ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: محبة أهل السنة والجماعة للصحابة.
المبحث الثاني: التمشي مع مقتضيات النصوص في ترتيب منازل الصحابة وإثبات فضائلهم.
المبحث الثالث: وجوب الإمساك عما شجر بين الصحابة.
[ ٩ ]
المبحث الأول: محبة أهل السنة والجماعة للصحابة جميعًا
[ ١٠ ]
المبحث الأول: محبة أهل السنة والجماعة للصحابة جميعًا
من أصول أهل السنة والجماعة: محبة أصحاب النبي ﷺ جميعهم، وموالاتهم والترضي عليهم، والاستغفار والدعاء لهم، واعتقاد تفضيلهم على كل من جاء من بعدهم من الأمة، وبراءتهم مِنْ كل مَنْ ينحرف عنهم أو يطعن فيهم أو ينتقصهم من الروافض والنواصب.
وإنما يقرر أهل السنة هذا الأصل -وهو محبة أصحاب النبي ﷺ لما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة من وجوب محبتهم وتوليهم.
قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١].
روى الإمام أحمد عن معاذ بن أنس الجهني ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أعطى لله تعالى ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، وأنكح لله؛ فقد استكمل الإيمان» (^١).
ومن المعلوم أن محبة أصحاب النبي ﷺ وتوليهم داخلة تحت عموم الأمر بوجوب موالاة المؤمنين، بل هي مقدمة على محبة غيرهم؛ لسابق فضلهم وعلو منزلتهم في الدين، وما اختصهم الله تعالى به من صحبة نبيه ﷺ.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢٤/ ٣٩٩) ح (١٥٦٣٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٧٨) (ح ٢٦٩٤)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
[ ١١ ]
وقد نص النبي ﷺ على وجوب محبتهم في أكثر من حديث، وأخبر أن محبتهم من علامات الإيمان؛ كما أن بغضهم من علامات النفاق.
روى الشيخان من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «آية الإيمان: حب الأنصار، وآية النفاق: بغض الأنصار» (^١).
وفي الصحيحين أيضًا من حديث البراء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمنٌ، ولا يبغضهم إلا منافقٌ، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» (^٢).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يبغض الأنصار رجلٌ يؤمن بالله واليوم الآخر» (^٣).
وفيه عن علي ﵁ أنه قال: «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إليَّ ألا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافقٌ» (^٤).
فلهذه النصوص وغيرها مما جاء في معناها أحب أهل السنة والجماعة أصحاب النبي ﷺ ولم يفرقوا بين أحد منهم، ونصوا على ذلك في أقوالهم وكتبهم.
وقد اشتهرت أقوال السلف في الحث على محبة الصحابة وتوليهم.
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ١١٣) ح (٣٧٨٤)، وصحيح مسلم (١/ ٨٥) ح (٧٤).
(٢) صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ١١٣) ح (٣٧٨٣)، وصحيح مسلم (١/ ٨٥) ح (٧٥).
(٣) صحيح مسلم (١/ ٨٦) ح (٧٦).
(٤) صحيح مسلم (١/ ٨٦) ح (٧٨).
[ ١٢ ]
منها: ما ذكره الإمام اللالكائي في أبوابٍ مستقلة أفردها لما روي عن السلف من الآثار في الحث على محبة الصحابة، وذلك في كتابه: «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة».
ومن ذلك: ما رواه عن قبيصة بن عقبة أنه قال: «حب أصحاب النبي ﷺ كلهم سنة» (^١).
وقيل للحسن: حب أبي بكر وعمر سنة؟ قال: «لا، فريضة» (^٢).
وعن مسروق قال: «حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة» (^٣).
وقال أيوب السختياني: «من أحب أبا بكر الصديق فقد أقام الدين، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الدين، ومن أحب علي بن أبي طالب فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال الحسنى في أصحاب محمد ﷺ؛ فقد برئ من النفاق» (^٤).
وعن بشر بن الحارث يقول: «قلت لمالك بن مغول: أوصني.
قال: أوصيك بحب الشيخين: أبي بكر وعمر.
قلت: أوصني.
قال: أوصيك بحب الشيخين: أبي بكر وعمر.
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٧/ ١٢٤٠).
(٢) المصدر السابق (٧/ ١٢٣٩).
(٣) المصدر السابق (٧/ ١٢٣٩).
(٤) المصدر السابق (٧/ ١٢٤٣).
[ ١٣ ]
قلت: إن الله أعطى من ذلك خيرًا كثيرًا؟
قال: أي لكع، والله إني لأرجو لك على حبهما ما أرجو لك على التوحيد» (^١).
وقال الإمام الطحاوي: «ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ولا نفرط في حب أحدٍ منهم، ولا نتبرأ من أحدٍ منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دينٌ وإيمانٌ وإحسانٌ، وبغضهم كفرٌ ونفاقٌ وطغيانٌ» (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والسنة محبة عثمان وعلي جميعًا، وتقديم أبي بكر وعمر عليهما؛ ﵃» (^٣).
وقال ﵀ مُبينًا ضابط المحبة الصحيحة التي عليها أهل السنة والجماعة: «والمحبة الصحيحة: أن يحب العبد ذلك المحبوب على ما هو عليه في نفس الأمر، فلو اعتقد رجلٌ في بعض الصالحين أنه نبي من الأنبياء، أو أنه من السابقين الأولين فأحبه؛ لكان قد أحب ما لا حقيقة له؛ لأنه أحب ذلك الشخص بناءً على أنه موصوفٌ بتلك الصفة وهي باطلةٌ، فقد أحب معدومًا لا موجودًا، كمن تزوج امرأة توهم أنها عظيمة المال والجمال والدين والحسب؛ فأحبها، ثم تبين له أنها دون ما ظنه بكثيرٍ؛ فلا ريب أن حبه ينقص بحسب نقص اعتقاده؛ إذ الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها.
_________________
(١) المصدر السابق (٧/ ١٢٤٥).
(٢) العقيدة الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز (ص ٦٨٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٨).
[ ١٤ ]
إلى أن قال: وهكذا من أحب الصحابة والتابعين والصالحين معتقدًا فيهم الباطل كانت محبته لذلك الباطل باطلةٌ، ومحبة الرافضة لعلي ﵁ من هذا الباب؛ فإنهم يحبون ما لم يوجد وهو الإمام المعصوم المنصوص على إمامته الذي لا إمام بعد النبي ﷺ إلا هو، الذي كان يعتقد أن أبا بكر وعمر ﵄ ظالمان معتديان، أو كافران.
فإذا تبين لهم يوم القيامة أن عليًّا لم يكن أفضل من واحدٍ من هؤلاء، إنما غايته أن يكون قريبًا من أحدهم، وأنه كان مقرًّا بإمامتهم وفضلهم، ولم يكن معصومًا لا هو ولا هم، ولا كان منصوصًا على إمامته؛ تبين لهم أنهم لم يكونوا يحبون عليًّا، بل هم من أعظم الناس بغضًا لعلي ﵁ في الحقيقة» (^١).
وينبغي أن يعلم أن من لوازم المحبة الصادقة لصحابة النبي ﷺ التي كان عليها السلف الصالح:
١ - الدعاء لهم والترحم عليهم، كما قال تعالى بعد ثنائه على المهاجرين والأنصار في سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
٢ - نشر فضائلهم بين الناس والكف عن ذكر ما فيه انتقاص لهم.
قال الإمام أبو نعيم في الإمامة: «فالإمساك عن ذكر أصحاب رسول الله ﷺ وذكر زللهم ونشر محاسنهم ومناقبهم وصرف أمورهم إلى أجمل الوجوه
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٤/ ٢٩٣ - ٢٩٦).
[ ١٥ ]
من أمارات المؤمنين المتبعين لهم بإحسان» (^١).
٣ - تربية الأطفال على احترامهم وحبهم وإنزالهم منازلهم دون إفراطٍ أو تفريطٍ، كما كان عليه سلفنا الصالح.
فقد روى اللالكائي عن الإمام مالك أنه قال: «كان السلف يُعلِّمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السورة من القرآن» (^٢).
وإن مما يقوي محبة أصحاب النبي ﷺ في القلب: ما ينتج عن محبتهم من ثمرة صحبتهم يوم القيامة والحشر في زمرتهم ورفقتهم في الجنة؛ كما أخبر النبي ﷺ فيما روى البخاري عنه أنه قال: «المرء مع من أحب» (^٣).
وفي رواية: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف تقول في رجلٍ أحب قومًا ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله: «المرء مع من أحب» (^٤).
_________________
(١) الإمامة والرد على الرافضة (ص ٣٧٣).
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٧/ ١٢٤٠).
(٣) صحيح البخاري مع فتح الباري (١٠/ ٥٥٧) (ح ٦١٦٨).
(٤) صحيح البخاري مع فتح الباري (١٠/ ٥٥٧) (ح ٦١٦٩).
[ ١٦ ]
المبحث الثاني
التمشي مع مقتضيات النصوص في ترتيب منازل الصحابة وإثبات فضائلهم
[ ١٧ ]
المبحث الثاني:
التمشي مع مقتضيات النصوص في ترتيب منازل الصحابة وإثبات فضائلهم
منهج أهل السنة والجماعة في كل ما يقررونه من أصول يقوم على ما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة، والوقوف عندها، والأخذ بمقتضاها بناء على فهم الصحابة -رضوان الله عليهم- لها، ومن تبعهم من سلف الأمة الصالح، الذين أنار الله تعالى بصائرهم وهداهم للتمسك بكتاب ربهم وسنة نبيهم.
ومن تلك الأصول: موقفهم من فضائل الصحابة وترتيبهم في الفضل؛ فهم يقفون عند النصوص في هذا الأصل العظيم والذي ضل فيه الكثيرون ممن خالفوا منهجهم.
وقد سبق ذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في أن الحب الصحيح لصحابة النبي ﷺ والذي عليه أهل السنة والجماعة- هو حبهم بناءً على ما هم عليه، وكذلك إثبات فضائلهم ومنازلهم يتطلب معرفة ما هم عليه في الحقيقة من إيمانٍ وتقوى، وإذا كانت حقائق هذه الأمور لا تُعلم على ما هي عليه إلا من الله تعالى، الذي اختص بعلم سرائر القلوب وتفاضل القلوب في التقوى والإيمان، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن: ٤].
وقال: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣].
[ ١٩ ]
لذا توقف سلف الأمة في هذه الأمور عند النصوص ولم يتجاوزوها إلى غيرها؛ فسلموا بفضل الله وتوفيقه مما وقع فيه أهل الضلال في هذا الباب من انحراف عن الحق.
وفيما يلي بيان مراتب الصحابة في الفضل عند أهل السنة والجماعة بناءً على ما دلت عليه النصوص:
فأفضل الصحابة على الإطلاق: أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين-.
ثم يأتي بعدهم في الفضل: من بقي من أصحاب الشورى، ثم مَنْ بقي مِنَ العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدرٍ من المهاجرين، ثم أهل بدر من الأنصار، ثم مَنْ هاجر مِنْ قبل الفتح وقاتل أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعدُ وقاتلوا، وكلًّا وعد الله الحسنى (^١).
أما تفضيلهم أبا بكر ثم عمر؛ فلقول النبي ﷺ: «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر» (^٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولم يجعل هذا لغيرهما» (^٣).
_________________
(١) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (ص ١٥٩، ١٦٧)، وشرح السنة للبربهاري (ص ٧٥، ٧٦)، وكتاب الاعتقاد لابن أبي يعلى (ص ٤٢، ٤٣)، وشرح النووي على صحيح مسلم (١٥/ ١٤٨)، والباعث الحثيث لابن كثير (ص ١٥٥، ١٥٦).
(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ٦٠٩) ح (٣٦٦٢)، وابن ماجه (١/ ٣٧) ح (٩٧)، وأحمد في المسند (٣٨/ ٢٨٠) ح (٢٣٢٤٥)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (٣/ ٧٩) ح (٤٤٥١)، وقال محققو المسند: حديث حسن بطرقه وشواهده.
(٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٩٩).
[ ٢٠ ]
وقال: «وخص أبا بكر وعمر بالاقتداء بهما» (^١).
وعن النبي ﷺ أنه كان في سفرٍ فقال في أمر الناس: «إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا» (^٢).
كما أجمعت الأمة على تقديمهما لما ثبت لهما من الفضائل الكثيرة التي شهد لهما بها النبي ﷺ والصحابة من بعده.
قال شيخ الإسلام: «وقد اتفق أهل السنة والجماعة على ما تواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، ثم عمر ﵄» (^٣).
وأما تفضيلهم أبا بكر؛ فلما اختص به من الفضائل التي لم يشاركه فيها غيره، منها: ما أخرج الشيخان من حديث عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ بعثه على جيشِ ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة». فقلت: من الرجال؟ قال: «أبوها». قلت: ثم مَن؟ قال: «عمر ابن الخطاب»، فعدَّ رجالًا» (^٤).
وقال ﷺ فيما رواه الشيخان أيضًا: «إنَّ مِنْ أمنَّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنتُ مُتخذًا خليلًا غير ربي لاتخذتُ أبا بكرٍ، ولكن أخوة
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٠٠).
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٤٧٢، ٤٧٣) ح (٦٨١).
(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٣).
(٤) صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ١٨) (ح ٣٦٦٢)، وصحيح مسلم (٤/ ١٨٥٦) (ح ٢٣٨٤).
[ ٢١ ]
الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سُد إلا باب أبي بكر» (^١).
وأما تفضيلهم أبا بكر ثم عمر ثم عثمان؛ فقد قال الإمام أحمد: «وخير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله ﷺ، لم يختلفوا في ذلك، ونذهب إلى حديث ابن عمر: «كنا نعد ورسول الله ﷺ حي وأصحابه متوافرون: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت» (^٢).
وقال علي بن المديني ﵀: «وخير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان بن عفان، نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله ﷺ، ولم يختلفوا في ذلك» (^٣).
والأصل في هذا: ما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال: «كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك فلا نفاضل» (^٤).
وقد قدم بعض أهل السنة عليًّا على عثمان في بداية الأمر، فأنكر عليهم جمهور أهل السنة ذلك وخطؤوهم إلا أنهم لم يبدعوهم.
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ١٢) (ح ٣٦٥٤)، وصحيح مسلم (٤/ ١٨٥٤) (ح ٢٣٨٢).
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٥٩)، وأثر ابن عمر أخرجه الإمام أحمد في المسند (٨/ ٢٤٣) رقم (٤٦٢٦)، وقال المحققون: إسناده صحيحٌ على شرط مسلم.
(٣) المصدر السابق (١/ ١٦٧).
(٤) صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ٥٤).
[ ٢٢ ]
روى الخلال عن إسحاق بن إبراهيم، قال: سألت أبا عبد الله عمن قدم عليًّا على عثمان؟ فقال: «هذا رجل سوء، نبدأ بما قال أصحاب النبي ﷺ، ومن فضله النبي ﷺ» (^١).
وعن بكر بن محمد، عن أبيه، عن أبي عبد الله وسأله عمن قال: أبو بكر وعمر وعلي وعثمان؟ فقال: «ما يعجبني هذا القول. قلت: فيقال إنه مُبتدع؟ قال: أكره أن أبدعه البدعة الشديدة» (١).
والذي آل إليه قول أهل السنة في هذه المسألة: هو تقديم عثمان على عليٍّ ﵄ لتقديم الصحابة له في الخلافة، ولقول ابن مسعود ﵁ حين استخلف عثمان ﵁: «أمرنا خير من بقي ولم نأل» (^٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر ترتيب الخلفاء الأربعة في الفضل وأنه على ترتيبهم في الخلافة: «وكما أجمع الصحابة ﵃ على تقديم عثمان في البيعة مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر أيهما أفضل؟ فقدم قومٌ عثمان وسكتوا، أو ربعوا بعلي، وقدم قومٌ عليًّا، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان، وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمان وعلي- ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن المسألة التي يضلل فيها المخالف هي مسألة الخلافة» (^٣).
_________________
(١) السنة للخلال (ص ٣٧٨).
(٢) المصدر السابق (ص ٣٨٤).
(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٣).
[ ٢٣ ]
أما تفضيلهم عليًّا بعد الثلاثة؛ فلإجماع أهل السنة على ذلك، ومبايعتهم له بالخلافة بعد عثمان ﵄.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد اتفق أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد، على أن يقولوا: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃» (^١).
أما تفضيلهم من بقي من أصحاب الشورى بعد الخلفاء الراشدين؛ فلأن عمر ﵁ اجتهد في اختيار الأصلح لما عينهم (^٢)؛ ولأنه لم يوجد له معارضٌ من الصحابة فهو بمنزلة الإجماع على فضلهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وعمر ﵁ إمام وعليه أن يستخلف الأصلح، ورأى أن هؤلاء الستة أحق من غيرهم وهو كما رأى؛ فإنه لم يقل أحدٌ أن غيرهم أحق منهم» (^٣).
وقال: «ولا ريب أن الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ الذين عينهم عمر لا يوجد أفضل منهم» (^٤).
أما تفضيلهم من بقي من العشرة المبشرين بالجنة بعد الخلفاء الراشدين وأصحاب الشورى؛ فلأن النبي ﷺ شهد لهم بالجنة وعينهم بأسمائهم؛ فدل على فضلهم على غيرهم.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٦).
(٢) وممن صرح بتفضيلهم على غيرهم: الإمام أحمد وعلي بن المديني -رحمهما الله-. انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٥٩، ١٦٧).
(٣) منهاج السنة (٦/ ١٤١).
(٤) المصدر السابق (٦/ ١٥٠).
[ ٢٤ ]
قال الإمام المزني بعد ذكر فضل الخلفاء الراشدين وتقديمهم على غيرهم: «ثم الباقين من العشرة الذين أوجب لهم رسول الله ﷺ الجنة» (^١).
وقال الإمام ابن بطة: «ويشهد للعشرة بالجنة، لا يتقدمهم أحدٌ في الفضل والخير» (^٢).
وأما تفضيلهم أهل بدر بعد من تقدم ذكرهم؛ فلعموم الأدلة في فضلهم، وهي مشهورة في كتب السنة.
روى اللالكائي عن الإمام أحمد أنه قال: «… ثم بعد أصحاب الشورى أهل بدرٍ من المهاجرين، ثم أهل بدرٍ من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ على قدر الهجرة والسابقة أولًا فأولًا» (^٣).
أما تفضيلهم من أسلم قبل الفتح وهو فتح الحديبية على من أسلم بعده؛ فلقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠].
ثم يأتي بعد هؤلاء في الفضل: سائر الصحابة؛ فهم أفضل ممن بعدهم على الإطلاق.
قال الإمام أحمد بعد قوله السابق: «ثم أفضل الناس بعد هؤلاء: أصحاب رسول الله ﷺ القرن الذي بُعث فيهم، كل من صحبه سنةً أو شهرًا أو يومًا أو
_________________
(١) شرح السنة للمزني (ص ٨٦).
(٢) الإبانة الصغرى لابن بطة (ص ٢٦١ - ٢٦٢).
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٥٩ - ١٦٠).
[ ٢٥ ]
ساعةً أو رآه فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه وكانت سابقته معه، وسمع منه ونظر إليه نظرةً، وأدناهم صحبةً هو أفضل من القرن الذين لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال» (^١).
وروى الخلال عن الفضل بن جعفر أنه سأل الإمام أحمد: «أيش تقول في حديث قبيصة عن عباد السماك عن سفيان: أئمة العدل خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز؟ فقال: هذا باطل -يعني: ما ادعى على سفيان-، ثم قال: أصحاب رسول الله ﷺ لا يدانيهم أحدٌ، أصحاب رسول الله ﷺ لا يقاربهم أحدٌ» (^٢).
وروى الخلال عن الأعمش أنه ذكر عنده عمر بن عبد العزيز وعدله فقال الأعمش: «فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: يا أبا محمد يعني في حلمه؟ قال: لا والله، ألا بل في عدله» (^٣).
وبهذا يعلم خطأ من فضل واحدًا من التابعين على واحدٍ من الصحابة؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ لا يدانيهم أحدٌ؛ لما اختصهم الله به من الصحبة لنبيه، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٦٠)، وانظر كلامًا بنحوه لعلي بن المديني في المصدر نفسه (١/ ١٦٧).
(٢) السنة (١/ ٤٣٦).
(٣) السنة (ص ٤٣٧).
[ ٢٦ ]
المبحث الثالث:
وجوب الإمساك عما شجر بين الصحابة
[ ٢٧ ]
المبحث الثالث: وجوب الإمساك عما شجر بين الصحابة
من المبادئ العظيمة التي قررها سلف الأمة وسار عليها من جاء بعدهم من الأئمة وتمسك بها أهل السنة قاطبة: الإمساك عما شجر بين الصحابة
-رضوان الله عليهم أجمعين- والترحم عليهم جميعًا، ومحبتهم وعدم ذكرهم إلا بالثناء الحسن الجميل على ما جاءت بذلك الآثار عن السلف ومَنْ بعدهم مِنْ أهل العلم.
فعن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه سُئل عن علي وعثمان وصفين وما كان بينهم؛ فقال: «تلك دماء كف الله يدي عنها، وأنا أكره أن أغمس لساني فيها» (^١).
وسئل الإمام أحمد: «ما تقول فيما بين علي ومعاوية -رحمهما الله-؟ فقال أبو عبد الله: ما أقول فيها إلا الحسنى: ﵏» (^٢).
وقال أبو الحسن الأشعري: «وأما ما جرى بين علي والزبير وعائشة ﵃ فإنما كان عن تأويل واجتهادٍ، وعلي الإمام وكلهم من أهل الاجتهاد، وقد شهد لهم النبي ﷺ بالجنة، فدل على أنهم كلهم كانوا على حق في اجتهادهم.
وكذلك ما جرى بين علي ومعاوية ﵄ كان على تأويلٍ واجتهادٍ، وكل الصحابة أئمة مأمونون غير متهمين في الدين، وقد أثنى الله ورسوله على
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٥/ ٣٠٧)، وانظر السنة للخلال (١/ ٦٢).
(٢) أخرجه الخلال في السنة (١/ ٤٦٠).
[ ٢٩ ]
جميعهم، وتعبدنا بتوقيرهم وتعظيمهم وموالاتهم، والتبري من كل من ينتقص أحدًا منهم، رضي الله عن جميعهم» (^١).
ويقول الإمام المزني في سياق تقرير عقيدة أهل السنة في الصحابة: «ويقال بفضلهم ويذكرون بمحاسن أفعالهم، ونمسك عن الخوض فيما شجر بينهم؛ فهم خيار أهل الأرض بعد نبيهم (^٢)، ارتضاهم الله ﷿ لنبيه، وخلقهم أنصارًا لدينه، فهم أئمة الدين وأعلام المسلمين؛ فرحمة الله عليهم أجمعين» (^٣).
ويقول الإمام البربهاري: «وإذا رأيت الرجل يطعن على أحد من أصحاب النبي ﷺ فاعلم أنه صاحب قول سوءٍ وهوى، ولقول رسول الله ﷺ: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» (^٤)، فقد علم النبي ﷺ ما يكون منهم من الزلل بعد موته (^٥)،
_________________
(١) الإبانة عن أصول الديانة (ص ٢٢٤، ٢٢٥).
(٢) يعني: أنهم خيار أهل الأرض بعد نبيهم من هذه الأمة دون سائر الأمم؛ فإن في الأمم الماضية أنبياء ورسلًا، وهم أفضل من الصحابة بدلالة النصوص وإجماع السلف.
(٣) شرح السنة (ص ٨٦).
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير من حديث عبد الله بن مسعود (١٠/ ١٩٨)، (ح ٤٤٨)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٠٨)، وقد حكم العلامة الألباني بصحة الحديث بمجموع طرقه في السلسلة الصحيحة (٣٤).
(٥) يعني: بما أطلعه الله عليه من الوحي؛ فإن النبي ﷺ أخبر عن القتال الذي حصل بين الصحابة؛ كإخباره عن الحسن بن علي ﵄ أن الله يصلح به بين فئتين من المسلمين. أخرجه البخاري (ح ٣٧٤٦)، إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على إطلاع الله نبيه على ما يحصل من الاقتتال بين الصحابة -رضوان الله عليهم جميعًا-.
[ ٣٠ ]
فلم يقل فيهم إلا خيرًا …
ولا تحدث بشيءٍ من زللهم ولا حربهم، ولا ما غاب عنك علمه ولا تسمعه من أحدٍ يحدث به؛ فإنه لا يسلم لك قلبك إن سمعت» (^١).
ويقول الإمام ابن بطة في وصف عقيدة أهل السنة: «ومن بعد ذلك؛ نكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ، فقد شهدوا المشاهد معه، وسبقوا الناس بالفضل، فقد غفر الله لهم، وأمرك بالاستغفار لهم، والتقرب إليه بمحبتهم، وفرض ذلك على لسان نبيه وهو يعلم ما سيكون منهم وأنهم سيقتتلون» (^٢).
ويقول الإمام أبو عثمان الصابوني في معرض ذكره عقيدة السلف: «ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبًا لهم، ونقصًا فيهم، ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافتهم» (^٣).
ويقول الإمام ابن أبي زيد القيرواني في سياق ذكره حقوق الصحابة وما يجب تجاههم: «وألا يذكر أحدٌ من صحابة الرسول ﷺ إلا بأحسن ذكرٍ، والإمساك عما شجر بينهم، وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب» (^٤).
_________________
(١) شرح السنة (١/ ١١٥).
(٢) الإبانة الصغرى (ص ٢٦٨).
(٣) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ٢٩٤).
(٤) مقدمة ابن أبي زيد (ص ٦١).
[ ٣١ ]
ويقول الإمام أبو عمرو الداني في معرض ذكره أقوال أهل السنة في الاعتقاد: «ومن قولهم: أن يحسن القول في السادات الكرام أصحاب محمد ﵇، وأن تذكر فضائلهم، وتنشر محاسنهم، ويمسك عما سوى ذلك مما شجر بينهم» (^١).
ويقول الإمام قوام السنة الأصبهاني: «وما جرى بين علي وبين معاوية ﵄ فقال السلف: من السنة السكوت عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ» (^٢).
ويقول الإمام ابن قدامة المقدسي: «ومن السنة: تولي أصحاب رسول الله ومحبتهم، وذكر محاسنهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساويهم، وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم» (^٣).
ويقول الإمام النووي في سياق شرح حديث: «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما؛ فالقاتل والمقتول في النار» (^٤):
«واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة ﵃ ليست داخلةً في هذا الوعيد، ومذهب أهل السنة والحق: إحسان الظن بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وتأويل قتالهم، وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا، بل اعتقد كل فريقٍ أنه المحق ومخالفه باغٍ فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله، وكان بعضهم مصيبًا، وبعضهم مخطئًا معذورًا» (^٥).
_________________
(١) الرسالة الوافية (ص ٢٣٧).
(٢) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٥٢٦).
(٣) لمعة الاعتقاد (ص ٦٦).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٣٢١٣)، (ح ٢٨٨٨).
(٥) شرح صحيح مسلم (١٨/ ١١).
[ ٣٢ ]
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في وصف عقيدة أهل السنة: «ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون» (^١).
وكلام أهل العلم في هذا المعنى كثيرٌ جدًّا، يصعب حصره، وإنما ذكرت طرفًا منه، وهذا مما يدل على إجماع أهل السنة على تقرير هذا الأصل العظيم، وأن من خاض في هذا الباب واقتحمه بذكر شيءٍ مما جرى بين الصحابة من الاختلاف أو الاقتتال على سبيل التنقص لهم أو الطعن فيهم، أنه مخالف لمنهج سلف الأمة وطريق أهل السنة.
فنسأل الله أن يرزقنا حسن الاتباع لطريق السلف، وأن يزينا بحسن الأدب مع أصحاب نبيه، وأن يحشرنا في زمرتهم يوم الدين.
_________________
(١) العقيدة الواسطية (ص ١٢٠).
[ ٣٣ ]