القاعدة الثالثة التى قام عليها اعتقاد السلف الصالح أنهم كفوا أنفسهم عن طلب كيفية الحقائق الغيبية لا سيما التى تتعلق بذات اللَّه وصفاته، والدليل على هذه القاعدة قوله تعالى فى سورة طه: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ وقوله تعالى فى سورة البقرة: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلا بِمَا شَاء (٢٥٥)﴾ فقد شاء اللَّه أن نعلم معانى النصوص الدالة عليه، ومنع عن علمنا العلم بكيفية ذاته وصفاته وأفعاله وكل ما يتعلق بكيفية الأمور فى عالم الغيب حتى الروح التى فينا، قال اللَّه تعالى عنها فى سورة الإسراء: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا (٨٥)﴾ فوجب على العاقل أن يحترم عقله وأن يقف عند حدوده معظما لكتاب ربه وسنة نبيه ﷺ فاللَّه ﵎ كيَّف مداركنا بحيث لا نستوعب من العلوم إلا فى حدود عالم الشهادة فقط، أما عالم الغيب فهو عالم حقيقى حجبه اللَّه عنا تحقيقا للابتلاء فترة الحياة الدنيا ثم ينكشف الغطاء عند الموت فنرى من حقائقه ما شاء اللَّه تعالى.
ويجب التنبه إلى أن اللَّه إذا أخبرنا فى كتابه عن شئ من عالم الشهادة دعانا إلى البحث عن كيفيته وخصائصه كقوله تعالى فى سورة الغاشية: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ وكقوله سبحانه فى سورة الذاريات: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ أما إذا خاطبنا عن شئ من عالم الغيب خص نفسه بعلم كيفيته فقال سبحانه فى سورة آل عمران: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّه (٧)﴾ أى لا يعلم حقيقة الغيبيات التى أخبرنا اللَّه عنها إلا اللَّه، فأمرنا بالكف عن طلب الكيفية التى عليها تلك الحقائق لأن ذلك خارج عن إمكانيات حواسنا.
[ ٢٧ ]
وإذا كان اللَّه قد حجب عنا كيفية الحقائق فى عالم الغيب، فإنه ﷾ أولى من يعرفنا بهذا العالم المغيب عنا، لأنه لا يخفى عليه شئ لا فى عالم الغيب ولا فى عالم الشهادة، كما قال تعالى فى سورة السجدة: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)﴾ ومن ثم إذا عرفنا اللَّه بنفسه فى كتابه أو فى سنة رسوله ﷺ أو عرفنا بشئ مما فى عالم الغيب، وجب على كل من أسلم لله أن يصدق بخبره دون اعتراض، فمهمة العقل تجاه النقل تصديق الخبر وتنفيذ الأمر،
[ ٢٨ ]
فمن المحال أن يتعارض العقل الصريح الواضح مع النقل الصحيح الثابت بل يشهد له ويؤيده والسبب فى ذلك أن المصدر واحد فالذى خلق العقل هو الذى أرسل إليه النقل، وهو سبحانه أعلم بصناعته لعقل الإنسان ومدى تفكيره فيما يصلحه أو يفسده، فإذا وضع برنامجا لتشغيل صنعته وتوجيه الإنسان لجنته، علمنا أنه لو ظهر خلل أو تعارض بين العقل والنقل فليس ذلك بسبب نظام التشغيل، ولكن بسبب قلة الالتزام بمنهج اللَّه واتخاذ البديل من نظم البشر، من أجل ذلك كان من المحال أن يضل الإنسان أو يشقى إذا اتبع هداية اللَّه تعالى كما قال فى سورة طه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (١٢٣)﴾
[ ٢٩ ]
ولو فرضنا وجود التعارض بين العقل والنقل فسيكون مرد ذلك إلى سببين لا ثالث لهما:
(١- أن النقل لم يثبت فيتمسك مدعى التعارض بأحاديث ضعيفة أو مكذوبة ليست من كلام رسول اللَّه ﷺ ومثال ذلك: إذا وصل إلى العقل حديثان منسوبان إلى رسول اللَّه ﷺ أحدهما يقول فيه: (إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّه الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الأَبَدِ) (١) والآخر يقول فيه: (أول ما خلق اللَّه العقل، فقال له: أقبل، ثم قال: وعزتى وجلالى ما
_________________
(١) صحيح أخرجه الترمذى فى كتاب تفسير القرآن برقم (٣٣١٩) وصححه الشيخ الألبانى حـ٥ص٤٢٤.
[ ٣٠ ]
خلقت خلقا أشرف منك) (٢) فالعقل يقف حائرا بين الحديثين: أيهما خلق أولا؟ فمن الخطأ التوفيق بينهما قبل البحث عن ثبوتهما، بل الواجب البحث عن صحة الحديثين أولا، وبالبحث عنهما وجد أن الحديث الأول ثابت صحيح والثانى ليس من كلام النبى ﷺ بل هو موضوع باتفاق.
(٢- وإما أن العقل لم يفهم نصوص الكتاب والسنة ومثال ذلك: ادعاء الأشعرية بوجود التعارض بين قوله تعالى فى سورة الملك: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ (١٦)﴾ وقوله فى سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ وفى سورة الحديد: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ (٤)﴾ .
فنظرا لعدم الفهم السليم وتشبيه الأشعرية ذات اللَّه وصفاته فى أذهانهم بأوصاف البشر، ظنوا أن الآيات متعارضة وتدل على التشبيه ولا بد من تأويلها بأى طريقة طلبا للتنزيه، فقالوا الاستواء
_________________
(١) موضوع، قال الصنعانى: موضوع باتفاق انظر كشف الخفا للعجلونى حـ١ص٢٦٣.
[ ٣١ ]
استيلاء وقهر مع أن ذلك باطل لغة، وقالوا معنى فى السماء أى الملك الموكل بالعذاب فى السماء وهذا أشد قبحا وتعسفا وهو بذاته معنا فى كل الوجود، وهذا أقبح مما سبق لأنه يلزمهم أن يكون اللَّه فى الحمام وفى أخس الأماكن القذره تعالى اللَّه عن ذلك؟ فقولهم لم يخرجهم من التعارض بل زادهم تخبطا وتحيرا، أما هذه الآيات فى الحقيقة ليس بينها أى تعارض، قال أبو الحسن الأشعرى الذى انتسب إليه الأشعرية ظلما وزورا فى الجمع بين هذه الآيات: (السموات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السماوات قال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ لأنه مستو على العرش الذى فوق السماوات وكل ما علا فهو سماء والعرش أعلى السماوات وليس إذا قال ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ يعنى جميع السماوات وإنما أراد العرش الذى هو أعلى السماوات) (١) فهو مستو على عرشه وعرشه فوق سماواته، ويعلم ما نحن عليه وليس بين الآيات أى تعارض يذكر.
محذورات القاعدة الثالثة
يجب على الموحين صيانة للقاعدة الثالثة الحذر من نوعين من الضلال:
١- التفويض: فليس معنى أن السلف منعوا أنفسهم من الخوض فى الكيفية التى دلت عليها النصوص وفوضوا العلم بها إلى اللَّه أنهم منعوا أنفسهم أيضا من معرفة
_________________
(١) الإبانة عن أصول الديانة ص١٠٦، ص١٠٧.
[ ٣٢ ]
معنى الكلام الذى ورد فى الآيات والأحاديث عن أوصاف اللَّه، فقد ادعى الخلف من الأشعرية أن مذهب السلف هو تفويض معانى هذه النصوص إلى اللَّه حتى قال قائلهم:
وكل نص أوهم التشبيه: أوِّله أو فوِّض ورم تنزيها
ثم يقول فى صفة المجئ والنزول: (فالسلف
يقولون مجيء ونزول لا نعلمه) (١) وقال شيخهم أبو المعالى الجوينى: (وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب سبحانه) (٢) ثم يستدلون بما ثبت عن مالك بن أنس أن رجلا جاءه وقال له: يا أبا عبد اللَّه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟! فغضب مالك غضبا شديا ثم قال: (الاستوء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة فإنى أخاف أن تكون ضالا وأمر به فأخرج) (١) والحقيقة أنهم لم يفهموا قول مالك ولا يصلح دليلا لهم على تفويض المعنى، لأنه فرق فى جوابه بين معنى الاستواء على العرش أو معنى الصفات بوجه عام وبين كيفية الاستواء على العرش أو كيفية الصفات بوجه عام فالمعنى الوارد فى النصوص معلوم لأن العقل يستوعب معنى الكلام العربى، أما الكيفية فلا يمكن التعبير عنها لا بكلام العرب ولا بكلام العجم ولما غضب مالك على السائل غضب لأنه جاء يسأله عن كيفية الاستواء الغيبية التى تخرج عن جهاز الإدراك البشرى عند الإنسان، فكيف سيجيبه؟ وهل سيخترع له جوابا يصف فيه الكيفية التى عليها استواء اللَّه على العرش والإمام مالك يعلم أن ذلك قول على اللَّه بلا علم؟ فالسائل إذا مبتدع.
أما لو جاء السائل مالكا يسأله عن معنى الاستواء فى لغة العرب التى خاطبنا
_________________
(١) انظر كتاب تحفة المريد على جوهرة التوحيد، طبعة المعاهد الأزهرية ص١٠٩.
(٢) العقيدة النظامية، مطبعة الأنوار القاهرة سنة ١٩٤٨م ص٢٣.
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ص١٧٧.
[ ٣٣ ]
اللَّه بها؟ لما غضب عليه، إذ أن حق السائل على أهل العلم أن يفهم معانى النصوص وقد أمره اللَّه بذلك فقال فى سورة النحل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ والجواب عند ذلك بيِّن واضح، إذ أن استواء اللَّه له وجود حقيقى ويعنى فى اللغة العلو والارتفاع، ومن ثم فإن معتقد الإمام مالك ﵀ الذى يمثل مذهب السلف الصالح هو تفويض العلم بالكيفية إلى اللَّه، أما المعنى فهو معلوم ظاهر من لغة العرب ومراد مفهوم من الآية، ولو قلنا كما قال الخلف من الأشعرية بأن مالكا فوض العلم بالاستواء إلى اللَّه أو فوض معنى الاستواء إلى اللَّه، فإن هذا يماثل قولنا: إن كلام اللَّه الوارد فى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ وما شابهه من نصوص الصفات كلام بلا معنى، وهذا اللازم لم يتنبه له من زعم أن مذهب السلف هو التفويض فى معانى النصوص لجهلهم بحقيقة المذهب السلفى، وإلا لو سألنا أحدهم: هل تعتقد أن كلام اللَّه بلا معنى؟ فماذا يقول؟ وعلى ذلك فالقول بأن الاستواء غير معلوم أو لا نعلمه أو نجهله قول باطل، وكذلك القول بأن معنى الاستواء غير معلوم قول باطل أيضا، فيجب الحذر من تفويض المعنى، أما القول بأن كيفية الاستواء فقط أو الكيفية التى دلت عليها نصوص الصفات فقط غير معلومة أو مجهولة لنا فهو الحق الذي دلت عليه الأدلة.
[ ٣٤ ]
٢- تقديم العقل على النقل: المحذور الثانى للقاعدة الثالثة، وجوب الحذر من تقديم العقل على كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ، لأن ذلك ينافى معنى الإسلام والإذعان لرب العالمين، فاللَّه أرسل الوحى وأمرنا بتصديق ما جاء فيه من أخبار وتنفيذ ما جاء فيه من أوامر، وقد أمرنا بتوحيده وإفراده عمن سواه، وأن نقف عند حدود مداركنا، فهو ليس كمثله شئ مما نرى أو نسمع فى عالم الشهادة فقال تعالى فى سورة الإسراء: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا (٣٦)﴾ فإذا تطاول العقل وأخذ يقيس شيئا من عالم الغيب على أحكام عالم الشهادة، كقولهم لو كان على العرش لكان محمولا، أو لو اتصف بالمجئ لفصل القضاء لكان متحركا وكل متحرك محدث، أو لو كانت له يد لكان له أعضاء وجوارح وغير ذلك من أحكام العقل التى يخضع لها المخلوق لا الخالق، إذا فعل العقل ذلك لم يوحد اللَّه فى أوصافه لأن اللَّه لا يقاس على خلقه أبدا لا بقياس تمثيلى ولا بقياس شمولى كما ورد فى مذورات القاعدة الأولى فنحن ما رأيناه وما رأينا له مثيلا، فكيف نظلم أنفسنا ونحاكم أوصافه إلى القوانين التى تحكم أوصاف البشر.
[ ٣٥ ]
القاعدة الرابعة
القاعدة الرابعة التى قام عليها اعتقاد السلف الإيمان بما جاء فى الوحى كله، سواء فى الأسماء والصفات أو فى سائر الموضوعات الأخرى، فالوحى وحدة واحدة لا بد من أن نذعن له كله ونسلم بكل ما جاء فيه من عند اللَّه على وجه المحبة والتعظيم، لعلمنا أن اللَّه يريد لنا الخير، وهو أعلم بما ينفعنا من أنفسنا، وهذا معنى الإيمان فى حديث سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّه الثَّقَفِيِّ حيث قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّه، قُلْ لِي فِي الإِسْلامِ قَوْلا لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، قَالَ: قُلْ آمَنْتُ بِاللَّه فَاسْتَقِمْ) (١) فإذا أخبرنا اللَّه بشئ صدقناه فى كل ما أخبر، وإذا أمرنا اللَّه بأمر نفذناه فى كل ما أمر، ونستقيم على ذلك مدى
أما الإيمان ببعض الكتاب ورد البعض الآخر وتعطيله عن مدلوله الحقيقى، أو لىِّ أعناق النصوص بالتحريف أو التأويل المتعسف لتسير الأدلة فى غير اتجاهها، كمطية يركبها صاحب الأهواء يوجهها حيث يشاء، فهذا عمل اليهود لعنهم اللَّه حيث قال تعالى فى وصفهم فى سورة الحجر: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾ قال عَبد اللَّه بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: (هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ جَزَّءُوهُ أَجْزَاءً فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ) وقال اللَّه تعالى فى شأنهم فى سورة البقرة: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ
_________________
(١) صحيح، أخرجه مسلم فى كتاب الإيمان برقم (٥٥) . الحياة فهذا مقتضى الإيمان.
[ ٣٩ ]
مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّه بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ وقال فى سورة آل عمران عن تبديلهم كلام اللَّه بالتأويل الباطل: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّه وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّه وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾ وفى سورة النساء: ﴿مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمْ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا (٤٦)﴾ .
وقد فعل أغلب أهل الكلام فعل اليهود لما قال اللَّه لهم فى سورة البقرة: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أى حط عنا خطايانا واغفر لنا، فبدلوا كلام اللَّه وزادوا نونا وقالوا: (حنطة) أى نريد القمح والشعير، فقال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾ (١) وقال اللَّه لأهل الكلام من الخلف: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ فزادوا لاما وقالوا: استولى عليه وقهر فما أشبه نون اليهود بلام أهل الكلام.
_________________
(١) انظر حديث أبى هريرة فى صحيح البخارى طبعة دار ابن كثير بيروت سنة ١٩٨٧م حـ٣ص١٢٤٨.
[ ٤٠ ]
وقد عبر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بأصلين شريفين يوضحان مذهب السلف فى هذه القاعدة:
١- الأصل الأول: القول فى الصفات كالقول فى الذات فإن اللَّه ليس كمثله شئ فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله، فإذا كان لذات اللَّه وجود حقيقى لا يماثل سائر الذوات من المخلوقات، فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل سائر الصفات، فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟ وما كيفية أوصافه، قيل له: كيف هو؟ فإن قال: أنا لا أعلم كيفية ذاته، قيل له: ونحن لا نعلم كيفية استوائه، ولا كيفية أوصافه، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، فكيف تطالبنى بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟ وإذا
[ ٤١ ]
كنت تقر بأن له ذات حقيقية لا يماثله شئ فيها، فسمعه وبصره وكلامه ونزوله واستواؤه ثابت كذلك لا يماثله شئ في ذلك، وهو متصف بصفات الكمال التى لا يشابهه فيها سمع المخلوق وبصره وكلامه ونزوله واستوائه وسائر أوصافه.
٢- الأصل الثانى: القول فى الصفات كالقول فى بعض فلا يجوز أن نثبت بعض الصفات وننازع فى باقى الصفات أو نردها بالتعطيل والتأويل بغير دليل لأن منهج السلف واحد فى كل الصفات، إما أن تثبت الجميع وتكون مؤمنا أو ترد الجميع وتكون جاجدا معطلا، أما إثبات البعض ورد البعض تحت أى حجة فهذا عمل اليهود كما سبق وهو أشد بطلانا لأنه استخفاف بكلام اللَّه ونوع من العبث بكتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ.
محذورات القاعدة الرابعة
يحترز بالقاعدة الرابعة فى صفات اللَّه من بدع المعتزلة والأشعرية:
١- المعتزلة: ابتدعوا معنى جديدا للتوحيد غير ما عرف بين الصحابة والتابعين وعلماء السلف فقالوا: التوحيد إثبات الأسماء ونفى الصفات، فجعلوا القرآن عضين يقبلون منه ما يوافق آراءهم الفاسدة ويعطلون ما يخالفها، ومعنى قولهم بإثبات الأسماء ونفى الصفات أنهم أثبتوا وجود ذات اللَّه فقط بلا أى صفة لها، وجعلوا أسماء اللَّه الدالة عليها أسماء فارغة من الأوصاف بلا مسمى فقالوا: هو العليم لكن لا يتصف بصفة العلم، كقولك فلان اسمه سعيد، لكنك لو بحثت عن صفة السعادة فيه فربما يكون سعيدا أو شقيا، فإن كانت الأولى قلنا: سعيد إسم على مسمى وذاته
[ ٤٢ ]
متصفة بصفة السعادة، وإن كانت الثانية قلنا: سعيد إسم فارغ بلا مسمى وذات بلا صفة لأنه شقى، فأسماء اللَّه عند السلف أسماء على مسمى فهو الغنى ويتصف بالغنى لا الفقر، وهو القوى يتصف بصفة القوة لا الضعف، وهو السميع يتصف بصفة السمع تعالى اللَّه عن ضدها، وهكذا فى سائر الأسماء والصفات ولهذا كانت أسماؤه حسنى وعظمى ولا تكون حسنى وعظمى بغير ذلك، قال تعالى فى سورة الأعراف: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (١٨٠)﴾ فدعاء اللَّه بها أن يقول الفقير: ياغنى اغننى بفضلك عمن سواك ولولا يقين الداعى الفقير أنه سبحانه غنى ولا نظير له فى غناه ما دعاه، وأن يقول الضعيف: ياقوى قونى، فلولا يقينه أنه سبحانه لا شبيه له فى قوته ما دعاه، وهكذا يعلم أصحاب الفطرة السليمة فطرة التوحيد أن اللَّه يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء بسسب العظمة فى أوصافه كما قال فى سورة النمل: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَءلَهٌ مَعَ اللَّه قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ فعلم العقلاء أنه لا يجيب المضطر إذا دعاه وهو عاجز لا صفة له مطلقا، فمن يجير أهل الاعتزال إذا كان معبودهم بلا صفة عندهم وأسماؤه فارغة بلا مسمى.
وهذا المذهب الخبيث يترتب عليه أن قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ لا قيمة له عندهم وكذلك تعداد الأسماء الحسنى فى قوله ﷺ: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (١) لأن تعدد الأسماء الحسنى أو الدعاء بها مبنى على إثبات الصفات التى تضمنتها الأسماء وأى نقص فى حق اللَّه أعظم من أن يكون اللَّه ﷿ لا صفة له عند المعتزلة تعالى اللَّه عن
_________________
(١) صحيح، أخرجه البخارى فى كتاب الشروط برقم (٢٧٣٦) .
[ ٤٣ ]
قولهم علوا كبيرا، إن الواحد منا لا يقبل هذا على نفسه، فلو قال لك قائل: أنت لا صفة لك عندى، ربما خاصمته دهرا، لأن الفطرة مجبولة على إثبات الأوصاف الحميدة، فمن العجب أن يثبتوا لأنفسهم أجود الأوصاف، وينفون عن الله الذى ليس كمثله شئ سائر أوصاف الكمال، ومن ثم لابد من الإيمان بصفات اللَّه كالإيمان بوجود ذاته، فالقول فى الذات كالقول فى الصفات سواء بسواء.
٢- الأشعرية: ويجب على المسلم أيضا أن يحترز بالقاعة الرابعة من بدع الأشعرية حيث ابتدعوا تقسيما عجيبا فى صفات اللَّه على أهوائهم، فقالوا: الوجود صفة نفسية والقدم والبقاء والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس والوحدانية صفات سلبية، والقدرة والإرادة والعلم والحياة والكلام والسمع والبصر صفات معانى أو معنوية، وبقية الصفات الواردة فى القرآن والسنة خبرية تدل على التشبيه وظاهرها غير مراد لأنه باطل قبيح لا يثبته العقل، حتى قال قائلهم كما سبق:
وكل نص أوهم التشبيه: أوِّله أو فوِّض ورم تنزيها.
ولو سألناهم: لم أثبتم قدرته سبحانه وإرادته وعلمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره مع أنها وردت فى الكتاب والسنة ونفيتم صفة المحبة والرضى والغضب والاستواء والعلو والمجئ وسائر الصفات الخبرية مع أنها أيضا وردت فى الكتاب والسنة؟ قالوا: لأن الصفات التى أثبتناها لا تدل على التشبيه، أما الصفات التى نفيناها تدل على التشبيه، فيقال لهم: العقلاء لا يقرون هذا، فالقول فى الصفات كالقول فى بعض، فإما أن تقولوا بالتمثيل الباطل فى الذات وجميع الصفات كما فعل الممثل وقال: إرادة اللَّه مثل إرادة المخلوق، ومحبته ورضاه وغضبه واستواءه وعلوه
[ ٤٤ ]
وسائر الصفات الخبرية مثل أوصاف المخلوق، ومعلوم أن هذا كذب على اللَّه وقياس باطل محرم، وإما أن تقولوا كما قال أهل التوحيد: إرادة اللَّه تليق به، وإرادة المخلوق تليق به واللَّه ليس كمثله شئ فى إرادته ومحبته ورضاه وغضبه واستواءه وعلوه وسائر الصفات الثابتة فى الكتاب والسنة كما هو اعتقاد أهل الحق.
أما أن يأتى صاحب المذهب الأشعرى بحجج عقلية سقيمة ينفى بها ما يشاء ويثبت من صفات اللَّه فالعقل لن يسأم من مقارعة الحجة بالحجة، فإن قال: نفيت الغضب لأنه غليان دم القلب لطلب الانتقام، وهذا لا يجوز على الخالق ﷾، قيل له: والإرادة التى أثبتها ميل القلب إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، وهذا لا يجوز على الخالق ﷾، فإن قال: هذه إرادة المخلوق أما إرادة الخالق فلست كذلك، قيل له: وهذا الغضب الذى وصفته غضب المخلوق، أما غضب الخالق فليس كذلك، وهذا لازم فى كل صفة أثبتها أو نفاها.
[ ٤٥ ]