وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الأسماء التي عرف بما أهل السنة تمييزا عن غيرهم.
المبحث الثاني: خصائص أهل السَّنَّة والجماعة.
المبحث الثالث: مصادر التلقي عند أهل السَّنَّة والجماعة.
[ ٢٩ ]
المبحث الأول:
الأسماء التي عُرف بها أهل السُّنَّة تمييزًا عن غيرهم
كان الصحابة - ﵃ - يتسمّون بما سمَّاهم الله -﷾- ممتثلين قول الله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (^١)، بل كان السلف يحذرون من التسمِّي بغير الإسلام والسُّنَّة، قال ميمون بن مهران: "إياكم وكل اسم يسمَّى بغير الإسلام" (^٢)، ولكن لما ظهرت البدع وتعددت فرق الضلال وأخذ كل صاحب بدعه يدعو إلى بدعته مع انتسابهم في الظاهر إلى الإسلام أصبح لزامًا على أهل الحق المتمسِّكين بهدي النبي - ﷺ - أن يُعرفوا بأسماء تميزهم عن أهل الأهواء والبدع، ومن تأمل أسماء أهل السُّنَّة وجدها تدلُّ على الإسلام، ولا ينتسبون لشخصيات كحال أهل البدع، كالجهمية نسبةً إلى الجهم، والزيدية نسبةً إلى زيد بن على بن الحسين، وغيرهم.
فأسماء أهل السُّنَّة مستنبطة من الإسلام وسأذكر بعضًا من أسمائهم.
١ - الفرقة الناجية
أُخذ هذا اللقب من قول النبي - ﷺ - لما سأله الصحابة - ﵃ - قالوا: يا رسول الله مَنْ الفرقة الناجية؟ قال رسول الله - ﷺ -: "إن أمتي ستفترق على اثنتين
_________________
(١) سورة الزمر، آية ١٢.
(٢) الإبانة الصغرى، ابن بطة، ص ١٣٧، والكبرى ١/ ٣٤٢، ٣٥٤.
[ ٣١ ]
وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة" (^١).
ويقول شيخ الإسلام في جوابه لسؤال عن حديث افتراق الأمه: "الحمد لله الحديث مشهور في السنن والمسانيد كسنن أبي داود، والترمذي والنسائي وغيرهم، وفي رواية قالوا: يا رسول الله مَنْ الفرقة الناجية؟ قال: «مَنْ كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي»، وفي رواية قال: «هي الجماعة يد الله على الجماعة» (^٢).
وعلى كل فإن التسمية سواء أُخذت من منطوق الحديث أو مفهومه فهي تسمية شرعية.
ولقد عقد البغدادي بابًا في كتابه عَنْونَ له بـ (بيان أوصاف الفرقة الناجية، وتحقيق النجاة لها، وبيان محاسنها) (^٣).
ويقول الشيخ حافظ حكمي - ﵀ -: "وقد أخبر الصادق المصدوق أن الفرقة الناجية هم من كان على مثل ما كان عليه هو وأصحابه وإنما تصلح هذه الصفة لحملتها وحُفَّاظها المنقادين لها المتمسِّكين بها، أعني بذلك أئمة الحديث وجهابذة السُّنَّة" (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه ٢/ ١٣٢٢، رقم ٣٩٩٣، وابن جرير في تفسيره ٤/ ٣٢، وأبو يعلى ٧/ ٣٢، رقم ٣٩٣٨.
(٢) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٤٥.
(٣) الفرق بين الفرق، ص ٣١٣.
(٤) معارج القبول ٢/ ١٥٩.
[ ٣٢ ]
٢ - الطائفة المنصورة
وهذا دلَّ عليه قول النبي - ﷺ -: «لاتزال طائفةٌ من أمَّتي منصورين لا يضرُّهم من خذلهم حتى تقوم الساعة» (^١).
وقال - ﷺ -: «لاتزال طائفةٌ من أمَّتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» (^٢).
٣ - أهل الحديث والأثر
سُمُّوا بذلك لاشتغالهم بحديث رسول الله - ﷺ - وآثار صحابته - ﵃ -، قال الإمام أحمد:
دين النَّبي محمَّدٍ أخبارُ نعم المطيَّة للفتى آثارُ
لا ترغبنَّ عن الحديثِ وآلِهِ فالرأيُ ليلٌ والحديثُ نهارُ (^٣)
وقال السَّفَّاريني - ﵀ -:
اعلم هديتَ أنَّه جاء الخبرْ عن النَّبي المقتفى خير البشرْ
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٤٣٦، والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح، والحديث صحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة ٤/ ٦١٩.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، باب قول النبي - ﷺ - (لا تزال طائفة) فتح الباري ١٣/ ٢٣٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الإماره ٣/ ١٥٢٣.
(٣) جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، ابن عبد البر ٢/ ٤٣.
[ ٣٣ ]
بأنَّ ذي الأمة سوف تفترقْ بضعًا وسبعين اعتقادًا والمحقْ
ما كان في نهجِ النَّبي المصطفَى وصحبه من غير زيغٍ وجفَا
وليس هذا النصُّ جزمًا يعتبرْ في فرقةٍ إلا على أهلِ الأثرْ (^١)
وقال أيضًا: " الذين يأخذون عقيدتهم عن كتاب الله ﷿ أو سنة نبيه - ﷺ - أو ما ثبت وصحَّ عن السلف الصالح من الصحابة - ﵃ - والتابعين" (^٢).
وهم في ذلك يجمعون بين رواية الحديث، واعتقاده والعمل به، قال ابن تيمية - ﵀ -:"ونحن لا نعني بأهل الحديث: المقتصرين على سماعه أو كتابته أو روايته بل نعني بهم: كل من كان أحقَّ بحفظه، ومعرفته، وفهمه: ظاهرًا، وباطنًا، واتباعه: باطنًا وظاهرًا، وكذلك أهل القرآن، وأدنى خصلة في هؤلاء: محبَّة القرآن والحديث والبحث عنهما، وعن معانيهما، والعمل بما علموه من موجبهما " (^٣).
وقال أيضًا: "فهم أعلم الناس بأقواله - ﷺ - وأحواله، وأعظمهم تمييزًا
_________________
(١) لوامع الأنوار البهية ١/ ٧٤، ٧٦.
(٢) لوامع الأنوار البهية ١/ ٦٤، وللاستزاده ينظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت، السجزي ص ١٧٥، ١٧٧ - ١٧٨، ودرء تعارض العقل والنقل ٦/ ٢٦٦.
(٣) مجموع الفتاوى ٤/ ٩٥.
[ ٣٤ ]
بين صحيحهما، وسقيمهما، وأئمتهم فقهًا فيها، وأهل معرفة بمعانيها، واتباع لها تصديقًا، وعملًا، وحبًّا وموالاة لمن والاها، وبغضًا ومعاداة لمن عاداها" (^١).
٤ - الجماعة
قال رسول الله - ﷺ -: «إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملَّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملَّة كلها في النار إلا واحدة وهي: الجماعة وإنه سيخرج في أُمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله » (^٢).
وقال ابن أبي العز: "والجماعة جماعة المسلمين وهم الصحابة - ﵃ - والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٤٧.
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٠٢، وأبو داود ٥/ ٥ - ٦، رقم ٤٥٩٧، والدارمي ٢/ ٣١٤، والمروزي في السُّنَّة ١٥، وابن أبي عاصم في السُّنَّة، وصحَّحه الحاكم في المستدرك ١/ ١٢٨، وقال الألباني في ضلال الجنة في تخريج السُّنَّة: "حديثٌ صحيحٌ بما قبله ومابعده" ينظر: السُّنَّة لابن أبي عاصم مع ظلال الجنة، ص ٣٣.
(٣) شرح العقيدة الطحاوية ٣/ ٣٢٦.
[ ٣٥ ]
المبحث الثاني:
خصائص أهل السُّنَّة والجماعة
لأهل السُّنَّة خصائص كثيرة تميزهم عن أهل الأهواء والبدع منها:
أولًا: أهل السُّنَّة لا يبدِّع بعضهم بعضًا بمجرَّد خطأ في الاجتهاد
هذه المسألة من المسائل العظيمة التي قرَّرها أهل السُّنَّة والجماعة، وخالفوا فيها أهل البدع من الخوارج والمعتزلة ومن نحا نحوهم، والأدلة على ذلك مستفيضة من الوحيين وكلام العلماء.
أولًا: من القرآن
قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (^١).
ولقد أمر الله -﷾- بتقواه بقدر الاستطاعه، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (^٢).
_________________
(١) سورة البقرة، آية ٢٨٦.
(٢) سورة التغابن، آية ١٦.
[ ٣٦ ]
وحرَّر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - هذه المسألة قائلًا: "دلَّت هذه النصوص على أنه لايكلِّف نفسًا ما تعجز عنه، خلافًا للجهمية المجبرة، ودلَّت على أنه لا يؤاخذ المخطئ والناسي خلافًا للقدرية والمعتزلة، وهذا فصل الخطاب في هذا الباب، فالمجتهد المستدل من إمام وحاكم وعالم وناظر ومفت وغير ذلك إذا اجتهد واستدل فاتقى الله -﷾- ما استطاع كان هذا هو الذي كلفه الله -﷾- إياه، وهومطيع لله -﷾- مستحق للثواب إذا اتقاه ما استطاع، ولا يعاقبه الله البته خلافًا للجهمية المجبرة" (^١).
ثانيًا: من السُّنَّة
حديث حذيفة - ﵁ - فيما رواه عن النبي - ﷺ - أنه قال: إن رجلًا حضره الموت لما أيس من الحياة أوصى أهله: إذا مت فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا ثم أوروا نارًا حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فخذوها فاطحنوها فذروني في اليم في يومٍ حارٍّ- أو راح- (^٢) فجمعه الله -﷾- فقال: لم فعلت؟ قال: خشيتك، فغفر له" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٩/ ٢١٦ - ٢١٧.
(٢) يوم راح: أي ذو ريح، قيل يوم راح، وليلة راحة: إذا اشتدت الريح فيهما، النهاية، ابن الأثير ٢/ ٢٣٧.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذُكر عن بني إسرائيل ٢/ ٤١٩.
[ ٣٧ ]
قال الخطابي عند شرحه لهذا الحديث: "قد يستشكل هذا فيقال كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟ والجواب: أنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فُعل به ذلك لا يُعاد فلا يعذب، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله" (^١).
وكذلك خالد بن ذكوان عن الربيع بنت معوذ - ﵄ - أنها قالت: "جاء النبي - ﷺ - يدخل حين بُني عليَّ فجلس على فراشي كمجلسك منِّي، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدفِّ ويندبن من قُتل من آبائي يوم بدر إذ قالت إحداهن: وفينا نبيٌّ يعلم ما في غد، فقال: دعي هذا وقولي بالذي كنت تقولين" (^٢).
فعذر النبي - ﷺ - الجارية التي نسبت إليه علم الغيب.
وهذا لا يعني عدم التنبيه على أخطاء العلماء ومناصحتهم، بل يكون النصح من عالم متمكّن في العلم وقصد ذلك ومراده بيان الحق مع احترام المخالف، ويكون الكلام منصبًّا على القول دون القائل، فإنه لا يتعرض له بشيءٍ إلا إذا دعت الحاجة لذلك، والله أعلم.
_________________
(١) فتح الباري ٦/ ٥٢٢.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب ضرب الدُّف في النكاح والوليمة ٣/ ٣٧٤.
[ ٣٨ ]
ثانيًا: أهل السُّنَّة يحسنون الظنَّ ويبغضون أهل البدع بقدر ما عندهم من البدع
إن الله -﷾- لم يجعل أحكام الدنيا على السرائر بل على الظواهرِ والسرائرُ تبعٌ لها، وأما أحكام الآخرة فعلى السرائرِ والظواهرٌ تبعٌ لها، فإذا أظهر المسلم سلامة الاعتقاد مع العمل بمقتضاه حُكم عليه بأنَّه من أهل السُّنَّة، وليس لنا أن ننقِّب عمَّا في قلبه.
ذكر سعيد الخدري - ﵁ - قصَّة الرجل الذي راجع النبي - ﷺ - في الزكاة وقال له يا رسول الله: اتق الله أنَّ خالد بن الوليد - ﵁ - استأذن النَّبي - ﷺ - في ضرب عنقه قال النبي - ﷺ -: «لعلَّه أن يكون يصلي»، فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال رسول الله - ﷺ -: «إني لم أومر أن أنقِّب قلوب الناس ولا أشقّ بطونهم» (^١).
فيجب على كل من نصح نفسه ألا يعامل الناس بغير ما ظهر منهم، امتثالًا لفعل النبي - ﷺ - واقتداءً بأصحابه - ﵃ - الذين جعلوا هذا أصلًا في تعاملهم مع غيرهم.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن،٣/ ١٦٢ - ١٦٣.
[ ٣٩ ]
وفي حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه كان يقول: «إنَّ أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله - ﷺ - وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فَمَنْ أظهر لنا خيرًا أمِنَّاهُ وقرَّبناهُ، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسب سريرته، ومَنْ أظهر لنا سوءًا لم نأْمَنْه ولم نصدِّقه وإن قال إن سريرته حسنه» (^١).
وفي الشق الآخر فأهل السُّنَّة يبغضون أهل البدع بقدر ما عندهم من البدع، وهذا أصلٌ عندهم متفرِّعٌ عن مسألة الإيمان، وهو أن الإيمان إذا ذهب بعضه لا يذهب كلُّه، وهم بذلك خالفوا أهل البدع كالجهمية، والمرجئة، والخوارج، والمعتزلة.
وقرَّر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - هذه المسألة بقوله: "وإذا اجتمع في الرجل الواحد خيرٌ وشر، وفجورٌ وطاعةٌ ومعصية، وسُنَّةٌ وبدعة: استحق من الموالاة بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته، هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السُّنَّة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه، فلم يجعلوا الناس لا مستحقًّا
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب الشهداء العدول، ٢/ ٢٦٤.
[ ٤٠ ]
للثواب فقط، ولامستحقًّا للعقاب فقط، وأهل السُّنَّة يقولون: إن الله -﷾- يعذِّب بالنار من أهل الكبائر من يعذِّبه، ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن له في الشفاعة، بفضل رحمته كما استفاضت بذلك السُّنَّة عن النبي - ﷺ - " (^١).
ثالثًا: اتفاق أهل السُّنَّة والجماعة في مسائل الاعتقاد مهما تباعدت ديارهم
قال الأصبهاني - ﵀ -: "ومما يدل على أن أهل الحديث أهل الحق أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنَّفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم، مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم من الديار، وسكون كل واحد منهم قطرًا من الأقطار؛ وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد، يجرون على طريقة لا يحيدون عنها، ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد، ونقلهم واحد، لا ترى فيهم اختلافًا، ولا تفرُّقًا في شيءٍ ما وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم، وجدته كأنه جاء عن قلبٍ واحد، وجرى على لسانٍ واحد، وهل على الحق دليلٌ أبين من هذا؟ " (^٢).
رابعًا: أهل السُّنَّة لا يكفِّرون مخالفيهم بغير دليل
ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في أكثر من موضع من كتبه في
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٢٠٩ - ٢١٠.
(٢) الحجة في بيان المحجة ٢/ ٢٣٩.
[ ٤١ ]
الرد على مَنْ قال بتكفير المتأولين: "وهذا القول لا يُعرف عن أحدٍ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا عن أحدٍ من أئمَّةِ المسلمين، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع الذين يبتدعون بدعةً ويكفِّرون من خالفهم كالخوارج والمعتزلة والجهمية" (^١).
وقال أيضًا: "والخوارج تكفِّر أهل الجماعة، وكذلك المعتزلة يكفِّرون مَنْ خالفهم، وكذلك الرافضة، ومن لم يكفَّر فسَّق، وكذلك أكثر أهل الأهواء يبتدعون رأيًا ويكفِّرون من خالفهم، وأهل السُّنَّة يتبعون الحق من ربهم الذي جاء به الرسول - ﷺ - ولا يكفِّرون من خالفهم فيه، بل هم أعلم بالحق وأرحم بالخلق" (^٢).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ -﵏- وقد سئل عمَّن كفَّر بعض مخالفيه: "والجواب أنِّي لا أعلمُ مستندًا شرعيًّا ولا برهانًا مرضيًّا يخالف ما عليه أئمَّة العلم من أهل السُّنَّة والجماعة، وهذه الطريقة هي طريقةُ أهل البدع والضلال" (^٣).
_________________
(١) منهاج السُّنَّة النبوية ٥/ ٢٣٩ - ٢٤٠
(٢) المرجع نفسه ٥/ ١٥٨.
(٣) مجموع الرسائل والمسائل النجديه ٣/ ٢٠.
[ ٤٢ ]
خامسًا: حبهم لأهل السُّنَّة
إحدى علامات أهل السُّنَّة حبهم لأئمة السُّنَّة وعلمائها، وأنصارها وأوليائها، وقد زيَّن الله -﷾- قلوب أهل السُّنَّة ونوَّرها بحبِّهم لعلماء أهل السُّنَّة والجماعة.
قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ -أسكنه الله وإيانا الجنَّة- حدثنا محمد بن إبراهيم بن الفضل، حدثنا أحمد بن سلمة، قرأ علينا أبو رجاء قتيبة بن سعيد كتاب الإيمان له فكان في آخره: "فإذا رأيت الرَّجل يحب سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وشعبه، وابن المبارك، وأبا الأحوص، وشريكًا، ووكيعًا، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، فاعلم أنه صاحب سنَّة" (^١).
سادسًا: يوجبون الطاعة للسلطان ويحرِّمون الخروج عليه
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (^٢).
فهذه الآية صريحةٌ في وجوب طاعة ولي الأمر، وعدم الخروج عليه، فقد صحَّت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - بالأمر بطاعة الأئمَّة والولاة فيما كان لله ﷿ طاعة وللمسلمين مصلحة (^٣).
_________________
(١) ينظر: عقيدة أهل السلف وأصحاب الحديث، الصابوني، ص ٣٠٧.
(٢) سورة النساء، آية ٥٩.
(٣) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٠٥.
[ ٤٣ ]
وجاءت سنَّة النبي - ﷺ - مبيِّنة ومفصِّلة ومفسِّرة لهذا الأمر، فعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني» (^١).
والخروج على السلطان خطير ويترتَّب عليها فساد عظيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته" (^٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: "تجب طاعة وليِّ الأمر ولو كان من أفسق عباد الله ﷿؛ وذلك لعموم الأدلة الدالة على وجوب طاعة ولاة الأمور، والصبر عليهم وإن رأينا منهم ما نكره في أديانهم وعدلهم واستئثارهم، فإننا نسمع ونطيع فنؤدي الحق الذي أوجب الله ﷿ علينا، ونسأل الله الحق الذي لنا، هكذا أمر النبي - ﷺ -، وهكذا جرى عليه سلف هذه الأمة" (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب يُقاتل من وراء الإمام ويتقى به ٢/ ٣٤٧.
(٢) منهاج السُّنَّة النبوية ٣/ ٣٩١.
(٣) الشرح الممتع ٨/ ١٨.
[ ٤٤ ]
والخروج على وليِّ الأمر ليس مقصورًا على السلاح فقط، بل كل كلام أدَّى إلى تأجيج الرَّعية على الإمام فهو خروج.
قال الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله-: "الخروج على الإمام ليس مقصورًا على السلاح، بل الكلام في حقِّ وليِّ الأمر وسبابه خروجٌ وتحريضٌ عليه وسببُ فتنةٍ وشر، فالكلام لا يقل خطورةً عن السلاح ، فالخروج على الإمام يكون بالسلاح، ويكون بالكلام، ويكون بالاعتقاد، ولو لم يتكلم فإذا اعتقد أنه يجوز الخروج على ولي الأمر فقد شارك الخوارج في عقيدتهم" (^١).
_________________
(١) موقف المسلم من الفتن والمظاهرات، ص ٢٠.
[ ٤٥ ]
المبحث الثالث:
مصادر التلقِّي عند أهل السُّنَّة والجماعة
إنَّ مصادر التلقِّي عند أهل السُّنَّة والجماعة تنقسم إلى قسمين:
١ - مصادر رئيسة: وهي الكتاب والسُّنَّة والإجماع.
٢ - مصادر ثانوية: وهي العقل الصحيح -الفطرة السليمة- وهي تابعة للقرآن والسُّنَّة؛ فلذا يتضح أن المصادر الأساسية لأهل السُّنَّة والجماعة هي القرآن والسُّنَّة والإجماع المبنيّ عليهما (^١).
المصدر الأول: القرآن
فأهل السُّنَّة والجماعة اعتمدوا على كتاب الله ﷿ وجعلوه مصدرًا أساسيًّا وأوليًّا في استمداد المعتقد والاستدلال عليه، فلا ترد مسألةٌ في العقيدة ولا غيرها ولها دليل من القرآن إلا ويوردونه أولًا ويقدمونه على غيره، ومما ساعدهم على ذلك، أن الله ﷿ قد يسَّر مفهومه، فلا خلل في أسلوبه، ولا غرابة في تعبيره بحيث ينفر منها صاحب الذوق السليم.
ومن هنا كانت معرفة مقاصده مقدورة لكل البشر لا يختص بها أحد دون أحد، بل لكل أحد حظٌّ من فهمه وإدراك مراد الله ﷿ منه
_________________
(١) ينظر: الفتاوى ٣/ ٢٩٦.
[ ٤٦ ]
وبذلك يظهر بطلان زعم أهل البدع وكذبهم وقولهم بالتعارض بين الأدلة النقلية والعقلية (^١).
المصدر الثاني: السُّنَّة
إن السلف ﵏ يجعلون كلام الله وكلام رسوله - ﷺ - هو الأصل الذي يُعتمد عليه، وإليه يُرد ما تنازع الناس فيه، فما وافقهما كان حقًّا وما خالفهما كان باطلًا (^٢).
يقول ابن حزم - ﵀ -: "فلم يسمع مسلمًا يقرُّ بالتوحيد أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن والخبر عن رسول الله - ﷺ - ولا أن يأبى عمَّا وجد فيهما، فإن فعل ذلك بعد قيام الحجَّة عليه فهو فاسق، وأمَّا من فعله مستحلًا للخروج عن أمرهما وموجبًا لطاعة أحد دونهما فهو كافر" (^٣).
وقال ابن أبي العز - ﵀ -: "فالواجب كمال التسليم للرسول - ﷺ - والانقياد لأمره وتلقِّي خبره بالقبول والتصديق دون أن يعارضه بخيال باطل يسميه معقولًا، أو يُحَمِّلَهُ شبهة، أو شكًّا، أويقدِّم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم، فيوحده بالتحكيم، والتسليم، والانقياد والإذعان" (^٤)، فالسُّنَّة عند السلف
_________________
(١) ينظر: المدخل لدراسة العقيدة، البريكان، ص ١٨.
(٢) ينظر: درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية ١/ ٢٧٧.
(٣) الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم، ص ٩٨٨.
(٤) شرح العقيدة الطحاوية، تحقيق التركي ١/ ٢٨٨.
[ ٤٧ ]
وحيٌ لا يعارض القرآن أبدًا كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (^١).
وهي تفسِّر القرآن وتبيِّنه، وتفصِّل ما أجمل من أحكامه (^٢)، قال ابن القيم - ﵀ -: "ونحن نقول قولًا كُليًّا نُشهد الله تعالى عليه وملائكته، أنه ليس في حديث رسول الله - ﷺ - ما يخالف القرآن، ولا يخالف العقل الصريح، بل كلامه بيانٌ للقرآن وتفسيرٌ له وتفصيلٌ لما أجمله" (^٣)
وقال - ﵀ -: "وأصل كلِّ فتنة إنما هو من تقديم الرأي على الشرع والهوى على العقل" (^٤).
المصدر الثالث: الإجماع
وهو في اللغة يعود إلى أمرين:
١ - الاجتماع والتضام والاتفاق، قال ابن فارس: " الجيم والميم والعين أصلٌ واحد، يدلُّ على تضامِّ الشيء، يقال: جمعتُ الشيء جمعًا وَجمْعُ مكَّة (^٥)، سُمِّيَ لاجتماع الناس به، وكذلك يوم الجمعة، وأجمعت على الأمر إجماعًا وأجمعته" (^٦).
_________________
(١) سورة النجم، آية ٤.
(٢) ينظر: الإحكام، لابن حزم ١/ ٩٨ - ١٠٠.
(٣) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، ابن القيم الجوزية ٢/ ٤٤١.
(٤) إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان، ابن القيم ٢/ ١٦٧.
(٥) المقصود به مزدلفة.
(٦) مقاييس اللغة ١/ ٤٧٩ - ٤٨٠.
[ ٤٨ ]
٢ - العزيمة على الأمر، نقل الجوهري عن الكسائي: يقال: أجمعت الأمر وعلى الأمر: إذا عزمت عليه، والأمر مُجمعٌ، ويقال: اجمع أمرك ولا تدعه منتشرًا" (^١).
وفي الاصطلاح: هو اتفاقُ مجتهدي الأُمَّة بعد وفاة الرسول - ﷺ - في عصرٍ من العصور على أيِّ أمرٍ كان (^٢).
فخرج بقولنا (اتفاق مجتهدي الأُمَّة): اتفاقُ العوام، فلا عبرة بوفاقهم ولا خلافهم، واتفاق بعض المجتهدين، واتفاق الأمم السابقة، وقولنا: (بعد وفاة الرسول - ﷺ -) قيدٌ لا بدَّ منه؛ لأن الإجماع لا ينعقد في زمانه - ﷺ -، وقولنا: في (في عصرٍ من العصور)؛ لرفع وهم من يتوهَّم أن المراد بالمجتهدين من يوجد إلى يوم القيامة، وهذا التوهُّم باطلٌ، فإنه يؤدي إلى عدم تصوُّر الإجماع.
ومن كان من أهل الاجتهاد في الوقت الذي حدثت فيه المسألة وظهر الكلام فيها، فهو من أهل ذلك العصر، ومن بلغ هذا بعد حدوثها فليس من أهل ذلك العصر (^٣).
والإجماعُ حجَّةٌ عند الجمهور خلافًا للنظَّام، والشيعة، والخوارج (^٤)، وإقامة الحجة على حجية الإجماع من الكتاب والسُّنَّة والعقل:
_________________
(١) الصحاح ٣/ ١١٩٩، تهذيب اللغة ١/ ٢٥٣، المحصول، للرازي ٤/ ١٩، لسان العرب ٨/ ٥٣.
(٢) ينظر: روضة الناضر وجنَّة المناظر ١/ ٣٧٦، وشرح مختصر الروضة ٣/ ٥.
(٣) ينظر: البحر المحيط في أصول الفقه ٦/ ٣٧٩.
(٤) ينظر: منهاج السُّنَّة النبوية ٨/ ٣٤٠.
[ ٤٩ ]
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "فإذا كان الرَّبُّ ﷿ قد جعلهم شهداء، لم يشهدوا بباطل، فإذا شهدوا أن الله أمر بشيءٍ فقد أمر به، وإذا شهدوا أن الله نهى عن شيءٍ فقد نهى عنه" (^٢).
وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (^٤).
فهاتان الآيتان توجبان اتباع سبيل المؤمنين وتثبتان الوعيد على المخالفة لهم، ووجه الاستدلال أن الله -﷾- جمع بين مشاقة الرسول - ﷺ - وبين مخالفة المؤمنين في الوعيد، فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحًا لما جمع بينه وبين المحظور، ومتابعة غير سبيلهم تقع بمخالفة أقوالهم وأفعالهم (^٥).
_________________
(١) سورة البقرة، آية ١٤٣.
(٢) الفتاوى، ١٩/ ١٧٧ - ١٧٨.
(٣) سورة آل عمران، آية ١١٠.
(٤) سورة النساء، آية ١١٥.
(٥) ينظر: الإبهاج شرح المنهاج، يعلى بن عبد الكافي وولده ٢/ ٣٥٣، ومفتاح الجنَّة في الاحتجاج بالسُّنَّة، السيوطي، ص ٢٤ - ٢٥.
[ ٥٠ ]
وأمَّا السُّنَّةُ فقد تظافرت الرواية عن رسول الله - ﷺ - بألفاظٍ مختلفة مع اتفاق المعنى في عصمة هذه الأمة من الخطأ، بل قد تواترت عنه - ﷺ - أنه قال: «لاتزال طائفةٌ من أُمَّتي ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة» (^١).
وأخبر - ﷺ - «أنَّ الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة» (^٢).
وأما الأدلة من العقل على حجية الإجماع فقد ثبت قطعًا أنَّ نبيَّنا - ﷺ - خاتم الأنبياء وأن شريعته دائمة إلى قيام الساعة، ثم وقعت حوادث ليس فيها نصٌّ قاطعٌ من كتاب الله أو سنة نبيه - ﷺ -، لكن أجمعت الأمة على حكمها، فلو قيل إن إجماعهم ليس بحجة وإن الحق قد خرج عنهم، أو أنهم أجمعوا على الخطأ، للزم أن تكون شريعته غير دائمة وهذا يؤدي إلى انقطاعها وعدم بقائها واستمرارها (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام، باب قول النبي - ﷺ - لاتزال طائفة من أمتي، ١٣/ ٢٥٠.
(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة، رقم (٢١٦٧)، ٤/ ٤٦٦، وقال: هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه، وللحديث شواهد في مستدرك الحاكم، ١/ ١١٥ - ١١٦، وأخرجه ابن أبي عاصم في السُّنَّة رقم (٨٠، ٨٣ - ٨٤ - ٨٥)، ٣٩، ٤١ - ٤٢، وصحَّحه السيوطي في الجامع الصغير، ١/ ٢٧٨، رقم ١٨١٨، وقال: حديثٌ حسن.
(٣) ينظر: المستصفي من علم الأصول ١/ ١٧٥ - ١٧٦، روضة الناظر وجنَّة المناظر ١/ ٣٤١ - ٣٤٢.
[ ٥١ ]