٧٤٤هـ) شارك في كثير من العلوم وحصل منها مالا يبلغه الشيوخ الكبار، وترك تصانيف كثيرة منها: الأحكام في فقه الحنابلة. وتراجم الحفاظ وفضائل الشام. والمحرر في الحديث. والعقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية. والصارم المنكي في الرد المنكي في الرد على السبكي وغيرها. انظر البداية والنهاية (١٤ / ٢١٠) والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق، محمد سيد جاد الحق، نشر دار الكتب الحديثة. عابدين، مصر (٣ / ٤٢١، ٤٢٢) .
[ ٨٤ ]
والثاني: ما يكرهه ويبغضه ويذم فاعله، فهذا ليس بتعظيم، بل هو غلو مناف للتعظيم، ولهذا لم يكن الرافضة معظمين لعلي بدعواهم الإلهية والنبوة أو العصمة ونحو ذلك، ولم يكن النصارى معظمين للمسيح بدعواهم فيه ما ادعوا، والنبي ﷺ قد أنكر على من عظمه بما لم يشرعه، فأنكر على معاذ سجوده له، وهو محض التعظيم.
وفي المسند بإسناد صحيح على شرط مسلم عن أنس بن مالك: «أن رجلا قال: (يا محمد، يا سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا، وابن خيرنا)، فقال رسول الله ﷺ: (عليكم بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿» (١) وقال ﷺ: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله» (٢) .
وكان يكره من أصحابه أن يقوموا له إذا رأوه، ونهاهم أن يصلوا خلفه قياما. وقال: «إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم» (٣) وكل هذا من التعظيم الذي يبغضه ويكرهه (٤) .
وقد أنكر النبي ﷺ على من قال له: ما شاء الله وشئت أخرج الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس ﵄: «أن رجلا قال للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت، فقال أجعلتني والله عدلا. بل ما شاء الله وحده» (٥) .
وأرشد النبي ﷺ أصحابه إلى أن يقولوا- إذا أرادوا- ما شاء الله ثم شاء
_________________
(١) المسند، ٣ / ١٥٣، ٢٤١.
(٢) سبق تخريجه، ص٢٤.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة. باب ائتمام المأموم بالإمام، ١ / ٣٠٩، والنسائي في كتاب السهو. باب الرخصة في الالتفات في الصلاة يمينا وشمالا ٣ / ٩.
(٤) الصارم المنكي في الرد على السبكي، ٢٨٨.
(٥) المسند، ١ / ٢١٤، والحديث إسناده حسن. انظر السلسة الصحيحة ١ / ٥٦- ٥٧.
[ ٨٥ ]
محمد. كما في سنن الدارمي وابن ماجه بسنديهما عن الطفيل بن سخبرة أخى عائشة لأمها قال: «قال رجل من المشركين لرجل من المسلمين نعم القوم أنتم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد فسمع النبي ﷺ فقال: لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد» (١) .
فيجب على المسلم أن يفرق بين المشروع وبين غيره في هذا الجانب وعدم التفرقة بينهما هو الذي أوقع المبتدعة في الغلو الذي ذمه الله ورسوله وذلك كالاستغاثة به وطلب الحاجات منه ودعائه من دون الله واعتقاد أنه خلق من نور وأن الكون كله قد خلق من نوره، وأنه يتصرف في الأكون، ويعلم الغيب مطلقا إلى غير ذلك من العقائد الباطلة، وابتداع أنواع كثيرة من الصلوات عليه. فكل هذا من الغلو والشرك الذي نهى الله عنه، وفاعل هذا مضاد لتعظيمه ﷺ.
ثالثا: ومن مظاهر محبته ﷺ:
كثرة تذكره وتمني رؤيته والشوق إلى لقائه، ذلك أن من أحب شيئا أكثر من ذكره، ولا يكون ذلك إلا إذا شغلت المحبة قلب المحب وفكره، وسبب ذلك استحضار الأسباب والدواعي الباعثة على حب رسول الله ﷺ ومعرفة قدر النعمة التي أنعم الله بها على الناس إذ بعث فيهم رسوله ﷺ.
قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ - فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١ - ١٥٢] (٢) .
ويتبع ذلك تمني رؤيته ﷺ والشوق إلى لقائه وسؤال الله اللحاق به على الإيمان وأن يجمع بينه وبين حبيبه ونبيه ﷺ في مستقر رحمته. وقد أخبر الرسول ﷺ بأنه سيوجد في هذه الأمة أناس يودون رؤيته بكل ما يملكون.
_________________
(١) سنن الدارمي. كتاب الاستئذان. باب في النهي عن أن يقول ما شاء الله وشاء فلان ٢ / ٢٩٥. . وابن ماجه. كتاب الكفارات. باب النهي عن أن يقال ما شاء الله وشئت ١ / ٦٨٤. والحديث صحيح بشواهده. انظر السلسلة الصحيحة ١ / ٥٤- ٥٦.
(٢) سورة البقرة، آية (١٥١-١٥٢) .
[ ٨٦ ]
فأخرج مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من أشد أمتي لي حبا، ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني، بأهله وماله» (١) .
ويدخل في هذا الشوق إلى لقائه ﷺ إذ كل حبيب يحب لقاء حبيبه وحينما قدم الأشعريون المدينة كانوا يرتجزون (غدا نلقى الأحبة، محمدا وصحبه) (٢) .
ولما احتضر بلال نادت امرأته، واويلاه. وهو يقول وافرحاه (غدا نلقى الأحبة. محمدا وحزبه) (٣) .
فمزج مرارة الموت بحلاوة الشوق إلى رسول الله ﷺ ومن تقدمه من الصحابة رضوان الله عليهم.
وكان خالد بن معدان الكلاعي (٤) وهو من أعلام التابعين - لا يأوى إلى فراشه مقيله إلا وهو يذكر فيه شوقه إلى رسول الله ﷺ وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار ثم يسميهم ويقول: (هم أصلي وفصلي، وإليهم يحن قلبي، طال شوقي إليهم فعجل ربي قبضي إليك) . حتى يغلبه النوم (٥) .
_________________
(١) صحيح مسلم. كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها. باب فيمن يود رؤية النبي ﷺ بأهله وماله ٤ / ٢١٧٨.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند، ٤ / ١٠٥، ١٥٥، ١٨٣. قال الشيخ الألباني (إسناده صحيح على شرط مسلم) . انظر. السلسلة الصحيحة ٢ / ٥٠- ٥١.
(٣) أورد هذه الحكاية ابن عساكر في ترجمة بلال بن رباح ﵁- انظر. تهذيب تاريخ دمشق. الشيخ عبد القادر بدران، ط ٢، دار المسيرة بيروت، ١٣٩٩، ٣ / ٣١٧.
(٤) هو أبو عبد الله خالد بن معدان بن أبي كريب الكلاعي الشامي الحمصي، تابعي ثقة من الطبقة الثالثة، أدرك سبعين صحابيا، وروي عن بعضهم وكان من خيار عباد الله، توفى سنة ثلاثة أو أربع بعد المائة. انظر. تهذيب تاريخ دمشق، ٥ / ٨٩- ٩١. وتهذيب التهذيب لابن حجر " ١١٨- ١٢٥.
(٥) روى ذلك الخبر القاضي عياض في الشفا، ٢ / ٢١. وابن عساكر، تهذب تاريخ دمشق، ٥ / ٩٠، عن عبدة بنت خالد بن معدان.
[ ٨٧ ]
وهكذا شأن المحب دائما أن يشتاق إلى لقاء حبيبه ويتمنى رؤيته بكل ما يستطيع ويملك.
فأين شوق المسلمين اليوم إلى نبيهم وحبيبهم ﷺ أين هو؟ لقد غاب عند أكثر العالمين إلا من رحم الله. نعم. لقد غاب. لأن الفكر والقلب قد شغل بالتنافس في حطام الدنيا حتى قل تذكر الرسول ﷺ فضلا عن الشوق إلى لقائه. فنسأل الله أن يوقظنا من رقدة الغافلين وأن يرزقنا الشوق إلى لقائه ولقاء حبيبه ﷺ في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.
رابعا: ومن مظاهر محبته ﷺ محبة قرابته وآل بيته وأزواجه وصحابته:
ويتمثل هذا في توقيرهم ومعرفة فضلهم وحفظ حرمتهم ومكانتهم وبغض من أبغضهم أو آذاهم.
وقد أوصى النبي ﷺ الأمة بآل بيته خيرا فقال:
«أذكركم الله في أهل بيتي» .
أخرج مسلم في صحيحه بسنده عن زبد بن أرقم ﵁ قال: «قام رسول الله ﷺ يوما فينا خطيبا. بماء يدعى " خما " بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر. ثم قال: أما بعد. ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب. وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله. واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال: (وأهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي) فقال له حصين (١) ومن أهل بيته؟ يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته. ولكن أهل بيته. من حرم الصدقه بعده. قال ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال كل هؤلاء حرم الصدقة بعده؟ قال: نعم» (٢) .
_________________
(١) حصين هو ابن سبرة راوي الحديث عن زيد بن أرقم.
(٢) صحيح مسلم. كتاب فضائل الصحابة. باب فضائل علي ﵁، ٤ / ١٨٧٣.
[ ٨٨ ]
وأخرج البخاري عن ابن عمر أن أبا بكر الصديق قال: (ارقبوا محمدا ﷺ في أهل بيته) (١) .
ومن مظاهر حبه ﷺ حب أصحابه ومعرفة فضلهم وقدرهم والثناء عليهم بما هم أهله، والانتصار لهم ممن يؤذيهم وبغير الخير يذكرهم، فهم خير هذه الأمة بعد نبيها، ويكفى أنهم فازوا بشرف صحبة النبي ﷺ، وأن الله قد خصهم بهذا الشرف دون غيرهم من العالمين فكانت لهم منزلة الصحبة التي لا تعادلها أي منزلة سواها في هذه الأمة. وقد أثنى الله عليهم في كتابه في مواضع كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] (٢) .
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] (٣) الآية.
وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ - وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ٨ - ١٠] (٤) .
_________________
(١) صحيح البخاري. كتاب فضائل الصحابة، ٥ / ٢٦.
(٢) سورة التوبة، آية (١٠٠) .
(٣) سورة الفتح، آية (١٨) .
(٤) سورة الحشر، آية (٨ -١٠) .
[ ٨٩ ]
فهذه الآيات وغيرها تتضمن الثناء على الصحابة وتذكرهم بالخير وسابق الفضل وعلو المنزلة.
كما تبين حال من أتى بعدهم من المؤمنين بأنهم يستغفرون لهم ويسألون الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم، وهذا هو شأن المؤمنين مع صحابة رسول ﷺ ومن أتى بعدهم من صالح المؤمنين.
وقد أثنى الرسول ﷺ على أصحابه خيرا فقال كما في الصحيحين عن عمران بن حصين وغيره: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» قال عمران: فلا أدري. أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثا) الحديث (١) .
وقال فيما أخرجه الشيخان بسنديهما عن أبي سعيد الخدري: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدا أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (٢) .
ولقد صدق عبد الله بن مسعود ﵁ في وصفهم حيث قال: (إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجلعهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئا فهو عند الله سيئ) (٣) .
فصار من لوازم محبة رسول الله ﷺ محبة صحابته وقرابته وأهل بيته ومعرفة فضلهم والثناء عليهم بما هم أهله والدفاع عنهم وصون حرمتهم.
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ باب فضائل أصحاب النبي ﷺ، ٥ / ٢ -٣. وصحيح مسلم. كتاب فضائل الصحابة. فضل الصحابة. ٤ / ١٩٦٤.
(٢) صحيح البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ باب فضائل قول النبي ﷺ، لو كنت متخذا خليلا ٥ / ١٠. وصحيح مسلم. كتاب فضائل الصحابة. باب تحريم سب الصحابة ﵃، ٤ / ١٩٦٧.
(٣) أخرجه أحمد في الحسد، ١١ / ٣٧٩. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، ٣ / ٧٨ - ٧٩.
[ ٩٠ ]
خامسا: ومن مظاهر محبة النبي ﷺ محبة سنته والداعين إليها: والمتمسكين بها وأهل العلم الذين لهم في هذه الأمة قدم صدق وهم السلف الصالح ومن أتى بعدهم على منهاجهم حتى يومنا هذا وتوليهم والدفاع عنهم ومعرفة قدرهم وحفظ حرمتهم والتأدب معهم والاعتذار لمن أخطأ منهم بأحسن المعاذير، وحمل أقوالهم وأحوالهم على أحسن المحامل والوجوه، لأن قصدهم إنما هو نصرة الدين، ولا يعني ذلك عدم تبيين الحق فيما اختلفوا فيه أو الصواب فيما أخطأوا فيه فذلك هو واجب العلماء إلى يوم القيامة.
وإنما المقصود هو إحسان الظن وإنصافهم والتأدب معهم، لأنهم حملة الشريعة، ولولا أن الله هيأهم لهذا الأمر لما كان لنا عن هذا الدين خبر، فهم سلفنا الصالح فلنكن لهم خير خلف، لا أن نفيد من تراثهم ونجحد فضلهم أو نتلمس معايبهم ومطاعنهم دون النظر إلى فضائلهم، فهذا هو سبب ذهاب بركة العلم. ولن نرزق بركة العلم والدين إذا لم نعترف لهم بسابق الفضل والمنزلة وتسلم صدورنا لهم ونترحم عليهم ونسأل الله لهم المغفرة، وهذا هو شأن المؤمن في كل زمان.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] (١) .
قال شارح العقيدة الطحاوية (٢) .
(فيجب على كل مسلم بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمن، كما نطق
_________________
(١) سورة الحشر، آية (١٠) .
(٢) هو علي بن أبي العز الحنفي، (٧٣١ - ٧٩٢) فقيه ولي منصب قاضي القضاة بدمشق بالديار المصرية. من تصانيفه: التنبيه على مشكلات الهداية. في الفقه الحنفي. وشرح العقيدة الطحاوية وغيرها. انظر الدرر الكامنة لابن حجر، ٣ / ١٥٩ - ١٦٠، والإعلام للزركلي، ٤ / ٣١٣.
[ ٩١ ]
به القرآن خصوصا (العلماء) الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم، يهتدي بهم في ظلمات البر والبحر.
وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، إذ كل أمة قبل مبعث محمد ﷺ علماؤها شرارها، إلا المسلمين، فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول في أمته، والمحيون لما مات من سنته، فبهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وكلهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول ﷺ ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له في تركه من عذر (١) فلهم الفضل علينا والمنة بالسبق، وتبليغ ما أرسل به الرسول ﷺ إلينا، وإيضاح ما كان منه يخفى علينا، فرضي الله عنهم وأرضاهم) (٢) .
وكما أن من لوازم المحبة لرسول الله ﷺ محبة سنته والداعين إليها فإن من لوزامها بغض من أبغض السنة وأهلها والدعاة إليها من علماء هذه الأمة وسلفها، كما هو صنيع أهل البدع قديما وحديثا من الطعن في السنة وأهلها والوقيعة فيهم وتشويه صورتهم وتاريخهم.
فيجب على المسلم معرفة هؤلاء المبتدعة وبغضهم في الله، كما ينبغي التنبه للمارقين والمنافقين والمنهزمين من حملة الأقلام المسمومة من الكتاب والأدباء والمؤرخين، الذين راحوا يشوهون التاريخ ويقلبون الحقائق ويطعنون في خيار هذه الأمة من الصحابة ومن بعدهم من علماء هذه الأمة ويختلقون الأكاذيب أو ينقلونها على هوى وعدم بصيرة فيجب على أهل الاختصاص من المسلمين الكشف عن مخططاتهم وتعريف الأمة بهم والرد عليهم وتبيين الحقائق.
﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] (٣) .
_________________
(١) بين الشيخ بعد ذلك الأعذار التي اعتذر بها أهل العلم للأئمة. وقد بسط شيح الإسلام ابن تيمية القول في بيانها في رسالته القيمة (ردع الملام عر الأئمة الأعلام) فلتراجع ضمن مجموع الفتاوى، ٢٠ / ٢٣١ وما بعدها.
(٢) شرح العقيدة الطحاوية، ط ٦، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٠ هـ، ص ٥٥٥.
(٣) سورة الأنفال، آية (٤٢) .
[ ٩٢ ]
تلك هي أهم مظاهر محبة الرسول ﷺ ولوازمها في صورتها العامة والتي يجب أن يتحلى بها المسلم في سلوكه وفعله وتظهر آثار ذلك عليه.
آثار المحبة على السلوك والأفعال: المقصود بهذه الآثار هو ما يظهر على سلوك المؤمن المحب لله ورسوله وفعله. لأن هذه الآثار هي التي تبين صدق هذه المحبة، وهي عنوان انتفاع المسلم بهذه المحبة، وإذا كان الحب يحرك إرادة القلب نحو تحصيل المحبوبات ودفع المكروهات، فإن محبة المؤمن لله ورسوله تحمله على تحصيل ما يحبه الله من أعمال القلوب والجوارح، واجتناب ما يبغضه الله ورسوله من الأقوال والأفعال فلا بد لكل محبة في القلب من آثار تظهر على الجوارح. وآثار محبة الرسول ﷺ منها ما هو ظاهر يقع عليه الحكم وينطق فيه الوصف، ومنها ما هو باطن بمنزلة الثمرة الإيمانية.
فأما الظاهرة منها: فهي أن يكون المسلم محبا لرسول الله ﷺ مؤثرا حبه على كل محبوب وغال، وأن يكون مكثرا لذكره وتذكره والصلاة عليه متشوقا لرؤيته، سائلا الله اللحاق به والاجتماع به في الجنة، والورود على حوضه والشرب منه.
ومنها: أن يكون معظما لرسول الله ﷺ تعظيما شرعيا يليق به، موقرا له، ومتأدبا معه وحافظا لحرمته، ومعظما لدينه وسنته، متجافيا عن البدع والغلو وضروب المعاصي.
ومنها: أن يكون متبعا لرسول الله ﷺ في منشطه ومكرهه، في سره وعلانيته، باذلا كل ما في وسعه للوقوف على هديه واتباع سنته، متحريا في كل أقواله وأفعاله موافقة سنته، وأن يكون حريصا على الاقتداء به في الواجبات والمستحبات، في الفرائض والنوافل، مكثرا من ذكر الله والدار الآخرة مجاهدا في سبيل الله بكل ما يستطيع.
ومنها: أن يكون متأدبا بآدابه متأسيا بأخلاقه ﷺ من سعة الصدر ولين
[ ٩٣ ]
الجانب وسماحة الخلق، وبذل الندى وكف الأذى، وبسط الوجه، وأن يكون صبورا حليما، قريبا من البر، بعيدا عن الإثم، ودودا لإخوانه، منصفا لهم، ينزل الناس منازلهم، ويعرف لأهل الفضل فضلهم. ويمتليء قلبه حبا لإخوانه المسلمين، غير عياب ولا متفحش ولا ملتمس للبرآء المعايب زاهدا في حطام الدنيا وزخارفها، راغبا فيما عند الله من الأجر والمثوبة.
تلك هي بعض أخلاق النبي ﷺ، والتي يجب على من أحبه أن يتأسى به فيها، لا أن يدعي حبه، وخلقه وسمته مباين لخلق الصالحين والأبرار. وإن حسن الخلق هو عنوان استفادة المسلم من هذا الدين وهديه، وهو الركيزة الأساسية في النجاة من النار وسلوك مسلك الأبرار بعد تقوى الله ﷿.
ومنها: أن يكون محبا لأصحابه وقرابته وآل بيته والصالحين والعلماء وكل ما يحبه الله ورسوله، وأن يبغض كل من أبغض الله ورسوله أو الصحابة أو آل بيت النبي ﷺ، أو أبغض دينه وكره ظهوره من الكفرة والمنافقين.
ثمرات المحبة: أما الآثار الباطنة فمن أعظمها أن يجد المؤمن في قلبه حلاوة الإيمان كما في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم بسنديها عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود قي الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (١) .
فهذا الحديث يبين أثر محبة الله ورسوله في قلب المؤمن وهو أن يجد حلاوة الإيمان في قلبه إذا اتصف بهذه الصفات الثلاث.
يقول ابن تيميه:
(أخبر النبي ﷺ أن هذه الثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، لأن
_________________
(١) سبق تخريجه ص ٥٤.
[ ٩٤ ]
وجد الحلاوة بالشيء يتبع المحبة له، فمن أحب شيئا أو اشتهاه إذا حصل له مراده فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك. . . فحلاوة الإيمان المتضمنة من اللذة به والفرح بما يجده المؤمن الواجد من حلاوة الإيمان تتبع كمال محبة العبد لله، وذلك بثلاثة أمور. تكميل هذه المحبة، وتفريعها، ودفع ضدها.
(" تكميلها " أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فإن محبة الله ورسوله لا يكتفي فيها بأصل الحب، بل لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إليه سواهما كما تقدم.
" وتفريعها " أن يحب المرء لا يحبه إلا لله.
" ودفع ضدها " أن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهته الإلقاء في النار) (١) وكلما ازداد المؤمن محبة لله ورسوله كلما ازداد ذوقه لحلاوة الإيمان فإن للإيمان من الحلاوة في القلب واللذة والبهجة والسرور ما لا يمكن التعبير عنه إلا لمن ذاقه، والناس متفاوتون في ذوق الإيمان واللذة به تفاوتا عظيما لا يعلمه إلا الله.
والمقصود أن أهل الإيمان يجدون بسبب محبتهم لله ورسوله من حلاوة الإيمان ما يناسب هذه المحبة (٢) .
وأما عاقبة هذه المحبة فهي أن يكون المرء مع من أحب كما أخبر بذلك نبينا ﷺ فمن أحب رسول الله ﷺ كان معه في الجنة بإذن الله، ولو لم يكن لمحبة النبي ﷺ ثواب سوى مرافقته في الجنة والتنعم برؤيته لكفى.
أخرج البخاري بسنده عن أنس ﵁: «أن رجلا سأل النبي ﷺ متى الساعة يا رسول الله؟ قال: وماذا أعددت لها؟ قال ما أعددت لها
_________________
(١) مجموع الفتاوى، ١٠ / ٢٠٥- ٢٠٦.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى، ١٠ / ٦٤٨ - ٦٥٠.
[ ٩٥ ]
من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكنى أحب الله ورسوله، قال أنت مع من أحببت» (١) .
وفي رواية: «قال: وماذا أعددت لها كما قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله ﷺ فقال: أنت مع من أحببت» . قال أنس فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي ﷺ: أنت مع من أحببت. قال أنس: فأنا أحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم) (٢) .
وأخرج البخاري بسنده عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله كيف تقول في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله ﷺ: المرء مع من أحب» (٣) .
فهذه الأحاديث تبين أن المرء مع من أحب طالما كان هذا الحب سببه محبة الأعمال الصالحة وأهلها. فالمحبة الصحيحة تقتضي مشاركتهم في أصل عملهم وهو فعل الواجبات وترك المنكرات، وإن لم يبلغ درجتهم في التقرب إلى الله ﷿، وعلى ذلك دل قول السائل: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة ويقصد بذلك ما زاد على الواجبات من النوافل التي تقبل الكثرة والزيادة، أو أن حظه منها قليل جدا بالمقارنة مع فعل النبي ﷺ وأكابر أصحابه ورضي الله عنهم (٤) .
ويؤكد هذا قول أنس ﵁: فأنا أحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم.
_________________
(١) صحيح البخاري. كتاب الأدب، باب علامة حب الله ﷿، ٨ / ٤٩.
(٢) صحيح البخاري. كتاب فضائل الصحابة. باب مناقب عمر بن الخطاب ٥ / ١٤- ١٥. وأخرجه مسلم في البر والصلة. باب المرء مع من أحب، ٤ / ٢٠٣٢.
(٣) صحيح البخاري. كتاب الأدب، باب علامة حب الله ﷿، ٨ / ٤٨- ٤٩. ومسلم. كتاب البر والصلة. باب المرء مع من أحب، ٤ / ٢٠٣٢.
(٤) ويدل على هذأ إحدى روايات مسلم وفيها: ما أعددت لها من كثير أحمد عليه نفسي) . صحيح مسلم ٤ / ٢٠٣٢.
[ ٩٦ ]
قال ابن حجر:
(. . ودل الخبر على أن اتباع الرسول ﷺ وإن كان الأصل أنه لا يحصل إلا بامتثال جميع ما أمر به، أنه يحصل من طريق التفضل باعتقاد ذلك وإن لم يحصل استيفاء العمل بمقتضاه بل محبة من يعمل ذلك كافية في حصول أصل النجاة والكون مع العاملين بذلك، لأن محبتهم إنما هي لأجل طاعتهم، والمحبة من أعمال القلوب، فأثاب الله محبهم على معتقده، إذ النية هي الأصل والعمل تابع لها، وليس من لازم المحبة الاستواء في الدرجات) (١) .
نخلص من هذا إلى أن من أحب رسول الله ﷺ حبا صحيحا يصدقه الاتباع كان معه في الجنة بإذن الله فضلا وتكرما منه سبحانه، أما مجرد ادعاء الحب بدون تحقيق الاتباع لرسول الله ﷺ فلن يصل صاحبه إلى هذه المعية ما لم يحقق الاتباع.
قال الحسن البصري رحمه الله تعالى:
(ابن آدم لا تغتر بقول من يقول: المرء مع من أحب، أنه من أحب قوما اتبع آثارهم، ولن تلحق بالأبرار حتى تتبع آثارهم، وتأخذ بهديهم، وتقتدي بسنتهم وتصبح وتمسي وأنت على منهجهم، حريصا على أن تكون منهم، فتسلك سبيلهم، وتأخذ طريقهم وإن كنت مقصرا في العمل، فإنما ملاك الأمر أن تكون على استقامة، أما رأيت اليهود، والنصارى، وأهل الأهواء المردية يحبون أنبياءهم وليسوا معهم، لأنهم خالفوهم في القول والعمل، وسلكوا غير طريقهم فصار موردهم النار، نعوذ بالله من ذلك) (٢) .
_________________
(١) فتح الباري، ١٠ / ٥٥٨.
(٢) استنشاق نسيم الأنس، لابن رجب، ص٨٧.
[ ٩٧ ]
[الفصل الثاني الاتباع]
[المبحث الأول مفهوم الاتباع]
الفصل الثاني
الاتباع وفيه ثلاثة مباحث المبحث الأول - مفهوم الاتباع.
المبحث الثاني - وجوب طاعة الرسول ﷺ.
المبحث الثالث - مظاهر الاتباع.
[ ٩٩ ]
المبحث الأول
مفهوم الاتباع الاتباع في اللغة: مصدر اتبع الشيء وتبعه إذا سار في أثره.
جاء في معجم مقاييس اللغة:
(" تبع " التاء والباء والعين أصل واحد لا يشذ عنه من الباب شيء، وهو التلو والقفو. يقال تبعت فلانا إذا تلوته واتبعته. وأتبعته إذا لحقته والأصل واحد غير أنهم فرقوا بين القفو واللحوق فغيروا البناء أدنى تغيير، قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥] (١) ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٩] (٢) فهذا معناه على هذه القراءة اللحوق ومن أهل العربية من يجعل المعنى فيهما واحدا) . .
والتبع. . . . هو الظل، وهو تابع أبدا للشخص. . . والتبيع ولد البقرة إذا تبع أمه. . والتبع قوائم الدابة وسميت بذلك لأنه يتبع بعضها بعضا. والتبع النصير، لأنه يتبعه نصره. والتبيع الذي لك عليه مال، فأنت تتبعه.
وفي الحديث: «مطل الغنى ظلم، وإذا اتبع أحدكم على ملئ فليتبع» (٣) يقول: إذا أحيل عليه فليحتل " (٤) .
جاء في لسان العرب:
(. . . وتبعت الشيء وأتبعته ردفته وأردفته ومنه قوله تعالى:
_________________
(١) سورة الكهف، آية (٨٥) .
(٢) سورة الكهف، آية (٨٩) .
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الحوالات، باب في الحوالة، ٣ / ١٢٣.
(٤) معجم مقاييس اللغة، أبو الحسين أحمد بن فارس تحقيق هارون ط٢، مطبعة مصطفى الحلبي، القاهرة، ١٣٦٩هـ ١ / ٣٦٢ - ٣٦٣.
[ ١٠١ ]
﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] (١) قال أبو عبيد. أتبعت القوم مثل أفعلت إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم، قال. . واتبعتهم مثل: افتعلت إذا مروا بك فمضيت. . . . واتبع فلان فلانا إذا اتبعه يريد به شرا. كما اتبع الشيطان الذي انسلخ من آيات الله فكان من الغاوين، وكما أتبع فرعون موسى. . . .
. . . . وتبع القرآن: ائتم به وعمل بما فيه.
. . . . وتابع بين الأمور متابعة: واتر ووالي.
. . . . والتبعة والتباعة: ما فيه إثم يتبع به. وتابع عمله وكلامه: أتقنه وأحكمه) (٢) وعلى ذلك فالكلمة تدور حول معاني اللحاق والاقتفاء والاقتداء. ومما يقترب من هذا المعنى التأسي والأسوة. يقال تأسى به إذا اتبع فعله واقتدى به، وائتس به أي اقتد به وكن مثله (٣) قال الراغب في المفردات:
(الأسوة والأسوة كالقدوة والقدوة. وهي الحالة التي يكون الإنسان فيها في اتباع غيره إن حسنا أو قبيحا، وإن سارا وإن ضارا ولهذا قال تعال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] (٤) فوصفها بالحسنة) (٥) فاتباع الرسول ﷺ هو الاقتداء به واقتفاء آثاره والتأسي به. وقد بحث الأصوليون في باب أفعاله ﷺ عن هذه المعاني وذلك لأننا متعبدون باتباع الرسول ﷺ والتأسي به في أفعاله. لأجل هذا نراهم يتحدثون عن معاني الاتباع والمتابعة والتأسي والموافقة والمخالفة.
_________________
(١) سورة الصافات، آية (١٠) .
(٢) لسان العرب، (تبع) .، ٨ / ٢٧ - ٣٢.
(٣) انظر: لسان العرب مادة (أسا)، ٤ / ٣٤ - ٣٦.
(٤) سورة الأحزاب، آية (٢١) .
(٥) المفردات، ص١٨.
[ ١٠٢ ]
وسأتعرض لبيان هذه المعاني حتى يتضح لنا مفهوم الاتباع والمقصود به.
قال أبو الحسين البصري: (١) .
(أما التأسي بالنبي ﷺ فقد يكون في فعله وفي تركه أما التأسي به في الفعل، فهو أن نفعل صورة ما فعل على الوجه الذي فعل لأجل أنه فعل. والتأسي كما في الترك. هو أن نترك مثل ما ترك على الوجه الذي ترك، لأجل أنه ترك. وإنما شرطنا أن تكون صورة الفعل واحدة، لأنه ﷺ لو صام وصلينا لم نكن متأسين به، وأما الوجه الذي وقع عليه الفعل، فهو الأغراض والنيات. فكل ما عرفناه أنه غرض في الفعل اعتبرناه، ويدخل في ذلك نية الوجوب والنفل، ألا ترى أنه لو صام واجبا فتطوعنا بالصوم لم نكن متأسين به، وكذلك لو تطوع بالصوم فافترضنا به.
وإنما شرطنا أن نفعل الفعل (لأجل أنه فعله) (٢) لأنه ﷺ لو صلى، فصلى مثل صلاته رجلان من أمته لأجل أنه صلى، لوصف كل واحد منهما بأنه متأس به ﷺ ولا يوصف كل واحد منهما بأنه متأس بالآخر، وإنما قلنا إن التأسي يكون في الترك، لأن النبي ﷺ لو ترك الصلاة عند طلوع الشمس فتركناها في هذا الوقت لأجل تركه كنا متأسين به.
. . . . فأما اتباع النبي ﷺ، فقد يكون في القول، وقد يكون في الفعل، وقد يكون في الترك، فالاتباع في القول هو المصير إلى مقتضاه من وجوب، أو ندب، أو حظر لأجله، والاتباع في الفعل أو في الترك هو إيقاع مثله في صورته على وجهه، لأجل أنه أوقعه.
_________________
(١) أبو الحسين محمد بن علي الطيب البصري (. . . - ٤٣٦ هـ) . . أصولي متكلم. كان من أئمة المعتزلة. له تصانيف عديدة منها: غرر الأدلة. شرح الأصول الخمسة. كتاب في الإمامة والمعتمد في أصول الفقه. انظر: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٣ / ١٠٠، الفتح المبين في طبقات الأصوليين. الشيخ عبد الله مصطفى المراغي، ط ٢، طبعة محمد أمين دمج، بيروت، ١ / ٢٣٧.
(٢) ما بين القوسين ليس في الأصل المحقق ولكن في نسخة أخرى أثبتها المحقق في الحاشية فرأيت إثباتها في الأصل تحقيقا للفائدة.
[ ١٠٣ ]
. . . وإنما شرطنا في الاتباع ما شرطنا في التأسي، لأنه ﷺ، لو صام فصلينا، أو صام واجبا فتنفلنا بالصوم، أو صمنا لا لأنه صام، لم نكن متبعين له في هذه الأحوال كلها) (١) .
وعلى هذا يكون الاتباع في الفعل هو التأسي بعينه، أما الاتباع في القول فهو امتثاله على الوجه الذي اقتضاه ذلك القول من وجوب أو ندب أو غير ذلك.
وأما الموافقة- فهي كما يرى الآمدي (٢) (مشاركة أحد الشخصين للآخر في صورة قول أو فعل أو ترك أو اعتقاد أو غير ذلك. وسواء كان ذلك من أجل ذلك الآخر، أو لا من أجله) (٣) .
ومعنى هذا أنه لا يشترط في الموافقة أن يكون فعل أحد الشخصين من أجل فعل الآخر، لأن الموافقة المقصودة هنا هي ما كانت بمعنى المصادفة والمشاركة. أما الموافقة المقصودة شرعا فهي الاتباع بعينه. وأما المخالفة فقد تكون في القول وقد تكون في الفعل أو الترك، فالمخالفة في القول: ترك امتثال ما اقتضاه القول من أمر أو نهي، والمخالفة في الفعل: هي العدول عن إيقاع الفعل مع كونه واجبا، فأما إذا كان الفعل واجبا فلا يسمى تاركه مخالفا. والمخالفة في الترك هي أن نفعل فعلا على وجه العبادة مما تركه الرسول ﷺ لعدم مشروعيته (٤) .
وبعد بيان هذه المصطلحات نريد أن نعرف مدى علاقة الزمان والمكان بالتأسي والمتابعة.
_________________
(١) المعتمد: أبو الحسن البصري، تحقيق محمد حميد وآخرون، نشر المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية. دمشق، ١٣٨٤هـ، ١ / ٣٧٢ - ٣٧٤.
(٢) هو أبو الحسن سيف الدين علي بن محمد سالم التغلبي الآمدي (٥٥١- ٦٣١هـ) . أصولي متكلم من تصانيفه. الإحكام في أصول الأحكام. ومختصره منتهى السول وأبكار الأفكار في علم الكلام. انظر: طبقات الشافعية للسبكي، ٥ / ١٢٩. ولسان الميزان لابن حجر، ٣ / ١٣٤.
(٣) الإحكام في أصول الأحكام. أبو الحسن الآمدي، تحقيق الشيخ عبد الرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٢هـ ١ / ١٧٢.
(٤) انظر المعتمد، ١ / ٣٧٥.
[ ١٠٤ ]
يقول الآمدي:
(. . . فلو وقع فعله في مكان وزمان مخصوص فلا مدخل له في المتابعة والتأسي وسواء تكرر أو لم يتكرر، إلا أن يدل الدليل على اختصاص العبادة به كاختصاص الحج بعرفات، واختصاص الصلوات بأوقاتها، وصوم رمضان (١) .
وتأتي أهمية هذا الأمر لأن ارتباط الزمان أو المكان له أهمية في تحديد صحة الفعل من خطئه، وكون الفعل الواقع في الزمان أو المكان سنة أو بدعة وكون فاعله متبعا أو مبتدعا.
فإذا علمنا تخصيص الشارع أزمنة معينة أو أمكنة بنوع من العبادة وقصدنا نحن تخصيص هذه الأزمنة والأمكنة بهذا النوع من العبادة كنا متبعين. أما إذا قصدنا زمانا أو مكانا بنوع من العبادة لم يخصصه به الشارع فسنكون حينئذ مبتدعين " يقول ابن تيميه موضحا أهمية هذا الأمر:
(وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا فعل فعلا على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان خصصناه بذلك. كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة، وأن يستلم الحجر الأسود، وأن يصلي خلف المقام، وكان يتحرى الصلاة خلف أسطوانة مسجد المدينة، وقصد الصعود على الصفا والمروة، والدعاء والذكر هناك، وكذلك عرفة ومزدلفة وغيرهما.
وأما ما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده- مثل أن ينزل بمكان ويصلى فيه لكونه نزله لا قصدا لتخصيصه بالصلاة والنزول فيه- فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه أو النزول لم نكن متبعين، بل هذا هو من البدع التي كان
_________________
(١) الأحكام، ١ / ١٧٢.
[ ١٠٥ ]
ينهى عنها عمر بن الخطاب كما ثبت بالإسناد الصحيح من حديث شعبة عن سليمان التيمي عن المعرور بن سويد، قال: كان عمر بن الخطاب في سفر فصلى الغداة ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه فيقولون صلى فيه النبي ﷺ فقال عمر:
" إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعا. فمن عرضت له الصلاة فليصل وإلا فليمض " (١) .
فلما كان النبي ﷺ لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه بل صلى فيه لأنه موضع نزوله رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي ﷺ في الصورة ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب. وهذا هو الأصل، فإن المتابعة في السنة (٢) أبلغ من المتابعة في صورة الفعل) (٣) .
وعلى ذلك يتبين لنا أن اتباع الرسول ﷺ هو الاقتداء به في أقواله وأفعاله على الوجه الذي جاء به من وجوب أو ندب مع توفر القصد والنية في متابعته والتأسي به. ولما كنا في باب الاتباع متعبدين بأفعال النبي ﷺ لأنها مناط الاتباع وكانت أفعاله ﷺ متفاوتة الرتبة وليست على درجة واحدة من الوجوب أو الندب أو الإباحة. فهي تشمل كل هذا، كما أن من أفعاله ما كان عاديا ومنها ما قصد به التشريع إلى غير ذلك مما فصلته كتب الأصول.
لما كان الأمر كذلك أجبت أن أشير إشارة سريعة إلى أفعاله
_________________
(١) هذا الأثر عزاه ابن تيمية إلى سنن سعيد بن منصور في اقتفاء الصراط المستقيم، ٢ / ٧٤٤، وقد صححه هاهنا في القاعدة الجليلة.
(٢) لعل الصواب: النية.
(٣) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط١، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ١٣٩٩ هـ. ص ١٠٥- ١٠٦.
[ ١٠٦ ]
أفعال النبي ﷺ: (١) .
٨ - تنقسم أفعال النبي ﷺ عند الأصوليين إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
أولا: الأفعال الجبلية (العادية) كالقيام والقعود والأكل والشرب وغيرها فهذه الأفعال محمولة على الإباحة بالنسبة إليه ﷺ وإلى أمته، ولا يجب علينا التأسي والاقتداء به في هذا النوع من الأفعال، وهذا هو مذهب الجمهور (٢) .
إلا إن ورد في السنة ما يرشد إلى بعض الهيئات بالنسبة لهذه الأفعال الجبلية فينتقل حكمها من الإباحة إلى الوجوب أو الندب على ما هو مقرر عند الفقهاء. مثال ذلك: الأكل باليمين، والشرب قاعدا، والنوم على الجانب الأيمن.
وقال قوم: إن التأسي بالنبي ﷺ في هذا النوع مندوب. وقد كان عبد الله بن عمر ﵁ يتتبع مثل هذا النوع من الأفعال ويحرص على متابعة الرسول ﷺ في كل ما صدر عنه من مثل ذلك وإن كان قد فعله الرسول ﷺ اتفاقا ولم يقصده.
وجمهور الصحابة كانوا على خلاف ذلك، كما قرره شيخ الإسلام ابن تيميه مبينا أن الأصل في المتابعة هو أن نفعل ما فعله الرسول ﷺ قاصدين لفعله على الوجه الذي فعله من إباحة أو وجوب أو ندب، ما لم يكن داخلا في باب الخصائص انظر (٣)
_________________
(١) انظر في بيان ذلك: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي، ١ / ١٧٣، وما بعدها. والعدة في أصول الفقه، للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء الحنبلي، تحقيق د. أحمد بن علي المباركي، ط ١، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٠هـ، ٣ / ٧٣٤ وما بعدها. وإرشاد الفحول، لمحمد بن المباركي، ط ١، مطبعة مصطفى الحلبي، مصر، ١٣٥٦ هـ، ص ٣٥ وما بعدها. وأفعال الرسول ﷺ ودلالتها على الأحكام، د. محمد العروسي عبد القادر، دار المجتمع، جدة، ١٤٠٤هـ.
(٢) انظر: إرشاد الفحول، ص٣٥.
(٣) القاعدة الجليلة، ص ١٠٥- ١٠٦.
[ ١٠٧ ]
ثانيا: الأفعال التي علم أنها من خصائصه ﷺ:
لقد ذكر الأصوليون في باب خصائصه ﷺ أمورا من المباحات والواجبات والمحرمات. بعضها متفق عليه والبعض الآخر متنازع فيه. فمن المباحات في حقه ﷺ الزيادة على أربع نسوة، والنكاح بلا مهر كنكاح الموهوبة، ومن الواجبات وجوب التهجد وقيام الليل، ومن المحرمات الأكل من الصدقة، وأكل ذي الرائحة الكريهة كالثوم والبصل. فهذه الخصائص خاصة بالنبي ﷺ لا يشاركه فيها غيره ولا يقتدى به فيها.
قال الشوكاني (١) .
(والحق أنه لا يقتدى به ﷺ فيما صرح لنا بأنه خاص به كائنا ما كان إلا بشرع يخصنا (٢) .
، فإذا قال مثلا: هذا واجب علي مندوب لكم. كان فعلنا لذلك الفعل لكونه أرشدنا إلى كونه مندوبا لنا لا لكونه واجبا عليه، وإن قال: هذا مباح لي أو حلال ولم يزد على ذلك، لم يكن لنا أن نقول هو مباح لنا أو حلال لنا. . . وأما لو قال: هذا حرام علي وحدي ولم يقل حلال لكم فلا بأس بالتنزه عن فعل ذلك الشيء، أما لو قال: حرام علي حلال لكم فلا يشرع التنزه عن فعل ذلك الشيء. فليس في ترك الحلال ورع) (٣) . ثالثا: الأفعال المجردة عما سبق وإنما المقصود بها التشريع، فهذه نطالب بالتأسي فيها، إلا أن صفتها الشرعية تختلف بحسب الوجوب أو الندب أو الإباحة- وتتنوع هذه الأفعال إلى عدة أنواع بحسب القرائن:
_________________
(١) هو محمد بن علي بن محمد الشوكاني (١١٧٣- ١٢٥٥ هـ) . مفسر. محدث أصولي فقيه، مجتهد، كان من كبار علماء اليمن في عصره، انظر: الأعلام، ٦ / ٢٩٨، ومعجم المؤلفين، ١١ / ٥٣- ٥٤.
(٢) يقصد الشوكاني من وراء كلامه هذا الرد على من ذهب إلى أن التأسي بالنبي ﷺ في خصائصه مستحب في الواجبات والمحرمات دون المباحات.
(٣) إرشاد الفحول، ٣٥ - ٣٦.
[ ١٠٨ ]
(أ) فإما أن تكون بيانا لمجمل ورد في القرآن أو تقييدا لمطلق أو تخصيصا لعام أو امتثالا لأمر فحكم هذه الأفعال هو حكم ما بينته من وجوب أو ندب وإباحة، ويعرف ذلك إما بصريح القول، مثل قوله ﷺ في الصلاة: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١) وقوله في الحج: «خذوا عني مناسككم» (٢) . وإما بقرائن الأحوال، كقيامه ﷺ بفعل صالح للبيان عند الحاجة إلى ذلك، كقطعه يد السارق من الرسغ، فإنه بيان لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] (٣) ففي هذه الأحوال يكون البيان تابعا للمبين في الحكم من حيث الوجوب أو الندب أو الإباحة.
(ب) فإن لم يكن الفعل بيانا لأمر بل ورد ابتداء منه ﷺ فإما أن تعرف صفته الشرعية أو لا. فإن عرفت صفته من وجوب أو ندب أو إباحة فإن أمته في ذلك مثله وهذا هو الرأي الحق كما قال الشوكاني (٤) . ودليل ذلك القرآن وفعل الصحابة رضوان الله عليهم. أما القرآن فمثل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (٥) . وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] (٦) . وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] (٧) وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] (٨) وأما الصحابة فقد كانوا يرجعون إلى فعله ﷺ احتجاجا واقتداء به في مواضع كثيرة، كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ في تقبيل الحجر الأسود،
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأذان. باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة ١ / ١٦٢- ١٦٣.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحج. باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا ٢ / ٤٩٣، والنسائي. كتاب المناسك. باب الركوب إلى الجمار واستظلال المحرم ٥ / ٢٦٩- ٢٧٠.
(٣) سورة المائدة، آية (٣٨) .
(٤) انظر: إرشاد الفحول، ص٢٦.
(٥) سورة الحشر، آية (٧) .
(٦) سورة آل عمران، آية (٣١) .
(٧) سورة النور، آية (٦٣) .
(٨) سورة الأحزاب، آية (٢١) .
[ ١٠٩ ]
وقال: «لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك» (١) . فإن جهلت صفة الفعل الشرعية فإما أن يظهر قصد القربة أولا فإن ظهر فيه قصد القربة بأن كان مما يتقرب به إلى الله ﷿ كصلاة ركعتين من غير مواظبة عليهما، فيدل على الندب لأنه أقل ما يفيده جانب الرجحان وقال قوم بأنه واجب (٢) . وإن لم يظهر فيه قصد القربة بل كان مجردا مطلقا فإنه يدل على الندب، لأن الفعل وإن لم يظهر فيه قصد القربة فلا بد أن يكون لقربة. وأقل ما يتقرب به المندوب، وقال قوم بأنه يدل على الإباحة، وقال آخرون بالتوقف حتى يقو دليل على الوجوب أو الندب (٣) .
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب ما ذكر في الحجر الأسود، ٢ / ١٨٣. ومسلم. كتاب الحج، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف، ٢ / ٢٩٥.
(٢) انظر: إرشاد الفحول، ص ٣٨.
(٣) انظر: المصدر نفسه، ص ٣٨.
[ ١١٠ ]
[المبحث الثاني وجوب طاعة الرسول ﷺ واتباعه]
المبحث الثاني
وجوب طاعة الرسول ﷺ واتباعه لقد اصطفى الله محمدا ﷺ بنبوته ورسالته وأنزل عليه الكتاب والحكمة، وأمره باتباع ما أوحي إليه وتبليغ ما أنزل إليه، فقام صلوات الله وسلامه عليه بتبليغ الرسالة، وأداء الأمانة.
وقد شهد الله له بالصدق والعصمة واستمساكه بما أمره به كما شهد له بالهدى في نفسه، وأنه هاد لمن اتبعه، فقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ - صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] (١) وهذه منزلة رسول الله ﷺ من الدين فهو المبلغ عن الله دينه ووحيه وهو الآمر بإذن مولاه والهادي إلى الصراط المستقيم. فمن آمن به فبالله آمن، ومن أطاعه فقد أطاع الله، ومن قبل عنه فعن الله قبل.
لأجل هذا أمر الله العباد بطاعته وأوجب عليهم اتباع أمره وتصديق خبره، وحذرهم من مخالفته وعصيانه، وجعل طاعته فرضا لازما لكل من آمن بالله، ولم يجعل لمؤمن اختيارا في أي أمر بعد قضاء الله ورسوله فيه. وقد استفاضت آيات الكتاب العزيز في بيان أهمية هذا الأمر والتأكيد على وجوبه وفرضيته، منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠] (٢)
_________________
(١) سورة الشورى، آيات (٥٢-٥٣) .
(٢) سورة الأنفال، آية (٢٠) .
[ ١١١ ]
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] (١) وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] (٢) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] (٣) فبين الله بعد الأمر بطاعة رسوله أن طاعته سبب للهدى والرحمة، كما بين سبحانه أنه لا سعادة للعباد ولا نجاة لهم في المعاد إلا باتباع الرسول ﷺ وطاعته، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] (٤) وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣] (٥) وقد أوجب الله على المؤمنين رد قضاياهم وما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله وجعل سبحانه ذلك من مقتضيات الإيمان ولوازمه، وأخبرهم أن ذلك خير لهم في العاقبة والمال، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (٦) قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: (. . . ولهذا قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٥٩] أي اتبعوا كتابه، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] أي خذوا بسنته، ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] أي فيما أمروا به من طاعة الله لا في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله.
_________________
(١) سورة محمد، آية (٣٣) .
(٢) سورة آل عمران، آية (١٣٢) .
(٣) سورة النور، آية (٥٤) .
(٤) سورة الأحزاب، آية (٧١) .
(٥) سورة النساء، آية (١٣) .
(٦) سورة النساء، آية (٥٩) .
[ ١١٢ ]
. . . وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله. وهذا أمر من الله ﷿ بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] (١) فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق. وماذا بعد الحق إلا الضلال. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر. وقوله ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [النساء: ٥٩] أي التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله والرجوع إليهما في فصل النزاع خير ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] أي وأحسن عاقبة ومآلا (٢) وكما أوجب الله على المؤمنين الرد إلى كتابه وسنة رسوله فقد أوجب عليهم تحكيم نبيه ﷺ والتحاكم إليه والتسليم لحكمه وجعل ذلك من مستلزمات الإيمان فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] (٣) قال ابن القيم:
(. . . أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الدقيق والجليل، ولم يكتف في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق عن قضائه وحكمه ولم يكتف منهم أيضا بذلك حتى يسلموا تسليما، وينقادوا انقيادا، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] (٤)
_________________
(١) سورة الشورى، آية (١٠) .
(٢) تفسير ابن كثير، ١ / ٥١٨.
(٣) سورة النساء، آية (٦٥) .
(٤) سورة الأحزاب، آية (٣٦) .
[ ١١٣ ]
فأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمن أن يختار بعد قضائه وقضاء رسوله، ومن تخير بعد ذلك فقد ضل ضلالا مبينا) (١) .
وقد أمرنا الله بأن نتبع رسوله ﷺ ونمتثل أمره ونهيه في كل ما جاءنا به، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (٢) قال ابن كثير:
(أي: " مهما أمركم به فافعلوه ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه فإنه إنما يأمر بخير، وإنما ينهي عن شر ") (٣) وهذا الأمر من الله عام شامل لكل ما جاءنا به الرسول ﷺ سواء أكان منصوبا بعينه في القرآن أو لا؟ ذلك لأن النصوص الواردة في هذا الشأن كلها توجب اتباع الرسول ﷺ وإن لم نجد ما قاله منصوصا بعينه في القرآن، ولأن الله لم يفرق بين طاعته سبحانه وبين طاعة نبيه ﷺ، بل جعل طاعة نبيه طاعة له سبحانه فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] (٤) وغالب الآيات قرنت بين طاعته سبحانه وطاعة نبيه، ولأن ما سنه الرسول ﷺ مما ليس فيه نص كتاب فإنما سنه بأمر الله ووحيه.
قال الإمام الشافعي:
(وما سن رسول الله فيما ليس لله فيه حكم- فبحكم الله سنه، وكذلك أخبرنا الله في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ - صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] (٥)
_________________
(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت، ١ / ٥١.
(٢) سورة الحشر، آية (٧) .
(٣) تفسير ابن كثير، ٤ / ٣٣٦.
(٤) سورة النساء، آية (٨٠) .
(٥) سورة الشورى، آية (٥٢-٥٣) .
[ ١١٤ ]
وقد سن رسول الله مع كتاب الله، وسن فيما ليس فيه بعينه نص كتاب. وكل ما سن فقد ألزمنا الله اتباعه، وجعل في اتباعه طاعته، وفي العنود (١) عن اتباعها معصيته التي لم يعذر بها خلقا، ولم يجعل له من اتباع سنن رسول الله مخرجا) (٢) .
وقد جاءت الأحاديث الكثرة عن النبي ﷺ في الدلالة على وجوب طاعته واتباع سنته منها ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما، فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم، فنجوا، وكذبت طائفة منم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق» (٣) قال الطيبي (٤) .
: فيما نقله عنه الحافظ بن حجر:
(شبه ﷺ نفسه بالرجل، وإنذاره بالعذاب القريب بإنذار الرجل قومه بالجيش المصبح، وشبه من أطاعه من أمته ومن عصاه، بمن كذب الرجل في إنذاره ومن صدقه) (٥) .
_________________
(١) العنود: العتو والطغيان، أو الميل والانحراف. انظر لسان العرب ٣ / ٣٠٧ وما بعدها.
(٢) الرسالة. للإمام محمد بن إدريس الشافعي. تحقيق أحمد محمد شاكر، ط ١، مطبعة مصطفى الحلبي، مصر، ١٣٥٨ هـ، ص ٨٨- ٨٩.
(٣) البخاري، كتاب الاعتصام، باب الاقتداء سنن رسول الله ﷺ ٩ / ١١٥، ومسلم، كتاب الفضائل، باب شفقته ﷺ على أمته ١٤ / ٧٨٨- ١٧٨٩.
(٤) هو الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي (. . . - ٧٤٣ هـ)، مفسر محدث، كان شديد الرد على الفلاسفة والمبتدعة. من تصانيفه شرح المشكاة وشرح الكشاف للزمخرشي، شرحه شرحا حسنا، ورد عليه فيما خالف فيه مذهب أهل السنة والجماعة. انظر: الدرر الكامنة لابن حجر، ٢ / ١٥٦ -١٥٧.
(٥) فتح الباري، ١١ / ٣١٧.
[ ١١٥ ]
وأخرج البخاري أيضا بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» (١) والمراد بالإباء هنا هو الامتناع عن التزام سنة رسول الله ﷺ وعصيان أمره.
والموصوف بالإباء إن كان كافرا فلا يدخل الجنة أبدا وإن كان مسلما منع من دخولها مع أول داخل إلا من شاء الله تعالى (٢) وأخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» (٣) .
فهذا الحديث يؤكد أن طاعة الرسول ﷺ طاعة لله كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] (٤) وفي الحديث وجوب طاعة ولاة الأمر - وهم العلماء والأمراء - ما لم يأمروا بمعصية فإن أمروا بمعصية فلا سمع ولا طاعة.
وأخرج الترمذي وأبو داود وأحمد - واللفظ له - عن العرباض بن سارية قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا، فقال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الاعتصام باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ ٩ / ١١٤.
(٢) انظر: فتح الباري، ١٣ / ٢٥٤.
(٣) صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب قوله تعالى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ٩ / ٧٧.
(٤) سورة النساء، آية (٨٠) .
[ ١١٦ ]
بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (١) ففي هذا الحديث يوصي الرسول ﷺ أصحابه ومن يأتي بعدهم بالتمسك بالسنة ولزومها والاعتصام بها.
قال ابن رجب:
(وهذا إخبار منه ﷺ بما وقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه، وفي الأعمال والأقوال والاعتقادات، وهذا موافق لما روي عنه من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة وأنها كلها في النار إلا واحدة وهي ما كان عليه وأصحابه (٢) ولذلك في هذا الحديث أمر عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، والسنة هي الطريق المسلوك، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة.
. . . . والخلفاء الراشدون الذين أمرنا بالاقتداء بهم هم أبو بكر وعمر وعمان وعلي ﵃) (٣) وكما أمر رسول الله ﷺ المسلمين بطاعته، حذرهم من الخروج عن سنته ورهبهم من تركها والإعراض عنها، فقال فيما أخرجه البخاري عن أبي هريرة
_________________
(١) المسند ٤ / ١٢٧، وأبو داود. في السنة، باب لزوم السنة ٥ / ١٣- ١٥، والترمذي في الحلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة، ٤ / ١٤٩- ١٥٥، وقال: حسن صحيح، وقال الحافظ أبو نعيم، هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين. انظر - جامع العلوم والحكم، لابن رجب، طبع دار الفكر، بيروت، ص ٢٤٣.
(٢) يشير إلى حديث افتراق الأمة ولفظه " ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة، أخرجه أبو داود في كتاب السنة باب شرح السنة ٥ / ٥- ٦، وأحمد في المسند ٤ / ١٠٥، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ١ / ١٢٨. انظر: السلسلة الصحيحة للألباني، ١ / ٣٥٨ وما بعدها.
(٣) جامع العلوم والحكم، ص ٢٤٨- ٢٤٩.
[ ١١٧ ]
ومسلم عن أنس ﵄: «فمن - من - رغب عن سنتي فليس مني» (١) وقال فيما أخرجه مسلم عن عائشة ﵂: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) وقد نبه الرسول ﷺ على من يحاول رد السنة ورفضها بدعوى الاكتفاء بالقرآن. وذلك فيما أخرجه أحمد وأبو داود - واللفظ له - والترمذي - وصححه وحسنه - عن أبي رافع عن النبي ﷺ قال: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» (٣) .
وأخرج أبو داود عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شعبان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السبع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه، فله أن يعقبهم بمثل قراه» (٤) .
قال الخاطبي:
" هذا الحديث يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه - ﷺ - أوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل ما أوتي من الظاهر المتلو.
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، ٧ / ٢.
(٢) سبق تخريجه. ص٧٠.
(٣) سنن أبي داود. كتاب السنة، باب في لزوم السنة، ٥ / ١٢. والترمذي، كتاب العلم، باب ما نهى أن يقال عند حيث النبي ﷺ ٤ / ١٤٤، والمسند ٦ / ٨.
(٤) سنن أبي داود، كتاب باب لزوم السنة، ٥ / ١٠- ١٢، الحديث إسناده صحيح. انظر: المشكاة، ١ / ٥٧ - ٥٨.
[ ١١٨ ]
والثاني: أن معناه أنه أوتي الكتاب وحيا يتلى، وأوتي مثله من البيان، أي أذن له أن يبين ما في الكتاب فيعم ويخص وأن يزيد عليه في الشرع ما ليس في الكتاب له ذكر فيكون ذلك في وجوب الحكم ولزوم العمل به كالظاهر المتلو من القرآن (١) وقد تضمن هذا الحديث تحذيرا شديدا من مخالفة السنن التي سنها رسول الله ﷺ استغناء عنها بالقرآن.
يقول الخطابي:
" يحذر بذلك من مخالفة السنة التي سنها رسول الله ﷺ مما ليس له ذكر في القرآن على ما ذهب إليه الخوارج والروافض فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي تضمنت بيانا للكتاب فتحيروا وضلوا (٢) ثم أتبع رسول الله ﷺ هذا التحذير ببيان أحكام ثبتت شرعيتها بالسنة ولم يرد لها ذكر في القرآن وذلك كتحريم لحم الحمار الأهلي وكل ذي ناب من السباع. وهذا تأكيد من رسول الله ﷺ على أن السنة - متى ثبتت - حجة بنفسها وإن تضمنت أحكامها زائدة على ما في القرآن.
قال الخطابي:
" في الحديث دليل على أن لا حاجة بالحديث أن يعرض على الكتاب، وأنه مهما ثبت عن رسول الله ﷺ كان حجة بنفسه ".
فأما ما رواه بعضهم أنه قال: " إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه " فإنه حديث باطل لا أصل له، وقد حكى زكريا الساجي عن يحيى بن معين أنه قال: " هذا حديث وضعته الزنادقة " (٣)
_________________
(١) معالم السنن للخاطبي بهامش سنن أبي داود، ٥ / ١٠.
(٢) معالم السنن، ٥ / ١٠.
(٣) معالم السنن، ٥ / ١١.
[ ١١٩ ]
هذا الحديث من أعلام نبوته ﷺ، إذ ظهرت في الأمة طوائف تنكر السنة كلها أو بعضها بدعوى الاستغناء عنها بالقرآن وكان من أوائلهم الخوارج والروافض والمعتزلة حيث أثر عن هذه الطوائف إنكار لبعض الأحكام التي وردت في السنة.
وقد وجدت منهم عناصر في زمن الإمام الشافعي وناظر بعضهم (١) وتوالى ظهور من يدعو إلى مثل هذه الأفكار على مر التاريخ حتى عصرنا الحاضر، إذ وجدت فرقة تسمت باسم (القرآنيين)، قد ظهرت في الهند والباكتسان، وسرت عدواها إلى مصر وغيرها من البلاد العربية.
وتذهب هذه الفرقة إلى إنكار السنة وحجيتها بدعوى الاكتفاء بالقرآن، واخترعوا دينا جديدا لا مرجع فيه إلى السنة. وإنما اعتمدوا على القرآن بزعمهم، مدعين أن القرآن وحده كاف لإقامة الحياة الإسلامية وليست هناك حاجة إلى السنة.
وبناء عل ذلك تأولوا- بأهوائهم- آيات القرآن بما يجعله شاملا للأحكام بتفاصيلها، وراحوا يلتمسون من الشبهات ما يقوي بنيانهم، ولو أننا استغنينا عن السنة لانهدم الدين من أساسه ولانفتح باب الزندقة على مصراعيه. وليس المقام هنا مقام الرد على هؤلاء الزنادقة ودحض شبهاتهم فقد اكتفيت فيه برد غيري (٢) .
وقد جاءت الآثار عن الصحابة والتابعين بالتحذير منهم، فأخرج الدارمي بسنده عن عمر ﵁ قال: «إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله» (٣)
_________________
(١) انظر: كتاب جماع العلم ضمن كتاب الأم للإمام الشافعي، ط٢، نشر دار المعرفة، بيروت، ١٣٩٣هـ، ٧ / ٢٧١ وما بعدها.
(٢) انظر في عرض آراء هذه الفرقة وشبهاتها والرد عليها. رسالة: فرقة أهل القرآن بباكستان وموقف الإسلام منها. رسالة ماجستير مقدمة من الباحث خادم إلهي حسين بخش إلى جامعة أم القرى، ١٤٠١ هـ.
(٣) سنن الدارمي، ١ / ٤٩.
[ ١٢٠ ]
وأخرج الآجري بسنده عن سعيد بن جبير أنه حدث عن رسول الله ﷺ حديثا فقال رجل: (إن الله قال في كتابه كذا وكذا، فقال: لا أراك تعارض حديث رسول الله ﷺ بكتاب الله ﷿، رسول الله أعلم بكتاب الله ﷿ ﷾) (١) .
وأخرج ابن عبد البر بسنده عن أيوب السختياني أن رجلا قال لمطرف ابن عبد الله بن الشخير: (لا تحدثونا إلا بالقرآن. فقال له مطرف: والله ما نريد بالقرآن بدلا ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا) يريد بذلك رسول الله ﷺ (٢) .
بقي أن أنبه إلى أمر مهم جدا تغافل عنه أكثر المسلمين اليوم ألا وهو مكانة الرسول ﷺ وسنته من الدين، فأكثر المسلمين اليوم على أن اتباع السنة وتطبيقها أمر اختياري من باب المستحبات لا الواجبات، والسبب الأكبر في ذلك غلبة الجهل بالسنة ومكانتها من الدين، وسكوت العلماء والدعاة- إلا من رحم الله- عن نشر السنة وتقريبها إلى الناس، هذا مع غلبة التعصب المذهبي على أكثرهم مما حال بينهم وبين البحث عن الهدي النبوي الشريف.
لأجل هذا صارت السنة في أكثر البقاع مهجورة وغريبة وأغرب منها من يستمسك بها ويدعو إليها.
هذا مع ادعاء الأكثرية أنهم مازالوا على الصراط المستقيم، وأنهم مطيعون متبعون، وكأن الاتباع يثبت بمجرد الدعوى دون أدلة وشواهد حقيقية وواقعية. ورغم كل هذا فلا تزال طائفة من هذه الأمة في كل بلد قائمة بالسنة داعية إليها صابرة على ما تلاقي من ألوان الأذى والصد عن سبيل الله.
_________________
(١) كتاب الشريعة للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري، تحقيق محمد حامد الفقي، نشر. حديث أكاديمي، فيصل آباد، باكستان، ص٥١.
(٢) جامع بيان الحلم وفضله وما يبغي في روايته وحمله للإمام أبي عمر يوسف بن عبد البر. المكتبة العلمية، المدينة المنورة، ٢ / ١٩١.
[ ١٢١ ]
كما أخبر بذلك نبينا ﷺ بقوله: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (١) .
لذا كان لأبد من تحديد آثار الاتباع ومظاهره حتى يتبين المتبع حقا من غيره، وهذا ما سأبينه في المبحث القادم إن شاء الله.
_________________
(١) صحيح مسلم. كتاب الإمارة. باب قوله ﷺ: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ٣ / ١٥٢٣.
[ ١٢٢ ]
[المبحث الثالث مظاهر الاتباع]
المبحث الثالث
مظاهر الاتباع اتباع الرسول ﷺ أمر واجب وفرض عين على الأمة كلها في عسرها ويسرها ومنشطها ومكرهها. ولا يصير المسلم مسلما حتى يتبع الرسول ﷺ في جميع أقواله وأفعاله حسب علمه واستطاعته، واتباع الرسول ﷺ مثل محبته من حيث كونه مقترنا بشواهد تؤكده ومظاهر عملية تحدده وبدونها يصير الاتباع دعوى مجردة عن الدليل.
وأود في هذا المبحث أن أبين بعض مظاهر الاتباع التي إذا تحققت تحقق الاتباع وصدقت المحبة لرسول الله ﷺ، فمن هذه المظاهر:
أولا: الاقتداء بالنبي ﷺ والتأسي به: قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (١) قال ابن كثير في تفسير هذه الآية:
" هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله ولهذا أمر ﵎ الناس بالتأسي بالنبي ﷺ يوم الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه ﷿. صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.
_________________
(١) سورة الأحزاب، آية (٢١) .
[ ١٢٣ ]
ولهذا قال تعالى للذين تضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] أي هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله ﷺ (١) والتأسي بالنبي ﷺ هو: أن نفعل مثلما فعل على الوجه الذي فعله، من وجوب أو ندب، وأن نترك ما تركه، أو نهى عنه من محرم أو مكروه، كما يشمل التأسي به التأدب بآدابه والتخلق بأخلاقه ﷺ وعلى ذلك فالتأسي والاقتداء شامل لكافة أمور الدين.
فإذا قال الرسول ﷺ قولا قلنا مثل قوله، وإذا فعل فعلا فعلنا مثله، وإذا ترك شيئا تركناه فيما لم يكن خاصا به، وإذا عظم شيئا عظمناه، وإذا حقر شيئا حقرناه، وإذا رضي لنا أمرا رضينا به، وإذا وقف بنا عند حد وقفنا عنده ولم يكن لنا أن نتقدم عليه أو نتأخر عنه.
وبالجملة فإن الاقتداء بالرسول ﷺ هو تجريد متابعته والتلقي عنه وحده فكما أن الرب سبحانه واحد فالرسول الذي أمرنا باتباعه واحد فهما توحيدان: توحيد المرسل وهو الله ﷾، وتوحيد متابعة الرسول ﷺ.
وهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وبدون هذا لا يصير المسلم مسلما. ذلك هو الاقتداء بالرسول ﷺ وهو المعيار الذي ينبغي أن توزن به أفعال الناس وأقوالهم وعقائدهم وسائر أمورهم. وطريق التأسي به مبنى على العلم بهديه ﷺ في كافة أمور الدين والعمل به.
وقد وعت دواوين السنة وكتب السير والشمائل كافة أقوال النبي ﷺ وأفعاله وسجاياه وأخلاقه وكل ما يتصل به من قريب أو بعيد وحفظت ذلك أتم حفظ.
وقام أولو العلم في كل عصر بتقريب الناس من هذا الهدى النبوي الشريف
_________________
(١) تفسير ابن كثير، ٣ / ٤٧٥.
[ ١٢٤ ]
قياما بواجبهم في تبليغ هذا الدين ونصحا للمسلمين، فما تركوا شيئا من هديه ﷺ إلا وبينوه أتم بيان، فأبان الله بهم السبيل وقطع بهم المعاذير، فالسعيد من اتبع خطاهم والشقي من تنكب طريقهم وجفاهم.
فعلى كل مسلم يحب الرسول ﷺ أن يتعلم من سننه وهديه ما يدخل به في عداد المقتدين المتبعين للرسول ﷺ.
قال ابن القيم:
" وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي ﷺ فيجب على كل من نصح نفسه، وأحب نجاتها وسعادتها، أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه مما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم " (١) .
والسبيل العملي للتأسي بالرسول ﷺ هو تطبيق السنة في حياة الفرد والجماعة. وهذا التطبيق يشمل كافه جوانب الدين من اعتقادات وعبادات ومعاملات وأخلاق وآداب ونظم اجتماعية وإدارية وسياسية شرعية. ومما يعين على تطبيق السنة، إحياؤها بنشر العلم الشرعي الموروث عن رسول الله ﷺ وهذا واجب على كل من علم من الدين شيئا أن يبلغه، ويتعين هذا ويتأكد وجوبه في حق أهل العلم وحملة الشريعة، أخذا من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] (٢) فهذه الآية وإن نزلت في حق أهل الكتاب توبيخا لهم لكتمانهم أمر رسول
_________________
(١) زاد المعاد من هدى خير العباد لابن القيم، تحقيق شعيب وعبد القادر الأرنؤوط ط ٨، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٥ هـ، ١ / ٦٩- ٧٠.
(٢) سورة آل عمران، آية (١٨٧) .
[ ١٢٥ ]
الله ﷺ ولم يؤمنوا به مع علمهم بأنه هو النبي الخاتم والمبشر به من قبل أنبيائهم، إلا أن فيها تحذيرا لعلماء هذه الأمة من أن يسلكوا مسلك أهل الكتاب في كتمان العلم فيصيبهم ما أصابهم. فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع الدال على العمل الصالح ولا يكتموا منه شيئا (١) .
كما ورد في السنة الحث على تبليغ العلم في أحاديث كثيرة منها ما أخرجه البخاري بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (٢) وأخرج الترمذي بسنده عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع» (٣) وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم (٤) " انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي ﷺ، ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا (٥) والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة وكلها تؤكد وجوب تبليغ السنة ونشرها في كل عصر ومصر. ويتحتم هذا الأمر في حالة الجهل بالسنة
_________________
(١) انظر، تفسير ابن كثير، ١ / ٤٣٧.
(٢) البخاري. كتاب أحاديث الأنبياء. باب ما ذكر عن بني إسرائيل ٤ / ٢٠٧.
(٣) سنن الترمذي. كتاب الحلم، باب في الحث على تبليغ السماع ٤ / ١٤٢، وأخرجه أحمد في مسنده ١ / ٤٣٧، وابن ماجه في المقدمة، باب من بلغ علما ١ / ٨٥. والحديث متواترا رواه أربعة وعشرون صحابيا. انظر: دراسة حديث " نضر الله امرأ سمع مقالتي) رواية ودراية. تأليف عبد المحسن العباد، ط١، المدينة المنورة، ١٤٠١ هـ.
(٤) هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. تابعي فقيه، استحمله عمر بن عبد العزيز على إمرة المدينة وقضائها، ولهذا كتب إليه. انظر فتح الباري، ١ / ١٩٤.
(٥) ورده البخاري في كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم، ١ / ٣٥.
[ ١٢٦ ]
أو الإعراض عنها وهجرانها كما هو الحال في هذا الزمان الذي عم فيه الهجران للسنة وتعاليم الدين كافة بلاد المسلمين إلا قليلا ممن هداهم الله ووفقهم للتمسك بالسنة والصبر عليها.
والسبب في ذلك قلة الاهتمام بالعلم الشرعي، وتقصير أهل العلم في القيام بواجبهم في تبليغ هذا الدين على الوجه المطلوب، هذا مع غلبة التعصب المذهبي والتقليد الأعمى على أكثر الناس، مما جعل بين المسلمين وبين هدى نبيهم جفاء وبعدا- إلا من رحم الله. فيجب على كل مسلم يحب الله ورسوله أن يقوم بواجبه في تبليغ هذا الدين حسب علمه واستطاعته، صابرا في سبيل ذلك على ما يلاقي في جنب الله من أذى. متأسيا في ذلك برسول الله ﷺ وصحابته الذين وقفوا حياتهم لتبليغ هذا الدين، باذلين في سبيل ذلك النفس والنفيس. فرضي الله عنهم وعمن سار على نهجهم إلى يوم الدين. وهذا هو مظهر الاتباع والحب الحقيقي لرسول الله ﷺ.
قال البيهقي:
" وإذا لزم اتباع رسول الله ﷺ فيما سن، وكان لزوم فرضا باقيا، ولا سبيل إلى اتباع سنته إلا بعد معرفتها، ولا سبيل لنا إلى معرفتها إلا بقبول خبر الصادق عنه لزم قبوله ﷺ متابعته، ولذلك أمر بتعليمها والدعاء إليها، وبالله التوفيق " (١) .
ثانيا: تحكيم السنة والتحاكم إليها: إن مما يؤكد صدق الاتباع لرسول الله ﷺ تحكيم سنته والتحاكم إليها وجعلها الميزان الذي توزن به الأقوال والأفعال والأحكام فما وافقها قبل وما خالفها رد وإن قاله من قاله. وقد وردت آيات كثيرة تؤكد هذا الأمر منها قوله تعالى:
_________________
(١) الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد للإمام أبي بكر البيهقي، تصحيح كمال يوسف الحوت، ط ١، عالم الكتب، بيروت، ١٤٠٣ هـ، ص ١٥٤.
[ ١٢٧ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (١) .
فأمر الله المؤمنين برد قضاياهم وما تنازعوا فيه إلي كتابه وسنة نبيه ﷺ وأعلمهم أن ذلك خير لهم في الدنيا وأحسن عاقبة في الأخرى، وفي الأمر بالرد إلى كتاب الله وسنة رسوله دلالة صريحة على أنهما كافيان لفصل النزاع وتقديم الحل لكل مشكلة تقع بين المسلمين. وإن إيمان المؤمن ليحمله على الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله آنا بعد آن لمعرفة حكم الشرع في كل ما يجد له من أمور الحياة.
وفائدة هذا الأمر عظيمة جدا، إذ يظل المسلم على جادة الاتباع لا يحيد عن الصراط المستقيم طالما أحسن الرجوع إلى الكتاب والسنة، وقد أمر الله بتحكيم نبيه- في حياته وسنته بعد مماته- في كالله أنواع النزاع للفصل فيها فقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] (٢) .
فأقسم سبحانه بذاته على أنه لا يثبت للمؤمنين الإيمان حتى يحكموا رسول الله ﷺ في موارد النزاع في كافة الأمور وأن هذا التحكيم غير كاف حتى يجتمع إليه الرضى بحكمه والتسليم لأمره مع انشراح صدورهم وطيب نفوسهم بقضائه وحكمه.
وأصل ذلك أن المسلم متبع لرسول الله ﷺ في كافة أحواله فإذا عرض له أمر أو تنازع مع أخيه المسلم في أي شأن من شئون الدين أو الدنيا فزع عند ذلك إلى سنة رسول الله ﷺ حتى يجد فيها جوابا شافيا كما كان حال الصحابة معه ﷺ في حياته، يفزعون إليه يسألونه في كافة أمورهم، ويحتكمون إليه في كل شئونهم، فإذا حكم بشيء قبلوا حكمه وسلموا به عن طيب نفس ورضى.
_________________
(١) سورة النساء، آية (٥٩) .
(٢) سورة النساء، آية (٦٥) .
[ ١٢٨ ]
وبعد موته ﵊ كان الصحابة إذا اختلفوا في أمر أو خفي عليهم حكمه تحاكموا إلى من يعلم بالسنة فيما اختلفوا فيه، فإذا ثبتت عندهم السنة لم يتجاوزوها إلى غيرها.
فها هو عمر بن الخطاب ﵁ يقول: «أذكر الله امرأ سمع من النبي في الجنين شيئا؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة، فقال: كنت بين جاريتين لي، يعني ضرتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح (١) فألقت جنينا ميتا، فقضى فيه رسول الله بغرة (٢) فقال عمر: لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره.» (٣) .
وأخرج الشافعي بسنده عن سعيد بن المسيب: «أن عمر بن الخطاب كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا. حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله كتب إليه: أن يورث امرأة أشيم الضبابي (٤) من ديته. فرجع إليه عمر» (٥) .
وقد جمع الإمام الشافعي جملة من الآثار عن الصحابة ومن بعدهم تؤكد
_________________
(١) المسطح: هو عود من أعواد الخباء أو الفسطاط " الخيمة ". انظر: النهاية في غريب الحديث. لابن الأثير، تحقيق محمود الطناحي مطبعة عيسى الحلبى، مصر، ٤ / ٣٣٠.
(٢) الغرة: العبد أو الأمة، والغرة هي ما بلغ ثمنه نصف عشر الدية من العبيد أو الإماء، قال ابن الأثير: (وإنما تجب الغرة في الجنين إذا سقط ميتا، فإن سقط حيا ثم مات ففيه الدية كاملة. انظر- النهاية في غريب الحديث، ٣ / ٣٥٣.
(٣) أخرجه الشافعي في الرسالة ٤٢٧. وأصل الحديث أخرجه البخاري عن أبي هريرة في كتاب الديات. باب جنين المرأة وأد العقل على الولد، ١٤ / ٩- ١٥. وانظر فتح الباري، ١٢ / ١٦٤- ٢٥٢.
(٤) أشيم الضبابي صحابي قتل خطأ في عهد النبي ﷺ، انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني، طبع دار الكتاب العربي، بيروت، ١ / ٦٧.
(٥) رواه الشافعي في الرسالة ٤٢٦، وأحمد في المسند، ٣ / ٤٥٢، والترمذي في أبواب الفرائض، باب ما جاء في توريث المرأة من دية زوجها وقال حديث حسن صحح، ٣ / ٢٨٨، والحديث صححه الهيثمي من رواية الطبراني. انظر مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي، ط٣، ٤ / ٢٣٠ - ٢٣١، دار الكتاب العربي بيروت.
[ ١٢٩ ]
أخذهم بالسنة متى ثبتت واطراح كل رأى يخالفها وإن كان قد جرى عليه العمل (١) ولنا في صحابة رسول الله ﷺ وسلف هذه الأمة أعظم الأسوة في التمسك بالسنة وتحكيمها في كافة أمورنا.
وتحكيم السنة والتحاكم إليها هو الفارق بين المسلم الحريص على اتباع السنة وبين من يتبع هواه بغير هدى من الله. فمن تحاكم إلى غير الوحي فقد تحاكم إلى الطاغوت، وذلك كحال من يتحاكم إلى أدلة العقول المبنية على المنطق اليوناني وهذا هو شأن الفلاسفة وأهل الكلام، ومثل ذلك من يتحاكم إلى الذوق والوجد أو مشايخ الطريق وهذا هو حال الصوفية.
أو كالشيعة الذين يتحاكمون إلى الأئمة المعصومين بزعمهم، ويلتحق بأولئك من يتحاكمون إلى القوانين الوضعية، أو أي مبدأ من المبادئ الهدامة أو عرف من الأعراف البشرية السائدة أو غير ذلك مما تحتكم إليه الجاهلية قديما وحديثا معرضين بذلك عن الحكم بكتاب الله وسنة رسوله والتحاكم إليهما.
وهذا الإعراض والصدود هو حال المنافقين في كل زمان ومكان وإن زعموا أنهم يريدون بذلك إحسانا وتوفيقا، أو أنهم يعملون لمصلحة الأمة وقد نبه الله على صنيعهم وأبان عن سوء حالهم فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا - وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا - فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦٣] (٢)
_________________
(١) انظر الرسالة، ص٤٢٢، وما بعدها.
(٢) سورة النساء، آيات (٦٠-٦٣) .
[ ١٣٠ ]
قال ابن القيم:
(. . . . إن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه، والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدلوا عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته (١) ثالثا: الرضى بحكم رسول الله ﷺ وشرعه: من مظاهر طاعة الرسول ﷺ الرضى بحكمه وشرعه وهذا الأمر تابع للرضا بالله ربا وإلها، فمن رضي بالله ربا، رضى بالرسول الذي أرسله والدين الذي أنزله. فمن حصل له ذلك فهو السعيد حقا.
أخرج مسلم بسنده عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا» (٢) فإذا رضي المسلم بمحمد ﷺ رسولا لم يلتفت إلى غير هديه، ولم يعول في سلوكه على غير سنته وحكمه وحاكم إليه وقبل حكمه وانقاد له وتابعه واتبعه، ورضي بكل ما جاء به من عند ربه، فسكن قلبه لذلك واطمأنت نفسه وانشرح صدره، ورأى نعمة الله عليه وعلى الخلق- بهذا النبي ﷺ وبدينه- أعظم من
_________________
(١) إعلام الموقعين، ١ / ٥٠.
(٢) صحيح مسلم. كتاب الإيمان. باب الدليل على أن من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا فهو مؤمن وإن ارتكب المعاصي الكبار، ١ / ٦٢.
[ ١٣١ ]
أي نعمة. ففرح بفضل ربه عليه ورحمته به أن جعله من أتباع خير المرسلين وحزبه المفلحين.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ - قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٧ - ٥٨] (١) والرضى كلمة تجمع القبول والانقياد، فلا يكون الرضى إلا حيث يكون التسليم المطلق والانقياد ظاهرا وباطنا لما جاء به الرسول ﷺ من ربه. وكل التفات أو عدول عن الوحي إلى غيره أو اعتراض عليه فهو مناقض للرضى ودليل على النفاق ومؤد إلى الكفر والمروق من الدين.
وقد وقعت طوائف من الأمة فيما يعارض الرضى ويناقضه من الاعتراض على ما جاء به الرسول من ربه، واتخذ ذلك أشكالا متعددة:
- فمنهم من اعترض على توحيد الألوهية بجنس ما اعترض به المشركون الأولون من محبة الأنبياء والصالحين والتقرب بهم إلى الله زلفى. فلم يرضوا بالتوحيد الخالص حتى شابوه ودنسوه بدنس الشرك.
- ومنهم من اعترض على أسماء الله وصفاته بالشبه الباطلة، والظنون الحائرة فنفوا ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ، وأثبتوا ما نفاه الله ورسوله عنه فتاهوا في الضلال والعمى. ولو أنهم رضوا بما جاءهم به الرسول ﷺ ووقفوا عنده لاهتدوا من الضلالة ولأبصروا بعد العمى ولسعدوا بالهدى.
- ومنهم المعترض على الشرع: إما بالآراء والأقيسة الفاسدة المتضمنة تحليل ما حرمه الله، وتحريم ما أحله، وإسقاط ما أوجبه، وإيجاب ما أسقطه. وإما بالاعتراض على حقائق الإيمان والشرع بالذوق والوجد والكشف ومشايخ الطريق. فحادوا لأجل ذلك عن الصراط المستقيم، وعولوا على أهوائهم وما ألقته
_________________
(١) سورة يونس، آية (٥٧-٥٨) .
[ ١٣٢ ]
إليهم شياطينهم من زخارف القول. فهم على هذا عاكفون، وعن طريق الحق والهدى معرضون وصادون.
- ومنهم من اعترض على الشريعة بالسياسات الجائرة والقوانين الوضعية الخاسرة وألزموا الناس بها كأنها شرع منزل، وتركوا شرع رب العالمين وعطلوا حدوده وأهملوا شعائره، وانتهكوا محارمه. زاعمين مع ذلك أنهم يريدون إحسانا وتوفيقا فوقعوا في الضلال والحيرة وكساهم الله ثوب الصغار والذلة وأذاقهم الله لباس الجوع والخوف والقلة. ولو رضوا بشرع رب العالمين لحصل لهم العز والتمكين.
- ومنم من اعترض على أفعال الله وقضائه وقدره وحكمته بأنواع من الشبه الإبليسية التي تطعن في عدل الله وحكمته وعلمه وهذا اعتراض الجهال والسبب الذي أخرجهم من الرضا إلى الاعتراض هو تلقيهم واستمدادهم من غير الوحي والتزامهم أصولا تخالف شرع رب العالمين ولا نجاة من هذا الداء- أعني داء الاعتراض- إلا بالتسليم المطلق للوحي والإقبال عليه مع اليقين التام بأن فيه الهداية والشفاء (١) رابعا: الوقوف عند حدود الشريعة: - هذا الأمر ثمرة للرضا، فمن رضي بحكم رسول الله ودينه وشرعه وقف عند حدود شريعته ولم يتجاوزها إلى غيرها، ولا يكون ذلك إلا إذا أيقن المسلم أن الدين قد كمل فليس بحاجة إلى زيادة ولا نقصان، وأن الرسول ﷺ قد بلغ البلاغ المبين فلم يترك من أمر الدين شيئا إلا وبلغه. فإذا علم المسلم ذلك وأيقن به وقف عند حد الشريعة ولم يتعدها. والحدود التي أمرنا بالوقوف عندها وعدم تعديها: هي جملة ما أذن الله في فعله سواء كان على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة، واعتداؤها: هو تجاوز ذلك إلى ارتكاب ما نهى عنه (٢)
_________________
(١) انظر: مدارج السالكين، ٢ / ٦٩- ٧١.
(٢) انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي، ص٢٤٦.
[ ١٣٣ ]
وتعدي الحدود يشمل الإفراط والتفريط، لكن أكثر ما يطلق على الإفراط ومجاوزة الحد، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩] (١) وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] (٢) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] (٣) وقد أخبر الرسول ﷺ، «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء» (٤) .
أي أنهم يتجاوزون حدود الطهور بالزيادة فيه والدعاء بالإخلال بشروطه، فمن تجاوز حدود الشريعة فقد خرج عنها إلى غيرها مما زينه له الشيطان كما قال بعض السلف: " ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط، وإما إلى مجاوزة- وهي الإفراط- ولا يبالي بأيهما ظفر زيادة أو نقصان (٥) ولأجل هذا أمرنا الله بلزوم الصراط المستقيم، وأن نسأله كل صلاة أن يهدينا إليه. في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] (٦) وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (٧) ونهي الله عن تعد الحدود ومجاوزتها، والتقدم بين يدي الله ورسوله حتى لا يزاد في دين الله بالأهواء. وعدم الوقوف عند حدود الشريعة أنتج في الأمة صنوفا من البدع وضروبا من الغلو وألوانا من الخروج على الدين ما كان لها أن توجد لولا مجاوزة هذه الحدود. فأصاب الدين وأهله من المبتدعة والغلاة شر كثير.
_________________
(١) سورة البقرة، آية (٢٢٩) .
(٢) سورة الأعراف، آية (٥٥) .
(٣) سورة المائدة، آية (٨٧) .
(٤) أخرجه أحمد في مسنده. من حديث عبد الله بن مغفل، ٤ / ٨٦، ٨٧، والحاكم في المستدرك، ١ / ٥٤٠، وصححه ووافقه الذهبي.
(٥) انظر: مدارج السالكين ٢ / ١٠٨.
(٦) سورة الفاتحة، آية (٥) .
(٧) سورة الأنعام، آية (١٥٣) .
[ ١٣٤ ]
نخلص من هذا إلى أن الاتباع مرتبط بمظاهر عملية من حققها فقد حقق الاتباع، وصدقت محبته لله ورسوله ومن أخل بها فقد أخل بالاتباع وكان ذلك دليلا على نقصان المحبة عنده.
[ ١٣٥ ]