ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: عقيدة الشيعة في الصحابة.
المبحث الثاني: عقيدة النواصب في الصحابة.
المبحث الثالث: شمول النصب إذا أريد به الإيذاء الحقيقي للخوارج ولكثيرٍ من مدعي الولاية لأهل البيت.
[ ٣٥ ]
المبحث الأول: عقيدة الشيعة في الصحابة.
[ ٣٦ ]
المبحث الأول: عقيدة الشيعة في الصحابة
* تعريف الشيعة في اللغة والاصطلاح:
الشيعة في اللغة: أنصار الرجل وأتباعه، وكل قومٍ اجتمعوا على أمرٍ يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيعة، وجمعهم: شيع، وأشياع (^١).
وأصل ذلك من المشايعة والمطاوعة (^٢).
والشيعة في الاصطلاح: هم المتشيعون لعلي وأهل بيته.
قال الأزهري: «الشيعة قومٌ يهوون هوى عترة النبي محمد ﷺ ويوالونهم» (^٣).
وقال ابن الأثير: «أصل الشيعة: الفرقة من الناس، وقد غلب هذا الاسم على كل من يزعم أنه يتولى عليًّا ﵁ وأهل بيته حتى صار لهم اسمًا خاصًّا؛ فإذا قيل: فلانٌ من الشيعة، عرف أنه منهم» (^٤).
وقال الشهرستاني: «الشيعة هم الذين شايعوا عليًّا ﵁ على الخصوص،
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة للأزهري (٢/ ١٨٠٨)، ولسان العرب لابن منظور (٨/ ١٨٨)، والقاموس المحيط للفيروزأبادي (٣/ ٤٧).
(٢) انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس (٣/ ٢٣٥)، ولسان العرب لابن منظور (٨/ ١٨٩).
(٣) تهذيب اللغة (٢/ ١٨٠٨).
(٤) النهاية (ص ٥٠٠).
[ ٣٧ ]
وقالوا بإمامته نصًّا ووصيةً، إما جليًّا وإما خفيًّا» (^١).
* فرق الشيعة:
ذكر الأشعري في المقالات أن الشيعة ثلاثة أصناف: غالية، ورافضة، وزيدية (^٢).
وهذه الأصناف الثلاثة متباينة في عقائدها ومقالاتها، بل كل صنفٍ منها يتفرع إلى فرقٍ.
والمقصود في هذا المقام: بيان عقيدة كل صنفٍ من هؤلاء في الصحابة على سبيل الإيجاز.
أولًا: عقيدة الغلاة:
وإنما سُموا غلاةً؛ لأنهم غلوا في علي ﵁، وقالوا فيه قولًا عظيمًا، ذكره الأشعري (^٣).
وقد دخل في جملة هؤلاء فرقٌ كثيرةٌ وطوائفُ شتى، يجتمعون في اعتقادهم في الصحابة على عقيدةٍ باطلةٍ مركبةٍ من ضلالتين: الغلو في علي وأهل بيته ﵃ إلى درجة التأليه أو ادعاء نبوتهم، والقدح في أصحاب النبي ﷺ وأزواجه إلى حد التكفير، والمبالغة في لعنهم وسبهم وشتمهم.
ومن هؤلاء: السبئية: يزعمون أن عليًّا ﵁ لم يمت، وأنه يرجع إلى الدنيا
_________________
(١) الملل والنحل (١/ ١٤٤).
(٢) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٦٥، ٨٨، ١٣٦).
(٣) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٦٥).
[ ٣٨ ]
قبل يوم القيامة فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا (^١)، وهم أتباع عبد الله ابن سبأ.
ذكروا أنه قال لعلي ﵁: أنت أنت، يعني: أنت الإله (^٢).
وذكر بعض المصنفين في الفرق والمقالات: أن ابن سبأ غلا في علي وزعم أنه كان نبيًّا، ثم غلا فيه حتى زعم أنه إله، ودعا إلى ذلك قومًا من غواة الكوفة، ورُفع خبرهم إلى علي ﵁ فأمر بإحراق قومٍ منهم (^٣).
وابن سبأ هو أول من أظهر الطعن في أصحاب النبي ﷺ بدعوى انتزاع الخلافة من علي، وكان من مقالته التي دعا إليها أن قال لأتباعه: «محمد خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء.
ثم قال بعد ذلك: من أظلم ممن لم يُجز وصية رسول الله ﷺ! ووثب على وصي رسول الله، وتناول أمر الأمة.
ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله ﷺ فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدءوا بالطعن على أمرائكم» (^٤).
وقال النوبختي الرافضي في حديثه عن ابن سبأ: «وهو أول من أشهر القول بفرض إمامة علي ﵇، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه، فمن هنا
_________________
(١) انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ٦٥).
(٢) انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ٦٥)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٧٧).
(٣) انظر: الفَرْق بين الفِرَق للبغدادي (ص ٢٣٣)، والتبصير في الدين للإسفرائيني (ص ١٢٣).
(٤) تاريخ الطبري (٤/ ٣٤٠ - ٣٤١).
[ ٣٩ ]
قال من خالف الشيعة: إن أصل الرفض مأخوذٌ من اليهودية» (^١).
ومن فرقهم: الخطابية: أتباع أبي الخطاب محمد بن زينب الأسدي، يزعمون أن الأئمة آلهة، وكان أبو الخطاب يزعم أولًا أن الأئمة أنبياء، ثم زعم أنهم آلهة، وأن أولاد الحسن والحسين كانوا أبناء الله وأحباءه (^٢).
ومن فرقهم: الجناحية: أتباع عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وقد ادعى عبد الله هذا أنه رب، وأنه نبي، فعبده شيعته، وهم يكفرون بالقيامة ويدعون أن الدنيا لا تفنى، ويستحلون الميتة والخمر وغيرهما من المحارم (^٣).
كما ادعى أيضًا أن روح الإله كانت في آدم، ثم في شيث، ثم دارت في الأنبياء والأئمة، إلى أن انتهت إلى علي، ثم دارت في أولاده الثلاثة، ثم صارت إليه (^٤).
ومن فرقهم: المنصورية: أتباع أبي منصور العجلي، الذي زعم أن الإمامة دارت في أولاد علي حتى انتهت إلى أبي جعفر الباقر، وادعى أنه خليفة الباقر، ثم زعم أنه عرج به إلى السماء، وأن الله مسح على يديه، وقال له: يا بُني بلغ عني (^٥).
_________________
(١) فرق الشيعة (ص ٢٢).
(٢) انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (ص ٢٤٧)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٨٣).
(٣) انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ٦٧).
(٤) انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (ص ٢٤٦).
(٥) انظر: المصدر السابق (ص ٢٤٣ - ٢٤٤).
[ ٤٠ ]
ومن فرقهم المشهورة والتي هي أعظم خطرًا من غيرها: الباطنية.
وحكى أصحاب المقالات أن الذين أسسوا دعوة الباطنية جماعة، منهم: ميمون بن ديصان القداح.
وقد ذكر المحققون أن ميمون القداح كان يهوديًّا متعصبًا لليهودية (^١).
وهذه الطائفة لها عدة أسماء تداولها الناس على اختلاف الأعصار والأزمنة، ومن أسمائهم: القرامطة، والخرمية، والإسماعيلية، والسبعية، والبابكية وغيرها على ما ذكره الغزالي في فضائح الباطنية (^٢).
وحقيقة معتقد هؤلاء كما وصفه الغزالي: «أنه مذهب ظاهره الرفض، وباطنه الكفر المحض» (^٣).
وقال: «اتفقت أقاويل نقلة المقالات من غير تردد أنهم قائلون بإلهين قديمين لا أول لوجودهما من حيث الزمان» (^٤).
وذكر من عقيدتهم في النبوات: أن المنقول عنهم في هذا هو قريب من قول الفلاسفة، وهو أن النبي عبارة عن شخصٍ فاضت عليه العلوم.
وأما عقيدتهم في الإمامة؛ فقد اتفقوا على أنه لابد في كل عصرٍ من إمامٍ معصومٍ يرجع إليه في تأويل الظواهر والمشكلات، حيث زعموا أن للقرآن
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (ص ٢٨٢ - ٢٨٤)، وكشف أسرار الباطنية لمحمد بن مالك (ص ١٧).
(٢) انظر: فضائح الباطنية (ص ١١).
(٣) فضائح الباطنية (ص ٣٧).
(٤) المصدر نفسه (ص ٣٨).
[ ٤١ ]
ظاهرًا وباطنًا، وأنه لا يعلم الباطن إلا الأئمة ومن أفضوا إليه بأسرار القرآن (^١).
قال الغزالي: «والقول الوجيز: أنهم لما عجزوا عن صرف الخلق عن القرآن والسنة، صرفوهم عن المراد بهما إلى مخاريق زخرفوها» (^٢).
وقال عبد القاهر البغدادي: «الذي يصح عندي من دين الباطنية: أنهم دهرية زنادقة يقولون بقدم العالم، وينكرون الرسل والشرائع كلها» (^٣).
وهذه الفرق المذكورة كلها تُكفر أكثر الصحابة، كما نقله المحققون لمذاهبهم ومقالاتهم.
يقول عبد القاهر البغدادي: «إن الباطنية والمنصورية والجناحية والخطابية قد أكفروا أبا بكر وعمر وعثمان وأكثر الصحابة بإخراجهم عليًّا من الإمامة في عصرهم» (^٤).
ثانيًا: عقيدة الرافضة:
وسُموا رافضةً لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر ﵄. ذكر هذا الأشعري وابن عبد ربه (^٥).
وقال عبد الله بن أحمد -رحمهما الله-: «قلت لأبي: من الرافضة؟ فقال: الذي يشتم ويسب أبا بكر وعمر -رحمهما الله-» (^٦).
_________________
(١) انظر المصدر نفسه (ص ٤٠ - ٤٢).
(٢) المصدر نفسه (ص ٥٥٥).
(٣) الفرق بين الفرق (ص ٢٩٤).
(٤) الفرق بين الفرق (ص ٢٥٠).
(٥) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٨٩)، والعقد الفريد (٢/ ٢٤٥).
(٦) أخرجه الخلال في السنة (١/ ٤٩٢)، رقم (٧٧٧)، وقال المحقق: إسناده صحيح.
[ ٤٢ ]
وذهب بعض العلماء المحققين إلى أن هذه التسمية إنما لزمتهم لرفضهم زيد بن علي عندما خرجوا معه في جملة المتشيعين له عند خروجه على هشام بن عبد الملك بن مروان في سنة إحدى وعشرين ومائة، فأظهر بعض أصحابه الطعن على أبي بكر وعمر فنهاهم عن ذلك؛ فتفرقوا عنه ولم يبق معه إلا مائتا فارسٍ؛ فقال لهم: رفضتموني؟ قالوا: نعم. فسموا رافضة لذلك، وسُمي من بقي معه زيدية (^١).
والرافضة افترقوا بعد ذلك إلى فرقٍ كثيرةٍ، وقد ذكر بعض المصنفين في الفرق والمقالات أنهم خمس عشرة فرقة (^٢).
وذهب بعض المحققين إلى أنهم يصلون إلى أربع وعشرين فرقة (^٣).
والرافضة مجمعون على عقائد باطلة خالفوا فيها سائر فرق الأمة.
قال الإمام أبو الحسن الأشعري: «وهم مجمعون على أن النبي ﷺ نص على استخلاف علي بن أبي طالب باسمه، وأظهر ذلك وأعلنه، وأن أكثر الصحابة ضلوا بتركهم الاقتداء به بعد وفاة النبي ﷺ، وأن الإمامة لا تكون إلا بنص وتوقيفٍ، وأنها قرابة، وأنه جائز للإمام في حال التقية أن يقول: إنه
_________________
(١) انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ١٣٧)، والحجة في بيان المحجة لقوام السنة (٢/ ٤٧٨)، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي (ص ٥٢)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٥٥)، ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ٨)، ومجموع الفتاوى له (١٣/ ٣٦).
(٢) انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (ص ٢٣)، والتبصير في الدين للإسفرائيني (ص ٣٥).
(٣) انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ٨٨).
[ ٤٣ ]
ليس بإمام، وأبطلوا جميعًا الاجتهاد في الأحكام، وزعموا أن الإمام لا يكون إلا أفضل الناس، وزعموا أن عليًّا -رضوان الله عليه- كان مصيبًا في جميع أحواله» (^١).
وقال محمد النعمان المفيد وهو من كبار علماء الرافضة ومحققي مذهبهم، (متوفى سنة: ٤١٣ هـ): «واتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثيرٍ من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة، وإن كان بينهم في بعض الرجعة اختلافٌ، واتفقوا على إطلاق لفظ البداء في وصف الله تعالى، وإن كان ذلك من جهة السمع دون القياس، واتفقوا على أن أئمة الضلال خالفوا في كثيرٍ من تأليف القرآن وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة النبي ﷺ.
وأجمعت المعتزلة، والخوراج، والزيدية، والمرجئة، وأصحاب الحديث على خلاف الإمامية في جميع ما عددناه» (^٢).
ويعتقد الرافضة في الصحابة أنهم ضلال كفار إلا أفرادًا منهم، وهم لهذا يبغضونهم ويستبيحون الطعن فيهم، بل يتقربون إلى الله بلعنهم وشتمهم.
جاء في كتاب الكافي - وهو من أشهر كتبهم وأوثقها عندهم - عن أبي جعفر (^٣) أنه قال: «كان الناس أهل ردة بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة، فقلت: ومن
_________________
(١) مقالات الإسلاميين (١/ ٨٩).
(٢) أوائل المقالات للمفيد (ص ٤٨ - ٤٩).
(٣) أبو جعفر الصادق من أجلِّ أئمة السنة، وما ينسبه الرافضة له في كتبهم مما يخالف عقيدة أهل السنة من كذبهم عليه، كما كذبوا على آبائه من أئمة أهل البيت الطيبين الطاهرين.
[ ٤٤ ]
الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي -رحمة الله وبركاته عليهم-، ثم عرف أناس بعد يسيرٍ، وقال: هؤلاء الذين دارت عليهم الرحا، وأَبَوا أن يبايعوا حتى جاءوا بأمير المؤمنين مكرهًا فبايع» (^١).
وقد نقل إجماعهم على تكفير الصحابة غير واحدٍ من علمائهم ومحققيهم.
يقول المفيد: «واتفقت الإمامية، والزيدية، والخوارج على أن الناكثين والفاسقين من أهل البصرة والشام أجمعين كفار ضلال، ملعونون بحربهم أمير المؤمنين، وأنهم بذلك في النار مخلدون» (^٢).
ويقول نعمة الله الجزائري في كتاب: «الأنوار النعمانية»: «الإمامية قالوا بالنص الجلي على إمامة علي، وكفروا الصحابة، ووقعوا فيهم، وساقوا الإمامة إلى جعفر الصادق وبعده إلى أولاده المعصومين ﵈، ومؤلف هذا الكتاب من هذه الفرقة، وهي الناجية إن شاء الله» (^٣).
وعقيدة الرافضة لم تقف عند حد التكفير للصحابة وخيار الأمة، بل تجاوزت إلى اعتقاد أنهم شر خلق الله، وأن الإيمان بالله ورسوله لا يكون إلا بالتبرؤ منهم، وخاصة الخلفاء الثلاثة: أبا بكر وعمر وعثمان، وأمهات المؤمنين.
يقول محمد باقر المجلسي: «وعقيدتنا في التبرؤ: أنا نتبرأ من الأصنام الأربعة: أبي بكرٍ وعمر وعثمان ومعاوية، والنساء الأربع: عائشة وحفصة وهند
_________________
(١) الروضة من الكافي (٨/ ٢٤٥ - ٢٤٦).
(٢) أوائل المقالات (ص ٤٥).
(٣) الأنوار النعمانية (٢/ ٢٤٤).
[ ٤٥ ]
وأم الحكم، ومن جميع أشياعهم وأتباعهم، وأنهم شر خلق الله على وجه الأرض، وأنه لا يتم الإيمان بالله ورسوله والأئمة إلا بالتبرؤ من أعدائهم» (^١).
وقد بلغ من حقد هؤلاء الرافضة على الصحابة وشدة حنقهم عليهم أنهم يتقربون إلى الله بلعنهم، بل لهم دعاوى في فضل ذلك ومبالغات تفوق الوصف.
روى الملا كاظم عن أبي حمزة الثمالي -فيما افتراه على زين العابدين ﵀ أنه قال: «من لعن الجبت والطاغوت -ويعنون بهما: أبا بكر وعمر ﵄ لعنة واحدة كتب الله له سبعين ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له سبعون ألف ألف درجة، ومن أمسى يلعنهما لعنة واحدة كتب له مثل ذلك.
قال: فمضى مولانا علي بن الحسين، فدخلت على مولانا أبي جعفر محمد الباقر، فقلت: يا مولاي، حديث سمعته من أبيك؟ قال: هات يا ثمالي، فأعدت عليه الحديث، فقال: نعم. يا ثمالي أتحب أن أزيدك؟ فقلت: بلى
يا مولاي. فقال: من لعنهما لعنة واحدة في كل غداة لم يكتب عليه ذنب في ذلك اليوم حتى يمسي، ومن أمسى لعنهما لعنة واحدة لم يكتب عليه ذنب في ليله حتى يصبح» (^٢).
وللرافضة في الطعن في أصحاب النبي ﷺ أقوالٌ كثيرةٌ ومجازفاتٌ عظيمةٌ
_________________
(١) حق اليقين (ص ٥١٩)، (فارسي)، وقد قام بترجمة النص إلى العربية الشيخ محمد عبد الستار التونسوي في كتابه: بطلان عقائد الشيعة (ص ٥٣).
(٢) أجمع الفضائح لملا كاظم (ص ٥١٣)، بواسطة الشيعة وأهل البيت، لإحسان إلهي ظهير (ص ١٥٧).
[ ٤٦ ]
لا يعرفها إلا من اطلع على كتبهم، وقد ذكرت طائفةً منها في كتاب الانتصار للصحب والآل (^١).
ثالثًا: عقيدة الزيدية:
وإنما سُموا زيدية لتمسكهم بقول زيد بن علي بن الحسين (^٢) بعد أن رفضه الرافضة كما تقدم بيانه (^٣).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومن زمن خروج زيد بن علي افترقت الشيعة إلى رافضة وزيدية؛ فإنه لما سُئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما رفضه قومٌ، فقال لهم: رفضتموني؟ فسُموا رافضة لرفضهم إياه، وسُمي من لم يرفضه من الشيعة زيديًّا لانتسابهم إليه» (^٤).
وقد افترقت الزيدية إلى فرقٍ كلها مجمعة على تفضيل علي ﵃ على سائر الصحابة، وأن عليًّا كان مصيبًا في حروبه وفي تحكيمه الحكمين، وأجمعوا أيضًا على تخطئة من خالفه (^٥).
ومن أشهر فرقهم: الجارودية، وهم من غلاتهم، يزعمون أن النبي ﷺ نص على خلافة علي ﵁، وأن الصحابة قد ارتدوا بتركهم بيعة علي بعد
_________________
(١) انظر: (ص ٥٦ - ٦٢).
(٢) انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ١٣٦).
(٣) انظر: (ص ٤٣).
(٤) منهاج السنة (١/ ٣٥).
(٥) انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ١٤٩، ١٥٠).
[ ٤٧ ]
رسول الله ﷺ (^١).
ومن فرقهم: السليمانية: يرون أن الإمامة شورى، ويقولون: إن الإمامة تصلح في المفضول مع وجود الفاضل، ويثبتون إمامة الشيخين، ويطعنون في عثمان ﵁ ويكفرونه، ويقولون: إن الصحابة تركوا الأصلح بتركهم بيعة علي ﵁ (^٢).
ومن فرقهم: البترية: يزعمون أن عليًّا أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ، وأولاهم بالإمامة، وأن بيعة أبي بكر وعمر ﵄ ليست بخطأ؛ لأن عليًّا ترك ذلك لهما، ولا يرون لعلي ﵃ إمامة إلا حين بويع، ويتوقفون في عثمان ﵃ وقتلته، ولا يقدمون على ذمه ولا على مدحه (^٣).
وهذه المقالات هي المشهورة عنهم في كتب المقالات القديمة، لكن ذكر المحققون المتأخرون أن أكثر الزيدية مالُوا عن القول بإمامة المفضول، وطعنوا في الصحابة طعن الرافضة (^٤).
_________________
(١) انظر: التبصير في الدين للإسفرائيني (ص ٢٧، ٢٨)، والتنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع للملطي (ص ٤٦)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٥٧).
(٢) انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ١٤٣)، والفرق بين الفرق للبغدادي (ص ٣٢ - ٣٣)، والتبصير في الدين للإسفرائيني (ص ٢٨)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٥٩).
(٣) انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ١٤٤)، والفرق بين الفرق للبغدادي (ص ٣٣)، والتبصير في الدين للإسفرائيني (ص ٢٩).
(٤) انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٥٦).
[ ٤٨ ]
المبحث الثاني عقيدة النواصب في الصحابة
[ ٤٩ ]
المبحث الثاني: عقيدة النواصب في الصحابة
تعريف النواصب:
يقول الفيروزأبادي: «والنواصب والناصبة وأهل النصب المتدينون ببغض علي ﵁؛ لأنهم نصبوا له، أي: عادوه» (^١).
ويقول المقريزي: «والنواصب جمع ناصبي، وهو الغالي في بغض
علي ﵁» (^٢).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض حديثه عن عقيدة أهل السنة: «ويتبرؤون من طريقة الرافضة الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، ومن طريق النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عملٍ» (^٣).
وبهذا نستطيع القول بأن النواصب: هم كل من عادى أهل بيت النبي ﷺ، وانتقصهم وآذاهم بأدنى قولٍ أو فعلٍ، سواء كان هذا الإيذاء لكل أهل البيت أو لبعضهم، وسواء كان الإيذاء ظاهرًا كسبِّهم وشتمهم، أو غير ظاهرٍ كالكذب عليهم والغلو فيهم كما هو فعل الروافض الذين يدعون محبتهم.
_________________
(١) القاموس المحيط (١/ ١٣٣).
(٢) خطط المقريزي (٢/ ٣٥٤).
(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٤).
[ ٥١ ]
ويطلق العلماء مصطلح: «النواصب» على معنيين:
الأول: على الخوارج؛ فإن من ألقابهم التي أطلقها العلماء عليهم: النواصب.
يقول المقريزي: «الفرقة العاشرة: الخوارج، ويقال لهم: النواصب والحرورية» (^١).
الثاني: على الطائفة التي خرجت في بداية الأمر في الكوفة في مقابل الرافضة، فقابلوا غلو الرافضة في أهل البيت بسبهم والقدح فيهم، وعامة هؤلاء النواصب من الجهال الذين قابلوا الباطل بالباطل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأهل الكوفة كان فيهم طائفتان: طائفة رافضة يظهرون موالاة أهل البيت …، وطائفة ناصبة تبغض عليًّا وأصحابه» (^٢).
ويمكن أن يعرف المقصود من هذا المصطلح عند الإطلاق من سياق الكلام؛ فإذا قيل مثلًا: النواصب الذين يكفرون عليًّا وعثمان والحكمين. علم أن المقصود هنا هم الخوارج؛ لأن هذه هي عقيدة الخوارج، وهكذا …
والذي يظهر من كلام العلماء المتأخرين: أن هذا المصطلح -أعني: النواصب- أصبح غالبًا في كلامهم على النواصب الذين خرجوا في الكوفة، وكل من وافقهم على عداوة أهل البيت، ولم يبلغوا في ذلك مبلغ التكفير، الذين أصبح مصطلح الخوارج غالبًا عليهم.
_________________
(١) الخطط للمقريزي (٢/ ٣٥٤).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٥/ ٣٠١).
[ ٥٢ ]
ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «الخوارج الذين يكفرون عليًّا، والنواصب الذين يفسقونه» (^١).
وفيما يلي تعريف بكل من الطائفتين وبيان معتقد كل منهما في الصحابة:
أولًا: معتقد الخوارج في الصحابة:
الخوارج: هم الذين خرجوا على عليٍّ ﵁ حين جرى أمر الحكمين، واجتمعوا بحروراء من ناحية الكوفة، وهم عشرون فرقة، وكبار فرقهم: المحكمة، والأزارقة، والنجدات، والبيهسية، والعجاردة، والثعالبة، والإباضية، والصفرية، والباقون فروعهم (^٢).
أما عقيدتهم في الصحابة فهم: مجمعون على تكفير علي، وعثمان، وأبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، ومعاوية، وكل من شارك في التحكيم، أو رضي به، وأصحاب الجمل.
يقول البغدادي: «وقال شيخنا أبو الحسن: الذي يجمعها -أي: فرق الخوارج- إكفار علي، وعثمان، وأصحاب الجمل، والحكمين، ومن رضي بالتحكيم وصوب الحكمين أو أحدهما …» (^٣).
ويقول الشهرستاني: «ويجمعهم القول بالتبرؤ من عثمان وعلي ﵄، ويقدمون ذلك على كل طاعةٍ، ولا يصححون المناكحات إلا على ذلك» (^٤).
_________________
(١) منهاج السنة (٢/ ٥٩).
(٢) انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١١٥).
(٣) الفرق بين الفرق (ص ٧٣).
(٤) الملل والنحل (١/ ١١٥).
[ ٥٣ ]
وقد ذكر المقريزي أن للخوارج غلوًّا في حب أبي بكر وعمر قال: «وهم الغلاة في حب أبي بكر وعمر، وبغض علي ﵃ أجمعين-، ولا أجهل منهم؛ فإنهم القاسطون المارقون خرجوا على عليٍّ ﵁» (^١).
وعمومًا؛ فلهؤلاء القوم غلو في بغض من كفروه من أصحاب النبي ﷺ، ومطاعن لا تقل عن مطاعن الرافضة في الصحابة، ويعلم ذلك من خالط القوم وعرفهم أو قرأ كتبهم، نسأل الله السلامة والعافية.
ثانيًا: معتقد النواصب في أهل بيت النبي ﷺ-:
عقيدة النواصب الذين خرجوا في الكوفة ومن شاركهم في عقيدتهم الفاسدة في أهل البيت: هي بغضهم لأهل البيت وانتقاصهم وسبهم وشتمهم، وإن كانوا لا يصلون في كل ذلك إلى عقيدة الخوارج الذين يكفرون عليًّا ﵁، وبعض أهل بيته.
ولهؤلاء النواصب في إظهار بغض أهل البيت شعائر في بعض الأيام، كإظهارهم الفرح والسرور في يوم مقتل الحسين (يوم عاشوراء) في مقابل حزن الرافضة في ذلك اليوم، ووضعهم الأحاديث على لسان النبي ﷺ في فضل الفرح والزينة في ذلك اليوم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وصار الشيطان بسبب قتل الحسين ﵁ يحدث للناس بدعتين: بدعة الحزن والنوح يوم عاشوراء من اللطم والصراخ والبكاء والعطش وإنشاد المراثي وما يفضي إليه ذلك، من سب السلف
_________________
(١) خطط المقريزي (٢/ ٣٥٤).
[ ٥٤ ]
ولعنهم …، وكذلك بدعة السرور والفرح، وكانت الكوفة بها قومٌ من الشيعة المنتصرين للحسين، وكان رأسهم المختار بن أبي عبيد الكذاب، وقومٌ من الناصبة المبغضين لعلي ﵁ وأولاده، ومنهم: الحجاج بن يوسف الثقفي.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «سيكون في ثقيف كذاب ومبير» (^١)؛ فكان ذلك الشخص هو الكذاب، وهذا الناصبي هو المبير؛ فأحدث أولئك الحزن، وأحدث هؤلاء السرور ورووا أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته» (^٢).
وقال في موضعٍ آخر: «… وأهل الكوفة كان فيهم طائفتان: طائفة رافضة يظهرون موالاة أهل البيت، وهم في الباطن إما ملاحدة زنادقة، وإما جهال وأصحاب هوى.
وطائفة ناصبة تبغض عليًّا وأصحابه، لما جرى من القتال في الفتنة
ما جرى …
إلى أن قال بعد الحديث عن الرافضة: فعارض هؤلاء قوم إما من النواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيته، وإما من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد، والكذب بالكذب، والشر بالشر، والبدعة بالبدعة، فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء كالاكتحال والاختضاب، وتوسيع النفقات على العيال، وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة، ونحو ذلك مما يفعل في
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ١٩٧١، ١٩٧٢) (ح ٢٥٤٥).
(٢) منهاج السنة (٤/ ٥٥٤ - ٥٥٥).
[ ٥٥ ]
الأعياد والأفراح؛ فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسمًا كمواسم الأعياد والأفراح، وأولئك يتخذونه مأتمًا يقيمون فيه الأحزان والأتراح، وكلا الطائفتين خارجة عن السنة» (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٥/ ٣٠١، ٣٠٩ - ٣١٠).
[ ٥٦ ]
المبحث الثاني:: شمول النصب إذا أريد به الإيذاء الحقيقي للخوارج ولكثيرٍ من مدعي الولاية لأهل البيت
[ ٥٧ ]
المبحث الثاني: شمول النصب إذا أريد به الإيذاء الحقيقي للخوارج ولكثيرٍ من مدعي الولاية لأهل البيت
النصب إذا أريد به الإيذاء الحقيقي لأهل البيت يكون شاملًا للخوارج الذين يكفرون بعضهم ويفسقون البعض الآخر، وللنواصب الذين يفسقونهم وينتقصونهم، ولكثيرٍ من مدعي الولاية لأهل البيت.
أما شموله للخوارج والنواصب؛ فواضح.
وأما شموله لمدعي الولاية لأهل البيت من الرافضة وغيرهم؛ فبالغلو فيهم، والكذب عليهم، وخذلانهم لهم، في حياتهم في مواطن عديدة.
أما الغلو فيهم؛ فهذا من أعظم أذيتهم؛ لأنهم لا يرضون غلو الرافضة فيهم، بل يتبرؤون منه، وممن قال به، ولطالما اشتكى أئمة أهل البيت من غلو الرافضة فيهم، وأعلنوا البراءة منهم كما نقلت ذلك كتب الرافضة أنفسهم.
روى المجلسي في بحار الأنوار عن علي ﵁ أنه قال: «اللهم إني بريء من الغلاة كبراءة عيسى بن مريم من النصارى، اللهم اخذلهم أبدًا ولا تنصر منهم أحدًا» (^١).
وروى الكشي: «أنه قيل لأبي الحسن: إنهم يزعمون أنك تعلم الغيب؟ فقال: سبحان الله، ضع يدك على رأسي، فوالله ما بقيت في جسدي شعرة ولا
_________________
(١) بحار الأنوار (٢٥/ ٢٨٤).
[ ٥٩ ]
في رأسي إلا قامت، ثم قال: لا والله، ما هي إلا رواية عن رسول الله ﷺ» (^١).
وروى المجلسي عن أبي عبد الله (جعفر الصادق) أنه كان يقول: «لعن الله عبد الله بن سبأ؛ إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين، وكان والله أمير المؤمنين ﵇ عبدًا لله طائعًا، الويل لمن كذب علينا، وإن قومًا يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم، نبرأ إلى الله منهم» (^٢).
وكانوا -رحمهم الله تعالى- دائمًا يذمون الشيعة، ويصفونهم بأنه شر من اليهود والنصارى لغلوهم فيهم.
روى الكشي عن أبي عبد الله أنه قال: «ما أنزل الله سبحانه آية في المنافقين إلا وهي فيمن ينتحل التشيع» (^٣).
وعنه أيضًا أنه قال: «إن ممن ينتحل هذا الأمر لمن هو شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا» (^٤).
وكان زين العابدين يقول لهم: «أيها الناس، أحبونا حب الإسلام فما برح حبكم حتى صار عارًا علينا» (^٥).
_________________
(١) رجال الكشي (ص ١٩٢).
(٢) بحار الأنوار (٢٥/ ٢٨٦).
(٣) رجال الكشي (ص ١٩٣).
(٤) المصدر نفسه (ص ١٩٢).
(٥) الصلة بين التصوف والتشيع (ص ١٤٨)، وهذا الأثر أورده الخلال في السنة، وسنده صحيح. السنة للخلال (ص ٥٠٠).
[ ٦٠ ]
أما كذب الشيعة على أهل البيت؛ فهو مشهورٌ، وهو من أذيتهم لهم؛ فإن من أذية الرجل للرجل الكذب عليه، كما هو معلومٌ عند كل العقلاء؛ فكيف بالكذب على أهل بيت النبي ﷺ في دين الله؟!
ولقد تبرأ الأئمة من هؤلاء الكذابين واشتهر ذلك حتى في كتب الشيعة.
جاء عن زين العابدين أنه كان يقول لهم: «ما أكذبكم! وما أجرأكم على الله! نحن من صالحي قومنا وبحسبنا أن نكون من صالحي قومنا» (^١).
وروى الكشي عن جعفر الصادق أنه كان يقول: «قومٌ يزعمون أني لهم إمامٌ، والله ما أنا لهم بإمامٍ، ما لهم -لعنهم الله- كلما سترت سترًا هتكوه، هتك الله ستورهم، أقول كذا، يقولون إنما يعني كذا، أنا إمام من أطاعني» (^٢).
أما خذلان الشيعة لأهل البيت؛ فظاهر في أذيتهم لهم، حيث تركوا مناصرتهم في أصعب الظروف وأحرجها.
فقد خذلوا عليًّا ﵁ مراتٍ كثيرة، وتقاعسوا عن القتال معه في أحرج المواقف التي واجهها، حتى اشتهر سبه لهم، وذمه لهم في خطب كثيرةٍ، منها ما جاء في كتاب: «نهج البلاغة» أنه خطب فيهم مرة بعد خذلهم إياه فقال: «أيها الناس المجتمعة أبدانهم المختلفة أهواؤهم …
إلى أن قال: أي دارٍ بعد داركم تمنعون، ومع أي إمامٍ بعدي تقاتلون، المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فقد فاز والله بالسهم الأخيب، ومن
_________________
(١) الصلة بين التصوف والتشيع (١/ ١٤٨).
(٢) رجال الكشي (ص ١٩٤).
[ ٦١ ]
رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل (^١)، أصبحت والله لا أصدق قولكم، ولا أطمع في نصركم، ولا أوعد العدو بكم» (^٢).
وخذلوا أيضًا أبناءه من بعده؛ فقد خذلوا الحسين ﵁ أعظم خذلان؛ حيث كتبوا إليه كتبًا عديدةً في توجهه إليهم، فلما قدم عليهم ومعه الأهل والأقارب والأصحاب، تركوه وتقاعدوا عن نصرته وإعانته، بل رجع أكثرهم مع أعدائه خوفًا وطمعًا، وصاروا سببًا في شهادته وشهادة كثيرٍ من أهله، من بينهم الأطفال والنساء (^٣).
وخذلوا أيضًا زيد بن علي بن الحسين؛ فقد تعهدوا بنصرته وإعانته فلما حان القتال أنكروا إمامته لعدم براءته من الخلفاء الثلاثة، فتركوه في أيدي الأعداء، ودخلوا به الكوفة، فاستشهد ﵀ (^٤).
فثبت بهذا دخول من ينتحل محبة أهل البيت وولايتهم من الرافضة، ومن هم على شاكلتهم من فرق الشيعة في دائرة النصب لأهل البيت، وذلك لما تقدم ذكره من الأمثلة المدعمة بأقوال الأئمة من أهل البيت في تأذيهم ممن انتحل ولايتهم من الشيعة، بغلوهم فيهم، وكذبهم عليهم وخذلانهم لهم، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) السهم الأفوق المكسور الفوق، والناصل: الذي لا نصل فيه. شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد (٢/ ١١٢).
(٢) نهج البلاغة مع شرحه (٢/ ١١٢).
(٣) انظر: مختصر التحفة الاثني عشرية (ص ٦٢).
(٤) انظر: مختصر التحفة الاثني عشرية (ص ٦٣).
[ ٦٢ ]