[الفصل الأول الغلو في الرسول ﷺ]
[المبحث الأول مفهوم الغلو]
الباب الثاني
الغلو والإبتداع (وفيه فصلان) الفصل الأول: الغلو في الرسول ﷺ.
الفصل الثاني: الابتداع.
[ ١٣٧ ]
الفصل الأول
الغلو في الرسول ﷺ وفيه ستة مباحث المبحث الأول: مفهوم الغلو.
المبحث الثاني: الغلو في الرسل عند اليهود والنصارى.
المبحث الثالث: الغلو في ذات الرسول ﷺ عند الشيعة.
المبحث الرابع: الغلو في ذات الرسول ﷺ عند الصوفية. وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الغلو عند الحلاج.
المطلب الثاني: الغلو عند ابن عربي.
المبحث الخامس: أثر الغلو في الرسول ﷺ على الاعتقاد والأعمال.
المبحث السادس حكم الإسلام في الغلو في الرسول ﷺ.
[ ١٣٩ ]
المبحث الأول
مفهوم الغلو أصل الغلو في اللغة يطلق على مجاوزة الشيء حده الذي وضع له، سواء كان هذا الحد شرعيا أو عرفيا.
قال الراغب:
(الغلو تجاوز الحد، يقال ذلك إذا كان في السعر غلاء، وإذا كان في القدر " والمنزلة غلو، وفي السهم غلو، وأفعالها جميعا غلا يغلو.
قال تعالى: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] (١) والغلي والغليان يقال في القدر إذا طفحت، ومنه استعير قوله: ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ - كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ - كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤ - ٤٦] (٢) وبه شبه غليان الغضب والحرب، وتغالي النبت يصح أن يكون من الغلي، وأن يكون من الغلو. غلواء: تجاوز الحد في الجماح، وبه شبه غلواء الشباب) (٣) وجاء في اللسان: (. . . وغلا في الدين والأمر يغلو غلوا: جاوز حده، وفي التنزيل
_________________
(١) سورة النساء، آية (١٧١)، والمائدة، آية (٧٧) .
(٢) سورة الدخان، آية (٤٤-٤٦) .
(٣) المفردات، ص٣٦٤ - ٣٦٥، مادة: غلا.
[ ١٤١ ]
﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] (١) وفي الحديث: «إياكم والغلو في الدين» (٢) أي التشدد فيه ومجاوزة الحد.
. . . ومنه الحديث: «وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه» (٣) إنما قال ذلك لأن من آدابه وأخلاقه التي أمر بها القصد في الأمور، «وخير الأمور أوساطها» (٤) وعلى ذلك فالمادة تدور في اللغة حول مجاوزة الحد أيا كان نوعه. فإذا نظرنا إلى معنى الغلو في الشرع فسنجده موافقا للمعنى اللغوي إذ يطلق الغلو في الشرع على مجاوزة حدود الشريعة عملا أو اعتقادا.
وقد وردت مادة الغلو والنهي عنه مرتين في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] (٥) وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] (٦) قال القرطبي في تفسير الآية الأولى:
_________________
(١) سورة النساء، آية (١٧١)، والمائدة، آية (٧٧) .
(٢) أخرجه ابن ماجه في كتاب المناسك، باب قدر حص الرمي ٢ / ١٠٠٨ وسيأتي تخريجه.
(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب. باب في تنزيل الناس منازلهم، ٥ / ١٧٤، والحديث حسن. انظر صحيح الترغيب والترهيب للألباني، ط ٢، المكتب الإسلامي، بيروت) ١٤٦٠ هـ ١ / ٦٦٠.
(٤) لسان العرب، ٥ / ١٣٢، مادة غلا. وانظر: مقاييس اللغة ٤ / ٣٨٧- ٣٨٨.
(٥) سورة النساء، آية (١٧١) .
(٦) سورة المائدة، آية (٧٧) .
[ ١٤٢ ]
" قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٧٧] نهي عن الغلو، والغلو التجاوز في الحد، ومنه: غلا السعر يغلو غلاء، وغلا الرجل في الأمر غلوا، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها (١) ويعني بذلك فيما ذكره المفسرون غلو اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم، وغلو النصارى فيه حتى جعلوه ربا، فالإفراط والتقصير كله سيئة وكفر (٢) .
كما ورد لفظ الغلو والنهي عنه في السنة موافقا معناه لما في القرآن ففي الحديث الذي أخرجه ابن ماجه بسنده عن ابن عباس ﵁ قال: «قال لي رسول ﷺ غداة العقبة وهو على ناقته: " القط لي حصى " فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف. فجعل ينفضهن في كفه ويقول " أمثال هؤلاء فارموا، ثم قال: " يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (٣) .
قال ابن تيمية في شرح هذا الحديث:
(وقوله: «إياكم والغلو في الدين» عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، والغلو: مجاوزة الحد، بأن يزاد في حمد الشيء أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك) (٤)
_________________
(١) لداتها: أي أترابها ومثيلاتها.
(٢) الجامع لأحكام القرآن لابن عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ط ٢- دار الكتب المصرية، ١٣٥٧ هـ، ٦ / ٢١.
(٣) سنن ابن ماجه، كتاب المناسك، باب قدر الحصى، ٢ / ١٠٠٨، ورواه النسائي في السنن. ص ب مناسك الحج، باب التقاط الحصى، ٥ / ٢٦٨، والإمام أحمد ني المسند، ١ / ٢١٥ " ٣٤٧. والحديث صحيح إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: هدا إسناد صحح على شرط مسلم. انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية، تحقيق د. ناصر بن عبد الكريم العقل. ط ١، مطابع العبيكان، الرياض، ١٤٠٤هـ، ١ / ٢٩٨٨-. ٢٨٩.
(٤) المصدر نفسه، ١ / ٢٨٩.
[ ١٤٣ ]
فهذه النصوص بينت أن الغلو- يراد به شرعا مجاوزة الحد بالزيادة على المشروع قدرا ووصفا، اعتقادا وعملا. وقد وردت في الشرع ألفاظ تقارب الغلو في معناه. مثل التشدد والتشديد، والتعمق والتنطع والتكلف، وكلها مرادفة للغلو وتجتمع معه في كونها مجاوزة الحد بالزيادة على المشروع، كما يلاحظ في الغلو أنه تجاوز من مشروع إلى غير مشروع فمثلا تعظيم الرسول ﷺ والإشادة بذكره، هذا أمر مشروع طالما كان ذلك في حدود بشريته. فإذا تجاوزنا بتعظيمه حدود بشريته صار هذا غلوا.
[أنواع الغلو]
أنواع الغلو تتعدد أشكال الغلو وصوره، فمنه ما يكون في الاعتقاد ومنه ما يكون في العمل:
(أ) الغلو في الاعتقاد: ويتمثل في مجاوزة حدود الاعتقاد الصحيح إلى غيره من ضروب الانحراف، والمتأمل في آراء الفرق الكلامية التي فارقت أهل السنة والجماعة بنوع اعتقاد يجدها قد غلت في ناحية من نواحي الاعتقاد حتى خرجت عن الصراط المستقيم. ففي صفات الله تعالى نجد النفاة والمؤولة غلوا في تنزيه الله حتى عطلوه عن صفات الكمال ووصفوه بصفات المعدوم، وفي المقابل نرى المجسمة والمشبهة غلوا في الإثبات حتى وقعوا في التجسيم والتشبيه، والحق وسط بين الفريقين تنزيه بلا تعطيل، وإثبات بلا تجسيم ولا تمثيل.
وعلى هذا النهج سارت طوائف المتكلمين، فطائفة تثبت شيئا وتغالي فيه وأخرى تثبت نقيضه وتغلو فيه.
[ ١٤٤ ]
ومن الغلو في الاعتقاد غلو النصارى في عيسى ﵇ حتى أخرجوه من حيز البشرية إلى مرتبة الألوهية.
- ومنه غلو الشيعة في علي ﵁، فطائفة ادعت أنه إله، وطوائف على أنه معصوم (١) .
- ومنه غلو بعض المتصوفة في الرسول ﷺ حيث ادعوا أنه مخلوق من نور وأن الكون خلق من نوره، وأنه يتصرف في الأكوان. إلى غير ذلك من العقائد الباطلة.
ومنه الغلو في الصالحين ومشايخ الصوفية، بادعاء العصمة لهم، واتباعهم في كل ما يقولونه بلا دليل، والاستغاثة بهم وندائهم فيما لا يقدر عليه إلا الله، إلى غير ذلك من العقائد الشركية.
(ب) الغلو في العمل: ويقصد به ما كان واقعا في دائرة الأحكام الشرعية الخمسة وهي الوجوب، والندب، والكراهة، والتحريم، والإباحة. فمن جعل المندوب بمنزلة الواجب، أو المكروه بمنزلة المحرم، أو جعل المباح مكروها أو محرما فقد غلا في الدين وجانب الصراط المستقيم، فمن أوجب على نفسه قيام الليل كله- مثلا- فقد غلا لأنه جعل المندوب بمنزلة الواجب، ولأنه جاوز حدود السنة في هذا الجانب. ومثل هذا من حرم ما أحل الله من النكاح وأكل الطيبات زهدا وتعبدا. ويدخل في هذا الباب كل من زاد على المشروع قدرا أو وصفا، وذلك كالزيادة على الثلاث في الوضوء مثلا.
_________________
(١) انظر: اعتقادات فرق الشيعة في: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين لأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري. تحقيق. هلموت ريتر، ط ٣، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ص ٥- ٨٥. والفرق بين الفرق. عبد القاهر بن طاهر البغدادي. تحقيق. محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة دار التراث، القاهرة، ص ٢٩- ٧٢.
[ ١٤٥ ]
يقول ابن تيمية:
(والتشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات، وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه في الطيبات) (١) وقال ابن القيم:
(والغلو نوعان:
- نوع يخرجه عن كونه مطيعا، كمن زاد في الصلاة ركعة، أو صام الدهر مع أيام النهي، أو رمى الجمرات بالصخرات الكبار التي يرمى بها في المنجنيق، أو سعى بين الصفا والمروة عشرا، أو نحو ذلك عمدا.
- وغلو يخاف منه الانقطاع والاستحسار كقيام الليل كله وسرد الصيام الدهر أجمع بدون صوم أيام النهي، والجور على النفوس في العبادات والأوراد، الذي قال فيه النبي ﷺ: «إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا ويسروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» (٢) وفي صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا!) (٣) وهم المتعمقون المتشددون) (٤)
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم، ١ / ٢٨٣١.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، ١ / ١٦.
(٣) صحيح مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، ٤ / ٢٠٥٥.
(٤) مدارج السالكين، ٢ / ٤٩٦- ٤٩٧.
[ ١٤٦ ]
[أسباب الغلو]
أسباب الغلو يمثل الغلو ظاهرة انحراف خطيرة في تاريخ الأديان السماوية، إذ يعد من أكبر أسباب الانحراف بالدين عن الصراط المستقيم. ويبدأ هذا الانحراف يسيرا ثم يتعاظم على مر الأيام حتى يصبح كأنه الأصل.
وها هي النصرانية! كيف كانت على عهد المسيح ﵇ عقيدة خالصة من شوائب الشرك ودينا قويما، ثم أصابها الغلو فانحرف بها عن التوحيد الخالص إلى الشرك المحض ومن دين سماوي إلى دين وضعي ممزوج بوثينات الهند وترهات اليونان وأباطيل اليهود.
وهذا الغلو لا ينشأ فجأة من فراغ، ولكنه مرتبط بعدة عوامل وأسباب تؤدي إليه، وتظهره. وهذه الأسباب كثيرة ومتنوعة لكننا نريد أن نقف علي أهم الأسباب التي أدت إلى وجود الغلو لدى طوائف من المسلمين. وأول هذه الأسباب:
١ - الجهل بالدين ويتمثل هذا في جوانب متعددة منها:
- القصور في فهم مقاصد الشريعة من التيسير ورفع الحرج عن المكلفين. ويتجلى هذا في صنيع المتشددين على أنفسهم في العبادات.
- ومنها الجهل بحدود الشريعة التي يجب على المكلف أن يقف عندها ولا يتعداها ويتمثل هذا في كل أنواع الغلو المجاوزة لحدود الشريعة وذلك كتحريم المباح أو إيجاب ما ليس بواجب ويدخل فيه الخروج ببعض الأنبياء أو الصالحين عن حد البشرية بوصفهم بصفات الألوهية.
- ومنها القصور في فهم نصوص الشريعة، ويتجلى هذا الأمر في النظرة الجزئية القاصرة لنصوص الشريعة.
[ ١٤٧ ]
فمثلا. وردت النصوص الشرعية في الوعد والوعيد. فنصوص الوعد تبعث في قلوب الخائفين والمذنبين الرجاء والأمل في التوبة والوعد بالمغفرة والرحمة لكل من أقبل على الله تائبا من ذنبه.
وفي المقابل نرى نصوص الوعيد تتوعد الكفار والمشركين وأهل الكبائر المصرين على ذنوبهم بأليم العذاب وشديد العقاب إذا لم يتوبوا ويؤمنوا. فإن تابوا وآمنوا وعملوا الصالحات تاب الله عليهم.
فهذه هي النظرة المتكاملة في باب الوعد والوعيد ولكن قصور الفهم يأتي من النظرة الجزئية إلى أحد الجانبين وإهمال الجانب الآخر والإعراض عنه، ومحاولة التأويل المتعسف للنصوص الشرعية.
كما وقع ذلك من الخوارج والمرجئة. فالخوارج غلبوا نصوص الوعيد وأهملوا نصوص الوعد، فحكموا بكفر مرتكب الكبيرة وتخليده في النار. وأما المرجئة فغلبوا نصوص الوعد وأهملوا نصوص الوعيد للعصاة فزعموا أنه لا تضر مع الإيمان معصية وعطلوا بذلك جزءا كبيرا من نصوص الشرع.
ومثلهم غلاة المتصوفة في الرسول ﷺ حين غلوا فيه حيث نظروا إلى جانب التعظيم للرسول ﷺ وأهملوا جانب التوحيد وسد الذريعة إلى الشرك، والسبب الذي أوقعهم في ذلك هو النظرة الجزئية القاصرة لنصوص الشرع، دون جمع النصوص بعضها إلى بعض حتى تكتمل النظرة ويصح الحكم عليها. لكن الجهل بمقاصد الشريعة مع غلبة الهوى وعدم البصيرة هو الذي أوقع المبتدعة فيما وقعوا فيه.
يقول الشاطبي (١) .
_________________
(١) هو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي (. . . - ٧٩٠ هـ) فقيه. أصولي. لغوي. مفسر. . من تصانيفه عنوان التعريف بأسرار التكليف، والموافقات في أصول الأحكام، وعنوان الاتفاق في علم الاشتقاق وغيرها. انظر: معجم المؤلفين، ١ / ١١٨- ١١٩، والأعلام، ١ / ٧٥.
[ ١٤٨ ]
(ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد. وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض. فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المترتبة عليها، وعامها المرتب على خاصها، ومطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر بينها، إلى ما سوى ذلك من مناحيها. . . . فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضا كأعضاء الإنسان. . وشأن متبعي المتشابهات أخذ دليل ما، أي دليل كان، عفوا وأخذا أوليا، وإن كان ثم ما يعارضه من كلي أو جزئي. فكان العضو الواحد لا يعطي في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا. فمتبعه متبع متشابه، ولا يتبعه إلا من في قلبه زيغ كما شهد الله به ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] (١» (٢) .
ثانيا- اتباع الهوى: يطلق الهوى على ميل النفس وانحرافها نحو الشيء. وهو غالبا ما يطلق على الزيغ والضلال.
واتباع الهوى هو الانحراف عن الحق إلى الباطل لزيغ في القلب وفساد في العقل. وهو طريق كل حائد عن الصراط المستقيم من الضالين، كما أن اتباع الحق والهدى سبيل المؤمنين.
وقد ورد في القرآن ذم الهوى واتباعه والتحذير منه في آيات كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الروم: ٢٩] (٣) وقوله تعالى:
_________________
(١) سورة النساء، آية (١٢٢) .
(٢) الاعتصام. لأبي إسحاق إبراهيم بن مومى اللخمي الشاطبي، طبع دار الفكر بيروت، ١ / ٢٤٤ - ٢٤٥.
(٣) سورة الروم، آية (٢٩) .
[ ١٤٩ ]
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٩] (١) وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] (٢) واتباع الهوى من أكبر أسباب الغلو في الدين. ويتمثل هذا في تحسين الظن بالعقل وجعله حاكما على الشرع كما وقع هذا بين طوائف المتكلمين والصوفية، حيث ابتدعت كل طائفة أصولا وقواعد حكمت بها على النصوص، فما وافقهم قبلوه، وما خالفهم ردوه بنوع تأويل أو تحريف أو قدح في رواته أو نفيه إن كان خبر آحاد. إلى غير ذلك من الشبه الباطلة.
فلما لم يضعوا الشرع في مكانه، وغلوا في تقديس عقولهم وقعوا في المهالك.
ثالثا- الاعتماد على الأحاديث الواهية والموضوعة: إن حدوث الوضع في الحديث والكذب على رسول الله ﷺ لم يكن شيئا عفويا بل كان تيارا منظما أحدثته الزنادقة كيدا للإسلام، وتنفيسا لكوامن حقدهم عليه. وتجلى ذلك في محاولة تشويه الإسلام بإدخال رواسب أفكارهم ومعتقداتهم التي عمها الإسلام، فأخرجوها في قالب الأحاديث حتى تروج على العامة. وتعتبر الشيعة أوضح مثال على ذلك، حيث وضعوا الأحاديث في فضائل علي ومناقب آل البيت، والإمامة وسائر عقائدهم، ففتحوا بذلك باب الغلو في الأشخاص في هذه الأمة.
يقول ابن أبي الحديد الشيعي المعتزلي (٣) .
_________________
(١) سورة الأنعام، آية (١١٩) .
(٢) سورة المائدة، آية (٧٧) .
(٣) هو عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن الحسين أبو حامد بن أبي الحديد المدائني (٥٨٦- ٦٥٥هـ) كاتب، شاعر، أديب شيعي غال، ومن أعيان المعتزلة أيضا، نشأ بالمدائن ثم سار إلى بغداد فكان أحد الكتاب والشعراء بديوان الخليفة، وكانت له حظوة عند الوزير ابن العلقمي الرافضي لما بينهما من المناسبة والمشابهة في التشيع والأدب. انظر ترجمته في: البداية والنهاية، ١٣ / ١٩٩- ٢٠٠، ووفيات الأعيان ٢ / ١٥٨.
[ ١٥٠ ]
" واعلم أن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة، فإنهم وضعوا في مبدأ الأمر أحاديث مختلقة في صاحبهم. حملهم على وضعها عداوة خصومهم (١) .
ويهمنا في هذا النص اعتراف أحد كتابهم بذلك، وكما قيل: الاعتراف سيد الأدلة. كما قام بعض ضلال الفرق بوضع الحديث تأييدا لمذهبه وردا على خصومه. وقد كان للزنادقة خاصة في العصر العباسي الأول دور في وضع الحديث في كافة جوانب الدين وأهمها الاعتقاد.
وكان قصدهم من وراء ذلك تشويه الإسلام، وتنفير الناس منه فكانت هذه الأحاديث رصيدا لمن أتى بعدهم من الغلاة يعتمد عليها ويستدل بها. وقل أن يوجد فكر منحرف أو عقيدة غالية إلا ووراءها أحاديث موضوعة وواهية.
رابعا- رواسب الديانات القديمة: مع اتساع موجة المد الإسلامي بكثرة فتوح البلدان، دخل في الإسلام أجناس شتى طائعين ومكرهين. ولم يكن انتشار الإسلام بهذه السرعة يوافق رضا كثير من أعدائه بل كان شجى في حلوقهم وغيظا في قلوبهم وقذى في أعينهم لما رأوا أن الدولة للإسلام، وأن مقاومته وحربه بالسيف غير ممكنة ولا مجدية، دخلوا في الإسلام متظاهرين ليكيدوا له من الداخل، فراحوا يشوهون صورته ويمزقون وحدته، وراموا أحياء وثنياتهم من خلاله، وإفساد صفاء العقيدة الإسلامية.
وساعدهم على ذلك الفتن التي حدثت بعد مقتل عثمان ﵁ والتي كانت سببا في تفرق الأمة إلى شيع وأحزاب. ثم أعقب ذلك ظهور الفرق الكلامية بآرائها ومعتقداتها. والمتأمل في تاريخ الفرق الكلامية وآرائها المخالفة
_________________
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، طبع مطبعة عيسى الحلبي، مصر، ١٣٨١هـ ١١ / ٤٨ - ٤٩.
[ ١٥١ ]
لمعتقد أهل السنة والجماعة يرى تأثر الأفكار الدخيلة، من يهودية ونصرانية ومجوسية وفلسفات وثنية، يونانية وهندية ومصرية.
وقد حاول أعداء الإسلام جهدهم والتوفيق بين هذه الأفكار وبين الإسلام وإلباسها ثوب الإسلام، فظهر ما يسمى بالفلسفة الإسلامية وعلم الكلام، والتصوف الإسلامي، والفرق الإسلامية، على اختلاف آرائها ومقالاتها والتي بدا تأثير هذه الأفكار واضحا عليها. كما كان وراء نشأة كل فرقة أناس أسلموا ظاهرا مع كفرهم باطنا، كان هؤلاء رواد هذه الفرق ومؤسسيها. فمنهم عبد الله بن سبأ رأس الشيعة ومؤسسها والذي وضع لهم أساس العقائد الباطلة الموروثة إلى يومنا هذا، وذلك كالرجعة أي رجعة علي ﵁ بعد موته إلى الدنيا قبل يوم القيامة وأنه سينزل إلى الأرض فيملؤها عدلا كما ملئت جورا.
وكان يقول: " العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمدا يرجع وقد قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] (١) فمحمد أحق بالرجوع من عيسى فوضع لهم أساس رجعة الأئمة بذلك وهو الذي وضع لهم أساس الوصية. وأن عليا خاتم الأوصياء كما أن محمدا خاتم الأنبياء وكان يقول: " أنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي. وكان علي وصي محمد ﷺ فمحمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء ".
ثم قال بعد ذلك: " ومن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ﷺ ووثب على وصي رسول الله ﷺ " وكان يقول وهو في يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى، مثلما قال في علي بعد رسول الله ﷺ. كما أنه أول من أظهر الطعن في الصحابة والتبرؤ منهم إلى غير ذلك من السموم التي نفثها في الشيعة فاتخذوها عقائد يعتقدونها، ودينا يتعبدون به (٢) وقد كانت الشيعة مرتعا خصبا لتقبل
_________________
(١) سورة القصص، آية (٨٥) .
(٢) انظر: تفصيل عقائد السبئية في: الملل والنحل. لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني. تحقيق. محمد سيد كيلاني دار الصرفة بيروت ١٤٠٤ هـ، ١٧٣١١ وما بعدها. وانظر عبد الله بن سبأ في أحداث الفتنة في صدر الإسلام. تأليف سليمان بن حمد العودة ط ١، دار طيبة. الرياض ١٤٠٥ هـ، ص ١٩٩- ٢٤١.
[ ١٥٢ ]
هذه الأفكار وغيرها وذلك لقلة عقولهم وضعف تمييزهم.
وهكذا كان وراء كل فرقة عناصر أجنبية أتت بأفكارها وعقائدها المأخوذة من الديانات القديمة.
فقد كان وراء بدعة القدر رجل يقال له (سوسن) كان نصرانيا فأسلم ثم تنصر فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد بدعته في القدر (١) وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن أصل بدعة جهم بن صفوان في التعطل ونفي الصفات مأخوذ عن المشركين والصابئة من البراهمة والمتفلسفة ومبتدعة أهل الكتاب الذين يزعمون أن الرب ليس له صفة ثبوتية أصلا (٢) وإذا كان هذا التأثير قد تم بواسطة أشخاص امتلأت قلوبهم حقدا على الإسلام فلا ينبغي أن نغفل الدور المنظم الذي قام به اليهود والنصارى والمجوس ومن مالأهم من الزنادقة الذي سعوا بكل جهدهم في محاولة تشويه الإسلام بإدخال العقائد الباطلة والأفكار الهدامة إلى ساحة الإسلام.
_________________
(١) انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لأبي القاسم هبة الله بن الحسن اللالكاني. تحقيق د. أحمد محمد حمدان. نشر دار طيبة. الرياض ٤ / ٧٤٩- ٧٥٠.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى، ١ / ٦٦٠- ٦٧.
[ ١٥٣ ]
[المبحث الثاني الغلو في الرسل عند اليهود والنصارى]
المبحث الثاني
الغلو في الرسل عند اليهود والنصارى ينطلق الغلو في الأنبياء من رفعهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله إياها ويحدث هذا الغلو حينما يوصف بعض الأنبياء بصفات الألوهية أو يوصف النبي بأنه ابن الله. ولقد حدث في تاريخ بني إسرائيل أن ادعى اليهود أن عزيرا ابن الله كما ادعت النصارى أن المسيح ابن الله.
قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] (١) أما اليهود فقد كان سبب غلوهم في عزير هو ما وقع على يديه من معجزات مثل كتابة التوراة من حفظه بعد أن نسخها الله من صدور اليهود وما وقع له من إحيائه بعد موته مائة عام. فلما ضاقت عقولهم عن التمييز بين فعل الله وقدرته وبين قدرة البشر المحدودة نسبوا ذلك إلى عزير وقالوا عنه إنه ابن الله.
قال ابن عباس ﵁ معللا قول اليهود أن عزيرا ابن الله: " إنما قالوا ذلك لأنهم لما عملوا بغير الحق أنساهم الله التوراة ونسخها من صدورهم، فدعا عزير الله تعالى، فعاد إليه الذي نسخ من صدورهم ونزل نور من السماء فدخل جوفه، فأذن في قومه فقال: قد آتاني الله التوراة، فقالوا: ما أوتيها إلا لأنه ابن الله ".
_________________
(١) سورة التوبة، آية (٣٠) .
[ ١٥٤ ]
وفي رواية أخرى عن ابن عباس ﵁ قال: " إن بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل، وهدم بيت المقدس وقتل من قرأ التوراة كان عزير غلاما فتركه. فلما توفي عزير ببابل، ومكث مائة عام، ثم بعثه الله تعالى إلى بني إسرائيل، وقال أنا عزير فكذبوه وقالوا: قد حدثنا آباؤنا أن عزيرا مات ببابل، فإن كنت عزيرا فاملل علينا التوراة، فكتبها لهم، فقالوا هذا ابن الله " (١) .
فهذه الرواية الثانية بينت أن عزيرا كان نبيا من أنبياء بني إسرائيل وأنه مات ثم بعثه الله بعد مائة عام. كما ذكر الله ذلك في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩] (٢) فلما بعثه الله إلى بني إسرائيل كتب لهم التوراة من حفظه بعد أن مات الحفاظ في غزو بختنصر لبيت المقدس. فلما ضاقت عقول اليهود عن استيعاب هذه المعجزة والإيمان بالله الذي أجراها على يد عبده ونبيه عزير قالوا إنه ابن الله.
وأما النصارى فقالوا عن المسيح عيسى ابن مريم أنه ابن الله إما لأنه ولد من غير أب أو لأنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله فلأجل هذا ادعوا أنه ابن الله. والقائل لهذا ليس هم أصحاب عيسى وإنما قال ذلك بولس ومن أغواهم من النصارى بعد موت عيسى بوقت طويل ولبس عليهم بهذه الشبه فآل أمر النصارى إلى أن أصبحوا مشركين بسبب قولهم إن عيسى هو الله أو ابن الله وقد رد الله عليهم في القرآن في أكثر من موضع وبين أن دعواهم مجرد
_________________
(١) زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي، ط١، طبع المكتب الإسلامي، دمشق، بيروت، ٣ / ٤٢٣- ٤٢٤.
(٢) سورة البقرة، آية (٢٥٩) .
[ ١٥٥ ]
قول عار عن الدليل والبرهان، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ - لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ - أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ - قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٢ - ٧٧] (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] (٢) وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا - لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧١ - ١٧٢] (٣) وعلى هذا فمبدأ الانحراف والغلو يكون في عدم التمييز بين قدرة الله العظيمة وقدرة العبد ولو كان نبيا، وبين المعجزة التي هي بقدرة الله وبين فعل النبي ثم يتطور الانحراف حتى يظن أن هذه الأفعال صادرة من النبي بقدرته إما لأنه إله أو لأنه ابن الله.
_________________
(١) سورة المائدة، آيات (٧٢-٧٧) .
(٢) سورة آل عمران، آية (٥٩) .
(٣) سورة النساء، آيات (١٧١-١٧٢) .
[ ١٥٦ ]
وقد كان النصارى أكثر غلوا من اليهود، ذلك أن الذين قالوا أن عزيرا ابن الله هم قلة من اليهود على خلاف بين المفسرين في ذلك (١) .
بينما كان غالبية النصارى يعتقدون أن المسيح ابن الله أو أنه الله على اختلاف مذاهبهم في هذا الاعتقاد وقد رد القرآن عليهم وفند شبههم ثم نهاهم عن الغلو في عيسى ﵇.
وفي نهي الله في القرآن لأهل الكتاب عن الغلو تحذير لنا نحن المسلمين عن أن نسلك مسالكهم في الغلو في الأنبياء والصالحين فيصيبنا ما أصابهم وقد نبه الرسول ﷺ حين نهى أمته عن إطرائه والمبالغة في مدحه بأن هذا شبيه لفعل النصارى في غلوهم في عيسى ﵇.
فقال ﷺ فيما أخرجه البخاري بسنده عن عمر ﵁ قال: «لا تطروني، كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله» (٢) ومع وضوح هذا التحذير إلا أن طوائف من هذه الأمة وقعت في الإطراء والغلو الذي نهى الرسول ﷺ عنه فصاروا بذلك مشابهين للنصارى ومتبعين سننهم.
وهذا ما سيتضح لنا في المباحث القادمة. إن شاء الله.
_________________
(١) انظر: تفسير ابن جرير. تحقيق محمود محمد شاكر، ١٤ / ٢٠١- ٢٠٢.
(٢) صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: واذكر في الكتاب مريم ٤ / ٢٠٤.
[ ١٥٧ ]
[المبحث الثالث الغلو في ذات الرسول ﷺ عند الشيعة]
المبحث الثالث
الغلو في ذات الرسول ﷺ عند الشيعة إن من العقائد الثابتة التي أكدتها نصوص الشرع وأجمعت عليها الأمة أن رسل الله أجمعين بشر من جنس المرسل إليهم. كما جرت بذلك سنة الله في المرسلين. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٢] (١) وإن الرسول ﷺ لم يكن بدعا من الرسل بل كان بشرا مثلهم يوحى إليه.
وبشرية الرسول ﷺ أمر واضح لكل من قرأ القرآن أو تصفح السنة أو قلب نظره في سيرته وأحواله.
ومع وضوح هذا الأمر لعامة المسلمين وخاصتهم إلا أننا نرى بعض الطوائف المنتسبة إلى الإسلام غلت في الرسول ﷺ بما يخرجه عن حد البشرية، ولقد كان الشيعة أول من فتح باب الغلو في الأشخاص وذلك بغلوهم في علي ﵁ وذريته حتى ذهبوا في ذلك مذاهب شتى فمنهم من ادعى أن عليا وذريته معصومون ومنهم من ادعى أن عليا كان نبيا، ومنهم من غلا فيه حتى ادعى أنه إله وأن روح الإله حلت فيه وفي الأئمة من ذريته (٢) ولما كان علي ﵁ ابن عم رسول الله ﷺ وزوج ابنته، ووصيه وخليفته من بعده- على مذهبهم- كان طبعيا أن يبتدأ غلوهم من رسول الله ﷺ ويأخذ دور التسلسل إلى علي ﵁ والأئمة من ذريته، لذلك نجد لدى غلاة الشيعة عقائد باطلة تدور حول أزلية وجود الرسول ﷺ وأسبقيته على الكون وأنه ليس كسائر البشر، بل هو مخلوق من نور.
_________________
(١) سورة الأحزاب، آية (٦٢) .
(٢) انظر: عقائد الشيعة في مقالات الإسلاميين للأشعري، ص٥ وما بعدها والفرق بين الفرق للبغدادي، ص ٢٩ وما بعدها.
[ ١٥٨ ]
وقد روى الكليني (١) نصا منسوبا زورا وبهتانا إلى جعفر الصادق يدور حول أزلية وجود النبي ﷺ أو ما يطلق عليه الصوفية الحقيقة المحمدية أو النور المحمدي.
يقول النص على لسان جعفر الصادق:
(كنا عند الله وليس عنده أحد سوانا لا ملك ولا غيره ثم بدا له فخلق السماوات والأرض فخلق ونحن معه.
. . . . ونصب الخلق في صورة كالهباء قبل دخول الأرض ورفع السماء، وهو في انفراد ملكوته، وتوحيد جبروته، وأتاح نورا من نوره فلمع، ونزع قبسا من قبسه فسطع، ثم اجتمع النور في وسط تلك الصورة الخفية فوافق ذلك صورة نبينا محمد ﷺ فقال الله عز من قائل أنت المختار والمنتخب وعندك مستودع نوري وكنوز هدايتي، من أجلك أسطح البطحاء، وأموج الماء، وأرفع السماء، وأجعل الثواب والعقاب والجنة والنار، وأنصب أهل بيتك للهداية، وأوتيهم من مكنون علمي ما لا يشكل به عليهم دقيق، ولا يغيب عنهم به خفي، وأجعلهم حجتي على بريتي والمنبهين على قدرتي ووحدانيتي.
. . . . ولم يزل الله تعالى يخبئ النور تحت الزمان إلى أن وصل محمدا في ظاهر الفترات، فدعا الناس ظاهرا وباطنا. . . ثم انتقل النور إلى غرائزنا، ولمع في أئمتنا فنحن أنوار السماء وأنوار الأرض، فبنا النجاة، ومنا مكنون العلم، وإلينا مصير الأمور وبمهدينا تنقطع الحجج، خاتم الأئمة، منقذ الأمة، وغاية النور ومصدر الأمور) (٢) .
_________________
(١) هو أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني (. . . - ٣٢٨ هـ) من كبار فقهاء الشيعة الإمامية وله كتاب الكافي جمع فيه أحاديث الشيعة وهو عندهم بمنزلة صحيح البخاري عند أهل السنة. وقد جمع فيه من الشناعات والطامات والافتراءات على أهل البيت ما لا يعلمه إلا الله. انظر: لسان الميزان لابن حجر، ٥ / ٤٣٣، والأعلام ٧ / ١٤٥.
(٢) الفلسفة الصوفية في الإسلام. د. عبد القادر محمود، ط ١، دار الفكر العربي، مصر ١٩٦٧م، ص ٥٧٩- ٥٨٠ نقلا عن الكافي، ص ٢٧٦.
[ ١٥٩ ]
وقد ذكر الأشعري في مقالات الإسلاميين أن الصنف الخامس عشر من أصناف غلاة الشيعة، يزعمون أن الله ﷿ وكل الأمور وفوضها إلى محمد ﷺ وأنه أقدره على خلق الدنيا فخلقها ودبرها وأن الله سبحانه لم يخلق من ذلك شيئا ويقول ذلك كثير منهم في علي (١) وجاء في المسائل المجموعة من الحقائق العالية والدقائق من كتب الإسماعيلية ما نصه: (ليس بين المبدع الأول ومبدعه تعالى شيء من نور ولا غيره، والذي سمعت من ذلك هو أن السابق لما سبق أبناء جنسه إلى توحيد مبدعه. طرقه من مبدعه مادة إلهية اطلع بها على علم ما كان وما يكون وأن تلك المادة شائعة في ذات المبدع الحاملة لها فلا فرق بينه وبينها بل هو هي وهي هو.
كما أن العلم المتصل بكل متعلم إذا وصل النفس الحاملة له لم يبق فرق بين العلم والنفس الحاملة له وصارت تلك المادة إلهية سارية من المبدع الأول إلى من دونه من عقول عالم الإبداع وعقول عالم الطبيعة فهي عمود النور الساري فيما بين العقول وبين المبدع الأول) (٢) .
ونجد في هذا النص تشابها بين المبدع الأول الذي فاضت عليه مادة إلهية فصار ممدا لغيره بذلك الفيض الإلهي، وبين الحقيقة المحمدية أو الروح المحمدي الذي أمد جميع الأنبياء والأولياء بالوحي والعلم الباطني كما ذهب إلى ذلك ابن عربي ومن تابعه على ما سيأتي بيانه.
_________________
(١) مقالات الإسلاميين، ص١٦.
(٢) المسائل المجموعة من الحقائق العالية والدقائق، ضمن مجموعة رسائل إسماعيلية، طبع مكتبة المثنى، بغداد، ص ٥٩.
[ ١٦٠ ]
[المبحث الرابع الغلو في الرسول ﷺ عند الصوفية]
المبحث الرابع
الغلو في الرسول ﷺ عند الصوفية إذا كان الشيعة أول من فتح باب الغلو في هذه الأمة بغلوهم في علي ﵁ والأئمة من ذريته حسب زعمهم فإن الصوفية قد انتقلت إليها عدوى الغلو من الشيعة في المقام الأول. وهناك تشابه كبير في كثير من الجوانب بينهما. فإذا كان المذهب الشيعي قد دار فيه الغلو حول علي ﵁ والأئمة من ذريته فإن الغلو عند الصوفية قد دار حول الرسول ﷺ والأولياء من بعده أو بالأصح حول الحقيقة المحمدية- حسب تعبيرهم والأولياء من بعد.
وإذا وجد في غلاة الشيعة من قال إن روح الإله قد حلت في النبي ﷺ ثم في علي ﵁ وأولاده من بعده، فقد وجد في الصوفية من يقول بالحلول كالحلاج مثلا. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
فكانت الشيعة المتأثرة بالتراث المجوسي اليهودي لدى السبئية وفرق الغلاة ثم التراث الفلسفي اليوناني والمصري لدى الإسماعيلية القرامطة أصحاب رسائل إخوان الصفاء كان هؤلاء هم المعبر الرئيسي لانتقال العقائد الباطلة إلى الصوفية (١) .
وقد أكد ابن خلدون هذه الصلة بين التصوف والتشيع في حديثه عن مذهب وحدة الوجود وتوابعه فقال: (وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول وإلهية الأئمة مذهبا لم يعرف لأولهم فأشرب كل واحد من الفريقين
_________________
(١) انظر الفلسفة الصوفية في الإسلام ص ٥٧٧ وما بعدها.
[ ١٦١ ]
مذهب الآخر فاختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم، وظهر في كلام المتصوفة القول بالقطب ومعناه رأس العارفين يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان. وقد أشار إلى ذلك ابن سينا في كتاب الإشارات في فصول التصوف منها فقال: جل جناب الحق أن يكون شرعة لكل وارد أو يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد.
وهذا كلام لا تقوم عليه حجة عقلية ولا دليل شرعي وإنما هو من أنواع الخطابة وهو بعينه ما تقوله الرافضة ودانوا به.
ثم قالوا بترتيب وجود الأبدال (١) بعد هذا القطب كما قاله الشيعة في النقباء (٢) .
حتى إنهم لما أسندوا لباس خرقة التصوف ليجعلوه أصلا لطريقتهم وتخليهم رفعوه إلى علي ﵁ وهو من هذا المعنى أيضا وإلا فعلي ﵁، لم يختص من بين الصحابة بتخلية، ولا طريقة في لباس ولا حال، بل كان أبو بكر وعمر ﵄ أزهد الناس بعد رسول الله ﷺ وأكثرهم عبادة ولم يختص أحد منهم في الدين بشيء يؤثر عنه في الخصوص بل كان الصحابة كلهم أسوة في الدين والزهد والمجاهدة) (٣) .
_________________
(١) الأبدال جمع بدل واختلف في عدتهم فقيل سبعة وقيل ثلاثون وقيل أربعون كلما مات منهم رجل أبدل الله مكانه رجلا. وقد ورد فيهم حديث ضعيف منقطع الإسناد عن علي ﵁ مرفوعا إلى النبي ﷺ " الأبدال يكونون بالشام وهم أربعون رجلا كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا يسقي بهم الغيث وينتصر بهم على الأعداء ويصرف بهم من أهل الشام العذاب " (المسند، ١ / ١١٢) . وأخرج الإمام أحمد بسنده عن عبادة بن الصامت مرفوعا: " الأبدال في هذه الأمة ثلاثون مثل إبراهيم خليل الرحمن ﷿ كلما مات رجل أبدل الله ﵎ مكانه رجلا، قال الإمام أحمد عقبه: حديث منكر (المسند، ٥ / ٣٢٢) وأحاديث الأبدال كلها موضوعة أو واهية منكرة لا تثبت بمثلها حجة. انظر: السلسلة الضعيفة للألباني، ٢ / ٣٣٩- ٣٤١. وانظر لنقد فكرة الأبدال. مجموع فتاوى ابن تيمية، ١١ / ٤٣٣ وما بعدها.
(٢) النقباء جمع نقيب وهو السيد المطاع في قومه وقد كانوا في بني إسرائيل اثنا عشر نقيبا على عدد الأسباط، لقوله تعالى: ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا المائدة، آية (١٢) وحينما بايع الرسول ﷺ الأنصار ليلة العقبة جعل عليهم اثني عشر نقيبا يتولون أمر الدعوة بين أهليهم وعشيرتهم. والشيعة الإمامية الاثنا عشرية قالوا بإمامة اثني عشر من آل البيت عدتهم كعدة نقباء بني إسرائيل. فمن هنا شاع على الأئمة لفظ النقباء.
(٣) مقدمة ابن خلدون، طبع المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، ص ٤٧٣.
[ ١٦٢ ]
ويؤكد المعاصرون من الشيعة والصوفية على حد سواء هذه الصلة بينهما.
يقول سيد حسين نصر:
". . . . فقد كانت هناك بعض الصلات بين التصوف والتشيع - وعلى الأخص بطابعه الإسماعيلي - كما يبدو مما ذكره إخوان الصفا عن التصوف في سائلهم وهم إن لم يكونوا حتما من أصل إسماعيلي، فهم بلا ريب قد نشئوا في وسط شيعي، واقترن ذكرهم فيما بعد بالحركة الإسماعيلية (١) ولم تكن هذه الصلة بين التصوف والتشيع صلة عفوية من قبيل التأثير والتأثر المجرد بل كانت تيارا منظما هدفه تقويض دعائم الإسلام، تأثرا بالغوصية الفارسية، وتحويل الدين إلى خليط عجيب من الفلسفة والوثنية والدين وذلك تحقيقا لآمال الفرس وغيرهم من أصحاب المبادئ الشعوبية الناقمين من انتشار الإسلام ولعل في توافق الشيعة والصوفية في أكثر البلاد وإفساح كل واحدة المجال لصاحبتها قديما وحديثا ما يؤكد ذلك الهدف المشبوه. على أن التشيع لم يكن هو الرافد الوحيد الذي أمد الصوفية بهذه العقائد والأفكار فقد كانت هناك روافد أخرى متمثلة في التراث الهندي الذي اقتبس منه الصوفية كثيرا من نظرياتهم في المجاهدة والسلوك والزهد. كما أخذوا من النصارى الرهبنة والخلوات والخوانق التي تشبه الأديرة كما أخذوا عنهم مذهب الغنوصية (٢) .
وعن الفلسفة اليونانية والأفلاطونية الحديثة أخذوا فكرة العقول العشرة ووحدة الوجود (٣) وقد استمد الصوفية عقائدهم وأفكارهم من كل مصدر وسعهم أن يستمدوا
_________________
(١) الكشف عن حقيقة الصوفية: محمود عبد الرؤوف القاسم، ط ١، دار الصحابة بيروت ١٤٠٨ هـ، ص ٧٨٤، نقلا عن الصوفية بين الأمس اليوم، ص ١٣٤.
(٢) الغنوصية: كلمة يونانية معناها المعرفة ولكنها تطورت حتى صارت تعي التوصل بنوع من الكشف إلى المعارف العليا أو تذوق المعارف تذوقا مباشرا بطريقة الكشف وهذا هو معنى الذوق عند الصوفية. انظر: الفلسفة الصوفية في الإسلام، ص ٤ وما بعدها.
(٣) انظر: تفصيل ذلك في الفلسفة الصوفية في الإسلام، ص٣ وما بعدها والكشف عن حقيقة الصوفية، ص ٧٤٧ وما بعدها.
[ ١٦٣ ]
منه وحاولوا أن يصوغوها في قالب إسلامي حتى يقبلها العامة.
لكن الذي يهمنا في هذا المجال هو غلو الصوفية في الرسول ﷺ وسآخذ مثالين من الصوفية:
أولهما: الحلاج باعتباره أول صوفي ادعى الألوهية بحلول الله فيه كما أنه أول من غلا في الرسول ﷺ بادعائه أن الله حل فيه وقوله بقدم النور المحمدي.
ثانيهما: ابن عربي باعتباره صاحب مذهب وحدة الوجود في المحيط الصوفي ولأنه أشهر من قال بالحقيقة المحمدية التي هي أعظم مظهر تجلى فيه الحق بزعمه.
كما كان لآراء ومعتقدات ابن عربي أكبر الأثر في انحراف أكثر الصوفية إلى مذهب وحدة الوجود.
وسأتحدث في المطلبين القادمين عن الحلاج، ثم عن ابن عربي.
[ ١٦٤ ]
[المطلب الأول الغلو في الرسول ﷺ لدى الحلاج]
المطلب الأول
الغلو في الرسول ﷺ لدى الحلاج يعتبر الحلاج (١) أول صوفي جاهر بعقيدة الحلول في أوساط الصوفية إذ كان يرى أن من هذب نفسه بالطاعة، وصبر على اللذات والشهوات ارتقى إلى
_________________
(١) هو الحسين بن منصور، ويكنى أبا مغيث، كان جده مجوسيا اسمه محمي من أهل البيضاء بفارس، وفيها ولد الحلاج سنة ٢٤٤هـ. وكانت نشأته بواسط وقيل بتستر وتتلمذ على سهل بن عبد الله التستري ثم قدم بغداد وخالط الصوفية، وتعرف على عمرو بن عثمان المكي. ولبس خرقة الصوفية على يديه، ثم ترك بغداد وتجول في البلاد فذهب إلى مكة مرارا وجاور فيها، وذهب إلى الصين وتركستان، ودخل الهند وتعلم فيها السحر، وقال أدعو به إلى الله!! وكان الحلاج متلونا في ملابسه وأحواله فتارة يلبس ملابس الصوفية، وتارة يتجرد في ملابس رزية، وتارة يلبس لبس الأجناد ويعاشر أبناء الأغنياء والملوك. وكان مع كل قوم على مذهبهم سواء أكانوا أهل سنة أم رافضة أم معتزلة أو صوفية أو فساقا. وكان دجالا ساحرا صاحب مخاريق وأحوال شيطانية. كما كان صاحب دعوة باطنية تستر بالزهد وتضمر الزندقة والإلحاد واتخذ دعاة له بثهم في البلدان يدعون الناس إلى الزندقة. ولأجل تلونه وتقلبه اختلف الناس في أمره، فقد حكي عن غير واحد من العلماء والأئمة إجماعهم على قتله وأنه قتل على كفره وزندقته وبهذا قال أكثر الصوفية في عصره، ومنهم طائفة غرهم ظاهره ولم يطلعوا على باطنه فأجملوا القول فيه وبعض هؤلاء كان متابعا له في الباطن غير أنه لم يجرؤ على المجاهرة بذلك. أما معظم الصوفية بعده إلى يومنا هذا فيعتقدون ولايته وأنه مات شهيدا!! وهذا من جهلهم بالشرع وقلة مبالاتهم بإجماع الفقهاء، وإلا فقد كان الحلاج زنديقا كافرا حلوليا يدعي الألوهية. وقد اتفق علماء بغداد على كفره وزندقته، وأجمعوا على قتله وصلبه، وكان علماء بغداد إذ ذاك هم الدنيا. ولما ورد الحلاج آخر مرة إلى بغداد جعل يدعو إلى مذهبه الفاسد ويظهر أشياء من المخاريق والحيل الشيطانية، واستغوى أناسا خدعهم حتى صاروا يتابعونه ويعتقدون ألوهيته وشاع خبره فأحضر وحضر معه جماعة من أصحابه وأقروا بأنه يدعى الألوهية وأنه يحيي الموتى. فأنكر ذلك منهم. وفي آخر مجلس من مجالس محاكمته جيء به وقد أحضر له كتاب من دور بعض أصحابه، وفيه يقول: " من أراد الحج ولم يتيسر له فليبن في داره بيتا لا يناله شيء من النجاسة ولا يمكن أحدا من دخوله، فإذا كان في أيام الحج فليصم ثلاثة أيام وليطف به كما يطاف بالكعبة ثم يفعل في داره ما يفعله الحجيج بمكة ثم يستدعي ثلاثين يتيما فيطعمهم من طعامه، ويتولى خدمتهم بنفسه، ثم يكسوهم قميصا قميصا، ويعطي كل واحد منهم سبعة أو ثلاثة دراهم، فإذا فعل ذلك قام له مقام الحج. وأن من صام ثلاثة أيام لا يفطر إلا في اليوم الرابع على ورقات هندباء أجزأه ذلك عن صيام رمضان، ومن صلى في ليلة ركعتين عن الصلاة بعد ذلك. وأن من جاور الشعير والملح الجريش أغناه ذلك عن العبادة في بقية عمره ". فقال له القاضي من أين لك هذا؟ فقال: من كتاب الإخلاص للحسن البصري. فقال كذبت يا حلال الدم، قد سمعنا كتاب الإخلاص للحسن بمكة ليس فيه شيء من هذا. فكتب القاضي بإهدار دمه وقتله وتبعه الفقهاء على ذلك فأخذ وضرب ألف سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه وحز رأسه وأحرقت جثته وألقي رماده في نهر دجلة سنة ٣٠٩هـ. انظر ترجمته في: - تاريخ الأمم والملوك للطبري، ١١ / ٧٩ وما بعدها. - تاريخ بغداد، ٨ / ١١٢ وما بعدها. - المنتظم لابن الجوزي، ٦ / ١٦٠ وما بعدها. - البداية والنهاية، ١١ / ١٣٢ وما بعدها. - سير أعلام النبلاء، ١٤ / ٣١٣ وما بعدها.
[ ١٦٥ ]
مقام المقربين، ثم لا يزال يصفو ويرتقي في درجات المصافاة حتى يصفو عن البشرية، فإذا لم يبق فيه حظ من البشرية حل فيه الإله الذي حل في عيسى ابن مريم، ولم يرد حينئذ شيئا إلا كانا كما أراد، وكان جميع فعله فعل الله (١) وقد ادعى الحلاج أن روح الله حلت فيه كما حلت في الأنبياء من قبل- حسب زعمه - وكلامه في ذلك واضح في أشعاره، وكتبه التي خلفها.
وفي ذلك يقول:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته وإذا أبصرته أبصرتنا
ويقول:
مزجت روحك في روحي كما تمزج الخمرة في الماء الزلال
فإذا مسك شيء مسني فإذا أنت أنا في كل حال
_________________
(١) الفرق بين الفرق، ص٢٦٣.
[ ١٦٦ ]
وهو القائل:
سبحان من أظهر ناسوته سر سنا لاهوته الثاقب
ثم بدا في خلقه ظاهرا في صورة الآكل والشارب
حتى لقد عاينه خلقه كلمحة الحاجب بالحاجب
ويقول:
أنا أنت بلا شك فسبحانك سبحاني
فتوحيدك توحيدي وعصيانك عصياني
ويتمادى الحلاج في كفره حين يقول:
كفرت بدين الله والكفر واجب لدي وعند المسلمين قبيح
ويقول:
إذا بلغ الصب الكمال من الهوى وغاب عن المذكور في سطوة الذكر
فيشهد صدقا حيث أشهده الهوى بأن صلاة العاشقين من الكفر
ويقول:
ألا أبلغ أحبائي بأني ركبت البحر وانكسر السفينة
على دين الصليب يكون موتي فلا البطحا أريد ولا المدينة
هذه نبذ من شعره توضح اعتقاده بالحلول وتصرح بكفره الذي أقر به على نفسه، بل اعتقد أن الكفر بدين الإسلام واجب عليه. فلا عجب بعد ذلك إذا ادعى الألوهية قائلا:
أنا الحق والحق للحق لابس ذاته فما ثم فرق (١)
وكان يكتب إلى أتباعه واصفا نفسه بالألوهية، ويستتر بين العامة بالتصوف. ومع ادعائه للألوهية كان يتكلم على طريقة فلاسفة الصوفية عن بدء العالم وكيف خلقه الله فيقول:
_________________
(١) هذه النصوص نقلتها من كتاب الصوفية في الإسلام، ص٣٦٢ وما بعدها.
[ ١٦٧ ]
(تجلى الحق لنفسه في الأزل قبل أن يخلق الخلق، وقبل أن يعلم الخلق وجرى له في حضرة أحديته مع نفسه حديث لا كلام فيه ولا حروف، وشاهد سبحات ذاته في ذاته، في الأزل حيث كان الحق ولا شيء معه، نظر إلى ذاته فأحبها، وأثنى على نفسه فكان هذا تجليا لذاته في ذاته في صورة المحبة المنزهة عن كل وصف وكل حد، وكانت هذه المحبة علة الوجود والسبب في الكثرة الوجودية ثم شاء الحق سبحانه أن يرى ذلك الحب الذاتي ماثلا في صورة خارجية يشاهدها ويخاطبها فنظر في الأزل، وأخرج من العدم صورة من نفسه لها كل صفاته وأسمائه وهي آدم الذي جعله الله صورته أبد الدهر، ولما خلق آدم على هذا النحو عظمه ومجده فاختاره لنفسه، وكان من حيث ظهور الحق بصورته فيه وبه، هو هو) (١) فالحلاج في هذا النص يؤكد على مذهبه في الحلول، وأن الإله قد حل في آدم، فصار بذلك الإنسان الإلهي، أي الذي حلت روح الإله فيه. والمقصود بآدم عند الحلاج ومن- سلك مسلكه من فلاسفة الصوفية- هو النوع الإنساني ابتداء بآدم واستمرارا في الأنبياء حتى محمد ﷺ والأولياء من بعده. وكلام الحلاج في هذا النص كله من قبيل التصوف الفلسفي الوثني عن بداية الخلق متأثرا في ذلك بالفلسفة الأفلاطونية الحديثة وقد كذبهم الله تعالى بقوله ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١] (٢) لكن يهمنا في هذا المجال موقف الحلاج من الرسول ﷺ الذي يدور حول النور المحمدي! . إذ يرى الحلاج أن للنبي ﷺ صورتين مختلفتين:
(أ) صورته نورا أزليا قديما كان قبل أن يوجد العالم ومنه استمد كل علم وعرفان حيث أمد الأنبياء السابقين عليه والأولياء اللاحقين به.
_________________
(١) المصدر نفسه، ص ٣٦١، نقلا عن الطواسين للحلاج، ص ١٢٩- ١٣٠.
(٢) سورة الكهف، آية (٥١) .
[ ١٦٨ ]
(ب) ثم صورته نبيا مرسلا وكائنا محدثا تعين وجوده في مكان وزمان محدودين والنبي المرسل ﷺ إنما صدر في رسالته عن ذاك النور الأزلي القديم (١) يقول الحلاج:
(" طس " سراج من نور الغيب بدأ وعاد، وجاوز السراج وساد. قمر تجلى بين الأقمار. برجه في فلك الأسرار. . . ما أخبر إلا عن بصيرته، ولا أمر بسنته إلا عن حق سيرته، حضر فأحضر، وأبصر فخبر. . . أنوار النبوة من نوره برزت، وأنوارهم من نوره ظهرت، وليس في الأنوار نور أنور وأظهر وأقدم سوى نور صاحب الكرم. . . همته سبقت الهمم، ووجوده سبق العدم، واسمه سبق القلم لأنه كان قبل الأمم، ما كان في الآفاق وراء الآفاق ودون الآفاق. أظرف وأشرف وأعرف وأنصف وأرأف وأخوف وأعطف من صاحب هذه القضية وهو سيد البرية، الذي اسمه أحمد، ونعته أوحد، وأمره أوكد، وذاته أوجد، وصفته أمجد، وهمته أفرد، يا عجبا ما أظهره وأنظره وأكبره وأشهره وأقدره وأبصره، لم يزل، كان مشهورا قبل الحوادث والكوائن والأكوان، ولم يزل، كان مذكورا قبل القبل وبعد البعد. . هو الدليل وهو المدلول. . . بالحق موصول غير مفصول، ولا خارج عن المعقول. . . العلوم كلها قطرة من بحره. . . والأزمان كلها ساعة من دهره، الحق وبه الحقيقة، هو الأول في الوصلة، وهو الآخر في النبوة، والباطن بالحقيقة، والظاهر بالمعرفة. . . الحق ما أسلمه إلى خلقه، لأنه هو وإني هو، وهو هو) (٢) فهذا النص يدور حول النور المحمدي وأنه هو المصدر الذي استمد منه الأنبياء والرسل قبله، والأولياء من بعده هذا النور. ويؤكد الحلاج في هذا النص على قدم وجود النبي ﷺ وأسبقيته على وجود الكون. فيقول: " همته سبقت
_________________
(١) انظر: الفلسفة الصوفية، ص ٣٧٩- ٠ ٣٨.
(٢) الكشف عن حقيقة الصوفية، ص ٢٦٣- ٢٦٤، نقلا عن أخبار الحلاج ص ٨٢ وما بعدها.
[ ١٦٩ ]
الهمم ووجوده سبق العدم واسمه سبق القلم لأنه كان قبل الأمم ".
وبناء على ذلك نراه ينكر الوحي ويزعم أن الرسول جاء بالرسالة من ذاته وأخبر بها عن بصيرته. ويتمشى هذا منطقيا مع قوله بقدم النور المحمدي وأنه هو مصدر الوحي والإله أم لجميع الأنبياء والأولياء، ثم مع مذهبه في الحلول الذي يرى بأن الإله حل في آدم ثم الأنبياء من بعده. فلا حاجة مع ذلك إلى الوحي. وبذلك يكون الحلاج بمذهبه هذا قد حاول أن يصل بشخصية الرسول ﷺ عن طريق الغلو إلى ما وصلت إليه النصرانية بالغلو في عيسى إذ جعلوه الكلمة الإلهية الأزلية الحالة في الناسوت فقالوا عنه إنه ابن الله.
أما الحلاج ومن تابعه من الحلوليين فيرون أن محمدا ﷺ هو المظهر الذي حل فيه الإله أو الناسوت الذي حل فيه اللاهوت. ولم يكن هذا الحلول خاصا بالرسول بل تعدى إلى الأولياء من بعده، وهذا كفر أشنع من كفر النصارى لأن النصارى خصوا الحلول بعيسى، أما الحلاج فقد عممه في الأنبياء والأولياء على السواء.
على أنه ينبغي أن نلاحظ أن غلو الحلاج في الرسول ﷺ لم يكن نابعا من حبه له. وإنما كان هدفه من وراء ذلك الغلو هو ادعاؤه للألوهية وتصريحه بحلول الله فيه، ودعوة أتباعه إلى عبادته، طالما أن حلول الإله مستمر في الأولياء بعد الأنبياء بزعمه.
ولذلك حكم عليه فقهاء عصره بردته وإهدار دمه وقتله جزاء وفاقا لكفره وزندقته.
وقد كان مقتل الحلاج بسيف الشرع سببا مهما في استتار ملاحدة الصوفية بدعوتهم الباطنية الرامية إلى إخراج المسلمين من دينهم إلى الزندقة والكفر حتى لا يحصل لهم ما حصل للحلاج. فكانوا على حذر تام من الوقوع تحت سيف الشرع، فإذا وجدوا فرصة ضعف في المسلمين جاهروا بآرائهم، كما كان مقتل الحلاج سببا لإظهار عداوة ملاحدة الصوفية للفقهاء وتنفير أتباعهم منهم.
[ ١٧٠ ]
ولم تمت أفكار الحلاج بموته، بل امتد أثرها فيمن أتى بعده من الصوفية ويدل على ذلك ثناؤهم عليه وتصويبهم لمسلكه، وتأويلهم لعباراته وكفرياته وأنه مات شهيدا إلى غير ذلك من وجوه الدفاع الصادرة إما عن جاهل بحقيقة مذهب الحلاج، أو معتقد لمذهبه مدافع عنه.
قال الذهبي في معرض ترجمته للحلاج:
(فتدبر- يا عبد الله- نحلة الحلاج، الذي هو من رؤوس القرامطة، ودعاة الزندقة، وأنصف وتورع واتق الله في ذلك، وحاسب نفسك فإن تبرهن لك أن شمائل هذا المرء شمائل عدو للإسلام، محب للرئاسة، حريص على الظهور بباطل وبحق، فتبرأ من نحلته، وأن تبرهن لك والعياذ بالله، أنه كان- والحالة هذه- محقا هاديا مهديا، فجدد إسلامك واستغث بربك أن يوفقك للحق وأن يثبت قلبك على دينه، فإنما الهدى نور يقذفه الله في قلب عبده المسلم، ولا قوة إلا بالله، وإن شككت ولم تعرف حقيقته، وتبرأت مما رمي به، أرحت نفسك، ولم يسألك الله عنه أصلا) (١)
_________________
(١) سير أعلام النبلاء، ١٤ / ٣٥٤.
[ ١٧١ ]
[المطلب الثاني الغلو في الرسول ﷺ عند ابن عربي]
المطلب الثاني
الغلو في الرسول ﷺ عند ابن عربي انتهينا فيما سبق إلى أن الحلاج كان أول صوفي غلا في الرسول ﷺ بما يخرجه عن حد البشرية منطلقا من مذهبه في الحلول.
وجاء ابن عربي (١) .
الذي بدأ من حيث انتهى الحلاج ليقيم مذهبا فلسفيا صوفيا مبنيا على وحدة الوجود، وتفرع عن مذهبه في الوجود مذهبه في الحقيقة
_________________
(١) هو محيي الدين محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الحاتمي الطائي الأندلسي ثم الدمشقي، المعروف بابن عربي بالتنكير تمييزا بينه وبين القاضي أبي بكر بن العربي، وينتهي نسب ابن عربي إلى عبد الله بن حاتم أخي عدي بن حاتم الطائي. ولد ابن عربي في رمضان سنة ٥٦٠ هـ بمرسية في بلاد الأندلس ثم ارتحل إلى أشبيلية بعد بلوغه ثماني سنوات وفيها حفظ القرآن وتعلم القراءات واشتغل بتحصيل الحديث وسماعه من أهل الحديث في بلاده ثم مال بعد ذلك إلى الأدب ونظم الشعر فحصل له توسع فيه وكتب الإنشاء لبعض الأمراء بالمغرب ثم بعد ذلك كله سلك طريق التصوف فتزهد وتعبد وأقبل على الخلوات وانقطع للتنسك إلى أن أصبح رأسا في التصوف الفلسفي. وكان ابن عربي بحكم نشأته في الأندلس التي كانت بمنزلة الباب العربي للمسلمين على أوربا قد اطلع على ثقافات عصره والفلسفات السائدة في ذلك الوقت. ثم خرج ابن عربي بعد ذلك من الأندلس لطلب العلم ولقاء الصوفية في البلدان والاجتماع بهم فزار معظم مدن المغرب مثل سبته وفاس وتونس وتلمسان وغيرها، ثم اتجه في رحلاته إلى المشرق راغبا في الحج، وبعد الحج اتجه صوب العراق فدخل بغداد والموصل ثم رحل إلى مصر سنة ٦٠٣ هـ. واتصل ببعض أشباهه من الصوفية وأخذ بتأليف الرسائل والكتب وهناك ظهر منه ما يستوجب النقد والإنكار، فأنكر عليه علماء مصر ما صدر منه وحكموا بكفره وإراقة دمه كما حكم على الحلاج وأمثاله، وكاد أن يقتل لولا أن خلصه وشفع له الشيخ أبو الحسن علي بن فتح بن عبد الله البجائي الذي سعى في أمره وأظهر وجوه تأويل كلامه إلى أن عفي عنه. ثم رحل إلى مكة فجاور بها إلى سنة ٦٠٧ هـ وفيها ابتدأ تأليف كتابه الفتوحات المكية الذي يعتبر أكبر موسوعة صوفية شملت كثيرا من علوم الصوفية وأحوالهم غير أنه مزجه بمذهب وحدة الوجود. ثم توجه ابن عربي بعد ذلك إلى بلاد الأناضول فوصل إلى (قونيه) وكانت آنذاك عاصمة القسم الإسلامي من بلاد الروم، وفيها صنف بعض كتبه كما تزوج فيها بأم صدر الدين القونوي فأصبح القونوي ربيبه ومن أخص تلامذته فيما بعد، ثم رحل ابن عربي بعد ذلك إلى بغداد حيث التقى بشهاب الدين السهروردي صاحب كتاب عوارف المعارف، ومن بغداد توجه إلى مكة ومنها إلى قونيه مرة أخرى، ثم رجع إلى الشام ليتنقل بين قرى الشام ومدنه واستقر به الأمر آخرا في دمشق حيث أتم كتاب الفتوحات المكية وصنف فصوص الحكم، والتفصيل في معاني التنزيل، وغيرها من الكتب، كما أخذ ينشر علومه ومعارفه وظل في دمشق إلى أن توفي فيها سنة ٦٣٨ هـ. ويعتبر ابن عربي من أكثر الصوفية تصنيفا إذ جاوزت تصانيفه ما يربو على المائتين، ومن أشهر تصانيفه الفتوحات المكية، وفصوص الحكم، وعنقاء مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب، وإنشاء الدوائر، والفناء في المشاهدة، وكتاب الإسراء إلى مقام الإسرى، ومحاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار وغيرها. ويعد ابن عربي رأسا في تصوف أهل وحدة الوجود كما كان أهل الصوفية ضلالا وزيغا ومروقا من الدين. ولكنه لم يجاهر بآرائه وزنقدته وكفره إلا لخواص أصحابه وتلامذته خوفا من الوقوع تحت سيف الشرع متظاهرا بين عامة أهل العلم بالتنسك والعبادة والزهد. فلما مات وانتشرت كتبه عرف الناس حقيقة أمره وحقيقة مذهبه فحكم أكثر العلماء بكفره وزندقته وكذبه على الله ورسوله وانتصب كثير منهم للرد عليه وبيان كفره وتحذير الناس منه. وقد جمع تقي الدين الفاسي في العقد الثمين جملة من ردود العلماء وفتواهم بكفره وزندقته، كذلك فعل برهان الدين البقاعي في تنبيه الغبي إلى تكفر ابن عربي، ومثل ذلك فعل السخاوي في القول المبني في ترجمة ابن عربي. وبعض العلماء أثنى على ابن عربي لما رأوا من زهده وإيثاره واجتهاده في العبادة فأثنوا عليه بهذا الاعتبار ولم يعرفوا ما في كلامه من الكفر، وبعض من أثنى عليه يعرفون ما في كلامه من الباطل ولكنهم يزعمون أن له تأويلا، وحملهم على ذلك متابعتهم له في معتقده، فثناؤهم عليه مردود لتزكيتهم معتقدهم. وأما الصوفية فأكثرهم - إلا من رحم الله - يعدون ابن عربي الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر وكثير منهم اليوم على مذهبهم بفهم لحقيقته وبغير فهم. انظر: - سير أعلام النبلاء للذهبي، ٢٣ / ٤٨ وما بعدها. - البداية والنهاية لابن كثير، ١٣ / ١٥٦. - لسان الميزان لابن حجر، ٥ / ٣١١ وما بعدها. - العقد الثمين لتقي الدين الفاسي، ٢ / ١٦٠ وما بعدها. - شذرات الذهب لابن العماد، ٥ / ١٩٠ وما بعدها. - نفح الطيب للمقري ٢ / ١٦١، وما بعدها.
[ ١٧٢ ]
المحمدية التي دان بها أكثر الصوفية وآمنوا بها إيمانا عميقا.
ويتمثل غلو ابن عربي في الرسول ﷺ في قوله بالحقيقة المحمدية، ولكي نفهم مقصوده بالحقيقة المحمدية لا بد أن نعرف بإيجاز مذهبه في وحدة الوجود.
مذهب ابن عربي في وحدة الوجود: إن القول بوحدة الوجود كمذهب فلسفي يحاول تفسير الوجود ومدى
[ ١٧٣ ]
علاقته بخالقه ﷾ قول قديم جدا عرفه الفكر الفلسفي الوثني، وعن طريقه انتقل إلى أهل الأديان من يهود ونصارى، ثم انتقل إلى المتصوفة عن طريق ابن عربي الذي حاول جهده أن يصبغه بصبغة إسلامية (١) . ولم يكن هذا المذهب قد أخذ صورته الكاملة في المحيط الصوفي قبل ابن عربي الذي قرر مذهب وحدة الوجود في صورته النهائية ووضع له مصطلحا صوفيا كاملا استمده من كل مصدر وسعه أن يستمد منه، كعلم الكلام والفلسفة اليونانية والأفلاطونية الحديثة والغنوصية المسيحية وغيرها من الفلسفات، كما أنه استفاد من تراث متصوفة الإسلام المتقدمين عليه سواء منهم من كان في الأندلس أو في المشرق، كما اعتمد على الأحاديث الموضوعة وتأويلات الشيعة الباطنية للشريعة ونصوصها. ولكنه صبغ هذه المصطلحات والفلسفات بصبغته الخاصة وأعطى لكل منها معنى جديدا يتفق مع روح مذهبه العام في وحدة الوجود (٢) .
ويقوم مذهب ابن عربي في وحدة الوجود على أساس أن الوجود كله- بما فيه ومن فيه- واحد هو الله، وأن ما يوجد في الكون من مخلوقات فوجودها خيال أو وهم أو ظل بالنسبة لوجود الله (٣) . فالوجود عند ابن عربي كله واحد هو الله، والكثرة التي تشهدها الحواس إنما هي مجرد صور ومظاهر ومجال تتجلى فيها الصفات الإلهية. وليس هناك فرق حقيقي بين الوحدة والكثرة، أو بين الحق والخلق إلا من حيث الاعتبار والجهة أو النسب والإضافات أو الأسماء والصفات. فالحقيقة الوجودية واحدة في ذاتها متكثرة بصفاتها وأسمائها، فالله حق في ذاته، خلق من حيث صفاته، وصفاته عين ذات، فالخلق عين الحق، والحق هو الخلق (٤) . فالله- تعالى وتقدس- عند
_________________
(١) انظر: الفلسفة الصوفية في الإسلام، ص٤٩٧ وما بعدها.
(٢) انظر: مقدمة فصوص الحكم لابن عربي. تقديم وتعليق أبو العلا عفيفي نشر دار الكتاب العربي بيروت، ص٧.
(٣) انظر: فصوص الحكم، ص ١٠١ وما بعدها.
(٤) انظر: مقدمة النصوص، ص ٢٩.
[ ١٧٤ ]
ابن عربي هو الواحد والكثرة، وهو القديم والحديث: وهو الباطن والظاهر، وهو العبد وهو الرب.
يقول ابن عربي عن آله وحدة الوجود:
(فهو الأول والآخر، والظاهر والباطن) (١) . فهو عين ما ظهر، وهو عين ما بطن في حال ظهوره، وما ثم من يراه غيره، وما ثم من يبطن عنه، فهر ظاهر لنفسه، باطن عنه، وهو المسمى أبا سعيد الخراز، وغير ذلك من أسماء المحدثات. فيقول الباطن: لا إذا قال الظاهر أنا، ويقول الظاهر: لا إذا قال الباطن أنا، وهذا في كل ضد، والمتكلم واحد وهو عين السامع) (٢) . ويقول:
يا خالق الأشياء في نفسه أنت لما تخلقه جامع
تخلق ما لا ينتهي كونه في ك فأنت الضيق الواسع (٣)
ويقول:
فالحق خلق بهذا الوجه فاعتبروا وليس خلقا بذاك الوجه فادكروا
من يدر ما قلت لم تخذل بصيرته وليس يدريه إلا من له بصر
جمع وفرق فإن العين واحدة وهي الكثيرة لا تبقي ولا تذر (٤) .
وحتى لا يظن ظان أن ابن عربي يفرق بين ذات الله وبين الخلق يقول: (. . . . وبالإخبار الصحيح أنه عين الأشياء، والأشياء محدودة، وإن اختلفت حدودها، فهو محدود بحد كل محدود فما يحد شيء إلا وهو حد الحق،
_________________
(١) لا يريد ابن عربي بالأول والآخر والظاهر والباطن المعنى الإسلامي الصحيح الذي يليق بأسماء الله وصفاته. وإنما يريد معنى إلحاديا ينبني على أن الله هو الكون والكون هو الله. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
(٢) الفصوص، ص ٧٧.
(٣) المصدر نفسه ص٨٨.
(٤) المصدر نفسه ص٧٩.
[ ١٧٥ ]
فهو الساري في مسمى المخلوقات والمبدعات، ولو لم يكن الأمر كذلك ما صح الوجود، فهو عين الوجود، (فهو على كل شيء حفيظ " بذاته " ولا يؤوده " حفظ شيء فحفظه تعالى للأشياء كلها حفظه لصورته أن يكون الشيء غير صورته. ولا يصح إلا هذا فهو الشاهد من الشاهد، والمشهود من المشهود، فالعالم صورته وهو روح العالم المدبر له فهو الإنسان الكبير.
فهو الكون كله وهو الواحد الذي
قام كوني بكونه ولذا قلت يغتذي
فوجودي غذؤه وبه نحن نحتذي
فبه منه أن نظرت بوجه تعوذي (١) .
وعلى ذلك فلا فرق بين الله والعالم عند ابن عربي، فالعالم بما فيه من مخلوقات هو الله، وليس ثم شيء آخر وراء هذا العالم عنده. وبهذا يكون ابن عربي بمذهبه في وحدة الوجود قد وصل إلى نهاية الكفر التي ليس وراءها شيء. وبناء على ذلك فهذا المذهب لا يؤمن بالخلق والإيجاد من العدم، وإنما الخلق عند ابن عربي هو عبارة عن التجلي الإلهي الدائم الذي لم يزل ولا يزال بظهور الحق في كل آن فيما لا يحصى عدده من صور الموجودات. فأصل كل وجود وسبب كل موجود عنده هو الفيض الإلهي المتصل الدائم (٢) . يقول ابن عربي:
(لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها، وإن شئت قلت أن يرى عينه، في كون جامع يحصر الأمر كله، لكونه متصفا بالوجود، ويجهر به سره إليه، فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته بنفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه
_________________
(١) المصدر نفسه، ص١١.
(٢) انظر: الفلسفة الصوفية في الإسلام ص ٥٠٧ وما بعدها.
[ ١٧٦ ]
له. وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه فكان كمرآة غير مجلوة. ومن شأن الحكم الإلهي أنه ما سوى محلا إلا ويقبل روحا إلهيا عبر عنه بالنفخ فيه، وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول فيض التجلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال وما بقي إلا قابل، والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس. فالأمر كله منه، ابتداؤه وانتهاؤه ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] (١) كما ابتدأ منه.
فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة، وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم «بالإنسان الكبير» (٢) . هذا هو مذهب ابن عربي في وحدة الوجود ولسنا بصدد مناقشته وبيان مخالفته للإسلام (٣) .
لكن يهمنا هنا موقفه من الحقيقة المحمدية، وما هي علاقتها بمذهبه في وحدة الوجود؟
الحقيقة المحمدية عند ابن عربي: لما كان الله تنزه وتقدس- عند ابن عربي - يتجلى في صور المخلوقات باعتباره روح هذا العالم وكان الإنسان أعظم هذه المخلوقات، كان تجلي الحق فيه أعظم وأكمل. فالإنسان - في نظر ابن عربي - أكمل مجالي الحق باعتباره أرقى الموجودات. حيث جمع الصفات الحقيقة والخلقية، فصار صورة للعالم الأكبر، ولذلك يسميه ابن عربي بالمختصر الشريف، والكون الجامع لجميع حقائق الوجود
_________________
(١) سورة هود، آية (١٢٣) .
(٢) الفصوص، ص ٤٨- ٤٩.
(٣) انظر: في الرد على مذهب وحدة الوجود. - رسالة حقيقية مذهب الاتحاديين ووحدة الوجود لابن تيمية. مجموع الفتاوي ٢ / ١٣٤- ٢٨٥. - وتنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي، وتحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد. برهان الذين البقاعي. تحقيق عبد الرحمن الوكيل. - والعقد الثمين في تاريخ البلد الأمين، تقي الدين القاصى المكي ٢٠ / ١٦٠- ١٩٩. وقد ترجم فيه التقى القاضي لابن عربي وذكر طائفة من ردود العلماء عليه وتكفيرهم له.
[ ١٧٧ ]
ومراتبه، فهو العالم الأصغر الذي انعكست في مرآة وجوده كل كمالات العالم الأكبر (الله) . أو كمالات الحضرة الإلهية الأسمائية والصفاتية. فأكمل الموجودات على الإطلاق هو الحق، وأكمل مظهر للحق هو الإنسان الكامل (١) . والإنسان الكامل عند ابن عربي هو الإنسان الذي تجلى فيه الحق، أكمل تجل وأعظمه، ولا يصدق هذا إلا على الأنبياء والأولياء. وأكمل هؤلاء جميعا هو محمد ﷺ. ولا يقصد ابن عربي بذلك شخص الرسول ﷺ بل يقصد به الحقيقة المحمدية الأزلية القديمة التي تعتبر. الروح التي ظهرت في الأنبياء والأولياء، أو التي كان الأنبياء والأولياء صورا لها ولذلك يسميها بالروح المحمدي أو روح الخاتم (خاتم الرسل) (٢) . فالحقيقة المحمدية- في نظر ابن عربي - هي أكمل مجلى خلقي ظهر فيه الحق، بل يعتبرها الإنسان الكامل والخليفة الكامل بأخص معانيه. وكمال الشيء عنده متوقف على عدد الأسماء والصفات الإلهية المتجلية فيه، فإذا كان كل واحد من الموجودات يعتبر مجلى خاصا لبعض الأسماء الإلهية التي هي أرباب له، فإن محمدا ﷺ - عند ابن عربي - قد انفرد بأنه مجلى للاسم الأعظم الجامع لجميع تلك الأسماء، وهو الله. ولهذا كانت له مرتبة الجمعية المطلقة (جمع كمالات الأسماء والصفات) ومرتبة التعين (التجلي) الأول الذي تعينت به الذات الأحدية. ومعنى ذلك أن الحقيقة المحمدية هي أول شيء تجلى فيه الحق وظهر، وإن شئت قلت إنها هي الحق ذاته ظاهرا لنفسه في أول تعين من تعيناته في صورة العقل الحاوي لكل شيء، المتجلي في كل كائن عاقل (٣) . ولذلك يعرف غلاة الصوفية الحقيقة المحمدية بأنها (هي الذات مع التعين الأول، وهو الاسم الأعظم) (٤) .
_________________
(١) انظر: الفصوص، ص ٥٤- ٥٥.
(٢) انظر: نظريات الإسلاميين في الكلمة. لأبي العلاء عفيفي، مقال بمجلة كلية الآداب. جامعة الملك فؤاد (القاهرة) سنة ١٩٣٤م، ج١، المجلد الثاني، ص٣٣ - ٧٥.
(٣) انظر: التعليقات على فصوص الحكم لأبي العلاء عفيفي، ٢ / ٣٢٠- ١ ٣٢.
(٤) انظر: التعريفات للشريف الجرجاني، ص٩٠، ط دار الكتب العلمية، بيروت.
[ ١٧٨ ]
هذا هو مقصود ابن عربي ومن أتى بعده بالحقيقة المحمدية أو الروح المحمدي وهي شيء مختلف عندهم تماما عن شخصية النبي ﷺ بل ليس بينهما من الصلة على كما بين الحقيقة المحمدية وأي نبي من الأنبياء أو رسول من الرسل أو ولي من الأولياء (١) . يقول ابن عربي في إحدى صلواته:
(اللهم أفض صلة صلواتك وسلامة تسليماتك على أول التعينات المفاضة من العماء الرباني وآخر التنزلات المضافة إلى النوع الإنساني، المهاجر من مكة " كان الله ولم يكن مع شيء ثان " إلى مدينة " وهو الآن على ما عليه كان " محصي عوالم الحضرات الإلهية الخمس في وجوده، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] (٢) نقطة البسملة الجامعة لما يكون ولما كان، ونقطة الأمر الجوالة بدوائر الأكوان، سر الهوية التي في كل شيء سارية، وعن كل شيء مجردة وعارية. . كلمة الاسم الأعظم، وفاتحة الكنز المطلسم، المظهر الاسم الجامع بين العبودية والربوبية. . . والنفس الرحماني الساري بمواد الكلمات التامات، الفيض الأقدس الذاتي الذي تعينت به الأعيان واستعداداتها، والفيض المقدس الصفاتي الذي تكونت به الأكوان واستمداداتها، مطلع شمس الذات في سماء الأسماء والصفات ومنبع الإفاضات في رياض النسب والإضافات، خط الوحدة بين قوسي الأحدية والواحدية. . . ومركز إحاطة الباطن والظاهر. . . . اللهم يا رب يا من ليس حجابه إلا النور، ولا خفاؤه إلا شدة الظهور، أسألك بك. . . أن تصلي على سيدنا. محمد صلاة تكحل بها بصيرتي بالنور المرشوش في الأزل لأشهد فناء ما لم يكن وبقاء ما لم يزل، وأرى الأشياء كما هي في أصلها معدومة مفقودة، وكونها لم تشم رائحة الوجود فضلا عن كونها موجودة) (٣) .
ويتضح من هذا النص كفر
_________________
(١) التعليقات على الفصوص، ٢ / ٣٢١.
(٢) سورة يس، آية (١٢) .
(٣) أفضل الصلوات على سيد السادات، ليوسف بن إسماعيل النبهاني، طبع المطبعة الأدبية، بيروت، ١٣٠٩هـ، ص٨٨ وما بعدها.
[ ١٧٩ ]
ابن عربي وغلوه في الحقيقة المحمدية حتى جعلها مساوية للحقيقة الإلهية. ويبدو هذا واضحا في عباراته السابقة التي منها:
- المهاجر من مكة كان الله ولم يكن معه شيء ثان. أي أن المهاجر من مكة وهو الرسول ﷺ، كان الله.
- كلمة الاسم الأعظم (الله.) .
- الفيض الأقدس الذاتي الذي تعينت به الأعيان واستعداداتها ومعنى ذلك أن الموجودات تعينت وتحددت بفيضه عليها.
- ثم يتجلى لنا مدى خبثه في لي النصوص وتأويلها لخدمة مذهبه الزائغ. ويقول ابن عربي في رسالة شجرة الكون:
" لما قبض الله آدم من قبضة تراب (كن) مس على- ظهره حتى يميز الخبيث من الطيب فاستخرج من ظهره من كان من أصحاب اليمين ومن كان من أصحاب الشمال. ثم اعتصر من شجرة (كن) صفوة عنصرها، ومخضها حتى بدت زبدتها، ثم صفاها وألقى عليها من نور هدايته، حتى ظهر جوهرها ثم غمسها في بحر الرحمة، ثم خلق منها نور نبينا محمد ﷺ، ثم زينه بنور الملأ الأعلى حتى أضاء وعلا، ثم جعل ذلك النور أصلا لكل نور، فهو أولهم في السطور وآخرهم في الظهور " (١) .
وواضح أن ابن عربي هنا قد صاغ هذه الفكرة بأسلوب صوفي بعيد عن التركيب الفلسفي الذي نراه في كتبه وبالأخص فصوص الحكم والفتوحات المكية، وهو في هذا متأثر بسلفه الحلاج حيث قال: " أنوار النبوة من نوره برزت، وأنوارهم من نوره ظهرت، وليس في الأنوار
_________________
(١) نشأة الفلسفة الصوفية، وتطورها. عرفان عبد الحميد فتاح، طبع المكتب الإسلامي، بيروت، ١٣٩٤ هـ، ص ١٠٠.
[ ١٨٠ ]
نور أنور وأظهر وأقدم من القدم سوى نور صاحب الكرم، همته سبقت الهمم، ووجوده سبق العدم واسمه سبق القلم لأنه كان قبل الأمم " (١) . هذا هو مفهوم الحقيقة المحمدية عند ابن عربي فما هي خصائصها وما علاقتها بالعالم المادي والروحي كما للحقيقة المحمدية- عند ابن عربي - عدة وظائف في العالم المادي والروحي فمن ناحية صلتها بالعالم المادي تعتبر مبدأ خلق العالم إذ هي النور الذي خلقه الله قبل كل شيء وخلق منه كل شيء، كما يقول ابن عربي (بدء الخلق الهباء وأول موجود فيه الحقيقة المحمدية الرحمانية) (٢) .
، ويقول (أنه سبحانه تجلى بنوره إلى " ذلك الهباء. . . فقبل منه تعالى كل شيء في ذلك الهباء وعلى حسب قوته واستعداده كما تقبل زوايا البيت نور السراج، وعلى قدر قربه من ذلك النور يشتد ضوؤه وقبوله. قال تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥] (٣) فشبه نوره بالمصباح فلم يكن أقرب إليه قبولا في ذلك الهباء إلا حقيقة محمد ﷺ المسماة بالعقل فكان سيد العالم بأسره، وأول ظاهر في الوجود، فكان وجوده من ذلك النور الأزلي ومن الهباء ومن الحقيقة الكلية وفي الهباء وجد عينه، وعين العالم من تجليه وأقرب الناس إليه علي بن أبي طالب (٤) . وأسرار الأنبياء أجمعين (٥) ومن ناحية صلتها بالإنسان يعتبرها ابن عربي صورة كاملة للإنسان الكامل الذي يجمع في نفسه جميع حقائق الوجود ولذلك يسميها آدم الحقيقي والحقيقة الإنسانية (٦) . أما من ناحية صلتها بالعالم الروحي فيعتبرها مصدر كل وحي وإلهام وكشف للأنبياء والأولياء على السواء فهي منبع الوحي والعلم الباطني، والأصل الذي يأخذ عنه الأنبياء والأولياء.
_________________
(١) الكشف عن حقيقة الصوفية، ص ٢٦٣، نقلا عن أخبار الحلاج ص١١.
(٢) الفتوحات المكية، ١ / ١١٨.
(٣) سورة النور، آية (٣٥) .
(٤) تفوح من هذا النص رائحة التشيع عند ابن عربي بالإضافة إلى الغلو.
(٥) الفتوحات المكية، ١ / ١١٩.
(٦) انظر: التعليقات على الفصوص، ص ٣٢٠.
[ ١٨١ ]
يقول ابن عربي:
" فكل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي ما منهم من أحد يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين، وإن تأخر وجود طينته فإنه بحقيقته موجود، وهو قوله ﷺ: " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين! (١) . وغيره من الأنبياء ما كان نبيا إلا حين بعث " (٢) . وبذلك تكون الحقيقة المحمدية مشابهة للقطب أو الإمام المعصوم لدى الشيعة الإسماعيلية الذي يتجلى في كل زمان في صورة قطب ذلك الزمان (٣) . هذا هو مقصود ابن عربي ومن أتى بعده بالحقيقة المحمدية.
وقد تأثر ابن عربي بمن سبقه من المتصوفة لاسيما الحلاج في قوله بقدم النور المحمدي، كما أنه استفاد من كل ما سبقه من فلسفات يونانية وهندية، ومصرية وعقائد يهودية ونصرانية. كما كان لعقائد الشيعة والباطنية وتأويلاتهم لنصوص الشرع، وآرائهم الهدامة نصيب كبير في فكر ابن عربي. كما سبق أن بينا ذلك ولكن ابن عربي حاول أن يصبغ مذهبه في الحقيقة المحمدية بصبغة إسلامية باحثا له عن أسس يعتمد عليها. من تأويل لآيات القرآن ونصوص الحديث، ومن أكثر ما يستدل به الأحاديث الواردة في قدم ذات النبي ﷺ مثل حديث: مثل حديث: " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " ويروى: " كنت نبيا ولا آدم ولا ماء ولا طين " (٤) ومنها حديث كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث فبدأ بي قبلهم " (٥) . ومنها حديث النور المنسوب إلى مصنف عبد الرزاق عن جابر بن
_________________
(١) هذا حديث باطل لا أصل له وسيأتي مزيد كلام عليه.
(٢) الفصوص، ٦٣ - ٦٤.
(٣) انظر: نظريات الإسلاميين في الكلمة، ص ٥٨.
(٤) هذا حديث لا أصل له كما بينه ابن تيمية. انظر: الرد على البكري، ص ٩، ومجموع الفتاوى ٢ / ٢٣٨.
(٥) هذا الحديث منكر الإسناد والمتن معا. انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني، ٢ / ١١٥. ورسالة النور المحمدي، تأليف عداب محمود الحمش، ٢٣- ٢٦.
[ ١٨٢ ]
عبد الله - ﵁ - قال: قلت يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شيء خلقه الله قبل الأشياء؟ كما قال النبي - ﷺ: " إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور في القدر حيث شاء الله، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم، ولا جنة ولا نار، ولا ملك، ولا سماء، ولا أرض، ولا شمس، ولا قمر، ولا جني، ولا إنسي، فلما أراد أن يخلق الخلق، قسم ذلك النور أربعة أجزاء:
١ - فخلق من الجزء الأول: القلم.
٢ - ومن الثاني: اللوح.
٣ - ومن الثالث: الجنة والنار.
٤ - ثم قسم الرابع أربعة أجزاء:
(أ) فخلق من الأول: نور أبصار المؤمنين.
(ب) ومن الثاني: نور قلوبهم - وهو المعرفة بالله.
(ب) ومن الثالث: نور أنسهم - وهو التوحيد - لا إله إلا الله، محمد رسول الله. . . الحديث " (١) . .
ومما يسوقه الصوفية في هذا الباب ويعدونه حديثا قولهم: " إن الله ﵎ خلق نور محمد - ﷺ - قبل خلق آدم بألفي عام وجعله في عمود أمام عرشه يسبح الله ويقدسه ثم خلق آدم - ﵊ - من نور محمد - ﷺ - وخلق نور النبيين - عليهم الصلاة والسلام - من نور آدم - ﵊ - " (٢) . .
وما ذكروه ليس حديثا إنما هو مجرد قول توارثوه وليس هناك ما يدل على ثبوته فلا أصل له.
_________________
(١) كشف الخفاء ومزيل الألباس فيما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، للشيح إسماعيل العجلوني، تصحيح أحمد القلاش، ط٣، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٣ هـ، ١ / ١١٣. وهذا الحديث مكذوب لا أصل له ومنسوبا زورا إلى مصنف عبد الرزاق وليس فيه، ولا رواه عنه أحد من العلماء المعتد بهم كما أنه ليس موجودا في أي من كتب السنة المعتمدة. انظر: رسالة النور المحمدي، ص ٤٦ - ٥٣.
(٢) نقله ابن الحاج في المدخل عن كتاب الدلالات لأبي عبد الرحمن الصقلي. انظر: المدخل للابن الحاج، دار الفكر، بيروت، ١٤٠١ هـ، ٢ / ٣٠.
[ ١٨٣ ]
مناقشة ابن عربي في الحقيقة المحمدية: يريد ابن عربي من وراء استدلاله بالأحاديث السابقة أن يقرر أن النبي - ﷺ - كان موجودا بحقيقته قبل الخلق وأن نوره هو مبدأ الخلق ومادته ليقوى بذلك نظريته في الحقيقة المحمدية.
يقول ابن عربي:
" فكل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي ما منهم أحد يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين، وإن تأخر وجود طينته فإنه بحقيقته موجود وهو قوله - ﷺ: " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " وغيره من الأنبياء ما كان نبيا إلا حين بعث " (١) . .
وهذا كلام باطل فإن الأنبياء لا يأخذ أحد منهم عن آخر إلا من كان مأمورا باتباع شريعته كأنبياء بني إسرائيل الذين أمروا باتباع التوراة كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤]) (٢) . الآية.
وأما إبراهيم وموسى وعيسى فلم يأخذ أحدهم عن الآخر كما لم يأخذوا عن محمد، ﷺ، وإن بشروا به وآمنوا به.
كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]) (٣) . الآية.
قال على بن أبي طالب وابن عباس - ﵄:
(ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه) (٤) . .
_________________
(١) فصوص الحكم، ص ٦٣ - ٦٤.
(٢) سورة المائدة، آية: ٤٤.
(٣) سورة آل عمران، آية: ٨١.
(٤) تفسير ابن كثير، ١ / ٣٧٨.
[ ١٨٤ ]
واعتقاد ابن عربي أن النبي - ﷺ - كان بحقيقته موجودا استنادا إلى حديث " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " اعتقاد باطل لبطلان هذا الحديث وعدم صحته وثبوته وعلى فرض صحته فإنه لا يؤدى إلى نفس المعنى لأن الأشياء لا تكون موجودة بحقائقها إلا حين توجد، ولا فرق في ذلك بين الأنبياء وغيرهم ولم تكن حقيقته - ﷺ - موجودة قبل أن يخلق إلا ما كانت حقيقة غيره بمعنى أن الله علمها وقدرها.
لكن كان ظهور خبره واسمه مشهورا أعظم من غيره، فإنه كان مكتوبا في التوراة والإنجيل وقبل ذلك (١) كما روى الإمام أحمد في مسنده عن العرباض ابن سارية، عن النبي - ﷺ - قال: «إني عبد الله في أم الكتاب لخاتم النبيين وأن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بتأويل ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى قومه، ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، وكذلك ترى أمهات النبيين صلوات الله عليهم» (٢) . .
وحديث ميسرة الفجر: «قلت يا رسول الله، متى كنت نبيا؟ وفي لفظ متى كتبت نبيا؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد» (٣) . .
قال ابن تيمية:
(ولهذا يغلط كثير من الناس في قول النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح الذي رواه ميسرة قال: «قلت يا رسول الله متى كنت نبيا؟ وفي رواية - متى كتبت نبيا؟ قال: وآدم بين الروح والجسد» . فيظنون أن ذاته ونبوته وجدت حينئذ، وهذا جهل فإن الله إنما نبأه على رأس أربعين من عمره وقد قال له: (. . ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣] (٤) .
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى، ٢ / ٢٣٦ - ٢٣٩.
(٢) المسند، ٤ / ١٢٧، ١٢٨، وأخرجه الحاكم في المستدرك، ٢ / ٦٠٠، وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٥ / ٥٩، والحاكم في المستدرك، ٢ / ٦٠٨ - ٦٠٩، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي رجال أحمد رجال الصحيح، ٨ / ٢٢٣.
(٤) سورة يوسف، آية: ٣.
[ ١٨٥ ]
. . ومن قال أن النبي - ﷺ - كان نبيا قبل أن يوحى إليه فهو كافر باتفاق المسلمين، وإنما المعنى أن الله كتب نبوته فأظهرها وأعلنها بعد خلق جسد آدم وقبل نفخ الروح فيه، كما أخبر أنه يكتب رزق المولود وأجله وعمله وشقاوته وسعادته بعد خلق جسده، وقبل نفخ الروح فيه. . . . وكثير من الجهال المصنفين وغيرهم يرويه " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " " وآدم لا ماء ولا طين " ويجعلون ذلك وجوده بعينه وآدم لم يكن بين الماء والطين بل الماء بعض الطين لا مقابله " (١) . .
وإذا ثبت بطلان كون الرسول - ﷺ - موجودا بحقيقته قبل خلق السماوات والأرض فقد انهدم أكبر أساس بنى عليه ابن عربي نظريته في الحقيقة المحمدية.
ثم إن قوله إن الحقيقة المحمدية هي أكبر مظهر تجلى فيه الإله أو أنها هي الله متعينا في أول تعيناته قول لا دليل عليه - فوق أنه كفر - بل الدليل قائم على بطلانه عقلا وشرعا لأن الخالق غير المخلوق، ولو قلنا بأن الخالق هو المخلوق لما كان هناك خلق أصلا.
وهو الذي يؤمن به ابن عربي إذ حاصل كلامه إنكار الخلق والقول بقدم العالم، وقوله عن الحقيقة المحمدية بأنها مبدأ خلق العالم وسبب وجوده. قول مصادم للنصوص الشرعية التي بينت أن مبدأ خلق العالم هو الماء والعرش كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] (٢) . الآية.
وقوله - ﷺ: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء» . . . " (٣) . الحديث (٤) . . الحديث.
_________________
(١) الفتاوى، ٨ / ٢٨٢ - ٢٨٣.
(٢) سورة هود، آية (٧) .
(٣) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد. باب وكان عرشه على الماء، ٩ / ١٥٢.
(٤) وأما حديث: أول ما خلق الله القلم، ثم قال اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة. المسند، ٥ / ٣١٧. فالأولية في هذا الحديث مقيدة بالنسبة لما عدا العرش والماء. أو بالنسبة لما صدر منه من الكتابة، أي قيل له أول ما خلق: اكتب. انظر: فتح الباري ٦ / ٢٨٩. وشرح العقيدة الطحاوية، ص٢٩٤ - ٢٩٦.
[ ١٨٦ ]
كما بين القرآن أن الغاية من الخلق هي أن يعبد الله بما شرع، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (١) .
وقول ابن عربي بأن الحقيقة المحمدية هي التي أمدت الأنبياء والأولياء بالعلم الباطن قول ينفي الوحي والنبوة والرسالة، إذ النبوة والرسالة متوقفة على الوحي الذي نزل به الملك على كل نبي.
والنتيجة التي يريد ابن عربي أن يصل إليها هي الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. واتخذ ابن عربي في سبيل تحقيق ذلك. الغلو في الرسول - ﷺ - بدرجة مساواته بالله ﷿، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وقد يتوهم بعض الناس حين يظن أن معنى هذا الكلام أننا ننفى أن الرسول - ﷺ - نور كما وصفه القرآن بذلك.
والحق أنه ليس معنى وصف النبي - ﷺ - بأنه نور. أنه مخلوق من نور كما يزعم الصوفية، وإنما معناه أنه - ﷺ - هاد لمن اتبعه، منير له طريق الهدى وسبيل الرشاد بإذن ربه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] (٢) . وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] (٣) .
قال ابن جرير في تفسير هذه الآية:
(يقول جل شأنه لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب: قد جاءكم يا أهل التوراة والإنجيل من الله نور. يعنى بالنور محمدا - ﷺ - الذي أنار الله به الحق وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك فهو نور لمن استنار به يبين الحق) (٤) .
_________________
(١) سورة الذاريات، آية (٥٦) .
(٢) سورة الأحزاب، آية (٤٥-٤٦) .
(٣) سورة المائدة، آية (١٥) .
(٤) تفسير الطبري، ٤ / ١٠٤.
[ ١٨٧ ]
ولو كان المراد من ذلك أن الرسول - ﷺ - مخلوق من نور لصرح القرآن بذلك أتم تصريح ووضحه أوضح بيان، ولما كان هناك داع لوصفه بالبشرية. ولكننا نجد نصوص الشرع تؤكد على بشرية الرسول - ﷺ - قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] (١) .
وأخرج البخاري بسنده عن أم سلمة أن الرسول - ﷺ - قال: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار» (٢) .
وأخرج مسلم بسنده عن عبد الله بن مسعود قال. «صلى بنا رسول الله - ﷺ - خمسا فقلنا يا رسول الله أزيد في الصلاة؟ قال وما ذاك؟ قالوا صليت خمسا. قال " إنما أنا بشر مثلكم. أذكركما تذكرون. وأنسى كما تنسون " ثم سجد سجدتي السهو» (٣) . .
فالنبي - ﷺ - نور بالمعنى القرآني - لا كما يزعم الصوفية - وهو بشر كغيره من الأنبياء السابقين. وصلته بربه صلة العبد المخلوق بمولاه كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] (٤) . وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] (٥) .
فوصفه الله بالعبودية في أشرف مقاماته - ﷺ - وهو مقام القرب من ربه.
_________________
(١) سورة الكهف، آية (١١٠) . وسورة فصلت، آية (٦) .
(٢) سبق تخريجه، ص ٢٢.
(٣) سبق تخريجه، ص ٢٢.
(٤) سورة الإسراء، آية (١) .
(٥) سورة النجم، آية (١٠) .
[ ١٨٨ ]
ما هو مقصد ابن عربي من الغلو في الرسول - ﷺ -؟ لا شك أن ابن عربي قد خرج من الإسلام إلى كفر أشنع من كفر اليهود والنصارى وسائر الكفرة والمشركين بآرائه في وحدة الوجود وما تفرع عنها كالحقيقة المحمدية وغيرها من توابع مذهبه.
ولما كان ابن عربي قد جمع فنونا كثيرة من العلوم والمعارف والفلسفات والأديان الموجودة في عصره، مع خبث ودهاء وزندقة، أراد أن يتخذ من الغلو في الرسول - ﷺ - ذريعة لادعائه النبوة وأنه هو خاتم الأولياء الذي هو في نظره أفضل من خاتم الأنبياء.
يقول ابن عربي عن نبوة الأولياء:
(اعلم أيدك الله أن النبي هو الذي يأتيه الوحي من عند الله، يتضمن ذلك الوحي شريعة يتعبد بها في نفسه. فإن بعث إلى غيره كان رسولا. . . وهذا باب قد أغلق برسول الله - ﷺ - فلا سبيل أن يتعبد الله أحدا بشريعة ناسخة لهذه الشريعة المحمدية.
وأما حالة أنبياء الأولياء في هذه الأمة فهو كل شخص أقامه الحق في تجل من تجلياته، وأقام له مظهر محمد - ﷺ - ومظهر جبريل - ﵇. فأسمعه ذلك المظهر الروحاني خطاب الأحكام المشروعة لمظهر محمد - ﷺ - حتى إذا فرغ من خطابه وفزع عن قلب هذا الولي عقل صاحب هذا المشهد جميع ما تضمنه ذلك الخطاب من الأحكام المشروعة الظاهرة في هذه الأمة المحمدية، فيأخذها هذا الولي كما أخذها المظهر المحمدي) (١) . .
وأما عن ادعائه بأنه خاتم الأولياء الذي هو في نظره أفضل من خاتم الأنبياء فيقول:
فأتى به ختم الولاية مثل ما ختم النبوة بالنبي المرسل
ولنا من الختمين حظ وافر ورثا أتانا في الكتاب المنزل (٢)
_________________
(١) الفتوحات المكية، ١ / ١٥٠.
(٢) المصدر نفسه، ٣ / ٨٤.
[ ١٨٩ ]
وقال:
أنا خاتم للأولياء كما أتى بأن ختام الأنبياء محمدا
ختام خصوص لا ختام ولاية تعم فإن الختم عيسى المؤيدا (١)
وعلاقة عيسى ﵇ بموضوع خاتم الأولياء لأن ابن عربي يرى أن ختم الولاية نوعان عام وخاص. فختم الولاية العامة لعيسى - ﵇ - الذي ينزل آخر الزمان نبيا وليا يحكم بشريعة محمد - ﵊. أما ختم الولاية الخاص فهي المرتبة التي ادعاها ابن عربي لنفسه وأضفى عليها عدة صفات وخصائص من أهمها:
القول بقدم خاتم الأولياء: كما هو الحال بالنسبة لخاتم الأنبياء عنده فكذلك خاتم الأولياء كان وليا وآدم بين الماء والطين وغيره من الأولياء ما كان وليا إلا بعد تحصيله شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية (٢) .
أن خاتم الأولياء مصدر علوم الأولياء والأنبياء: فكما أن خاتم الأنبياء عند ابن عربي هو مصدر كل علم ومشكاته، فكذلك خاتم الأولياء هو المشكاة التي يأخذ منها كل ولي علمه الباطن.
يقول ابن عربي:
(وليس هذا العلم (أي العلم بوحدة الوجود) إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم) (٣) . .
_________________
(١) ديوان ابن عربي، ص ٢٩٣.
(٢) انظر: فصوص الحكم، ص ٦٤.
(٣) المصدر نفسه، ص ٦٢.
[ ١٩٠ ]
ولكن ابن عربي لم يكتف بهذا الادعاء حتى زعم أن الأنبياء والمرسلين من حيث كونهم أولياء يأخذون من مشكاة خاتم الأولياء الذي هو ابن عربي نفسه.
أما من حيث كونهم أنبياء ومرسلين فيأخذون من مشكاة خاتم المرسلين.
ومعنى هذا أن لعلوم الأنبياء والمرسلين اعتبارين:
أحدهما: علوم النبوة والرسالة والتي هي الشريعة والأحكام الظاهرة وهذه يستمدها كل نبي من مشكاة خاتم الأنبياء.
الثاني: علوم الولاية. التي هي الحقائق والعلوم الباطنة فهذه يستمدها الأنبياء والأولياء من مشكاة خاتم الأولياء (١) .
وبذلك يكون ابن عربي قد فضل نفسه على جمع الأنبياء والمرسلين بهذا الكلام الذي هو من وحي الشيطان، وفيه من الكفر والتنقيص للرسل والاستخفاف بهم والكفر بما جاءوا به ما لا يخفى على من له أدنى بصيرة. وليس هناك اسم شرعي لما يسمى بخاتم الأولياء، وإنما هو منصب صوفي مبتدع لا دليل عليه من الشرع.
نخلص من هذا إلى أن ابن عربي ومن قبله الحلاج، ومن تبعهم من ملاحدة الصوفية لم يصدروا في غلوهم في الرسول - ﷺ - عن محبته وتعظيمه واتباع شريعته. وإنما كان مقصدهم من هذا الغلو تعظيم ذواتهم ودعوة المخدوعين من أتباعهم إلى عبادتهم. وهدم الدين الذي جاء به محمد - ﷺ -، وإذهاب هيبته من النفوس.
فضررهم على دين الإسلام أشد من ضرر اليهود والنصارى وملل الكفر مجتمعة فيجب على كل من له بصيرة وكل طالب للحق محب لرسول الله - ﷺ -
_________________
(١) انظر: كتاب رد الفصوص المسمى مرتبة الوجود ومنزلة الشهود، الملا علي بن سلطان القاري. دراسة وتحقيق. الطالب / عبد الله علي الملا رسالة ماجستير مقدمة إلى جامعة أم القرى، ١٤٠٩ هـ، ١ / ٥٣٤. وانظر: التعليقات على فصوص الحكم، ص ٢٤.
[ ١٩١ ]
أن يعرف حقيقة مذهب هؤلاء وضلالهم وكفرهم حتى لا يخدع بهم وبباطلهم.
كما يجب على أهل العلم والدعاة أن يبينوا للناس حقيقة كفر ابن عربي وأمثاله وضلال مذهبه لإنقاذ عامة الصوفية من افتتانهم بهؤلاء الملاحدة.
﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] (١) .
_________________
(١) سورة الأنفال، آية (٤٢) .
[ ١٩٢ ]
[المبحث الخامس آثار الغلو في الرسول ﷺ على الاعتقاد والأعمال]
المبحث الخامس
آثار الغلو في الرسول - ﷺ - على الاعتقاد والأعمال لا شك أن الغلو من أكبر أسباب الانحراف بالدين عن الصراط المستقيم.
وقد كان للغلو في الرسول - ﷺ - أكبر الأثر في إفساد حقائق الدين وتشويه معالمه، ولم ينحصر هذا الإفساد على جانب دون آخر بل عم الدين كله اعتقادا وعملا وسلوكا، وسأتحدث في هذا المبحث بإيجاز عن دور غلاة الصوفية في إفساد العقيدة والعبادة بسبب غلوهم في الرسول - ﷺ -.
أولا - في الاعتقاد:
(أ) في جانب الألوهية: يؤمن المسلمون بأن الله متفرد بالخلق والتدبير والألوهية والربوبية، وأن الله واحد لا شريك له في ذاته وصفاته وأفعاله، فجاء ملاحدة الصوفية وزعموا أن محمدا - ﷺ - شريك مع الله في الخلق والتدبير وكشف الضر وجلب النفع إلى غير ذلك من صنوف الشرك، وكتب الصوفية وصلواتهم مشحونة بذلك.
يقول البوصيرى (١) في البردة التي يترنم بها ملايين الصوفية:
_________________
(١) شرف الدين أبو عبد الله محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله الصنهاجي البوصيري المصري (٦٠٨ - ٦٩٦ هـ) نسبة إلى بوصير من قرى بني سويف بمصر، شاعر. أغلب شعره في مديح النبي - ﷺ - على طريقة الصوفية. من أشهر قصائده البردة والهمزية والرائية. انظر: فوات الوفيات. محمد بن شاكر الكتبي. تحقيق د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ٣: ٣٦٢. والدليل الشافي على المنهل الصافي، جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي، تحقيق. فهيم محمد شلتوت. من مطبوعات جامعة أم القرى. مركز البحث العلمي، مكة المكرمة، ٢ / ٦٢٢.
[ ١٩٣ ]
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تجلى باسم منتقم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم (١)
فهذا الشاعر خلع على رسول الله - ﷺ - من أوصاف الربوبية والألوهية ما لا يليق وصف أحد به إلا الله وحده، فجعل الرسول وحده ملاذه ومعاذه عند حلول الخطوب ونزول الشدائد ثم نسب إلى الرسول الشفاعة مطلقا كما يعتقده المشركون في الشفاعة الشركية التي تكون بدون إذن ولا رضى من المشفوع عنده وإنما تكون بجاه الشافع ومكانته فقط.
ثم نراه يجعل الدنيا والآخرة من جوده، وأن علم اللوح والقلم من بعض علومه وهذا مع ما فيه من الشرك كفر بالله ﷿. لأن كل ما ذكره من أوصاف الربوبية والألوهية لا يجوز بأي حال من الأحوال وصف أي مخلوق بها وإنما أي من صفات الخالق وحده.
قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] (٢) وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] (٣) . وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣]) (٤) الآية. وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] (٥) .
ويقول البكري (٦) في قصيدة له:
_________________
(١) ديوان البوصيري. تحقيق محمد سيد كيلاني طبع مصطفى الحلبي مصر ١٣٧٤هـ، ص٢٠٠.
(٢) سورة النمل، آية (٦٢) .
(٣) سورة طه، آية (١٠٩) .
(٤) سورة هود، آية (١٢٣) .
(٥) سورة طه، آية (١١٠) .
(٦) هو محمد بن أبي الحسن البكري الصديقي الشافعي (٩٣٠ - ٩٩٤ هـ)، محدث، إخباري، من تصانيفه. الجوهر الثمين من كلام سيد المرسلين، تأبيد المنة بتأييد أهل السنة وغيرها. انظر: معجم المؤلفين، ٩ / ١٨٥ والأعلام، ٧ / ٦٠.
[ ١٩٤ ]
ولذ به في كل ما ترتجي فإنه المأمن والمعقل
وناده إن أزمة أنشبت أظفارها واستحكم المعضل
يا أكرم الخلق على ربه وخير من فيهم به يسئل
قد مسني الكرب وكم مرة فرجت كربا بعضه يعضل
فبالذي خصك بين الورى برتبة عنها العلا تنزل
عجل بإذهاب الذي اشتكى فإن توقفت فمن أسأل (١)
وهذا مع ما فيه من شرك قدح في الألوهية وتفرد الله بتدبير الكون وحده، ولم يتوقف شركهم وكفرهم عند هذا الحد حتى زعموا أن محمدا عين ذات الله وهو من الحق بمنزلة إنسان العين من العين وأنه روح الله المنفوخ في آدم.
يقول أحمد بن إدريس (٢) في إحدى صلواته:
" اللهم صل على الكنه الذاتي والقدس الصفاتي، نور الأسماء، ورداء الكبرياء، أزار العظمة الإلهية، عين الإحاطة الذاتية، تجليات الغيب والشهادة، روح حياة الماء، الروح الإلهي، والنور البهاء، رحمة الوجود وعلم الشهادة صلاة ذاتية أزلية أبدية. اللهم وسلم عليه مثل ذلك " (٣) .
ويقول صاحب دلائل الخيرات:
" اللهم صل على سيدنا محمد بحر أنوارك ومعدن أسرارك، ولسان حجتك وعروس مملكتك، وإمام حضرتك، وطراز ملكك، وخزائن رحمتك، وطريق
_________________
(١) أورد هذه القصيدة محمد بن علوي المالكي في كتابه الذخائر المحمدية، القسم الأول، ص ١٥٨، مطبعة حسان، القاهرة، وقال إنها مجربة لقضاء الحوائج وتقرأ في آخر الليل بعد ما تيسر من الصلاة، ويكرر بيت: عجل بإذهاب الذي اشتكى ثلاثا وسبعين مرة.
(٢) هو أحمد بن إدريس الحسني صاحب الطريقة الأحمدية الإدريسية المنتشرة في المغرب والسودان وغيرهما. ولد بفاس وانتقل إلى مكة ثم رحل إلى اليمن فسكن صبيا إلى أن مات. وهو جد الأدراسة الذين كانت لهم إمارة عسير ونواحيها وكان صوفيا على دين ابن عربي. له عدة كتب منها العقد النفيس، والسلوك وروح السنة توفي سنة ١٢٥٣ هـ.
(٣) مجموعة أحزاب وأوراد ورسائل. تأليف أحمد بن إدريس، ص ٦٢.
[ ١٩٥ ]
شريعتك المتلذذ بتوحيدك إنسان عين الوجود والسبب في كل موجود عين أعيان خلقك المتقدم من نور ضيائك صلاة تدوم بدوامك وتبقى ببقائك لا منتهي لها دون علمك صلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يا رب العالمين " (١) .
ويقول صاحب كتاب النفحات الأقدسية في خطبة كتابه:
(نحمدك اللهم يا من صلى على محمد بفيض ذاته فكان مجلى له في جميع تجلياته فهو روح الله المنفوخ في صورة آدم. وطامة الحقائق الكبرى لسائر العالم فلا يصل واصل إلا إليه ولا يهتدي حائر إلا به فيه عليه. وأشهد أن لا إله إلا الله ولا موجود في هذا الوجود إلا إياه وأشهد أن محمدا - ﷺ - إنسان عين ذاته وسر إمداداته) (٢) .
ويقول عبد الكريم الجيلي (٣) (اعلم حفظك الله أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين، ثم له تنوع في ملابس، ويظهر في كنائس، فيسمى به باعتبار لباس، ولا يسمى به باعتبار لباس آخر، فاسمه الأصلي الذي هو له محمد، وكنيته أبو القاسم، ووصفه عبد الله، ولقبه شمس الدين. . . واعلم أن الإنسان الكامل مقابل لجميع الحقائق الوجودية بنفسه، فيقابل الحقائق العلوية بلطافته، ويقابل الحقائق السفلية بكثافته. . ثم اعلم أن الإنسان الكامل هو الذي يستحق الأسماء الذاتية والصفات
_________________
(١) دلائل الخيرات. محمد بن سليمان الجزولي، ص٧٢.
(٢) النفحات الأقدسية في شرح الصلوات الأحمدية الإدريسية، محمد بهاء الدين البيطار. طبع دار الجليل، بيروت، ص٣.
(٣) عبد الكريم بن إبراهيم بن عبد الكريم الجيلي، ابن سبط الشيخ عبد القادر الكيلاني، (٧٦٧ - ٨٢٠ أو ٨٣٢هـ) كان صوفيا على دين ابن عربي. من مؤلفاته: الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل. شرح مشكلات الفتوحات المكية. وحقيقة الحقائق التي في هي للحق من وجه ومن وجه للخلائق. والكمالات الإلهية في الصفات المحمدية. انظر: معجم المؤلفين، ٥ / ٣١٣، الأعلام ٤ / ٥٠ - ٥١.
[ ١٩٦ ]
الإلهية استحقاق الأصالة والملك بحكم المقتضى الذاتي فإنه المعبر عن حقيقته بتلك العبارات، والمشار إلى لطيفته بتلك الإشارات ليس لها مستند في الوجود إلا الإنسان الكامل، فمثاله للحق مثال المرآة التي لا يرى الشخص صورته إلا فيها، وإلا فلا يمكنه أن يرى نفسه إلا بمرآة الاسم " الله " فهو مرآته، والإنسان الكامل أيضا مرآة الحق. فإن الحق تعالى أوجب على نفسه ألا ترى أسماؤه ولا صفاته إلى في الإنسان الكامل) (١) وتصور كلامهم في هذا الباب كاف لإثبات بطلانه (٢) .
(ب) أما اعتقادهم في الرسول - ﷺ - فيخالف اعتقاد عامة المسلمين في جوانب كثيرة: فإذا كان المسلمون يعتقدون أن محمدا - ﷺ - وجميع الأنبياء والرسل من قبله بشر مثل بقية البشر في كل شيء غير أنهم مفضلون بالوحي وبخصائص تناسب نبوتهم ورسالتهم. وهذا هو الاعتقاد الصحيح الذي نطق به القرآن والسنة وأجمع عليه المسلمون على مر العصور.
حتى جاء ملاحدة الصوفية وحولوا أتباعهم عن هذا الاعتقاد الصحيح إلى عقيدة وثنية تجعل من محمد - ﷺ - المجلي الأعظم للذات الإلهية وأنه الواسطة بين الوجود المطلق وهو الله وبين عالم الطبيعة وبالتنزل صار محمدا هو الإله عندهم وقد سبق في النصوص ما يؤيد ذلك، ويؤمن المسلمون بأن أول ما خلق الله هو الماء والعرش ثم القلم ثم خلق السماوات والأرض كما بين ذلك الله ورسوله (٣) .
ولكن الصوفية تعتقد بأن أول ما خلق الله هو محمد - ﷺ - ومنه خلق كل شيء ولما كانت نصوص الشرع على خلاف ذلك والآيات والأحاديث تبين أن أول ما خلق الله هو الماء والعرش ثم القلم، حاولوا التوفيق بين ضلاهم وبين
_________________
(١) الإنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر. عبد الكريم الجيلي، ط٣، مصطفى الحلبي، مصر، ١٣٩٠هـ، ٢ / ٧٣ - ٧٧.
(٢) انظر مناقشة الحقيقة المحمدية وبيان بطلانها في المبحث السابق، ص١٨٧ وما بعدها.
(٣) انظر مناقشة الحقيقة المحمدية وبيان بطلانها في المبحث السابق، ص١٨٧ وما بعدها.
[ ١٩٧ ]
هذه النصوص فأطلقوا على الحقيقة المحمدية أسماء مثل عرش التجلي الذاتي، والقلم الأعلى، وأم الكتاب، إلى غير ذلك من الألقاب الكثيرة التي خلعوها على الحقيقة المحمدية.
يقول أحمد بن إدريس في إحدى صلواته:
(اللهم صل على مولانا محمد نورك اللامع ومظهر سرك الهامع الذي طرزت بجماله الأكوان وزينت ببهجة جلاله الأوان، الذي فتحت ظهور العالم من نور حقيقته وختمت كماله بأسرار نبوته فظهرت صور الحسن من فيضه في أحسن تقويم ولولا هو ما ظهرت لصورة عين من العدم الرميم) (١) .
ويقول في صلاة أخرى:
(اللهم صل على أم كتاب كمالات الذات، عين الوجود المطلق الجامع لسائر التقييدات. صورة ناسوت الخلق، معاني لاهوت الحق، الغيب الذات، والشهادة الأسماء، والصفات الناظر بالكل في الكل من الكل للكليات الجزئيات ٠٠) (٢) .
ويعتقد المسلمون بأن الله خلق هذا الكون من العدم وأوجده على غير مثال سابق. لكن الصوفية تؤمن بأن الله خلق هذا الكون من نور محمد - ﷺ - ويستشهدون بحديث النور المنسوب إلى جابر بن عبد الله وقد سبق ذكره وبيان بطلانه (٣) .
يقول الدباغ (٤) (اعلم أن أنوار المكونات كلها من عرش وفرش وسموات وأرضين وجنات
_________________
(١) مجموعة أحزاب وأوراد ورسائل، ٥٥.
(٢) المصدر نفسه، ٥٦ - ٥٧.
(٣) انظر ص ١٦٤ - ١٦٥ من هذا البحث.
(٤) هو عبد العزيز بن مسعود المعروف بالدباغ، (١٠٩٥ - ١١٣٢هـ)، صوفي، من أهل فاس بالمغرب، كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، ولأتباعه مبالغة في الثناء عليه ونسبة الخوارق إليه. من آثار الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز جمعه أحمد بن مبارك السجلماسي. انظر: الأعلام، ٤ / ٢٨. ومعجم المؤلفين، ٥ / ٢٦٢ - ٢٦٣.
[ ١٩٨ ]
وحجب، وما فوقها، وما تحتها، إذا جمعت كلها، وجدت بعضا من نور محمد، وأن مجموع نوره لو وضع على العرش لذاب، ولو وضع على الحجب السبعين التي فوق العرش لتهافتت، ولو جمعت المخلوقات كلها ووضع ذلك النور العظيم عليها لتهافتت وتساقطت) (١) .
وإذا كان المسلمون يؤمنون بأن القرآن نزل على رسول الله - ﷺ - بواسطة جبريل، وأن النبي - ﷺ - لم يكن يدري عن القرآن شيئا قبل نزوله عليه كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] (٢) ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] (٣) ولكن ملاحدة الصوفية تأبى هذه الحقيقة وتعدل عنها إلى الإفك والبهتان فتزعم أن جبريل عجب حين رأى محمدا - ﷺ - يتلو القرآن قبل أن يعلمه إياه فسأله جبريل فأجابه قائلا: ارفع الستر مرة حين يلقى إليك الوحي، ففعل جبريل ذلك فرأى محمدا - ﷺ - هو الذي يوحي إليه، فصاح سبحان الله: منك وإليك يا محمد. وهذا دليل واضح على تلاعب الشيطان بعقولهم وأحلامهم، إذ لا يصدق بهذه الخراقة إلا من ليس له أدنى تمييز، وقد أسس لهم هذه الأسطورة ابن عربي شيخ الصوفية الأكبر إذ يفسر قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] (٤) .
يقول:
(اعلم أن رسول الله - ﷺ - أعطى القرآن مجملا قبل جبريل من غير تفصيل
_________________
(١) هذه هي الصوفية. تأليف عبد الرحمن الوكيل، ط٤، دار الكتب العلمية، بيروت ٤٠٤ ١ هـ، ص ٨٧، نقلا عن الإبريز للدباغ، ٢ / ٨٤.
(٢) سورة الشورى آية (٥٢) .
(٣) سورة العنكبوت، آية (٤٨) .
(٤) سورة طه، آية (١١٤) .
[ ١٩٩ ]
الآيات والسور فقيل له ولا تعجل بالقرآن الذي عندك قبل جبريل فتلقيه على الأمة مجملا فلا يفهمه أحد منك لعدم تفصيله) (١) .
وهذه فرية واضحة البطلان يكذبها القرآن وحال الرسول - ﷺ - الذي كان ينتظر نزول الوحي عليه ليعرف حكم الله فيما يجد من الحوادث والنوازل.
وإذا كان المسلمون يؤمنون بأن رسول الله - ﷺ - أرسل في زمان ومكان معينين وأن الرسل السابقين عليه أرسل كل واحد منهم إلى قوم معينين في زمان معين.
إلا أن غلاة الصوفية تعتقد بأن الرسول في كل العصور واحد هو محمد - ﷺ - وأن الرسل السابقين ليسوا إلا صورا لمحمد - ﷺ - ويروون في هذا شعرا:
كل النبيين والرسل الكرام أتوا نيابة عنه في تبليغ دعواه
فهو الرسول إلى كل الخلائق في كل العصور ونابت عنه أفواه (٢) .
وإذا كان المسلمون يعتقدون بأن رسول الله - ﷺ - قد مات كما يموت سائر البشر بعد أن بلغ رسالة كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] (٣) وإذا بمتأخري الصوفية يعتقدون بأن الرسول حي وأنه يرى يقظة لا مناما، وأن مشايخ الصوفية يتلقون عنه مباشرة ويجتمعون به. وهذا من أظهر البطلان الذي يكذب التاريخ والواقع ويستحيل أن تقبله الفطر والعقول (٤) .
فساد مفهوم محبة الرسول - ﷺ -: بعد أن كانت محبة الرسول - ﷺ - تعنى إيثاره على كل مخلوق سواه، وطاعته واتباعه. صار معناها عند غلاة الصوفية عبادته ودعاؤه والسؤال به
_________________
(١) الكبريت الأحمر في علوم الشيخ الأكبر للشعراني بهامش اليواقيت والجواهر، طبع مصطفى، الحلبي، ١٣٧٨٩هـ، ص٦. وانظر: هذه هي الصوفية، ص٨٩ - ٩٢.
(٢) انظر النفحات الأقدسية، ص١٧.
(٣) سورة الزمر، آية (٣٠) .
(٤) سيأتي مزيد بيان في الرد على هذه الخرافة في مبحث البدع التي ظهرت بدعوى محبة الرسول - ﷺ -.
[ ٢٠٠ ]
وتأليف الصلوات المبتدعة وعمل الموالد وإنشاء القصائد الشركية في الاستغاثة به وصرف وجوه العبادة إليه - ﷺ - وبعد أن كان تعظيم رسول الله - ﷺ - باتباعه والأدب معه وتوقيره، صار التعظيم عندهم هو الغلو فيه - ﷺ - بإخراجه عن حد البشرية ورفعه إلى مرتبة الألوهية.
هذا عن دور الغلاة في إفساد عقيدة المسلمين في الله ورسوله وتحويلهم عن الإسلام والتوحيد الخالص على عقائد وثنية مخالفة للإسلام جملة وتفصيلا.
ثانيا: آثار الغلو في الرسول - ﷺ - على العبادات الشرعية: أدى الغلو في الرسول - ﷺ - إلى الانحراف بالعبادات عن وضعها الشرعي، وتأويلها، وابتداع عبادات ما أنزل الله بها من سلطان فبعد أن كان المسلمون يرون أن أعظم أعمالهم بعد الإيمان بالله هو الصلاة وبقية أركان الإسلام. جاء غلاة الصوفية فزعموا أن أجل الأعمال هو الإيمان بوحدة الوجود والتحقق بها (أي الفناء في ذات الله)، والإيمان بالحقيقة المحمدية، والصلاة عليها بأكثر الصلوات شركا وكفرا، وقضاء الأعمار في الخلوات والأذكار المبتدعة، وسيأتي لهذا مزيد بيان (١) .
ويؤمن المسلمون بأن أجل ما ورثوه عن رسول الله - ﷺ - هو هديه وسنته، فجاءت الصوفية لتزعم بأن أجل ما ورثوه عن رسول الله - ﷺ - هو الطريقة، والحقيقة، والتصوف الفلسفي بمقاماته واصطلاحاته، وهلم جرا.
أما هديه - ﷺ - وسنته فلا يعرفونها ولا يرفعون لها رأسا بل يرون أن المشتغلين بالسنة. الداعين إليها هم من ألد خصومهم. لأن مهمتهم نشر الهدي ودين الحق الذي فيه إبطال كل خرفات وأباطيل الملاحدة والزنادقة قديما وحديثا.
_________________
(١) انظر: مبحث البدع التي ظهرت بدعوى المحبة.
[ ٢٠١ ]
[المبحث السادس حكم الإسلام في الغلو في رسول الله ﷺ]
المبحث السادس
حكم الإسلام في الغلو في رسول الله ﷺ لقد جاءت نصوص الشرع بإثبات بشرية الرسول - ﷺ -، وأنه بشر محكوم بقوانين البشرية غير أنه مفضل بخصائص تناسب نبوته ورسالته ويأتي التأكيد على هذا الأمر لئلا يتطرق الغلو إلى الرسول - ﷺ - مثلما وقع لليهود مع عزير وللنصارى مع عيسى ابن مريم ﵇.
وَقَدْ نَهَى اللَّهُ أَهْلَ الْكِتَابِ - خَاصَةً النَّصَارَى - عَنِ الْغُلُوِّ وحذرهم من سوء عاقبته فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] (١) وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] (٢) الآية.
وفي نهي الله لهم تَحْذِيرٌ لهذه الأمة حتى لا تقع فيما وقعت فيه النصارى من الغلو في عيسى ورفعهم له فوق مرتبته ووصفه بصفات الألوهية، فوقعوا بسبب ذلك في الشرك والكفر المخرج عن الملة.
لأجل هذا نهى الرسول - ﷺ - عن الغلو في الدين عامة وفيه خاصة وذلك في أحاديث كثيرة.
منها ما أخرجه النسائي وابن ماجه واللفظ له بسنده «عن ابن عباس - ﵄ - قال: (قال لي رسول - ﷺ - غداة العقبة وهو على
_________________
(١) سورة المائدة، آية (٧٧) .
(٢) سورة النساء، آية (١٧١) .
[ ٢٠٢ ]
ناقته: " ألقط لي حصى " فلقطت له سبع حصيات، هن حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول: " أمثال هؤلاء فارموا " ثم قال: " يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (١) .
قال ابن تيمية في شرح هذا الحديث:
(وقوله: «إياكم والغلو في الدين» عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال. والغلو: مجاوزة الحد بأن يزاد في حمد الشيء أو ذمه على ما يستحق، ونحو ذلك، والنصارى أكثر غلوا في الاعتقادات والأعمال من سائر الطوائف.
وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن في قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] (٢) .
وسبب هذا اللفظ عام: رمي الجمار. وهو داخل فيه، فالغلو فيه مثل الرمي بالحجارة الكبار، ونحو ذلك. بناء على أنه أبلغ من الحصى الصغار ثم علل ذلك: بأن ما أهلك من قبلنا إلا الغلو في الدين كما نراه في النصارى. وذلك يقتضي: أن مجانبة هديهم مطلقا أبعد عن الوقوع فيما به هلكوا، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه أن يكون هالكا) (٣) .
ومنها ما أخرجه البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم. فإنما أنا عبده. فقولوا عبد الله ورسوله» (٤) .
ففي هذا الحديث تحذير واضح لهذه الأمة من الإطراء في مدحه - ﷺ - حتى لا يفضي ذلك إلى الغلو فيه كما غلت النصارى من قبل في عيسى بن مريم ﵇.
والنهي عن الإطراء في هذا الحديث يحتمل أمرين:
_________________
(١) سبق تخريجه، ص ١٤٧.
(٢) سورة النساء، آية (١٧١) .
(٣) اقتضاء الصراط المستقيم، ١ / ٢٨٩ - ٢٩٠.
(٤) سبق تخريجه، ص ٢٤.
[ ٢٠٣ ]
- إما النهي عن مطلق المدح والاقتصار على وصفه بأنه عبد الله ورسوله.
- وإما النهي عن المبالغة في المدح لئلا يؤدى ذلك إلى وصف الرسول - ﷺ - بصفات الألوهية. ولكلا الأمرين ما يؤيده من الأحاديث (١) .
وبين الرسول - ﷺ - في هذا الحديث منزلته التي أنزله الله إياها، وهي مرتبة العبودية لله، ﷿، ثم مرتبة الرسالة التي اصطفاه الله لها.
فأمر الرسول - ﷺ - أمته أن تصفه بالعبودية والرسالة ولا تتجاوز ذلك إلى غيره من الأوصاف التي تتضمن الإطراء المنهي عنه.
ومع أن هذا الحديث حجة قاطعة في النهي عن الإطراء وسد باب الغلو في الرسول - ﷺ - إلا أن الغلاة حاولوا تأويل هذا الحديث بما يبطل معناه ويؤدى إلى نقيضه، فزعموا أن الإطراء المنهي عنه في هذا الحديث هو إطراء مشابه لإطراء النصارى لعيسى، ووصفهم له بصفات الألوهية والربوبية وقولهم عنه أنه الله أو ابن الله. وما سوى ذلك من أنواع الإطراء فليس بمذموم بل هو مستحب (٢) .
فأجازوا إطراء الرسول - ﷺ - بما دون وصفه بصفات الألوهية والربوبية. وظنوا أن هذا من قبيل التعظيم لرسول الله - ﷺ -.
كما قال البوصيري في البردة:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
فانسب إلى ذاته ما شئت من شرف وأنسب إلى قدره ما شئت من عظم
فإن فضل رسول الله ليس له حد فيعرب عنه ناطق بفم (٣)
وهذا جهل واضح بمعنى الحديث ومقصود الرسول - ﷺ - به لأن معناه النهي عن المدح أصلا، أو النهي عن المبالغة فيه.
ثم إن تعظيم الرسول - ﷺ - لا يكون إلا بما شرعه، ووصفه ومدحه بدون قيد قد يدخل في أنواع من الشرك
_________________
(١) انظر: التوسل. أنواعه وأحكامه. للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ط٥، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٤ هـ، ص ٨٨ - ٨٩.
(٢) انظر الجوهر المنظم في زيارة القبر النبوي لابن حجر الهيتمي ص ٦١.
(٣) ديوان البصيري ص١٩٣.
[ ٢٠٤ ]
كالاستغاثة به - ﷺ - عند الشدائد وطلب الحاجات منه إلى غير ذلك من أنواع الغلو المفضي إلى الشرك، الذي نهى الله ورسوله عنه.
وليت هؤلاء الغلاة وقفوا في إطرائه - ﷺ - عند هذا الحد فلم يصفوه بصفات الألوهية والربوبية كما فعلت النصارى، بل إنه قد وصل بهم الغلو إلى مساواة الرسول - ﷺ - بالله.
يقول صاحب كتاب النفحات الأقدسية:
(فشأن محمد في جميع تصرفاته هو شأن الله، تعالى، فليس لمحمد - ﷺ - من محمد شيء ولذلك كان نورا ذاتيا من عين ذات الله) (١) وفي هذا الكلام من الكفر الصريح ما فيه والذي يناقض ما جاء به الرسول - ﷺ - من تحقيق التوحيد وسد الذرائع إلى الشرك.
ومن الأحاديث التي وردت في النهي عن الإطراء في المدح ما أخرجه الإمام أحمد بسنده عن أنس بن مالك - ﵁ - «أن رجلا قال: يا محمد، يا سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا، وابن خيرنا، فقال رسول الله - ﷺ - " عليكم بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان. أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿» (٢) .
وأخرج أبو داود بسنده «عن عبد الله بن الشخير - ﵁ - قال: (انطلقت في وفد بنى عامر إلى رسول الله - ﷺ - فقلنا: أنت سيدنا فقال: السيد الله ﵎. قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا. فقال: " قولوا بقولكم أو ببعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان» (٣) .
_________________
(١) النفحات الأقدسية، ص ٩.
(٢) سبق تخريجه، ص ٨٩.
(٣) سنن أبي داود. كتاب الأدب، باب كراهية المدح، ٥ / ١٥٤ - ١٥٥، والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، ٣ / ٢٢٦.
[ ٢٠٥ ]
قال الخطابي:
(وإنما منعهم - فيما نرى - أن يدعوه سيدا، مع قوله «أنا سيد ولد آدم»، وقوله للخرزج «قوموا إلى سيدكم» - يريد سعد بن معاذ - من أجل أنهم قوم حديثو عهد بالإسلام، وكانوا يحسبون أن السيادة بالنبوة كما هي بأسباب الدنيا، وكان لهم رؤساء يعظمونهم، وينقادون لأمرهم، ويسمونهم السادات، فعلمهم الثناء عليه وأرشدهم إلى الأدب في ذلك، فقال: «قولوا بقولكم» يريد قولوا بقول أهل دينكم وملتكم، وادعوني نبيا ورسولا، كما سماني الله - ﷿ - في كتابه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ٦٤] ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١] ولا تسموني سيدا كما تسمون رؤساءكم وعظماءكم ولا تجعلوني مثلهم، فإني لست كأحدهم، إذ كانوا يسودونكم بأسباب الدنيا وأنا أسودكم بالنبوة والرسالة، فسموني نبيا ورسولا (١) .
فكره رسول الله - ﷺ - من أصحابه أن يواجهوه بالمدح لئلا يفضي ذلك إلى الغلو، وأخبر أن مواجهة المادح للممدوح بمدحه - ولو بما فيه - من عمل الشيطان لما يقتضيه المدح والإطراء من تعاظم الممدوح في نفسه وهذا ينافي التوحيد، لأنه يدخل في النفس الكبر والعجب المفسد للاعتقاد والعمل.
كما في الحديث القدسي «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني شيئا منهما قذفته في النار» (٢) .
وفي الحديث «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» (٣) .
وهذه الآفات سببها محبة المدح، لأجل هذا كره الرسول - ﷺ - من أصحابه أن يواجهوه بالمدح والإطراء حتى لا ينافي هذا عبوديته الخالصة لربه، فمقام العبودية يقتضي كراهية المدح أصلا، والنبي - ﷺ - لما أكمل الله له مقام العبودية صار يكره أن يمدح صيانة لهذا المقام، وأرشد الأمة إلى ترك
_________________
(١) معالم السنن للخطابي، ٥ / ١٥٥.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب اللباس، باب ما جاء في الكبر، ٤ / ٣٥٠ - ٣٥١. وبنحوه أخرجه مسلم مرفوعا إلى النبي - ﷺ - كتاب البر. باب تحريم الكبر، ٤ / ٢٠٢٣.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر، ١ / ٩٣.
[ ٢٠٦ ]
ذلك نصحا لهم، وحماية لمقام التوحيد من أن يدخل عليه ما يفسده من الشرك ووسائله ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] (١) . ورأوا أن فعل ما نهاهم الرسول - ﷺ - عن فعله قربة من أفضل القربات، وحسنة من أعظم الحسنات (٢) .
وفي قوله - ﷺ -: «أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿» دليل قاطع على كراهية الرسول للمدح بما سوى العبودية والرسالة وأخبر أن هذه هي منزلته الحقيقية التي أنزله الله إياها، وهذا مما يبين أن الغلاة قد سلكوا في غلوهم مسلكا لا يحبه الرسول - ﷺ - ولا يرضاه بل نهي عنه في مواقف كثيرة.
وقد أنكر الرسول - ﷺ - على من قال له ما شاء الله وشئت فقال له: «أجعلتني والله عدلا بل ما شاء الله وحده» (٣) كما أنكر على معاذ - ﵁ - حينما هم أن يسجد له (٤) ومعاذ إنما قصد بذلك تعظيم النبي - ﷺ -، لكن النبي أنكر عليه ذلك لأنه لا ينبغي السجود إلا لله وحده، فكل من عظم الرسول - ﷺ -، بما لم يشرعه فقد غلا فيه وإن ظن أنه بذلك معظما.
ومن هذا الباب نهيه - ﷺ - عن اتخاذ قبره عيدا ومسجدا حتى لا تقع الأمة في الشرك. فحقق الرسول - ﷺ - لأمته التوحيد وسد كل الذرائع إلى الشرك وقطع أسبابه والتي من أعظمها الغلو فيه، لأجل هذا كان الغلو في الرسول - ﷺ - محرما لأنه يفضي إلى الشرك والكفر، ولما يتضمنه هذا الغلو من القدح في مقام الألوهية وتفرد الله بصفات الربوبية.
ولأن فيه تنقيصا للنبي - ﷺ - لأن كماله في عبوديته لربه كما يتضمن الكذب عليه لأن الرسول - ﷺ - ما دعا الخلق إلا إلى إفراد الخالق بالعبادة، ولم يدعهم
_________________
(١) سورة البقرة، آية (٥٩) .
(٢) انظر: تيسير العزيز الحميد، ص٧٣١ - ٧٣٣.
(٣) سبق تخريجه، ص ٨٩.
(٤) انظر المسند، ٤ / ٣٨١، ٥ / ٢٢٧ - ٢٢٨.
[ ٢٠٧ ]
إلى عبادة نفسه ووصفه بصفات الرب كما أنه لم يدع أنه من نور، أو أن له في الكون شيئا من التدبير، أو أنه يعلم الغيب إلى غير ذلك مما يعتقده الغلاة فيه.
بل عد ذلك مما يناقض الدين الذي جاء به، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] (١) الآية.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا - قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا - قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢٠ - ٢٢] (٢) وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ - وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠] (٣) .
ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم - وهم أعلم خلق الله بعد رسوله - ﷺ - بالدين وأشدهم حبا وتعظيما لله ولرسوله - ﷺ - ومعرفة لحقوقه - لم يتعاملوا معه - ﷺ - إلا على أنه بشر مثلهم رسول، لا على أنه إنسان حل فيه الإله، أو أنه روح الله أو أنه مخلوق من نور إلى آخر ما يعتقده الغلاة. ولا دعوا الناس إلى ذلك، وإنما دعوهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وأن رسول الله - ﷺ - عبد الله اصطفاه الله لرسالته وعلى هذا جرى سلف هذه الأمة. إلى أن رفعت الزندقة رأسها فوجد في الأمة من أنواع الغلو ما يناقض شرع الله.
وما علمت هذه المقالات ولا ابتدعت إلا من أناس زنادقة منافقين كالحلاج
_________________
(١) سورة الأنعام، آية (٥٠) .
(٢) سورة الجن، آية (٢٠-٢٢) .
(٣) سورة آل عمران، آية (٧٩-٨٠) .
[ ٢٠٨ ]
وابن عربي والجيلي وابن الفارض (١) وغيرهم من الغلاة الذين سار على نهجهم أكثر الصوفية حتى زماننا هذا.
وهذه المقالات التي ابتدعوها هي كفر وزندقة متسترة بدعوى حبهم للرسول - ﷺ - وتعظيمه.
فهي في ميزان الشرع كفر صريح أو مؤدية للكفر ومن اعتقد فيها وقال بها عن علم فقد كفر.
وذلك كالقول بقدم النور المحمدي وأنه مادة العالم وأن الرسول كان بحقيقته موجودا قبل أن يخلق آدم وأنه إنسان عين الله، وأنه هو الحقيقة الإلهية السارية في الوجود بأسره وأن الحقيقة المحمدية هي العقل الكلي الذي يصل ما بين الوجود المطلق وهو الله وما بين عالم الطبيعة (الخلق) .
وأن الحقيقة المحمدية هي روح الله المنفوخ في آدم وأن محمدا - ﷺ - كان خلقا في ظاهره خالقا في باطنه وأن الأنبياء كانوا صورا للحقيقة المحمدية وأن الحقيقة المحمدية ليست إلا الله متعينا في أول تعيناته وهي اسم الله الأعظم إلى غير ذلك من العقائد الباطلة.
فهذه الأمور من اعتقدها فلا شك في كفره وزندفته، كما حكم جمع من العلماء بكفر ابن عربي ومن تابعه على معتقده (٢) ومع كون هذه الأمور كفرا بواحا، إلا أن هؤلاء الزنادقة الضلال موهوه وخرفوه وأخرجوه في قالب محبة الرسول - ﷺ - وحجبوا الناس عن تلقي حقائق الشرع، والعلم بالدين حتى لا ينكشف للناس زيغهم وضلالهم.
وشجعهم على ذلك انتشار الجهل بين غالبية المسلمين حتى عد هؤلاء
_________________
(١) عمر بن علي بن مرشد المعروف بابن الفارض حموي الأصل، مصري المولد والدار والوفاة. اشتغل بالفقه والحديث أول أمره ثم انتقل إلى التصوف فكان أكثر الصوفية شعرا، ومن أشهر شعره تائية السلوك التي جمع فيها فنون الالحاد والاتحاد والكفر برب العالمين. توفي (٦٣٢ هـ) . قال عنه الذهبي " ينعق بالاتحاد الصريح في شعره وهذه بلية عظيمة فتدبر نظمه ولا تستعجل ولكنك حسن الظن بالصوفية، وما ثم إلا زي الصوفية وإشارات مجملة وتحت الزي والعبارة فلسفة وآفاعي فقد نصحتك والله الموعد ". ميزان الاعتدال، ٣ / ٢١٤ - ٢١٥. وانظر لسان الميزان، ٣ / ٣١٧ -٣١٩. وشذرات الذهب، ٥ / ١٤٩- ١٥٣.
(٢) انظر: العقد الثمين، ٢ / ١٦٠ وما بعدها. وتنيه الغبي إلى كفر ابن عربي، ص ١٥٠ وما بعدها.
[ ٢٠٩ ]
الضلال من علماء الدين وأولياء الله الصالحين.
فراجت في سوق الجهل بضاعتهم وأقبل عليها الجهال يحسبونها دينا يتقربون به إلى الله فإذا بهم قد وقعوا في الشرك الأكبر وصاروا عبيدا لهؤلاء الضلال يتلاعبون بعقولهم كما يتلاعب الصبيان بالكرة. والمحفوظ من حفظه الله فأنار بصيرته وفتح للحق قلبه وعقله.
[ ٢١٠ ]
[الفصل الثاني الابتداع]
[المبحث الأول تعريف البدعة وبيان حكمها]
الفصل الثاني
الابتداع وفيه ثلاثة مباحث المبحث الأول - تعريف البدعة وبيان حكمها.
المبحث الثاني - البدع التي ظهرت بدعوى محبة الرسول - ﷺ -.
المبحث الثالث - آثار الابتداع.
[ ٢١١ ]
المبحث الأول
تعريف البدعة وبيان حكمها البدعة في اللغة: اسم هيئة من الابتداع كالرفعة من الارتفاع وهي: كل شيء أحدث على غير مثال سابق. سواء أكان محمودا أم مذموما. وهي مأخوذة من بدع الشيء يبدعه بدعا إذا أنشأه واخترعه.
قال ابن فارس:
(" بدع ". الباء والدال والعين أصلان: أحدهما ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال والآخر الانقطاع والكلال) (١) وجاء في لسان العرب:
(بدع الشيء يبدعه بدعا وابتدعه: أنشأه وبدأه. . . والبديع والبدع: الشيء يكون أولا. وفي التنزيل: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] (٢) أي ما كنت أول من أرسل، قد أرسل قبلي رسل كثير. والبدعة: الحدث وما ابتدع في الدين بعد الإكمال. . . . وأبدع وابتدع وتبدع: أتى ببدعة. قال الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧] (٣) وبدعه: نسبه إلى البدعة. . . والبديع: المحدث العجيب. . . . وأبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال. والبديع من أسماء الله - تعالى - لإبداعه الأشياء وإحداثه إياه. وهو البديع الأول قبل كل شيء. ورجل
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة، ١ / ٢٠٩.
(٢) سورة الأحقاف، آية (٩) .
(٣) سورة الحديد، آية (٢٧) .
[ ٢١٣ ]
بدع وامرأة بدعة: إذا كان غاية في كل شيء، كان عالما أو شريفا أو شجاعا) (١) .
هذا ما يختص بالأصل الأول من معاني الكلمة، وهو الاختراع والإحداث وأما ما يختص بالأصل الثاني: وهو الانقطاع والكلال، فمنه قولهم - كما جاء في لسان العرب: (. . . أبدعت الإبل: بركت في الطريق من هزال أو داء أو كلال، وفي الحديث: «إني أبدع (٢) فأحملني» (٣) . . . كأنه جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليه من عادة السير إبداعا أي إنشاء أمر خارج عما اعتيد منها) (٤) .
وهذا راجع إلى المعنى الأول. لأن انقطاع الدابة عن السير طارئ على عادتها وأمر حادث لم يكن من قبل. ومن هذا المعنى الثاني أخذت البدعة أيضا، لأنها وإن كانت شيئا مخترعا لم يسبق له مثيل إلا أن فيها معنى الانقطاع، لأنها تنقطع بصاحبها عن سلوك الصراط المستقيم.
وعلى هذا فالكلمة تدور على معنى الإحداث والاختراع والخروج عن حد المألوف والمعهود.
قال الشاطبي:
(ومن هذا المعنى - أي الإحداث والاختراع - سميت البدعة بدعة، فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع، وهيئتها هي البدعة، وقد يسمى العمل المعمول على ذلك الوجه بدعة. فمن هذا المعنى سمي العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة، وهو إطلاق أخص منه في اللغة) (٥) .
_________________
(١) لسان العرب، مادة بدع، ٨ / ٦ - ٧.
(٢) أبدع: انقطع إذا هلكت دابته ولم يجد ما يركبه.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة. باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره، ٣ / ١٥٩٦. وأبو داود في كتاب الأدب، باب في الدال على الخير، ٥ / ٣٤٦.
(٤) لسان العرب. مادة بدع، ٨ / ٩.
(٥) الاعتصام للشاطبي، ١ / ٣٦.
[ ٢١٤ ]
تعريف البدعة اصطلاحا: بعد بيان المعنى اللغوي للبدعة أنتقل لبيان معناها الاصطلاحي لنرى العلاقة بين المعنيين.
وأول ما يقابلنا في البحث عن تعريف العلماء للبدعة هو أنه ليس هناك تعريف موحد متفق عليه بين العلماء، إذ انقسم العلماء في تعريف البدعة إلى فريقين:
- الفريق الأول وسع مدلول البدعة لتشمل كل ما حدث بعد رسول الله - ﷺ - سواء كان مذموما أو محمودا.
- والفريق الثاني قصر مدلول البدعة على الحادث المذموم الذي لم يرد به الشرع ولم يندرج تحت أصل يعمل به. مما يدخل في العبادة أو قصد به التعبد من العادات وبالجملة فهي تطلق عند هذا الفريق في مقابلة السنة.
وتبعا لذلك انقسم تعريف البدعة بسبب هذين الاتجاهين، فالاتجاه الأول يرى أن البدعة تنقسم إلى محمودة ومذمومة، والاتجاه الثاني يرى أن البدعة لا تكون إلا مذمومة. وسنعرض لتعريف البدعة لدى كل فريق بشيء من التفصيل، ونتبع ذلك بتحديد معنى البدعة الشرعية وبيان حكمها.
أولا - القائلون بالتقسيم: يرى هذا الفريق أن البدعة: هي كل ما أحدث في الدين بعد رسول الله - ﷺ - سواء أكان محمودا أم مذموما، وعلى ذلك فالبدعة عندهم تنقسم إلى محمودة ومذمومة، لكن منهم من اكتفى بذلك، ومنهم من قال بجريان الأحكام الخمسة عليها.
فممن ذهب إلى أنها تنقسم إلى محمودة ومذمومة الإمام الشافعي - ﵀ - حيث قال: (البدعة بدعتان، بدعة محمودة وبدعة مذمومة، فما وافق السنة
[ ٢١٥ ]
فهو محمود وما خالف السنة فهو مذموم) (١) .
واحتج بقول عمر - ﵁ - في قيام رمضان (نعمت البدعة هي) (٢) .
وروى عن الشافعي قول آخر يفسر ما سبق. فأخرج البيهقي في مناقب الشافعي بسنده عنه قال: (المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما: ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهي البدعة الضلالة. والثانية ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا (٣) فهي محدثة غير مذمومة) (٤) .
وقال ابن الجوزي:
(البدعة عبارة - عن فعل لم يكن فابتدع، والأغلب في المبتدعات أنها تصادم الشريعة بالمخالفة وتوجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان. فإن ابتدع شيء لا يخالف الشريعة ولا يوجب التعاطي عليها فقد كان جمهور السلف يكرهونه وكانوا ينفرون من كل مبتدع وإن كان جائزا حفظا للأصل وهو الاتباع. . . وقد جرت محدثات لا تصادم الشريعة ولا يتعاطى عليها فلم يروا بفعلها بأسا) (٥) واستشهد بقول عمر: " نعمت البدعة هذه ".
ثم قال: (ومتى أسند المحدث إلى أصل مشروع لم يذم، فأما إذا كانت البدعة كالمتمم فقد اعتقد نقص الشريعة، وإن كانت مضادة فهي أعظم) (٦) .
وإذا كان الشافعي ومن تابعه قد اكتفى بتقسيم البدعة إلى قسمين: بدعة
_________________
(١) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء. الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، ط ٣، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٠هـ ٩ / ١١٣.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التراويح. باب فضل من قام رمضان، ٣ / ٥٨.
(٣) أي لا يخالف هذا الحادث الكتاب أو السنة أو الأثر أو الإجماع.
(٤) مناقب الشافعي للبيهقي، تحقيق السيد أحمد صقر، ط١، دار التراث، القاهرة، ١ / ٤٦٨ - ٤٦٩.
(٥) تلبيس إبليس لابن الجوزي، طبع المطبعة المنيرية، نشر دار الندوة الجديدة، بيروت، ص١٦ - ١٧.
(٦) تلبيس إبليس لابن الجوزي، طبع المطبعة المنيرية، نشر دار الندوة الجديدة، بيروت، ص١٦ - ١٧.
[ ٢١٦ ]
محمودة أو مستحسنة، وبدعة مذمومة. فإن العز بن عبد السلام (١) ومن حذا حذوه مالوا إلى التفصيل. فالبدعة عندهم تجرى عليها الأحكام الخمسة.
قال العز بن عبد السلام:
(البدعة: فعل ما لم يعهد في عهد رسول الله - ﷺ - وهي منقسمة إلى: بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة، والطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة، وإن دخلت في قواعد المكروه فهي مكروهة، وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة) (٢) .
وبمثل هذا قسمهما القرافي (٣) (٤) . والنووي (٥) وابن حجر (٦) في أحد المواضع في الفتح.
_________________
(١) هو عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي الدمشقي المقلب بسلطان العلماء (٥٧٧ - ٦٦٠هـ) . فقيه. شافعي. بلغ رتبة الاجتهاد. من تصانيفه: الإلمام في أدلة الأحكام، قواعد الشريعة، بداية السول في تفصيل الرسول. وغيرها. انظر: طبقات الشافعية الكبرى، ٨ / ٢٠٩ - ٢٧٧.
(٢) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للعز بن عبد السلام، طبع مكتبة الكليات الأزهرية، مصر، ٢ / ٢٠٤.
(٣) هو أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس عبد الرحمن الصنهاجي (. . . - ٦٧٤ هـ) أصله من صنهاجة بالمغرب وهو مصري المولد والمنشأ والوفاة. فقيه مالكي. أصولي له مؤلفات كثيرة منها: أنوار البروق في أنواء الفروق، والذخيرة في فقه المالكية، وشرح تنقيح الفصول في الأصول، والأجوبة الفاخرة في الرد على الأسئلة الفاجرة. انظر: الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب. برهان الدين إبراهيم بن علي بن محمد بن فرحون اليعمري المالكي. طبع دار الكتب العلمية، بيروت، ص٦٢ وما بعدها.
(٤) انظر: الفروق للقرافي، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ٤ / ٢٠٢ وما بعدها.
(٥) تهذيب الأسماء واللغات للنووي، طبع المطبعة المنيرية، مصر، القسم الثاني، ١ / ٢٢ - ٢٣.
(٦) فتح الباري، ٤ / ٢٥٣.
[ ٢١٧ ]
ثانيا - القائلون بذم البدعة مطلقا: يرى هذا الفريق أن البدعة تطلق على كل ما أحدث في الدين مما لا أصل له في الشرع وأن البدعة مذمومة مطلقا. وقد ذهب إلى هذا جمع من الأئمة، والعلماء منهم الإمام مالك - ﵀ - حيث قال: (من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا - ﷺ - خان الرسالة لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] (١) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا) (٢) وقال الإمام أحمد - ﵀:
(أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب الرسول - ﷺ -، والاقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة ضلالة) (٣) وممن سار على هذا النهج ابن وضاح (٤) في كتابه البدع والنهي عنها حيث عقد بابا بعنوان كل محدثة بدعة وساق الآثار التي تؤكد ذلك وتؤيده (٥) .
ويعرف ابن تيميه البدعة بقوله:
(إن البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب) (٦) .
_________________
(١) سورة المائدة، آية (٣) .
(٢) الاعتصام، ١ / ٤٩.
(٣) طبقات الحنابلة لأبي يعلى الفراء. نشر دار المعرفة بيروت، ١ / ٢٤١.
(٤) هو أبو عبد الله محمد بن وضاح بن بزيغ القرطبي، (١٩٩ - ٢٨٦هـ)، عالم محدث. فقيه. رحل إلى المشرق فحصل علما كثيرا ثم رجع إلى الأندلس فنشره فانتفع به خلق كثير. من تصانيفه. مكنون السر ومستخرج العلم في الفقه، القطعان في الحديث. انظر: سير أعلام النبلاء، ١٣ / ٤٤٥ - ٤٤٦، ولسان الميزان، ٥ / ٤١٦.
(٥) انظر: البدع والنهي عنها لمحمد بن وضاح القرطبي، تحقيق محمد أحمد دهمان، ط ٢، دار البصائر، دمشق، ١٤٠٠هـ ص٢٣ وما بعدها.
(٦) مجموع الفتاوى، ٤ / ١٠٧ - ١٠٨.
[ ٢١٨ ]
ويقول ابن رجب:
(والمراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا، وإن كان بدعة لغة) (١) .
وإلى هذا ذهب الحافظ ابن حجر عند شرحه لقول ابن مسعود - ﵁: «وشر الأمور محدثاتها» (٢) حيث قال: (والمراد بقوله: كل بدعة ضلالة: ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام) (٣) .
ولعل أحسن من فصل القول في هذا المجال الإمام الشاطبي - ﵀ - حيث عرف البدعة بتعريفين:
أولهما: أنها (طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله ﷾.
وهذا التعريف على رأى من لا يدخل العادات في معنى البدعة وإنما يخصها بالعبادات.
ثانيهما: البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية) وهذا على رأى من أدخل العادات في مسمى البدع. وليس هذا التعريف داخلا معنا لأن الصحيح أن البدعة لا تدخل العادات إلا ما قصد به التعبد منها.
ثم أخذ الشاطبي يشرح ألفاظ التعريف، ويتلخص ما قاله فيما يأتي: الطريقة والطريق: ما رسم للسلوك عليه.
في الدين: قيد يخرج الاختراع في أمور الدنيا.
_________________
(١) جامع العلوم والحكم، ص ٢٣٣.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -، ٩ / ١١٤.
(٣) فتح الباري، ١٣ / ٢٥٣، ٢٥٤.
[ ٢١٩ ]
وإنما قيدت بالدين لأنها فيه تخترع، وإليه يضيفها صاحبها، ولو كانت الطريقة مخترعة في الدنيا لم تسم بدعة، وذلك كإنشاء المدن الحديثة واختراع الآلات التي لم تكن موجودة من قبل.
مخترعة: أي لا أصل لها في الشريعة، ولا تعلق لها بها. لأن البدعة تتميز بأنها خارجة عما رسمه الشرع.
وهذا القيد يخرج ما حدث وله أصل في الشرع كتصنيف العلوم الشرعية مثلا، فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول، فأصولها موجودة في الشرع، وهي مستمدة من قاعدة المصالح المرسلة، ولا ينبغي أن تسمى بدعة أصلا، ومن سمى مثل ذلك بدعة فإما أن يريد المفهوم اللغوي لها، - كما سمى عمر بن الخطاب - ﵁ - جمع الناس على قيام رمضان بدعة - وإما من جهله بمواقع السنة والبدعة.
تضاهي الشرعية: أي أن البدعة تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون كذلك بل هي مضادة لها من أوجه متعددة منها:
- وضع الحدود، وذلك كالناذر للصيام قائما لا يقصد، ضاحيا لا يستظل، والاقتصار من المأكل والملبس على صنف دون صنف.
- ومنها التزام الكيفيات والهيئات المعينة، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي - ﷺ - عيدا، وما أشبه ذلك.
- ومنها التزام العبادات المعينة في أوقات معينة، لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة، وذلك كالتزام صيام يوم النصف من شعبان، وقيام ليلته، وكون البدعة تضاهي الأمور المشروعة وصف لازم لها، وإلا لكانت من باب الأفعال العادية.
ويبين ذلك، أن صاحب البدعة يخترعها ليضاهي بها السنة، سواء لبس بها صاحبها على الناس، أو كانت مما التبست عليه - هو - بالسنة ويؤكد هذا
[ ٢٢٠ ]
انتصار المبتدع لبدعته بأمور تخيل أنها مشروعة، ولو بدعوى الاقتداء بفلان المعروف منصبه في أهل الخير.
- يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله، تعالى، هذا القصد. قيد لإخراج العادات التي لا يقصد بها التعبد من البدع، وبيان أن ما ابتدع من الأمور الزائدة على المشروع، والمنسوبة للشرع، مقصود بها المبالغة في التعبد، أو تجديد النشاط إلى العبادة (١) .
وعرفها الشمني بأنها (٢) (ما أحدث على خلاف الحق المتلقي عن رسول الله - ﷺ - من علم أو عمل أو حال بنوع شبهة أو استحسان، وجعل دينا قويما وصراطا مستقيما) (٣) والمراد بالعلم: الاعتقاد، وبالحال: هيئة العمل (٤) .
أدلة القائلين بالتقسيم: وبعد أن استعرضنا تعريف كل من الفريقين للبدعة أنتقل إلى عرض أدلة كل فريق ومناقشتها حتى يتسنى لنا تحديد معنى البدعة في الشرع.
وسأبدأ بالفريق الأول: وهم القائلون بالتقسيم:
إن مراد هذا الفريق باستدلالهم بهذه الأدلة هو بيان أنها تخصص العموم الوارد
_________________
(١) انظر: الاعتصام، ١ / ٣٧ - ٤٢.
(٢) هو أحمد بن محمد بن محمد الشمني، نسبة لمزرعة في بلاد المغرب. المصري (٨٠١ - ٨٧٢ هـ) . فقيه. محدث. لغوى. من تصانيفه: المنصف من الكلام على مغني ابن هشام في النحو، ومزيل الخفا عن ألفاظ الشفا، تعليقا على الشفا للقاضي عياض، كمال الدراية في شرح النقاية في الفقه الحنفي. انظر: شذرت الذهب، ٧ / ٣١٣، والأعلام، ١ / ٢٣١.
(٣) حكاه الشيخ على محفوظ في كتابه: الإبداع في مضار الابتداع، ط ٧، دار الاعتصام، القاهرة، ص ٢٦.
(٤) المصدر نفسه، ص ٢٦.
[ ٢٢١ ]
في ذم البدعة، وأنها ليست كلها ضلالة، بل منها المحمود والمذموم، وقد استدلوا بعدة أدلة منها:
- قول عمر ﵁ - عن جمع الناس على قيام رمضان -: «نعمت البدعة هذه» (١) ووجه الاستدلال بهذا القول: أن عمر قد سمى ذلك الفعل بدعة، ووصفها بما يفيد حسنها فدل ذلك على أن هناك بدعة حسنة في الشرع.
- ومنها ما أخرجه مسلم بسنده عن جرير بن عبد الله - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص ذلك من أوزارهم شيء» (٢) .
قال النووي:
(. . . . وفي هذا الحديث تخصيص قوله - ﷺ -: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (٣) وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة) (٤) .
ويشرح الشاطبي وجه استدلالهم بهذا الحديث:
بأنه صريح في أن من سن سنة خير فذلك خير، وأن سن هنا بمعنى اخترع وابتدع لكون الاستنان قد نسب إلى المكلف دون الشارع، ولو كان المراد من عمل سنة ثابتة في الشرع لما قال: «من سن» .
ويدل على ذلك قوله - ﷺ -: «ليس من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن
_________________
(١) سبق تخريجه ص ٢٢٠.
(٢) صحيح مسلم. كتاب الزكاة. باب الحث على الصدقة، ٢ / ٧٠٤ - ٧٠٥.
(٣) سبق تخريجه ص ١٢١.
(٤) صحيح مسلم بشرح النووي، ٧ / ١٠٤.
[ ٢٢٢ ]
آدم الأول كفل منها - من دمها - لأنه أول من سن القتل» (١) فقوله - ﷺ -: «سن» بمعنى اخترع. لأنه أول من اخترع القتل بين الناس ولم يكن موجودا. ومثله قوله - ﷺ - «من سن في الإسلام سنة حسنة» . أي اخترعها من نفسه وأحدثها. لكن بشرط أن تكون حسنة حتى يكون له الأجر.
إذا فليس المراد: من عمل سنة ثابتة، ولو كان المراد كذلك لقال من عمل بسنتي، أو بسنة من سنتي، أو من أحيا سنة من سنتي (٢) .
ومن الأدلة ما أخرجه الترمذي بسنده عن بلال بن الحارث: «أن النبي - ﷺ - قال لبلال بن الحارث: (اعلم: قلت: ما أعلم يا رسول الله؟ قال: إنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله كان عليه مثل أثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا)» (٣) .
قال الشاطبي:
فقوله «من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدى»، واضح في العمل بما ثبت أنه سنة. . . بخلاف قوله: من سن كذا، فإنه ظاهر في الاختراع أولا من غير أن يكون ثابتا في السنة. وأما قوله - ﷺ - لبلال بن الحارث «ومن ابتدع بدعة ضلالة» فظاهر أن البدعة لا تذم بإطلاق. بل بشرط أن تكون ضلالة، وأن تكون لا يرضاها الله ورسوله، فاقتضى هذا كله أن البدعة إذا لم تكن كذلك لم يلحقها ذم، ولا تبع صاحبها وزر، فعادت إلى أنها سنة حسنة، ودخلت تحت الوعد بالأجر) (٤) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام. باب إثم من دعا إلى ضلالة أو سن سنة سيئة، ٩ / ١٢٧.
(٢) انظر: الاعتصام، ١ / ١٧٨ - ١٧٩.
(٣) سنن الترمذي، كتاب العلم. باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتاب البدعة ٤ / ١٥٠ - ١٥١، وسيأتي الكلام عليه.
(٤) الاعتصام، ١ / ١٧٩.
[ ٢٢٣ ]
ومما استدلوا به أيضا:
أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. قد استحسنوا أشياء لم يرد بها نص معين في كتاب ولا سنة مما رأوه حسنا وأجمعوا عليه، ولا تجتمع أمة محمد - ﷺ - على ضلالة، وإنما يجتمعون على هدى وعلى ما هو حسن. مثال ذلك. أنهم أجمعوا على جمع القرآن وكتابته في المصحف وعلى جمع الناس على المصاحف العثمانية واطراح ما سواها.
ثم اقتفى الناس أثرهم في ذلك الرأي الحسن، فجمعوا العلم ودونوه وكتبوه. ومثل ذلك قتل عمر الجماعة بالواحد، وتضمين الصناع، وكل هذه محدثات لم تكن في عهد رسول الله - ﷺ - وقد استحسنها الصحابة ومن بعدهم.
فدل ذلك على أن البدع تنقسم إلى حسنة وقبيحة (١) وربما استدلوا (٢) بالحديث الموقوف على ابن مسعود - ﵁ - وهو قوله: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» (٣) .
قال الشيخ علي محفوظ:
(ووجه الشبهة فيه ظاهر وهو أنه قال: " ما رآه المسلمون والظاهر ما رأوه بعقولهم فرجع التحسين إليهم فهم المخترعون، ولو كان التحسين بالدليل لما نسب الرؤية إلى المسلمين، فدل على أن البدعة فيها الحسن والقبيح ") (٤) .
وبناء على ما تقدم فإن هذا الفريق يرى:
- أن البدعة تطلق على كل ما أحدث في الدين بعد رسول الله - ﷺ - سواء كان محمودا أو مذموما.
_________________
(١) انظر: الاعتصام، ١ / ١٧٩ - ١٨١.
(٢) انظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ملا على القاري. بمباي الهند، أبناء غلام رسول السرتي، ١ / ١٧٩.
(٣) سبق تخريجه، ص٩٤.
(٤) الإبداع في مضار الابتداع، ص١٢٨.
[ ٢٢٤ ]
- أن كل ما ورد في ذم البدع. مثل قوله - ﷺ - «كل بدعة ضلالة» عام مخصوص.
- أن البدعة تدور عليها الأحكام الخمسة.
أدلة القائلين بذم البدعة: تتركز أدلة هذا الفريق حول إثبات أن البدعة سيئة ومذمومة مطلقا، وقد استدلوا على ذلك بأدلة من القرآن والسنة، فمن القرآن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (١) فهذه الآية تدل على أن الشريعة قد جاءت كاملة فلا تحتاج إلى زيادة ولا نقصان. وحاصل كلام المبتدع وحاله، أن الشريعة لم تتم وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها في زعمه، ولو كان معتقدا لكمالها وتمامها من كل وجه لم يبتدع ولم يستدرك عليها، ولاشك أن من اعتقد هذا فهو ضال عن الصراط المستقيم (٢) .
قال الإمام مالك:
(من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا - ﷺ - خان الرسالة، لأن الله يقول ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] (٣) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا) (٤) .
ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (٥) .
فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه، وهو السنة، والسبل هي
_________________
(١) سورة المائدة، آية (٣) .
(٢) الاعتصام، ١ / ٤٨-٤٩.
(٣) سورة المائدة، آية (٣) .
(٤) المصدر نفسه، ص٤٩.
(٥) سورة الأنعام، آية (١٥٣) .
[ ٢٢٥ ]
سبل أهل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم، وهم أهل البدع.
وليس المراد بالسبل: المعاصي، لأن المعاصي - من حيث هي - لم يضعها أحد طريقا تسلك دائما للتعبد. وإنما هذا الوصف خاص بالبدع والمحدثات.
فعن ابن مسعود - ﵁ - قال: «(خط لنا رسول الله - ﷺ - خطا بيده ثم قال هذا سبيل الله مستقيما قال ثم خط عن يمينه وشماله ثم قال هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]» (١) .
قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] قال: البدع والشبهات (٢) ومن الآيات التي استدلوا بها قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩] (٣) فالسبيل القصد هو طريق الحق، وما سواه جائر عن الحق، أي منحرف عنه إلى طرق البدع والضلالات والمعاصي.
وعن مجاهد: ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي المقتصد منها بين الغلو والتقصير وذلك يفيد أن الجائر هو الغالي أو المقصر، وكلاهما من أوصاف البدع.
ومن الأدلة الواردة في القرآن مما يدل على ذم المبتدعين قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] (٤) فهذه الآية تبين حال الزائغين عن اتباع الحق، وذلك باتباعهم لما تشابه من الكتاب. بقصد الفتنة في الدين وما ذاك إلا بسبب زيغ في قلوبهم وفساد في أفهامهم.
وهذا صنيع أهل البدع لأنهم يتركون محكم الكتاب ويتمسكون بمتشابهه،
_________________
(١) المسند، ١ / ٤٦٥، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٢ / ٢٣٩.
(٢) تفسير الطبري، ١٢ / ٢٢٩.
(٣) سورة النحل، آية (٩) .
(٤) سورة آل عمران، آية (٧) .
[ ٢٢٦ ]
وقد ورد في الحديث ما يفسر الآية ويحذر من المبتدعة وأشباههم فقد أخرج البخاري بسنده «عن عائشة - ﵂ - قالت: (تلا رسول الله - ﷺ - هذه الآية ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] إلى قوله: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] قالت: قال رسول الله - ﷺ -: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم)» (١) .
وأخرج الآجري بسنده عن طاووس قال: (ذكر لابن عباس - ﵄ الخوارج - وما يصيبهم عند قراءة القرآن؟ (٢) فقال - رضي الله تعالى عنه: " يؤمنون بمحكمه ويضلون عن متشابهه. وما يعلم تأويله إلا الله. والراسخون في العلم يقولون: آمنا به ") (٣) ولا شك أن الخوارج كانوا أوائل المبتدعة، وكانت تلك سمتهم وسمة من أتى بعدهم من أهل البدع على اختلاف بدعهم (٤) وهي التمسك بالمتشابه وترك المحكم لزيغ في القلب.
وهذه الآيات قد تضمنت ذم الابتداع وأهله بطريق الإجمال ولم تخصص نوعا من البدع أو المحدثات دون نوع أو قسما دون قسم بل هي عامة، يستفاد منها ذم البدع مطلقا.
وبعد أن استعرضنا بعض الآيات التي تشير إلى ذم البدعة وأهلها ننتقل إلى السنة لاستعراض الأحاديث التي استدل بها القائلون بذم البدع مطلقا. فمن ذلك ما أخرجه أحمد وغيره عن العرباض بن سارية - ﵁ - قال: «صلى بنا رسول الله - ﷺ - الصبح، فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. فقال: " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدا حبشيا، فإنه
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) ٦ / ٤٢.
(٢) أي ما يعتريهم من غلبة البكاء عند قراءة القرآن. والله أعلم.
(٣) الشريعة ص٢٧.
(٤) انظر الاعتصام، ١ / ٥٦ - ٥٧.
[ ٢٢٧ ]
من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (١) فهذا الحديث نص في أن البدع كلها ضلالة بلا استثناء في ذلك ولا يحتمل تخصيصا يخرج بعض البدع عن هذا الوصف، وذلك لورود التعميم في أحاديث أخرى، ولم يرد في حديث منها ما يخصص ذلك العموم.
ومن الأدلة ما أخرجه مسلم بسنده عن جابر بن عبد الله قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم. ويقول: " بعثت أنا والساعة كهاتين " ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد. فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدي محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» (٢) .
قال الحافظ ابن حجر:
(قوله: «كل بدعة ضلالة» قاعدة شرعية كلية بمنطوقها ومفهومها، أما منطوقها، فكأن يقال: حكم كذا بدعة، وكل بدعة ضلالة، فلا تكون من الشرع لأن الشرع كله هدى. فإن ثبت أن الحكم المذكور بدعة، صحت المقدمتان وأنتجتا المطلوب) (٣) .
ومن الأدلة أيضا ما أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة - رضي الله تعالى عنها: قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . وفي رواية لمسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٤) فهذا الحديث يدل على أن من أحدث في الدين شيئا وليس أصل في الشرع يدل عليه فهو باطل ومردود على صاحبه.
_________________
(١) سبق تخريجه، ص ١٢١.
(٢) صحيح مسلم. كتاب الجمعة. باب تخفيف الصلاة والخطبة ٢ / ٥٩٢.
(٣) فتح الباري، ١٣ / ٢٦٧ - ٢٦٨.
(٤) سبق تخريجه، ص ٧٠.
[ ٢٢٨ ]
قال النووي عند شرحه لهذا الحديث بروايتيه:
(. . . وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه - ﷺ - فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات. وفي الرواية الثانية زيادة، وهي أنه قد يعاند بعض الفاعلين في بدعة سبق إليها فإذا احتج عليه بالرواية الأولى يقول: أنا ما أحدثت شيئا فيحتج عليه بالثانية التي فيها التصريح برد كل المحدثات، سواء أحدثها الفاعل أو سبق بإحداثها. . وهذا الحديث مما ينبغي حفظه، واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به) (١) .
ومع ما سبق. فالحديث يعتبر ميزانا توزن به الأعمال هل هي موافقة للشرع أم لا؟
قال الحافظ ابن رجب:
(وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، كما أن حديث: «إنما الأعمال بالنيات» ميزان للأعمال في باطنها، فهذا ميزان للأعمال في ظاهرها فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله - تعالى -فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء، ثم قال: " فهذا الحديث بمنطوقه يدل على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره فهو غير مردود، والمراد بأمره هاهنا: دينه وشرعه كالمراد بقوله في الرواية الأخرى «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . فالمعنى إذا أن كل من كان عمله خارجا عن الشرع، ليس متقيدا بالشرع فهو مردود.
وقوله: «ليس عليه أمرنا» إشارة إلى أن أعمال العاملين كلهم ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة فتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها، فمن كان عمله جاريا تحت أحكام الشريعة موافقا لها فهو مقبول،
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي، ١٢ / ١٦.
[ ٢٢٩ ]
ومن كان خارجا عن ذلك فهو مردود ") (١) .
ومنها قوله - ﷺ - (. . . . «فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٢) فهذا الحديث فيه تحذير ووعيد شديد لمن رغب عن السنة وعدل عنها إلى غيرها من الأهواء والبدع.
وبناء على ما سبق فإن هذا الفريق من العلماء يرى:
- أن جميع ما ورد في ذم البدع من نحو قوله - ﷺ - «كل بدعة ضلالة» عام باق على عمومه.
- أن البدعة لا تكون إلا مذمومة، وإن استحسنها صاحبها.
- إن البدعة تطلق على ما أحدث في الدين بعد رسول الله - ﷺ - مما لا دليل عليه في الشرع بطريق خاص ولا عام.
- أن البدعة المقصودة بالذم شرعا لا تقبل التقسيم. أما التي قسمها العلماء فهي البدعة اللغوية وهي أعم وأشمل من البدعة الشرعية.
وبناء على ذلك فقد ناقشوا القائلين بالتقسيم في دعواهم.
مناقشة القائلين بالتقسيم: سبق أن ذكرنا أن أصحاب هذا الاتجاه قد انقسموا إلى فريقين:
- ففريق يرى أن البدعة تنقسم إلى محمودة ومذمومة واكتفى بذلك. ويمثله الإمام الشافعي ومن تابعه.
- والفريق الثاني زاد على ذلك بالقول بتقسيمها إلى خمسة أقسام وكان
_________________
(١) جامع العلوم والحكم، ص٥٢.
(٢) سبق تخريجه، ص ١٢٢.
[ ٢٣٠ ]
هذا الفريق أكثر تفصيلا وتوضيحا. ويمثله العز بن عبد السلام وتلميذه القرافي ومن تابعهما.
أما الإمام الشافعي فقد ورد عنه قولان يفسر أحدهما الآخر. وحاصلهما أنه يرى أن البدعة المذمومة ما ليس لها أصل في الشريعة، وأن البدعة المحمودة ما أحدثت ولها أصل في الشريعة.
وقد نبه الحافظ ابن رجب على ذلك فقال: (وقد روى الحافظ أبو نعيم بإسناده عن إبراهيم بن الجنيد قال: سمعت الشافعي يقول: البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم. واحتج بقول عمر - ﵁: " نعمت البدعة هي ". ومراد الشافعي - ﵀ - ما ذكرناه من قبل أن أصل البدعة المذمومة ما ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه وهي البدعة في إطلاق الشرع. وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة: يعني ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعا لموافقتها السنة.
وقد روى عن الشافعي كلام آخر يفسر هذا، أنه قال: المحدثات ضربان:
ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه البدعة الضلالة، وما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا (١) فهذه محدثة غير مذمومة) (٢) .
أما القائلون بالتقسيم فقد سبق إيراد أدلتهم والآن أبدأ بمناقشتها.
- أولا: استدلالهم بقول عمر ﵁: " نعمت البدعة هذه " وأن عمر قد سمى جمع الناس على قيام رمضان بدعة واستحسنها.
ليس فيه دليل على ما ذهبوا إليه من وجود البدعة الحسنة شرعا. ذلك أن عمر - ﵁ - لم يرد ذلك وإنما أراد المفهوم اللغوي لها وهو أوسع من المفهوم
_________________
(١) مقصوده والله أعلم: ألا يخالف ذلك المحدث الكتاب أو السنة والأثر أو الإجماع.
(٢) جامع العلوم والحكم، ص ٢٣٤ - ٢٣٥.
[ ٢٣١ ]
الشرعي. لأنها تطلق في اللغة على الحادث محمودا كان أو مذموما بخلاف الشرع فلا تطلق إلا على الحادث المذموم.
أما ما فعله عمر - ﵁ - فقد كان سنة من كل وجه، ويوضح ذلك: أن قيام رمضان سنة وأنه - ﷺ - قد حث عليه ورغب فيه فقال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» (١) ثم إنه - ﷺ - صلى القيام في المسجد جماعة بأصحابه عدة ليال فلما كثر الناس في المسجد امتنع من الخروج إليهم خشية أن تفرض عليهم. فظل الأمر على ذلك حتى توفاه الله.
ويبين ذلك الحديث الذي أخرجه البخاري عن عروة بن الزبير أن عائشة - ﵂ - أخبرته «أن رسول الله - ﷺ - خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم، فصلى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله - ﷺ - فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: أما بعد، فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكن خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها. فتوفى رسول الله - ﷺ - والأمر ذلك» (٢) .
وعلى ذلك فالجماعة في القيام سنة وليست بدعة، فلما توفى رسول الله - ﷺ - وزال المانع بانقطاع الوحي بقيت على سنيتها وظل الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر - ﵁ - وصدرا من خلافة عمر، ﵁، حتى رأى عمر أن يجمع الناس على القيام وراء إمام واحد بدلا من صلاتهم في المسجد أوزاعا متفرقين.
فعن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: (خرجت مع عمر بن الخطاب - ﵁ - ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلى
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب صلاة التراويح. باب فضل من قام رمضان، ٣ / ٥٨.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب صلاة التراويح. باب فضل من قام رمضان، ٣ / ٥٨ - ٥٩. ومسلم في كتاب صلاة المسافرين. باب الترغيب في قيام رمضان، ١ / ٥٢٤.
[ ٢٣٢ ]
الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلى بصلاته الرهط. فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون - يريد آخر الليل - وكان الناس يقومون أوله) (١) .
ثم أجمع الصحابة على صحة ما فعله عمر وأقروه فصار إجماعهم حجة. هذا بالإضافة إلى أنه سنة خليفة راشد أمرنا باتباعها لما روى الترمذي بسنده عن العرباض بن سارية أنه قال: وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة بليغة. الحديث، وفيه: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» (٢) .
وعلى ذلك فالجماعة في قيام رمضان سنة وليست بدعة، وإنما سماها عمر - ﵁ - بذلك إرادة منه للمفهوم اللغوي، لا الشرعي. ولأن رسول الله - ﷺ - قد تركها لمانع - وهو خوف الافتراض - قد زال بوفاته واتفق أنها لم تصل جماعة في زمان أبي بكر، ﵁، إما لأنه رأى أن قيام الناس آخر الليل أفضل من جمعهم على إمام أول الليل، وإما لضيق زمانه عن النظر في هذه الفروع لاشتغاله بحروب الردة وغير ذلك (٣) .
فلما تمهد الإسلام في زمان عمر - ﵁ - رأى جمعهم على إمام واحد وكان له الفضل في إحياء هذه السنة. وعلى ذلك فاستدلال القائلين بالتقسيم بهذا القول لا يؤدى إلى ما ذهبوا إليه من وجود البدعة الحسنة شرعا. ولو افترضنا صحة استدلالهم بهذا فليس قول الصحابي حجة إذا خالف الحديث.
كيف وقد أتت الأحاديث تشهد بالضلالة لكل بدعة.
_________________
(١) سبق تخريجه، ص ٢٢٠.
(٢) سبق تخريجه، ص ١٢١.
(٣) انظر: كتاب الحوادث والبدع. لأبي بكر محمد بن الوليد الطرطوشي تحقيق محمد الطالبي، تونس، ١٩٥٩ م.
[ ٢٣٣ ]
يقول ابن تيمية:
(وأما قول عمر: " نعمت البدعة هذه " فأكثر المحتجين بهذا لو أردنا أن نثبت حكما بقول عمر الذي لم يخالف فيه، لقالوا: " قول الصاحب ليس بحجة " فكيف يكون حجة لهم في خلاف قول رسول الله - ﵌ -. ومن اعتقد أن قول الصاحب حجة فلا يعتقده إذا خالف الحديث فعلى التقديرين: لا تصلح معارضة الحديث بقول الصاحب.
. . . . ثم نقول: أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها، وهذه تسمية لغوية لا تسمية شرعية، وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق، وأما البدعة الشرعية فكل ما لم يدل عليه دليل شرعي) (١) وأما استدلالهم بحديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة» - وأن سن بمعنى اخترع وابتدع - على وجود البدعة الحسنة شرعا.
فالجواب: أنه ليس المراد بالاستنان هنا الاختراع، وإنما المراد به العمل بما ثبت في السنة النبوية، أو إحياء أمر مشروع غفل عنه الناس أو تركوه، وبيان ذلك من وجهين:
- الأول: أن سبب ورود الحديث يفسر المراد بذلك.
ففي صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله - ﵁ - قال: «كنا عند رسول الله - ﷺ - في صدر النهار. قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار (٢) أو العباء، متقلدي السيوف عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله - ﷺ - لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج. فأمر بلال فأذن وأقام. فصلى ثم خطب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] إلى
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم، ٢ / ٥٨٩ - ٥٩٠.
(٢) النمار: جمع نمرة: وهي كساء من صوف مخطط، ومعنى (مجتابيها) أي لابسيها قد خرقوها في رؤوسهم. والجواب: القطع تمعر: أي تغير. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٧ / ١٠٢.
[ ٢٣٤ ]
آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] (١) والآية التي في الحشر: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ١٨] (٢) تصدق رجل من ديناره من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة، قال فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت. قال: ثم تتابع الناس. حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله - ﷺ - يتهلل كأنه مذهبة (٣) فقال رسول الله - ﷺ -: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده. من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده. من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (٤) .
فهذا الحديث يدل على أن المراد بالسنة الحسنة هو مثل ما فعله ذلك الصحابي، حيث أتى بتلك الصرة فانفتح بسببه باب الصدقة وتتابع الناس بعده فكان فاتحة الخير في هذا الإحسان. وإذا نظرنا إلى ما فعله هذا الصحابي نجد أن هذه الصدقة أمر مشروع وأنه لم يخترع شيئا جديدا.
غاية الأمر أنه كان له الفضل في تنبيه الصحابة وتشجيعهم - بفعله - على الصدقة وعلى ذلك فالمراد بالسنة الحسنة في الحديث: هو العمل بالسنة، خاصة إذا غفل عنها الناس أو تركوها.
ويتسع معنى السنة الحسنة ليشمل كل ما كان من أبواب الخير مما نبه إليه الشرع وحث عليه بشرط أن يكون على مقصود الشرع من الاتباع.
- الوجه الثاني:
أن قوله - ﷺ -: «من سن في الإسلام سنة حسنة» لا يمكن حمله على
_________________
(١) سورة النساء، آية (١) .
(٢) سورة الحشر، آية (١٨) .
(٣) مذهبة: أي فضة مذهبة، والمراد به الصفاء والاستنارة. انظر: المصدر نفسه، ٧ / ١٠٣.
(٤) رواه مسلم. كتاب الزكاة. باب الحث على الصدقة، ٢ / ٧٠٥.
[ ٢٣٥ ]
الاختراع، لأن كون السنة حسنة أو سيئة لا يعرف إلا بموافقة الشرع أو بمخالفته فما وافق الشرع وأوامره فهو من السنة الحسنة، ويدل على ذلك معنى الحديث.
وتطلق السنة السيئة على أمرين:
- أحدهما: إحداث المعاصي واختراع الفجور كما في حديث ابن آدم الأول ولفظه: «ليس من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها - وربما قال سفيان: من دمها - لأنه سن القتل أولا» (١) .
- والثاني: هو الإحداث في الدين والابتداع فيه.
وأيضا لو صح حمل هذا الحديث على وجود البدعة الحسنة شرعا لكان معارضا بالأحاديث الدالة على عموم ذم البدعة، وإذا تعارضت أدلة العموم والتخصيص، لم يقبل ذلك التخصيص (٢) .
وأما حديث بلال بن الحارث: وفيه «ومن ابتدع بدعة ضلالة» . . . .) فهذا الحديث لا يحتج به ولا يصلح للاستدلال لأنه ضعيف. وسبب ضعفه أنه من رواية كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، وهو أحد المتروكين المجروحين ممن لا يعتد بحديثه (٣) .
وأما استدلالهم بقول ابن مسعود: (ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن) فقد اعتاد كثير من الناس - المنتسبين للعلم منهم والجهال - الاحتجاج بهذا الأثر على أن في الدين بدعة حسنة، وأن الدليل على حسنها اعتياد الناس
_________________
(١) سبق تخريجه ص ٢٢٧.
(٢) انظر الاعتصام، ١ / ١٨١ وما بعدها.
(٣) قال عنه أحمد بن حنبل: منكر الحديث ليس بشيء، وقال الآجري: سئل عنه أبو داود فقال: كان أحد الكذابين، ومثل ذاك قال الشافعي: وقال ابن حبان: روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا في الرواية عنه إلا على جهة التعجب، وقال ابن عبد البر: مجمع على ضعفه. قال الحافظ الذهبي: وأما الترمذي فقد صحح له بعض الأحاديث ولذلك لا يعتمد العلماء على تصحيحه. انظر الضعفاء والمجروحين لابن حبان، ٢ / ٢٢١ - ٢٢٢، وميزان الاعتدال للذهبي، ٣ / ٤٠٦ - ٤٠٨، وتهذيب التهذيب، ٨ / ٤٢١ - ٤٢٣.
[ ٢٣٦ ]
عليها - ويروون هذا الأثر على أنه مرفوع إلى النبي - ﷺ - هذا مع أن الحديث موقوف على ابن مسعود لا يصح رفعه بحال من الأحوال.
وقبل الجواب أورده بنصه. عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: (إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد - ﷺ - خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجلعهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوه سيئا فهو عند الله سيئ) (١) .
وهذا الحديث ليس فيه دليل على ما ذهبوا إليه وذلك:
- لأن الحديث موقوف فلا يجوز أن يحتج به في معارضة النصوص القاطعة في أن: «كل بدعة ضلالة» كما صح عن النبي - ﷺ - في أكثر من حديث.
- وعلى التسليم بأنه حجة، فإنه لا يعارض تلك النصوص القاطعة في ذم البدعة لأمور:
١ - أن المراد بهذا الأثر إجماع الصحابة وعلى ذلك فاللام في " المسلمون " ليست للاستغراق، بل هي للعهد لأن سياق الأثر يدل على ذلك. كما وضحته زيادة الحاكم على هذا الأثر (٢) .
٢ - وعلى التسليم بأن المراد به غير الصحابة فلا يعني أن المقصود به عموم المسلمين عالمهم وجاهلهم بل المقصود به أهل الإجماع.
ولو كان المقصود به عموم المسلمين عالمهم وجاهلهم لاستلزم الباطل لأمرين:
- أحدهما: أنه سيناقض قوله - ﷺ -: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة» (٣) .
_________________
(١) سبق تخريجه، ص ٩٤.
(٢) ونص هذه الزيادة: " وقد رأى الصحابة أن يستحلفوا أبا بكر ﵁ ".
(٣) سبق تخريجه، ص١٢١.
[ ٢٣٧ ]
ووجه التناقض - أن الحديث الأول يفيد - في نظر المستدلين به - أن كل مسلم مصيب لأن الحديث قد حكم بالحسن على مذهبه.
- الثاني: أنه يقتضي أن يكون العمل حسنا عند بعض الناس قبيحا عند البعض الآخر وهذا باطل (١) ولو كان المراد منه استحسان عامة المسلمين لكان هذا فتحا لباب الابتداع في الدين.
وبعد هذا أرى أنه لا يمكن الاحتجاج بقول ابن مسعود على وجود البدعة الحسنة أو جوازها، وأما الاحتجاج به من المبتدعة وأشباههم إنما يكون لهوى في نفوسهم، وإلا فابن مسعود - ﵁ - كان من أشد الصحابة تحذيرا من الابتداع ومقاومة للبدع.
وأما استدلالهم بما فعله السلف وعملوا به مما لم يرد فيه نص صريح أو خاص من كتاب أو سنة ومثلوا لذلك بجمع القرآن وتصنيف العلوم وغير ذلك - على وجود البدعة الحسنة.
والجواب عن ذلك: أن ما ذكروه واستدلوا به من فعل الصحابة ليس دليلا على ما ذهبوا إليه.
لأن ما فعله الصحابة كان من قبيل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب أو من قبيل المصلحة المرسلة عند من يأخذ بها.
وأما جمع أبي بكر - ﵁ - للقرآن وجمع عثمان - ﵁ - الناس على مصحف واحد فقد كان سببه الخوف من تفلت القرآن من الصدور وضياعه، فقام أبو بكر - ﵁ - بجمعه بين الدفتين، ثم جاء عثمان - ﵁ - فجمع الناس على مصحف واحد، وأمر بإحراق ما عداه من المصاحف خشية الاختلاف في القرآن ووقوع الفتنة بسبب ذلك.
فهذا الأمر - أعني جمع القرآن - لم يرد فيه نص عن النبي - ﷺ - بفعله على وجه الخصوص. لكن نصوص الشرع العامة تؤيده.
_________________
(١) انظر: الإبداع، ص ١٤٣ - ١٤٤.
[ ٢٣٨ ]
فقد كان النبي - ﷺ - يأمر بكتابة القرآن، ولا فرق بين أن يكتب مفرقا أو مجموعا بل صار جمعه أصلح (١) وأيضا فجمع القرآن راجع إلى حفظ الشريعة، والأمر بحفظها معلوم، وراجع إلى سد الذريعة إلى وقوع الاختلاف في القرآن، وقد علم النهي عن الاختلاف في القرآن، بنصوص الشرع المستفيضة (٢) .
ويرى ابن تيمية أن جمع القرآن لم يخرج عن كونه سنة، لأن السنة - بمعناها الواسع - هي ما قام الدليل الشرعي على أنه طاعة لله ورسوله، سواء فعله الرسول - ﷺ -، أو فعل في زمانه أو لم يفعله في زمانه لعدم المقتضى حينئذ لفعله، أو وجود المانع منه، وإذا ثبت أنه أمر به أو استحبه فهو سنة، كما أمر بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وكما جمع الصحابة القرآن في المصحف، وداوموا على قيام رمضان في المسجد جماعة. وقد قال - ﷺ -: «لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه» (٣) فشرع كتابة القرآن، وعلى ذلك فكتابة القرآن مشروعة لكن لم يجمعه الرسول - ﷺ - في مصحف واحد لاحتمال نزول آيات أو سور أو احتمال نسخ لبعض آياته.
فلأجل هذا الاحتمال لم يمكن جمعه في مصحف واحد حتى مات رسول الله - ﷺ - (٤) فقام أبو بكر - ﵁ - بجمعه وقام عثمان - ﵁ - بجمع الناس على مصحف واحد، وأجمع الصحابة على ذلك فصار إجماعهم دليلا شرعيا. وأما تدوين السنة والعلوم الشرعية فهو من باب تبليغ الشريعة. وقد ورد الأمر بذلك والحث عليه. فقال - ﷺ - «ليبلغ الشاهد منكم الغائب» (٥) وقال: «بلغوا عني ولو آية» (٦) .
_________________
(١) انظر: جامع العلوم والحكم، ص ٢٣٤.
(٢) انظر: الاعتصام، ٢ / ١١٧.
(٣) صحيح مسلم. كتاب الزهد. باب التثبت في الحديث، وحكم كتابة العلم ٤ / ٢٢٩٨ - ٢٢٩٩.
(٤) انظر مجموع الفتاوى، ٢١ / ٣١٧ - ٣١٨.
(٥) صحيح البخاري. كتاب العلم. باب ليبلغ الشاهد الغائب، ١ / ٣٧.
(٦) سبق تخريجه، ص ١٣٠.
[ ٢٣٩ ]
وثبت في السنة الأمر بكتابة العلم كقوله ﵊ «اكتبوا لأبي شاة» (١) وعن أبي هريرة - ﵁ أنه - قال: «ليس أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - أكثر حديثا مني عن رسول الله - ﷺ -، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب» (٢) .
فهذه الأحاديث تدل على أن كتابة العلم وتدوينه أمر مشروع. ويتأكد هذا إذا خيف عليه الضياع والدروس. وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: " أن انظر ما كان من حديث رسول الله - ﷺ - فاكتبه فإني خفت دروس العلم. وذهاب العلماء، ولا يقبل إلا حديث النبي - ﷺ - وليفشوا العلم، وليجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا " (٣) .
أما قتل عمر - ﵁ - الجماعة بالواحد حينما اشتركوا في قتله، فإنه وإن لم يرد في الشرع دليل على خصوصه إلا أنه مستند إلى المصلحة التي أيدتها نصوص الشرع الدالة على وجوب حفظ الدماء والنفوس. ويبين وجه المصلحة في ذلك، أن القتيل معصوم الدم، وقد قتل عمدا، فإهدار دمه داع إلى هدم أصل القصاص، واتخاذ الاستعانة والاشتراك ذريعة إلى السعي بالقتل إذا علم أنه لا قصاص فيه، فإيقاع القصاص عليهم أمر تدعو إليه المصلحة الشرعية المعتبرة على وجه العموم وهي حفظ الدماء والنفوس، فلا يعد ذلك من قبيل الابتداع لموافقته مقاصد الشرع وأصوله المعتبرة (٤) .
ثم هو بعد ذلك فعل خليفة راشد أجمع عليه الصحابة.
أما تضمين الصناع فقد قضى الخلفاء الراشدون بتضمينهم، وقال علي ﵁: (لا يصلح الناس إلا ذاك) .
ووجه المصلحة في ذلك: أن الناس لهم حاجة إلى الصناع والغالب عليهم
_________________
(١) صحيح البخاري. كتاب العلم. باب كتابة العلم، ١ / ٣٩.
(٢) صحيح البخاري. كتاب العلم. باب كتابة العلم، ١ / ٣٩.
(٣) سبق تخريجه، ص ١٣٠.
(٤) انظر الاعتصام، ٢ / ١٢٥ - ١٢٦.
[ ٢٤٠ ]
التفريط في عين الأمتعة، فلو لم يضمنوا مع شدة الحاجة إليهم لأفضى ذلك إلى أحد أمرين:
- إما ترك الاستصناع بالكلية، وذلك شاق على الخلق.
- وإما أن يعملوا ولا يضمنوا بدعواهم الهلاك، فتضيع الأموال، وتتطرق الخيانة، فكانت المصلحة في التضمين، وهذا معنى قول علي: " لا يصلح الناس إلا ذاك " (١) .
وبعد عرض أدلة الفريقين ومناقشة القائلين بالتقسيم تبين أن أدلة القائلين بذم البدع مطلقا أقوى وأسلم من المعارضة لأنه لم يرد في نصوص الشرع ما يعارضها وينقلها من العموم إلى الخصوص، ومن الإطلاق إلى التقييد، وأما ما ذكره الفريق الأول من أدلة فلا يتعارض مع أحاديث العموم الواردة في ذم البدعة. وذلك لأن البدعة هي ما أحدث في الدين وليس عليه دليل صحيح من الشرع لا خاص ولا عام.
وما ذكروه من أمثلة فإما أن يكون داخلا في السنة بمعناها العام. وإما أن يكون وسيلة لتحقيق أمر مشروع كبناء المدارس لنشر العلم الشرعي، وتصنيف العلوم النافعة واستخدام وسائل العصر النافعة في نشر الدين والعلم وهذا كله يندرج تحت معنى السنة الحسنة.
ثم إنه لا خلاف بين الفريقين في ذم البدع المذمومة وإنما الخلاف في تسمية السنة الحسنة بالبدعة الحسنة والاستدلال بما لا ينهض من الأدلة على وجود البدعة الحسنة. ولهذا الأمر خطورته لأن المبتدعة وأهل الأهواء يتذرعون بالخلاف في هذه المسألة ويعدون بدعهم المذمومة من قبيل البدعة الحسنة ويحاولون تخريجها على أصول الشرع.
لأجل هذا كان تحرير محل النزاع في هذه المسألة مهما جدا. فالجميع متفقون على أن البدع المذمومة ضلالة.
_________________
(١) انظر الاعتصام ٢ / ١١٩.
[ ٢٤١ ]
ومتفقون أيضا على أنه قد أحدثت بعد رسول الله - ﷺ - أشياء حسنة، ولكنهم اختلفوا في تسميتها.
فالفريق الأول سماها بدعة حسنة وحاول أن يثبت بالأدلة وجود البدعة الحسنة شرعا ليندرج تحتها كل ما أحدث من أمور الخير. وليس مقصدهم إلا ذلك.
والفريق الثاني: قال بأنها ليست من البدع في شيء - لأن البدع كلها ضلالة لا حسن فيها - وإنما هي من قبيل السنة الحسنة. طالما أنها مندرجة تحت نصوص الشرع وقواعده العامة.
فالخلاف لفظي، ومآل القولين واحد بين أهل العلم في هذه المسألة وإن كان الصحيح الذي لا مرية فيه هو أن البدعة كلها ضلالة، وأن ما سمي بدعة مما ثبت حسنه فاطلاق اسم البدعة عليه شرعا لا ينطبق ولا يسوغ، أما الخلاف الحقيقي فهو بين أهل العلم وأهل الأهواء حينما يريد المبتدعة تسويغ بدعهم المذمومة ونشرها استنادا إلى أنها بدعة حسنة، وأن فريقا من العلماء قالوا بوجود البدعة الحسنة فهنا يكون الخلاف الحقيقي، وتظهر خطورته في انتشار البدع الكثيرة بسبب الاعتماد على وجود مسمى البدعة الحسنة شرعا. فيجب المحافظة - والحالة هذه - على عموم قوله - ﷺ - «كل بدعة ضلالة» .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(. . . . إن المحافظة على عموم قول النبي - ﷺ -: «كل بدعة ضلالة» متعين، وأنه يجب العمل بعمومه، وأن من أخذ يصنف " البدع " إلى حسن وقبيح، ويجعل ذلك ذريعة إلى أن لا يحتج بالبدعة إلا على النهي فقد أخطأ، كما يفعل طائفة من المتفقهة، والمتكلمة والمتصوفة. والمتعبدة إذا نهوا عن " العبادات المبتدعة " " والكلام في التدين المبتدع "، ادعوا أن لا بدعة مكروهة إلا ما نهي، عنه، فيعود الحديث إلى أن يقال: " كل ما نهي عنه " أو " كل ما حرم "
[ ٢٤٢ ]
أو " كل ما خالف نص النبوة فهو ضلالة " وهذا أوضح من أن يحتاج (في رده) إلى بيان، بل كل ما لم يشرع من الدين فهو ضلالة) (١) .
وقال أيضا:
(. . . ومعلوم أن كل ما لم يسنه ولا استحبه رسول الله - ﷺ - ولا أحد من هؤلاء الذين يقتدي بهم المسلمون في دينهم، فإنه يكون من البدع المنكرات ولا يقول أحد في مثل هذا إنه بدعة حسنة. إذ البدعة الحسنة - عند من يقسم البدع إلى حسنة وسيئة - لا بد أن يستحبها أحد من أهل العلم الذين يقتدي بهم، ويقوم عليها دليل شرعي على استحبابها، وكذلك من يقول البدعة الشرعية كلها مذمومة لقوله - ﷺ - في الحديث «كل بدعة ضلالة» ويقول: قول عمر في التراويح إن أسماها بدعة: باعتبار وضع اللغة. فالبدعة في الشرع عند هؤلاء ما لم يقم دليل شرعي على استحبابه. ومآل القولين واحد، إذ هم متفقون على أن ما لم يستحب أو يجب من الشرع فليس بواجب ولا مستحب، فمن اتخذ عملا من الأعمال عبادة ودينا وليس ذلك في الشريعة واجبا ولا مستحبا فهو ضال باتفاق المسلمين) (٢) .
وعلى ذلك فالبدعة المنصوص على ضلالتها في الشرع هي:
- كل ما عارض السنة من الأقوال أو الأفعال أو العقائد.
- كل أمر يتقرب به إلى الله، وقد نهى عنه الشرع.
- كل أمر لا دليل عليه من الشرع، مما يلحق بالعبادات أو العقائد.
- كل عبادة لم تأت كيفيتها إلا في حديث ضعيف أو موضوع.
- كل عبادة أطلقها الشارع وقيدها الناس ببعض القيود مثل المكان والزمان أو الهيئة أو العدد.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ابن تيمية، ١٠ / ٣٧٠ - ٣٧١.
(٢) المصدر نفسه، ٢٧ / ١٥٢.
[ ٢٤٣ ]
- كل أمر لا يمكن أن يشرع إلا بنص أو توقيف ولا نص عليه فهو بدعة، إلا ما كان عن صحابي.
- ما نص على استحبابه بعض العلماء سيما المتأخرين منهم ولا دليل عليه.
- الغلو في العبادة (١) .
_________________
(١) انظر أحكام الجنائز للشيخ الألباني، ص ٢٤٢.
[ ٢٤٤ ]
[المبحث الثاني البدع التي ظهرت بدعوى محبة الرسول ﷺ]
[أولا ادعاء الصوفية أنهم يرون الرسول ﷺ يقظة]
المبحث الثاني
البدع التي ظهرت بدعوى محبة الرسول - ﷺ - لقد كان من أكبر آثار الغلو في الرسول - ﷺ - ظهور البدع في العقائد والعبادات والتي أظهرها المبتدعة بدعوى حبهم للرسول - ﷺ - فجعلوا المحبة مبررا لهم في صنيعهم، كما حاولوا أن يلتمسوا لها من الشبه الباطلة ما يقوي بنيانها.
وتنوعت ضروب البدع وتعددت، وكلما مضى الزمان ازدادت البدع حتى أصبحت عقيدة راسخة في النفوس.
وسأتحدث في هذا المبحث عن نماذج من هذه البدع:
أولا - ادعاء الصوفية أنهم يرون الرسول - ﷺ - يقظة: أشرت في مبحث آثار الغلو في الرسول - ﷺ - إلى بعض البدع الاعتقادية في الرسول - ﷺ -، وذلك كالاعتقاد بالحقيقة المحمدية وتوابعها، وبينت بطلانها.
ومما يعتقده الصوفية في هذا الباب إيمانهم بحياة النبي - ﷺ - بعد موته حياة تامة لها كل خصائص الأحياء، ولذلك قالوا بأنهم يرونه يقظة ويجتمعون به فيرشدهم في طريقتهم، وأنه يحضر حضراتهم التي يقيمونها والموالد التي يعملونها.
وقد أشار الغزالي إلى هذه الخرافة وجعلها من فضائل الصوفية وإن لم يصرح بها تصريحا واضحا فقال عنهم:
(. . . . حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتهم ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصورة والأمثال
[ ٢٤٥ ]
إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق) (١) .
ولكن هذه الخرافة لم يصرح بها إلا المتأخرون استغلالا منهم لظروف الجهل التي ضربت عقول المسلمين فصاروا أسرى الخرافات والأساطير.
وقد ذكر عمر بن سعيد (٢) الفوتي في كتاب الرماح:
(أن الأولياء يرون رسول الله - ﷺ - يقظة، وأنه يحضر كل مجلس أو مكان أراد بجسده وروحه، وأنه يتصرف ويسير في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء، وأنه مغيب عن الأبصار كما غيبت الملائكة مع كونهم أحياء بأجسادهم، فإذا أراد الله أن يراه عبد رفع عنه الحجاب فيراه على هيئته التي كان هو عليها) (٣) .
وعلى هذه البدعة أسست طرق صوفية كثيرة سميت بالطرق المحمدية لأنها كما يزعمون أخذت من الرسول - ﷺ - مباشرة في اليقظة وذلك كالطريقة التيجانية (٤) والطريقة الأحمدية الإدريسية (٥) وغيرها من الطرق. كما بنوا عليها حضراتهم وموالدهم. إذ تزعم الصوفية أن الحضرة التي يقيمونها سميت بذلك لأن النبي - ﷺ - يحضرها إما بروحه وإما يقظة بجسده وروحه.
_________________
(١) المنقذ من الضلال لأبي حامد الغزالي، مع أبحاث في التصوف للدكتور عبد الحليم محمود، ط ٨، طبع دار الكتب الحديثة، مصر، ١٣٩٤ هـ، ص ١٤٣.
(٢) عمر بن سعيد بن عثمان الفوتي السنغالي الأزهري التيجاني، ولد ١٧٩٧ م، في بلاد (ديمار) الواقعة في السنغال. درس في الأزهر، وعاد إلى أفريقيا ليجاهد الوثنيين وينشر الإسلام، وتوفي ١٨٦٤ م. من تصانيفه: كتاب رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم، وكتاب سيوف السعادة وغيرها. انظر التيجانبة، على بن محمد الدخيل الله، ط ١، دار طيبة، الرياض، ص ٦٩ - ٧١.
(٣) مجلة البحوث الإسلامية، العدد ١٤، بحث التيجانية، ص ٦٩ - ٩٧ نقلا عن رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم لعمر بن سعيد الفوتي، ١ / ١٩٨ - ١٩٩.
(٤) التيجانية: نسبة إلى أبي العباس أحمد بن محمد بن المختار التيجاني المغربي، (١١٥٠ - ١٢٣٠هـ)، شيخ الطريقة التيجانية. كان فقيها مالكيا عالما بالأصول والفروع، ملما بالأدب، صوفيا. طريقته منتشرة في المغرب، والسودان، ومصر، وغيرها. انظر: الأعلام، ١ / ٢٤٥.
(٥) نسبة إلى أحمد بن إدريس، وقد مرت ترجمته.
[ ٢٤٦ ]
وكذلك المولد الذي يقرأونه يزعمون أن النبي - ﷺ - يحضره. خاصة عند ذكر ولادته - ﷺ -، ولذلك يقومون لمجيئه.
ويقول قائلهم: جاء الرسول. حضر الرسول. وحتى يمعنوا في تضليل الناس بهذه البدعة يقولون بأن الرسول لا يراه إلا الكمل من العباد، أما القاصرون والمنكرون فهم محجوبون عن رؤيته - ﷺ - واعتقادهم في هذا يشبه اعتقادهم في القطب الصوفي المغيب عن الأبصار الذي لا يجتمع به إلا كبار الأولياء على زعمهم، مثلما يعتقد الشيعة في الإمام الغائب المنتظر.
يقول صاحب جواهر المعاني عن شيخه أحمد التيجاني:
(قال ﵁: أخبرني سيد الوجود يقظة لا مناما. قال لي أنت من الآمنين، ومن رآك من الآمنين إن مات على الإيمان) (١) .
وقال عنه أيضا: (. . . ثم أمرني بالرجوع - ﷺ - إلى صلاة الفاتح لما أغلق، فلما أمرني بالرجوع إليها، سألته - ﷺ - عن فضلها فأخبرني أولا بأن المرة الواحدة منها تعدل من القرآن ست مرات، ثم أخبرني ثانيا أن المرة الواحدة منها تعدل من كل تسبيح وقع في الكون، ومن كل ذكر ومن كل دعاء كبير أو صغير، ومن القرآن ستة آلاف مرة لأنه من الأذكار) (٢) .
ويقول أحمد بن إدريس في إحدى صلواته:
(. . . واجمع بيني وبينه، كما جمعت بين الروح والجسد ظاهرا وباطنا يقظة ومناما، واجعله يا رب روحا لذاتي من جميع الوجوه في الدنيا قبل الآخرة) (٣) .
_________________
(١) التيجانية، ص ١٢٧، نقلا عن جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض سيدي أبي العباس التيجاني، لعلي بن حرازم الفاسي، ١ / ١٢٩.
(٢) المصدر نفسه، ص ١١٦، نقلا عن أحزاب وأوراد التيجاني، ص١٢.
(٣) مجموعة أحزاب وأوراد ورسائل. لأحمد بن إدريس، ص١٨٧.
[ ٢٤٧ ]
ويستدلون على ادعائهم رؤية النبي - ﷺ - يقظة بالحديث الذي رواه البخاري ومسلم بسنديهما عن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي» (١) .
قالوا فالحديث صريح في رؤية النبي - ﷺ - يقظة بعد موته في الدنيا قبل الآخرة.
قال ابن أبي جمرة (٢) (اللفظ - أي لفظ الحديث - يعطي العموم، ومن يدعي الخصوص بغير مخصص منه - ﷺ - فمتعسف) .
وقال السيوطي بعد أن ذكر هذا الحديث وأيده ببعض النقول عن بعض العلماء: (فحصل من مجموع هذه النقول والأحاديث أن النبي - ﷺ - حي بجسده وروحه وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض. . . . فإذا أراد الله رفع الحجاب عمن أراد إكراما برؤيته رآه على هيئته التي هو عليها لا مانع من ذلك ولا داعي للتخصيص برؤية المثال) (٣) .
وهذا الحديث لا يدل على ما ذهبوا إليه لأن الحديث يحتمل عدة معان ولذلك اختلف العلماء في معناه وحملوه على عدة محامل منها:
- أن المراد به من آمن به في حياته ولم يره - لكونه حينئذ غائبا عنه
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التعبير. باب من رأى النبي - ﷺ - في المنام، ٩ / ٤٢.
(٢) هو أبو محمد عبد الله بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي المالكي، (. . . - ٦٩٩ هـ) مقريء - محدث. من تصانيفه: بهجة النفوس وتحليها بذكر مالها وما عليها، ومختصر صحيح البخاري. انظر: نيل الابتهاج بتطريز الديياج. لأبي العباس أحمد بن أحمد بن عمر المعروف ببابا التنبكتي. مطبوع بهامش الديباج المذهب لابن فرحون المالكي، طبع دار الكتب العلمية بيروت، ١٩٧٩، ٤ / ٢٣٧.
(٣) الحاوي للفتاوي للسيوطي. تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، ط ٣، مطبعة السعادة، مصر، ١٩٥٩ م، ٢ / ٤٥٣.
[ ٢٤٨ ]
فيكون بهذا مبشرا لكل من آمن به ولم يره. أنه لا بد أن يراه في اليقظة قبل موته - ﷺ -.
- أو أن معناه أنه سيرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها وخروجها على الوجه الحق.
- وقيل أنه على التشبيه والتمثيل ويدل على ذلك الرواية الأخرى ولفظها: «فكأنما رآني في اليقظة» .
- وقيل معناه أن يراه يقظة في الآخرة، وهذا بشارة لرائيه في النوم بأنه سيموت مسلما، لأنه لا يراه تلك الرؤيا الخاصة باعتبار القرب إلا من تحقق موته على الإسلام. ومعنى ذلك أنها رؤية خاصة في الآخرة على سبيل القرب منه - ﷺ - وهذا الوجه والذي قبله أقرب الوجوه إلى الصواب.
- وقيل معناه أنه يراه في المرآة التي كانت له - ﷺ - إن أمكنه ذلك، وهو قول ابن أبي جمرة (١) قال ابن حجر في الفتح (٢) (وهذا من أبعد المحامل) .
- وقيل معناه أنه يراه حقيقة في الدنيا ويخاطبه (٣) .
وهذا الاحتمال الأخير باطل من وجهين:
١ - أنه مستحيل شرعا لمعارضته النصوص. كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] (٤) وهو أيضا مخالف لإجماع الأمة التي أجمعت على وفاته - ﷺ -. ولا يرد على ذلك أن الأنبياء أحياء في قبورهم، وما ورد عنه - ﷺ - من أنه ترد عليه روحه حتى يرد السلام على من سلم عليه. فإن هذه الحياة حياة برزخية تختلف عن الحياة الدنيا في خصائصها وصفاتها ولذلك يقتصر في شأنها على ما ورد في النصوص، ولا تقاس على الحياة الدنيا بأي حال من الأحوال.
_________________
(١) انظر بهجة النفوس، ٤ / ٢٣٨.
(٢) انظر فتح الباري، ١٢ / ٣٨٥.
(٣) انظر فتح الباري، ١٢ / ٣٨٥.
(٤) سورة الزمر، آية (٣٠) .
[ ٢٤٩ ]
ثم إن حمل هذا الحديث على رؤيته يقظة في الدنيا بعد وفاته يلزم منه ادعاء الكذب على رسول الله - ﷺ - وهذا مستحيل لأنه معصوم عن الكذب. وبيان ذلك: أن النبي - ﷺ - قال: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة» فعلق الجواب على الشرط، ومن المعلوم أن جمعا كثيرا من سلف الأمة وخلفها قد رأوه في المنام ولم يذكر أحد منهم أنه رآه في اليقظة. وخبر الصادق - ﷺ - لا يتخلف (١) .
٢ - أنه مستحيل عقلا لأنه يلزم منه لوازم باطلة مثل أن يخرج ويراه الناس وأن يقود أمته في كل المواطن كما كان في حياته - ﷺ - وأن يجاهد في سبيل الله وأن يفصل بين الأمة في المسائل المتنازع عليها والحوادث التي وقعت لأمته من بعده طالما أنه حي حياة تامة.
إذ لو صح ذلك لكان حل النبي - ﷺ - لمشاكل أمته التي حدثت من بعده وجمع كلمتهم أولى من أن يظهر لأناس في مجالس بدعية جمعوا فيها من فنون الشرك والبدع ما نهي عنه وحذر منه.
فكيف يحضر مجالسهم التي بهذه الصفة ويترك الصحابة والأمة من بعدهم يواجهون الفتن بأنفسهم وهم أحوج ما يكونون إليه لو كان حيا.
قال القرطبي (٢) فيما نقله الحافظ ابن حجر:
(وهذا القول يدرك فساده بأوائل العقول ويلزم عليه ألا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها، وأن لا يراه رائيان في آن واحد في مكانين وأن يحيا الآن، ويخرج من قبره ويمشى في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه، ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى في قبره منه شيء فيزار مجرد القبر ويسلم
_________________
(١) انظر: فتح الباري، ١٢ / ٣٨٥، والتيجانية، ص ١٣٠ وما بعدها.
(٢) هو أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري القرطبي المالكي ويعرف بابن المزين (٥٧٨ - ٦٥٦ هـ) . فقيه. محدث لغوي. وهو شيخ القرطبي المفسر. من تصانيفه: المفهم لما أشكل من شرح صحيح مسلم، واختصار صحيح البخاري، وغيرها. انظر: نفح الطيب ٢ / ٦١٥، والديباج المذهب، - ص ٦٨ - ٧٠.
[ ٢٥٠ ]
على غائب، لأنه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره، وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل) (١) .
ثم إن هذا الحديث لو صح دليلا على دعواهم لتطرقت إليه الاحتمالات السابقة والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، وأيضا فإن رؤية النبي - ﷺ - بعد موته في اليقظة هي من الأمور الاعتقادية التي لا تثبت إلا بدليل صحيح سالم من المعارضة. وهذا الدليل محتمل لوجوه متعددة ومعارض بنصوص صريحة قطعية من القرآن والسنة تثبت موته - ﷺ - (٢) .
قال ابن تيمية:
(والضلال من أهل القبلة يرون من يعظمونه: " إما النبي - ﷺ - وإما غيره من الأنبياء يقظة، ويخاطبهم ويخاطبونه. وقد يستفتونه ويسألونه عن أحاديث فيجيبهم. ومنهم من يخيل إليه أن الحجرة قد انشقت وخرج منها النبي - ﷺ - وعانقه وصاحباه. ومنهم من يخيل إليه أنه رفع صوته بالسلام حتى وصل مسيرة أيام وإلى مكان بعيد. . . . وهذا موجود عند خلق كثير كما هو موجود عند النصارى والمشركين، لكن كثير من الناس يكذب بهذا، وكثير منهم إذا صدق به يظنه أنه من الآيات الإلهية، وأن الذي رأى ذلك رآه لصلاحه ودينه. ولم يعلم أنه من الشيطان، وأنه بحسب قلة علم الرجل يضله الشيطان.
ومن كان أقل علما قال له ما يعلم أنه مخالف للشريعة خلافا ظاهرا. ومن عنده علم منها لا يقول له ما يعلم أنه مخالف للشريعة ولا مفيدا فائدة في دينه، بل يضله عن بعض ما كان يعرفه، فإن هذا فعل الشياطين، وهو إن ظن أنه قد استفاد شيئا فالذي خسره من دينه أكثر. ولهذا لم يقل قط أحد من الصحابة: إن الخضر أتاه، ولا موسى ولا عيسى، ولا أنه سمع رد النبي - ﷺ -. وابن عمر
_________________
(١) فتح الباري، ١٢ / ٣٨٤.
(٢) انظر: التيجانية، ص١٣١.
[ ٢٥١ ]
كان يسلم إذا قدم من سفر ولم يقل قط أنه يسمع الرد. وكذلك التابعون وتابعوهم، وإنما حدث هذا من بعض المتأخرين. . . ممن قل علمه بالتوحيد والسنة، فأضله الشيطان كما أضل النصارى في أمور لقلة علمهم بما جاء به المسيح ومن قبله من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم) (١) .
إذا تبين لنا هذا علمنا أن ما يدعيه الصوفية من حياة النبي - ﷺ - ورؤيتهم له يقظة هو محض خرافة، يكذبها العقل والواقع والتاريخ وأن ما بنوه على أساس هذه الخرافة باطل، وأن هذا من تلاعب الشياطين بهم لأنهم ليسوا على الطريقة الشرعية في عقائدهم وعبادتهم، وإلا لو كان هذا صحيحا لحصل لأفضل الخلق بعده - ﷺ - وهم صحابته، لكنهم لما كانوا على الصراط المستقيم لم تطمع الشياطين في إضلالهم بمثل هذه الخرافات والبدع (٢) .
وكما لبس الشيطان عليهم في ادعائهم لرؤية النبي - ﷺ - في اليقظة، فقد لبس على كثير منهم في الرؤيا المنامية مع تعمد كثير منهم الكذب على رسول الله - ﷺ - في المنام.
فها هو ابن عربي إمام ملاحدة الصوفية المسمى عندهم بالشيخ الأكبر والكبريت الأحمر يزعم بأنه رأى رسول الله - ﷺ - في المنام وقد أعطاه كتاب فصوص الحكم ليخرج به على الناس، وهو كتاب مشحون بالكفر والكذب على الله ورسوله من أوله إلى آخره.
فلم يكتف بالكذب في يقظته حتى كذب في منامه على رسول الله - ﷺ - وغالب الصوفية يعتمدون على الرؤيا المنامية في إثبات بدعهم وخرافاتهم، فالصادق منهم لبس عليه الشيطان بأنه رأى الرسول - ﷺ - وهو في الحقيقة لم يره، وأما الكذوب فأمره بين.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٧ / ٣٩١ - ٣٩٣.
(٢) انظر في الرد على هذه الخرافة فتاوى الإمام محمد رشيد رضا، المجلد الخامس ص ١٨٤٥، وما بعدها، جمع وتحقيق د. صلاح الدين المنجد. ويوسف خوري ط ١، دار الكتاب الجديد، ببيروت، ١٩٧١م.
[ ٢٥٢ ]
وقد ذكر العلماء أن رؤيا رسول الله ﷺ في المنام لا يثبت بها حكم شرعي أو يُنْفَى، لأن الشريعة ثابتة بالأدلة الشرعية المعروفة الظاهرة، وليست الرؤيا دليلا من هذه الأدلة. ثم قالوا إن من رأى رؤيا فليعرض رؤياه على الشرع، فإن وافقت مقتضى الشرع فالحكم به، وتكون الرؤيا من قبيل الاستئناس.
وإن كانت مخالفة لأمر شرعي فمحال وباطلة؛ لأن النبي ﷺ لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته، لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائي المنامية، فمن رأى شيئا من ذلك فرؤياه غير صحيحة، إذ لو رأى النبي ﷺ في المنام حقا لم يخبره بما يخالف الشرع، فمن أخبر بما يخالف الشرع واستند إلى رؤيا النبي ﷺ وإجازته له فهو أحد رجلين:
إما كذوب دجال كابن عربي وأمثاله، وإما صادق ولكن لبّس الشيطان عليه لقلة علمه فأوهمه أنه رأى النبي ﷺ ولم يره (١) .
[ثانيا التوسل غير المشروع بالنبي ﷺ]
[التوسل المشروع]
ثانيا: - التوسل غير المشروع بالنبي ﷺ: ومن البدع التي أحدثها الصوفية التوسل بالنبي ﷺ بذاته وبجاهه أو الإقسام على الله به. ويدخلون في هذا التوسل الاستغاثة به وطلب الحاجات منه. وهذه البدعة أخذت شكلًا علميًّا لدى الصوفية لكثرة ما كتب فيها من مؤلفات ورسائل. لكن جوهر الحقيقة هو أنهم يريدون أن يظهروا أمام الناس بمظهر المتمسك بأدلة الشرع، لذا نراهم يحرصون على جلب الأدلة وسوقها حتى يتسنى لهم إثبات مشروعية هذا النوع من التوسل بالنبي ﷺ ومن ثم يدخلون فيه كل ألوان الشرك كالاستغاثات والتضرع وطلب الحاجات وغير ذلك.
ثم إن لهم من وراء ذلك مقصدا آخر وهو أنهم يجوزون الشرك بالأولياء والصالحين تحت اسم التوسل بهم، طالما ثبت التوسل بالنبي ﷺ فلا مانع أن يتعدى ذلك إلى الأولياء من بعده. وإذا سألتهم عن الدافع إلى ذلك قالوا ما هو إلا محبة النبي ﷺ وأولياء الله الصالحين وتعظيمهم ومعرفة حقوقهم إلخ.
_________________
(١) انظر: المدخل لابن الحاج ٤ / ٢٨٦ وما بعدها.
[ ٢٥٣ ]
وقبل الكلام على التوسل المبتدع بالرسول ﷺ، أود أن أبين أن التوسل بالنبي ﷺ ينقسم إلى قسمين:
١ - توسل مشروع.
٢ - توسل غير مشروع.
أما التوسل المشروع فينقسم إلى نوعين:
- أحدهما التوسل بالإيمان برسول الله ﷺ وطاعته. وهذا فرض عين على كل مسلم في كل حال، ولا يسقط عن أحد من الخلق بعد قيام الحجة عليه، ولا يعذر فيه بأي عذر. وقد جعل الله الإيمان بالرسول ﷺ وطاعته وسيلة إلى كل خير ورحمة في الدنيا والآخرة.
ويقع التوسل بهذا النوع على وجهين:
- فتارة يتوسل المسلم بالإيمان بالرسول وطاعته ومحبته إلى ثواب الله وجنته.
- وتارة يتوسل بذلك في الدعاء فيقول مثلا: اللهم بإيماني بنبيك وطاعتي له وحبي إياه اغفر لي.
- ثانيهما: التوسل بدعائه ﷺ وشفاعته، وذلك في حياته. كما كان الصحابة يفعلونه مع النبي ﷺ من طلب الدعاء منه، والاستغفار لهم، وطلب السقيا لهم.
كما يكون في الآخرة بطلب الخلق منه أن يشفع لهم عند ربهم للقضاء بين العباد وهذا هو المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون. وعليه فهذا النوع من التوسل إما أن يكون في حياته ﷺ، وهو نافع لمن دعا له الرسول أو شفع له. وإما أن يكون في يوم القيامة حيث يتوسل الناس به ليشفع لهم عند ربهم. أما بعد مماته فلم يكن أحد يطلب منه الدعاء لا عند قبره، ولا في أي مكان آخر. ولم يفعل ذلك الصحابة والتابعون ولا من بعدهم. ولم ينقل عنهم بوجه صحيح أن ذلك جائز. وهذا النوع من التوسل يقع على وجهين أيضا:
[ ٢٥٤ ]
الأول: أن يطلب من الرسول ﷺ الدعاء والشفاعة فيدعو ويشفع كما كان الصحابة يطلبون منه فيدعو لهم. وكما يطلب الخلق منه ذلك في يوم القيامة. وأحاديث الاستسقاء وغيرها توضح ذلك أتم توضيح.
- الثاني: أن يضيف إلى ذلك سؤال الله تعالى بشفاعة نبيه ودعائه وذلك كما في حديث الأعمى فإنه طلب من الرسول ﷺ الدعاء والشفاعة، فدعا له الرسول وشفع فيه وأمره أن يدعو الله فيقول: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليه بنبيك محمد نبي الرحمة» الحديث. وفيه: «اللهم فشفعه في» فأمره أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه. وسيأتي مزيد شرح لهذا الحديث.
وهذا النوع من التوسل لا يجوز إلا في حياته ﷺ أما بعد وفاته فلا يجوز بحال من الأحوال. إذ ليس على ذلك دليل صحيح كما سيأتي بيانه.
[التوسل غير المشروع]
٢ - التوسل غير المشروع: ويقصد به التوسل بذات النبي ﷺ، وسؤال الله بجاه نبيه، والإقسام على الله به. وهذا النوع غير مشروع لفقدان الدليل على مشروعيته، فلم ترد به سنة صحيحة ولم يكن الصحابة يفعلونه لا في حياته ﷺ ولا بعد موته، لا عند قبره ولا في أي مكان آخر. ولم ينقل ذلك عنهم بوجه صحيح يعتمد عليه عند أهل العلم. بل الثابت عنهم أنهم عدلوا عنه إلى غيره، كما فعل عمر مع العباس ﵄.
وهذا التوسل غير المشروع هو مقصود غالب المتأخرين بالتوسل بالنبي ﷺ، ويعتقدون أنه من أفضل القربات، وأنه دليل على حب النبي ﷺ والصالحين. وهو أول ما يعولون على إثباته والمنافحة عنه، والرد على ما نعيه، والتشنيع عليهم، حتى يسلم لهم ما أرادوا من تعميم التوسل بالأنبياء والصالحين. وهذا النوع هو ما سأتناوله بشيء من العرض والتفصيل.
[ ٢٥٥ ]
يقول السبكي (١) .
(إن التوسل بالنبي ﷺ جائز في كل حال. قبل خلقه وبعد خلقه في مدة حياته في الدنيا، وبعد موته في مدة البرزخ، وبعد البعث في عرصات القيامة والجنة) (٢) ويقسمه إلى ثلاثة أنواع:
- النوع الأول: أن يتوسل به بمعنى أن طالب الحاجة يسأل الله تعالى به أو بجاهه أو ببركته. فيجوز ذلك في الأحوال الثلاثة وقد ورد في كل منها خبر صحيح. وساق تحت هذا النوع حديث توسل آدم بالنبي ﷺ (٣) وغيره من الأحاديث.
- النوع الثاني: التوسل به بمعنى طلب الدعاء منه. وقال: إن ذلك كما كان في حياته يجوز بعد موته.
ثم ساق حديثا بسنده عن مالك الدار قال: (أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب ﵁، فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا. فأتاه رسول الله ﷺ في المنام فقال: ائت عمر فأقرئه السلام وأخبره أنهم مسقون وقل له: عليك الكيس الكيس. فأتى الرجل عمر فأخبره فبكى عمر ﵁ ثم قال: يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه) .
_________________
(١) هو تقي الدين علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي (٦٨٣- ٧٥٦ هـ)، فقيه. أصولي. محدث. مفسر. لغوي. من تصانيفه: الدر النظيم في تفسير القرآن العظيم. تكملة المجموع للنووي في خمسة مجلدات، شفاء السقام في زيارة خير الأنام، عارض به شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة شد الرحال إلى زيارة القبر النبوي الشريف. وغيرها. انظر. طبقات الشافعية الكبرى، ١٠ / ١٣٩ - ٣٣٨. والدرر الكامنة ٣ / ١٣٤، وما بعدها.
(٢) شفاء السقام في زيارة خير الأنام، تقي الدين السبكي. طبع مجلس دائرة المعارف العثمانية. حيدر آباد الدكن، ١٣١٥ هـ، ص ١٦٠.
(٣) انظر: ص ٢٧٣، من هذا البحث.
[ ٢٥٦ ]
قال. ومحل الاستشهاد من هذا الأثر طلبه الاستسقاء من النبي ﷺ بعد موته في مدة البرزخ. ولا مانع من ذلك فإن دعاء النبي ﷺ لربه تعالى في هذه الحالة غير ممتنع.
- النوع الثالث: أن يطلب منه ذلك الأمر المقصود. بمعنى أنه ﷺ قادر على التسبب فيه بسؤاله ربه وشفاعته إليه. فيعود إلى المعنى الثاني وإن كانت العبارة مختلفة (١) .
وبعبارة أصرح من ذلك أن يطلب منه الحاجات رأسا فيقول السائل يا رسول الله فرج كربتي أو أغثني. . . إلخ.
ولم يجد السبكي ما يستدل به على هذا النوع الثالث سوى أنه عائد إلى النوع الثاني. لكن غيره وجدوا ما يستدلون به على مثل هذا النوع، وهي الحكايات والمنامات وعليها غالب اعتمادهم.
شبهات المجيزين لهذا النوع من التوسل: يورد الصوفية شبهات كثيرة على جواز التوسل بالنبي ﷺ توسلا بدعيا وشركيا ليوهموا أتباعهم أنهم بذلك على الحق وأنهم أحب إلى رسول الله ﷺ وأقرب من غيرهم. وشبههم متنوعة لكني سأقتصر على أقواها في نظرهم.
أولا- من القرآن: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] (٢) . وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] (٣) .
_________________
(١) انظر: المصدر السابق، ص ١٦١، وما بعدها.
(٢) سورة المائدة، آية (٣٥) .
(٣) سورة الإسراء، آية (٥٧) .
[ ٢٥٧ ]
قال صاحب كتاب حقيقة التوسل والوسيلة:
(ولفظ الوسيلة عام في الآيتين فهو شامل للتوسل بالذوات الفاضلة من الأنبياء والصالحين في الحياة وبعد الممات، وبإتيان الأعمال الصالحة على الوجه المأمور به، وللتوسل بها بعد وقوعها) (١) .
واستدلالهم بهاتين الآيتين باطل لأنه مخالف لتفسير الصحابة والتابعين وما عليه أئمة التفسير من أن المراد بالوسيلة في الآيتين التقرب إلى الله بصالح الأعمال ولم يؤثر عن واحد من هؤلاء أنه فسرها بجواز التوسل بذوات الأنبياء والصالحين كما فسره هؤلاء.
ثم إن الاستدلال بالآية الثانية بالذات على مدعاهم من أبطل الباطل وأكذب الكذب لأنها تدل على نقيض ما ادعوه وترد عليهم دعواهم، ويبين هذا سبب نزولها كما قال ابن مسعود ﵁ فيما رواه البخاري عنه: (كان ناس من الأنس يعبدون ناسا من الجن، فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم) (٢) .
ومعنى ذلك أن الله يرد على هؤلاء الذين عبدوا الجن ودعوهم من دون الله بأن الذين تدعونهم قد أسلموا فصاروا يتقربون إلى الله بصالح الأعمال، وفي هذا تحريض لهؤلاء المشركين على الإيمان بالله وحده وسلوك مسلك الجن الذين آمنوا، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧] (٣) .
_________________
(١) حقيقة التوسل والوسيلة على ضوء الكتاب والسنة، موسى محمد علي، طبع دار التراث، القاهرة، ١٩٨١م، ص٢٩.
(٢) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قول الله تعالى: قل ادعوا الذين زعمتم من دونه، ٦ / ١٠٧.
(٣) سورة الإسراء، آية (٥٦ - ٥٧) .
[ ٢٥٨ ]
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (١) .
عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] (٢) (اعلم أن جمهور العلماء على أن المراد بالوسيلة هنا هو القربة إلى الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه على وفق ما جاء به محمد ﷺ بإخلاص في ذلك لله تعالى، لأن هذا وحده هو الطريق الموصلة إلى رضى الله تعالى ونيل ما عنده من خير الدنيا والآخرة.
. . . . وبهذا التحقيق تعلم أن ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهال المدعين للتصوف من أن المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون واسطة بينه وبين ربه، أنه تخبط في الجهل والعمى وضلال مبين وتلاعب بكتاب الله تعالى، واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار، كما صرح به تعالى في قوله عنهم: ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] (٣) وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] (٤) فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريق الموصلة إلى رضى الله وجنته ورحمته هي اتباع رسول الله ﷺ، ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل) (٥) .
_________________
(١) هو الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي ثم المدني. (١٣٠٥- ١٣٩٣هـ) درس القرآن وعلومه، والعربية وفنونها، والفقه ومسائله في بلاده مورتانيا، ثم قدم إلى الحج فكتب الله له المقام بالمدينة فسكنها فدرس في المسجد النبوي وأفاد. من تصانيفه: أضواء البيان في تفسير القرآن. ومذكرة في أصول الفقه، آداب البحث والمناظرة وغيرها. انظر: ترجمته في نهاية تفسير أضواء البيان لتلميذه الشيخ عطية سالم، الجزء التاسع. وانظر: الأعلام، ٦ / ٤٥.
(٢) سورة المائدة، آية (٣٥) .
(٣) سورة الزمر، آية (٣) .
(٤) سورة يونس، آية (١٨) .
(٥) أصول البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ٢ / ٩٧-٩٨.
[ ٢٥٩ ]
ومما استدلوا به من الأحاديث ما أخرجه البخاري بسنده عن أنس بن مالك ﵁: (أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون) (١) .
ويستدلون بهذا الحديث على جواز التوسل بذوات المخلوقين وجاههم فقالوا إن توسل عمر إنما كان بجاه العباس ومكانته عند الله ﷾، وإن توسله إنما كان مجرد ذكر منه للعباس في دعائه وطلب من الله أن يسقيه من أجله وقد أقره الصحابة على ذلك فدل هذا بزعمهم على جواز التوسل بذات المخلوق وجاهه. ولكن ما سبب عدول عمر عن التوسل بالرسول ﷺ طالما أن ذلك جائز في نظرهم. أجابوا عن ذلك بأن عدوله كان لبيان جواز التوسل بغير النبي ﷺ وأن ذلك مما لا حرج فيه.
يقول الشيخ أحمد زيني دحلان (٢) .
(وإنما استسقى عمر ﵁ بالعباس ﵁ ولم يستسق بالنبي ﷺ ليبين للناس جواز الاستسقاء بغير النبي ﷺ وأن ذلك لا حرج فيه، وأما الاستسقاء بالنبي ﷺ فكان معلوما عندهم فلربما أن بعض الناس يتوهم أنه لا يجوز الاستسقاء بغير النبي ﷺ فبين لهم عمر باستسقائه بالعباس الجواز) (٣) .
واستدلالهم بهذا الحديث على ما يدّعونه استدلال باطل لأمور:
أولا: أن الحديث قد ذكر أن الصحابة كانوا يتوسلون بدعاء النبي ﷺ
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب الاستسقاء. باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، ٢ / ٣٤.
(٢) هو أحمد بن زيني دحلان المكي (١٢٣٢ - ١٣٠٤هـ) . فقيه. مؤرخ. من تصانيفه. الفتوحات الإسلامية، والسيرة النبوية، والدرر السنية في الرد على الوهابية، رد فيه على الشيخ محمد بن عبد الوهاب متعصبا للصوفية، وقد رد عليه الشيخ محمد بشير السهسواني في كتاب سماه " صيانة الإنسان من وسوسة الشيخ دحلان ". انظر: الأعلام، ١٢ / ١٢٩ - ١٣٠.
(٣) الدرر السنية في الدر على الوهابية، أحمد زيني دحلان، ص ٨ - ٩.
[ ٢٦٠ ]
في حال حياته للسقيا فيستسقي لهم، وقد بينت الأحاديث الواردة في الاستسقاء ذلك، وليس هناك حديث صحيح يؤيد ما ذهبوا إليه من أن الصحابة كانوا يتوسلون بذات النبي ﷺ أو جاهه.
بل الأحاديث الواردة تؤكد أن التوسل إنما كان بدعاء النبي ﷺ. أخرج الشيخان بسنديهما عن أنس ﵁: «أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبل رسول الله ﷺ قائما، فقال يا رسول الله هلكت المواشي، وانقطعت السبل، فادع الله أن يغثنا، قال، فرفع رسول الله ﷺ يديه، فقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا قال أنس ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قَزَعَة، ولا شيئا، وما بيننا وبين سَلْع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل التُّرس، فلما توسطت السماء، انتشرت ثم أمطرت، قال: والله ما رأينا الشمس ستا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائما، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والجبال والظراب والأودية ومنابت الشجر. قال: فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس» (١) .
وأخرج البخاري بسنده عن عباد بن تميم عن عمه: «أن النبي ﷺ خرج بالناس يستسقي لهم، فقام فدعا الله قائما ثم توجه قِبَل القبلة وحوّل رداءه فسقوا» (٢) .
فهذان الحديثان وأمثالهما كثير في كتب السنة، وكلها تؤكد أن الصحابة كانوا إذا انقطع عنهم المطر ذهبوا إلى رسول الله ﷺ وسألوه أن يدعو الله لهم
_________________
(١) صحيح البخاري. كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في المسجد الجامع ٢ / ٣٤ - ٣٥، وصحيح مسلم كتاب صلاة الاستسقاء. باب الدعاء في الاستسقاء، ٢ / ٦١٢، وما بعدها.
(٢) صحيح البخاري، كتاب الاستقساء، باب الدعاء في الاستسقاء قائما، ٢ / ٣٨.
[ ٢٦١ ]
ليسقيهم، أو أن الرسول ﷺ كان يخرج بهم فيصلي صلاة الاستسقاء ويدعو الله لهم كما هي السنة في هذا الأمر.
وهذا هو الذي قصده عمر بقوله " اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ".
ثانيا: لما توفي رسول الله ﷺ توسل عمر بدعاء العباس ﵄، وذلك لعلمه بأن التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته غير ممكن ولا جائز. وتكرر هذا منه بحضور الصحابة ﵃. فلو كان التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته جائزا لما عدل عنه عمر ﵁، ولما أقره الصحابة على ذلك، فلما تكرر ذلك منه دل على عدم جواز التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته.
ثالثا: إن تكرر هذا الفعل من عمر ﵁ يدحض شبهة الذين قالوا بأنه قد فعل ذلك لبيان جواز التوسل بغير النبي وأن التوسل بالنبي بعد وفاته أمرا معلوما لدى الصحابة. وهذا ليس بصحيح، إذ لو كان كذلك لما تكرر ذلك الفعل من عمر ﵁ ولبين أن مقصده من ذلك هو بيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل كما يزعمون. ثم إن فيه كذبا على عمر وجمهور الصحابة ﵃. لأن المجيزين ادعوا أن التوسل بذات النبي ﷺ كان أمرا معلوما لدى الصحابة. مع أنه لم ينقل عنهم بوجه صحيح ما يؤيد دعواهم. بل المنقول عنهم خلاف ذلك.
رابعا: أن عمر قد صرح بأنهم كانوا يتوسلون بالنبي ﷺ في حياته، وأنه بعد وفاته توسل بعمه العباس. ومما لا شك فيه أن التوسلين من نوع واحد، وهو التوسل بدعاء الصالحين ورسول الله ﷺ إمامهم (١) .
خامسًا: أن بعض روايات الحديث الصحيحة قد فسرت كلام عمر المذكور وقصده إذ نقلت دعاء العباس ﵁ استجابة لطلب عمر رضي
_________________
(١) انظر التوسل أنواعه وأحكامه للشيخ الألباني، ص٦٠-٦٩.
[ ٢٦٢ ]
الله عنه. فمن ذلك ما نقله الحافظ ابن حجر في الفتح حيث قال: (وقد بين الزبير بن بكار (١) في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال " اللهم أنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث " قال فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس) (٢) فهذا الحديث قد بين أن التوسل إنما كان بدعاء العباس ﵁ لا بذاته أو شيبته كما يزعمون، وإلا فما الداعي إلى أن يقوم العباس فيدعو دعاء جديدا؟ وما فائدة مجيء العباس إلى مكان الاستسقاء للدعاء؟ ! ولم يكن عمر ﵁ وحده هو الذي عدل عن التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته إلى التوسل بغيره من الأحياء، بل تابعه على ذلك معاوية بن أبي سفيان والضحاك بن قيس ﵄ إذ توسلا بدعاء يزيد بن الأسود (٣) الجرشي (٤) وعلى هذا جرى عمل الصحابة والتابعين (٥) .
فتبين من هذا أن حديث عمر بن الخطاب في توسله بالعباس ﵄ ليس فيه دليل على جواز التوسل بالنبي ﷺ بعد موته بل هو دليل على عدم جوازه.
ومن الأحاديث التي استدلوا بها ما أخرجه أحمد وغيره بسنده عن عثمان بن
_________________
(١) هو أبو عبد الله الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب من ولد الزبير بن العوام ﵁ (١٧٢- ٢٥٦ هـ) . كان ثقة ثبتا عالما بالأنساب. شاعرا ولي قضاء مكة. من تصانيفه: جمهرة نسب قريش وأخبارها، أخبار العرب وأيامها، مزاح النبي ﷺ، انظر: تاريخ بغداد، ٨ / ٤٦٧، وسير أعلام النبلاء، ١٢ / ٣١١.
(٢) فتح الباري، ٣ / ١٥٠.
(٣) أخرج هذا الأثر ابن سعد في الطبقات، دار صادر، بيروت، ٧ / ٤٤٤.
(٤) هو يزيد بن الأسود الجرشي من سادات التابعين بالشام، أسلم في حياة النبي ﷺ ولم يره. انظر سير أعلام النبلاء، ٤ / ١٣٦ - ١٣٧.
(٥) انظر: التوسل، ص ٧٠.
[ ٢٦٣ ]
حينف: «أن رجلا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني. قال: " إن شئت دعوت لك وإن شئت أخرت ذلك فهو خير " فقال: ادعه. فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه فيصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: " اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى لي، اللهم فشفعه في وشفعني فيه، قال: ففعل الرجل فبرأ» (١) .
ووجه استدلالهم بهذا الحديث أن النبي ﷺ علم الأعمى أن يتوسل به في دعائه، وأن الأعمى فعل ذلك فعاد بصيرا، وأن توسله إنما كان بذات النبي ﷺ لا بدعائه، وإذا كان كذلك فمن الجائز لكل أحد أن يدعو بهذا الدعاء الوارد في هذا الحديث.
قال ابن حجر الهيتمي (٢) .
(وإنما علمه النبي ﷺ ذلك ولم يدع له، لأنه أراد أن يحصل منه التوجه وبذل الافتقار والانكسار والاضطرار مستغيثا به ﷺ ليحصل له كمال مقصوده.
وهذا المعنى حاصل في حياته وبعد وفاته ومن ثم استعمل السلف هذا الدعاء في حاجاتهم بعد موته) (٣) .
واستدل بقصة الرجل مع عثمان بن حنيف ﵁ وسيأتي ذكرها. وعلى ذلك فهم يرون أن الحديث حجة لهم في جواز التوسل بذات النبي ﷺ. وأن هذا الحديث ليس خاصا بالأعمى، بل هو جائز لكل أحد أن يدعو به. لكن هذا الحديث لا يدل على ما ذهبوا إليه. بل هو دليل على نوع من
_________________
(١) المسند، ٤ / ١٣٨، وسنن ابن ماجه، ١ / ٤٨١، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١ / ٥١٩.
(٢) شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي المكي (٩٠٩-٩٧٤هـ) . فقيه. باحث. من تصانيفه: مبلغ الأرب في فضائل العرب. الصواعق المحرقة على أهل البدعة والضلال والزندقة وغيرها. انظر الأعلام ١ / ٢٣٤.
(٣) الجوهر المنظم في زيارة القبر الشريف النبوي المكرم، ص ٧٦- ٧٧.
[ ٢٦٤ ]
أنواع التوسل المشروع، لأن الأعمى إنما توسل بدعاء النبي ﷺ، وهذا أمر مشروع كما سبقت الإشارة إليه، ويوضح هذا من الحديث عدة أمور (١) .
أولا: أن الأعمى إنما جاء إلى رسول الله ﷺ ليدعو له، وهذا معنى قوله: " ادع الله أن يعافيني " فهو قد توسل بدعائه ﷺ لما يعلمه من استجابة دعائه دون غيره، ولذلك طلب من الدعاء ولو كان مقصوده التوسل بذات النبي ﷺ أو جاهه كما يزعمون، لما كانت هناك حاجة في أن يأتي إلى النبي ويسأله الدعاء له، بل كان يكفيه أن يجلس في بيته ويدعو ربه متوسلا بذات النبي أو جاهه ولكنه لم يفعل ذلك لأنه كان يفهم جيدا معنى التوسل، وأنه لا بد أن يذهب إلى المتوسل به ليطلب منه ما يريد.
ثانيا: أن النبي ﷺ وعده بالدعاء بعد أن خيره بين الدعاء وبين الصبر إذا شاء.
ثالثا: إصرار الأعمى على الدعاء وهذا يقتضي أن الرسول قد دعا له لأنه وعده بالدعاء إذا أراد، وقد أراد ذلك وأكده بقوله: " ادعه " ومع ذلك لم يكتف رسول الله ﷺ بالدعاء له بل وجهه إلى عمل صالح حتى يجمع له أطراف الخير، وهو أمره له بالصلاة وتعليمه الدعاء الذي يدعو به في صلاته.
رابعا: أن قول الأعمى في آخر هذا الدعاء: «اللهم فشفعه في» يستحيل حمله على التوسل بذات النبي ﷺ، أو بجاهه كما يزعمون، لأن معناه: اللهم اقبل شفاعته ﷺ فيّ، أي اقبل دعاءه في أن ترد علي بصري. وهذا معنى الشفاعة. ولا تتم الشفاعة إلا إذا كان اثنان يطلبان أمرا يكون أحدهما شفيعا للآخر والشفاعة من رسول الله ﷺ لا تكون إلا بدعاء الرسول للمشفوع له.
خامسا: أن مما علمه النبي ﷺ للأعمى أن يقوله في دعائه: «وشفعني فيه» أي اقبل دعائي في قبول شفاعته ودعائه لي. وهذه الجملة وحدها كافية
_________________
(١) انظر في بيان هذه الأمور. القاعدة الجليلة، ص٩٥ - ١٠٩، ١٣٥ - ١٣٦. والتوسل، ص٧٦ - ٨٣.
[ ٢٦٥ ]
في الرد على من يزعمون أن توصل الأعمى كان بذاته ﷺ أو بجاهه، إذ كيف تكون شفاعة الأعمى في الرسول. إلا إذا دعا له الرسول فدعا الأعمى ربه في أن يستجيب دعاء نبيه له.
سادسا: إن هذا الحديث قد ذكره العلماء في معجزات النبي ﷺ ودعائه المستجاب، وما أظهره الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه ببركة دعائه ﷺ لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره. ولذلك ذكره المصنفون في دلائل النبوة كالبيهقي وغيره (١) . وهذا يدل على أن السر في شفاء الأعمى إنما هو دعاء النبي ﷺ له (٢) .
سابعا: أن هذا الدعاء خاص بالأعمى لأنه متضمن دعاء النبي ﷺ وشفاعته له وليس من لم يدع له الرسول ويشفع له بمنزلة ذلك الضرير الذي دعا له الرسول وشفع له. ولو كان هذا عاما كما يفهمه المجيزون لكان لعميان الصحابة أو بعضهم أن يدعوا بهذا الدعاء فيحصل لهم الشفاء، فعدولهم عن هذا الدعاء إلى غيره دليل على أنه خاص بذلك الأعمى، كما أنه لو كان السبب في شفاء الأعمى هر توسله بذات النبي ﷺ وجاهه كما يفهم عامة المتأخرين لكان من الممكن أن يحصل هذا الشفاء لغيره من العميان الذي يتوسلون بجاهه ﷺ ويضمون إلى ذلك جاه جميع الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين!!
وبعد بيان هذه الوجوه تأكد لنا أن هذا الحديث يدور حول التوسل بدعائه ﷺ، وأنه لا علاقة له بالتوسل بذاته أو بجاهه، ومما تجدر الإشارة إليه أنه قد نقل عن العز بن عبد السلام القول بجواز التوسل بالنبي ﷺ بعد مماته خاصة استنادا إلى حديث الأعمى (٣) .
وقد تبين لنا معنى الحديث وما يدل عليه وأنه لا حجة فيه لمن ذهب إلى
_________________
(١) انظر. دلائل النبوة للبيهقي، تحقيق د. عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، ٦ / ١٦٦.
(٢) انظر: قاعدة جليلة، ص ٩٥.
(٣) انظر: القاعدة الجليلة، ص ١٥١.
[ ٢٦٦ ]
جواز التوسل بالذات وإن كان العز بن عبد السلام قد ذهب إلى جواز ذلك فقد خالفه في ذلك جمع كثير من أهل العلم. وعلى فرض صحة ما ذهب إليه العز بن عبد السلام فينبغي أن يكون هذا حكما خاصا بالنبي ﷺ لا يشاركه فيه أحد غيره من الأنبياء والصالحين ويكون هذا من باب الخصوصيات التي لا يدخلها القياس (١) .
تنبيه: وقع في بعض طرق حديث الأعمى زيادتان استدل بهما المجيزون للتوسل غير المشروع:
- الزيادة الأولى: زيادة حماد بن سلمة إذ زاد في آخر الحديث (. . . وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك) .
أي معناه أن الرسول ﷺ قال له إذا عرضت لك حاجة فافعل مثل ذلك الدعاء دون أن تأتيني. وعلى ذلك فيمكن للإنسان أن يقول هذا الدعاء دون أن يكون قد أتى إلى الرسول ﷺ في حياته ودعا له. وقد أعل ابن تيمية هذه الزيادة بالشذوذ لتفرد حماد بن سلمة بها ومخالفته من هو أوثق منه (٢) .
- الزيادة الثانية: وهي قصة الرجل مع عثمان بن عفان ﵁ وتوسله به ﷺ حتى قضيت حاجته من عثمان بن عفان. وقد أخرج هذه القصة الطبراني في معجميه الصغير والكبير، من طريق عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف: أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه. فقال له: ائت الميضأة، فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل
_________________
(١) انظر: التوسل، ص ٨٣.
(٢) انظر: القاعدة الجليلة، ص ١٠٢، والتوسل، ص ٩٠- ٩٢.
[ ٢٦٧ ]
فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك ﷿، فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح إلي حتى أروح معك، فانطلق الرجل، فصنع ما قال، ثم أتى باب عثمان بن عفان ﵁، فجاء البواب حتى أخذ بيده، فأدخله عليه، فأجلسه معه على الطنفسة، وقال حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فأتنا. ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيرا، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله ﷺ وأتاه ضرير، فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي ﷺ فتصبر، فقال: يا رسول الله: إنه ليس لي قائد، وقد شق علي، فقال النبي ﷺ: «ائت الميضأة، فتوضأ ثم صل ركعتين، ثم ادع بهذه الدعوات» . قال عثمان بن حنيف، فوالله ما تفرقنا، وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط) (١) .
هذه القصة ضعيفة الإسناد منكرة لا يجوز الاحتجاج بها (٢) أما من ناحية المتن فليس فيه حجة على جواز التوسل بالنبي ﷺ بعد موته لأن عثمان بن حنيف - لو صحت هذه القصة عنه - لم يعلم ذلك الرجل دعاء الضرير بتمامه، فإنه أسقط منه جملة: «اللهم فشفعه في، وشفعني فيه»، لأنه يعلم أن ذلك القول يستلزم أن يكون الرسول ﷺ داعيا لذلك الرجل، كما كان داعيا للأعمى، ولما كان هذا غير ممكن شرعا ولا قدرا لم يذكر هذه الجملة.
وأيضا لو قدر ثبوت هذه القصة عن عثمان بن حنيف لكان هذا مما تفرد
_________________
(١) المعجم الكبير للطبراني، ٩ / ١٧- ١٨. حققه وخرج أحاديثه حمدي عبد المجيد السلفي، ط١، مطبعة الوطن العربي، بغداد، ١٤٠٠ هـ. وانظر دلائل النبوة للبيهقي، ١٦ / ١٦٧- ١٦٨.
(٢) لضعف حفظ راويها، وتفرده بها، ومخالفته للثقات الذين رووا الحديث بدون ذكر هذه القصة. انظر: القاعدة الجليلة، ص ٩٧- ١٠٣، والتوسل، ص ٩٢- ٩٤.
[ ٢٦٨ ]
به ذلك الصحابي عن غيره، إذ لم يوافقه غيره من الصحابة على ذلك، ومثل هذا لا تثبت به سنة يمكن العمل بها.
والثابت عن أكابر الصحابة عدولهم عن التوسل بالنبي ﷺ بعد موته إلى التوسل بدعاء غيره. كما قد صح ذلك من فعل عمر ومعاوية وغيرهما (١) .
وفي هذه القصة جملة إذا تأملها العارف بفضائل الصحابة وأحوالهم وجدها دليلا على نكارتها وضعفها، وهي أن عثمان بن عفان ﵁ كان لا ينظر في حاجة ذلك الرجل ولا يلتفت إليه! فهذه الجملة منافية لما عرف من خلق عثمان ﵁ الذي كانت تستحي منه الملائكة لشدة حيائه، هذا مع ما عرف عنه من رفق ولين وتواضع ﵁ وعن الصحابة أجمعين (٢) وبهذا يتبين لنا أن الاستدلال بهذه القصة على جواز التوسل بالنبي ﷺ بعد موته استدلال باطل.
وإذا كان الحديثان السابقان صحيحين من حيث الإسناد. لكنهما لا يدلان على ما ذهبوا إليه من جواز التوسل بذات النبي ﷺ بعد موته، فإنهم قد استدلوا بأحاديث وآثار واهية لا تصلح للاحتجاج بها منها على سبيل المثال:
حديث توسل آدم بالنبي ﷺ الذي أخرجه الحاكم بسنده عن عمر بن الخطاب مرفوعا «لما اقترف آدم الخطيئة، قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله: يا آدم وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟ قال يا رب لأنك لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك، رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبا، لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم. إنه لأحب الخلق إلي. ادعني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك» (٣) .
_________________
(١) انظر: قاعدة جليلة، ص١٠٤ - ١٠٨.
(٢) انظر: التوسل، ص ٩٩.
(٣) المستدرك على الصحيحين، وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي بقوله: بل موضوع، ٢ / ٦١٥.
[ ٢٦٩ ]
هذا الحديث مما يستدل به المخالفون على إثبات التوسل بالنبي ﷺ قبل خلقه.
قال صاحب كتاب وفاء الوفا:
(اعلم أن الاستغاثة والتشفع بالنبي ﷺ وبجاهه وبركته إلى ربه تعالى من فعل الأنبياء والمرسلين وسير السلف الصالحين، واقع في كل حال، قبل خلقه ﷺ وبعد خلقه في حياته الدنيوية، ومدة البرزخ وعرصات القيامة) (١) ثم ساق حديث توسل آدم السابق مستدلا به، وكذا استدل به السبكي وغيره (٢) .
ولكن هذا الحديث موضوع لا يجوز الاستدلال به، لوجود عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في سنده وهو متهم بالوضع.
لذا فقد حكم ببطلان هذا الحديث ابن تيمية (٣) والذهبيُّ (٤) وابنُ عبد الهادي (٥) وابن حجر (٦) . فلا يجوز لأحد أن يستدل بهذا الحديث لأجل تصحيح الحاكم له.
هذا وقد استدلوا بأحاديث وآثار كلها واهية وموضوعة ومثلها الحكايات. لكن بقي أن أنبه إلى أثر مالك الدار الذي استدل به السبكي على جواز طلب الدعاء من الرسول ﷺ بعد وفاته (٧) .
_________________
(١) وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى. نور الدين علي بن أحمد السمهودي تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ط ١، مطبعة السعادة، مصر، ١٣٧٤ هـ، ٤ / ١٣٧١.
(٢) انظر شفاء السقام، ص ٦١، وما بعدها.
(٣) انظر: القاعدة الجليلة، ص ٨٦- ٩٠.
(٤) انظر: ميزان الاعتدال، ٢ / ٥٠٤.
(٥) انظر: الصارم المنكي، ص ٣٧.
(٦) انظر: لسان الميزان، ٣ / ٣٥٩ - ٣٦٠.
(٧) انظر: ص٢٦٠، من هذا البحث.
[ ٢٧٠ ]
فهذا الأثر لا يجوز الاستدلال به لعدم صحته (١) ثم إنه مخالف لما ثبت شرعا من استحباب صلاة الاستسقاء ودعاء الله تعالى والتضرع إليه حتى يغيث العباد بإنزال الغيث عليهم. كما جرت بذلك السنة وعمل بها جماهير الأئمة ولم ينقل عن أحد من سلف الأمة أنه التجأ إلى قبر النبي ﷺ وطلب منه الدعاء للسقيا أو لغير ذلك، ولو كان هذا مشروعا لفعلوه ولنقل عنهم بوجه صحيح يعتمد عليه. فلما لم يحدث ذلك دل على عدم مشروعيته وعلى بطلان هذا الأثر، وأيضا فهذا الأثر ليس فيه التوسل بالنبي ﷺ لا بذاته ولا بجاهه ولا بالإقسام به على الله والتي وقع فيها النزاع.
وإنما فيه طلب الدعاء من الرسول ﷺ بعد موته، وهذه مسألة خارجة عن محل النزاع ولم يقل بجوازها أحد من علماء السلف بل هذا من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، ولأجل هذا توسع الصوفية في معنى التوسل فأدخلوا فيه كثيرا من ألوان الشرك كالاستغاثة والاستجارة وبث الشكوى وطلب الدعاء والشفاعة والمغفرة وكافة الحاجات وإنزال الرغبات وسموا كل هذا توسلًا فإذا ثبت لهم التوسل المبتدع أدخلوا فيه التوسل الشركي، وسموا الجميع توسلًا بالنبي ﷺ وإظهارا لحبه.
وبعد بيان بطلان الشبه التي استدل بها المجيزون للتوسل غير المشروع نريد أن نعرف حكم هذا النوع من التوسل.
[أقسام التوسل غير المشروع من حيث الحكم عليه]
إن هذا التوسل ينقسم من حيث الحكم عليه إلى قسمين:
القسم الأول: توسل بدعي:
وذلك كالتوسل بذات النبي ﷺ، وبجاهه، أو الإقسام على الله به:
_________________
(١) لأن مداره على مالك الدار وهو مجهول الحال غير معروف العدالة والضبط وهما شرطان أساسيان لصحة السند. انظر التوسل، ص١٣٠ - ١٣٤.
[ ٢٧١ ]
وذلك كأن يقول القائل مثلا: اللهم أتوسل إليك بنبيك، أو اللهم بجاه نبيك اغفر لي.
وأما القسم فمثل قول القائل: اللهم بنبيك أو بحق نبيك اشفني أو اقض حوائجي.
ووجه كونه بدعة: أن الرسول ﷺ لم يأمر به، ولم يدع الناس إليه، ولم يعده من القربات، كما جعله المتأخرون من الصوفية ومن تابعهم من أعظم القربات. كما أن الصحابة لم يتوسلوا إلى الله بهذا النوع من التوسل ولا التابعين ولا تابعيهم. . . بل الثابت عنهم هو عدولهم عنه إلى التوسل المشروع، فلما لم يرد له ذكر في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ، ولا عمل الصحابة والتابعون به. دل على عدم مشروعيته وابتداعه.
هذا من حيث الإجمال. أما من حيث التفصيل، فإن السؤال بالنبي ﷺ والتوسل بذاته وجاهه غير جائز. لأنه وإن كان مبنيا على أن للأنبياء جاها ومكانة عند الله- وهذا صحيح- إلا أن الله لم يجعل ذلك الجاه سببا مناسبًا لإجابة دعاء من توسل به. وإنما جعل الله الإيمان بهم وحبهم واتباعهم سببا لإجابة الدعاء، بخلاف السؤال والتوسل بذواتهم وجاههم.
وأما القسم على الله بالرسول ﷺ أو بحقه فهذا مما لا يجوز شرعا. لأنه قسم بالمخلوق على الخالق ﷾.
والقسم على المخلوق بمخلوق مثله لا يجوز. فكيف يجوز ذلك في حق الخالق سبحانه (١) .
وإذا تبين هذا فلا يجوز التوسل بذات النبي ﷺ أو بجاهه أو الإقسام على الله به لما يفضي القول بجوازه إلى الغلو الذي نهي الله ورسوله عنه، وسدًّا لذريعة الشرك المترتب عليه. ذلك أن عامة من جوزوه لم يقفوا عند التوسل به ﷺ
_________________
(١) انظر القاعدة الجليلة، ص ١٠٩- ١١٠.
[ ٢٧٢ ]
بل تعدوا ذلك إلى الاستغاثة به وطلبوا منه ما لا يجوز طلبه إلا من الله إلى غير ذلك من الأمور التي تؤدي إلى الشرك. ويسمون كل هذا توسلا!! ومما ينبغي التنبيه إليه أننا حين نوضح بطلان هذا النوع من التوسل لا يعني أننا ننفي الجاه والمكانة السامية لرسول الله ﷺ. كلا. إن جاهه ﵊ أعظم من جاه الأنبياء والمرسلين، وحديث الشفاعة يبين هذا ويوضحه (١) .
القسم الثاني: التوسل الشركي: وذلك كطلب الحاجات منه ﷺ ودعائه لكشف الضر أو رفع الشدة وبث الشكوى إليه، إلى غير ذلك من ألوان الشرك الذي حرمه الله ورسوله. وكون هذا النوع شركا أمر واضح، فإنه لو طلب من الرسول ﷺ في حياته ما لا يقدر عليه إلا الله لكان هذا شركا، فكيف وهم يطلبون منه ذلك بعد موته، وينشدون في ذلك الأشعار ويسوقون الحكايات والأخبار، وينعتون كل موحد بالجفاء للنبي ﷺ وآله الأخيار.
وتسمية هذا النوع بالتوسل هو من باب الإيهام والخداع فإنه لا يسمى إلا شركا أكبر.
يقول البرعي (٢) مخاطبا الرسول ﷺ:
يا صاحب القبر المنير بيثرب يا منتهى أملي وغاية مطلبي
يا من به النائبات توسلي وإليه من كل الحوادث مهربي
يا من نرجّيه لكشف عظيمة ولحل عقد ملتو متعصب
_________________
(١) انظر حديث الشفاعة في: صحيح البخاري. كتاب التوحيد. باب قول الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ)، ٩ / ١٦٠- ١٦١. ومسلم. كتاب الأيمان. باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، ١ / ١٨٠ - ١٨١.
(٢) هو عبد الرحيم بن أحمد بن عبد الرحيم البرعي (. . . - ٨٣٠ هـ)، شاعر متصوف. انظر ترجمته في الأعلام ٣ / ٣٤٣.
[ ٢٧٣ ]
يا من يجود على الوجود بأنعم خضر تعم عموم صوب الصيّب
يا غوث من في الخافقين وغيثهم وربيعهم في كل عام مجدب
يا من نناديه فيسمعنا على بعد المسافة سمع أقرب أقرب (١)
ويقول أيضًا:
مولاي مولاي فرج كل معضلة عني فقد أثقلت ظهري الخطيئات
وعد عليّ بما عودتني كرما فكم جرت لي بخير منك عادات
وامنع حماي وهب لي منك مكرمة يا من مواهبه خير وخيرات
واعطف عليّ وخذ يا سيدي بيدي إذا دهتني الملمات المهمات
فقد وقفت بباب الجود معتذرا والعفو متسع والعذر أبيات
وقل غدا أنت من أهل اليمين إذا ما زخرفت لدخول الخلد جنات
وإن مدحتك بالتقصير معترفا فمدحك الوحي والسبع القراءات (٢)
[ثالثا البدع المتعلقة بزيارة قبره ﷺ]
ثالثا- البدع المتعلقة بزيارة قبره ﷺ: المشروع في زيارة قبره ﷺ هو أن يأتي المسلم إلى المسجد النبوي فيقول دعاء دخول المسجد، ثم يقصد الروضة الشريفة فيصلي بها ركعتين تحية المسجد إن تحن في الروضة وإلا ففي أي موضع من المسجد ثم يسلم على رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ قائلا: السلام عليك يا رسول الله. السلام عليك يا أبا بكر. السلام عليك يا عمر. كما كان يفعل ذلك ابن عمر ﵄ إذا قدم من سفر (٣)
_________________
(١) شرح ديوان البرعي في المدائح الربانية والنبوية والصوفية للشاعر الشيخ عبد الرحيم البرعي، ط ١، مكتبة المعارف، محمد سعيد كمال، الطائف، ١٤٠٤، ص٨٨.
(٢) المصدر نفسه، ص١٩٢.
(٣) أخرج ذلك الأثر. البيهقي في السنن الكبرى. كتاب الحج. باب زيارة قبر النبي ﷺ، ط١، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن الهند، ١٣٥٢هـ. وأخرجه مالك بنحو من هذا في الموطأ. رواية محمد بن الحسن الشيباني تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف. طبع المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، ص٣٣٤.
[ ٢٧٤ ]
والزيارة بهذه الكيفية مستحبة لمن قدم إلى المدينة قاصدا مسجد رسول الله ﷺ، أو لمن كان يريد السفر من أهل المدينة وهذا الاستحباب مأخوذ من الأحاديث العامة الواردة في فضل زيارة القبور ولم يثبت بخصوص زيارة قبره ﷺ حديث يحتج به عند أهل العلم (١) ولكن الناس ابتدعوا في باب زيارته ﷺ بدعا كثيرة خرجت بالزيارة عن أصلها المشروع. فمن هذه البدع:
١ - اعتقاد أن زيارة قبره ﷺ واجبة: سرى في أذهان كثير من الناس أن زيارة القبر النبوي واجبة، ويعتقد كثير منهم أنها مكملة لمناسك الحج، لا يتم الحج بدونها، والذي دفعهم إلى ذلك أمور منها:
- الجهل بأحكام الذين ومراتب العبادات حتى اختلط على كثير من الناس الواجب بالمندوب، والحرام بالمكروه، فاختل فهمهم للشرع بسبب الابتعاد عن علمه وفقهه.
- الاستدلال بعدة أحاديث ضعيفة وموضوعة في فضل زيارة قبر النبي ﷺ ذكرها بعض الفقهاء والمؤلفين في المناسك واشتهر ذكرها بين الناس دون تمييز بين الصحيح والضعيف، فكان لهذه الأحاديث أثرها في اعتقاد كثير من الناس وجوب الزيارة فمن هذه الأحاديث:
(أ) «من زار قبري وجبت له شفاعتي» (٢) هذا حديث منكر لا يصح الاحتجاج به.
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٧ / ٣٨٣.
(٢) رواه الدارقطني من طريق موسى بن هلال العبدي عن عبد الله أو عبيد الله العمري، وهذا الحديث ضعيف لضعف موسى بن هلال وجهالته واضطرابه. فمرة يرويه عن عبيد الله ومرة عن عبد الله، وسواء هذا أو ذاك فهو منكر الحديث لا يحتج به. انظر: سنن الدارقطني، ٢ / ٢٧٨، والصارم المنكي، ص١٨ - ٢٣.
[ ٢٧٥ ]
(ب) «من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي» (١) وهذا حديث منكر المتن ساقط الإسناد. ومما يدل على ضعفه ونكارته أن من زار قبره ﷺ بعد موته ليس كمن زاره في حياته فإن من زاره في حياته وكان مؤمنا كان من أصحابه المشهود لهم بالدرجة العالية في هذه الأمة، وأما من بعدهم فلن يبلغ رتبتهم ولو شاركهم في فعل الواجبات، فكيف يستوي معهم بفعل ما ليس واجبا كزيارة القبر النبوي مثلا (٢) (ج) «من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني»، وهذا حديث موضوع (٣) ومما يدل على وضعه أن جفاء النبي ﷺ من الكبائر إن لم يكن كفرا، وهذا الحديث يدل على أن زيارة قبره ﷺ واجبة، مع أن الزيارة المشروعة لا تتجاوز عند العلماء حدود المستحبات. فكيف يكون تاركها مجافيا للنبي ﷺ ومعرضا عنه (٤) .
فاعتقاد وجوب زيارة قبره ﷺ اعتقاد باطل ليس له ما يؤيده من السنة الصحيحة، ولا من أقوال أهل العلم الذين يقتدى بهم. فمن اعتقد أن الزيارة واجبة،
_________________
(١) أخرجه الدارقطني والبيهقي وغيرهما من طريق حفص بن سليمان عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر مرفوعا. وهذا الحديث ضعيف لتفرد حفص بن سليمان به. وهو متروك الحديث وشيخه ليث بن أبي سليم ضعيف لاختلاطه. انظر سنن الدارقطني، ٢ / ٢٧٨، والسنن الكبرى للبيهقي، ٥ / ٢٤٦. وانظر في بيان ضعف الحديث الصارم المنكي، ص ٥٥ وما بعدها، والسلسلة الضعيفة للألباني، ١ / ٦٢ - ٦٣.
(٢) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، ص ٥٧.
(٣) أخرجه ابن عدي في الكامل من طريق علي بن إسحاق عن محمد بن محمد بن النعمان عن جده النعمان بن شبل عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا. وهذا الحديث آفته النعمان بن شبل البصري لأنه متهم بالوضع. لأجل هذا حكم الذهبي على هذا الحديث بالوضع وكذا الزركشي وابن الجوزي كما في الفوائد المجموعة للشوكاني. انظر: الكامل في أسماء الرجال لابن عدي، ٧ / ٢٤٨٠. وانظر في بيان ضعف الحديث لسان الميزان، ٦ / ١٦٧، والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني، ص ١١٨، والصارم المنكي، ص ٧٨، وما بعدها.
(٤) انظر: السلسلة الضعيفة، ١ / ٦١.
[ ٢٧٦ ]
أو متممة للحج، أو أنها المقصود الأكبر من الحج فاعتقاده باطل. على أنه لا يعني القول بعدم وجوب الزيارة أنها ليست مستحبة كلا بل هي مستحبة لمن قدم المدينة من سفر أو خرج منها قاصدا سفرا. كما دل على ذلك فعل ابن عمر ﵄.
٢ - الدخول إلى المسجد النبوي كهيئة المستأذن من الرسول ﷺ للدخول عليه: جاء في كتاب أبي الحسن الشاذلي (١) أنه (لما قدم المدينة زادها الله تشريفا وتعظيما وقف على باب الحرم من أول النهار إلى نصفه عريان الرأس حافي القدمين، يستأذن على رسول الله ﷺ تسليما. فسئل عن ذلك فقال حتى يؤذن لي، فإن الله ﷿ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] (٢) فسمع النداء من داخل الروضة الشريفة على ساكنه أفضل الصلاة والسلام يا علي ادخل) (٣) . وهذه بدعة منكرة لم يقل بها أحد من أهل العلم سلفا وخلفا، وقياس الدخول عليه ﷺ بعد موته بدخول بيته في حياته قياس باطل، فإن الداخل إنما يدخل المسجد أصلا سواء في حياته أو بعد موته، ودخول المسجد لا يحتاج إلى استئذان. ولو كان مشروعا لفعله الصحابة ﵃.
٣ - التزام كيفية معينة في زيارة قبره ﷺ من حيث الوقوف والسلام والدعاء: فبعض الناس يقف أمام القبر الشريف كهيئة المصلي واضعا يده اليمنى على اليسرى وهذا أمر تعبدي لا يجوز فعله إلا في الصلاة.
_________________
(١) هو أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار الشاذلي المغربي، رأس الطريقة الشاذلية وإليه تنتسب. انظر: ترجمته في معجم المؤلفين، ٧ / ١٣٧.
(٢) سورة الأحزاب، (٥٣) .
(٣) أبو الحسن الشاذلي - الصوفي المجاهد والعارف بالله، بقلم عبد الحليم محمود، ص ٧٩- ٨٠، ط دار الكتاب العربي مصر، ١٩٦٧ م.
[ ٢٧٧ ]
وأما السلام فكثير من الناس يتجاوز السلام إلى الدعاء مستقبلا القبر وهذا أمر غير جائز شرعا، فإذا أراد الإنسان الدعاء فليستقبل القبلة. وقد اعتاد (المزوّرون) أن يلقنوا الناس صيغا من السلام والدعاء يرددونها بصوت مرتفع. وفي هذا من الإيذاء والجفاء ما لا يجوز أن يحدث في أي مسجد فضلا عن مسجد رسول الله ﷺ.
وأما الدعاء فكثير من الناس تجاوز حد الشرع في الدعاء فيطلبون من الرسول ﷺ ما لا يطلب إلا من الله وفي هذا من الشرك ما فيه وذلك كقولهم: (يا رسول الله نحن وفدك جئناك من بلاد بعيدة، قاصدين قضاء حقك، والنظر إلى مآثرك، وأن نستشفع بك إلى ربنا، فإن الخطايا قد قصمت ظهورنا، والأوزار قد أثقلت كواهلنا، أنت الشافع المشفع، الموعود بالشفاعة والمقام المحمود، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] (١) وقد جئناك مستغفرين لذنوبنا فاشفع لنا إلى ربك، واسأله أن يميتنا على سنتك، وأن يحشرنا في زمرتك، وأن يوردنا حوضك، وأن يسقينا بكأسك غير خزايا ولا نادمين، الشفاعة، الشفاعة يا رسول الله) (٢) .
وهذا من البدع المفضية إلى الشرك لأن طلب الشفاعة، والموت على السنة، وغير ذلك من الحوائج، لا يجوز طلبها إلا من الله وحده، فلا يجوز سؤالها وطلبها من النبي ﷺ، بعد موته. وأما طلب الدعاء فإنما يكون في حياته لا بعد مماته.
٤ - التمسح بالحجرة وتقبيل شباكها واستلامه والطواف بها: وهذه أمور من العبادة لا تجوز إلا في الكعبة. ففعلها في المسجد النبوي محرم شرعا.
_________________
(١) سورة النساء، آية (٦٤) .
(٢) الحج والعمرة في الفقه الإسلامي، د. نور الدين عتر، ط٢، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص٢٦٠.
[ ٢٧٨ ]
٥ - اعتقاد الزائر أن الرسول ﷺ يعلم خواطره ونياته: قال ابن الحاج (١) (وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم أن الزائر يشعر نفسه بأنه واقف بين يديه ﵊ كما هو في حياته. إذ لا فرق بين موته وحياته، أعني في مشاهدته لأمته ومعرفته بأحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم. وهذا عنده جلي لا خفاء فيه) (٢) . وقال: (وقد لا يحتاج الزائر في طلب حوائجه ومغفرة ذنوبه أن يذكرها بلسانه بل يحضر ذلك في قلبه وهو حاضر بين يديه ﷺ، لأنه ﵊ أعلم منه بحوائجه ومصالحه وأرحم به منه لنفسه، وأشفق عليه من أقاربه) (٣) .
وهذا الأمر لا يجوز أن يوصف به الرسول ﷺ في حياته فكيف يوصف به بعد مماته، لأن علم الغيب ومكنونات الصدور خاص بالله ﷿ لا يطلع عليه أحد غيره ولا يليق وصف أحد به سوى الله ﷿، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] (٤) وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] (٥) .
فمن اعتقد أن الرسول ﷺ يعلم الغيب، وما تكّنه الصدور في حياته أو بعد مماته فقد أشرك. إلا أن يطلع الله نبيه على بعض أمور الغيب فذلك من خصوصيات النبوة. لا أنه يعلم الغيب مطلقا.
_________________
(١) هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن الحاج العبدري المالكي الفاسي (. . . - ٧٣٧هـ) . فقيه مالكي، من تصانيفه: مدخل الشرع الشريف، شموس الأنوار وكنوز الأسرار. انظر: الدرر الكامنة لابن حجر، ٤ / ٣٥٥ - ٣٥٦.
(٢) المدخل، ١ / ٢٥٨ - ٢٥٩.
(٣) المصدر نفسه، ١ / ٢٦٤.
(٤) سورة النمل، آية (٦٥) .
(٥) سورة الأعراف، آية (١٨٨) .
[ ٢٧٩ ]
٦ - اتخاذ قبره ﷺ عيدا: ومعنى اتخاذه عيدا، أن يعتاد التردد عليه والازدحام عنده كما يحصل في أمكنة الأعياد وأزمنتها. أو أن يجعل لها وقت معين سواء كان كل أسبوع أو شهر أو سنة. وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: فيما أخرجه أحمد وأبو داود واللفظ له بسنديهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبرى عيدا، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (١) ولأجل هذا كره الإمام مالك ﵀ التردد على القبر فقال فيما نقله عنه القاضي عياض:
(. . . . وليس يلزم من دخل المسجد أو خرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر وإنما ذلك للغرباء. . . ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقدم على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو لأبي بكر وعمر. فقيل له: إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر فيسلمون ويدعون ساعة. فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل العلم ببلدنا وتركه واسع. ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك) (٢) .
٧ - التزام الزائر الإقامة بالمدينة ثمانية أيام والصلاة في المسجد النبوي أربعين صلاة حتى تكتب له البراءة من النار: وذلك استنادا إلى الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد بسنده عن أنس عن النبي ﷺ قال: «من صلى في مسجدي هذا أربعين صلاة كتبت له براءة من
_________________
(١) سبق تخريجه، ص٨٣.
(٢) الشفا، ٢ / ٨٨.
[ ٢٨٠ ]
النار، ونجاة من العذاب، وبرئ من النفاق» (١) وهذا الحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج به.
ووجه البدعة في هذا أنه تخصيص لعدد من الأيام أو الصلوات بثواب معين ومثل هذا لا يثبت إلا بدليل صحيح وهذا الدليل ضعيف. فيكون هذا التخصيص من قبيل البدعة. أما مجرد الصلاة في المسجد النبوي- بدون تحديد وقت معين- فهو أمر مرغب فيه شرعا، لما أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (٢) .
٨ - ومنها ما قاله صاحب وفاء الوفا: (أن يقدم " أي الزائر " صدقة بين يدي نجواه للرسول ﷺ) (٣) أخذا من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] (٤) وهذه الآية منسوخة عند جماهير العلماء بالآية التي تليها (٥) وهي قوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المجادلة: ١٣] (٦) ثم إن قياس زيارة قبره ﷺ بنجواه في حياته قياس باطل لأن المقصود من الزيارة هو السلام عليه ﷺ وليس هذا من قبيل النجوى لأنه يسمعه كل أحد، ثم إن النجوى إن كانت مشروعة فللرسول في حياته فكيف وهي منسوخة؟
_________________
(١) المسند، ٣ / ١٥٥، وهذا الحديث ضعيف لأن في سنده مجهولا، وهو نبيط بن عمرو الذي روى هذا الحديث عن أنس، ولم يعرف عند المحدثين إلا بهذا الحديث. انظر: السلسلة الضعيفة، ١ / ٣٦٦.
(٢) صحيح البخاري. كتاب المساجد، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ٢ / ٧٦.
(٣) وفاء الوفا، ٤ / ١٣٩٣.
(٤) سورة المجادلة، آية (١٢) .
(٥) انظر تفسير الطبري، ٢٨ / ٢٠ - ٢٢، وتفسير القرطبي، ١٧ / ٣٠١ - ٣٠٣.
(٦) سورة المجادلة، آية (١٣) .
[ ٢٨١ ]
٩ - ومنها ما قاله أيضا: (إدامة النظر إلى الحجرة الشريفة فإنه عبادة قياسا على الكعبة المعظمة) (١) وهذا باطل لأنه لم يثبت بدليل صحيح أن النظر إلى الكعبة عبادة. ولو سلم هذا فالعبادات لا تثبت بالقياس وإنما بالنص والتوقيف. ثم إن قياس الحجرة الشريفة بالكعبة قياس باطل. لأن البيت الحرام يختص بأنواع من العبادات لا يجوز فعلها في غيره.
١٠ - الاستغاثة بالرسول ﷺ وبث الشكوى إليه: ولهم في ذلك حكايات وأشعار يطول ذكرها، وقد أورد صاحب وفاء الوفا عدة حكايات فيمن استغاث به ﷺ (٢) منها أن رجلا من أهل غرناطة نزلت به علة عجز الأطباء عنها وأيسوا من برئه، فكتب عنه أحد الشعراء كتابا إلى النبي ﷺ يسأله فيه الشفاء لدائه والبرء مما نزل به وضمنه شعرا قال فيه:
كتاب وقيذ من زمانه مستشف بقبر رسول الله أحمد يستشفي
له قدم قد قيد الدهر خطوها فلم يستطع إلا الإشارة بالكف
ولما رأى الزوار يبتدرونه وقد عاقه عن ظعنه عائق الضعف
بكى أسفا واستودع الركب إذ غدا تحية صدق تفعم الركب بالعرف
فيا خاتم الرسل الشفيع لربه دعاء مهيض خاشع القلب والطرف
عتيقك عبد الله ناداك ضارعا وقد أخلص النجوى وأيقن بالعطف
رجاك لضر أعجز الناس كشفه ليصدر داعيه بما جاء من كشف
لرجل رمى فيها الزمان فقصرت خطاه عن الصف المقدم في الزحف
وإني لأرجو أن تعود سوية بقدرة من يحيي العظام ومن يشفي
_________________
(١) وفاء الوفا، ٤ / ١٤١٠.
(٢) المصدر نفسه، ٤ / ١٣٧٩ - ١٣٨٧.
[ ٢٨٢ ]
فأنت الذي نرجوه حيا وميتا لصرف خطوب لا تريم إلى صرف
عليك سلام الله عدة خلقة وما يقتضيه من مزيد ومن ضعف (١)
[رابعا بدعة المولد]
رابعا - بدعة المولد: مولد النبي ﷺ هو الذي يقيمه الصوفية في الثاني عشر من شهر ربيع الأول من كل عام إظهارا للسرور بمولده، وتوسع بعضهم فأجازه في أي وقت من أوقات السنة طالما أنه مظهر سرور بالنبي ﷺ. ويرجع تاريخ ظهور هذه البدعة إلى الدولة العبيدية التي تسمت بالدولة الفاطمية. حيث أحدثت هذه البدعة لجذب قلوب الناس إليها، والظهور بمظهر من يحب رسول الله ﷺ. مع أنها من أكثر الدول التي فشا فيها الإلحاد والزندقة تحت شعار التشيع وحب آل البيت.
فأحدثوا ستة موالد: المولد النبوي، مولد علي ﵁، ومولد فاطمة ﵂، ومولد الحسن والحسين ﵄، ومولد الخليفة الحاضر في ذاك الزمان. وعن طريقهم انتشرت الموالد وراجت رواجا كثيرا لدى الصوفية (٢) فصارت كل طريقة تعمل لشيخها مولدا يتناسب ومقام الطريقة وشيخها!! هذا مع حرصهم على مولد النبي ﷺ في كل عام وتسيير المواكب في الطرقات، وإنشاد القصائد، وإقامة الحفلات إلى غير ذلك من مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي.
ولا نزاع في أن الاحتفال بالمولد النبوي هو من البدع الحادثة بين المسلمين حتى باعتراف الذين يفعلونه. ولكنهم قالوا: إن خلا عمل المولد من المفاسد فهو بدعة حسنة لما فيه من إطعام الطعام وقراءة شيء من السيرة وإظهار السرور بمولد الرسول ﷺ (٣) .
_________________
(١) المصدر نفسه، ٤ / ١٣٨٧.
(٢) انظر: الإبداع في مضار الابتداع، ص٢٥٠ وما بعدها.
(٣) انظر: الحاوي للفتاوي للسيوطي، ١ / ٢٩٢ - ٣٠٥.
[ ٢٨٣ ]
ولكن هذا لا يخرج عن كونه بدعة مذمومة شرعا لأمور:
- اتخاذه عيدا شرعيا، والأعياد الشرعية يومان الفطر والأضحى كما جاء بذلك النص.
- جعله عبادة شرعية وقربة إلى الله. حتى إنهم في بعض البلدان يتهمون من لم يحضر المولد بالجفاء والمروق من الدين أحيانا (١) .
- عدم فعل السلف له مع أنهم أشد الناس حبا له صلوات الله وسلامه عليه، وهم أعرف الناس بحقوقه، ولو كان خيرا لسبقونا إليه.
- إن عمل المولد يتضمن أمورا منهيا عنها شرعا كإنشاء القصائد الشركية والغلو فيه ﷺ وتشويه صورة الدين بأعمال الخرافيين والمشعوذين والدجالين على ما يجري عمله في أكثر البلاد.
هذا وقد استغلت الصوفية وسائل الدعاية لترويج هذه البدعة بدعوى أنها من أكبر مظاهر حبه ﷺ فألفوا فيها الرسائل والكتب وسودوا بها صحائف كانت بيضاء، ونعتوا كل ناقد وموجه بعدم الحب والولاء لرسول الله ﷺ.
ولنا أن نقول إن الاحتفال بالمولد بدعة فيها مشابهة للنصارى في احتفالهم بمولد المسيح ﵇ لأن دينهم المحرف قام على الغلو في الأشخاص، وديننا ينهانا عن الغلو.
ثم إن فرح المسلم ينبغي أن يكون ببعثته ونزول الوحي عليه، وتلك هي المنة الحقيقية التي امتن الله بها على عباده فلولا الوحي والبعثة ما كانت لنبينا هذه المنزلة العظمى بين رسل الله أجمعين. كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] (٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] (٣) .
_________________
(١) انظر مجموعة رسائل الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، ١ / ٤٩٣.
(٢) سورة يونس، آية (١٦) .
(٣) سورة العنكبوت، آية (٤٨) .
[ ٢٨٤ ]
فهذا هو السرور الحقيقي الذي لا يحتاج من المسلم إلى تحديد وقت له طالما أنه يتلو آيات القرآن صباحا ومساء فينشرح صدره وتطمئن نفسه، وطالما كان متذكرا للنبي ﷺ عند كل عمل يقتدي به فيه، مكثرا من ذكره وتذكره مصليا عليه.
[خامسا الصلوات المبتدعة على رسول الله ﷺ]
خامسا- الصلوات المبتدعة على رسول الله ﷺ: لقد ابتدع الصوفية فيما ابتدعوا صيغا للصلاة على النبي ﷺ زاعمين لها من الفضل والثواب وتكفير الذنوب والسيئات شيئا كثيرا ويتعاظم إفكهم حينما يقولون إن رسول الله ﷺ علمها لشيخ الطريقة يقظة أو مناما وأمره أن يعلمها أصحابه. مثل صلاة الفاتح (اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، الهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم) (١) .
يزعم التيجانيون إفكا وبهتانا أن هذه الصلاة أفضل من القرآن ومن كل ذكر وقع في الكون ستة آلاف مرة.
يقول التيجاني:
(. . . . ثم أمرني بالرجوع ﷺ إلى صلاة الفاتح لما أغلق. فلما أمرني بالرجوع إليها سألته ﷺ عن فضلها، فأخبرني أولا بأن المرة الواحدة منها تعدل من القرآن ست مرات، ثم أخبرني ثانيا بأن المرة الواحدة منها تعدل من في تسبيح وقع في الكون، ومن كل ذكر، ومن كل دعاء كبير وصغير، ومن القرآن ستة آلاف مرة لأنه من الأذكار) (٢) .
وهذا كفر صريح لأنه تفضيل لكلام البشر على كلام الله رب العالمين وتحقير من شأن القرآن وصد الناس عنه كما كان يفعل كفار قريش قائلين فيما حكاه الله عنهم.
_________________
(١) انظر: التيجانية، ص١١٦.
(٢) المصدر نفسه، ص١١٦، نقلا عن أحزاب وأوراد التيجاني، ص ١٢.
[ ٢٨٥ ]
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] (١) .
ومن هذه الصيغ تلك الصلوات التي تصف الرسول ﷺ بأوصاف الألوهية، وذلك مثل قولهم: (اللهم صل على الكمال المطلق والجمال المحقق عين أعيان الخلق ونور تجليات الحق. فصل اللهم بك منك فيه عليه وسلم) (٢) ومنها قولهم: (اللهم صل على محمد نور الذات وسر الساري في جميع الأسماء والصفات ﷺ) (٣) ومنها الصلاة المنسوبة لعبد السلام بن مشيش (٤) ولفظها (اللهم صل على من منه انشقت الأسرار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق، وتنزلت علوم آدم فأعجز الخلائق فتضاءلت الفهوم، فلم يدركه منا سابق ولا لاحق، فرياض الملكوت بزهر جماله مونقة، وحياض الجبروت بفيض أنواره متدفقة، ولا شيء إلا وهو به منوط، إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط، صلاة تليق بك منك عليه، كما هو أهله. اللهم إنه سرك الجامع الدال عليك، وحجابك الأعظم، القائم لك بين يديك. اللهم ألحقني بنسبه، وحققني بحسبه، وعرفني إياه معرفة أسلم بها من موارد الجهل وأكرع بها من موارد الفضل واحملني على سبيله إلى حضرتك، حملا محفوفا بنصرتك، واقذف بي في بحار الأحدية، وانشلني من أوحال التوحيد وأغرقني في عين بحار الوحدة، حتى لا أرى ولا أسمع ولا أجد، ولا أحس، إلا بها، واجعل الحجاب الأعظم حياة روحي. . . . إلخ) (٥) .
وواضح من هذه الصلاة غلو قائلها في الرسول ﷺ، ثم كفره بدين الإسلام وعقيدته وهي التوحيد، حيث وصفها بالأوحال!! لماذا؟ لأنها تفرق بين الخالق
_________________
(١) سورة فصلت، آية (٢٦) .
(٢) مجموعة أحزاب وأوراد أحمد بن إدريس، ص٦٣.
(٣) دلائل الخيرات ص٦٣.
(٤) انظر ترجمته في معجم المؤلفين، ٥ / ٢٣٢.
(٥) أفضل الصلوات ص١١١- ١١٢.
[ ٢٨٦ ]
والمخلوق، وبين الرب والعبد. لكنه لا يريد ذلك يريد أن يكون ربا وعبدا، حقا وخلقا!! ومن العجيب أن يقول النبهاني (١) عقب هذه الصلاة إنها: (من أفضل الصيغ المشهورة ذات الفضل العظيم) ثم نقل أقوال من استحسنوها من سلفه الصرفية ومنها: (. . . وفي قراءتها من الأسرار ومن الأنوار ما لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى، وبقراءتها (ينزل) المدد الإلهي والفتح الرباني. .) (٢) إلخ.
ومنها صيغ كثيرة تضمنت أنواعا من الغلو المذموم الذي نهى الله ورسوله عنه مثله: (اللهم جدد وجرد في هذا الوقت وفي هذه الساعة من صلواتك التامة وتحياتك الزاكيات ورضوانك الأكبر الأتم على أكمل عبد لك في هذا العالم من بني آدم، الذي أقمته لك ظلا، وجعلته لحوائج خلقك قبلة ومحلا واصطفيته لنفسك وأقمته بحجتك وأظهرته بصورتك، واخترته مستوى لتجلياتك ومنزلا لتنفيذ أوامرك ونواهيك في أرضك وسماواتك وواسطة بينك وبين مكوناتك. . .) (٣) . ومنها: (اللهم صلي على الذات المحمدية، واللطيفة الأحمدية شمس سماء الأسرار ومظهر الأنوار، ومركز مدار الجلال، وقطب فلك الجمال) . . . إلخ (٤) .
ومنها صيغ كثيرة زعموا لها ثوابا وفضلا كثيرا من عند أنفسهم. منها صلاة السعادة ولفظها: (اللهم صل على سيدنا محمد عدد ما في علم الله صلاة دائمة بدوام ملك الله) .
قال النبهاني بعد إيرادها نقلا عن الشيخ أحمد دحلان: (أن ثوابها بستمائة ألف صلاة، ومن داوم على قرائتها كل جمعة ألف مرة. كان من سعداء
_________________
(١) يوسف بن إسماعيل بن يوسف النبهاني، (١٢٦٥- ١٣٥٠هـ) . انظر: ترجمته في الأعلام، ٨ / ٢١٨.
(٢) انظر: أفضل الصلوات، ص١١٢ - ١١٣.
(٣) دلائل الخيرات، ص٢٨.
(٤) المصدر السابق، ص٨٨.
[ ٢٨٧ ]
الدارين) (١) ومنها صلاة الإنعام ولفظها: (اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله عدد إنعام الله وإفضاله) (٢) .
قال النبهاني نقلا عن الشيخ أحمد الصاوي (٣) (هذه صلاة الإنعام وهي من أبواب نعيم الدنيا والآخرة لتاليها، وثوابها لا يحصى) (٤) .
وهذه الصيغ كثيرة لدى الصوفية. بل إنها مجال تنافس بين الطرق الصوفية، إذ كل طريقة تدعي أن لديها من الأوراد (الأدعية، والأذكار والصلوات) ما يقدر بكذا وكذا من الثواب، وإن فيها من الفضل لقارئيها ما يجعلهم من الأولياء الواصلين بسرعة أو إن من فضيلة هذه الأوراد أن شيخ الطريقة قد أخذها من النبي ﷺ مباشرة يقظة أو مناما وأن الرسول ﷺ قد وعد من يقرؤها بالقرب منه، ودخول الجنة، وغير ذلك من الدعاوى العريضة التي لا تساوي في ميزان الشرع- المأخوذ من الكتاب والسنة- شيئا، لأن الشرع لا يؤخذ من الرؤى والمنامات. ولأن الرسول ﷺ لم يأمرنا بذلك في حياته، فلو علم فيه خيرا لنا لدعانا إليه. فكيف وهو مضاد لما جاء به؟ صاد عن دينه وسنته، ويبين هذا أن هذه الأوراد المبتدعة قد حرمت كثيرا من المسلمين من التقرب إلى الله بالعبادات الشرعية التي جعلها الله سبيلا للتقرب إليه والفوز بمرضاته. فكم صدت هذه الأوراد المبتدعة أناسا عن قراءة القرآن وتدبره، وكم شغلت كثيرين عن قيام الليل بالسهر على قراءة الأوراد ثم النوم عن صلاة الفجر، وكم صرفت كثيرا من الناس عن التعبد بالعبادات الشرعية، وكم شغلت كثيرا عن معرفة الواجبات الشرعية، والعمل بها، فصار أكثر الناس جهلة بسبب اشتغالهم بهذه الأوراد. فأي حرمان أكبر من هذا؟ وما ذلك إلا بسبب انصرافهم عن الشرع إلى الهوى، وعن السنة إلى البدعة، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
_________________
(١) المصدر نفسه، ص ١٤٩- ١٥٠.
(٢) المصدر نفسه، ص ١٥١.
(٣) أحمد بن محمد الخلوتي، الشهير بالصاوي (١١٧٥- ١٢٤١ هـ) . فقيه مالكي. مصري. انظر ترجمته في الأعلام، ١ / ٢٤٦.
(٤) أفضل الصلوات، ص١٥١.
[ ٢٨٨ ]
[المبحث الثالث آثار الابتداع]
المبحث الثالث
آثار الابتداع المقصود بآثار الابتداع هو بيان المفاسد والمضار الناتجة عن البدعة بوجه عام وفي هذا المبحث سنتكلم عن أهم المفاسد والمضار المترتبة على البدعة وكيفية مقاومتها. ومما يسترعي الانتباه أن آثار الابتداع غير مقتصرة على شخص المبتدع أو من يتعبد بالبدعة بل أن لها آثارا تتعدى ذلك إلى الدين نفسه بالزيادة أو النقصان أو التغيير، وإلى المجتمع المسلم بالتفرق والاختلاف.
ومن المؤسف حقا أن نرى كثيرا من المنتسبين إلى العلم فضلا عن عامة الناس يهونون من أخطار البدعة وربما رأوا أن الاشتغال بذلك غير مجد أو أنه يؤدي إلى تفرقة الأمة. وهذا مما يقلل من خطورة البدعة ويعطي المبتدعة ذريعة للبقاء على بدعهم ونشرها وما علم هؤلاء أن المسلمين ما وصلوا إلى هذا الحد من الانحلال والهزيمة، إلا بسبب انحرافهم عن فهم الإسلام وتطبيقه، وأن الابتداع كان له أكبر الأثر في هذا الانحراف بالإضافة إلى عوامل أخرى ولنأخذ على سبيل المثال الصوفية وهي من أكبر طوائف المبتدعة على نطاق العالم الإسلامي.
- ماذا كان أثرها على المسلمين؟
باختصار شديد. قتلت فيهم روح الجهاد، بدعوى التفرغ لجهاد النفس وعطلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدعوى الانشغال بعيوب النفس عن عيوب الآخرين، وأظهرت في الناس الغلو في الرسول ﷺ والصالحين بدعوى حبهم والقيام بحقوقهم إلى غير ذلك من المفاسد.
ولنعد إلى بيان آثار الابتداع فنقول: إن آثار الابتداع كثيرة وذلك لكثرة البدع وشيوعها ولكنني سأقتصر هنا على بيان الأمور المهمة في هذا الجانب.
[ ٢٨٩ ]
[آثار البدع على المبتدع]
آثار البدع على المبتدع: - أما آثارها على المبتدع فهو وقوعه تحت طائلة الوعيد ووصف مسلكه بالضلال، ورد عمله الذي ابتدعه عليه، وبقاء إثمها وإثم من عمل بها عليه إلى غير ذلك من الآثار.
يقول الشاطبي ﵀ عارضا لآثار الابتداع:
(فاعلموا أن البدعة لا يقبل معها عبادة من صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا غيرها من القربات ومجالس صاحبها ينزع منه العصمة ويوكل إلى نفسه، والماشي إليه وموقره معين على هدم الإسلام، فما الظن بصاحبها! وهو ملعون على لسان الشريعة، ويزداد من الله بعبادته بعدا، وهي مظنة إلقاء العداوة ومانعة من الشفاعة المحمدية، ورافعة للسنن التي تقابلها، وعلى مبتدعها إثم من عمل بها، وليس له من توبة، وتلقي عليه الذلة والغضب من الله، ويبعد عن حوض رسول الله ﷺ، ويخاف عليه أن يكون معدودا في الكفار الخارجين عن الملة (١) وسوء الخاتمة عند الخروج من الدنيا ويسود وجهه في الآخرة، ويعذب بنار جهنم، وقد تبرأ منه رسول الله ﷺ وتبرأ منه المسلمون، ويخاف عليه الفتنة في الدنيا زيادة إلى عذاب الآخرة) (٢) وسأعرض لبعض هذه الآثار بشيء من التفصيل.
[عدم قبول عمل المبتدع]
١ - عدم قبول عمل المبتدع: لما كان المبتدع قد تعبد الله بما لم يشرعه من الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات وكان قبول الأعمال متوقفا على شرطين الإخلاص لله رب العالمين والاتباع لرسول الله ﷺ، والمبتدع قد أخل بشرط الاتباع فحرم بسبب بدعته قبول عمله، ويراد بعدم القبول أمران:
- إما أن يراد به عدم قبول أعمال المبتدع مطلقا سواء منها ما خالف السنة أو وافقها.
_________________
(١) بحسب بدعته.
(٢) الاعتصام، ١ / ١٠٦ - ١٠٧.
[ ٢٩٠ ]
- إما أن يراد به عدم قبول ما ابتدعه خاصة دون غيره.
- أما الأول: فيدل عليه ما ورد في السنة من أحاديث في هذا الباب منها: حديث رسول الله ﷺ في الخوارج وقد روي بروايات متعددة منها ما رواه مسلم بسنده عن زيد بن وهب الجهني، (أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي ﵁. الذين ساروا إلى الخوارج فقال علي ﵁: " أيها الناس: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن. ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية» (١) .
فهذا الحديث يدل على عدم قبول أعمالهم مع اجتهادهم في العبادة وما ذاك إلا بسبب اعتقادهم الفاسد وبدعتهم الضالة.
ومنها حديث ابن عمر في القدرية: حيث قال لمن سأله عنهم: (فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني. والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر) ثم استشهد بحديث جبريل (٢) .
ومنها ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «المدينة حرم فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف» (٣) والإحداث المذكور في الحديث يشمل الابتداع وغيره. وقد اختلف في معنى الصرف والعدل فعند الجمهور الصرف: الفريضة والعدل: النافلة وعن الأصمعي. الصرف التوبة والعدل: الفدية (٤) .
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب التحريض على قتل الخوارج، ٢ / ٧٤٨.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، ١ / ٣٦- ٣٨.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة، ٢ / ٩٩٩.
(٤) انظر: فتح الباري، ٤ / ٨٦.
[ ٢٩١ ]
فهذه الأحاديث وإن وردت في أصناف من المبتدعة بأوصافهم إلا أنه يخشى أن تشمل بقية أهل البدع.
ومما يوضح هذا أنه إذا كانت البدعة أصلا يتفرع عنه سائر الأعمال فكل ما يبنى على هذا الأصل فهو بدعة مردودة على صاحبها.
مثال ذلك: إنكار العمل بخبر الآحاد بإطلاق وجعل العقل حاكما والشرع تابعا إلى غير ذلك من البدع. فهذه البدع لا تختص بجانب واحد بل تتعداه إلى غيره فكل ما انبنى على هذه البدع- التي جعلها المبتدعة أصولا- فهو بدعة مردودة على صاحبها.
ويتعمق الشاطبي في التحليل فيرى أن من أسباب عدم قبول أعمال المبتدع هو ضعف اعتماده على الشرع، واعتقاده أنه بدون بدعته لا يتم له التقرب إلى الله. فلا يكون لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] (١) معنى يعتبر به عند هؤلاء. وإنما جرهم إلى ذلك هو أن أهل البدع سلكوا مع نصوص الشرع مسلك التأويل زعما منهم بأن هذه النصوص لا تفيد اليقين وأن أمر دينهم لا يستقيم إلا بتأويلهم فلأجل هذا ضعف اعتمادهم ويقينهم في الشرع في الوقت الذي حسنوا فيه الظن بآرائهم وعقولهم وأذواقهم (٢) .
قال ابن تيمية:
(والمقصود هنا أن السلف كان اعتصامهم بالقرآن والإيمان، فلما حدث في الأمة ما حدث من التفرق والاختلاف، صار أهل التفرق والاختلاف، عمدتهم في الباطن ليست على القرآن والإيمان، ولكن على أصول ابتدعها شيوخهم، عليها يعتمدون في التوحيد والصفات والقدر والإيمان بالرسول وغير ذلك، ثم ما ظنوا أنه يوافقها من القرآن احتجوا به، وما خالفها تأولوه، فلهذا تجدهم إذا احتجوا بالقرآن والحديث لم يعتنوا بتحرير دلالتهما، ولم يستقصوا
_________________
(١) سورة المائدة، آية (٣) .
(٢) انظر: الاعتصام، ١ / ١١١ - ١١٢.
[ ٢٩٢ ]
ما في القرآن من ذلك المعنى، إذ كان اعتمادهم في نفس الأمر على غير ذلك، والآيات التي تخالفهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيفما أمكن، ليس مقصوده أن يفهم مراد الرسول، بل أن يدفع منازعه عن الاحتجاج بها) (١) .
والذي يظهر لي والله أعلم أن المقصودين بذلك هم أهل الأهواء والفرق ممن كانت بدعهم أصولا تفرعت عنها غيرها. بخلاف أصحاب البدع الجزئية.
- الأمر الثاني: أن يكون المراد بعدم القبول لأعمالهم. ما ابتدعوه خاصة دون غيره، ويدل على ذلك قوله ﷺ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) .
فهذا الحديث يبين أن العمل المخالف للشرع مردود لكونه مخالفا، أما سائر الأعمال إن جاءت موافقة للشرع كانت أقرب إلى القبول. ولا يلزم من رد هذا العمل المبتدع رد سائر الأعمال التي تكون موافقة للشرع ما لم تكن البدعة بدعة شركية.
[خذلان المبتدع]
٢ - خذلان المبتدع: ويقصد بذلك: أن المبتدع تنزع منه العصمة ويوكل إلى نفسه، ويوضح هذا أن الله قد جعل فيما أنزله على نبيه من القرآن والسنة العصمة والنجاة، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١] (٣) . وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] (٤) وحبل الله هو القرآن والسنة والجماعة فأوجب الله في هذه الآية التمسك بكتابه وسنة نبيه ﷺ
_________________
(١) الفتاوى، ١٣ / ٥٨- ٥٩.
(٢) سبق تخريجه ص ٧٠.
(٣) سورة آل عمران، آية (١٠١) .
(٤) سورة آل عمران، آية (١٠٣) .
[ ٢٩٣ ]
والرجوع إليهما عند الاختلاف ولزوم جماعة المسلمين، فمن تمسك بذلك واعتصم به نجا ومن أعرض عنه هلك.
ولما كان المبتدع قد قدم هواه وبدعته على الشرع الذي ضمن الله العصمة في اتباعه كان جزاؤه أن تنزع العصمة منه ويوكل إلى نفسه (١) وهذا غاية الخذلان وسلم الحرمان إلا من يتداركه الله برحمته، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (٢) .
فهذه الفتنة في الدنيا وذلك العذاب الأليم في الآخرة جزاء لكل مخالف لأمر رسول الله ﷺ وهديه. والمبتدع قد خالف السنة برأيه وهواه، فكان جزاؤه جزاء المخالفين إلا أن يتوب. ولا تزال البدع والأهواء بأصحابها حتى توقعهم في المهالك وتوردهم المعاطب وتلقي بهم في أودية الشبهات والشهوات، وذلك جزاء وفاقا لهم لأنهم التمسوا الهدى في غير ما أنزله الله ولم يسلموا لله في خبره وأمره ونهيه.
فأهل الكلام منهم أكثر الناس شبها. ما فروا من شيء إلا وقعوا فيما هو أسوأ منه. وأهل الزهد والتصوف منهم أكثر الناس جهلا بمقاصد الشرع وأكثرهم اتباعا للهوى. وأهل التشيع والرفض من أقل الناس عقلا وأكذبهم في النقل. فعامتهم في خلط وتلبيس، ولأجل هذا نهى السلف أتباعهم عن الجلوس إلى المبتدعة أو مصاحبتهم حتى لا يفتتن بهم الناس ويكون في ذلك ردعا لأصحاب الأهواء والبدع.
فعن سفيان الثوري قال: (من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث: إما أن يكون فتنة لغيره، وإما أن يقع بقلبه شيء يزل به فيدخله النار، وإما أن يقول: والله لا أبالي ما تكلموا به، وإني واثق بنفسي. فمن يأمن بغير الله طرفة عين على دينه سلبه إياه) (٣) .
_________________
(١) انظر: الاعتصام، ١ / ١١٢ - ١١٣.
(٢) سورة النور، آية (٦٣) .
(٣) رواه عنه صاحب الاعتصام، ١ / ١٣٠.
[ ٢٩٤ ]
[البعد عن الله]
٣ - البعد عن الله: ومن آثار الابتداع: أن المبتدع كلما ازداد اجتهادا في بدعته ازداد من الله بعدا. ويبين هذا أن الله قد جعل ما شرعه من الواجبات والمستحبات وسيلة للتقرب إليه، وعلى قدر اجتهاد العبد في فعل الطاعات واجتناب المنهيات على قدر ما يكون قربه من ربه.
والمبتدع قد تعبد الله بما لم يشرعه من أنواع البدع التي نهى عنها الشرع، وهو يعتقد أنه يتقرب إلى الله بهذه البدع فكلما ازداد اجتهادا في بدعته كلما ازداد بعدا من الله. وذلك كمن يريد الذهاب إلى مكة فسلك في طريق معاكس. فكلما اجتهد في السير كلما ازداد بعدا عن مكة حتى ولو ظن أنه قد اقترب منها.
قال أيوب السختياني (١) .
(ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله بعدا) (٢) وفي الأحاديث الصحيحة عن الخوارج ما يؤيد ذلك، إذ كانوا أهل اجتهاد وعبادة وصلاة وصيام ومع ذلك مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية (٣) وما ذلك إلا بسبب بدعتهم.
[أن المبتدع يلقى عليه الذل في الدنيا والغضب من الله في الآخرة]
٤ - أن المبتدع يلقى عليه الذل في الدنيا والغضب من الله في الآخرة: ذلك أن الله قد جعل العزة له ولرسوله وللمؤمنين فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] (٤) وعلى قدر تمسك المسلم بدينه وعدم تعديه حدود الشريعة على قدر ما تكون له العزة. والمبتدع قد زاد في دينه أو نقص منه فتعدى
_________________
(١) هو أبو بكر أيوب بن أبي تميمة السختياني من أعلام التابعين رأى أنس بن مالك وروى عن عمرو بن سلمة الجرمي. قال عنه مالك كان من العاملين الخاشعين وقال: كتبت عنه لما رأيت من إجلاله للنبي ﷺ. انظر: تهذيب التهذيب، ١ / ٣٩٧.
(٢) رواه ابن وضاح في كتاب البدع والنهي عنها، ص ٢٧.
(٣) سبق تخريجه، ص ٢٩٥.
(٤) سورة المنافقون، آية (٨) .
[ ٢٩٥ ]
حدود ما شرعه الله، وهذا يوجب له الذل والغضب من الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] (١) .
وكل من ابتدع في دين الله فهو ذليل بحسب بدعته، وإن أظهر للناس خلاف ذلك. ويتأكد هذا حينما تكون السنة معلنة، وأهلها مستمسكين بها، داعين إليها، ذائدين عن حياضها. صابرين على الأذى في سبيلها.
ومن تأمل أحوال المبتدعة في الزمان الأول تحقق له ما كانوا عليه من ذلة وصغار حتى لجئوا إلى السلطان، ولاذوا بأهل الدنيا، ومن لم يستطع ذلك هرب واستخفى. أما في زماننا هذا فقد استأسد أهل البدع بسبب قلة العلم، وتشجيع الاستعمار لهم في حالة ضعف البلاد الإسلامية. وعدم مبالاة حكام المسلمين بإقامة شرع الله والذود عنه والدعوة إليه والالتزام به قولا وعملا إلا من رحم الله. لأجل هذا استعلن المبتدعة ببدعهم ولبّسوا على الناس دينهم وادعوا أنهم على الحق والحقيقة حتى إذا رفعت راية السنة وسرت في المسلمين روح الصحوة الإسلامية عادوا إلى التخفي والاستتار. فبحسب ظهور الحق يكون خفاؤهم، والعكس صحيح.
[تبرؤ الرسول ﷺ من المبتدعة]
٥ - تبرؤ الرسول ﷺ من المبتدعة: ومن آثار الابتداع وشؤمه على المبتدع أن رسول الله ﷺ قد تبرأ من الراغب عن سنته الحائد عن هديه، فقال: «ومن رغب عن سنتي فليس مني» (٢) .
والمبتدع قد رغب عن السنة ومال عنها إلى ما زينه له هواه وشيطانه من البدع. فهو داخل تحت هذا الوعيد. وقد تبرأ ابن عمر من القدرية حيث قال
_________________
(١) سورة النساء، آية (١١٥) .
(٢) سبق تخريجه، ص١٢٢.
[ ٢٩٦ ]
لمن سأله عنهم: (فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني) (١) .
[أن من ابتدع بدعة كان عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة]
٦ - أن من ابتدع بدعة كان عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة: قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] (٢) الآية.
وقال رسول الله ﷺ:. . «ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (٣) .
وقال: «ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها لأنه أول من سن القتل» (٤) وقال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» (٥) .
[عدم توفيق المبتدع للتوبة]
٧ - عدم توفيق المبتدع للتوبة: إن من شؤم البدعة على صاحبها أنه ليس له توبة بمعنى أنه قلما يتوب لأن الشيطان زين له بدعته فنظر إليها على أنها طاعة وقربة، ولم ينظر إليها على أنها معصية. ومن كانت هذه حاله فقل أن يتوب إلا من يتداركه الله برحمته. وعلى هذا المعنى تحمل الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب. من ذلك ما أخرجه
_________________
(١) سبق تخريجه، ص٢٩٥.
(٢) سورة النحل، آية (٢٥) .
(٣) سبق تخريجه، ص ٢٦٦.
(٤) سبق تخريجه، ص ٢٢٧.
(٥) صحيح مسلم. كتاب العلم. باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ٤ / ٢٠٦٠.
[ ٢٩٧ ]
ابن أبي عاصم بسنده عن أنس ﵁ قال. قال رسول الله ﷺ: «إن الله حجز- أو قال حجب- التوبة عن كل صاحب بدعة» (١) .
وأخرج أبو داود بسنده عن معاوية بن أبي سفيان قال: «ألا إن رسول الله ﷺ قام فينا فقال: " ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وأن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة» . زاد ابن يحيى وعمرو في حديثهما: «وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجاري بهم الأهواء كما يتجارى الكَلب لصاحبه»، وقال عمرو: «الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله» (٢) .
ففي هذا الحديث تشبيه الأهواء بداء الكلب الذي يصيب المريض فلا يترك فيه عرقا ولا مفصلا إلا ودخله ومن كان هذا حاله فقلما يبرأ من هذا المرض. وهكذا الأهواء إذا أشربها قلب صاحبها صارت كالداء المهلك الذي لا ينجو منه إلا القليل. ومن كانت هذه حاله فقل أن ينزع أو يتوب.
ولهذا قال سفيان الثوري: (إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها) (٣) .
ويفصل ابن تيمية هذا الكلام فيقول: (ومعنى قوله إن البدعة لا يتاب منها: أن المبتدع الذي يتخذ دينا لم يشرعه الله ولا رسوله، قد زُيِّن له سوء عمله فرآه حسنا فهو لا يتوب مادام يراه حسنا، لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيئ ليتوب منه، أو بأنه ترك حسنا مأمورا به أمر إيجاب أو استحباب ليتوب ويفعله، فما دام يرى فعله حسنا وهو سيئ في نفس الأمر فإنه لا يتوب) (٤) .
وقد روي عن بعض السلف آثار بهذا المعنى ولكنها محمولة على ما سبق
_________________
(١) كتاب السنة للحافظ أبي بكر عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة. محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ١ / ١٢. قال الشيخ الألباني: حديث صحيح بشواهده.
(٢) سبق تخريجه ص١٢١.
(٣) الفتاوى، ١٠ / ٩.
(٤) الفتاوى، ١٠ / ٩.
[ ٢٩٨ ]
بيانه. أما توبة المبتدع فهي جائزة الوقوع وممكنة، وذلك بأن يهديه الله ويرشده إلى الحق فإن تاب تاب الله عليه، لأن باب التوبة مفتوح لكل مذنب وعاص أو ضال. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] (١) وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] (٢) فهاتان الآيتان وغيرهما من آيات التوبة في القرآن تدلان دلالة واضحة على أن باب التوبة مفتوح لكل من أسرف على نفسه أو ظلم، إذا عاد وتاب واتبع الحق.
ولا شك أن المبتدع داخل ضمن المسرفين على أنفسهم والظالمين لها. فتشمله آيات التوبة، وقد ورد في السنة ما يؤكد ذلك وهو شمول التوبة.
فقد أخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه» (٣) إلى غير ذلك من الأحاديث، ومن هنا يتبين لنا أن توبة المبتدع جائزة وممكنة وأن باب التوبة مفتوح.
وقد رجع كثير من المبتدعة عن بدعهم واتبعوا السنة فهداهم الله، وناقش ابن عباس الخوارج فرجع منهم عدد كبير.
على أنه ينبغي لنا أن نلاحظ أن هناك فرقا بين الرءوس والأتباع، وبين الداعي إلى البدعة والمقلد فليسوا في تيسير التوبة سواء. وذلك بحسب تمكن البدعة من القلب. ومع ذلك فمن تاب منهم تاب الله عليه. ولكن كيف تكون توبة المبتدع؟
إنما تتحقق توبة المبتدع باتباع السنة علما وعملا واعتقادا والوقوف عندها، ولا يكتفي منه بذلك حتى يبين فساد ما كان عليه من البدعة بحاله ومقاله، إذ
_________________
(١) سورة الزمر، آية (٥٣) .
(٢) سورة الرعد، آية (٦) .
(٣) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه، ٤ / ٢٠٧٦.
[ ٢٩٩ ]
التوبة من ذنب تكون بفعل ضده. . وقد شرط الله تعالى في توبة الكاتمين لما أنزله من البينات والهدى- بيان ما كتموه وإصلاح ما أفسدوه لأن ذنبهم لما كان بالكتمان، كانت توبتهم منه بالبيان.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠] (١) .
وذنب المبتدع غير ذنب الكاتم لأن هذا كتم الحق، وذاك كتمه ودعا إلى خلافه، إذا فلا بد للمبتدع أولا أن يعلم أن ما يفعله بدعة، وأن عليه أن يعلم المسنة ويعمل بها، ثم عليه أن يبين للناس فساد ما كان عليه من بدعة حسب الاستطاعة. وأن يستقيم على ملازمة السنة ومتابعة الرسول ﷺ وهديه حتى تزول عنه حجب البدعة وتشرق عليه شمس السنة (٢) .
يقول ابن القيم:
(فإن السنة -بالذات- تمحق البدعة ولا تقوم لها وإذا طلعت شمسها في قلب العبد قطعت من قلبه ضباب كل بدعة، وأزالت ظلمة كل ضلالة إذ لا سلطان للظلمة مع سلطان الشمس. ولا يرى العبد الفرق بين السنة والبدعة، ويعينه على الخروج من ظلمتها إلى نور السنة، إلا المتابعة، والهجرة بقلبه كل وقت إلى الله، بالاستعانة والإخلاص، وصدق اللجأ إلى الله. والهجرة إلى رسوله بالحرص على الوصول إلى أقواله وأعماله وهديه وسنته، «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» ومن هاجر إلى غير ذلك فهو حظه ونصيبه في الدنيا والآخرة والله المستعان) (٣) .
_________________
(١) سورة البقرة، آية (١٥٩ - ١٦٠) .
(٢) انظر: مدارج السالكين، ١ / ٣٦٣.
(٣) مدارج السالكين، ١ / ٣٧٤.
[ ٣٠٠ ]
[الخوف على المبتدع من سوء الخاتمة]
٨ - الخوف على المبتدع من سوء الخاتمة: إن من شؤم البدعة أنه يخاف على صاحبها من سوء الخاتمة، وسوء الخاتمة- والعياذ بالله- هو أن يعتري الإنسان عند الموت شك أو جحود أو اعتراض على الله. فيسخط العبد حينئذ لقاء الله فيسخط الله لقاءه، ويختم للعبد حينئذ بما يوجب له دخول النار إما فترة وإما خلودا فيها.
وسبب ذلك مرض في قلبه وخلل في أمره وإن بدا للناس غير ذلك. وفي البخاري بسنده عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ ما يوضح ذلك حيث قال: «التقى النبي ﷺ والمشركون في بعض مغازيه فاقتتلوا، فمال كل قوم إلى عسكرهم، وفي المسلمين رجلا لا يدع شاذة، ولا فاذة إلا أتبعها فضربها بسيفه، فقيل يا رسول الله، ما أجزأ أحد ما أجزأ فلان فقال إنه من أهل النار. فقالوا. أيّنا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟ فقال رجل من القوم لأتبعنه، فإذا أسرع وأبطأ كنت معه حتى جرح فاستعجل الموت، فوضع نصاب السيف بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فجاء الرجل إلى النبي ﷺ فقال: أشهد أنك رسول الله. فقال: وما ذاك؟ فأخبره. فقال: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وأنه من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة» (١) .
وروى الإمام أحمد بسنده عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا عليكم أن تعجبوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له فإن العامل يعمل زمانا من دهره أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملا سيئا، وإن العبد ليعمل البرهة من دهره بعمل سيئ لو مات عليه دخل النار، ثم يتحول فيعمل عملا صالحا، وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله قبل موته، قالوا: يا رسول الله. وكيف يستعمله؟ قال يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه» (٢) .
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ٥ / ١٧٠.
(٢) رواه أحمد في المسند، ٣ / ١٢٠، وصححه الألباني وقال: إسناد صحيح على شرط الشيخين. انظر: السلسلة الصحيحة، ٣ / ٣٢٣.
[ ٣٠١ ]
فهذان الحديثان- وما في معناهما- يدلان على أن أمر العبد موقوف على خاتمته والتي لا يعلمها إلا الله. لأجل هذا عظم خوف الصالحين من سوء الخاتمة، وجرت دموعهم مغزارة، خوفا من أن تزل قلوبهم ساعة الاحتضار فيختم لهم بسوء أو أن تنقلب أحوالهم بعد الطاعة عصيانا فيموتون على ذلك إن لم يتداركهم الله بتثبيته.
فهذا الذي جعلهم يخافون لعلمهم أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن فمن شاء أقامه ومن شاء أزاغه. فكانوا في كل وقت وحين يسألون الله التثبيت والثبات على الإيمان وحسن الخاتمة. ونسأل الله ذلك بمنه وكرمه.
وبعد. . فإن لسوء الخاتمة أسبابا تتقدم عليها منها الشرك أو النفاق أو التعلق بغير الله أو الكبر وما شاكله من الصفات المذمومة، أو البدعة وهي المقصودة بالذكر وصاحبها على خطر، وقل أن يختم لمبتدع بالسلامة إلا أن يتداركه الله برحمته (١) وإنما خيف على المبتدع سوء الخاتمة، لأن حال الموت حال انكشاف للحقائق فربما انكشف له حينئذ عوار بدعته وضلال ما كان عليه فيخيل له الشيطان حينئذ أن دينه كله ضلال. فيعتريه الشك حينئذ أو الجحود بالدين الحق فيختم له بما سبق عليه الكتاب.
ولهذا نجد رءوس أهل الأهواء والبدع يصرحون عند الموت بضلال ما كانوا فيه. . وتتقطع قلوبهم أسى وحسرة على ضياع أعمارهم فيما ظهر لهم ضلاله (٢) .
وحينئذ لا ينجي إلا التثبيت من الله ولا نجاة بدونه. فنسألك اللهم الثبات على الإيمان حتى نلقاك عليه.
_________________
(١) انظر: إحياء علوم الدين. الغزالي، ٤ / ٢١٤ - ٢٢٤، ط مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر.
(٢) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص ٢٢٧- ٢٣٠.
[ ٣٠٢ ]
قال أبو محمد عبد الحق الإشبيلي (١) .
(واعلم أن سوء الخاتمة- أعاذنا الله منها- لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، وإنما تكون لمن كان له فساد في العقل، أو إصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم. فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة ويثبت قبل الإنابة، فيصطلمه (٢) الشيطان عند تلك الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة، والعياذ بالله ثم العياذ بالله، أو يكون ممن كان مستقيما، ثم يتغير عن حاله ويخرج عن سننه، ويأخذ في طريقه، فيكون ذلك سببا لسوء خاتمته وشؤم عاقبته والعياذ بالله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١] (٣» (٤) .
[الطرد عن حوض النبي ﷺ]
٩ - الطرد عن حوض النبي ﷺ: إن من شؤم البدعة على صاحبها أنه يطرد عن حوض النبي ﷺ ذلك أن الورود على الحوض إنما هو كرامة من الله لكل مسلم اتبع السنة ولقي الله عليها. والمبتدع لما خالف السنة بهواه وأحدث في الدين ما ليس منه كان من المحجوبين المطرودين عن الحوض، كما أن صاحب البدعة على إطلاقه ممن يخاف عليه ذلك.
فقد أخرج مسلم بسنده عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليردن على الحوض رجال ممن صاحبني. حتى إذا رأيتهم ورفعوا إليّ،
_________________
(١) هو أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الأزدي الأشبيلي المالكي (٥١٠- ٥٨١هـ) . فقيه. لغوى. محدث. من تصانيفه: الأحكام الشرعية الكبرى والوسطى والصغرى، الجمع بين الصحيحين، الوافي في اللغة. الزهد. انظر: سير أعلام النبلاء، ٢١ / ١٩٨ - ٢٠٢. معجم المؤلفين، ٤ / ٩٢.
(٢) الاصطلام- بمعنى - الاختطاف والانتزاع.
(٣) سورة الرعد، آية (١١) .
(٤) العاقبة في ذكر الموت والآخرة. لأبي محمد عبد الحق الأشبيلي، تحقيق الشيخ خضر محمد خضر، ط ١، مكتبة دار الأقصى الكويت، ١٤٠٦ هـ، ص ١٨٠- ١٨١.
[ ٣٠٣ ]
اختلجوا (١) دوني. فلأقولن: أي رب أصيحابي. أصيحابي. فليقالنّ لي إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك» (٢) وأخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين. وإنا إن شاء الله، بكم لاحقون. وددت أنا قد رأينا إخواننا. قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال " أنتم أصحابي. وإخواننا الذين لم يأتوا بعد " فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال " أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة. بين ظهري خيل دهم بهم (٣) ألا يعرف خيله؟ قالوا بلى يا رسول الله! قال " فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء. وأنا فرطهم (٤) على الحوض. ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال. أناديهم ألا هلم! فيقال " إنهم قد بدلوا بعدك. فأقول: سحقا (٥) سحقا» (٦) .
قال النووي:
(هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال:
- أحدها: أن المراد به المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل فيناديهم النبي ﷺ للسيماء التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء ما وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا بعدك، أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.
- والثاني: أن المراد من كان في زمن النبي ﷺ ثم ارتد بعده فيناديهم
_________________
(١) اختلجوا: اقتطعوا وانتزعوا.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفات، ٤ / ١٨٠٠. .
(٣) دهم بهم: أي سود لم يخالط لونها لون آخر.
(٤) الفرط: هو الذي يتقدم القوم وبسبقهم ليرتاد لهم الماء ويهيئ لهم الدلاء والأرشية.
(٥) سحقا سحقا: أي بعدا بعدا. وهذا دعاء عليم بالطرد والإبعاد.
(٦) صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل، ١ / ٢١٨. ورواه مالك بنحوه، كتاب الطهارة، باب جامع الوضوء، ١ / ٢٨.
[ ٣٠٤ ]
النبي ﷺ وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء، لما كان يعرفه ﷺ في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك.
- والثالث: أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام.
وعلى هذا القول لا يقطع لهؤلاء الذين يذادون بالنار، بل يجوز أن يذادوا عقوبة لهم، ثم يرحمهم الله ﷾ فيدخلهم الجنة بغير عذاب.
قال أصحاب هذا القول: (ولا يمتنع أن يكون لهم غرة وتحجيل، ويحتمل أن يكون كانوا في زمن النبي ﷺ وبعده لكن عرفهم بالسيما) (١) . .
وقال ابن عبد البر (٢) .
:
(كل من أحدث في الدين ما لا يرضاه الله فهو من المطرودين عن الحوض وأشدهم من خالف جماعة المسلمين كالخوارج والروافض وأصحاب الأهواء، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق، والمعلنون بالكبائر، فكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر) (٣) .
[آثار البدع على الدين]
[إماتة السنن]
آثار البدع على الدين: كما أن للبدعة آثارًا سيئة على المبتدع، فإن لها آثارا سيئة على الدين نفسه. وكيف لا؟ والمبتدع إنما أضافها إلى الدين ونسبها إليه فزاد في دينه أو نقص منه بسبب بدعته، وهذه الآثار كثيرة منها:
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي، ٣ / ١٣٦ - ١٣٧.
(٢) هو أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي، (٣٦٨ - ٤٦٤هـ) . إمام الأندلس وعالمها - من كبار حفاظ الحديث. فقيه. أديب. من تصانيفه: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، الكافي في الفقه المالكي، شرح مذاهب علماء الأمصار، جامع بيان العلم وفضله وغيرها. انظر: نفح الطيب، ٤ / ٢٩ - ٣١، والأعلام، ٨ / ٢٤٠.
(٣) شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، المكتبة التجارة الكبري - مصر، ١٩٥٩م، ١ / ٦٥.
[ ٣٠٥ ]
١ - إماتة السنن: إن من أعظم آثار البدعة على الدين هو إماتة السنة وذلك لأن البدع رافعة لما يقابلها من السنن، وما قامت بدعة إلا على نقض سنة وتركها فتحيا- بسبب ذلك- البدعة وتموت السنة. ويصير المعروف منكرا والمنكر معروفا. حتى إذا عمت البدع وانتشرت صارت السنة وأهلها غرباء لا تجد منهم إلا الأفراد.
ولأجل هذا اشتد تحذير الصحابة والتابعين لهم بإحسان من البدع لعظم خطرها وكثرة شرورها. فعن ابن عباس ﵄ قال: (ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة حتى تحيا البدع وتموت السنن) (١) .
وعن حسان بن عطية المحاربي (٢) .
قال: (ما أحدث قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لم يعدها إليهم إلى يوم القيامة) (٣) .
وقد حاصر السلف أهل الأهواء والبدع، وقعدوا لهم كل مرصد وكشفوا أسرارهم، وهتكوا أستارهم، ونهوا الناس عن مجالستهم أو توقيرهم، واستعانوا عليهم بإظهار السنة والصبر عليها مهما كان إيذاء أهل البدع لهم. فرحم الله بهم الأمة وكشف بهم الغمة وأعلى بهم منار الدين، فكانوا هم الطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة. ثم دار الزمان دورته فصار أهل السنة غرباء بين أهل البدع، كما قال رسول الله ﷺ «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء» (٤) .
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ١٠ / ٣١٩. قال الهيثمي: رجاله موثوقون. مجمع الزوائد، ١ / ١٨٨.
(٢) هو أبو بكر حسان بن عطية المحاربي مولاهم الدمشقي. من التابعين حدث عن أبي أمامة الباهلي وسعيد بن المسيب وغيرهما، وعنه الأوزاعي وحفص بن غيلان وغيرهما. انظر: سير أعلام النبلاء، ٥ / ٤٦٦، وتهذيب التهذيب، ٢ / ٢٥١.
(٣) أخرجه الدارمي في المقدمة، باب اتباع السنة، ١ / ٤٥، وسنده صحيح. انظر: مشكاة المصابيح، ١ / ٦٦.
(٤) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب رفع الأمانة من بعض القلوب، ١ / ١٣٠.
[ ٣٠٦ ]
على أن الأمر لم يقف عند إحياء البدعة وإماتة السنة بل تعدى ذلك إلى بغض السنة وأهلها والوقيعة فيهم.
يقول ابن تيمية:
(ومن المعلوم أنك لا تجد أحدًا ممن يرد نصوص الكتاب والسنة بقوله إلا وهو يبغض ما خالف قوله، ويود أن تلك الآية لم تكن نزلت، وأن ذلك الحديث لم يرد، لو أمكنه كشط ذلك من المصحف لفعله) (١) .
ولا تقف خطورة البدع عن حد. إذ ينتهي الأمر بالمبتدعة إلى تغيير معالم الدين بوضع الرسوم، وحد الحدود، وتقعيد الأصول على الرأي والهوى. حتى تغدو وكأنها دين آخر مخترع. ويتأكد هذا في طوائف المبتدعة إذ لكل طائفة نهجها في الأخذ والتلقي، والقبول والرد، والولاء والبراء، ولها موازينها واصطلاحاتها، وكأنما هي شريعة مستقلة.
[هجران الدين]
٢ - هجران الدين: وأعني به هجر الكتاب والسنة وما يتبعهما من العلم النافع والعمل الصالح، ويبين هذا أن كل طائفة هجرت من النصوص ما يخالفها وسلكت لذلك مسلك التأويل والرد وربما تعدى ذلك إلى التكذيب بما جاءت به النصوص.
فغدت بذلك نصوص الشرع معطلة مهجورة من جوانب عديدة:
- عدم التماس الهدى والعلم واليقين منها.
- عدم التحاكم إليها عند النزاع وتحكيمها والتسليم لها.
- عدم الاستشفاء بما فيها من الشفاء لأمراض القلوب وجماعها الشبهات والشهوات.
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، تحقيق د. محمد رشاد سالم، من مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض ١٤٠٣ هـ، ٥ / ٢١٧.
[ ٣٠٧ ]
ثم إن انتشار البدع بين صفوف المسلمين سبب لحرمان أكثرهم من معرفة الحق والهدى، وحرمانهم من التعبد لله بالعبادات الشرعية التي علق الله على وقوعها الثواب والسعادة في الدنيا والآخرة. فنقل المبتدعة أتباعهم من الهدى إلى الضلال ومن الحق إلى الباطل، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
[آثارها على المجتمع]
[التفرق والاختلاف]
آثارها على المجتمع:
١ - التفرق والاختلاف: كما أن للبدع آثارا سيئة على الدين فإن لها آثارا على المجتمع المسلم، وذلك يتمثل في أمور منها: الاختلاف والفرقة وما ينتج عنهما من العداوة والبغضاء. وقد نهى الله عن التفرق والاختلاف في آيات كثيرة من كتابه العزيز فقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] (١) . وقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (٢) وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] (٣) . وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ - مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢] (٤) . .
ويوضح ذلك أن كل مبتدع يريد أن ينصر بدعته وأن يدعو لها وأن يكثر سواد أهلها، ولا يتم له ذلك إلا بمخالفة السنة وأهلها والوقيعة فيهم والعداوة والبغض لهم، وكما قيل: علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر. وباستعراض تاريخ الإسلام نجد أن أهل الأهواء والبدع كانوا من أكبر أسباب تفرق المسلمين إلى شيع وأحزاب. فأول من فارق جماعة المسلمين أهل البدع من الخوارج ثم تبعهم المبتدعة على ذلك، وليس الأمر قاصرا على ذلك بل ربما تعداه إلى حمل السيف على أهل السنة كما فعل الخوارج وغيرهم.
_________________
(١) سورة آل عمران، آية (١٠٥) .
(٢) سورة الأنعام، آية (١٥٣) .
(٣) سورة الأنعام، آية (١٥٩) .
(٤) سورة الروم، آية (٣١، ٣٢) .
[ ٣٠٨ ]
فإن لم يستطيعوا ذلك تقربوا إلى الملوك واستعملوا حيلهم في الوقيعة بأهل السنة وإلحاق الأذى بهم، وها هم المعتزلة ومن لف لفهم يسلكون هذا الطريق ولكن هيهات " فقد قال النبي ﷺ «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (١) . ولا يزال أهل الإسلام من المبتدعة في شر. فكم حاولوا تشويه الحقائق وتلبيس الدين على الناس وكم تحالفوا مع أعداء الله من شياطين الإنس والجن حتى ينشروا بدعهم ولو على حساب السنة. وفي التاريخ الحديث رأينا كيف شجع الاستعمار الصوفية حتى أماتت لدى المسلمين روح العزة والجهاد.
[الفتن والمحن]
٢ - الفتن والمحن: ومن عواقب الابتداع الوخيمة أنه ما ترك الناس السنة وأقبلوا على البدع إلا وضربهم الله بالبلاء والفتن وجعل بأسهم بينهم شديدا وسلط عليهم أعداءهم جزاء لتركهم سنة نبيهم وإعراضهم عن هديه والتمسك به. قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] (٢) ويكفي بلاء أن أعداء الإسلام استغلوا أهل البدع في تعويق الدعوة إلى الإسلام، والصحوة الإسلامية، بضرب المسلمين بعضهم ببعض.
كيفية مقاومة البدع: لا شك أن البدع، مرض خطير يهدد الأمة الإسلامية منذ قرون. وقد ذاقت الأمة بسببه أنواعا من البلاء والفتن. وبقدر انتشار البدع بقدر ما يكون العناء والنصب. فلا بد إذا- والحالة هذه- من مقاومة البدع ما أمكن لإنقاذ من أراد الله هدايته من السقوط في مهاوي البدع والضلالات. ويتأتى ذلك بعدة أمور:
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين، ٣ / ١٥٢٣.
(٢) سورة الأنعام، آية (٦٥) .
[ ٣٠٩ ]
معرفة حقيقة البدعة وخطرها حتى نحدد أبعادها.
معرفة واقع البدعة وتاريخها في كل مجتمع إسلامي وعلى ذلك تتم الدعوة إلى السنة.
نشر السنة علما وتعلما وتطبيقا وسلوكا. فإن البدع ما ظهرت إلا بخفاء السنة على الناس وغياب نورها عنهم، وجهل الناس بآثار النبوة. وعلاج ذلك هو إظهارها تعليما وتطبيقا.
الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وهذا الأمر سبب مهم في انفتاح قلوب الناس للنور والهدى. فالداعية الحكيم هو الذي يستطيع- بتوفيق الله ﷿- امتلاك زمام القلوب. بحسن بيانه، وجميل تصرفه، وكريم سجاياه. فكم اهتدى فئام من الناس على يد دعاة موفقين. وكم صد عن الحق كثير ممن يدعو إليه إذا لم يرزق التوفيق والحكمة، فالأمر يحتاج إلى معالجة حكيمة أشبه ما تكون بمعالجة الطبيب الناصح للمريض وقد أعضله الداء.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا الأمر تابع لما قبله إلا أنه يتميز بالحسم في أكثر الأحيان ممن بيده سلطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهم أولو الأمر. العلماء والأمراء. فإذا كانوا على غيرة لهذا الدين دفاعًا عنه من تحريف الغالين وتأويل المبطلين وانتحال الجاهلين قلّت البدع. وإذا أداروا ظهورهم للإسلام وكأن الأمر لا يعنيهم انتشرت البدع، والمستقرئ للتاريخ الإسلامي يرى أن البدع يكثر انتشارها والمجاهرة بها حينما ينفصل السلطان عن القرآن. وينشغل أولو الأمر بالصراع على حطام الدنيا، فيجد أهل البدع فرصتهم السانحة في نشر بدعهم. وهذا يفسر لنا سر انتشار البدع كلما امتد الزمان بهذه الأمة.
فما لم يقم المسلمون عامة وأولو الأمر خاصة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فسوف تنتشر البدع بآثارها الوبيلة. ويدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمور منها:
[ ٣١٠ ]
تتبع الملاحدة والمرتدين ومحاولة معرفة تحركاتهم.
إقامة حد الردة على من ثبت بالدليل كفره، ومروقه، وزندقته.
منع وصول كتب الزنادقة والغلاة كابن عربي وأمثاله إلى الناس حتى لا يضل بها من لا يعرف حقيقة مذهبهم.
أمر الدعاة بتبيين أوجه ضلال هؤلاء الضالين وتحذير الناس من بدعهم.
إتاحة الفرصة لدعاة الخير لتوجيه الناس وإرشادهم وإعانتهم على أمورهم.
توجيه مناهج التعليم إلى ضرورة معرفة طلبة العلم بهذه البدع وأخطارها.
هذه بعض وسائل مقاومة البدع حسب رأيي والله أعلم.
[ ٣١١ ]