دين الله تعالى - الذي بعث به نبيه محمدًا ﷺ، وأنزل به هذا القرآن العظيم، ولا يقبل من أحد بعد بعثة هذا النبي الكريم سواه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وكما قال النبي ﷺ: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة (^١)، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" رواه مسلم - يتكون من ثلاث مراتب، وهي:
١ - الإسلام.
٢ - الإيمان.
٣ - الإحسان.
وهذه المراتب تشمل دين الله تعالى كله، بل إن كل واحدة من هذه المراتب عند الإطلاق - أي عند ذكر كل واحدة منها على حدة - تشمل دين الله تعالى كله، أما عند ذكر هذه المراتب مجموعة أو ذكر إحداهما مقرونة بذكر الأخرى، كأن يذكر الإسلام والإيمان معًا، أو يذكر الإيمان والإحسان معًا، فإن كل واحدة
_________________
(١) أي أمة الدعوة، وهم الذين بعث النبي ﷺ لدعوتهم.
[ ٤٣ ]
منها تطلق حينئذ على شيء معين من مراتب الدين، وأفضلها حينئذ: الإحسان، ثم الإيمان، ثم الإسلام.
وسأتناول كل مرتبة من هذه المراتب في فصل مستقل فيما يلي - إن شاء الله تعالى -.
[ ٤٤ ]
الفصل الأول الإسلام
لإطلاق لفظ الإسلام في الشرع حالتان:
الحالة الأولى: أن يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإيمان، فهو حينئذ يراد به الدين كله أصوله وفروعه، من اعتقادات وأقوال وأفعال، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وكما قال جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وكما قال ﷿: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، فدلت هذه النصوص على أن الإسلام عند ذكره مفردًا يشمل الدين كله.
الحالة الثانية: أن يذكر الإسلام مقرونًا بذكر الإيمان، فيراد به حينئذ: جميع الأعمال والأقوال الظاهرة، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، وكما في حديث عمر المشهور عند مسلم، حين سأل جبريل النبي ﷺ عن الإسلام؟ فذكر الشهادتين، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وكلها من أعمال الجوارح، ثم لما سأله عن الإيمان، ذكر الأمور الاعتقادية، ثم لما سأله عن الإحسان ذكر تحسين الظاهر والباطن، وكما في حديث سعد بن أبي وقاص، لما قال للنبي ﷺ: يا رسول الله مالك لا تعطي فلانًا؟، فو الله إني لأراه مؤمنًا، فقال ﷺ: "أو مسلمًا" متفق عليه، أي أنك لم تطلع
[ ٤٥ ]
على إيمانه، وإنما اطلعت على إسلامه من الأعمال الظاهرة.
وشرائع الإسلام كثيرة جدًّا، منها أركانه، ومنها: الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجميع ما يجب أو يستحب فعله من الأقوال، ومن أعمال الجوارح، ويدخل في ذلك ترك المحرمات من الأقوال والأفعال، إذا تركها العبد ابتغاء وجه الله تعالى.
وأركان الإسلام - وهي أسسه التي يبنى عليها، وتعد أساسا لبقية شرائعه - خمسة، كما جاء في سنة النبي ﷺ، وهذه الأركان هي:
الركن الأول: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله.
الركن الثاني: إقام الصلاة.
الركن الثالث: إيتاء الزكاة.
الركن الرابع: صيام رمضان.
الركن الخامس: حج بيت الله الحرام.
ومن الأدلة على أن هذه الأركان الخمسة أركان للإسلام: حديث جبريل السابق، وما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال النبي ﷺ: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج".
[ ٤٦ ]
الفصل الثاني الإيمان
للفظ الإيمان في الشرع إطلاقان:
الإطلاق الأول: أن يطلق على الإفراد، فيذكر غير مقترن بذكر الإسلام، فيراد به حينئذ: الدين كاملًا (الاعتقادات، والأقوال، والأعمال).
ومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، وما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس - ﵄ - أن النبي ﷺ قال لوفد عبد القيس: "آمركم بأربع: الإيمان بالله، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم"، وما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" متفق عليه.
فذكر الله تعالى في الآية السابقة اتصاف المؤمنين بالوجل عند ذكر الله تعالى - وهو الخوف -، وذكر فيها زيادة إيمانهم القلبي عند تلاوة القرآن عليهم، والإيمان القلبي هو التصديق، فهو يشمل الاعتقاد كله، وذكر فيها: اتصاف المؤمنين بالتوكل على الله تعالى، والخوف والتوكل من أعمال القلوب.
[ ٤٧ ]
والحديثان ذكر فيهما كثيرٌ من الأقوال، وأعمال الجوارح.
فهذه النصوص تدل بمجموعها على أن الإيمان عند ذكره غير مقرون بذكر الإسلام يشمل الدين كله، فيشمل كل طاعة، سواء كانت من أعمال القلوب أو من أعمال اللسان، أو من أعمال الجوارح، بل ويشمل ترك المحرم والمكروه إذا قصد به وجه الله تعالى، وتسمى هذه الأعمال "شعب الإيمان"، كما في حديث أبي هريرة السابق.
والإيمان بهذا الإطلاق "قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح"، فهو قول ونية وعمل، والعمل ركن في الإيمان لا يصح الإيمان إلا به، وهذا كله مجمع عليه بين أهل السنة والجماعة، فمن ترك العمل بجميع ما أوجبه الله تعالى، فقد خرج من الإيمان بالكلية، وأصبح من عداد الكافرين بالإجماع.
وعليه فإن من ذهب إلى أن العمل ليس بركن في الإيمان، وإنما هو من كماله الواجب أو المستحب قد أخطأ في ذلك خطئًا بينًا، وخالف ما دلت عليه النصوص الشرعية وما أجمع عليه أهل السنة والجماعة كما سبق، وقال بقول من أقوال "مرجئة الفقهاء" (^١).
_________________
(١) مرجئة الفقهاء يقولون: إن الإيمان هو التصديق بالقلب والنطق باللسان فقط، ويرون أن الأعمال إنما هي شرائع الإيمان، فهو سبب لها، لكنها ليست لازمة له، فليست شرطًا لصحته ولا جزءًا من ماهيته، ولهذا يرون أن الإيمان لا يتفاضل، وإن كانوا يرون أن من توفاه الله جل وعلا وهو مصر على كبيرة من كبائر الذنوب أنه يعذب في الآخرة إن لم يعف الله تعالى عنه. ومما ينبغي التنبيه عليه أن أكثر المسائل التي خالف فيها مرجئة الفقهاء الخلاف فيها لفظي، وما كان منها غير لفظي، كقولهم: إن تارك جنس العمل لا يكفر، لأن العمل عندهم ليس شرط صحة للإيمان، وكقولهم: إن الكفر لا يكون بالقول ولا بالفعل حتى يصحبه كفر =
[ ٤٨ ]
الإطلاق الثاني للإيمان: أن يطلق الإيمان مقرونًا بذكر الإسلام، فحينئذ يفسر الإيمان بالاعتقادات الباطنة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا
_________________
(١) = قلبي، فخلافهم وقولهم في هذه المسألة ليس كقول جهم، ومن تبعه من غلاة المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان يكون بالمعرفة وحدها، وأن المصر على كبائر الذنوب من الموحدين، لا يعذب في الآخرة، ولا يدخل النار أبدا. وليس كقول أبي موسى الماتريدي المتوفى سنة ٣٢٣ هـ ومن تبعه من غلاة المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان يكون بالاعتقاد وحده. قال الإمام ابن تيمية في كتاب الإيمان ص ٢٦٢ - وهو في مجموع الفتاوى ٧/ ٢٩٧ -: "ومما ينبغي أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي، وإلا فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء، كحماد بن أبي سليمان - وهو أول من قال ذلك - ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم، متفقون مع جميع علماء السنة على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد، وإن قالوا: إن إيمانهم كامل، كإيمان جبريل، فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقًا للذم والعقاب، كما تقوله الجماعة، ويقولون أيضًا: بأن من أهل الكبائر من يدخل النار، كما تقوله الجماعة ولكن الأقوال المنحرفة قول من يقول بتخليدهم في النار، كالخوارج والمعتزلة، وقول غلاة المرجئة، الذين يقولون: ما نعلم أن أحدًا منهم يدخل النار، بل نقف في هذا كله، وحكي عن بعض غلاة المرجئة: الجزم بالنفي العام"، وقال الإمام ابن تيمية أيضا كما في المرجع نفسه ص ٣٤٥ - وهو في مجموع الفتاوى ٧/ ٣٩٤ -: "دخل في إرجاء الفقهاء جماعة هم عند الأمة أهل علم ودين، ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحدًا من مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد، فإن كثيرًا من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب". وبعض أهل العلم كالذهبي وابن أبي العز يرون أن خلاف مرجئة الفقهاء لفظي، والأقرب أن بعضه معنوي، ولكن ليس كقول غلاة الجهمية، كما سبق. ينظر: أصول الدين عند أبي حنيفة ص ٤٥٥ - ٤٥٨. ولذلك فإنه ينبغي أن لا يجعل الخلاف في هذه المسائل سببًا للفرقة والتشاحن والعداوة بين أهل السنة، وإنما يجب على أهل العلم من أهل السنة بيان الحق في هذه المسائل لمن أخطأ فيها وسلك فيها مسلك مرجئة الفقهاء، يبينون لهم ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، كما أمرهم ربهم جل وعلا. والله المستعان.
[ ٤٩ ]
بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]، فذكر الإيمان، ثم ذكر بعده الأعمال، وهي التي تدخل في الإسلام، وكحديث جبريل السابق.
وأركان الإيمان ستة، هي:
الركن الأول: الإيمان بالله تعالى.
ويشمل هذا الركن: الإيمان بوجوده تعالى، وأعتقاد وحدانيته في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته. وسيأتي الكلام على هذا الركن بالتفصيل في الباب الثاني - إن شاء الله تعالى -.
الركن الثاني: الإيمان بملائكة الله تعالى.
والإيمان بالملائكة - ﵈ - يتضمن أربعة أمور:
الأمر الأول: الإيمان بوجودهم، وأنهم أجسام نورانية - أي خلقهم الله من نور -، وأنهم عباد لله مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، خلقهم الله تعالى لعبادته وطاعته، وأنهم مشفقون من الله - أي يخافون عذابه -، كما قال تعالى ردًا على من زعم أن الملائكة بنات له تعالى. ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨].
الأمر الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه، كجبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ورضوان، ومالك، ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالًا، فنؤمن بأن لله ملائكة غير من سُمِّيَ لنا، منهم من ذكر عمله، ومنهم من لم يذكر لنا عمله.
[ ٥٠ ]
ونؤمن أيضًا بأن عدد الملائكة كثير جدًّا، فقد روى البخاري ومسلم عن النبى ﷺ في قصة المعراج، أنه النبي ﷺ ذكر استفتاح جبريل - ﵇ - السماء السابعة، ثم قال: "ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم - ﵇ - مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه" متفق عليه.
الأمر الثالث: الإيمان بما علمنا من صفات الملائكة، فقد أخبرنا جل وعلا أنه جعل لهم أجنحة، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١] وثبت في السنة أن النبي ﷺ رأى جبريل ﵇ على صفته التي خلق عليها، رآه منهبطًا من السماء، سادًّا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض. متفق عليه.
وثبت عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "رأيت جبريل عند سدرة المنتهى، وعليه ستمائة جناح، ينتثر من ريشه التهاويل: الدر والياقوت".
وقد يتحول الملك بأمر الله تعالى إلى هيئة رجل، كما قال تعالى عن جبريل ﵇ لما أرسله تعالى إلى مريم - ﵂ -: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] وكما جاء الملائكة إلى إبراهيم ولوط ﵈ على صورة بشر، وكما جاء جبريل على صورة رجل شديد سواد الشعر إلى النبي ﷺ يسأله، ليعلم هذه الأمة أمر دينها.
الأمر الرابع: الإيمان بما علمنا من أعمال الملائكة ﵈:
الملائكة - ﵈ - ينفذون ويدبرون ما أمرهم ربهم جل وعلا بتنفيذه وتدبيره، كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥]، وهم أعظم جنود الله
[ ٥١ ]
تعالى، وهم رسل الله وسفراؤه بينه وبين عباده، ينزلون بالأمر من عنده في أقطار العالم، ويصعدون إليه بالأمر.
ومن الأعمال الموكلة إلى بعض الملائكة ﵈:
١ - أوكل إلى جبريل ﵇: وحي الله تعالى، والذي به حياة القلوب، فالله تعالى يرسله به إلى الأنبياء والرسل، كما قال تعالى عن نزوله ﵇ بالقرآن ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥].
٢ - أوكل إلى إسرافيل ﵇: النفخ في الصور لقيام الساعة، وبعث الخلق، فينفخ فيه مرتين، فينفخ فيه النفخة الأولى، فيصعق الناس الذين تدركهم الساعة وهم أحياء، فيموتون لشدة هذا الصوت، ثم ينفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون، فترجع كل روح إلى بدنها الذي كانت تعمره في الدنيا.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه، وحنى جبهته، ينتظر متى يؤمر أن ينفخ".
٣ - أوكل إلى بعض الملائكة: عمارة السماوات بالصلاة والتسبيح، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]، وكما في حديث حكيم بن حزام السابق.
٤ - أوكل إلى بعض الملائكة: حفظ أعمال العباد وتسجيلها، فقد وكَّل تعالى بكل شخص ملكين أحدهما يكتب الحسنات، والثاني يكتب السيئات، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ
[ ٥٢ ]
يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].
٥ - أوكل إلى بعض الملائكة: قبض الأرواح، فقد أوكل تعالى إلى ملك الموت قبض الأرواح، وله أعوان من ملائكة الرحمة ينزلون عند خروج روح المؤمن، فيستخرج ملك الموت روحه برفق، ثم يأخذها منه أعوانه هؤلاء، فيحنطونها بحنوط من الجنة، ويكفنونها بكفن من الجنة، وله أعوان من ملائكة العذاب، ينزلون معه عند قبض روح العبد العاصي لله تعالى، فيستخرج ملك الموت روحه بشدة وقوة، ويتألم صاحبها ألمًا كبيرًا، ولكنه لا يستطيع الحراك ولا الكلام، ثم يأخذها منه أعوانه هؤلاء، فيحنطونها بحنوط من النار، ويكفنونها بكفن من النار، وقد ذكر ذلك مجملًا في كتاب الله، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ [النحل: ٢٨ - ٣٢]، وكما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] وذكر ذلك مفصلًا في السنة، كما في حديث البراء وغيره.
٦ - أوكل إلى بعض الملائكة: خزانة الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ [الزمر: ٧٣].
[ ٥٣ ]
وأوكل إلى بعضهم: خزانة النار، ورئيسهم مالك - ﵇ -، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩)﴾ [غافر: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وقال تعالى مخبرًا عن مخاطبة أهل النار لرئيس خزنتها ﵇: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧].
٧ - أوكل إلى بعض الملائكة: سؤال الميت في قبره، فقد ثبت في السنة أن الميت إذا وضع في قبره جاءه ملكان، فيسألانه عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه، فإن كان هذا الميت صالحًا أجاب جوابًا حسنًا، وإن كان من أهل السوء قال: "هاه، هاه، لا أدري"، فيعذب عند ذلك في قبره، كما ثبت ذلك في سنة النبي ﷺ.
وهناك أعمال أخرى كثيرة للملائكة - ﵈ - كحضور مجالس الذكر، وحفظ العبد، ونفخ الروح في الجنين، وكتابة رزقه، وعمله، وأجله، وشقي هو أو سعيد، وتبليغ النبي ﷺ عن أمته السلام، وغير ذلك مما يطول الكلام بذكره.
الركن الثالث من أركان الإيمان: الإيمان بكتب الله تعالى التي أنزلها على أنبيائه ورسله.
والإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور:
الأمر الأول: الإيمان بأنه تعالى أنزل إلى كل نبي ورسول كتابًا، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال ﷾: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ إلى
[ ٥٤ ]
قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦]، والإيمان بأن هذه الكتب كلها كلام الله تعالى، تكلم بها الباري جل وعلا حقيقة، كما شاء، وعلى الوجه الذي أراد، فمنها المسموع منه من وراء حجاب، بدون واسطة، ومنها ما يسمعه منه الرسول الملكي، ويأمره بتبليغه إلى الرسول البشري، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].
الأمر الثاني: الإيمان بما علمنا اسمه من كتب الله تعالى التي أنزلها على رسله باسمه، كالقرآن الذي أنزل على رسولنا محمد ﷺ، وكالتوراة التي أنزلت على موسى ﵇، والإنجيل الذي أنزل على عيسى ﵇، والزبور الذي أنزل على داود ﵇، وصحف إبراهيم - ﵇ -، أما ما لم نعلم اسمه من كتب الله تعالى فنؤمن به على وجه الإجمال، فنؤمن أن الله تعالى أنزل إلى كل رسول كتابًا، كما سبق في الأمر الأول.
الأمر الثالث: يجب أن نصدق بأن كل ما ثبت أنه من كلام الله تعالى الذي أنزله في كتبه حق، وأن جميع ما هو موجود الآن من كتب الله تعالى السابقة للقرآن قد دخلها التحريف والتغيير، لأن الله تعالى يتكفل بحفظها من ذلك، وقد أخبرنا جل وعلا أن بعض من سبقنا غيروا كتبهم وحرفوها، كما قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] أما القرآن الكريم، فإن الله تعالى حفظه من أي تحريف أو تبديل، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
[ ٥٥ ]
الأمر الرابع: يجب على كل أمة أن تعمل بالكتاب الذي أنزله الله إليها، ومن ذلك أنه يجب على أمة محمد ﷺ أن تعمل بهذا القرآن العظيم، كما أنه بعد نزول هذا القرآن العظيم نسخ جميع ما في الكتب السابقة، فيجب على أتباع الديانات السماوية السابقة بعد نزوله أن يعملوا بما فيه، كما قال جل وعلا: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٨]، فلا يجوز لأحد من العالمين بعد نزول هذا القران الكريم أن يعمل بشيء من كتب الله تعالى سوى هذا القرآن العظيم، فمن عمل بشيء منها فعمله باطل وضلال، لأنه عمل بكتاب مبدل ومنسوخ.
الركن الرابع من أركان الإيمان: الإيمان برسل الله تعالى وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وهو يتضمن ثلاثة أمور:
الأمر الأول: الإيمان بأن الله تعالى بعث في كل أمة رسولًا، يدعوهم إلى التوحيد، وينهاهم عن الشرك، أولهم نوح وآخرهم محمد ﷺ، وأنهم بشر أرسلهم الله تعالى رحمة للعالمين، ولإقامة الحجة عليهم، وأنهم صادقون فيما بلغوا عن الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ
[ ٥٦ ]
اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٥].
الأمر الثاني: الإيمان بمن ذكرت لنا أسماؤهم من رسل الله وأنبيائه باسمه، كأولي العزم من الرسل، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، وكإدريس، ويونس، وداود، وسليمان، وزكريا، ويحيى، وغيرهم صلاة الله وسلامه عليهم، ومن لم يذكر اسمه منهم نؤمن بهم على وجه الإجمال، فنؤمن بأن لله أنبياء ورسلًا سوى من ذكرت لنا أسماؤهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، وقد جاء في حديث صحيح: أن عدد رسل ربي ﷿ وتعالى وتقدس: ثلاثمائة وخمسة عشر رسولا.
الأمر الثالث: أن عقيدة رسل الله تعالى واحدة، أما شرائعهم فمختلفة في تفصيلات أحكامها، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
ويجب على جميع أهل الأرض إنسهم وجنهم بعد بعثة خاتم المرسلين نبينا محمد ﷺ، أن يتبعوا شريعته، التي بعثه الله تعالى وتقدس بها إليهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، كما أنه يجب على كل أمة اتباع نبيها، إلا أنه بعد بعثة النبي ﷺ نسخت جميع الشرائع السابقة، فيجب على جميع العالمين بعد بعثته ﷺ أن يتبعوه، ويتركوا الشريعة السابقة التي بعث بها نبي قبله، للآية السابقة،
[ ٥٧ ]
ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، ولما سبق ذكره عند الكلام على الكتب، ولما روى مسلم عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار".
الركن الخامس من أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر.
والإيمان باليوم الآخر يدخل فيه: الإيمان بكل ما يكون بعد الموت، وهو يتضمن أمورًا، أهمها:
الأمر الأول: فتنة القبر، وذلك بسؤال الملكين للميت في قبره عن دينه، وربه، ورسوله، كها سبق بيانه عند الكلام على الملائكة، وكما سيأتي في حديث البراء قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
الأمر الثاني: نعيم القبر وعذابه.
وقد وردت نصوص كثيرة في بيان عذاب القبر ونعيمه، ومن هذه النصوص:
حديث البراء - وهو حديث صحيح - ذكرت فيه أكثر تفاصيل عذاب القبر ونعيمه، فقد روى الإمام أحمد وغيره عن البراء بن عازب - ﵄ - قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جِنازة رجلٍ من الأنصار، فانتَهَيْنا إلى القبر، ولمَّا يُلْحَدْ، فجلسَ رسولُ الله ﷺ، وجلسنا حوله، كأن على رؤوسنا الطيرَ، وفي يده عودٌ يَنكُتُ به في الأرض، فرفعَ رأسَه، فقال: "اسْتَعِيذُوا بالله مِنْ عَذَابِ القَبْرِ". مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: "إنَّ العَبْدَ المؤمِنَ إذا كانَ في انقطاعٍ من
[ ٥٨ ]
الدّنيا وإقبالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نزلَ إليهِ ملائكة مِنَ السَّماءِ بيضُ الوُجُوهِ، كأنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أكْفَانِ الجَنَةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الجَنَّةِ، حتى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ البَصَرِ، ثم يَجيءُ مَلَكُ المَوْتِ - ﵇ - حتى يَجلسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فيقول: أيَّتُها النَّفس الطَّيِّبةُ، اخْرُجِي إلى مَغْفِرَةٍ مِنَ الله ورِضوان".
قال: "فَتَخرُجُ تَسيلُ كما تَسيلُ القَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقاءِ، فيأخُذُها، فإذا أخَذَها لَمْ يَدَعُوها في يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حتى يأْخُذُوها، فَيَجْعَلُوها في ذلِكَ الكَفَنِ، وفِي ذلِكَ الحَنُوطِ، ويخرجُ منها كأطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ على وَجْهِ الأرْضِ".
قال: "فَيَصْعَدُونَ بها، فلا يَمُرُّونَ - يعني بها - على ملأٍ مِنَ الملائِكَةِ إلا قالوا: ما هذا الرَّوْحُ الطَّيِّبُ؟ ! فيقولونَ: فلانُ بنُ فلانٍ، بأحْسَنِ أسْمَائِهِ التي كانوا يُسَمُّونَهُ بها فِي الدُّنيا، حتى يَنْتَهُوا بها إلى السَّماءِ الدُّنيا، فَيَسْتَفْتِحُونَ له، فَيُفتَحُ لهمْ، فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سماءٍ مُقَرَّبُوها إلى السَّماءِ التي تَلِيها، حَتّى يُنْتَهَى بِهِ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، فيقولُ الله ﷿: اكْتُبُوا كتابَ عَبْدِي في عِلِّيِّينَ، وأعِيدُوهُ إلى الأرْضِ، فإنِّي مِنْها خَلَقْتُهُمْ، وفِيها أُعِيدُهُم، ومِنها أُخْرِجُهمْ تَارةً أُخرى".
قال: "فتعادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ، فيأتِيهِ مَلَكَان، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولانِ له: مَنْ رَبُّكَ؟ فيقُولُ: رَبِّيَ الله، فَيقولانِ له: ما دِينُكَ؟ فيقولُ: دِينيَ الإسلامُ، فيقولانِ له: ما هذا الرَّجُلُ الذي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فيقول: هُوَ رَسُولُ الله ﷺ، فيقولانِ له: وما عِلْمُك؟ فيقولُ: قَرَأتُ كِتابَ الله، فآمَنْتُ بِهِ وصَدَّقْتُ، فَيُنادِي مُنادٍ من السَّماءِ: أنْ صَدَقَ عَبْدِي، فأفْرِشُوهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَألبِسُوهُ مِنَ الجنَّةِ، وَافْتَحُوا له بابًا إلى الجَنَّة".
قال: "فيأتِيهِ مِنْ رَوْحِها وطيبِها، وَيُفْسَحُ له في قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ".
[ ٥٩ ]
قال: "ويَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فيقولُ: أبْشِرْ بالذي يَسُرُّكَ، هذا يومُكَ الذي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيقُولُ له: مَنْ أنتَ؟ فَوَجْهُكَ الوَجْهُ يجيءُ بالخَيْرِ، فيقولُ: أنا عَمَلُكَ الصَّالحُ، فيقولُ: رَبِّ أقِمْ السّاعَةَ حتى أرْجعَ إلى أهلي وَمالي".
قال: "وإنَّ العَبْدَ الكافِر إذا كانَ في انقطاعٍ مِنَ الدُّنْيا وَإقْبالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إلَيهِ مِنَ السَّماءِ ملائكةٌ سُودُ الوُجُوهِ، معهم المُسُوحُ، فيَجلِسُونَ منه مَدَّ البَصَرِ، ثم يَجيءُ مَلَكُ الموتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فيقولُ: أيَّتُها النَّفْسُ الخَبيثةُ، اخْرُجي إلى سَخَطٍ مِنَ الله وَغَضَبٍ".
قال: "فَتَفَرَّقُ في جَسَدِهِ، فَيَنْتَزِعُها كما يُنْتَزَعُ السُّفُّودُ مِنَ الصُّوف المبلولِ، فيأْخُذُها، فإذا أخَذَها لم يَدَعُوها في يَدِهِ طَرْفَةَ عيْنٍ حتى يَجْعَلُوها في تلك المُسُوحِ، ويَخْرُجُ منها كأنْتَنِ رِيحِ جيفَةٍ وُجِدَتْ على وجه الأرْضِ، فيَصْعَدُونَ بها، فَلا يَمُرُّونَ بها على ملأ مِنَ الملائكةِ إلا قالوا: ما هذا الرَّوحُ الخَبيثُ؟ ! فيقولونَ: فلانُ بْنُ فلانٍ، بأقبحِ أسْمائِهِ التي كان يُسَمَّى بها في الدنيا، حتى يُنْتَهَى به إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَيُسْتَفْتَحُ له، فلا يُفْتَحُ لَهُ" ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] قال: "فيقول الله ﷿: اكتُبوا كتابَهُ في سِجِّينٍ في الأرْضِ السُّفْلى، فتُطرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا". ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١].
قال: "فتُعادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ، وَيأتِيهِ مَلَكانِ، فَيُجْلِسانِهِ، فيقولان لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينُكَ؟ فيقول: هاه هاه لا أدْري، فيقولان لَهُ: ما هذا الرَّجُلُ الذي بُعِثَ فيكم؟ فيقولُ: هاه هاه لا أدْرِى، فينادي منادٍ
[ ٦٠ ]
مِنَ السَّماءِ: أنْ كَذَبَ، فَأفْرِشُوا لَه مِنَ النَّارِ، وافْتَحُوا لَه بابًا إلى النَّارِ، فيأتِيهِ مِنْ حَرِّها وَسَمُومِها، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أضْلاعُهُ، وَيَأتِيهِ رَجُلٌ قَبيحُ الوَجْهِ، قبيحُ الثّيابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أبْشِرْ بالذِي يَسُوؤكَ، هذا يَوْمُكَ الذي كُنْتَ تُوعَدُ، فيقولُ: مَنْ أنتَ؟ فَوَجْهُكَ الوَجْهُ يَجيءُ بالشَّرِّ، فيقولُ: أنا عَمَلُكَ الخبِيثُ، فيقولُ: رَبِّ لا تُقِمِ السَّاعَة".
وقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن العذاب في القبر يكون أحيانًا على الروح والبدن جميعا، كما في أول دفن الميت، وفي بعض أوقات عذاب القبر يكون العذاب على الروح وحدها، وهذا يكون بعد فناء الجسد، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما بين النفختين أربعون" قال: أربعون يوما؟ قال: أبيت، قال: أربعون شهرا؟ قال: أبيت، قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت، قال: "ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة".
الأمر الثالث: النفخ في الصور لقيام الساعة، ثم للبعث، كما سبق بيانه عند الكلام على الملائكة.
الأمر الرابع: البعث.
فيحشر الباري جل وعلا الإنس، والجن، وجميع البهائم، من حيوانات، وحشرات وغيرها.
قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ
[ ٦١ ]
كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾ [يس: ٥١ - ٥٣]، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨].
الأمر الخامس: ما يكون في يوم القيامة من حساب، وغيره، وهذا يشمل أمورًا كثيرة، أهمها:
١ - الميزان، ووزن الأعمال فيه، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وكما قال جل شأنه: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة].
٢ - إعطاء الكتب باليمين أو الشمال، وعرض أعمال المؤمنين عليهم، ومناقشة الكفار والعصاة في أعمالهم.
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١)﴾ [الحاقة: ١٨ - ٣١]، وقال جل وعلا: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ
[ ٦٢ ]
وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وروى البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم - وضي الله عنه - موفوعًا: "ما منكم أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة".
فالمؤمن ومن غفر الله له ذنوبه تعرض أعماله عليه، ولا يناقش فيها، أما من لم يغفر الله له ذنوبه، فإنه يناقش في أعماله، ويقرَّع، ويؤنب، ويعاتب على فعلها، ومنهم من يفضح بذكرها بين الخلائق في ذلك الموقف العظيم، ومن ينكر منهم شيئًا من أعماله، شهد عليه بها رب العالمين، والملائكة الذين يكتبون أعماله، ومنهم من تشهد عليه جوارحه التي عملت تلك المعاصي، كما قال تعالى ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، وكما قال ﷾: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]، وكما قال جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)﴾ [فصلت: ١٩ - ٢٢].
٣ - الشفاعة.
ففي موقف القيامة يأذن الله تعالى للقرآن، وللأنبياء، وللملائكة،
[ ٦٣ ]
وللشهداء، وللمؤمنين، ولأطفالهم، أن يشفعوا لبعض الموحدين.
ولنبينا محمد ﷺ شفاعات متعددة، منها ما خصه الله تعالى بها، ومنها ما يشاركه فيها غيره، وأهم هذه الشفاعات ما يلي:
الشفاعة الأولى، وهي الشفاعة العظمى، وهي أن الناس في موقف القيامة إذا طال وقوفهم وانتظارهم لفصل القضاء، يلجؤون إلى أنبياء الله تعالى، ليشفعوا لهم عند الله تعالى أن يريحهم من طول ذلك الموقف، فيعتذر منها آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، فيأتون إلى النبي ﷺ، فيقول: "أنا لها، أنا لها"، فيسجد تحت العرش، ويحمد ربه، فيقال: "ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع"، فيشفّعه الله في أهل موقف القيامة أن يقضي بينهم.
الشفاعة الثانية: شفاعته ﷺ في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة.
وهاتان الشفاعتان خاصتان به ﷺ.
الشفاعة الثالثة: شفاعتة ﷺ فيمن استحق النار أن لا يدخلها.
الشفاعة الرابعة: شفاعته ﷺ فيمن دخل النار من الموحدين أن يخرج منها.
وهاتان الشفاعتان يشاركه فيها النبيون والملائكة والصدّيقون وغيرهم.
الشفاعة الخامسة: شفاعته ﷺ في بعض الكفار من أهل النار أن يخفف عذابه، وهذه خاصة بأبي طالب وحده.
[ ٦٤ ]
٤ - نعيم يوم القيامة، وعذابه.
فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن المؤمنين يظلهم الله تعالى في ظله في ذلك اليوم العظيم الذي مقداره خمسون ألف سنة.
وثبت في السفة أن العصاة يعذبون في ذلك اليوم، فقد روى مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال: "تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار ميلى، قال: فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا".
وجاء في بعض الأحاديث أن بعض العصاة يعذبون على معاصي معينة من معاصيهم في ذلك اليوم.
٥ - القصاص بين الخلائق.
فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أتدرون من المفلس؟ " قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار، فقال: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته، قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح فِي النار".
وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى تقاد الشاة الجلحاء من الشاة القرناء".
[ ٦٥ ]
٦ - نصب الصراط على متن جهنم.
روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - حديث القيامة الطويل، وفيه أن النبي ﷺ قال: "ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلِّم، سلِّم"، قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: "دحض مزلة، فيه خطاطيف، وكلاليب، وحسك تكون بنجذ، فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون، كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم"، وزاد مسلم في رواية: قال أبو سعيد: "بلغني أن الجسر أدق من الشعرة، وأحد من السيف".
وقد ثبت في السنة أن الصراط أحد من السيف، وثبت ذلك أيضًا عن ابن مسعود - ﵁ - من قوله، وله حكم الرفع، لأنه لا يقال بالرأي، وثبت في بعض الآحاديث أن الصراط أدق من الشعر.
٧ - رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا في موقف القيامة، فيراه المؤمنون في موقف القيامة بعد دخول أصناف المشركين النار.
هذا وهناك أمور كثيرة أخرى تكون في موقف القيامة، يجب الإيمان بها، كتشقق السماء، وذوبانها، وكقبض الجبار جل وعلا للأرض كلها، وطيه للسماوات بيمينه، وكتبديل السموات والأرض، وكجعل الجبال قطنًا منفوشًا، وكانتثار النجوم، وهو تساقطها، وكخسف القمر، وهو ذهاب ضوئه، وكتسجير البحار، وهو أن توقد حتى تصير نارًا تضطرب، وكحوض النبي ﷺ في عرصات القيامة، والذي يرده المؤمنون من هذه الأمة، ويصب فيه نهر الكوثر،
[ ٦٦ ]
والذي هو نهر من أنهار الجنة أعطاه الله نبيه محمدًا ﷺ.
الأمر السادس مما يتضمنه الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالجنة والنار.
فيجب على المسلم أن يؤمن بالجنة والنار، وأنهما مخلوقتان وموجودتان الآن، وهذا مجمع عليه بين أهل السنة.
ويجب أن يؤمن بأن المؤمنين في الآخرة يدخلون الجنة، وأنهم يخلدون فيها، وأن عصاة الموحدين الذين توفاهم الله تعالى وهم مصرون على شيء من كبائر الذنوب أنهم في الآخرة تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء عفا عن ذنوبهم، وأدخلهم الجنة، خالدين فيها، وإن شاء أدخلهم النار، حتى يطهرهم من ذنوبهم، فيعذبهم بقدر ذنوبهم، ثم يدخلهم الجنة، خالدين فيها.
كما يجب الإيمان بأن جميع الكفار من مشركين ومنافقين وغيرهم - ويدخل في ذلك جميع من لم يدخل في الإسلام بعد بعثة النبي ﷺ من يهود ونصارى وغيرهم - يجب الإيمان بأن هؤلاء كلهم يدخلون النار، ويخلدون فيها.
ويجب الإيمان كذلك بأن الجنة والنار باقيتان لا تفنيان أبدا، لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] أي غير مقطوع، ولقوله جل وعلا عن الكفار: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧] ولقوله تعالى عنهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] ولقوله ﷾: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)﴾ [الزخرف: ٧٤ - ٧٥].
[ ٦٧ ]
الركن السادس من أركان الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشره.
فيجب على العبد أن يؤمن بأن كل ما وقع أو يقع في هذا الكون من خير أو شر، كله بتقدير الله تعالى.
ويجب على العبد أن يؤمن بمراتب القضاء والقدر الأربع، والتي سبق ذكرها عند الكلام على وسطية أهل السنة بين فرق الضلال في مقدمة هذا الكتاب.
ومن المسائل العقدية المهمة المتعلقة بالإيمان أيضًا، والمجمع عليها بين الصحابة وكبار التابعين: أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] وكما قال جل وعلا: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وكما قال ﷾: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤].
[ ٦٨ ]
الفصل الثالث الإحسان
الإحسان في الاصطلاح: تحسين الظاهر والباطن.
والإحسان درجتان ومقامان:
المقام الأول: مقام المشاهدة، وهو أن تعبد الله كأنك تراه وتشاهده، فيعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه، وذلك أن الإيمان إذا قوي في قلب العبد أصبح الغيب عنده كالعيان.
وهذه هي أعلى مرتبتي الإحسان ومقاميه.
فمن عبد الله ﷿ على استحضار قربه منه وإقباله عليه، وأنه بين يديه جل وعلا، حتى كأنه يرى خالقه ﷾، أوجب له الخشية والخوف والهيبة والتعظيم له جل وعلا.
المقام الثاني: مقام الإخلاص، وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله له، واطلاعه عليه، وقربه منه، فإذا استحضر العبد هذا في عمله وعبادته، وعمل بموجبه، فهو مخلص لله تعالى، لأن استحضاره ذلك في عمله يحمله على مراقبة الله والخوف منه، والإخلاص له، ويمنعه من الالتفات إلى غيره تعالى، ومن إرادة غير الله بالعبادة، فلا يقع في الشرك الأكبر، ولا في الشرك الأصغر.
ومن الأدلة على هاذين المقامين من مقامات الإحسان: قوله ﷺ لما سأله جبريل - ﵇ - عن الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن
[ ٦٩ ]
لم تكن تراه فإنه يراك"، فذكر مقامين للإحسان: مقام من يعبد الله كأنه يرى ربه جل وعلا، ومقام من يعبد الله لرؤية الله تعالى له، كما سبق تفصيله.
[ ٧٠ ]