[مقدمة في بيان أمور تفيد الناظر بصيرة في الفصول]
الباب الثاني
إبطال التثليث وهو مشتمل على مقدمة وثلاثة فصول:
المقدمة: بيان أمور تفيد الناظر بصيرة في الفصول.
الفصل الأول: إبطال التثليث بالبراهين العقلية.
الفصل الثاني: إبطال التثليث بأقوال المسيح ﵇.
الفصل الثالث: إبطال الأدلة النقلية على ألوهية المسيح ﵇.
[ ١٢٣ ]
المقدمة
بيان أمور تفيد الناظر بصيرة في الفصول الأمر الأول: أن كتب العهد القديم ناطقة بأن الله واحد أحد، منزه عن الصاحبة والولد، حي لا يموت، قادر يفعل ما يشاء، ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، وهذا الأمر لشهرته وكثرته في تلك الكتب غير محتاج إلى نقل الشواهد.
الأمر الثاني: أن عبادة غير الله حرام، وحرمتها التوراة في فقرات كثيرة، منها سفر الخروج ٢٠ / ٣ و٤ و٥ و٢٣، و٣٤ / ١٤ و١٧، وسفر التثنية ١٣ / ١ -١١، و١٧ / ٢ -٧، وصرحت التوراة بوجوب قتل من دعا إلى عبادة غير الله ولو كان هذا الداعي نبيا ذا معجزات عظيمة، وكذلك صرحت التوراة بوجوب رجم كل من عبد غير الله أو رغب في عبادة غير الله، سواء كان هذا العابد رجلا أو امرأة، وسواء كان المرغب من الأقرباء أو الأصدقاء.
الأمر الثالث: وردت في التوراة فقرات تفيد التنزيه لله تعالى وأنه ليس له شبيه، ففي سفر التثنية ٤ / ١٢ و١٥: (١٢) فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعون صوت كلام ولكن لم تروا صورة بل صوتا (١٥) فاحتفظوا جدا لأنفسكم. فإنكم لم تروا صورة ما يوم كلمكم الرب في حوريب من وسط النار) .
ووردت في العهد الجديد فقرات تفيد أن رؤية الله ممتنعة في الدنيا، ففي إنجيل يوحنا ١ / ١٨: (الله لم يره أحد قط) .
وفي رسالة بولس الأول إلى تيموثاوس ٦ / ١٦: (لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه) .
[ ١٢٥ ]
وفي رسالة يوحنا الأولى ٤ / ١٢: (الله لم ينظره أحد قط) .
فثبت من الفقرات السابقة أن الله تعالى ليس له شبيه، وأن رؤية الله في الدنيا غير واقعة، وأن من كان مرئيا لا يكون إلها قط ولو أطلق عليه في كلام الله أو الأنبياء أو الحواريين لفظ (الله) أو (رب)؛ لأنه لا يجوز الأخذ بالفقرات المخالفة للبرهان العقلي وترك الفقرات السابقة التي مضمونها مطابق للبرهان العقلي، فقد ورد في مواضع غير محصورة من كتب العهدين إطلاق لفظ (إله) على الملك وعلى موسى وعلى قضاة بني إسرائيل وعلى الإنسان الكامل، بل وعلى آحاد الناس وعلى الشيطان الرجيم، وذلك لأنه يكون لإطلاق مثل هذا اللفظ على غير الله تعالى وجه مناسب لكل محل، ويدل سوق الكلام على ذلك الوجه بحيث لا يشتبه على الناظر في بادي الرأي، فلا يجوز لعاقل أن يستدل بإطلاق هذا اللفظ على بعض بني آدم أنه إله أو ابن الله، وينبذ وراءه جميع البراهين العقلية القطعية وكذلك البراهين النقلية الصحيحة.
الأمر الرابع: عقيدة التثليث لم يأت بها نبي من الأنبياء، ولا نزلت في كتاب من الكتب السماوية، وعدم ورودها في التوراة غير محتاج إلى بيان؛ لأن من طالع التوراة الحالية لا يجد فيها ذكرا صريحا ولا إشارة أو تلميحا لهذا الأمر، وعلماء اليهود من عهد موسى ﵇ إلى هذا الزمان لا يعترفون بعقيدة التثليث، ولا يرضون بنسبتها إلى كتبهم، فلو كانت عقيدة التثليث حقا لوجب على موسى وسائر أنبياء بني إسرائيل - وآخرهم عيسى ﵇ - أن يبينوها حق التبيين، فقد كانوا مأمورين بالعمل بجميع أحكام التوراة في الشريعة والعقيدة، وأهل التثليث يعتقدون أن عقيدتهم هذه هي مدار النجاة ولا يمكن نجاة أحد بدونها نبيا كان أو غير نبي، فكيف فارق أنبياء بني إسرائيل كلهم الدنيا دون أن يبينوا هذه العقيدة بيانا واضحا وصريحا؟! وهم في نفس الوقت بينوا أمورا وأحكاما أقل أهمية من هذه العقيدة، وكرروا البيان لبعض الأحكام مرة بعد أخرى، وأكدوا على المحافظة عليها والعمل بها تأكيدا بليغا، وأوجبوا
[ ١٢٦ ]
القتل على تارك بعضها، فالعجب كل العجب أن عيسى ﵇ الذي هو خاتم أنبياء بني إسرائيل والذي هو أحد أركان الثالوث عند النصارى عرج إلى السماء دون أن يبين لأتباعه هذه العقيدة بكلام واضح غير محتاج إلى التأويل، كأن يقول مثلا: إن الله ثلاثة أقانيم: الآب والابن والروح القدس، وإن أقنوم الابن - الإله الثاني - متعلق بي بالعلاقة الفلانية، أو بعلاقة فهمها خارج عن إدراك عقولكم، أو أن يقول أي كلام آخر صريح في بيان هذه العقيدة.
والصواب أن أهل التثليث ليس في أيديهم أي دليل على عقيدتهم، وأنهم يأتون بتأويلات بعيدة لأقوال ظاهرة لا تحتمل التأويل.
وإن صاحب كتاب (ميزان الحق) الدكتور القسيس فندر سأل سؤالا في كتابه المسمى (مفتاح الأسرار) وهو: لم لم يبين المسيح ألوهيته ببيان واضح؟! ولم لم يقل باختصار: إني أنا الله؟ ثم أجاب نفسه على هذا السؤال بقوله: إنه ما كان أحد يقدر على فهم هذه العلاقة والوحدانية قبل قيامه من الأموات وعروجه إلى السماء، فلو قال صراحة: إني أنا الله، لفهموا أنه إله بحسب الجسم الإنساني، وهذا باطل، وهناك أمور كثيرة قال في حقها لتلاميذه كما في إنجيل يوحنا ١٦ / ١٢: (إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن) . ولذلك فإن علماء اليهود أرادوا مرارا أن يأخذوه ويرجموه، وهو ما كان يبين لهم ألوهيته بين أيديهم إلا على طريق الألغاز.
ففي الرد على جواب الدكتور فندر نقول أولا: إن هذا جواب ضعيف غاية الضعف؛ لأن زعمه عدم قدرة أحد أن يفهم عقيدة التثليث وعقيدة ألوهية المسيح قبل قيامه وعروجه فلأن بإمكان المسيح أن يقول لأتباعه ولليهود: إن علاقة الاتحاد التي بين جسمي وبين الأقنوم الثاني (أقنوم الابن) فهمها خارج عن وسعكم، فاتركوا البحث فيها واعتقدوا بأني إله، وأني لست إلها باعتبار الجسم بل بعلاقة الاتحاد التي فهمها خارج عن إدراك عقولكم.
[ ١٢٧ ]
ولكن العجب أيضا أن عدم القدرة على فهم علاقة الاتحاد المذكور باقية بعد عروج المسيح أيضا، وإلى الآن لا يستطيع عالم من علماء النصارى أن يبين كيفية هذه العلاقة، وكتبهم مليئة بالاعترافات في عدة مواضع أن هذا الأمر من الأسرار الخارجة عن إدراك العقل، ومن أراد التأكد فليرجع إلى قاموس الكتاب المقدس الذي اشترك في تأليفه أكثر من عشرين عالما لاهوتيا من علمائهم، ولينظر بنفسه كيف تخبطوا تخبطا واضحا في شرح كلمة: تثليث.
ونقول ثانيا: لماذا خاف المسيح من اليهود فلم يبين لهم ألوهيته إلا بطريق الألغاز؟! وأنتم تزعمون أن المسيح ما جاء إلا ليكون كفارة لذنوب الخلق بأن يصلبه اليهود، وأنه كان يعلم يقينا أنهم يصلبونه، فأي محل للخوف من اليهود في بيان هذه العقيدة الضرورية للنجاة؟! وكيف يخاف الإله العظيم خالق السماوات والأرضين من أذل أقوام الدنيا والحال أن بعض الأنبياء بينوا الحق لبني إسرائيل دون خوف منهم، فأوذي بعضهم إيذاء شديدا، وقتل بعضهم؟!
ثم إن المسيح ﵇ شدد في الإنكار على الكتبة والفريسيين ووصفهم بأنهم مراءون وقادة عميان وجهال وحيات وأفاع، وأظهر قبائحهم على رؤوس الأشهاد حتى شكا بعضهم بأنك تشتمنا (إنجيل متى ٢٣ ١٣ - ٣٧، وإنجيل لوقا ١١ ٣٧ - ٥٤) فالمسيح الذي بين لعلماء اليهود بعض مخالفاتهم وعنفهم عليها تعنيفا شديدا، ووصفهم بأوصاف قاسية دون خوف منهم، فكيف يظن به أن يحمله الخوف منهم على أن يترك بيان العقيدة الضرورية للنجاة؟! حاشا وكلا أن يكون جنابه الشريف عند هذا الظن الفاسد.
[ ١٢٨ ]
[الفصل الأول إبطال التثليث بالبرهان العقلي]
الفصل الأول
إبطال التثليث بالبرهان العقلي النصارى يعتقدون أن التثليث حقيقي والتوحيد حقيقي، ولكن إذا وجد التثليث الحقيقي وجدت الكثرة الحقيقية أيضا، وإذا ثبت التثليث والكثرة الحقيقيان انتفى التوحيد الحقيقي ولا يمكن ثبوته، وإلا يلزم اجتماع الضدين الحقيقيين، وهو محال، ويلزم تعدد واجبي الوجود، وهو محال أيضا، فالقائل بالتثليث لا يمكن أن يكون موحدا لله توحيدا حقيقيا؛ لأن الواحد الحقيقي ليس له ثلث صحيح وليس هو مجموع آحاد، أما الثلاثة فلها ثلث صحيح هو واحد، وهي مجموع آحاد ثلاثة، فالواحد الحقيقي جزء الثلاثة، فلو اجتمعا في محل واحد يلزم منه كون الجزء كلا والكل جزءا، ويلزم منه أيضا كون الواحد ثلث نفسه وهو ثلاثة أميال الثلاثة، والثلاثة ثلث الواحد وهي ثلاثة أمثال نفسها. وكلها لوازم يرفضها العقل بالبداهة.
وبناء على ذلك فإن التثليث الحقيقي ممتنع في ذات الله تعالى، فلو وجد قول في كتب النصارى يدل على التثليث بحسب الظاهر فيجب تأويله ليطابق العقل والنقل، فإن العقل والنقل يدلان على امتناع التثليث في ذات الله تعالى.
وقد قام جرجيس صال (سيل) بترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنكليزية وطبعت هذه الترجمة سنة ١٨٣٦م، وكان قد وصى قومه بوصايا منها قوله: لا تعلموا المسلمين المسائل التي هي مخالفة للعقل؛ لأنهم ليسوا حمقى حتى نغلب عليهم في هذه المسائل، كعبادة الصنم والعشاء الرباني،
[ ١٢٩ ]
لأنهم يعثرون كثيرا من هذه المسائل، وكل كنيسة فيها هذه المسائل لا تقدر أن تجذبهم إليها.
فانظر كيف اعترف هذا القسيس بأن في دينه مسائل مخالفة للعقل، والصواب أن أهل الدين الذي فيه مثل هذه المسائل مشركون يقينا، وقد قال علماء الإسلام: لا نرى مذهبا في الدنيا أشد ركاكة وبعدا عن العقل من مذهب النصارى، ولا نرى في الدنيا مقالة أشد فسادا وأظهر بطلانا من مقالتهم.
[ ١٣٠ ]
[الفصل الثاني إبطال التثليث بأقوال المسيح ﵇]
الفصل الثاني
إبطال التثليث بأقوال المسيح ﵇ القول الأول: ورد في إنجيل يوحنا ١٧ / ٣ قول عيسى ﵇ مخاطبا الله تعالى: (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته) .
فقد بين عيسى ﵇ أن الحياة الأبدية تنال بالإيمان بتوحيد الله تعالى وبرسالة رسوله عيسى، ولم يقل: إن الحياة الأبدية تنال بالإيمان بتثليث الأقانيم الإلهية، ولا بالإيمان بأن عيسى إله وابن الله، ولما كان قول عيسى هنا في خطاب الله تعالى فلا احتمال هنا لخوفه من اليهود، فلو كان اعتقاد التثليث وألوهية عيسى مدار النجاة لبينه، ولكن مدار النجاة والحياة الأبدية باعتقاد التوحيد الحقيقي لله وبأن المسيح رسوله، والاعتقاد بعكس ذلك هو الهلاك الأبدي والضلال المبين؛ لأن كون الله واحدا ضد لكونه ثلاثة، وكون المسيح رسولا ضد لكونه إلها، والمرسل غير الرسول المرسل.
القول الثاني: ورد في إنجيل مرقس ١٢ / ٢٨ -٣٤: (٢٨) فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون فلما رأى أنه أجابهم حسنا سأله أية وصية هي أول الكل (٢٩) فأجابه يسوع إن أول كل الوصايا هي اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد (٣٠) وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك. هذه هي الوصية الأولى (٣١) وثانية مثلها هي
[ ١٣١ ]
تحب قريبك كنفسك. ليس وصية أخرى أعظم من هاتين (٣٢) فقال له الكاتب جيدا يا معلم بالحق قلت لأنه الله واحد وليس آخر سواه (٣٣) ومحبته من كل القلب ومن كل الفهم ومن كل النفس ومن كل القدرة ومحبة القريب كالنفس هي أفضل من جميع المحرقات والذبائح (٣٤) فلما رآه يسوع أنه أجاب بعقل قال له لست بعيدا عن ملكوت الله) .
وهذه الفقرات وردت في إنجيل متى ٢٢ / ٣٤ -٤٠، وأكتفي بنقل الفقرة (٤٠) وهي قول عيسى ﵇: (بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء) .
فقد أكدت الفقرات السابقة على أن أول الوصايا الموصي بها في التوراة وفي سائر كتب الأنبياء والتي هي مدار النجاة الاعتقاد بأن الله واحد لا إله غيره، ولو كان اعتقاد التثليث وألوهية المسيح حقا لكان مبينا في التوراة وفي جميع كتب الأنبياء. ولقال عيسى في جواب السائل: إن أول الوصايا هي الاعتقاد بأن الله واحد ذو أقانيم ثلاثة، وأني الإله الثاني وابن الله، وبما أن عيسى لم يقل ذلك ولم ترد إشارة له لا في التوراة ولا في كتب الأنبياء ثبت أن النجاة تكون باعتقاد التوحيد الحقيقي لله المناقض لاعتقاد التثليث ولاعتقاد الشريك والولد.
وكتب العهد القديم مليئة بالنصوص المصرحة بتوحيد الله تعالى، وعلى سبيل المثال انظر (سفر التثنية ٤ / ٣٥ و٣٩، و٦ / ٤ -٥، وسفر إشعياء ٤٥ / ٥ -٦، و٤٦ / ٩) .
القول الثالث: ورد في إنجيل مرقس ١٣: (وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب) .
فهذا القول ينادي على بطلان التثليث وألوهية المسيح؛ لأنه ﵇ خصص علم ساعة القيامة بالله وحده، ونفى عن نفسه علمها كما نفاه عن
[ ١٣٢ ]
عباد الله الآخرين، وسوى بين نفسه وبينهم في عدم العلم، ولو كان إلها لكان يعلم وقت القيامة ولما نفى عن نفسه العلم بها.
القول الرابع: ورد في إنجيل متى ٢٧ / ٤٦ و٥٠: (٤٦) ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا إيلي إيلي لما شبقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني (٥٠) فصرخ يسوع أيضا بصوت عظيم وأسلم الروح) .
وهذا القول الذي صدر عن المسيح في آخر نفس من حياته بزعمهم ينفي ألوهيته؛ لأنه لو كان إلها لما استغاث بإله آخر، فالإله الحقيقي يمتنع عليه صفات النقص كالضعف والتعب والإعياء والصراخ والاستغاثة والعجز والموت، وهو حي قدوس، ففي سفر إشعياء ٤٠ / ٢٨: (أما عرفت أم لم تسمع. إله الدهر الرب خالق أطراف الأرض لا يكل ولا يعيا) .
ومثل فقرة سفر إشعياء فقرات كثيرة في كتب العهدين (انظر: سفر إشعياء ٤٤ / ٦، وسفر إرميا ١٠ / ١٠، وسفر حبقوق ١ / ١٢، ورسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس ١ / ١٧) وكلها فقرات تدل على أن الإله الحقيقي هو إله سرمدي حي قدوس لا يموت ولا إله غيره، بريء من الضعف والتعب والعجز، فهل يكون العاجز الفاني الميت إلها؟! لا شك أن الإله الحقيقي هو الذي استغاث به عيسى في هذا الوقت على زعمهم.
وهنا ألفت نظر القاريء إلى أن فقرة سفر حبقوق ١ / ١٢ في الطبعات القديمة كما يلي: (يارب إلهي قدوسي لا تموت) فوردت فيها كلمة (تموت) بتاءين، أي تنفي الموت عن الله تعالى، وفي الطبعات الحديثة حرفت التاء الأولى وكتبت نون (ن)، فوردت فيها هذه الكلمة بالنون أي (لا نموت) .
[ ١٣٣ ]
وذلك لتأكيد قتل المسيح الذي هو الله بزعمهم، وكلمة (لا نموت) بالنون لا معنى لها هنا، ولا فائدة منها في سياق هذا الموضع، فانظر كيف حملهم الدفاع عن عقيدة باطلة إلى تحريف كتابهم.
القول الخامس: ورد في إنجيل يوحنا ٢٠ / ١٧ أن عيسى ﵇ قال لمريم المجدلية: (ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم) .
ففي هذا القول سوى المسيح ﵇ بينه وبين سائر الناس في أن الله أبوه وأبوهم وإلهه وإلههم؛ لكيلا يتقولوا عليه الباطل فيقولوا إنه إله وابن الله، فكما أن تلاميذه هم عبادُ الله وليسوا أبناء الله على الحقيقة بل بالمعنى المجازي، فكذلك عيسى هو عبد الله وليس ابن الله على الحقيقة، وكما لم يلزم من بنوتهم لله كونهم آلهة فكذلك لا يلزم من بنوته لله كونه إلها، ولما كان هذا القول صدر عن المسيح بعد قيامه من الأموات على زعمهم أي قبل العروج بقليل ثبت أنه كان يصرح بأنه عبد الله وأن الله إلهه وإلههم إلى آخر لحظة من وجوده على الأرض، وهذا مطابق لأقوال المسيح الواردة في قوله تعالى عنه في سورة آل عمران آية ٥١: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [آل عمران: ٥١] وقوله تعالى عنه في سورة المائدة آية ٧٢ وآية ١١٧: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] وقوله تعالى عنه في سورة مريم آية ٣٦: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [مريم: ٣٦] وقوله تعالى عنه في سورة الزخرف آية ٦٤: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الزخرف: ٦٤]
فالقول بالتثليث وألوهية المسيح يناقض آخر كلمات تكلم بها المسيح وودع بها تلاميذه قبل رفعه؛ لأنه بقي إلى تلك اللحظة يدعو إلى اعتقاد توحيد الله ووجوب عبادته، واعتقاد عبودية المسيح لله ربِّه.
القول السادس: وردت في الأناجيل فقرات كثيرة يصعب حصرها صرح
[ ١٣٤ ]
فيها المسيح ﵇ بأنه إنسانٌ معلِّمٌ ورسولٌ نبي يوحي إليه، ومن هذه الفقرات لمن أراد الرجوع إليها ما ورد في إنجيل متّى ١٠ / ٤٠، و١١ / ١٩، و١٣ / ٥٧، و١٥، و١٧ / ١٢ و٢٢، و١٩ / ١٦، و٢١ / ١١ و٤٦، و٢٣ و١٠، و٢٦ / ١٨ وما ورد في إنجيل مرقس ٩ / ٣٧ و٣٨، و١٠ / ٣٥.
وما ورد في إنجيل لوقا ٤ / ٤٣، و٥ / ٥، و٧ / ١٦ و٣٩ و٤٠، و٨ / ٢٤ و٤٥، و٩ / ٣٣ و٣٨ و٥٦، و١٠ / ١٦، و١٢ / ١٣، و١٣ / ٣٣ و٣٤، و١٧ / ١٣، و٢٣ / ٤٧، و٢٤ / ١٩.
وما ورد في إنجيل يوحنا ١ / ٣٨، و٤ / ١٩ و٣١ و٣٤، و٥،٢٤ و٣٦ و٣٧، و٦ / ١٤ و٢٥، و٧ / ١٥ و١٦ و١٧ و١٨ و٥٢، و٨ / ١٦ و١٨ و٢٦ و٢٨ و٢٩ و٤٠ و٤٢، و٩ / ١١ و١٥ و١٧، و١١ / ٤٢، و١٢ / ٤٤ و٤٩ و٥٠، و١٣ / ١٣ و١٤، و١٤، و١٧ / ٣ و٨ و١٨ و٢٥، و٢٠ / ١٦ و٢١. وأكتفي بذكر بعضها:
ففي إنجيل متى ١٠ / ٤٠: (من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني) .
وفيه ١٥: (فأجاب وقال لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة) .
وفيه ٢١ / ١١: (فقالت الجموع هذا يسوعُ النبي الذي من ناصرة الجليل) .
وفيه ٢٣ و١٠ قول المسيح لتلاميذه: (لأن معلمكم واحد المسيح) .
وفي إنجيل لوقا ٤ / ٤٣: (فقال لهم إنه ينبغي لي أن أبشر المدن الأخر أيضا بملكوت الله لأني لهذا قد أرسلت) .
وفيه ٧ / ١٦ بعد أن أحيا المسيح ميتا: (فأخذ الجميع خوف ومجدوا الله
[ ١٣٥ ]
قائلين قد قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه) .
وفيه ١٠ / ١٦: (الذي يسمع منكم يسمع مني. والذي يرذلكم يرذلني. والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني) .
وفي إنجيل يوحنا ٥ / ٣٦ و٣٧: (٣٦) هذه الأعمال بعينها التي أنا أعملها هي تشهد لي أن الآب قد أرسلني (٣٧) والآب نفسه الذي أرسلني يشهد لي. لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته) .
وفيه ٦ / ١٤ بعد معجزة تكثير الطعام: (فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم) .
وفيه ٧ / ١٥ -١٧: (١٥) فتعجب اليهود قائلين كيف هذا يعرف الكتب وهو لم يتعلم (١٦) أجابهم يسوع وقال تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني (١٧) إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله أم أتكلم أنا من نفسي) .
وفيه ٨ / ١٨ و٢٦ و٢٩ و٤٠ و٤٢: (١٨) ويشهد لي الآب الذي أرسلني (٢٦) لكن الذي أرسلني هو حق. وأنا ما سمعته منه فهذا أقوله للعالم (٢٩) والذي أرسلني هو معي ولم يتركني (٤٠) ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله (٤٢) لأني لم آت من نفسي بل ذاك أرسلني) .
وفيه ٩ / ١٠ و١١ و١٧ في معجزة إبراء الأكمه: (١٠) فقالوا له كيف انفتحت عيناك (١١) أجاب ذاك وقال: إنسان يقال له يسوع صنع طينا وطلى عيني (١٧) قالوا أيضا للأعمى ماذا تقول أنت عنه من حيث إنه فتح عينيك؟ فقال: إنه نبي) .
[ ١٣٦ ]
وفيه ١٣ / ١٣: (أنتم تدعونني معلما وسيدا وحسنا تقولون لأني أنا كذلك) .
وفيه ١٤: (والكلام الذي تسمعونه ليس لي بل للآب الذي أرسلني) .
ففي هذه الأقوال صرح المسيح ﵇ بأنه إنسان معلم لتلاميذه، ونبي مرسل من الله، وأن الله يوحي إليه، فهو لا يتكلم إلا بالحق الذي سمعه من الله تعالى، وهو أمين على الوحي لا يخفي منه شيئا، ويعلمه لأتباعه كما تلقاه من ربه، وكان الله تعالى يجري المعجزات على يديه بصفته إنسانا نبيا مرسلا، لا بصفته إلها وابن الله.
القول السابع: ورد في إنجيل متى ٢٦ / ٣٦ -٤٦: (٣٦) حينئذ جاء معهم يسوع إلى ضيعة يقال لها جَثْسَيْمَانِي فقال للتلاميذ اجلسوا هاهنا حتى أمضي وأصلي هناك (٣٧) ثم أخذ معه بطرس وابني زبدي وابتدأ يحزن ويكتئب (٣٨) فقال لهم نفسي حزينة جدا حتى الموت. امكثوا هاهنا واسهروا معي (٣٩) ثم تقدم قليلا وخر على وجهه وكان يصلي قائلا يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس. ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت (٤٠) ثم جاء إلى التلاميذ فوجدهم نياما. فقال لبطرس أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة (٤١) اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة. أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف (٤٢) فمضى أيضا ثانية وصلى قائلا يا أبتاه إن لم يمكن أن تعبر عني هذه الكأس إلا أن أشربها فلتكن مشيئتك (٤٣) ثم جاء فوجدهم أيضا نياما إذ كانت أعينهم ثقيلة (٤٤) فتركهم ومضى أيضا وصلى ثالثة قائلا ذلك الكلام بعينه (٤٥) ثم جاء إلى تلاميذه وقال لهم ناموا الآن واستريحوا، هو ذا الساعة قد اقتربت وابن الإنسان يسلم إلى أيدي الخطاة (٤٦) .
[ ١٣٧ ]
قوموا ننطلق هو ذا الذي يسلمني قد اقترب.
ومثل هذه الفقرات ما ورد في إنجيل لوقا ٢٢ / ٣٩ -٤٦، فأقوال المسيح وأحواله المندرجة في هذه الفقرات تدل دلالة قطعية على عبوديته لله، وأنه ليس إلها ولا ابن الله؛ لأن الذي يحزن ويكتئب ويصلي ويدعو بغاية التضرع ويموت يكون بشرا مخلوقا وليس إلها خالقا.
[ ١٣٨ ]
[الفصل الثالث إبطال الأدلة النقلية على ألوهية المسيح]
الفصل الثالث
إبطال الأدلة النقلية على ألوهية المسيح يستدل النصارى على ألوهية المسيح ببعض النقول الواردة في الأناجيل (ومعظمها في إنجيل يوحنا)، وفيما يلي إيراد أدلتهم وإبطال استدلالهم بها:
دليلهم الأول: إطلاق لفظ (ابن الله) على المسيح ﵇.
وهذا الدليل باطل لوجهين:
أولهما: أن إطلاق لفظ ابن الله على المسيح معارض بإطلاق لفظ ابن الإنسان عليه ولفظ ابن داود أيضا، انظر مثلا إطلاق لفظ ابن الإنسان في إنجيل متى ٨، و٩ / ٦، و١٦ / ١٣ و٢٧، و١٧ / ٩ و١٢و٢٢، و١٨ / ١١، و١٩ / ٢٨، و٢٠ / ١٨ و٢٨، و٢٤ / ٢٧، و٢٦ و٤٥ و٦٤.
وانظر مثلا إطلاق لفظ ابن داود في إنجيل متى ٩ / ٢٧، و١٢، و١٥ / ٢٢، و٢٠ و٣١، و٢١ / ٩ و١٥، و٢٢ / ٤٢، وفي إنجيل مرقس ١٠ / ٤٧ و٤٨، وفي إنجيل لوقا ١٨ / ٣٨ و٣٩.
وكذلك سلسلة نسب المسيح التي تنسبه إلى داود ﵇، ثم إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ مذكورة في إنجيل متى ١ / ١ -١٧، وفي إنجيل لوقا ٣ / ٢٣ - ٣٤، فإذا كان المسيح يرجع نسبه إلى الأنبياء المذكورين الذين هم من نسل الإنسان آدم ﵇ فلا شك إذن في أنه ابن الإنسان، وظاهر أن ابن الإنسان لا يكون إلا إنسانا وليس ابن الله.
وثانيهما: أن لفظ الابن في قولهم (ابن الله) لا يصح أن يكون بمعناه
[ ١٣٩ ]
الحقيقي؛ لأن المعنى الحقيقي للفظ الابن باتفاق جميع لغات أهل العالم هو المتولد من نطفة الأبوين، وهو محال هاهنا، فلابد من الحمل على المعنى المجازي المناسب لشأن المسيح ﵇، أي بمعنى الإنسان الصالح البار.
والدليل على ذلك المعنى المجازي قول قائد المائة الوارد في إنجيلي مرقس ولوقا، ففي إنجيل مرقس ١٥ / ٣٩: (قال حقا كان هذا الإنسان ابن الله)، وفي إنجيل لوقا ٢٣ / ٤٧: (فلما رأى قائد المائة ما كان مجد الله قائلا بالحقيقة كان هذا الإنسان بارا) .
فوقع لفظ البار عند لوقا مكان لفظ ابن الله عند مرقس، وبغض النظر عن أن هذا التناقض بين اللفظين هو بسبب التحريف المستمر الواقع في الأناجيل لإثبات ألوهية المسيح، فعلى فرض صحة اللفظين ففيهما دليل على جواز إطلاق لفظ ابن الله على الإنسان الصالح البار، وبخاصة أنه ورد في الموضعين وصف قائد المائة للمسيح بأنه إنسان.
وقد ورد في الأناجيل إطلاق لفظ ابن الله على غير المسيح من الصالحين، كما ورد إطلاق لفظ ابن إبليس على فاعلي الشر، ففي إنجيل متى ٥ / ٩ و٤٤ و٤٥: (٩) طوبى لصانعي السلام. لأنهم أبناء الله يدعون (٤٤) وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم (٤٥) لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات) .
فأطلق عيسى على صانعي السلام والصالحين العاملين بما ذكر لفظ أبناء الله، وعلى الله لفظ الأب بالنسبة إليهم.
ووقعت مكالمة بين المسيح ﵇ وبين اليهود أقتطف بعض فقراتها من إنجيل يوحنا ٨ / ٤١ و٤٢ و٤٤: (٤١) أنتم تعلمون أعمال أبيكم. فقالوا
[ ١٤٠ ]
له: إننا لم نولد من زنا. لنا أب واحد وهو الله (٤٢) فقال لهم يسوع لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني. . (٤٤) أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا. . لأنه كذاب وأبو الكذاب) .
فاليهود ادعوا أنهم أبناء الله، أي صالحون مطيعون لله، فرد عليهم المسيح ﵇ بأنهم كذابون مطيعون للشيطان، فهم أبناؤه؛ لأنه كذاب وأبو الكذابين، ولا شك أن الله أو الشيطان ليس أبا لهم بالمعنى الحقيقي، فيجب الحمل على المعنى المجازي، ويؤيد هذا الوجوب فقرات كثيرة، منها فقرات رسالة يوحنا الأولى ٣ و٩ و١٠: (٨) من يفعل الخطية فهو من إبليس لأن إبليس من البدء يخطئ. . (٩) كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية لأن زرعه يثبت فيه ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله (١٠) بهذا أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس. . . إلخ) .
ومنها فقرة رسالة يوحنا الأولى ٤ / ٧: (وكل من يحب فقد ولد من الله ويعرف الله) .
ومنها فقرتا رسالة يوحنا الأولى ٥ / ١ -٢: (١) كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فقد ولد من الله. وكل من يحب الوالد يحب المولود منه أيضا (٢) بهذا نعرف أننا نحب أولاد الله إذا أحببنا الله وحفظنا وصاياه) .
ومنها فقرة رسالة بولس إلى أهل رومية ٨ / ١٤: (لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله) .
ومنها فقرة رسالة بولس إلى أهل فيلبي ٢ / ١٤ -١٥: (١٤) افعلوا كل شيء بلا دمدمة ولا مجادلة (١٥) لكي تكونوا بلا لوم وبسطاء أولادا لله بلا عيب) .
[ ١٤١ ]
ولا شك أن جميع المذكورين في الفقرات السابقة ليسوا أولادا لله على الحقيقة، فوجب الحمل على المعنى المجازي، وقد ورد إطلاق لفظ الابن لله وإطلاق لفظ الأب على الله في كتب العهدين في مواضع غير محصورة:
ففي إنجيل لوقا ٣ / ٣٨ أطلق على آدم لفظ: ابن الله.
وفي سفر الخروج ٤ أطلق على إسرائيل لفظ: الابن البكر لله.
وفي مزمور ٨٩ / ٢٦ و٢٧ أطلق على داود لفظ: البكر، وأطلق على الله لفظ: الأب له.
وفي سفر إرميا ٣١ / ٩ أطلق على أفرام لفظ: البكر، وأطلق على الله لفظ: الأب لإسرائيل.
وفي سفر صموئيل الثاني ٧ / ١٤ أطلق على سليمان لفظ: الابن لله، وأطلق على الله لفظ: الأب له.
فلو كان إطلاق لفظ: الابن على المسيح موجبا للألوهية لكان آدم وإسرائيل وأفرام وداود وسليمان أحق بالألوهية من المسيح؛ لأنهم من آباء المسيح، ولأنه أطلق على ثلاثة منهم لفظ: الابن البكر.
وورد إطلاق لفظ: أبناء الله على جميع بني إسرائيل في مواضع منها ما في سفر التثنية ١٤ / ١، و٣٢ / ١٩، وفي سفر إشعياء ١ / ٢، و٣٠ / ١، و٦٣، وفي سفر هوشع ١ / ١٠.
وورد في سفر التكوين ٦ / ٢ و٤ إطلاق لفظ: أبناء الله على أولاد آدم.
وفي سفر إشعياء ٦٣ / ١٦ و٦٤ أطلق على الله لفظ: الأب لجميع بني إسرائيل.
وفي سفر أيوب ٣٨ / ٧: (وهتف جميع بني الله) .
[ ١٤٢ ]
وفي المزمور ٦٨ / ٥: (أبو اليتامى وقاضي الأرامل الله) .
فوجب المصير إلى المعنى المجازي في كل الفقرات السابقة، ولا أحد من أهل الكتاب يقول بأن الإطلاقات المذكورة تفهم على حقيقتها، فكما لا يجوز اعتقاد ألوهية آدم وأولاده ويعقوب وأفرام وداود وسليمان وجميع بني إسرائيل وجميع اليتامى، فكذلك لا يجوز اعتقاد ألوهية المسيح بسبب إطلاق بعض الألفاظ التي لا يراد منها حقيقتها.
دليلهم الثاني: ما ورد أن المسيح من فوق وليس من هذا العالم، فقد ورد في إنجيل يوحنا ٨ قول المسيح: (فقال لهم أنتم من أسفل. أما أنا فمن فوق. أنتم من هذا العالم. أما أنا فلست من هذا العالم) .
فيظنون أن هذا القول يدل على أن المسيح إله نزل من عند الإله الآب الذي هو ليس من هذا العالم.
وهذا التأويل غير صحيح ومخالف للظاهر؛ لأن عيسى ﵇ كان من هذا العالم حقيقة، ويرد على تأويلهم بوجهين:
الأول: أن هذا التأويل مخالف للبراهين العقلية وللنصوص الصريحة.
الثاني: أن عيسى ﵇ قال مثل هذا القول في حق تلاميذه أيضا، ففي إنجيل يوحنا ١٥ / ١٩: (لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته ولكن لأنكم لستم من العالم بل أنا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم) .
وفي إنجيل يوحنا ١٧ / ١٤ و١٦: (١٤) والعالم أبغضكم لأنهم ليسوا من العالم كما أني أنا لست من العالم (١٦) ليسوا من العالم كما أني أنا لست من العالم) .
ففي هذه الفقرات سوى المسيح ﵇ بين نفسه وبين تلاميذه في
[ ١٤٣ ]
عدم كونهم من هذا العالم، فلو كان هذا القول مستلزما لألوهية المسيح كما زعموا للزم أن يكون جميع التلاميذ آلهة، وبما أن النصارى ينكرون ألوهية التلاميذ فثبت بطلان هذا التأويل، والصواب أن المسيح ﵇ وتلاميذه ليسوا من طلاب الدنيا الدنية، بل هم من طلاب الآخرة ورضوان الله، وهذا المجاز شائع في اللغات، فيقال للزهاد والصالحين إنهم ليسوا من هذه الدنيا.
دليلهم الثالث: ما ورد أن المسيح والآب واحد، فقد ورد في إنجيل يوحنا ١٠ قول المسيح: (أنا والآب واحد) .
فهذا القول بزعمهم يدل على اتحاد المسيح بالله، فهو إله مثله.
وهذا التأويل أيضا باطل بوجهين:
الأول: لأن المسيح ﵇ عندهم أيضا هو إنسان ذو نفس ناطقة، وليس بمتحد بهذا الاعتبار، فهم يقولون باتحاد المسيح بالله باعتبار لاهوت المسيح لا باعتبار ناسوته، ولما كان اسم المسيح عندهم يطلق على اللاهوت والناسوت معا بطل تأويلهم السابق.
والثاني: لأن مثل هذا القول وقع في حق الحواريين، ففي إنجيل يوحنا ١٧ / ٢١ -٢٣: (٢١) ليكون الجميع واحدا كما أنك أنت أيها الآب في وأنا فيك ليكونوا هم أيضا واحدا فينا ليؤمن العالم أنك أرسلتني (٢٢) وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدا كما أننا نحن واحد (٢٣) أنا فيهم وأنت في ليكونوا مكملين إلى واحد وليعلم العالم أنك أرسلتني وأحببتهم كما أحببتني) .
فالأقوال الواردة في هذه الفقرات دالة على اتحادهم ببعضهم وبالمسيح، وسوى المسيح بين اتحاده بالله وبين اتحادهم فيما بينهم، وظاهر أن اتحادهم فيما
[ ١٤٤ ]
بينهم ليس حقيقيا، فكذا اتحاد المسيح بالله ليس حقيقيا، والمعنى الصحيح للاتحاد هو طاعة أوامر الله تعالى والعمل بالأعمال الصالحات، وهذا المعنى يشترك فيه المسيح والحواريون وجميع أهل الإيمان، وإنما الفرق باعتبار القوة والضعف، ولا شك أن طاعة المسيح وكمال عبوديته لله أقوى وأشد من طاعة تلاميذه، والمقصود بالوحدة هنا اتفاق مرادهم وأمرهم، فهم واحد في العمل بأوامر الله ومحبته وطاعته، وكما لا يفهم منه اتحاد ذوات الحواريين ببعضهم أو بالمسيح، فكذلك لا يفهم منه اتحاد ذات المسيح بذات الله حقيقة.
دليلهم الرابع: ما ورد أن رؤية المسيح رؤية لله لأنه في الآب والآب فيه، فقد ورد في إنجيل يوحنا ١٤ / ٩ -١٠: (٩) الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب (١٠) ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب في. الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن الآب الحال في هو يعمل الأعمال) .
فهذا الكلام بزعمهم يدل على ألوهية المسيح؛ لأن رؤيته رؤية لله والله حال فيه.
وهذا الاستدلال أيضا باطل بوجهين:
الأول: لأن رؤية الله في الدنيا ممتنعة بنص أسفارهم، فلا تكون رؤية المسيح رؤية لله حقيقة، ويؤولون الرؤية بالمعرفة، ومعرفة المسيح باعتبار الجسمية أيضا لا تفيد الاتحاد، والصواب أن من رأى الأفعال التي يفعلها المسيح فكأنه رأى أفعال الله؛ لأنها حصلت بأمره وإرادته.
الثاني: أنه ورد مثل هذا القول في حق التلاميذ، ففي إنجيل يوحنا ١٤: (في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي وأنتم في وأنا فيكم) .
[ ١٤٥ ]
وفي إنجيل يوحنا ١٧: (أنت أيها الآب في وأنا فيك ليكونوا هم أيضا واحدا فينا) .
وورد في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ٦ / ١٩: (أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله وأنكم لستم لأنفسكم) .
وفي رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس ٦ / ١٦: (فإنكم أنتم هيكل الله الحي) .
وفي رسالة بولس إلى أهل أفسس ٤ / ٦: (إله وآب واحد للكل الذي على الكل وبالكل وفي كلكم) .
فلو كان مثل هذا الكلام مشعرا بالحلول والاتحاد ومثبتا للألوهية للزم أن يكون الحواريون وجميع أهل كورنثوس وجميع أهل أفسس آلهة، والحق أن التأويل الصحيح لهذه الفقرات أن يقال: إن حلول الله في أحد أو حلول أحد فيه، وكذا حلول أحد في المسيح أو حلول المسيح فيه الوارد في هذه الفقرات يقصد به إطاعة أمرهما، فمعرفة المسيح وطاعته بمنزلة معرفة الله وطاعته.
واعلم أيها القارئ الكريم أن نقل الأقوال السابقة هو على فرض صحتها لأجل زيادة الإلزام، ولإثبات بطلان تأويلاتهم في تأليه المسيح ﵇، ونحن المسلمين لا نعتقد جزما أن ما ورد في الأناجيل هو كلام المسيح أو كلام الحواريين؛ لأنه ثبت فقدان إسناد جميع كتبهم بما فيها الأناجيل الأربعة، وعقيدتنا الإسلامية هي أن المسيح ﵇ والحواريين برآء من هذه العقائد الكفرية، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وأن الحواريين رسل عيسى ﵇.
[ ١٤٦ ]