وقبل ذلك لا بد من تقديم مقدمة، وذلك أن نقول:
سبُّ الله أو سبُّ رسوله كفرٌ ظاهرًا وباطنًا، سواء اعتقد السَّابُّ أنه محرَّم أو كان مستحلًّا أو كان ذاهلًا عن اعتقادٍ، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل.
وقد قال إسحاق بن راهوية - وهو أحد الأئمة يُعْدَلُ بالشافعي وأحمد -: "قد أجمع المسلمون أنَّ مَنْ سبَّ اللهَ، أو سبَّ رسولَهُ، أو دفع شيئًا مما أنزل الله، أو قتلَ نبيًّا = أنه كافر وإن كان مقِرًّا بكل ما أنزل الله" (^٢).
وبذلك قال سُحْنون، وقال: ومن شكَّ في كفره كفَر، ونصَّ على ذلك غيرُ واحد من الأئمة؛ أحمد والشافعي وغيره، قال: "كلُّ من هَزَل بشيءٍ من آيات الله فهو كافر" (^٣).
_________________
(١) "الصارم": (٣/ ٩٥٥).
(٢) وحكى نحوه عن إسحاقَ المروزيُّ في "تعظيم قدر الصلاة": (٢/ ٩٣٠).
(٣) انظر "الشفا": (٢/ ٣٩٣).
[ ٩٦ ]
وكذلك قال أصحابُنا وغيرهم: من سبَّ الله أو رسولَه كفر إن كان مازحًا أو جادًّا، وهذا هو الصواب.
وقال القاضي (^١): من سبَّ الله أو رسولَه فإنه يكفر سواءٌ استحلَّه أو لم يستحلَّه، فإن قال: لم استحلّ ذلك، لم يُقبل منه في ظاهر الحكم، روايةً واحدة، وكان مرتدًّا، وإنما يُحْكَم بكفره ظاهرًا، أما في الباطن، فإن كان صادقًا؛ فهو مسلم كما قلنا في الزنديق.
وذكر القاضي عن الفقهاء أن سابَّ النبي - ﷺ - إن استحلَّه كفر، وإن لم يستحلَّه فَسَق ولم يكفر كسابِّ الصحابة، وحُكِيَ عن بعض أهل العراق فيمن سبَّ الرسولَ يُجْلَد، فأنكر ذلك مالكٌ وردَّ فُتْياه (^٢).
وحكى ابنُ حزمٍ أن بعض الناس لم يُكفِّر المستَخِفّ به (^٣).
وذكر القاضي عِياض (^٤) - بعد أن ردَّ هذه الحكاية عن بعض فقهاء العراق والخلاف الذي ذكره ابن حزمٍ - بما نقله من الإجماع عن غير واحدٍ، وحملَ الحكايةَ على أن أُولئك لم يشتهروا بالعلم، وتأوَّل الفُتيا على وجوه.
_________________
(١) أبو يعلى في كتابه "المعتمد في أصول الدين" كما في "الصارم" وهو في عداد المفقود والمطبوع مختصر منه، وليس فيه النقل.
(٢) انظر "الشفا": (٢/ ٤١١).
(٣) انظر "المحلّى": (١٢/ ٤٣١).
(٤) "الشفا": (٢/ ٤١١).
[ ٩٧ ]
قال شيخ الإسلام: والحكاية المذكورة عن الفقهاء أنه إن كان مُستحلًّا كفر وإلا فلا، ليس لها أصل، وإنما نقلها القاضي (^١) من كتاب بعض المتكلِّمين الذين حكوها عن الفقهاء، وهي كَذِب ظنُّوها جاريةً على أصولهم، فلا يظن ظانٌّ أن في المسألة خِلافًا، إنما ذلك غَلَط (^٢).
فصلٌ (^٣)
ثم نعود إلى مقصود المسألة فنقول:
قد ثبت أن كلَّ سبٍّ وشَتْمٍ يُبيح الدمَ فهو كفر، وإن لم يكن كل كفرٍ سبًّا، ونحن نذكر عبارات العلماء.
قال الإمام أحمد (^٤): "من شتم الرسول أو تنقَّصه مسلمًا كان أو كافرًا فعليه القتل، ولا يُستتاب".
وقال: من ذكر شيئًا يُعرِّض بذكر الربِّ فعليه القتل (^٥).
وقال أصحابُنا: التعرُّض لسبِّ الله وسبِّ رسوله رِدَّةٌ كالتصريح (^٦)،
_________________
(١) يعني: أبا يعلى.
(٢) ثم ذكر شيخ الإسلام في هذا الموضع: (٣/ ٩٦٠ - ٩٧٦) شُبَه المرجئة والكرَّامية والجهمية القائلين: إن مجرد السب والاستهزاء ليس بكفر، بل لا بُدَّ معه من الاستحلال. وأجاب عن هذه الشبه بما لا مزيد عليه. وقد لخَّصْنا كلامَه في مقدمة التحقيق (ص/ ٨ - ١٤) فأغنى عن إعادته هنا.
(٣) "الصارم": (٣/ ٩٧٧).
(٤) انظر ما تقدم ص/ ٩٠.
(٥) في رواية حنبل، كما في "الجامع": (٢/ ٣٣٩ - أهل الملل) للخلال.
(٦) انظر "الإنصاف": (١٠/ ٣٣٣).
[ ٩٨ ]
ولا يختلف أصحابُنا أن قذف أمِّه هو من جُملة سبِّه الموجِبِ للقتل وأغْلَظ.
وقال القاضي عِياض (^١): "كلُّ من سبَّه أو عابَه أو ألحقَ به نقصًا في نفسِه أو نَسَبِه أو دينِه أو خَصْلَةٍ من خِصاله، أو عرَّضَ به، أو شبَّهه بشيءٍ على طريق السبِّ له والإزراء عليه، أو الغض منه والعَيْب له = فهو سابٌّ له يُقْتَل، تصريحًا كان أو تلويحًا. وكذلك من لعنه، أو تمنَّى مضرَّةً له، أو دعا عليه، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذمِّ، أو عَيَّبَه في جهته (^٢) العزيزة بِسُخْفٍ من الكلام، وهُجْرٍ ومُنْكرٍ من القول وزورٍ، أو عيَّره بشيءٍ مما يجري من البلاء والمحنة عليه، أو غَمَصَه (^٣) ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة (^٤) لديه.
قال: وهذا كلُّه إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من أصحابه [و] هلُمَّ جرَّا".
وقال مالك: من سبَّه قُتل ولم يُستتب، قال ابن القاسم: أو شتمه أو عابه أو تنقَّصَه قُتِل؛ كالزنديق (^٥).
وذكر بعضُ المالكية أن من دعا على نبيٍّ بشيءٍ من المكروه قُتِلَ بلا استتابة (^٦).
_________________
(١) "الشفا": (٢/ ٣٩٢ - بشرح القاري).
(٢) في الأصل: "جهه" والإصلاح من "الصارم" و"الشفا".
(٣) أي: حقره.
(٤) في الأصل: "المعهود"، وهو سهو.
(٥) انظر "الشفا": (٢/ ٣٩٥).
(٦) ذكره في "الشفا": (٢/ ٣٩٦). والذي في "الصارم" و"الشفاء": "وذكر بعض المالكية إجماع العلماء على أن ".
[ ٩٩ ]
وذكر عياضٌ (^١) أجوبة جماعة من فقهاء المالكية المشاهير بالقتل بدون استتابةٍ في قضايا:
منها: رجلٌ سمع قومًا يتذاكرون صفةَ النبيِّ؛ إذ مرَّ بهم رجلٌ قبيح الوجه واللحية، فقال: تريدون تعرفون صِفَتَه؟ هي صفة هذا المارِّ.
ومنها: رجلٌ قال: النبيُّ - ﷺ - كان أسود.
ومنها: رجلٌ قيل له: "لا وحق رسول الله"! فقال: فعلَ اللهُ به كذا.
ومنها: عَشَّارٌ (^٢) قال: أَدَّ، واشْكُ إلى النبيِّ - ﷺ - (^٣).
ومنها: متفقَّهٌ كان يُسميه في أثناء مناظرته: "اليتيم" و"خَتَن حَيْدرة"، ويزعم أن زهدَه لم يكن قصدًا، ولو قَدَر على الطيَّبات لأكلها وأشباه هذا.
قال الشافعي: كلُّ تعريض فيه استهانة فهو سبٌّ.
وقال أبو حنيفة وأصحابُه - فيمن تنقَّضه، أو بَرئ منه، أو كذَّبه -: إنه مرتدٌّ.
فقد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف على أن التنقُّصَ به كفر مُبِيح للدم، وهم في استتابته على ما تقدَّم من الخلاف، ولا فرقَ
_________________
(١) في "الشفا": (٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨).
(٢) هو الذي يأخذ المكوس - الضرائب -.
(٣) أي أنه غير مبالٍ باطلاع النبي - ﷺ - على أخذه المكس.
[ ١٠٠ ]
في ذلك بين أن يقصد عيبه أو لا يقصده أو يَهْزِل أو يمزح، فهذا كله سواء، فإن الرجل يتكلَّم بالكلمة ما يُلْقي لها بالًا يهوي بها في النار أبعدَ ما بين المشرقَيْن (^١).
ومن قال ما هو سبٌّ وتنقُّصٌ له فقد آذى الله ورسولَه، وهو مأخوذٌ بما يؤذي به الناس من القول الذي هو في نفسه أذًى وإن لم يقصِد أذاهم، ألم تسمع إلى قوله: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ الآية [التوبة: ٦٥].
فمن شاجَرَ غيره وبحث معه في حكم وحَرَجَ (^٢) لذكر رسول الله - ﷺ - حتَّى أفحشَ في منْطِقِه؛ فهو كافرٌ بنصِّ التنزيل؛ لقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ الآية [النساء: ٦٥]. ولا يُعْذر هذا بأن مقصوده ردُّ الخصم.
ومن هذا الباب: قول القائل: "هذه قِسْمَةٌ ما أُرِيْدَ بها وَجْهُ اللهِ" (^٣)، وقول الآخر: "اعْدِل فإنَّك لم تَعْدِل" (^٤)، وقول ذلك الأنصاري: "أنْ كان ابنَ عَمَّتِكَ" (^٥)؛ فإن هذا كفرٌ صريح، وإنما عَفَى عنه كما عَفَى عمَّن قال: "إنَّ هذه لقسمةٌ ما أريدَ بها وجهُ الله"، وعن الذي قال:
_________________
(١) كما جاء في البخاري رقم (٦٤٧٧) عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن العبد ليتكلّم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق".
(٢) أي: ضويق حتى لجأ لذكره واضطر لذلك.
(٣) تقدم ص/ ٧٤.
(٤) هو ذو الخويصرة، وقصته أخرجها البخاري رقم (٦١٥٠)، ومسلم رقم (١٠٦٢) من حديث ابن مسعود - ﵁ -، وجاء من رواية غيره أيضًا.
(٥) يعني: الزبيرَ بنَ العوام في قِصَّة شِرَاجِ الحرة، أخرجها البخاري رقم (٢٣٦٢).
[ ١٠١ ]
"اعْدِل"، وقد ذكرنا (^١) عن عمر - ﵁ - أنه قتل رجلًا لم يرضَ بحكم النبي - ﷺ - فنزل القرآن بموافقته (^٢)، فكيف بمن طعن في حكمه!؟
وقد ذكر طائفةٌ - منهم ابنُ عقيل وأصحابُ الشافعي -: أنَّ هذا كان عقوبته التعزير، ثم منهم من قال: لم يُعَزِّره؛ لأنه غير واجب، ومنهم من قال: عَفَى عنه؛ لأنَّ الحقَّ له. ومنهم من قال: عاقبَه بأن أمرَ الزُّبيرَ أن يسقي ثم يحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، وهذه كلُّها أقوالٌ رديَّة، ولا يستريب من تأمَّل أن هذا كان يستحق القتل.
فإن قيل: ففي روايةٍ صحيحة أنه كان من أهل بدرٍ، ولا يقال عن بدريٍّ: إنه كفر.
فيقال: هذه الزيادة ذكرها أبو اليَمَان عن شُعيب ولم يذكرها أكثر الرواة، فهي وهم (^٣). كما وقع في حديث كعب وهلال بن أميَّة (^٤) أنهما من أهل بدرٍ، ولا يختلفُ أهل المغازي والسِّيَر أنهما لم يشهدا بدرًا (^٥)،
_________________
(١) لم يتقدم شيءٌ في "المختصر"، وإنما هو في أصله: (٢/ ٨٥).
(٢) هذه القصة أخرجها إسحاق بن راهويه في "تفسيره"، وابن دُحَيم في "تفسيره" وابن جرير: (٤/ ١٦٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره". وانظر "الصارم": (٢/ ٨١ - ٨٥)، و"فتح الباري": (٥/ ٤٦)، و"الدر المنثور": (٢/ ٣٢٢). ومال إلى تقويتها ابن تيمية وابن حجر.
(٣) لم يجزم ابن تيمية بأنها وهم وعبارته: "فيمكن أنها وهم".
(٤) كذا وقع هنا ومثله في الأصل: ٣/ ٩٨٧ وفي العبارة سقط صوابه: "كما وقع في حديث كعب [بشأن مرارة بن الربيع] وهلال بن أمية". فلا بد من هذه الزيادة لأن كعبًا صرح بأنه لم يشهد بدرًا، لكن جاء في حديثه أن مرارة وهلالًا من أهل بدرٍ.
(٥) انظر الخلاف في ذلك في "فتح الباري": (٧/ ٣٦١ - ٣٦٢، ٧٢٤ - ٧٢٥)، و"زاد =
[ ١٠٢ ]
ولذلك لم يذكره ابنُ إسحاق في روايته عن الزهري (^١)؛ لكن الظاهر صحتها.
فنقول حينئذٍ: ليس في الحديث أن هذه القِصَّة كانت بعد بدرٍ؛ فلعلَّها كانت قبل بدرٍ، وسُمَّي الرجلُ بدريًا؛ لأن ابن الزبير حدَّثَ بالقِصَّة بعد أن صار الرجلُ بدريًّا. ولو كانت بعد بدرٍ فقد تاب قائلها واستغفر، فإن التوبةَ تجبُّ ما قبلها (^٢).
فصلٌ (^٣)
إذا ثبت أنَّ كلَّ سبًّ تصريحًا أو تعريضًا موجبٌ للقتل، فالذي يجب أن يُعْتَنَى به: الفرق بين السبِّ الذي لا تُقبل منه التوبة والكفر الذي تُقبل منه التوبة، فنقول:
هذا الحكم قد نِيْطَ في الكتاب والسنة باسم أذى الله ورسوله، وفي بعض الأحاديث ذكر الشتم والسبّ، وكذلك ما في ألفاظ الصحابة والفقهاء من ذكر السبّ والشتم، والاسمُ إذا لم يكن له حدٌّ في اللغة، كاسم الأرض والسماء، ولا في الشرع كالصلاة والزكاة والكفر والإيمان، فإنه يُرْجَع في حدِّه إلى العُرْف، كالقَبْض والحِرْز، فيجب أن يُرْجَع في حدِّ الأذى والسبّ والشتم إلى العُرْف، فما عدَّه أهل العُرْف
_________________
(١) = المعاد": (٣/ ٥٧٧)، فمال الحافظ الى شهودهما، ومال ابن القيم إلى عدمه، ولكلٍّ حجَّة ودليل.
(٢) في "السيرة النبوية": (٢/ ٥٣٤).
(٣) وانظر "فتح الباري": (٥/ ٤٤).
(٤) كلمة "فصل" ليست في "الصارم": (٣/ ٩٩٢).
[ ١٠٣ ]
سبًّا أو انتقاصًا أو عيبًا أو طعنًا ونحو ذلك فهو من السبّ، وما لم يكن كذلك [وهو كفر]، فهو كفر وليس بسبٍّ، [والمعتبر أن يكون سبًّا وأذًى للنبي - ﷺ - وإن لم يكن سبًّا وأذًى لغيره] (^١)؛ فعلى هذا كلُّ ما لو قيل لغير النبي - ﷺ - أوجبَ تعزيرًا أو حدًّا بوجهٍ من الوجوه؛ فإنه من باب سبِّ النبي - ﷺ - كالقذف واللعن وغيرهما.
وأما ما يختصّ بالقدح في النبوَّة؛ فإن لم يتضمَّن [إلا] مجرَّد (^٢) عدم التصديق بنبوته؛ فهو كفر محضٌ، وإن كان فيه استخفافٌ واستهانةٌ مع عدم التصديق؛ فهو من السبِّ.
وهنا مسائل اجتهاديَّة يتردَّد الفقهاء هل هي من السبِّ أو من الرِّدة المحضة، ثم ما ثبت أنه ليس بسبٍّ؛ فإنْ استسَرَّ به صاحبُه فهو زندقة حكمه حكم الزنديق، وإلا فهو مرتدٌّ محض، واستقصاء الأنواع والفرق بينها له موضعٌ آخر.
فصلٌ (^٣)
فأما الذمِّي فيجب التفريق بين مجرَّد كفره به وبين سبِّه، فإنَّ كفره به لا ينقض العهدَ ولا يُبِيْحُ دَمَ (^٤) المعاهد بالاتفاق، وأما سبُّه له فإنه ينقض العهدَ ويوجب القتلَ كما تقدم (^٥).
_________________
(١) زيادة متعيِّنة من "الصارم".
(٢) في الأصل: "فإنه لم يتضمن مجرد" والإصلاح من "الصارم".
(٣) "الصارم": (٣/ ٩٩٤).
(٤) في الأصل: "الدم" سهو.
(٥) ص/ ٩٠ - وما بعدها.
[ ١٠٤ ]
قال القاضي: "عَقْد الذمة (^١) يوجب إقرارهم على تكذيبه لا على سبِّه - ﷺ -".
فنقول: الآثار عن الصحابة وعن السَّلف كلها مطلقة فيمن شتم من مسلمٍ ومعاهدٍ لم يُفَصِّلوا بين شتمٍ وشتمٍ، ولا بين أن يكرر الشتم أو لا يكرره، أو يُظهره أو لا يظهره، وأعني بقولي: "لا يظهره"، أن لا يتكلَّم به في ملأٍ من المسلمين، وإلَّا فالحدُّ لا يُقَام عليه حتى يشهد مسلمان أنهما سمعاه يشتم أو يُقرُّ بالشتم، اللهم إلا أن يُفْرَض أنه شتمه في بيته خاليًا؛ فسمعه جيرانه المسلمون أو من استرقَ السمع منهم.
وقال مالك وأحمد: كل من شتمه أو تنقَّصَه مسلمًا كان أو كافرًا قتِل (^٢)، وكذلك أطلقه سائر أصحابنا: أنه إن تنقَّصَه قُتِلَ مسلمًا كان أو كافرًا.
وذكر القاضي وابنُ عقيل: أنَّ ما أبطل الإيمان أبطل الأمانَ إذا أظهروه، وطَرَد ابنُ عقيلٍ (^٣) هذا القياس في كلَّ ما ينقض الإيمان من التثْنِية والتثليث (^٤)، كقول النصارى: إن الله ثالث ثلاثة، ونحو ذلك: أن الذمي متى أظهرَ ما يعلم (^٥) من دينه من الشرك نقضَ العهدَ.
_________________
(١) في "الصارم": "الأمان".
(٢) انظر ما تقدم ص/ ٩٠ - ٩١.
(٣) في "الصارم": "وطرد القاضي وابن عقيل ".
(٤) التثنية في عقيدة المجوس: اعتقاد التدبير والنفع والضُّر في (النور والظُّلمة). والتثليث هي عقيدة النصارى: المعروفة في الأب والابن وروح القدس.
(٥) في "الصارم": "ما تعلمه".
[ ١٠٥ ]
قال القاضي: وقد نصَّ على ذلك أحمد في رواية حنبل: "كل من ذكر شيئًا يعرِّض به الربّ فعليه القتل - مسلمًا كان أو كافرًا - وهذا مذهب أهل المدينة" (^١).
وقال أحمد في رجلٍ يهودي سمع مؤذِّنًا يؤذِّن فقال: كذبتَ، فقال: يُقْتَل لأنه شتم (^٢).
وقال ابن القاسم فيمن سبَّه فقال: ليس بنبيٍّ، أو لم يُرْسَل، أو لم يَنْزل عليه قرآن وإنما هو شيءٌ قاله = يُقْتَل. وإن [قال]: إنه لم يُرْسَل إلينا وإنما أُرسِلَ إلى المسلمين، وإنما نبينا موسى أو عيسى = لا شيءَ عليهم (^٣).
ولو قال: دينه خيرٌ من ديننا = أُدِّب وسُجِن طويلًا وهذا قول محمد بن سُحْنُون، وذكره عن أبيه، ولهم قولٌ إذا سبَّه بالوجه الذي به كَفَرَ (^٤) لا يُقْتَل، وبغيره يُقتل إلا أن يُسْلِم (^٥).
وقال في اليهودي - إذا قال للمؤذَّن حين تشهده "كذبتَ" -: يُعَاقَب ويُسجن (^٦)، قد تقدم نصُّ الإمام أحمد في مثل هذه الصورة على القتل؛ لأنه شَتْم.
_________________
(١) تقدم تخريجه ص/ ٩٨.
(٢) "الجامع": (٢/ ٣٣٩ - أهل الملل).
(٣) انظر "الشفا": (٢/ ٤٨٥).
(٤) في "الصارم": "كفروا".
(٥) "الشفا": (٢/ ٤٨٦).
(٦) المصدر السابق.
[ ١٠٦ ]
وكذلك اختلف أصحاب الشافعيِّ في السبّ الذي ينتقض به عهدُ الذَّمي ويُقْتَل به إذا قلنا بذلك على وجهين:
أحدهما: ينتقض بمطلق السبِّ لنبينا والقدح في ديننا إذا أظهروه، وإن كانوا يعتقدون ذلك دينًا، وهذا قول أكثرهم.
والثاني: أنهم إن ذكروه بما يعتقدونه فيه دينًا (^١) مِن أنه ليس برسولٍ والقرآن ليس بكلام الله؛ فهو كإظهارهم قولهم في المسيح ومعتقدهم في التثليث، قالوا: وهذا لا ينتقض العهدُ به بلا تردد، بل يُعَزَّر على إظهاره.
وأما إذا ذكروه بما لا يعتقدونه دينًا؛ كالطعن في نسبِه؛ فهو الذي قيل فيه: ينقض العهدَ، وهذا اختيار الصيدلاني وأبو المعالي (^٢) وغيرهما.
والأدلَّة تدلُّ على أن السبَّ بما يعتقدونه فيه دينًا وما لا يعتقدونه فيه دينًا سواء، وأنَّ مطلق السبَّ مُوجبٌ للقتل، وقد تقدم ذلك بما فيه كفاية. فإن الذين كانوا يهجونه ويعيبونه وينفَّرون عنه الناس إنما كان ذلك فيما يعتقدونه، ومع ذلك أمرَ بقتلهم.
وهذا الفرق متهَافِتٌ جدًّا (^٣).
وأيضًا: لو قلنا: لا يكون سبًّا إلا ما ليس دينًا لهم أمْكَنَ كلُّ من
_________________
(١) تحرفت العبارة في "الصارم": إلى: "أنهم إذا أظهروه، وإن كانوا يعتقدون فيه دينًا من أنه " وهو انتقال نظر من السطر الذي قبله.
(٢) الصيدلاني تقدَّم، وأبو المعالي هو: إمام الحرمين الجويني ت (٤٧٨).
(٣) ذكر في الأصل ثلاثة وجوه للتهافت، وما ذكره المختصِر هو الثالث.
[ ١٠٧ ]
سبَّه أن (^١) يقول: أنا اعتقده دينًا. وحينئذٍ فنقول:
التكلُّم في تمثيل سبَّه وذكر صفة (^٢) ذلك مما يثقُل على القلب واللسان، ونحن نتعاظم أن نَفُوهَ بذلك؛ لكن للحاجة إلى الكلام فنحن نفرض الكلام في أنواع السبِّ مطلقًا من غير تعيين، والفقيه يأخذ حظَّه من ذلك فنقول:
السبُّ نوعان: دعاءٌ وخبر، أما الدعاء: فمثل أن يقول القائل لغيره من الناس: لَعَنَه الله، قبَّحه الله، أخزاه الله، لا ﵀، لا ﵁، قطعَ اللهُ دابِره، فهذا سبٌّ للأنبياء ولغيرهم، وكذلك لو قال عن نبيٍّ: لا صلَّى الله عليه ولا سلَّم، أو: لا رفع الله ذكرَه، أو: مَحَى الله اسمه، ونحو ذلك من الدعاء بما فيه ضررٌ في الدنيا أو في الدين أو في الآخرة، فهذه كلُّه إذا صدر من مسلمٍ أو من معاهدٍ فهو سبٌّ، فيُقْتَل المسلم بكلَّ حالٍ، والذميُّ يُقْتَل بذلك إذا أظهره.
فأما إن أظهرَ الدعاءَ له وأبطنَ الدعاءَ عليه إبطانًا يُعرف من لَحْن القول، بحيث يفهمه بعض الناس دون البعض، مثل قوله: "السام عليكم" إذا أخرجه مخرج التحية، وأظهر أنه يقول: "السلام"؛ ففيه قولان:
أحدهما: أنه من السبِّ الذي يُقْتَل به، وإنما كان عفو النبي - ﷺ - عن اليهودي حين حيَّاه بذلك حالَ ضعف الإسلام، لمَّا كان مأمورًا بالعفو، وهذا قول طائفةٍ من المالكية والشافعية والحنبلية (^٣).
_________________
(١) غير محررة في الأصل، وفي "الصارم" كما هو مثبت.
(٢) "الصارم": "صفته"!
(٣) انظر "الشفا": (٢/ ٤١٥ - ٤١٦)، و"فتح الباري": (١٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤).
[ ١٠٨ ]
والقول الثاني: أنه ليس من السبِّ الذي ينقض العهد؛ لأنهم لم يُظهروا السبَّ ولم يجهروا به، وإنما أظهروا التحيَّة والسلام لفظًا وحالًا وحذفوا "اللام" حَذْفًا خفيًّا يَفْطُن له بعض السامعين، وقد لا يُفْطَن له (^١)، ولهذا أُمِرْنا أن نردَّ عليهم، وجعل ذلك شرعًا باقيًا فينا، وهذا قول جماعةٍ من المتقدمين من أصحابنا وغيرهم.
ولا يقال: هذا دعاءٌ بالموت وهو حقٌّ ليس بسبٍّ. فإن الدعاء على المسلمين بالموت وترك الدين من أعظم السبِّ، كما أنَّ الدعاءَ بالصحة والسلامة كرامة.
النوع الثاني (^٢): الخبر، فكلُّ ما عدَّه الناسُ شتمًا وسبًّا أو تنقُّصًا، فإنه يجب به القتل كما تقدم، فإن الكفر ليس مستلزمًا للسبِّ، والكلمةُ الواحدةُ تكون في حالٍ سبًّا وفي حالٍ ليست بسبٍّ، فعُلِمَ أنه يختلف باختلاف الناس والأحوال والأقوال، وإذا لم يكن للسبِّ حدٌّ لغويٌّ ولا شَرْعي رُجِعَ فيه إلى العُرْف، فما كان سبًّا في عُرْف الناس حُمِل عليه كلام الصحابة والعلماء وإلا فلا، ونحن نذكر من ذلك أقسامًا فنقول:
لا شكَّ أن إظهار التنقُّص والاستهزاء به عند المسلمين سبٌّ؛ كالتسمية باسم الحمار والكلب، أو وصفه بالمسكنة والخِزْي والمهانة، والإخبار بأنه في العذاب وأنّ عليه آثام الخلائق، وكذلك إظهار التكذيب على وجه الطعن في المكذَّب؛ مثل وصفه بأنه ساحر خادع محتالٌ، وأنه يضرُّ من اتبعه، فإن نَظَمَ ذلكَ شِعرًا فهو أبلغ في الشتم، فإنه يُحْفَظ.
_________________
(١) في "الصارم": (٣/ ١٠٠٧): "وقد لا يفطن له الأكثرون".
(٢) "الصارم": (٣/ ١٠٠٩).
[ ١٠٩ ]
وأما إن أخبر عن معتقده بغير طعنٍ، مثل قوله: لست متَّبعه، لست مصدِّقه، أو: لا أُحبُّه، أو: لا أرضى به (^١) ولا قرينةَ على تنقُّصه، فقد أخبر بمُعْتَقَدِه، وهو [يحصل لجهله] (^٢) أو لعناده وحسدِه وتقليد الأسلاف.
وإذا قال: "لم يكن رسولًا ولا هو نبيٌّ"؛ فهو تكذيب صريح، وكل تكذيب فقد تضمَّن نِسبته إلى الكذب ووصفه بأنه كذاب. لكن بين قوله: "ليس بنبي" وقوله "كذَّاب" فرقٌ من حيث أن هذا إنما تضمَّن التكذيب بواسطة علمنا أنه كان يقول: "إني رسول الله"، وليس من نَفَى عن غيره بعض صفاته نفيًا مجرَّدًا كمن نفاها عنه ناسبًا له إلى التكذيب في دعواها، والمعنى الواحد يؤدَّى بعباراتٍ بعضها يُعَدُّ سبًّا وبعضُها لا يُعَدُّ سبًّا.
* * *
_________________
(١) في "الصارم": "ولا أرضى دينه".
(٢) الكلمتان متآكلتان في الأصل، وانظر نحو ما أثبتُّ في "الصارم".
[ ١١٠ ]
فصلٌ فيمن سبَّ الله تعالى (^١)
فإن كان مسلمًا وجبَ قتله بالإجماع (^٢)؛ لأنه كافر بل أسوأ حالًا منه.
ثم اختلف أصحابنا وغيرهم في قبول توبته، بمعنى أنه هل يُستتاب كالمرتَدّ ويسقط عنه إذا أظهر التوبة بعد رفعه إلى السلطان؟ على قولين:
أحدهما: أنه بمنزلة سابِّ الرسول فيه الروايتان، كالروايتين في سابَّ الرسول، هذه طريقة أبي الخطاب (^٣) ومن تَبِعَه من المتأخَّرين، ويدلُّ عليه كلام أحمد، وهو مذهب أهل المدينة (^٤).
وعلى هذه الطريقة؛ فظاهر المذهب أنه لا يسقط القتل بالتوبة بعد القدرة عليه كما ذكرنا في سابَّ الرسول.
وأما الرَّواية الثانية: فإنه يكون مرتدًّا، وبالرواية الأولى قال مالك والليث وابن القاسم= إنه يُقْتَل ولم يُسْتَتَب (^٥).
_________________
(١) "الصارم": (٣/ ١٠١٧).
(٢) انظر "الشفا": (٢/ ٤٩١).
(٣) انظر "الهداية": (٢/ ١١٠).
(٤) انظر ما تقدم.
(٥) انظر "الشفا": (٢/ ٤٩١).
[ ١١١ ]
والثاني: يُسْتتاب وتُقْبَل توبتُه بمنزلة المرتدَّ، وهذا قول القاضي والشريف (^١) وابن البنَّاء وابن عقيل، مع قولهم: إن سابَّ الرسول لا يُستتاب وهو قول طائفةٍ من المدنيين، وكذا ذكره أصحاب الشافعي، قالوا: سبُّ اللهِ رِدَّة، وهذا مذهب أبي حنيفة.
فأمَّا مأْخَذ من استتاب السابّ لله ورسوله؛ فقالوا: هو رِدَّةٌ، ومن فرَّق قال: سبُّ الله كفرٌ محضٌ حقٌّ لله، وهو - سبحانه - علم منه أنه يُسْقِط حقَّه عن التائب ولا يلحقه غضاضة ولا مَعَرَّةٌ، وحُرْمته في قلوب العِباد أعظمُ من أن تهتكها جُرْأةُ أحدٍ، وبهذا يظهر الفرقُ بينه وبين الرسول، ولأنه حق آدميٍّ فلا يسقط بالتوبة.
وبالنظر إلى أنه حقٌّ لله، فما انتهكه من حُرْمة الله لا ينجبر إلا بالحدِّ فأشبه الزنا والسَّرقة والشرب.
فصلٌ (^٢)
وإن كان السابُّ لله ذِمِّيًّا؛ فهو كما لو سبَّ الرسول، وقد تقدَّم نصُّ أحمد أنه يُقتل مسلمًا كان أو ذِميًّا (^٣)، وكذلك أصحابنا وكذا مذهب مالكٍ وأصحابِه، وكذلك أصحاب الشافعي؛ لكن هنا مسألتان:
إحداهما: أن سبَّ اللهِ على قِسمين:
أحدهما: سبُّه بما لا يُتَدَيَّن به، بل هو استهانةٌ عند المتكلِّم وغيره، كاللعن، فهذا هو السبُّ بلا رَيْب.
_________________
(١) أبو جعفر الحنبلي.
(٢) "الصارم": (٣/ ١٠٣١).
(٣) ص/ ٩٠.
[ ١١٢ ]
والثاني: أن يكون مما يُتديَّن به، ويعتقده تعظيمًا، مثل قول النصارى: له ولدٌ وصاحبة، فهذا مما اخْتُلِفَ فيه إذا أظهره الذمي؛ فقال القاضي وابن عقيل: ينتقض به عهدُه.
وقال مالك والشافعي: ما يتديَّن به ليس هو بسبٍّ، وهو ظاهر كلام أحمد، وذلك أن الكافر لا يقول ذلك سبًّا، بل هو عنده تعظيم.
المسألة الثانية: في استتابة الذمي:
فجمهور أصحابنا يقبلون توبته، وهذا المعروف من مذهب الشافعي، وكذا قال ابنُ القاسِم وغيره من المالكية: إنه يُسْتَتَاب، والمنصوص عن مالكٍ: أنه لا يُستتاب بل يُقتل، وهو ظاهر كلام أحمد.
وبالجملة؛ فالسبُّ ثلاثة (^١) مراتب:
الأولى: ما يتديَّن به، كقول النصارى في عيسى ونحوه، فهذا حكمه حكم سائر أنواع الكفر، وقد ذكرنا الخلاف في انتقاض العهد بإظهاره (^٢)، وإذا قيل بانتقاض العهد به؛ فسقوط القتل عنه بالإسلام متوجِّه، وهو قول الجمهور.
المرتبة الثانية: أن يذكر ما يتديَّن به، وهو سبٌّ لدين المسلمين، كقول اليهوديِّ للمؤذِّن: "كذبتَ"، وكردِّ النصرانيِّ على عمر (^٣)، وكما لو
_________________
(١) كذا بالأصل
(٢) تقدم قريبًّا
(٣) تقدم ص/ ٩٠.
[ ١١٣ ]
عاب شيئًا من أحكام الله؛ فهذا حكمه حكم سبِّ الرسول في انتقاض العهد به، وهو الذي عناه الفقهاء بقولهم: "ذَكَرَ اللهَ أو كتابَه بسوءٍ".
وأما سقوط القتل بالإسلام؛ فهو كسبِّ الرسول.
المرتبة الثالثة: أنْ يسبَّه بما لا يتديَّن به، بل هو محرم في دينه كاللعن، فلا يظهر بينه وبين سبِّ المسلم فرقٌ، بل ربما كان أشدَّ، فإسلامه لا يجدِّد له اعتقادًا لتحريمه، بل هو فيه كالذِّمي إذا زنى أو قتل أو سرقَ ثم أسلم، فإذا قلنا: لا تُقْبَل توبة المسلم مِن سبِّ الله، فأَنْ لا تُقبل توبة الذميِّ أَوْلى، بخلاف سبِّ الرسول، ويُشْبِه ذلك زناه بمسلمةٍ (^١).
وهذا القسم اختلف الفقهاء فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الذميَّ يُستتاب منه كالمسلم.
والثاني: لا يُستتاب، لكن إن أسلم لا يُقتل، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد وقول ابن القاسم.
والقول الثالث: أنه يُقتل بكلِّ حال، وهو ظاهر كلام مالك وأحمد، كما نقول يؤخذ منه حدُّ الزنا والسرقة؛ لأنه مُحرم عنده وعند المسلمين كذا هذا (^٢)، ويدل على ذلك أكثر الأدلَّة.
_________________
(١) إذ هو محرَّم في دينه، مُضرٌ بالمسلمين، فإذا أسلم لم يسقط عنه.
(٢) كذا بالأصل، والمعنى ظاهر.
[ ١١٤ ]
فصلٌ (^١)
فإن سبَّ موصوفًا بوصفٍ أو مسمًّى باسم، وذلك يقع على الله أو بعض رُسُلِه، لكن ظهر أنه لم يقصد ذلك ولم يُرِدْه، فهذا القول وشِبْهه حرام في الجملة، يُستتاب صاحبُه منه إن لم يعلم تحريمه، ويُعزَّر مع العلم تعزيرًا بليغًا، لكن لا يكفر ولا يُقتل.
مثاله: من سبَّ الدهر أو الزمان الذي فرَّق بينه وبين الأحبة، ويعتقد أن فاعل ذلك هو الدهر، وفاعله حقيقةً إنما هو الله - تعالى - فيقع السبُّ عليه من حيث لم يعتمده، وإلى هذا أشار - ﷺ - بقوله: "لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فإنَّ اللهَ هو الدَّهْر" (^٢).
وكذلك: من سبَّ رجلًا وقال: يا ابن كذا وكذا إلى آدم، فقد أتى عظيمًا، مع أنه يدخل فيه نوحٌ وإدريس وشِيْث وغيرهم من النبيين، ومثل هذا العموم في هذه الحال لا يُقْصَد به الأنبياء.
وكذلك قال ابنُ أبي زيد فيمن قال: "لعن اللهُ العربَ وبني إسرائيل وبني آدم" لم يُرِد الأنبياء وإنما أراد الظالمين منهم= عليه الأدب بقدر اجتهاد السلطان (^٣)، وذهب قومٌ إلى قتله، وهذه مسألة الكرماني (^٤)،
_________________
(١) "الصارم": (٣/ ١٠٤٢).
(٢) رواه مسلم رقم (٢٢٤٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) انظر "الشفا": (٢/ ٤٣٧).
(٤) هي المتقدمة قريبًا في قول القائل: "يا ابنَ كذا وكذا إلى آدم ". وانظر "الشفا": (٢/ ٤٣٨).
[ ١١٥ ]
وهو قياس أحد الوجهين لأصحابنا فيمن قال: "عصيتُ الله في كلِّ ما أمرني به (^١) ".
فصلٌ (^٢)
والحكم في سائر الأنبياء كالحكم في نبينا - ﷺ -، ولا يُعلم أن أحدًا فرَّق بين نبيٍّ ونبي، ولا ريب أن جُرْم سابِّه أعظم من سابِّ غيره.
فصلٌ (^٣)
فأما من سبَّ أزواج النبي - ﷺ -؛ فمن قذف عائشةَ بما برَّأها الله منه، فقد كفر، حَكَى الإجماعَ عليه غير واحدٍ (^٤).
وأما من سبَّ غيرها من أزواجه - ﷺ -؛ ففيه قولان:
أحدهما: أنه كسبِّ واحدٍ من الصحابة على ما سيأتي.
والثاني:- وهو الصحيح - أن من قَذفَ واحدةً من أمهات المؤمنين؛ فهو كقذف عائشة (^٥).
_________________
(١) انظر "الصارم": (٣/ ١٠٤٥). و"المغني": (١٣/ ٤٦٤).
(٢) "الصارم": (٣/ ١٠٤٨). و"الشفا": (٢/ ٥٤٥ وما بعدها).
(٣) "الصارم": (٣/ ١٠٥٠). و"الشفا": (٢/ ٥٥٤ وما بعدها).
(٤) ذكر في الصارم منهم: إسماعيل بن إسحاق.
(٥) انظر ما تقدم.
[ ١١٦ ]
فصلٌ (^١)
فأما من سبَّ أحدًا من الصحابة - ﵃ أجمعين -؛ فقد أطلق أحمد أنه يُنكَّلُ وتوقَّف عن كفره وقتلِه، بل قال: يُعاقَب ويُجْلَد ويُحْبَس حتى يموت أو يرجع عن ذلك، وهذا المشهور من مذهب مالك.
قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا أوجب قتله (^٢).
وقال القاضي أبو يعلى: من سبَّ الصحابةَ مُستحِلًّا كفر، وإلَّا فَسَقَ، سواء كفَّرهم أو طعن في دينهم، على ذلك الفقهاءُ.
وقد قطع طائفةٌ من الفقهاء بقتل من سبَّ الصحابة، وكفَّروا الرافضة وصرَّح بذلك كثير من أصحابنا.
قال أبو بكر عبد العزيز في "المُقْنِع" (^٣) في الرافضي: إنْ سبَّ فقد كفر فلا يُزَوَّج.
ولفظ بعضهم: إن سبَّهم سبًّا يقدح في دينهم أو عدالتهم = كفر، ونصره القاضي، وإن كان سبًّا لا يقدح، مثل أن يسبَّ أبا أحدهم، أو يسبَّه سبًّا يقصد غيظَه لم يكفر.
_________________
(١) "الصارم": (٣/ ١٠٥٥)، و"الشفا": (٢/ ٥٥٤).
(٢) في "الإشراف على مذاهب أهل العلم": (٢/ ٢٤٥).
(٣) ذكره أبو يعلى وأثنى عليه، وقال: إنه في مئة جزء، كما في "تاريخ بغداد": (١٠/ ٤٥٩)، و"المدخل المفصل": (٢/ ٨٠٨).
[ ١١٧ ]
قال أحمد في الرجل يشتم عثمان: هذا زنديق، وقال في رواية حنبل: من شتم رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ -: ما أُرَاه على الإسلام (^١).
قال القاضي: فقد أطلق أحمدُ القولَ أنه يكفر بسبِّه لأحدٍ من الصحابة، وتوقف في رواية عبد الله وأبي طالب عن قتله، وكمالُ الحدِّ وإيجابُ التعزيرِ يقتضى أنه لم يحكم بكفره.
قال: فيحتمل حمل قوله - يعني قول أحمد -: "ما أُرَاه على الإسلام" على من استحلَّ سبَّهم، فإنه يكفر بلا خلافٍ، ويُحمل إسقاط القتل على غير المستحلِّ. ويُحتمل أن يُحْمَل على أن من سبَّ طعنًا في عدالتهم فيقتل، ومن سبَّ لا لطعنٍ فلا يُقتل، نحو قوله: كان فيهم قلَّة علم وقلَّة معرفةٍ بالسياسة والشجاعة، وفيهم شُحٌّ ومحبَّة الدنيا ونحوه.
قال: ويحتمل أن يُحْمَل كلامه على ظاهره فيكون في سابِّهم روايتان:
أحدهما: يكفر، والثانية: يفسق.
قال شيخ الإسلام: وعلى هذا استقرَّ قول القاضي، وغيره حَكَوا في تكفيرهم روايتين:
قال القاضي: ومن قذف عائشة بما برَّأها الله منه كَفَر بلا خلافٍ.
قال شيخ الإسلام: ونحن نرتِّب الكلامَ في فصلين:
أحدهما: في حكم سبهم مطلقًا.
والثاني: في تفصيل أحكام السابِّ.
أما الأول: فسبّ أصحابه - ﷺ - حرامٌ بالكتاب والسنة.
_________________
(١) أخرجه الخلال في "السنة": (٣/ ٤٩٣ رقم ٧٨١).
[ ١١٨ ]
أما الكتاب؛ فلأنه غِيْبة وقد قال: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ (^١) الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨]، وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] وقد ثبت في الصحيح: "أنه لا يدخل النارَ أحدٌ بايعَ تحت الشجرة" (^٢).
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار ﴾ الآية [التوبة: ١١٧]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].
فعُلِم أن الاستغفار لهم وطهارة القلب من الغِلِّ أمر يُحبه الله ويرضاه ويثني على فاعله، وذَكَرَ عدة آيات.
وأما السنة؛ ففي "الصحيحين" (^٣) قوله: "لا تسبُّوا أصحابي فوالذي نفسي بِيَدِه لو أنفق أحدُكم مثلَ أحدٍ ذَهَبًا ما بلغ مدَّ أحدِهم ولا نَصِيْفَه".
وروى البَرْقاني (^٤): "لا تسبُّوا أصحابي، دَعُوا لي أصحابي".
_________________
(١) في الأصل: "يرمون" وهو خطأ.
(٢) أخرجه مسلم رقم (٢٤٩٦) من حديث أم مبشّر - ﵂ -.
(٣) أخرجه البخاري رقم (٣٦٧٣)، ومسلم رقم (٢٥٤٠) عن أبي سعيد - ﵁ -.
(٤) قال الحافظ في "الفتح": (٧/ ٣٤): "أخرجه البرقاني في "المصافحة"" وحسَّنه هو والحافظ. وانظر "جزء لا تسبوا أصحابي" (ص/ ٦٠) لابن حجر.
[ ١١٩ ]
وقال: "إن الله اختارني واختار لي أصحابًا، جَعَلَ لي منهم وُزَرَاءَ وأنْصارًا وأَصْهَارًا، فَمَنْ سبَّهم فَعَلَيْه لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أَجْمَعينَ لا يَقْبَل اللهُ منه يومَ القِيَامةِ صَرْفًا ولا عَدْلًا" (^١).
وقال: "اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتَّخِذوهم غَرَضًا مِن بَعْدي، مَن أَحَبَّهم فقد أَحَبَّني، ومن أَبْغَضَهم فقد أَبْغَضَنِي، ومَن آذاهُم فَقَد آذَاني، ومَن آذاني فقد آذى اللهَ، ومَن آذى اللهَ فيوشِكُ أنْ يأْخُذَه" رواه الترمذي (^٢) وغيره (^٣).
وفي لفظٍ: "من سبَّ أصْحابي فقد سَبَّني، ومن سَبَّني فَقَدْ سَبَّ اللهَ" رواه ابن البناء (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة": (٢/ ٤٦٩)، والطبراني في "الكبير": (١٧/ ١٤٠)، والخلال في "السنة": (٣/ ٥١٥ رقم ٨٣٤)، والحاكم: (٣/ ٦٣٢) وغيرهم، كلهم من طريق محمد بن طلحة المدني عن عبد الرحمن بن سالم بن عتبة بن عويم بن ساعدة عن أبيه عن جده. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال شيخ الإسلام: "هذا محفوظ بهذا الإسناد". وضعفه الألباني في تخريج السنة بجهالة عبد الرحمن بن سالم، وسوء حفظ محمد بن طلحة، وله شاهد من حديث أنس أخرجه الخطيب في "تاريخه": (٢/ ٩٩)، ومن حديث جابر أخرجه البزار "الكشف ٣/ ٢٨٨" قال الهيثمي في "المجمع": (١٠/ ١٦): "رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف".
(٢) رقم (٣٨٦٢) وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه" اهـ.
(٣) أخرجه أحمد في "المسند": (٤/ ٨٧)، وفي "فضائل الصحابة": (١/ ٤٩)، وابن أبي عاصم في "السنة": (٢/ ٤٦٥)، وابن حبان كما في "الإحسان": (١٦/ ٢٤٤)، وغيرهم من حديث عبد الله بن مغفل - ﵁ - والحديث إسناده ضعيف.
(٤) كذا قال ابن تيمية، وأخرجه ابن عدي في "الكامل": (٤/ ٢١٠) بنحوه من حديث محاذ بن جبل؛ لكنه من طريق عبد الله بن خراش عن العوَّام بن حوشب، وأحاديثه عامتها مناكير. وزاد فيه بعد أصحابي: "وأصهاري".
[ ١٢٠ ]
وقال: "لَعَنَ اللهُ مَنْ سَبَّ أصْحابي" رواه الزُّبيري (^١).
وغير ذلك من السنة.
وإذا كان شتمهم بهذه المثابة، فأقل ما فيه التعزيرُ، وهذا مما لا نعلم فيه خِلافًا بين أهل الفقه والعلم من أصحاب النبي - ﷺ - والتابعين لهم بإحسانٍ. وسائرُ أهل السنة والجماعة مجمعون على أن الواجبَ الثناءُ عليهم والاستغفار لهم والترحُّم عليهم، والترضِّي عنهم، واعتقاد محبتهم وموالاتهم، وعقوبة من أساء فيهم القول.
فمن قال: لا يقتل بشتمهم لقوله: "لا يَحِلُّ دَمُ امرئٍ مُسْلِمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ" (^٢) الحديث، ولأن بعضهم ربما سبَّ بعضًا (^٣) ولم يُكفَّر أحدٌ بذلك.
ومن قال: يُقتل السابُّ أو يكفر؛ فاحتجُّوا بأَشياء:
منها: قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ (^٤) ﴾ الآية [الفتح: ٢٩].
_________________
(١) عن محمد بن خالد عن عطاء بن أبي رباح به، مرسلًا أخرجه اللالكائي: (٧/ ١٢٤٨). وأخرجه الترمذي رقم (٣٩٥٨) والبزار "الكشف: ٣/ ٢٩٣ - ٢٩٤"، والطبراني في "الكبير": (١٢/ ٤٣٤)، واللالكائي: (٧/ ١٢٤٨)، والضياء في "النهي عن سب الأصحاب": رقم (٧) مرفوعًا عن ابن عمر، وهو من مفاريد سيف ابن عمر. قال الترمذي: "هذا حديث منكر" اهـ أي: من هذه الطريق المرفوعة عن ابن عمر، وللحديث شاهدان من حديث أنسٍ وأبي هريرة.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٦٨٧٨)، ومسلم رقم (١٦٧٦) من حديث ابن مسعود - ﵁ -. وجاء من حديث جماعة من الصحابة.
(٣) في الأصل: "بعض".
(٤) في الأصل: "آمنوا معه" وهو سبق قلم.
[ ١٢١ ]
فمن غِيظَ بهم فقد شارك الكفَّار فيما أذلَّهم الله به وأخزاهم وكَبَتَهم، ومن شارك الكفار فيما كُبِتُوا به جزاءً لكفرهم فهو كافرٌ مثلهم؛ لأن المؤمن لا يُكْبَت جزاءً للكفر. يوضّحه أنه علّق الحكم بوصفٍ مشتق مناسبٍ؛ لأن الكفر مناسب لأن يُغاضَ صاحبُه، فإذا كان هو الموجب لأن يُغاظ صاحبه بأصحاب محمد، فكل من غاضَه اللهُ بهم فقد وُجدَ في حقَّه موجِبُ ذاك وهو الكفر، وهذا معنى قول الإمام أحمد "ما أُرَاهَ على الإسلام" (^١) - يعني الرافضي -.
ومن ذلك قوله - ﷺ -: "من أَبْغَضَهم فقد أَبْغَضَني، ومن آذَاهم فَقَد آذاني، ومَنْ سَبَّهم فَعَليه لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ، لا يَقْبَل اللهُ مِنه صرفًا ولا عَدْلًا" (^٢)، وأذى الله ورسوله كُفْر، وبهذا يظهر الفرق بين أذاهم قبل استقرار الصحبة وأذى سائر المسلمين، وبين أذاهم بعد ثبوت الصحبةِ، فإن من كان على صحبته ومات عليها فإن أذاه أذى مصحوبه، قال ابن مسعود - ﵁ -: "اعتبروا الناسَ بأخْدَانِهم" (^٣)، كما قيل:
عن المرءِ لا تسألْ وسَلْ عن قريْنِه فكُلُّ قريْنٍ بالمُقَارِنِ يَقْتَدي (^٤)
وقال مالك: هؤلاء قومٌ أرادوا قدح الرسول فما أمكنهم فقدحوا في أصحابه، حتى يقال: رجلُ سوءٍ كان له أصحاب سوءٍ.
قال ابن عمر: "لا تسبُّوا أصحابَ محمدٍ، فإن مُقَام أحدهم خير
_________________
(١) كما تقدم ص/ ١١٨.
(٢) مضى تخريجه. ص/ ١٢٠.
(٣) رواه ابن بطة في "الإبانة": (٢/ ٤٣٩) تحقيق رضا نعسان.
(٤) البيت لعدي بن زيد العِبَادي، انظر "عيون الأخبار": (٣/ ٧٩)، و"بهجة المجالس": (١/ ٢/ ٧٠٥).
[ ١٢٢ ]
[من] عملكم [كلِّه] " (^١).
وقال عليٌّ: "إنه لعهد عَهدَه إليَّ رسولُ اللهِ: أنَّه لا يُحِبُّك إلا مؤمنٌ ولا يُبْغِضُك إلا مُنَافقٌ" رواه مسلم (^٢).
وفي "الصحيحين" (^٣): "آية الإيمان حُبُّ الأنصارِ، وآيةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأنْصارِ".
وفيهما (^٤): " [الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق] (^٥)، من أحبَّهم أحبَّه الله ومن أبغضهم أبغضه الله".
فمن سبَّهم فقد زاد على بغضهم، فيجب أن يكون منافقًا، وإنما خصَّ الأنصار؛ لأنهم هم الذين تبوَّءُوا الدارَ والإيمانَ من قبل المهاجرين، وآووا رسولَ الله ونصروه ومنعوه، وبذلوا نفوسهم وأموالهم في إقامة دينه، وعادوا الأحمرَ والأسودَ من أجله، والمهاجرين واسَوْهم في الأموال، وكان المهاجرون قليلًا (^٦) غُرباءَ فقراءَ مستضعَفين. وأرادَ أن يُعَرِّف الناسَ قدْرَ الأنصارِ، لعلمه أن الناس يكثرون والأنصار يقلُّون، وأن الأمر سيكون في المهاجرين، فكلُّ من شارك الأنصار في نصر الله
_________________
(١) رواه ابن ماجه في مقدمة السنن رقم (١٦٢)، والإمام أحمد في "الفضائل": (١/ ٥٧)، وابن أبي عاصم في "السنة": (٢/ ٤٧٠ رقم ١٠٠٦) وسنده صحيح.
(٢) رقم (٧٨).
(٣) البخاري رقم (١٧)، ومسلم رقم (٧٤) من حديث أنسٍ - ﵁ -.
(٤) البخاري رقم (٣٧٨٣)، ومسلم رقم (٧٥) من حديث البراء - ﵁ -.
(٥) في الأصل: "آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغضهم " وهو تكرار للحديث السابق والتصويب من "الصارم" و"الصحيح".
(٦) في الأصل: "قيلًا" سبق قلم.
[ ١٢٣ ]
ورسوله بما أمكنه؛ فهو شريكهم في الحقيقة، فبُغْضُ من نصرَ اللهَ ورسولَه نِفَاقٌ، يدخل في ذلك كل الصحابة الذين نصروه، ومُبْغِضهم منافق كافر لما ذكرناه.
قال طلحةُ بن مصرِّف: "كان يقال: بُغض بني هاشم نفاق، وبُغْض أبي بكرٍ وعمر نفاق، والشاكُّ في أبي بكرٍ كالشاكِّ في السنة" (^١).
قال عليُّ بن أبي طالب: قال رسول الله - ﷺ -: "يظهر في أمتي في آخر الزمانِ قومٌ يُسَمَّونَ الرافضةَ يَرْفُضون الإسلامَ" رواه عبد الله بن أحمد في "المسند" (^٢) عن كثير النَّوَّاء، عن إبراهيم بن الحسن عن أبيه عن جدِّه عن عليٍّ فذكره (^٣).
وهو في السنن (^٤) من وجوهٍ صحيحة، وكثيرٌ يضعَّف (^٥).
وروى أبو يحيى الحِمَّاني عن عليًّ قال: قال لي النبيُّ - ﷺ -: "يا علي! أنتَ وشِيْعَتكَ في الجنةِ، وإن قومًا لهم نَبْزٌ يقال لهم: الرافضةُ، إن أدركتَهم فاقتلهم فإنهم مشركون". قال علي: ينتحلون حبَّ أهل البيتِ وليسوا كذلك، وآيةُ ذلك أنَّهم يشتمون أبا بكرٍ وعمر - ﵄ -. رواه عبد الله بن أحمد (^٦).
_________________
(١) رواه أحمد في "الفضائل": (٢/ ٩٦٨)، و"اللالكائي": (٧/ ١٢٦٦)، وأخرجه الخلال في "السنة": (١/ ٢٩٠ رقم ٣٥٣) بنحوه عن محارب بن دثار.
(٢) (١/ ١٠٣) وهو من زوائده، وضعفه الشيخ أحمد شاكر رقم (٨٠٨).
(٣) وأخرجه عبد الله بن أحمد في "السنة": (٢/ ٥٤٦)، وابن أبي عاصم: (٢/ ٤٦٠).
(٤) غير بينة في الأصل، وفي "الصارم": "السنة".
(٥) انظر "تهذيب التهذيب": (٨/ ٤١١).
(٦) في "السنة": (٢/ ٥٤٧ - ٥٤٨)، وابن عدي في "الكامل": (٧/ ٢١٣) وهو =
[ ١٢٤ ]
وفي لفظٍ: "يكون بَعْدنا قومٌ يَنْتَحِلُون مَوَدَّتنا يكذبون علينا، مارِقَةٌ، آيةُ ذلك أنَّهم يسبُّون أبا بكرٍ وعمرَ" (^١).
ورواه البغوي (^٢)، وفيه: "أيْنَما أدْرَكتموهُم فاقْتُلُوهُم فإِنَّهم مُشْرِكُونَ".
ورُوِي موقوفًا علَى علِيٍّ (^٣) ومرفوعًا.
ورواه ابنُ بطة (^٤) عن أنسٍ قال: قال رسول الله: "إنَّ الله اختارني واختارَ لي أصحابي، فجعلهم أنصاري وجعلهم أصهاري، وإنَّه سيجيءُ آخِرُ الزمانِ قومٌ ينتقصونهم، أَلا فلا تُواكِلوهم ولا تُشارِبُوهم، ألا فلا تُنَاكِحُوهُم، ألا فلا تُصَلُّوا معهم ولا تُصَلُّوا عليهم، عليهم حَلَّتِ اللعنةُ" (^٥) وفيه نظرٌ.
ورُوي أضعف من ذلك عن أبي هريرة (^٦)، لكن هذا مأثور عن الصحابة، فرُوي عن عليٍّ أنه بلغه أن عبد الله بن السوداء ينتقص أبا بكرٍ
_________________
(١) = منكرات أبي جناب الكلبي.
(٢) رواه اللالكائي: (٨/ ١٤٥٤).
(٣) كما ذكر شيخ الإسلام، وأخرجه اللالكائي - أيضًا -: (٨/ ١٤٥٦)، وفيه ما تقدم من الضعف.
(٤) أخرجه اللالكائي: (٨/ ١٤٥٦).
(٥) ليس فيما طبع من "الإبانة".
(٦) أخرجه الخلال في "السنة": (٢/ ٤٨٣ رقم ٧٦٩)، والعقيلي في "الضعفاء": (١/ ١٢٦)، وابن حبان في "المجروحين": (١/ ١٨٧). وهو خبر باطل كما قال ابن حبان.
(٧) رواه ابن البناء بلفظ "لا تسبوا أصحابي فإن كفارتَهم القتل" كما في "الصارم": (٣/ ١٠٩٩).
[ ١٢٥ ]
وعمر فهمَّ بقتلِه (^١). وهذا محفوظٌ عن أبي الأحوص، ورواه النجَّاد وابن بطَّة واللالكائي (^٢) وغيرهم.
ومراسيل إبراهيم جِياد، ولا يُظْهِر عليٌّ أنه همَّ بقتل رجلٍ إلا وهو حلال قتله عنده، وإنما تركه خوف الفتنة، كما أمسك رسولُ الله عن قتل بعض المنافقين.
وقال عبد الرحمن بن أبْزَى: "لو سمعت رجلًا يسبُّ عمرَ لضربتُ عُنقه" (^٣)، وعبد الرحمن صحابيٌّ مشهور، كان عاملًا على مكة (^٤)، واستعمله عليٌّ على خراسان.
وقال علي: "لا يُفَضِّلُنِي أحدٌ على أبي بكرٍ وعمرَ إلا جَلَدْتُه جَلْد المفتري، خيرُ الناسِ بعد رسول الله أبو بكرٍ ثمَّ عمر" (^٥). رواه عبد الله بن أحمد وابن بطة وغيرهما، والآثار في ذلك كثيرة جدًّا.
_________________
(١) أخرجه اللالكائي: (٧/ ١٢٦٤).
(٢) تحرفت في الأصل إلى: "اللاكي".
(٣) أخرجه الخلال في "السنة": (١/ ٢٥٥) بنحوه.
(٤) لعمر بن الخطاب - ﵁ -.
(٥) هذان أثران عن علي - ﵁ - جمعها المؤلف في سياقٍ واحد. الأثر الأول ينتهي عند قوله "المفتري" أخرجه أحمد في "الفضائل": (١/ ٨٣)، وعبد الله بن أحمد في "السنة": (٢/ ٥٦٢). والأثر الثاني قوله: "بلغني أن قومًا يفضلوني على أبي بكر وعمر - ﵄ - ولو كنت تقدمت في هذا لعاقبت فيه، ولكني أكره العقوبة قبل التقدم، ومن قال شيئًا من ذلك فهو مفترٍ، عليه ما على المفتري، خير الناس " إلى آخره. أخرجه أحمد في "الفضائل": (١/ ٣٣٦)، وابنه في "السنة": (٢/ ٥٨٨) وغيرهما.
[ ١٢٦ ]
وروى الإمام أحمد (^١) بإسنادٍ صحيح عن ابن أبي ليلى قال: تَدَارَوا (^٢) في أبي بكرٍ وعمر، فقال رجلٌ: عمر أفضل من أبي بكر، وقال الجارود (^٣): بل أبو بكرٍ أفضل منه. فبلغ عمر، قال: فجعل [يضربه] ضربًا بالدَّرَّة حتى شَغَر (^٤) برجليه، ثم أقبل إلى الجارود فقال: إليك عنَّي، ثم قال عمر: أبو بكر كان خير الناسِ بعدَ رسول الله في كذا وكذا، ثم قال: من قال غيرَ هذا أقمنا عليه حدَّ المفتري.
فإذا كان الخليفتان الراشدان عمر وعليٌّ - ﵄ - يجلدان لمن يُفَضِّل عليًّا على أبي بكرٍ وعمرَ، أو يُفضِّل عمر على أبي بكرٍ، وليس في ذلك سبٌّ = عُلِمَ أن عقوبة السبِّ عندهما فوقَ ذلك بكثير.
فصلٌ (^٥)
وتفصيل القول في ذلك:
أن من اقترن بسبَّه دعوى أن عليًّا إله، أو أنه نبيٌّ وأن جبريل غَلِطَ؛ فلا شكَّ في كفر هذا، بل لا شكَّ في كفر من توقَّف في تكفيره.
وكذلك من زعم أن القرآن نُقِصَ منه شيءٌ وكُتِم، أو أن له تأويلات
_________________
(١) في "الفضائل": (١/ ٣٠٠)، وابنه في "السنة": (٢/ ٥٧٩).
(٢) أي: تماروا، وزنًا ومعنى.
(٣) الجارود بن المعلَّى، سيد عبد القيس، أسلم عام الوفود، واستشهد في نهاوند، انظر "الإصابة": (١/ ٢١٦).
(٤) تحرك واضطرب.
(٥) "الصارم": (٣/ ١١٠٧).
[ ١٢٧ ]
باطنة تُسْقِط الأعمالَ المشروعةَ، ونحو ذلك، وهذا قول القرامطة والباطنية، ومنهم التناسخيَّة، ولا خلاف في كفر هؤلاء كلِّهم.
وأما من سبَّهم سبًّا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم، مثل وصف بعضهم ببُخْل، أو جُبْن، أو قِلَّة علمٍ، أو عدم زُهْدٍ، ونحوه، فهذا يستحق التأديبَ والتعزيرَ، ولا يكفر، وعلى ذلك يُحمل كلام من لم يُكفَّرهم من العلماء.
وأما من لعنَ وقَبَّحَ مُطلقًا؛ فهذا محلُّ الخلاف، لتردُّد الأمر بَيْن لعنِ الغيظِ، ولعن الاعتقاد.
وأما من جاوزَ ذلك إلى أن زعم: أنهم ارتدُّوا بعد رسول الله إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر، أو أنهم فَسَقوا؛ فلا ريب - أيضًا - في كفر قائل ذلك، بل من شكَّ في كفره فهو كافر.
وهؤلاء قد ظهرَ لله فيهم مَثُلات، وتواتر أن وجوههم تُمْسَخ خنازير في المحيا والممات (^١).
وبالجملة؛ فمِنْ أصناف السَّابَّةِ من لا ريب في كفره، ومنهم من لا يُحْكم بكفره، ومنهم من يُتَرَدَّد فيه، وليس هذا موضع الاستقصاء في ذلك، ولو تقصَّيناه، لطال جدًّا؛ لكن هذا بحسب (^٢) ما اقتضاه الحال، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) وانظر ما ذكره شيخ الاسلام في "منهاج السنة": (١/ ٤٨٥).
(٢) ويحتمل أن تقرأ: "بحيث".
[ ١٢٨ ]
اختصره كاتبه محمد بن علي بن محمد [في شهر الحجة سنة ثلاثين وسبع مئة، وحسبنا الله ونعم الوكيل (^١)،] انتهى "مختصر الصارم المسلول" في شهر القعدة سنة ثلاثين وسبع مئة.
* * *
_________________
(١) العبارة غير واضحة في الأصل، وهي مشكلة إذا نظرنا إلى التاريخين المدوّنين، ولعل أحدهما متأخر في كتابته عن الآخر، أو في العبارة تحريف لم أهتد إليه.
[ ١٢٩ ]