إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شُرور أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا، مَن يهدهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ ألاَّ إِلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وأشهد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلمُون﴾
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾
أما بعد:
فإنَّ كتاب «الاعتصام» للإمام أبي إسحاق الشاطبي يُعَدُّ من أفضل ما أُلِّف في معنى البدعة وحَدِّها وذمِّ البدع وسوء منقلب أهلها، وأنواعها وأحكامها والفرق بينها وبين المصالح المرسلة وغير ذلك من مسائل تتعلق بالبدعة وأهلها، فشيخ الإسلام ابن تيمية وإنْ كان له كلامٌ جليلُ القدرِ عظيمُ الفائدةِ في موضوع البدعة إلا أنَّه متفرقٌ في كتبه ورسائله وفتاويه لا يجمعه كتابٌ واحدٌ، فحرِيٌّ بكلِّ طالب علم وصاحب سنة أنْ يقرأ هذا الكتاب ويتدارسه.
[ ٦ ]
إن التأليف على سبعة أقسام
- ج -
والكتاب فيه من الإطالة والاستطرادات ما يَشْرُدُ به ذهْنُ القاريء ويتشتت، فقد أكثر المؤلِّفُ فيه من الاستشهاد بالآيات والأحاديث والآثار الصحيح منها والضعيف أحيانًا والأقوال والقصص والأخبار والأمثلة والتفريعات ما يجعل اختصاره أمرًا مُهمًَّا مُلِحًَّا، وقد ترددتُ كثيرًا في ذلك لما لِفَنِّ الاختصار والتهذيب من صعوبة وتبعيَّة وخطورة، ولكن لما نظرت إلى الكتاب وما فيه مما سبق ذكره ونظرت إلى ضعف الهمم وكثرة الشواغل لدى كثيرٍ منَّا -ولا حول ولا قوة إلا بالله- رأيتُ أنَّه يتحتم عليَّ وقد كنت قرأت الكتاب أكثر من مرة أنْ أُلَخِّصَه وأهذِّبه دون أنْ أخلَّ بشيء من معانيه.
وقد قال بعضهم: «إنَّ التأليف على سبعةِ أقسام، لا يؤلِّف عالمٌ عاقلٌ إلا فيها -وذكر منها-: ٠٠٠ أو شيءٌ طويل يختصره دون أنْ يخلَّ بشيء من معانيه» (١)، فاستخرتُ الله واستعنتُ به على عمل هذا المختصر وظللت فترة وأنا أقرأ منه، أحذف هذا تارةً وأعيد ذلك تارةً وأربط بين جملة أو جمل في صفحة مع جمل أخرى تبعد عنها عدة صفحات، فأختار آية أو آيتين من عشرة أو أكثر تؤدي الغرض الذي من أجله ساقها المُصنِّف، وكذلك أفعل بالأحاديث والآثار حاذفًا منها كلَّ ما لم يصح سنده، مختارًا بعض ما صح مما يؤدِّي الغرض، وكذا في الأمثلة والأقوال.
ولا أدع فكرة أو مقصدًا للمصنف إلا وأوردها مسترشدًا بقول ابن خلدون في «المقدمة»: «إنَّ النَّاس حصروا مقاصد التأليف التي ينبغي
_________________
(١) «كشف الظنون» (١/٣٥)
[ ٧ ]
- ح -
اعتمادها وإلغاء ما سواها، فعدُّوها سبعة: وذكر منها: أنْ يكون الشيء من التواليف التي هي أمهات للفنون مطولًا مسهبًا، فيقصد بالتأليف تلخيص ذلك بالاختصار والإيجاز وحذف المتكرر إنْ وقع، مع الحذر من حذف الضروري لئلا يخل بمقصد المؤلف الأول٠٠٠» (١)، حتى ظهر الكتاب بالشكل الذي بين يديك، والذي يمثل في حجمه ربع الكتاب الأصلي تقريبًا.
هذا وقد طبع الكتاب عدة طبعات منها:
١- طبعة السيد محمد رشيد رضا، وقد طبع الكتاب سنة ١٣٣٢هـ، في مجلدين مجموع صفحاته (٧٤٥) صفحة، وقد اعتمد فيه المحقق على نسخة بخط مغربي للشيخ محمد محمود الشنقيطي، وكلُّ من جاء بعده اعتمد على هذه الطبعة.
٢- طبعة دار ابن عفان للنشر والتوزيع بالخبر - السعودية، سنة ١٤١٢هـ، تحقيق سليم بن عيد الهلالي، وقد اعتمد على نسخة خطية مغربية وطبعة السيد رشيد رضا، وتقع هذه الطبعة في مجلدين عدد صفحاتها (٨٩٣) صفحة.
٣- طبعة دار الخاني بالرياض - السعودية، سنة ١٤١٦هـ، تحقيق مصطفى أبوسليمان الندوي، وقد اعتمد على طبعة السيد رشيد رضا فقط، وتقع هذه الطبعة في مجلدين عدد صفحاتها (٨٨٤) صفحة.
٤- طبعة دار الكتاب العربي ببيروت - لبنان سنة١٤١٧هـ، تحقيق
_________________
(١) «المقدمة» (٣/١٢٣٩) .
[ ٨ ]
- خ -
عبد الرزاق المهدي، وقد اعتمد على طبعة السيد رشيد رضا فقط، وتقع هذه الطبعة في مجلد واحد عدد صفحاته (٥٩١) صفحة.
٥- «بدر التمام في اختصار الاعتصام»، لأبي عبد الفتاح محمد السعيد الجزائري، نشر دار الحنان الإسلامية سنة ١٤١١هـ، ويقع في جزء لطيف عدد صفحاته (١٥١) صفحة، وهذا المختصر جيِّدٌ ومفيدٌ ولكنه أغفل فصولًا من الكتاب بكاملها بل بابًا من أبوابه وإليك بيانها:
- فصل: «أقسام المنسوبين إلى البدعة»، من الباب الثالث.
- فصل: «سكوت الشارع عن الحكم في مسألة ما»، من الباب الخامس.
- فصل: «كلُّ بدعة ضلالة»، من الباب السادس.
- الباب السابع: «الابتداع هل يختص بالأمور العبادية أو يدخل في العاديَّات» .
- فصل: «رد شبهة استفتاء القلب»، من الباب الثامن.
- فصل: «حديث الفِرَق وفيه مسائل»، من الباب التاسع.
٦- «طريق الوصول إلى إبطال البدع بعلم الأصول»، لمحمد أحمد العدوي سنة١٣٤٠هـ، ثم أُعيد طباعته عدة مرات آخرها الطبعة الرابعة في المكتب الإسلامي سنة ١٤٠٦هـ، وتحت عنوان «أصول البدع والسنن»، وهو عبارة عن تلخيص لكتاب «الاعتصام» بأسلوب المؤلف، وليس اختصارًا
[ ٩ ]
- د -
له، وتقع هذه الطبعة في كتيب عدد صفحاته (١٣٤) صفحة.
هذا وقد استفدت من جميع هذه الطبعات وخاصة طبعة السيد رشيد رضا و«بدر التمام» .
عملي في الكتاب:
١- اعتمدت على طبعة السيد رشيد رضا فقمت باختصارها أولًا على ما سبق ذكره، ولم أضف شيئًا من عندي في أصله لأنَّ كلام الشاطبي فيه من القوة والمتانة والرصانة والوضوح ما يغني عن كلِّ تعليق -خاصة بعد حذف الاستطرادات وبعض المسائل- إلا ما يقتضيه ربطُ الكلام، وقد حوى هذا المختصر جميع أبواب وفصول الكتاب.
٢- عرض هذا المختصر على نسخة خطيَّة مغربيَّة عدد أوراقها (٢٦٥) ورقة حصلتُ عليها من جامعة أم القرى وهى مصورة من مكتبة المسجد النبوي، وقد جعلت هذه النسخة وطبعة السيد رشيد رضا في مقامٍ واحدٍ وعند التعارض أَثْبَتُّ أنسبْهما لسياق الكلام، وما كان فيه إشكالٌ هنا وهناك وضعت أقرب الكلمات التي تؤدي المعنى وذلك بين علامتين هكذا: [] وهذا قليلٌ جدًا.
٣- استفدت من عناوين الأبواب والفصول التي وضعها ناسخ النسخة المغربية وأضفت عناوين لبعض الفصول تقتضيها طبيعة المختصر.
٤- وضعت تعليقاتٍ يسيرةً بالهامش توضح بعض معاني الكلمات
[ ١٠ ]
- ذ -
والتعريفات.
٥- عزوت الآيات إلى سورها مع ذكر رقمها في المصحف الشريف.
٦- خرَّجت الأحاديث والآثار من مصادرها الأصليَّة ذاكرًا رقم الحديث أو الأثر وراويه ودرجة صحته ما لم يكن في الصحيحين أو أحدهما وذلك بشكلٍ موجز ومختصر يؤدي الغرض.
٧- اجتهدت كثيرًا في إخراج الكتاب بصورة تُسَهِّل على القاريء فهمه.
٨- وضعت فهارس للآيات، والأحاديث والآثار، وفهرسًا تفصيليًا للموضوعات.
وبعد: فلقد بذلت جهدي واجتهدت في إخراج هذا الكتاب بالصورة التي تؤدي إلى مقصد المؤلِّف ولا يسعني إلا أنْ أقول ما صح عن ابن مسعود ﵁: «فإنْ يكُ صوابًا فمن الله ﷿، وإنْ يكن خطأً فمني ومن الشيطان، واللهُ ﷿ ورسولُه بريئان»، وحسبي أنَّ للمجتهدِ أجرًا إذا أخطأ فأرجو ألا يفوتني الأجرُ في كلتا الحالتين.
واللهَ أسألُ أنْ يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ١١ ]