[في ذمِّ البدع وسوء منقلب أصحابها]
لَا خفاءَ أنَّ الْبِدَعَ مِنْ حَيْثُ تصوُّرُها يَعْلَمُ الْعَاقِلُ ذمَّها، لأنَّ اتِّبَاعَهَا خروجٌ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ورميٌ فِي عَمَايَةٍ، وَبَيَانُ ذَلِكَ من جهة النظر، والنقل الشرعي العام.
فصل
[الأدلة من النظر على ذمِّ البدع]
أمَّا النظر فمن وجوه:
(أحدها) أنَّه قد عُلِمَ بالتجارب والخبرة، أنَّ الْعُقُولَ غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ بِمَصَالِحِهَا، اسْتِجْلَابًا لَهَا، أَوْ مَفَاسِدِهَا، اسْتِدْفَاعًا لَهَا. لأنَّها إِمَّا دُنْيَوِيَّةٌ أَوْ أُخروية.
فأمَّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَلَا يُسْتَقَلُّ بِاسْتِدْرَاكِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ البتَّة لَا فِي ابْتِدَاءِ وَضْعِهَا أوَّلًا، وَلَا فِي اسْتِدْرَاكِ مَا عَسَى أَنْ يَعْرِضَ فِي طَرِيقِهَا، إِمَّا فِي
[ ١٥ ]
السَّوَابِقِ، وَإِمَّا فِي اللَّوَاحِقِ، لأنَّ وَضْعَهَا أوَّلًا لم يكن إلا بتعليم الله تعالى.
فَلَوْلَا أنْ منَّ اللَّهُ عَلَى الْخَلْقِ بِبَعْثَةِ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ تَسْتَقِمْ لَهُمْ حَيَاةٌ، وَلَا جَرَتْ أَحْوَالُهُمْ عَلَى كَمَالِ مَصَالِحِهِمْ وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالنَّظَرِ فِي أَخْبَارِ الأوَّلين وَالْآخِرِينَ.
وأمَّا الْمَصَالِحُ الأُخرويَّة، فَأَبْعَدُ عَنْ مَصَالِحِ الْمَعْقُولِ مِنْ جِهَةِ وَضْعِ أَسْبَابِهَا، وَهِيَ الْعِبَادَاتُ مَثَلًا. فإنَّ الْعَقْلَ لَا يَشْعُرُ بِهَا عَلَى الْجُمْلَةِ، فَضْلًا عَنِ الْعِلْمِ بها على التفصيل.
فَعَلَى الْجُمْلَةِ، الْعُقُولُ لَا تَسْتَقِلُّ بِإِدْرَاكِ مَصَالِحِهَا دُونَ الْوَحْيِ. فَالِابْتِدَاعُ مضادٌ لِهَذَا الْأَصْلِ، لأنَّه لَيْسَ [لَهُ] مستندٌ شرعيٌ بِالْفَرْضِ، فَلَا يَبْقَى إِلَّا مَا ادَّعوه مِنَ الْعَقْلِ.
فَالْمُبْتَدِعُ لَيْسَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ بِدْعَتِهِ أَنْ يَنَالَ بِسَبَبِ الْعَمَلِ بِهَا، مَا رَامَ تَحْصِيلَهُ مِنْ جِهَتِهَا، فصارت كالعبث.
(الثاني) أنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ كَامِلَةً لَا تَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ وَلَا النُّقْصَانَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِيهَا: ﴿الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لكَمُ الإسلامَ دِينًا﴾ (١) .
وَفِي حَدِيثِ العِرباض بْنِ سَارِيَةَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْأَعْيُنُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ هذه موعظة
_________________
(١) المائدة: ٣
[ ١٦ ]
مُوَدِّعٍ فَمَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: «تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، وَلَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الخلفاء الراشدين من بعدي» الحديث (١) .
فَالْمُبْتَدِعُ إنَّما مَحْصُولُ قَوْلِهِ بِلِسَانِ حَالِهِ أَوْ مَقَالِهِ:
إنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تَتِمَّ، وأنَّه بَقِيَ مِنْهَا أشياءُ يَجِبُ أَوْ يُسْتَحَبُّ اسْتِدْرَاكُهَا، لأنَّه لَوْ كَانَ مُعْتَقِدًا لِكَمَالِهَا وَتَمَامِهَا مِنْ كلِّ وَجْهٍ، لَمْ يَبْتَدِعْ وَلَا اسْتَدْرَكَ عَلَيْهَا. وَقَائِلُ هَذَا ضَالٌّ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: مَنِ ابْتَدَعَ فِي الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - خَانَ الرِّسَالَةَ، لأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿الْيَوْمَ أكملتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فَمَا لَمْ يَكُنْ يومئذٍ دِينًا، فلا يكون اليوم دينًا.
(الثالث) أنَّ الْمُبْتَدِعَ معاندٌ لِلشَّرْعِ ومشاقٌّ لَهُ، لأنَّ الشَّارِعَ قَدْ عَيَّنَ لِمَطَالِبِ الْعَبْدِ طُرُقًا خَاصَّةً عَلَى وُجُوهٍ خَاصَّةٍ، وقَصَرَ الخَلْقَ عَلَيْهَا بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَأَخْبَرَ أنَّ الْخَيْرَ فِيهَا، وأنَّ الشَّرَّ فِي تعدِّيها - إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، لأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، وأنَّه إنَّما أَرْسَلَ الرَّسُولَ - ﷺ - رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. فَالْمُبْتَدِعُ رادٌ لِهَذَا كُلِّهِ، فإنَّه يَزْعُمُ أنَّ ثمَّ طُرُقًا أُخر، لَيْسَ مَا حَصَرَهُ الشَّارِعُ بِمَحْصُورٍ، وَلَا مَا عيَّنَه بمتعيِّن، كأنَّ الشَّارِعَ يَعْلَمُ، وَنَحْنُ أَيْضًا نَعْلَمُ. بَلْ رُبَّمَا يُفهم مِنِ اسْتِدْرَاكِهِ الطُّرُقَ عَلَى الشَّارِعِ، أنَّه علم ما لم يعلمه
_________________
(١) [صحيح] رواه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢،٤٣،٤٤) وغيرهم مع اختلاف يسير في اللفظ.
[ ١٧ ]
الشَّارِعُ.
وَهَذَا إِنْ كَانَ مَقْصُودًا لِلْمُبْتَدِعِ فَهُوَ كفرٌ بِالشَّرِيعَةِ وَالشَّارِعِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْصُودٍ، فهو ضلال مبين.
(الرابع) أنَّ الْمُبْتَدِعَ قَدْ نَزَّل نَفْسَهُ مَنْزِلَةَ الْمُضَاهِي لِلشَّارِعِ، لأنَّ الشَّارِعَ وَضَعَ الشَّرَائِعَ وَأَلْزَمَ الْخَلْقَ الْجَرْيَ عَلَى سُنَنِهَا، وَصَارَ هُوَ الْمُنْفَرِدَ بِذَلِكَ، لأنَّه حَكَمَ بَيْنَ الْخَلْقِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ التَّشْرِيعُ مِنْ مُدْرَكَاتِ الْخَلْقِ لَمْ تُنَزَّلِ الشَّرَائِعُ، وَلَمْ يَبْقَ الْخِلَافُ بَيْنَ النَّاسِ. وَلَا احْتِيجَ إِلَى بَعْثِ الرُّسُلِ ﵈.
هَذَا الَّذِي ابْتَدَعَ فِي دِينِ اللَّهِ قَدْ صيَّر نفسه نظيرًا ومضاهيًا [لله] حَيْثُ شَرَعَ مَعَ الشَّارِعِ، وَفَتَحَ لِلِاخْتِلَافِ بَابًا؛ ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع.
(الخامس) أنَّه اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى لأنَّ الْعَقْلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَّبِعًا لِلشَّرْعِ لَمْ يَبْقَ لَهُ إِلَّا الْهَوَى وَالشَّهْوَةُ؛ وَأَنْتَ تَعْلَمُ مَا فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى وأنَّه ضَلَالٌ مُبِينٌ. أَلَا تَرَى قَوْلَ الله تعالى: ﴿يا داودُ إنَّا جعلناكَ خَلِيفَةً فِي الأرضِ فاحكمْ بينَ النَّاسِ بالحقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سبيلِ اللَّهِ، إنَّ الَّذينَ يَضِلُّونَ عَنْ سبيلِ اللَّهِ لَهُمْ عذابٌ شديدٌ بِمَا نَسُوا يومَ الحِساب﴾ (١) .
فَحَصَرَ الحكمَ فِي أَمْرَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا عِنْدَهُ، وَهُوَ الْحَقُّ وَالْهَوَى، وَعَزَلَ الْعَقْلَ مُجَرَّدًا إِذْ لَا يُمْكِنُ فِي الْعَادَةِ إِلَّا ذلك. وقال ﴿ولا تُطِعْ مَن
_________________
(١) ص: ٢٦.
[ ١٨ ]
أغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (١) فَجَعَلَ الْأَمْرَ مَحْصُورًا بَيْنَ أَمْرَيْنِ، اتِّبَاعِ الذِّكْرِ، وَاتِّبَاعِ الْهَوَى، وَقَالَ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ (٢) .
وَهِيَ مِثْلُ مَا قَبْلَهَا. وَتَأَمَّلُوا هَذِهِ الْآيَةَ فإنَّها صَرِيحَةٌ فِي أنَّ مَنْ لَمْ يَتَّبِعْ هُدَى اللَّهِ فِي هَوَى نَفْسِهِ، فَلَا أَحَدَ أَضَلُّ مِنْهُ.
وَهَذَا شأْن الْمُبْتَدِعِ، فإنَّه اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ. وَهُدَى اللَّهِ هُوَ الْقُرْآنُ.
وَمَا بَيَّنَتْهُ الشَّرِيعَةُ وَبَيَّنَتْهُ الْآيَةُ أنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ تَابِعًا لِلْأَمْرِ والنهي فليس بمذموم ولا صاحبه بضال.
والآخرُ أَنْ يَكُونَ هَوَاهُ هُوَ الْمُقَدَّمُ بِالْقَصْدِ الأوَّل، والمبتدع قدم هوى نفسه على هدى الله فَكَانَ أَضَلَّ النَّاسِ وَهُوَ يَظُنُّ أنَّه عَلَى هدى.
وهنا مَعْنًى يَتَأَكَّدُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ أنَّ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ عَيَّنَتْ لِلِاتِّبَاعِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ طَرِيقَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الشَّرِيعَةُ، وَلَا مِرْية فِي أنَّها عِلْمٌ وَحَقٌّ وَهُدًى؛ وَالْآخَرُ الْهَوَى، وَهُوَ الْمَذْمُومُ، لأنَّه لم يذكر في القرآن إلا في سياق الذَّمِّ، وَلَمْ يَجْعَلْ ثمَّ طَرِيقًا ثَالِثًا. وَمَنْ تتبع الآيات، ألفى ذلك كذلك.
_________________
(١) الكهف: ٢٨.
(٢) القصص: ٥٠.
[ ١٩ ]
فصل
[الأدلة من النقل على ذم البدع]
وأمَّا النقل فمن وجوه:
(أحدها) مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَمِّ مَنِ ابْتَدَعَ فِي دِينِ اللَّهِ فِي الْجُمْلَةِ. فَمِنْ ذَلِكَ:
١- قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وأنَّ هَذَا صِراطِي مُسْتقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولاَ تَتَّبِعُوا السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عنْ سَبِيلِهِ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١) فَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ سَبِيلُ اللَّهِ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ وَهُوَ السُّنَّة، وَالسُّبُلُ هي سبل أهل الِاخْتِلَافِ الْحَائِدِينَ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَهُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ سُبُلَ الْمَعَاصِي، لأنَّ الْمَعَاصِيَ مِنْ حَيْثُ هِيَ معاصٍ لَمْ يَضَعْهَا أَحَدٌ طَرِيقًا تُسْلك دَائِمًا عَلَى مُضَاهَاةِ التَّشْرِيعِ. وإنَّما هَذَا الْوَصْفُ خَاصٌّ بِالْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ.
وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا رَوَى إِسْمَاعِيلُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: حدَّثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمًا خَطًّا طَوِيلًا، وخطَّ لَنَا سُلَيْمَانُ خَطًّا طَوِيلًا، وخطَّ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ فَقَالَ: «هَذَا سبيلُ اللَّهِ» ثُمَّ خطَّ لَنَا خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ وَقَالَ: «هَذِهِ سُبُل، وَعَلَى كلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ» ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وأنَّ هَذَا صِراطِي مُستَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ -يعني
_________________
(١) الأنعام: ١٥٣.
[ ٢٠ ]
الْخُطُوطَ- ﴿فَتَفَرَّقَ بِكمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١) .
قَالَ بَكْرُ بْنُ الْعَلَاءِ: أحسبُه أَرَادَ شَيْطَانًا مِنَ الْإِنْسِ وهي البدع والله أعلم.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ولاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾، قال: البدع والشبهات.
٢- قول الله تعالى: ﴿وعلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنْها جائِرٌ ولَوْ شَاءَ لهَداكُمْ أجْمَعِينَ﴾ (٢) فَالسَّبِيلُ الْقَصْدُ هُوَ طَرِيقُ الْحَقِّ، وَمَا سِوَاهُ جائرٌ عَنِ الْحَقِّ؛ أَيْ عادلٌ عَنْهُ، وَهِيَ طُرُقُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ، أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ سُلُوكِهَا بِفَضْلِهِ. وَكَفَى بِالْجَائِرِ أَنْ يحذَّر مِنْهُ. فَالْمَسَاقُ يَدُلُّ على التحذير والنهي.
عَنِ التُّسْتُرِيِّ: «قَصْدُ السَّبِيلِ» طَرِيقُ السُّنَّة، «وَمِنْهَا جائرٌ» يَعْنِي إِلَى النَّارِ، وَذَلِكَ الْمِلَلُ وَالْبِدَعُ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ «قَصْدُ السَّبِيلِ» أَيِ: الْمُقْتَصِدُ مِنْهَا بَيْنَ الْغُلُوِّ وَالتَّقْصِيرِ، وَذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ الْجَائِرَ هُوَ الْغَالِي أَوِ المقصِّر، وَكِلَاهُمَا مِنْ أَوْصَافِ البدع.
٣- ﴿إنَّ الَّذِين فَرَّقوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ في شَيْىءٍ إنَّما أَمْرُهُمْ إلىَ اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣) .
قَالَ ابْنُ عطيَّة: «هَذِهِ الْآيَةُ تَعُمُّ أَهْلَ الأهواء والبدع والشذوذ في
_________________
(١) [حسن أو صحيح] رواه أحمد (٤١٤٢ و٤٤٣٧)، الدارمي (٢٠٢) وابن أبي عاصم في السنه (١٧)، وصححه الحاكم (٢/٣١٨) وأقرَّه الذهبي.
(٢) النحل: ٩.
(٣) الأنعام: ١٥٩.
[ ٢١ ]
الْفُرُوعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ التَّعَمُّقِ فِي الْجِدَالِ وَالْخَوْضِ فِي الْكَلَامِ. هَذِهِ كُلُّهُا عُرْضَةٌ للزلل ومظنة لسوءِ المعتقد»
قال القاضي [إسماعيل]: ظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أنَّ كلَّ مَنِ ابْتَدَعَ فِي الدِّينِ بِدْعَةً مِنَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؛ لأنَّهم إِذَا ابتدعوا تجادلوا وتخاصموا وتفرقوا وكانوا شيعًا.
(الثاني): مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَهِيَ كَثِيرَةٌ تَكَادُ تَفُوتُ الْحَصْرَ، إِلَّا أنَّا نَذْكُرُ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْبَاقِي وَنَتَحَرَّى فِي ذَلِكَ - بِحَوْلِ اللَّهِ- مَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الصِّحَّةِ.
فَمِنْ ذَلِكَ:
١- مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النبي - ﷺ - قال: «من أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فهو ردٌ» (١) وفي رواية لمسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ ردٌ» (٢) وَهَذَا الْحَدِيثُ عدَّه العلماءُ ثُلُثَ الْإِسْلَامِ، لأنَّه جمع وجوه الْمُخَالَفَةِ لِأَمْرِهِ ﵇. وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ مَا كَانَ بِدْعَةً أَوْ مَعْصِيَةً.
٢- وخرَّج مسلمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ
_________________
(١) رواه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) .
(٢) رواه مسلم (١٧١٨) .
[ ٢٢ ]
فِي خُطْبَتِهِ: «أمَّا بَعْدُ فإنَّ خيرَ الْحَدِيثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمد، وشرَّ الأُمور مُحْدَثَاتُهَا، وكلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (١) .
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَخْطُبُ النَّاسَ، يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ يَقُولُ: «مَنْ يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلِ الله فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَخَيْرُ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأُمور محدثاتها وكل محدثة بدعة» (٢) .
٣- وفي الصحيح مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ دَعَا إِلَى الْهُدَى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجور مَنْ يَتْبَعُهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجورهم شَيْئًا. وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ يَتْبَعُهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثامهم شيئًا» (٣) .
٤- وروى الترمذي وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ. فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ كأنَّ هَذَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فقال: «أُوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لولاة الأمر وإن كان عبدًا حبشيًا. فإنَّه من يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة وكل بدعة
_________________
(١) رواه مسلم (٨٦٧) .
(٢) رواه مسلم (٨٦٧) .
(٣) رواه مسلم (٢٦٧٤) .
[ ٢٣ ]
ضلالة» (١) .
٥- وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ أنَّه قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْتَدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي» قَالَ فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى نَارِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ قَذَفُوهُ فِيهَا» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهم لَنَا. قَالَ «نَعَمْ هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا» قُلْتُ: فَمَا تأْمرني إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ» قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِمَامٌ وَلَا جَمَاعَةٌ؟ قَالَ: فَاعْتَزِلْ تلك الفِرقَ كلها ولو أن تعض بأصل شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ» (٢) .
٦- وَمِمَّا جَاءَ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا مَا خرَّج ابنُ وَضَّاحٍ وَنَحْوُهُ لِابْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «سَيَكُونُ فِي أُمتي دَجَّالُونَ كذَّابون يأْتونكم بِبِدْعٍ مِنَ الحديث لم تسمعوه أنتم ولا آباؤهم، فإياكم وإياهم لا يفتنونكم» (٣) .
(الثالث): ما جاء عن الصحابة ﵃ فِي ذمِّ الْبِدَعِ وَأَهْلِهَا وهو كثير.
١- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أنَّه قال: اتبعوا آثارنا ولا
_________________
(١) [صحيح] تقدم تخريجه ص١٧.
(٢) رواه البخاري (٣٦٠٦، ٧٠٨٤) ومسلم (١٨٤٧) ولفظه أقرب إليه، وقد أسقط المؤلف أول الحديث.
(٣) رواه مسلم (٧) بلفظ «يكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم ولا يضلونكم ولا يفتنونكم» .
[ ٢٤ ]
تبتدعوا فقد كُفِيتم (١) .
٢- عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أنَّه قَالَ يَوْمًا: إنَّ مِن وَرَائِكُمْ فِتَنًا يكثر فيها المال، ويفتح فيه الْقُرْآنُ، حَتَّى يأْخذه الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ، وَالرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالصَّغِيرُ، وَالْكَبِيرُ، وَالْعَبْدُ، وَالْحُرُّ، فَيُوشِكُ قَائِلٌ أَنْ يَقُولَ: مَا لِلنَّاسِ لَا يَتَّبِعُونِي وَقَدْ قرأْت الْقُرْآنَ؟ مَا هُمْ بِمُتَّبِعِيَّ حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ غَيْرَهُ، وَإِيَّاكُمْ وَمَا ابْتُدِعَ فإنَّ مَا ابْتُدِعَ ضَلَالَةٌ، وأُحذِّركم زَيْغَةَ الْحَكِيمِ فإنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيمِ، وَقَدْ يَقُولُ الْمُنَافِقُ كَلِمَةَ الْحَقِّ.
قَالَ الرَّاوِي: قُلْتُ لِمُعَاذٍ: وَمَا يُدْرِينِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ أنَّ الْحَكِيمَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ ضَلَالَةٍ، وأنَّ الْمُنَافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الْحَقِّ؟ قَالَ: بَلَى! اجْتَنِبْ مِنْ كَلَامِ الْحَكِيمِ غَيْرَ الْمُشْتَهِرَاتِ الَّتِي يُقَالُ فِيهَا: مَا هَذِهِ؟ وَلَا يثنينَّك ذَلِكَ عَنْهُ، فإنَّه لَعَلَّهُ أَنْ يُرَاجِعَ وتلقَّ الحقَّ إِذَا سَمِعْتَهُ فإنَّ على الحق نورًا (٢) .
وَمِمَّا جَاءَ عَمَّنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ ﵃:
١- عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ أنَّه قَالَ: لِأَنْ أَرَى فِي الْمَسْجِدِ نَارًا لَا أَسْتَطِيعُ إِطْفَاءَهَا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَرَى فِيهِ بِدْعَةً لَا أَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَهَا.
٢- وَعَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ: اتَّبِعْ طُرُقَ الْهُدَى وَلَا يَضُرُّكَ قِلَّةُ السَّالِكِينَ، وإيَّاك وَطُرُقَ الضَّلَالَةِ وَلَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الْهَالِكِينَ.
_________________
(١) [صحيح] رواه اللالكائي في شرح السنة (١٠٤)، وأبو خيثمة في كتاب «العلم» (٥٤) ــ بإسناد صححه الألباني ــ، وغيرهما بألفاظ متقاربة.
(٢) [صحيح] رواه أبو داود (٤٦١١) وغيره.
[ ٢٥ ]
٣- وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ: «اعْلَمْ أَيْ أَخِي! إنَّ الْمَوْتَ كَرَامَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ عَلَى السُّنَّة، فإنَّا لِلَّهِ وإنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَإِلَى اللَّهِ نَشْكُو وَحْشَتَنَا وذهابَ الْإِخْوَانِ، وَقِلَّةَ الْأَعْوَانِ، وَظُهُورَ الْبِدَعِ. وَإِلَى اللَّهِ نَشْكُو عَظِيمَ مَا حَلَّ بِهَذِهِ الأُمة مِنْ ذَهَابِ الْعُلَمَاءِ وأهل السُّنَّة، وظهور البدع» .
فصل
[ما جاء فِي ذَمِّ الرَّأْيِ الْمَذْمُومِ]
وَهُوَ الْمَبْنِيُّ عَلَى غَيْرِ أُسٍّ، وَالْمُسْتَنِدُ إِلَى غَيْرِ أَصْلٍ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُّنَّةٍ، لَكِنَّهُ وَجْهٌ تَشْرِيعِيٌّ فَصَارَ نَوْعًا مِنَ الِابْتِدَاعِ، بَلْ هُوَ الْجِنْسُ فِيهَا، فإنَّ جَمِيعَ الْبِدَعِ إنَّما هِيَ رَأْيٌ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ، وَلِذَلِكَ وُصِفَ بِوَصْفِ الضَّلَالِ. فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاص ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ لَا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ بَعْدَ إِذْ أَعْطَاهُمُوهُ انْتِزَاعًا. وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ، فَيَبْقَى ناسٌ جهالٌ يُسْتَفْتوْن فيُفتون برأيهم فَيَضِلُّون ويُضِلُّون» (١) .
وقد اختلف العلماءُ في الرأي المقصود:
فَقَدْ قَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمُرَادُ بِهِ رَأْيُ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُخَالِفِينَ لِلسُّنَنِ، لَكِنْ فِي الِاعْتِقَادِ (٢) كَمَذْهَبِ جهمٍ وَسَائِرِ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْكَلَامِ لأنَّهم اسْتَعْمَلُوا آراءَهم فِي رَدِّ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، بَلْ وَفِي رَدِّ ظَوَاهِرِ الْقُرْآنِ لِغَيْرِ سَبَبٍ يُوجِبُ الرَّدَّ وَيَقْتَضِي التأويل.
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٠)، (٧٣٠٧)، ومسلم (٣٧٦٢) .
(٢) أي: في الاعتقاد فقط.
[ ٢٦ ]
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إنَّما الرَّأْيُ الْمَذْمُومُ الْمَعِيبُ الرَّأْيُ الْمُبْتَدَعُ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ مِنْ ضُرُوبِ الْبِدَعِ، فإنَّ حَقَائِقَ جَمِيعِ الْبِدَعِ رُجُوعٌ إِلَى الرَّأْيِ، وَخُرُوجٌ عَنِ الشَّرْعِ وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْأَظْهَرُ. إِذِ الْأَدِلَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ لَا تَقْتَضِي بِالْقَصْدِ الأوَّل مِنَ الْبِدَعِ نَوْعًا دُونَ نَوْعٍ بَلْ ظَاهِرُهَا تَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي كلِّ بِدْعَةٍ حَدَثَتْ أَوْ تَحْدُثُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَانَتْ مِنَ الْأُصُولِ أو الفروع.
وقالت طائفة: الرأي المذكور هُوَ الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ شَرَائِعِ الدِّينِ بِالِاسْتِحْسَانِ وَالظُّنُونِ، وَالِاشْتِغَالُ بِحِفْظِ الْمُعْضِلَاتِ وَالْأُغْلُوطَاتِ، وردِّ الْفُرُوعِ والنوازع بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ قِيَاسًا، دُونَ رَدِّهَا إِلَى أُصولها وَالنَّظَرِ فِي عِلَلِهَا وَاعْتِبَارِهَا، فَاسْتُعْمِلَ فِيهَا الرَّأْيُ قَبْلَ أَنْ تُنَزَّلَ، وَفُرِّعَتْ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ، وتُكُلِّم فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَكُونَ، بِالرَّأْيِ الْمُضَارِعِ لِلظَّنِّ، قَالُوا: لأنَّ فِي الِاشْتِغَالِ بِهَذَا وَالِاسْتِغْرَاقِ فِيهِ تَعْطِيلُ السُّنَنِ وَالْبَعْثُ عَلَى جَهْلِهَا، وَتَرْكُ الْوُقُوفِ عَلَى مَا يَلْزَمُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ منها، ومن كتاب الله تعالى ومعانيه.
وَهَذَا الْقَوْلُ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِمَا قَبْلَهُ، لأنَّ مَنْ قَالَ بِهِ قَدْ مَنَعَ مِنَ الرَّأْيِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَذْمُومٍ، لأنَّ الْإِكْثَارَ مِنْهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الرَّأْيِ الْمَذْمُومِ، وَهُوَ تَرْكُ النَّظَرِ فِي السُّنَنِ اقْتِصَارًا عَلَى الرَّأْيِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ اجْتَمَعَ مَعَ مَا قَبْلُهُ، فإنَّ مِنْ عَادَةِ الشَّرْعِ أنَّه إِذَا نَهَى عَنْ شَيْءٍ وَشَدَّدَ فِيهِ مَنَعَ مَا حَوَالَيْهِ، وَمَا دَارَ بِهِ وَرَتَعَ حَوْلَ حِمَاهُ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ ﵇ «الحلالُ بيِّن وَالْحَرَامُ بيِّن وَبَيْنَهُمَا أُمورٌ مُشْتَبِهَةٌ» (١): وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي الشَّرْعِ أَصْلُ سَدِّ الذَّرَائِعِ، وَهُوَ مَنْعُ الْجَائِزِ لأنَّه يَجُرُّ إِلَى غَيْرِ الْجَائِزِ. وَبِحَسَبِ عِظَمِ الْمَفْسَدَةِ في الممنوع،
_________________
(١) رواه البخاري (٢٠٥١) واللفظ له، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير ﵁.
[ ٢٧ ]
يكون اتساع المنع في الذريعة وشدته.
وَالْحَاصِلُ مِنْ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ أنَّ الرَّأْيَ الْمَذْمُومَ مَا بُنِي عَلَى الْجَهْلِ وَاتِّبَاعِ الْهَوَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْجَعَ إِلَيْهِ، وَمَا كَانَ مِنْهُ ذَرِيعَةً إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِهِ مَحْمُودًا، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى أَصْلٍ شَرْعِيٍّ: فالأوَّل دَاخِلٌ تَحْتَ حَدِّ الْبِدْعَةِ وَتَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ الذَّمِّ، وَالثَّانِي خَارِجٌ عَنْهُ وَلَا يَكُونُ بِدْعَةً أبدًا.
فصل
[مَا فِي الْبِدَعِ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمَحْذُورَةِ، وَالْمَعَانِي المذمومة]
فَاعْلَمُوا أنَّ الْبِدْعَةَ لَا يُقْبَلُ مَعَهَا عِبَادَةٌ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلَا غَيْرِهَا مِنَ القُرُبات. ومُجَالِسُ صَاحِبِهَا تُنْزَعُ مِنْهُ الْعِصْمَةُ وَيُوكَلُ إِلَى نَفْسِهِ، وَالْمَاشِي إِلَيْهِ وَمُوَقِّرُهُ مُعِينٌ عَلَى هدمِ الْإِسْلَامِ، فَمَا الظَّنُّ بِصَاحِبِهَا وَهُوَ مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِ الشَّرِيعَةِ، وَيَزْدَادُ مِنَ اللَّهِ بِعِبَادَتِهِ بُعْدًا،؟! وَهِيَ مَظِنَّةُ إِلْقَاءِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، وَمَانِعَةٌ مِنَ الشَّفَاعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَرَافِعَةٌ لِلسُّنَنِ الَّتِي تُقَابِلُهَا، وَعَلَى مُبْتَدِعِهَا إثمُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ، وتُلقى عَلَيْهِ الذِّلَّةُ وَالْغَضَبُ مِنَ اللَّهِ، وَيُبْعَدُ عَنْ حَوْضِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، ويُخاف عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَعْدُودًا فِي الْكُفَّارِ الْخَارِجِينَ عَنِ المِلَّةِ، وَسُوءُ الْخَاتِمَةِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الدنيا، وَيَسْوَدُّ وجهه في الآخرة يُعَذَّبُ بِنَارِ جَهَنَّمَ، وَقَدْ تَبَرَّأَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَتَبَرَّأَ مِنْهُ الْمُسْلِمُونَ، ويُخاف عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ فِي الدُّنْيَا زِيَادَةً إِلَى عَذَابِ الْآخِرَةِ.
[ ٢٨ ]
- فأمَّا أنَّ الْبِدْعَةَ لَا يُقْبَلُ مَعَهَا عَمَلٌ:
فكبدعة الْقَدَرِيَّةِ حَيْثُ قَالَ فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عمر ﵁: إِذَا لَقِيتَ أُولئك فَأَخْبِرْهُمْ أنِّي بريءٌ مِنْهُمْ، وأنَّهم بُرَءَاءُ مِنِّي، فَوَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ مَا تَقَبَّله اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بالقدر (١) .
وَمِثْلُهُ حَدِيثُ الْخَوَارِجِ وَقَوْلُهُ فِيهِ: يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ - بَعْدَ قَوْلِهِ - تَحقرون صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ. الْحَدِيثَ (٢) .
وَإِذَا ثَبَتَ في بعضهم هذا لأجل بدعته فكل مبتدع يُخاف عليه مثل من ذُكِر، فإنَّ كون الْمُبْتَدِعُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَمَلٌ، إِمَّا أَنْ يُرَادَ أنَّه لَا يُقبل لَهُ بِإِطْلَاقٍ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ وَقَعَ، مِنْ وِفاق سُّنَّةٍ أَوْ خلافِها، وَإِمَّا أَنْ [يُرَادَ] أنَّه لَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا ابْتَدَعَ فِيهِ خَاصَّةً دُونَ مَا لَمْ يَبْتَدِعْ فِيهِ.
فأمَّا الأوَّل: فَيُمْكِنُ عَلَى أحد أوجهٍ ثلاثة:
١- أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ أنَّ كلَّ مُبْتَدِعٍ أَيَّ بِدْعَةٍ كَانَتْ؛ فَأَعْمَالُهُ لَا تُقْبَلُ معها - داخلتها تلك البدعة أم لا-.
٢- أَنْ تَكُونَ بِدْعَتُهُ أَصْلًا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ سَائِرُ الْأَعْمَالِ، كَمَا إِذَا ذَهَبَ إِلَى إِنْكَارِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِإِطْلَاقٍ، فإنَّ عَامَّةَ التَّكْلِيفِ مبنيٌ عَلَيْهِ، لأنَّ الْأَمْرَ إنَّما يَرِد عَلَى المُكلَّف مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِهِ. وما تَفَرَّع
_________________
(١) رواه مسلم (٨) .
(٢) رواه البخاري (٥٠٥٨، ٦٩٣١ ــ ٦٩٣٤)، ومسلم (١٠٦٤) .
[ ٢٩ ]
منهما راجع إليهما.
٣- أنَّ صَاحِبَ الْبِدْعَةِ فِي بَعْضِ الأُمور التَّعَبُّدِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا قَدْ يَجُرُّهُ اعْتِقَادُ بِدْعَتِهِ الْخَاصَّةِ إِلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي يُصيِّر اعْتِقَادَهُ فِي الشَّرِيعَةِ ضَعِيفًا، وَذَلِكَ يُبْطِلُ عَلَيْهِ جَمِيعَ عَمَلِهِ. بَيَانُ ذلك أمثلة:
- منها أن يُشْرِكَ العقلَ مَعَ الشَّرْعِ فِي التَّشْرِيعِ، وإنَّما يَأْتِي الشَّرْعُ كَاشِفًا لِمَا اقْتَضَاهُ الْعَقْلُ، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ حكَّم هَؤُلَاءِ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ شَرْعَه أَمْ عقولَهم؟ بَلْ صَارَ الشَّرْعُ فِي نِحْلَتِهم كَالتَّابِعِ الْمُعِينِ لَا حَاكِمًا مُتَّبَعًا، وَهَذَا هُوَ التَّشْرِيعُ الَّذِي لَمْ يَبْقَ لِلشَّرْعِ مَعَهُ أصالة، فكلُ ما عمل هذا العامل مبنيًا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ عَقْلُهُ، وَإِنْ شَرَّك الشَّرْعَ فَعَلَى حُكْمِ الشَّرِكَةِ لَا عَلَى إِفْرَادِ الشَّرْعِ.
- وَمِنْهَا أنَّ الْمُسْتَحْسِنَ لِلْبِدَعِ يَلْزَمُهُ عَادَةً أَنْ يَكُونَ الشَّرْعُ عِنْدَهُ لَمْ يَكْمُلْ بعدُ، فَلَا يَكُونُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) معنى يعتبر به عندهم.
وأمَّا الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِعَدَمِ الْقَبُولِ لِأَعْمَالِهِمْ مَا ابْتَدَعُوا فِيهِ خَاصَّةً فَيَظْهَرُ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْحَدِيثُ المتقدِّم «كلُّ عملٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أمرُنا فَهُوَ ردٌّ» (٢) وَالْجَمِيعُ مِنْ قَوْلِهِ: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» أَيْ أنَّ صَاحِبَهَا لَيْسَ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَهُوَ مَعْنَى عَدَمِ الْقَبُولِ، وفاق قول الله: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُوا
_________________
(١) المائدة: ٣.
(٢) [صحيح] تقدم (ص ٢٢) .
[ ٣٠ ]
السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١)، وصاحبُ الْبِدْعَةِ لَا يَقْتَصِرُ فِي الْغَالِبِ عَلَى الصَّلَاةِ دُونَ الصِّيَامِ، وَلَا عَلَى الصِّيَامِ دُونَ الزَّكَاةِ، وَلَا عَلَى الزَّكَاةِ دُونَ الْحَجِّ، وَلَا عَلَى الْحَجِّ دُونَ الْجِهَادِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ، لأنَّ الْبَاعِثَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ حَاضِرٌ مَعَهُ فِي الْجَمِيعِ، وَهُوَ الْهَوَى وَالْجَهْلُ بِشَرِيعَةِ اللَّهِ، كما سيأتي إن شاء الله.
- وأمَّا أنَّ صَاحِبَ الْبِدْعَةِ تُنْزَع مِنْهُ الْعِصْمَةُ ويوكل إلى نفسه، فإنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا - ﷺ - رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ حَسْبَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ، وَقَدْ كُنَّا قَبْلَ طُلُوعِ ذَلِكَ النُّورِ الْأَعْظَمِ لَا نَهْتَدِي سَبِيلًا، وَلَا نَعْرِفُ من مصالحنا الدنيوية إلا قليلًا، وَلَا مِنْ مَصَالِحِنَا الأُخروية قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - ﷺ - لِزَوَالِ الرَّيْبِ وَالِالْتِبَاسِ، وَارْتِفَاعِ الْخِلَافِ الْوَاقِعِ بين الناس، فَإِذَا تَرَكَ الْمُبْتَدِعُ هَذِهِ الْهِبَاتِ الْعَظِيمَةَ، وَالْعَطَايَا الْجَزِيلَةَ، وَأَخَذَ فِي اسْتِصْلَاحِ نَفْسِهِ أَوْ دُنْيَاهُ بِنَفْسِهِ بِمَا لَمْ يَجْعَلِ الشَّرْعُ عَلَيْهِ دَلِيلًا، فَكَيْفَ لَهُ بِالْعِصْمَةِ وَالدُّخُولِ تَحْتَ هَذِهِ الرَّحْمَةِ؟ وَقَدْ حَلَّ يَدَهُ مِنْ حَبْلِ الْعِصْمَةِ إِلَى تَدْبِيرِ نَفْسِهِ، فَهُوَ حَقِيقٌ بِالْبُعْدِ عَنِ الرَّحْمَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ (٢)، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٣) فأشعرَ أنَّ الِاعْتِصَامَ بِحَبْلِ اللَّهِ هُوَ تَقْوَى اللَّهِ حَقًّا، وأنَّ مَا سِوَى ذَلِكَ تَفْرِقَةٌ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ وَالْفُرْقَةُ مِنْ أَخَسِّ أَوْصَافِ الْمُبْتَدِعَةِ، لأنَّه خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وباين جماعة أهل الإسلام.
_________________
(١) الأنعام: ١٥٣.
(٢) آل عمران: ١٠٣.
(٣) آل عمران: ١٠٢.
[ ٣١ ]
- وأمَّا أنَّ الماشي إليه والموقِّر له مُعين على هدم الإسلام، فَلِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ والناس أجمعين» الحديث (١) .
فإنَّ الإيواء بجامع التَّوْقِيرَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ لأنَّ الْمَشْيَ إِلَيْهِ والتوقير له تعظيم له لأجل بدعته والشرع يَأْمُرُ بِزَجْرِهِ وَإِهَانَتِهِ وَإِذْلَالِهِ بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا، كَالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ، فَصَارَ تَوْقِيرُهُ صُدُودًا عَنِ الْعَمَلِ بِشَرْعِ الْإِسْلَامِ، وَإِقْبَالًا عَلَى مَا يُضَادُّهُ وَيُنَافِيهِ، وَالْإِسْلَامُ لَا يَنْهَدِمُ إِلَّا بِتَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ وَالْعَمَلِ بِمَا يُنَافِيهِ.
وَأَيْضًا فإنَّ تَوْقِيرَ صَاحِبِ الْبِدْعَةِ مَظِنَّةٌ لِمَفْسَدَتَيْنِ تَعُودَانِ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالْهَدْمِ:
إِحْدَاهُمَا: الْتِفَاتُ الْجُهَّالِ وَالْعَامَّةِ إِلَى ذَلِكَ التَّوْقِيرِ، فَيَعْتَقِدُونَ فِي الْمُبْتَدِعِ أنَّه أَفْضَلُ النَّاسِ، وأنَّ مَا هُوَ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِمَّا عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى اتِّبَاعِهِ عَلَى بِدْعَتِهِ دُونَ اتِّبَاعِ أَهْلِ السُّنَّة عَلَى سُنَّتِهِمْ.
وَالثَّانِيَةُ: أنَّه إِذَا وُقِّرَ مِنْ أَجْلِ بِدْعَتِهِ صَارَ ذَلِكَ كَالْحَادِي المُحرِّض لَهُ عَلَى إِنْشَاءِ الابتداع في كلِّ شيءٍ. فَتَحْيَا الْبِدَعُ وَتَمُوتُ السُّنَنُ، وَهُوَ هَدْمُ الْإِسْلَامِ بعينه، وَعَلَى ذَلِكَ دلَّ النَّقْلُ عَنِ السَّلَفِ زِيَادَةً إِلَى صِحَّةِ الِاعْتِبَارِ، لأنَّ الْبَاطِلَ إِذَا عُمِل به لزم ترك
_________________
(١) رواه البخاري (١٨٧٠، ٣١٧٩) ومسلم (١٣٧٠) من حديث علي بن أبي طالب ﵁ وهو جزء من حديث الصحيفة المشهور، ومسلم (١٣٦٦) من حديث أنس بن مالك ﵁ وعند مسلم أيضًا (١٣٧١) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
[ ٣٢ ]
الْعَمَلِ بِالْحَقِّ كَمَا فِي الْعَكْسِ، لأنَّ المحلَّ الواحد لا يشتغل إلا بأحد الضدين.
- وأمَّا أنَّ صَاحِبَهَا مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِ الشَّرِيعَةِ؛ فَلِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (١)، وَعَدَّ مِنَ الْإِحْدَاثِ، الِاسْتِنَانُ بِسُنَّةٍ سوء لم تكن.
- وأمَّا أنَّه يَزْدَادُ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا. فَلِمَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أنَّه قَالَ: صَاحِبُ الْبِدْعَةِ ما يزداد لله اجْتِهَادًا، صِيَامًا وَصَلَاةً، إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا.
وَعَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِياني قَالَ: مَا ازْدَادَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ اجْتِهَادًا إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا.
وَيُصَحِّحُ هَذَا النَّقْلَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي قَوْلِهِ ﵊ في الخوارج «يخرج من ضئضيء هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم - إِلَى أَنْ قَالَ - يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرميَّة» (٢) فَبَيَّنَ أوَّلًا اجْتِهَادَهُمْ ثُمَّ بيَّن آخِرًا بُعْدهُمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
- وأمَّا أنَّ الْبِدَعَ مَظِنَّةُ إِلْقَاءِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. فلأنَّها تَقْتَضِي التَّفَرُّقَ شِيَعًا.
وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ
_________________
(١) [صحيح] تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(٢) [صحيح] تقدم تخريجه (ص٢٩) .
[ ٣٣ ]
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١)، وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٢)، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَقَدْ بيَّن ﵊ أنَّ فَسَادَ ذَاتِ البيْنِ هي الحالقة وأنَّها تحلق الدين، هَذِهِ الشَّوَاهِدِ تَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ الِافْتِرَاقِ وَالْعَدَاوَةِ عِنْدَ وُقُوعِ الِابْتِدَاعِ.
وأوَّل شَاهِدٍ عَلَيْهِ فِي الْوَاقِعِ قِصَّةُ الْخَوَارِجِ إِذْ عَادَوْا أَهْلَ الْإِسْلَامِ حتى صاروا يقتلونهم وَيَدَعُون الكفار. ثُمَّ يَلِيهِمْ كُلُّ مَنْ كَانَ لَهُ صَوْلة مِنْهُمْ بِقُرْبِ الْمُلُوكِ فإنَّهم تَنَاوَلُوا أَهْلَ السُّنَّةِ بكل نَكالٍ وعذاب وقتل.
ثُمَّ يَلِيهِمْ كُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً فإنَّ مِنْ شأْنهم أَنْ يُثَبِّطوا النَّاسَ عَنِ اتِّبَاعِ الشريعة ويذمونهم.
وأيضًا فإنَّ أهل السُّنَّةِ مأْمورون بعداوة أهل البدع وقد حذَّر العلماءُ من مصاحبتهم ومجالستهم، وَذَلِكَ مَظِنَّةَ إِلْقَاءِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ. لَكِنَّ الدَّرْكَ فِيهَا عَلَى مَنْ تَسَبَّبَ فِي الْخُرُوجِ عَنِ الجماعة مما أَحْدَثَهُ مِنِ اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ لَا عَلَى التَّعَادِي مُطْلَقًا. كَيْفَ وَنَحْنُ مأْمورون بِمُعَادَاتِهِمْ وَهُمْ مأْمورون بِمُوَالَاتِنَا وَالرُّجُوعِ إِلَى الْجَمَاعَةِ؟
- وأمَّا أنَّها مَانِعَةٌ مِنْ شَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فلما فِي الصَّحِيحِ قَالَ: «أوَّل مَنْ يُكسى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وإنَّه سَيُؤْتَى بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فيؤخذ بهم ذات
_________________
(١) الأنعام: ١٠٣.
(٢) الأنعام: ١٥٩.
[ ٣٤ ]
الشِّمَالِ - إِلَى قَوْلِهِ - فَيُقَالُ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ على أعقابهم» الحديث (١)، فَفِيهِ أنَّه لَمْ يَذْكُرْ لَهُمْ شَفَاعَةَ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَيَظْهَرُ مِنْ أوَّل الْحَدِيثِ أنَّ ذَلِكَ الِارْتِدَادَ لَمْ يَكُنِ ارْتِدَادَ كفرٍ لِقَوْلِهِ: «وإنَّه سَيُؤْتَى بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي» وَلَوْ كَانُوا مُرْتَدِّينَ عَنِ الْإِسْلَامِ لَمَا نُسبوا إِلَى أُمته، ولأنَّه ﵇ أَتَى بِالْآيَةِ وَفِيهَا: ﴿وَإنْ تَغْفِرْ لهُمْ فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢)، وَلَوْ عَلِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - أنَّهم خَارِجُونَ عَنِ الْإِسْلَامِ جُمْلَةً لَمَا ذَكَرَهَا، لأنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ لَا غُفْرَانَ لَهُ أَلْبَتَّةَ، وإنَّما يُرْجَى الْغُفْرَانُ لِمَنْ لَمْ يُخْرِجْهُ عملُه عَنِ الْإِسْلَامِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) .
- وأمَّا أنَّ عَلَى مُبْتَدِعِهَا إِثْمُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٤) وَلِمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها﴾ الحديث (٥) .
- وأمَّا أنَّ صَاحِبَهَا لَيْسَ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ فَلِمَا جَاءَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «إنَّ اللَّهَ حَجَرَ التَّوْبَةَ عَلَى كلِّ صَاحِبِ بدعة» (٦)
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا حَدِيثُ الفِرَق إِذْ قَالَ فِيهِ: «وإنَّه سَيَخْرُجُ فِي أُمتي أَقْوَامٌ تجارى بهم تلك الأهواءُ، كما يتجارى الكَلَبُ (٧) بِصَاحِبِهِ، لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ» (٨) وَهَذَا النَّفْيُ يَقْتَضِي الْعُمُومَ بِإِطْلَاقٍ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ الْعَادِيِّ، إِذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَتُوبَ عَمَّا رَأَى وَيَرْجِعَ إِلَى الْحَقِّ، كَمَا نُقِل عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ، وَمَا نَقَلُوهُ فِي مُنَاظَرَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْحَرُورِيَّةَ الْخَارِجِينَ عَلَى عَلِيٍّ ﵁، وَفِي مُنَاظَرَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِبَعْضِهِمْ. وَلَكِنَّ الْغَالِبَ فِي الْوَاقِعِ الْإِصْرَارُ.
ومن هنا قُلْنَا: يَبْعُدُ أَنْ يَتُوبَ بَعْضُهُمْ لأنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي الْعُمُومَ بِظَاهِرِهِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَسَبَبُ بُعْدِهِ عَنِ التَّوْبَةِ: أنَّ الدُّخُولَ تَحْتَ تَكَالِيفِ الشَّرِيعَةِ صعبٌ عَلَى النَّفْسِ لأنَّه أمرٌ مُخَالِفٌ لِلْهَوَى، وصادٌ عَنْ سَبِيلِ الشَّهَوَاتِ، فَيَثْقُلُ عَلَيْهَا جِدًّا لأنَّ الْحَقَّ ثَقِيلٌ، وَالنَّفْسَ إنَّما تَنْشَطُ بِمَا يُوَافِقُ هَوَاهَا لَا بِمَا يُخَالِفُهُ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٢٦، ٣٣٤٩، ٣٤٤٧) ومسلم (٢٨٦٠) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
(٢) المائدة: ١١٨.
(٣) النساء: ١١٦.
(٤) النحل: ٢٥.
(٥) رواه مسلم (١٠١٧) مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، وسيأتي بطوله ص٥٦.
(٦) [صحيح] رواه أبو الشيخ في «تاريخ أصبهان» والطبراني في «الأوسط» والبيهقي في «شعب الإيمان» وغيرهم. انظر «السلسلة الصحيحة» (١٦٢٠) وقد ورد بلفظ «حجب» و«احتجز» و«احتجب» .
(٧) الكَلَبُ: داءٌ معروف يعرض للكلْب، فمن عضَّه قتله.
(٨) [حسن] رواه أبو داود (٤٥٩٧) وأحمد (٤/١٠٢) وغيرهما وهي زيادة في حديث الفِرَق.
[ ٣٥ ]
فَلِلْهَوَى فِيهَا مَدْخَلٌ، لأنَّها رَاجِعَةٌ إِلَى نَظَرِ مخترعها لا إلى نظر الشارع، والمبتدع لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تعلُّقٍ بشبهةِ دَلِيلٍ يَنْسِبُهَا إِلَى الشَّارِعِ، ويدَّعِي أنَّ مَا ذَكَرَهُ هُوَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ، فَصَارَ هَوَاهُ مَقْصُودًا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فِي زَعْمِهِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنْ ذَلِكَ وَدَاعِي الْهَوَى مُسْتَمْسِكٌ بِحُسْنِ مَا يَتَمَسَّكُ به؟ وهو الدليل الشرعي في الجملة.
[ ٣٦ ]
- وأمَّا أنَّ الْمُبْتَدِعَ يُلقى عَلَيْهِ الذُّلُّ فِي الدُّنْيَا وَالْغَضَبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّ الذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَينَالهُمْ غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحياةِ الدُّنْيا وكذلِك نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ (١) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكذلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ فَهُوَ عُمُومٌ فِيهِمْ وَفِيمَنْ أَشْبَهَهُمْ، مِنْ حَيْثُ كَانَتِ الْبِدَعُ كُلُّهُا افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ حَسْبَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ خَسِر الَّذِينَ قتَلُوا أولاَدهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْم وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ الله افْتِراءً علَى الله﴾ الآية (٢) .
فَإِذًا كلُّ مَنِ ابْتَدَعَ فِي دِينِ اللَّهِ فَهُوَ ذَلِيلٌ حَقِيرٌ بِسَبَبِ بِدْعَتِهِ، وَإِنْ ظَهَرَ لبادي الرأي في عِزِّهِ وجَبَرِيَّتِهِ فَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ أَذِلَّاءُ، وَأَيْضًا فإنَّ الذِّلَّةَ الْحَاضِرَةَ بَيْنَ أَيْدِينَا مَوْجُودَةٌ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ. أَلَا تَرَى أَحْوَالَ الْمُبْتَدِعَةِ فِي زَمَانِ التَّابِعِينَ، وَفِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ؟ حَتَّى تَلَبَّسُوا بِالسَّلَاطِينِ وَلَاذُوا بِأَهْلِ الدُّنْيَا، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ اسْتَخْفَى بِبِدْعَتِهِ وَهَرَبَ بِهَا عَنْ مُخَالَطَةِ الْجُمْهُورِ، وعمل بأعمالها على التَّقِيَّة.
- وأمَّا الْبُعْدُ عَنْ حَوْضِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: فلحديث الْبُخَارِيِّ عَنْ أَسْمَاءَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أنَّه قَالَ: «أَنَا عَلَى حَوْضِي أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عليَّ، فَيُؤْخَذُ بناسٍ مِنْ دُونِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي، فَيُقَالُ: إنَّك لَا تَدْرِي، مشوا القهقرى» (٣) .
- وأمَّا الْخَوْفُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا. فلأنَّ العلماء من السلف
_________________
(١) الأعراف: ١٥٢.
(٢) الأنعام: ١٤٠.
(٣) رواه البخاري (٧٠٤٨) ومسلم (٢٢٩٣) .
[ ٣٧ ]
الأوَّل وَغَيْرَهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ كَثِيرٍ مِنْ فِرَقِهِمْ مِثْلَ الْخَوَارِجِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِى شَيْءٍ﴾ (١)، وَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (٢) الْآيَةَ. وَقَدْ حَكَمَ العلماءُ بِكُفْرِ جُمْلَةٍ مِنْهُمْ كَالْبَاطِنِيَّةِ وسواهم، والعلماءُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي أَمْرٍ: هَلْ هُوَ كُفْرٌ أَمْ لَا؟ فَكُلُّ عَاقِلٍ يربأُ بِنَفْسِهِ أَنْ يُنسب إِلَى خُطَّةِ خَسْفٍ كَهَذِهِ بِحَيْثُ يُقَالُ لَهُ: إنَّ العلماءَ اخْتَلَفُوا: هَلْ أَنْتَ كَافِرٌ أَمْ ضَالٌّ غَيْرُ كَافِرٍ؟ أَوْ يُقَالُ: إنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا بكفرِك وَأَنْتَ حَلَالُ الدَّمِ.
- وأمَّا أنَّه يُخافُ عَلَى صَاحِبِهَا سُوءُ الْخَاتِمَةِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. فلأنَّ صَاحِبَهَا مرتكبٌ إثمًا، وعاصٍ لله تعالى حتمًا، وَمَنْ مَاتَ مُصِرًَّا عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَيُخَافُ عَلَيْهِ.
لأنَّ الْمُبْتَدِعَ مَعَ كَوْنِهِ مُصِرًَّا عَلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ يَزِيدُ عَلَى المُصِرِّ بِأَنَّهُ معارضٌ لِلشَّرِيعَةِ بِعَقْلِهِ، غَيْرُ مُسَلِّمٍ لَهَا فِي تَحْصِيلِ أمرِه، مُعْتَقِدًا فِي الْمَعْصِيَةِ أَنَّهَا طَاعَةٌ، حَيْثُ حسَّن مَا قبَّحه الشَّارِعُ، وَفِي الطَّاعَةِ أَنَّهَا لَا تَكُونُ طَاعَةً إِلَّا بِضَمِيمَةِ نَظَرِهِ، فَهُوَ قَدْ قبَّح مَا حسَّنه الشَّارِعُ، وَمَنْ كَانَ هَكَذَا فَحَقِيقٌ بِالْقُرْبِ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ إِلَّا ما شاء الله.
- وأمَّا اسوداد الوجه في الآخرة، فلقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجوهٌ
_________________
(١) الأنعام: ١٥٩.
(٢) آل عمران: ١٠٦.
[ ٣٨ ]
وَتَسْوَدُّ وُجوهٌ﴾ (١) .
- وأمَّا البراءَةُ مِنْهُ فَفِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِى شَيْءٍ﴾ (٢) .
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ فِي أَهْلَ الْقَدَرِ: إِذَا لَقِيتَ أُولئك فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي برىء منهم وأنهم بُرَآءُ مني (٣) .
وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَيُعَضِّدُهَا مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: «المرءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ» (٤) . وَوَجْهُ ذلك ظاهر.
- وأمَّا أنَّه يُخشى عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ. فَلِمَا حَكَى عِيَاضٌ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَمَّنْ أَحْرَمَ مِنَ الْمَدِينَةِ وراءَ الْمِيقَاتِ؟ فَقَالَ: هَذَا مُخَالِفٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، أَخْشَى عَلَيْهِ الْفِتْنَةَ فِي الدُّنْيَا، وَالْعَذَابَ الْأَلِيمَ فِي الْآخِرَةِ. أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فلْيَحْذَرِ الَّذِين يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ﴾ (٥)، وَقَدْ أَمْرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُهلَّ مِنَ الْمَوَاقِيتِ.
فَهَذِهِ جُمْلَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَا بَقِيَ، إِذْ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فِيهَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ، وَبَسْطُ مَعَانِيهَا طَوِيلٌ، فَلْنَقْتَصِرْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا
وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
_________________
(١) آل عمران: ١٠٦.
(٢) الأنعام: ١٥٩.
(٣) [صحيح] تقدم تخريجه ص٢٩.
(٤) [حسن] رواه أبو داود (٤٨٣٣) والترمذي (٢٣٧٨) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ بلفظ «الرجل على دين خليله» .
(٥) النور: ٦٣.
[ ٣٩ ]
فصل
[الفرق بين البدعة والمعصية]
وَبَقِيَ مِمَّا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى ذِكْرِهِ فِي هذا الموضع، وَهُوَ أنَّ الْبِدَعَ ضَلَالَةٌ، وأنَّ الْمُبْتَدِعَ ضَالٌّ ومضل، بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَعَاصِي، فإنَّها لَمْ تُوصَفُ فِي الْغَالِبِ بِوَصْفِ الضَّلَالَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ بِدْعَةً أَوْ شِبْهَ الْبِدْعَةِ. وَكَذَلِكَ الخطأُ الْوَاقِعُ فِي الْمَشْرُوعَاتِ - وَهُوَ المعفوُّ عَنْهُ - لَا يُسَمَّى ضَلَالًا، ولا يُطْلق على المخطيء اسْمُ ضَالٍّ، كَمَا لَا يُطْلَقُ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ لسائر المعاصي.
وَذَلِكَ أنَّ الضَّلَالَ وَالضَّلَالَةَ ضِدُّ الهَدْي والهُدَى، فصاحب البدعة لما غلب عليه الْهَوَى مَعَ الْجَهْلِ بِطَرِيقِ السُّنَّة توهَّمَ أنَّ مَا ظَهَرَ لَهُ بِعَقْلِهِ هُوَ الطَّرِيقُ الْقَوِيمُ دُونَ غَيْرِهِ، فَمَضَى عَلَيْهِ فَحَادَ بِسَبَبِهِ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، فَهُوَ ضالٌ مِنْ حَيْثُ ظَنَّ أنه راكب للجادة.
فَالْمُبْتَدِعُ مِنْ هَذِهِ الأُمة إنَّما ضلَّ فِي أَدِلَّتِهَا حَيْثُ أَخَذَهَا مأْخذ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ لَا مأْخذ الِانْقِيَادِ تَحْتَ أَحْكَامِ اللَّهِ. وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُبْتَدِعِ وَغَيْرِهِ، لأنَّ الْمُبْتَدِعَ جَعَلَ الهوى أوَّل مطالبه، وأخذ الأدلة بالتَّبَعِ، فَإِذَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ الْجَهْلُ بأُصول الشَّرِيعَةِ وَعَدَمُ الِاضْطِلَاعِ بِمَقَاصِدِهَا، كَانَ الْأَمْرُ أَشَدَّ وَأَقْرَبَ إلى التحريف والخروج عن مقاصد الشرع.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أنَّك لَا تَجِدُ مُبْتَدِعًا مِمَّنْ يُنسب إِلَى الْمِلَّةِ إِلَّا وَهُوَ يَسْتَشْهِدُ عَلَى بِدْعَتِهِ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَيُنْزِلُهُ عَلَى مَا وافق عقله وشهوته، بخلاف
[ ٤٠ ]
غَيْرِ الْمُبْتَدِعِ فإنَّه إنَّما جَعَلَ الْهِدَايَةَ إِلَى الحق أوَّل مطالبه؛ وأخَّر هواه فجعله بالتَّبَعِ.
وَفَيْصَلُ الْقَضِيَّةِ بَيْنَهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأمَّا الَّذِين فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابهَ مِنْهُ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمنَّا بِهِ كُلُّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (١) فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى مَنْ هَذِهِ حَالُهُ مُبْتَدِعًا وَلَا ضَالًّا، وإنْ حَصَلَ فِي الْخِلَافِ أَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ:
- أمَّا أنَّه غَيْرُ مُبْتَدِعٍ فلأنَّه اتَّبَعَ الأدلة، مُؤخِّرًا هَوَاهُ، ومُقدِّمًا لِأَمْرِ اللَّهِ.
- وأمَّا كَوْنُهُ غَيْرَ ضَالِّ فلأنَّه عَلَى الْجَادَّةِ سَلَكَ، وَإِلَيْهَا لَجَأَ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا يَوْمًا فَأَخْطَأَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، بَلْ يَكُونُ مأْجورًا حَسْبَمَا بيَّنه الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: «إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أجرٌ وَإِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ» (٢) وَإِنْ خَرَجَ مُتَعَمِّدًا فَلَيْسَ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ خُرُوجَهُ طَرِيقًا مَسْلُوكًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَشَرْعًا يُدَانُ بِهِ.
_________________
(١) آل عمران: ٧.
(٢) رواه البخاري (٧٣٥٢) ومسلم (١٧١٦) من حديث عمرو بن العاص ﵁.
[ ٤١ ]