مدخل
التوحيد:
تمهيد:
ألمحنا فيما سبق إلى أن التوحيد هو: اعتقاد أن الله تعالى واحد في ربوبيته، فلا رب سواه، وواحد في ألوهيته، فلا يستحق العبادة سواه، وواحد في أسمائه وصفاته، متفرد بصفات الكمال التي لا تنبغي إلا له، فلا شبيه له ولا نظير.
التوحيد: فطرة وتاريخا
وهذا التوحيد -بأوسع معانيه وبكل مقتضياته ومستلزماته- هو الذي فطر الله تعالى الخلق عليه. وقد نطق بذلك القرآن الكريم والسنة النبوية؛ ففيهما أن الله تعالى خلق الإنسان مؤمنا بربه، يتجه إليه -بفطرته- بالطاعة والعبادة، وأن غايته هي تحقيق العبودية والتوحيد١.
وبذلك يكون الأصل في البشرية هو التوحيد، "لقد كانت قضية توحيد الله -سبحانه- وإفراده بالألوهية، والعبودية له وحده بلا شريك، والدينونة له بلا منازع؛ هي قضية الاعتقاد الأولى والحقيقية في جميع الرسالات السماوية على مدار العصور والقرون"٢.
الأدلة على ذلك:
وقد قامت الأدلة الشرعية الصحيحة، والأدلة العقلية المنطقية الصريحة تؤيد هذا الواقع وتسنده وتؤكده. وفيما يلي إشارة إلى بعض هذه الأدلة:
_________________
(١) ١ راجع فيما سبق ص١٥-١٩. ٢ "مقومات التصور الإسلامي"، للأستاذ سيد قطب ص٨٤ و٩٩.
[ ٢١٦ ]
أولا: حكى الله تعالى في القرآن الكريم أن أبا البشرية الأول -آدم ﵇- وذريته كانوا على التوحيد، يتبعون منهجا إلهيا منزلا إليهم من ربهم ﵎، فهم أول البشر، يدينون بالتوحيد الخالص، وبذلك يكون التوحيد سابقا للشرك، وليس تطورا عنه. ثم كلما انحرفت أمة من الأمم عن هذا التوحيد، بعث الله تعالى إليها رسولا يدعوها إلى التوحيد وعبادة الله وحده:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ إلى قوله: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٠-٣٨] .
وجاء الحديث عن هذا التوحيد والالتزام بمنهج الله تعالى وشرعه في سورة "الأعراف"، وفي سورة "طه" بما لا مزيد عليه في الوضوح والبيان، يقرر أن البشرية الأولى كانت على التوحيد، لم تعرف الشرك والانحراف إلا بعد قرون، حينما انحرف القوم عن دين الله وتوحيده، فبعث الله تعالى لهم نوحا -﵇- يدعوهم إلى عبادة الله تعالى وحده:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩] .
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٥-٢٦] .
وهي أيضا دعوة هود -﵇- يوجهها إلى قومه عاد:
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] .
[ ٢١٧ ]
وهي الكلمة التي ينبغي أن يلتقي عليها أتباع الرسل والأنبياء؛ لتكون دليل إسلامهم لله تعالى:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
ولذلك كان رسول الله -ﷺ- يدعو الناس أولا إلى توحيد الله وعبادته؛ ولهذا قال لمعاذ بن جبل -﵁- لما بعثه إلى اليمن: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله وحده" وفي رواية: "فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" ١.
وقد قرر الله تعالى هذه الحقيقة قاعدة عامة إجمالية، في دعوة كل الرسل -عليهم الصلاة والسلام- بعد أن حكاها تفصيلا عن كل منهم بطريقة استقرائية٢ -كما رأينا- فقال:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: ٣/ ٢٦١، ومسلم ١/ ٥٠، ٥١. ٢ راجع سياق الآيات في سورة الأعراف وفي سورة هود، لتلحظ أن الكلمة التي تكررت على لسان جميع الرسل -﵈- هي "اعبدوا الله، ما لكم من إله غيره" وأن التوحيد يأخذ مساحة واسعة من الحياة ببيان مستلزماته ومقتضياته، ولتلحظ كذلك: تشابه موقف كل قوم من دعوة نبيهم، ثم النهاية التي يكتب الله تعالى فيها النصر لنبيه ودعوته ويدمر على الكافرين الظالمين.
[ ٢١٩ ]
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] .
ثانيا: وكلما كان الإنسان قريبا من النبع كان الماء أكثر صفاء ونقاء، وكلما ابتعد عن النبع وجد الماء أقل صفاء ونقاء؛ لما يطرأ عليه من الأذى وما يداخله من القذى، والشوائب التي تنصبّ فيه وهكذا كانت البشرية الأولى على الفطرة والتوحيد لقرب عهدها بربها تعالى، ثم اختلطت بعد ذلك الينابيع.. وتضافرت العوامل التي أدت إلى الانحراف عن التوحيد، فكان ظهور الشرك طارئا بعد ذلك التوحيد، وكان انحرافا عنه.
ثالثا: لو كان هناك تطور حقا -كما يقولون- لكان من الطبيعي والمنطقي أن يكون هذا التطور من الوحدة إلى الكثرة؛ لأن الواقع يدل على ذلك، فأنت عندما تبدأ بالعدّ والحساب -مثلا- تبدأ بالواحد وتنتهي بما بعده من كثرة، وليس العكس.
الرد على نظرية التطور في الأديان:
ولعل هذه الإشارات السريعة فيها ما يكفي للرد على مزاعم أولئك النفر من الغربيين ومن تابعهم من المسلمين١، والذين يدرسون تاريخ الأديان ويزعمون أن البشرية لم تعرف عقيدة التوحيد إلا بعد أن تطورت ومرت بمراحل، فكانت تعرف الشرك وتعدد الآلهة أولا، ثم ترقّت من ذلك إلى التوحيد، متأثرين في ذلك بنظرية التطور في أصل الأنواع التي ابتدعها "دارون"، ثم نقلوا الفكرة ذاتها إلى الدين، فأصبحوا يقولون بالتطور فيه.
_________________
(١) ١ كالأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه "الله، كتاب في نشأة العقيدة الإلهية" وعبد الحميد زايد في كتابه "الشرق الخالد" حيث زعم أن التوحيد من اختراع العقل البشري، وأنه تطور من الوثنية وانظر ردا على ذلك في "أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ" د. جمال عبد الهادي ص٤٠ وما بعدها.
[ ٢٢٠ ]
وقد يظن بعض المسلمين أن في ذلك ترقيا للإنسان وتزكية للإسلام؛ لأنهم يزعمون أن البشرية لما كانت في حال من التأخر كانت تعبد آلهة متعددة، ولما ترقت وتقدمت أصبحت تعبد إلها واحدا، فنشأت ديانات التوحيد. يظنون ذلك ويدافعون عنه، مع أنه -كما رأينا- يناقض نصوص القرآن الكريم والسنة والنبوية، ويخالف الواقع والمنطق والعقل١.
أنواع توحيد الرسل والأنبياء:
وبعد أن انتهينا إلى أن جميع الرسل -عليهم الصلاة والسلام- قد بعثهم الله تعالى بدعوة التوحيد، فينبغي أن نؤكد هنا على أن التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد.
وهذا باعتبار ما يجب على الموحِّد؛ فأحيانا يطلب منه مجرد العلم والمعرفة، وأحيانا يطلب منه توجيه القصد والإرادة وإخلاص العبادة لله.
فالأول: هو إثبات حقيقة ذات الرب -﵎- وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، وعلوه فوق سمواته على عرشه، وتكلمه بكتبه، وتكليمه لمن شاء من عباده، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمه. وقد أفصح القرآن الكريم عن هذا النوع من التوحيد كل الإفصاح، كما في أول سورة "الحديد" و"طه" وآخر "الحشر" وأول سورة "السجدة" و"آل عمران" وسورة "الإخلاص" كلها، وغير ذلك من الآيات والسور.
_________________
(١) ١ انظر بالتفصيل: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام": ٢٠/ ١٠٦-١١٢، ٢٨/ ٦٠٣-٦٠٥، "في ظلال القرآن"، المجلد الثالث ص١٣٠٤-١٣٠٦، ١٣٩٤، "مقومات التصور الإسلامي" ص٨٤-١٠٠، "الدين" للدكتور محمد عبد الله دراز ص١٠٦ وما بعدها، "مدخل إلى الثقافة الإسلامية"، ص١٧٦-١٨٢، "العقيدة في الله"، ص٢٤٣-٢٥٢، "نشأة الدين" ص١٧٨ وما بعدها.
[ ٢٢١ ]
والنوع الثاني: وهو توحيد الطلب والقصد، بإفراد الله تعالى بالعبادة قولا وقصدا وفعلا. وقد أفاض القرآن الكريم في بيان هذا النوع، كما في سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وسورة "آل عمران"، وأول سورة "يونس" وأوسطها وآخرها، وأول سورة "الأعراف" وآخرها، وجملة من سورة "الأنعام".
وغالب سور القرآن الكريم، بل كل سورة فيه متضمنة لنوعي التوحيد، شاهدة به، داعية إليه:
١- فإن القرآن الكريم، إما خبر عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وأقواله، فهو التوحيد العلمي الخبري، أو توحيد المعرفة والإثبات.
٢- وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، أو توحيد القصد والطلب.
٣- وإما أمر ونهي، وإلزام بطاعته في أمره ونهيه، فذلك من حقوق التوحيد ومكمّلاته.
٤- وإما خبر عن إكرام الله لأهل التوحيد، وما فعل بهم في الدنيا، مع ما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء التوحيد.
٥- وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحلّ بهم في الآخرة من العذاب، فهو خبر عن جزاء من خرج عن حكم التوحيد.
وبهذا، فالقرآن الكريم كله في التوحيد، وحقوقه وجزائه، وجزاء من انحرف عنه وخرج عن حكمه١.
_________________
(١) ١ "مدارج السالكين"، ٣/ ٤٤٩، ٤٥٠، "شرح الطحاوية" ص٨٩، ٩٠، "تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد" ص٣٦-٣٩، "دعوة التوحيد" ١٢.
[ ٢٢٢ ]
أقسام التوحيد باعتبار متعلقاته:
وأما تقسيم التوحيد باعتبار متعلقه، فهو يتضمن ثلاثة أنواع:
أحدها: توحيد الربوبية.
والثاني: توحيد الألوهية.
والثالث: توحيد الأسماء والصفات.
وهذه قسمة واقعية بيانية للتوحيد، فإن الكلام فيه إما أن يتعلق بالربوبية وتفرد الله تعالى بالخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير، وإما أن يتعلق بالألوهية وتفرده سبحانه بذلك، فهو صاحب الأمر والنهي والحكم، وهو الذي ينبغي أن نتجه إليه بالطاعة والعبادة، وإما أن يتعلق بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله -ﷺ- مما ينبغي له من الصفات العظمى، والأسماء الحسنى.
وأصل هذا التقسيم نجده في كلام الأئمة من علماء السلف؛ كالطبري وابن منده وغيرهما. فهو ليس شيئا مخترعا مبتدعا كما يزعم بعضهم.
العلاقة أو النسبة بين هذه الأقسام الثلاثة:
وقبل أن نخصّص فقرة لكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة للتوحيد، نشير إلى العلاقة بينها:
فإن توحيد الربوبية يستلزم ويقتضي توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية هو مقتضى توحيد الربوبية وكذلك توحيد الأسماء والصفات. فتوحيد الربوبية هو المقدمة لتوحيد الألوهية والخطوة الأولى التي توصل إليها، وإلى هذا يشير قوله تعالى:
[ ٢٢٣ ]
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢] .
فالله ﷾ يستحق العبادة وحده؛ لأنه هو الخالق وحده، وبذلك يتم الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية.
وأما توحيد الألوهية، فهو متضمن لتوحيد الربوبية، فإن من عبد الله وحده ولم يشرك به شيئا، لا بد أن يكون قد اعتقد أنه هو ربه ومالكه الذي لا رب له غيره، ولا مالك له سواه. يقول شيخ الإسلام ﵀:
"وإن كانت الإلهية تتضمن الربوبية، والربوبية تستلزم الإلهية، فإن أحدهما إذا تضمن الآخر عند الانفراد لم يمنع أن يختص بمعناه عند الاقتران، كما في قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ﴾ فجمع بين الاسمين: اسم الإله، واسم الرب"١.
وأما توحيد الأسماء والصفات؛ فإنه شامل للنوعين السابقين، فهو يقوم على إفراده سبحانه بكل ما له من الأسماء الحسنى والصفات العليا التي لا تنبغي إلا له، ومن جملتها كونه ربا واحدا لا شريك له في ربوبيته، وكونه إلها واحدا لا شريك له في إلهيته. فاسم الرب لا ينصرف عند الإطلاق إلا إليه، وكذلك اسم الجلالة "الله" لا يطلق إلا عليه وحده، فهو صاحب الربوبية المطلقة الشاملة وصاحب الإلهية على جميع خلقه.
وبالجملة: فهذه الأنواع الثلاثة من التوحيد متكاملة متلازمة، يكمل بعضها بعضا، ولا ينفع أحدها بدون الآخريْنِ؛ ولذا فمن أتى بنوع واحد منها ولم يأت بالآخر، فإنه لم يأت به على الوجه المطلوب، وعندئذ لا ينتج أثره المطلوب٢.
_________________
(١) ١ "مجموع الفتاوى": ١٠/ ٢٨٤. ٢ "تيسير العزيز الحميد" ص٣٣، "دعوة التوحيد"، د. محمد خليل الهراس، ص٨٣-٨٦.
[ ٢٢٤ ]
توحيد الربوبية:
تعريفه:
وقد ألمحت آنفا إلى أن توحيد الربوبية هو: اعتقاد أن الله ﷾ هو وحده رب كل شيء ومالكه، وهو خالق كل شيء، هو خالق العباد ورازقهم، وهو محييهم ومميتهم، وأنه سبحانه النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، والأمر كله له -سبحانه- وبيده الخير كله، وهو على كل شيء قدير، ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك أيضا: الإيمان بالقدر.
وقد سبق -فيما سلف- أن هذا التوحيد يستلزم توحيد الألوهية، فهو وحده لا يُدخِل صاحبه في الإسلام؛ ولذلك قاتل الرسول -ﷺ- المشركين مع أنهم كانوا يقرون بأن الله سبحانه -وحده- هو الخالق الرازق، المحيي والمميت، المتصرف بالأمر كله١.
وقد حكى الله تعالى عنهم ذلك فقال:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] .
وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣] .
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] .
_________________
(١) ١ انظر: "تطهير الاعتقاد" للمقريزي، ص٢٩، ٣٠.
[ ٢٢٦ ]
فهم ينسبون الخلق والإحياء والإماتة، وتدبير الأمر كله: من رزق وإنزال للمطر وغيره، ينسبونه كله لله سبحانه، ومع ذلك حكم الله تعالى عليهم بالكفر ودمغهم بالشرك، فقال ﷾:
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] .
أما إيمانهم بالله، الذي أثبته الله لهم في هذه الآية، فهو قولهم: إن الله خلقنا ويرزقنا ويميتنا، فهذا إيمان، مع إشراكهم في عبادتهم غيره. فهم يعرفون الله، ويعرفون ربوبيته وملكه وقهره، وكانوا مع ذلك يعبدونه ويخلصون له أنواعا من العبادات، كالحج والصدقة، والذبح والنذر، والدعاء وقت الاضطرار، ونحو ذلك ويدّعون أنهم على ملة إبراهيم ﵇، فأنزل الله تعالى:
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] .
وبعضهم كان يؤمن بالقدر، وبعضهم يؤمن بالبعث والحساب، كما قال زهير بن أبي سلمى:
يؤخَّر فيُوضع في كتاب فيُدَّخر ليوم الحساب أو يُعجَّل فيُنقَم
وقال عنترة:
يا عَبْلُ أين من المنية مهرب إن كان ربي في السماء قضاها؟
ومثل هذا يوجد في أشعارهم، فوجب على كل عاقل عقل عن الله تعالى، وفهم آياته، أن ينظر ويبحث عن السبب الذي أوجب سفك دمائهم وسبي نسائهم وإباحة أموالهم، مع هذا الإقرار والمعرفة! وما ذاك إلا لإشراكهم في توحيد العبادة
[ ٢٢٧ ]
الذي هو معنى: "لا إله إلا الله"١.
وحتى أولئك الذين عبدوا الأصنام، واتخذوها آلهة من دون الله تعالى، لم يعتقدوا أن الأصنام مشاركة لله في الخلق، وإنما اعتقدوا أنها تماثيل قوم صالحين، من الأنبياء والصالحين، فهم يتوسلون بها إلى الله كما حصل لقوم نوح، الذين عبدوا ودا وسواعا
﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] .
فإن هذه الأسماء أسماء قوم صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم ثم صارت هذه الأصنام بعينها مع غيرها، معبودة عند العرب الذين قالوا:
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] .
وحتى أولئك الذين اعتقدوا بإلهين اثنين، كالثنوية مثلا، الذين قالوا بإله للنور وإله للظلمة، أو إله للخير وإله للشر، لم يكونوا يعتقدون تساوي هذه الآلهة، فإله النور عندهم خير من إله الظلمة، وهذا ليس مثل ذاك.
ولا أظن عاقلا يوقن في قرارة نفسه بأن هناك خالقا أو مدبرا لهذا الكون غير الله سبحانه، أو أن هذا الكون لم يخلقه الله سبحانه؛ فإن الوحدة والتناسق في نظام هذا الكون دليل على وجود الله تعالى ووحدانيته٢.
_________________
(١) ١ انظر: "تيسير العزيز الحميد"، ص٣٤، "تجريد التوحيد" ص١٤، "تطهير الاعتقاد" ص٢٣، ٢٤. ٢ انظر: "التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان"، ص٣٥-٣٩.
[ ٢٢٨ ]
وفي كل شيء له آية:
ولذلك جاءت الآية القرآنية الكريمة توجّه أنظارنا إلى هذا الكون وتناسقه؛ لتبين لنا أن وراء هذا كله قدرة الله ﷾ وإرادته:
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ، أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل ٥٩-٦٤] .
وقال الله تعالى:
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩] .
ومن نور هذه المشكاة جاء حديث النبي ودعاؤه الذي يقول فيه: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" "أخرجه البخاري".
[ ٢٢٩ ]
إطلاقات كلمة "رب":
وتوحيد الربوبية لا يتنافى مع ما جاء من تسمية المالك للشيء المتصرف فيه: ربا له، كأن نقول: فلان رب الدار، أو: رب البيت.. فإن هذا يعني أنه هو صاحب هذا الشيء الذي جعل الله تعالى له حق التملك والتصرف في ذلك الشيء المملوك، وهو يصلحه وينمِّيه ويتعهده ويقوم برعايته، ولا يتنافى ذلك مع أن الله ﷾ هو رب كل شيء ومليكه. فهو إطلاق بمعنى خاص، لا بأس به في الشرع ولا العقل.
الإلحاد جهالة وسفاهة:
وإذا كان من البداهة والفطرة أن يقر الإنسان بوجود الله ﷾ ووحدانيته -على ما أسلفنا- لأن كل الأدلة تدل على ذلك، فإنه من السخافة والضلالة والجهالة أن يغمض الإنسان عينه أو يجعل عليها غشاوة لئلا تبصر الحق وتهتدي إليه، أو أن يلغي عقله ويطمس على بصيرته ويخالف فطرته، فينكر وجود الله سبحانه، وينسب الخلق إلى ما أسماه بعضهم: الطبيعة أو التفاعل الذاتي أو المصادفة كما يفعل الملحدون وأضرابهم من السفهاء١.
صور من الإخلال بتوحيد الربوبية:
ولئن اضمحلَّت تلك الموجة الإلحادية -التي اتسعت دائرتها في أوروبا لظروف خاصة- فإننا لا نزال نجد في كثير من بقاع المسلمين صورا وألوانا من الإخلال بتوحيد الربوبية؛ نجده عند أولئك الذين يزعمون أو يظنون أن أحدا من البشر، كالأقطاب والأبدال.. عند الصوفية، لهم نوع من القدرة والتصرف في هذا الكون، أو أن هذا
_________________
(١) ١ انظر: "التصور الإسلامي للكون والحياة"، فصل: حقيقة الكون.
[ ٢٣٠ ]
الكون يُحفَظ بهم! أو أن الأولياء في قبورهم يستطيعون أن ينفعوا أحدا بشيء، كالشفاء من المرض، أو تيسير حاجة ما من حاجات الناس؛ ولذلك تراهم يطوفون حول قبورهم، ويدعونهم من دون الله أو مع الله، ويستغيثون بهم ويستجيرون، ويقدمون لهم النذور والقرابين..!!
ولا يبعد عن هؤلاء أولئك الذين يخضعون خضوعا تاما لأشياخ الطرق الصوفية، ويكونون بين أيديهم كالميت بين يدي الغاسل!! فإنهم وإن كانوا يقولون: إن الله هو الخالق الرازق المدبر لهذا الكون المتصرف فيه، فواقع حالهم يشير إلى أنهم لم يَقْدِروا الله حق قدره، وأنهم يعظمون هؤلاء الأموات أو المشايخ أكثر مما يعظمون الله تعالى!
فلْنحذر الوقوع في أي شائبة من شوائب الشرك، ولْنحافظ على هذه العقيدة نقية صافية، وليكن الله تعالى دائما -وحده- وجهتنا ومعبودنا، ولنقل مع أبي الأنبياء خليل الرحمن، إبراهيم ﵊:
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .
[ ٢٣١ ]
توحيد الألوهية:
ألا له الخلق والأمر:
﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] .
ما أعظم قدرة الله ﷾! وما أجلى حكمته في هذا الخلق!
إن هذا الوجود كله، اتجهت إليه إرادة الله تعالى فأوجدته، وأودعه الله سبحانه قوانينه التي بها يتحرك، والتي تتناسق حركة أجزائه فيما بينها كما تتناسق حركته الكلية سواء بسواء:
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] .
وإذا كان الخلق كله لله ﷾، فينبغي -بداهة- أن يكون الأمر كله لله أيضا، فإن الذي يخلق هو الذي يأمر:
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
وبهذا يترتب توحيد الألوهية على توحيد الربوبية، كما أن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية١.
وقد ألمحنا -فيما سبق- لمحات حول توحيد الربوبية، فلْنتابع -على بركة الله تعالى وبتوفيق منه سبحانه- حديثا حول توحيد الألوهية، ويقال له أيضا: توحيد العبودية، وتوحيد الإرادة، وتوحيد القصد والطلب، وتوحيد العمل أيضا،
_________________
(١) ١ راجع فيما سبق ص٢٢٦، ٢٢٧ عن التلازم بين أنواع التوحيد.
[ ٢٣٢ ]
أو يقال: هو توحيد الله بأفعال المكلفين.
تعريف توحيد الألوهية "العبودية":
وتوحيد العبودية هو: إفراد الله ﷾ بالعبادة، بمعنى: أن يُعبَد الله ﷾ وحده، ولا يُشرَك معه في عبادته أحد من خلقه؛ لأنه وحده المستحق لأن يعبد، وهو مبني على إخلاص العمل كله والتوجه به لله ﷾ وحده دون سواه، سواء كان هذا العمل من أعمال القلوب أو من أعمال الجوارح.
دعوة القرآن إليه:
وهذا النوع من التوحيد هو الذي تضمنه قوله تعالى:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] .
وأساس ذلك أن تعلم أن هناك ألوهية وعبودية، فالله ﷾ هو الرب القوي القادر، الغني الواسع، العزيز الحكيم، الرازق المحيي المميت.. المتفرد بكل صفات الكمال، وهو الإله الحاكم المشرِّع، الذي ينبغي أن يتوجه إليه جميع الخلق بالعبادة، وأما الإنسان، فهو مخلوق لله سبحانه، وهو عاجز ضعيف، رغم كل ما منحه الله تعالى من المواهب والمَلَكات، وهو خاضع عابد بطبعه، إن لم يكن عابدا لله تعالى فإنه سيعبد غير الله، ويقع في عبودية غير الله تعالى، فهو إن لم يكن عبدا لله كان عبدا لغير الله. فالصلة بين العبد وربه ﵎ هي صلة العبودية بالربوبية، وتحقيق ذلك يكون بالتوجه إلى الله تعالى وحده بالأعمال والقصد، وهو توحيد الألوهية كما سبق بيانه١.
_________________
(١) ١ انظر: "العبودية" لشيخ الإسلام ابن تيمية، "مقومات التصور الإسلامي" للأستاذ سيد قطب، فصل: ألوهية وعبودية.
[ ٢٣٣ ]
أهمية هذا التوحيد، ودعوة الرسل إليه:
وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وآخرها، وهو معنى قول: لا إله إلا الله، وجميع رسل الله تعالى -عليهم الصلاة والسلام- جاءوا إلى أممهم بالدعوة إلى هذا التوحيد١.
فقال الله تعالى، مخبرا عن نوح ﵇:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٥، ٢٦] .
وقال عن هود ﵇:
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] .
وتكررت هذه الكلمة، وهذه الدعوة، على لسان صالح وشعيب وسائر الأنبياء، والرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم ذكره الله تعالى قاعدة عامة في دعوة كل الرسل، فقال ﷾:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] .
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
_________________
(١) ١ انظر: "تطهير الاعتقاد"، للصنعاني، ص٢٠، ٢١، ص٢٦-٢٨، وفيما سيأتي ص ٣٠٥-٣٠٧، "الإسلام وعلاقته بالشرائع الأخرى" عثمان ضميرية، ص١١-٢١.
[ ٢٣٤ ]
ثم أمر الله تعالى نبينا محمدا -ﷺ- بهذا، فقال:
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١١، ١٢] .
وقال ﷾:
﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] .
وعندما بعث النبي -ﷺ- معاذ بن جبل -﵁- إلى اليمن قال له: "إنك تأتي قوما أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله"، وفي رواية: "أن يوحِّدوا الله" ١.
ولأهمية هذا النوع من التوحيد، ولأنه هو لبّ دعوة الرسل، ولأن نزاع المشركين إنما كان في هذا النوع؛ لهذا كله كانت العناية به في القرآن الكريم، فما من سورة من سوره إلا وقد جاء فيها الحديث عن هذا التوحيد، نصا أو دلالة.
منهج القرآن:
وقد سلك القرآن الكريم في بيان حقيقة هذا التوحيد ولوازمه ومقتضياته مسالك شتى:
فهو قد أمر به مباشرة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وكما سيأتي أيضا.
ثم ناقش شُبُهات المشركين وردّ عليهم ما ادعوه من الأسباب التي أوقعتهم في الشرك، وبيّن حقيقة الشرك الذي وقع فيه المشركون، وأنه هو شرك العبادة أو شرك الطاعة والاتباع، والتحليل والتحريم من دون الله تعالى ومن خلال هذه
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الزكاة: ٣/ ٣٥٧، ومسلم في الإيمان: ١/ ٥٠.
[ ٢٣٥ ]
المناقشات رسم القرآن الكريم الصورة الصحيحة الصادقة للتوحيد.
ثم ذكر الله ﷾ لعباده المؤمنين طريق العبادة الصحيحة، التي ينبغي أن يكون المسلم عليها أو يقوم بها، ووجّه نظره إلى التفكر فيما بثّه سبحانه من آيات، ودلائل تقوده إلى الخضوع لله سبحانه.
ثم ذكر ﷾ في كتابه ما أعدّه لعباده المؤمنين من صور النعيم والثواب في الجنة لمن يحقق هذا التوحيد، وبالمقابل رسم صورة قاتمة للعذاب المهين الأليم لكل من يخالف هذا التوحيد.
ولعلنا لا نستطيع في هذا المقام أكثر من الإشارة إلى هذا الذي ألمحنا إليه عن طريقة القرآن الكريم في بيان هذا التوحيد، وللتفصيل مكان آخر غير هذا.
تحقيق هذا التوحيد:
وأما تحقيق هذا التوحيد، فإنه يكون بالتوجه لله تعالى وحده، وإفراده بكل أنواع العبادة، والبراءة من كل ما يعبد من دون الله، فينبغي أن يتجه بالعبادة كلها له وحده سبحانه، سواء كانت عبادة اعتقادية أو قلبية أو بدنية أو مالية، وأن تُخلَص كلها لله ﷾. وسيأتي الكلام على هذه الأنواع عند التفصيلات عن توحيد الألوهية، بمشيئة الله تعالى.
[ ٢٣٦ ]
توحيد الأسماء والصفات:
عجيب أمر هذا الإنسان!
يتحدث عن الحكمة ويتشدَّق بها، ولكنه يبتعد عنها في واقعه وفكره، فقد قالوا: إن الحكمة هي وضع الأمور في مواضعها، وإن أول ما ينبغي أن يتبادر إلى الذهن في هذا المجال: أن الله ﷾ قد أعطى الإنسان ووهبه جملة من المواهب والملكات والإمكانيات، وزوّده بأدوات العلم والمعرفة؛ لتساعده على تحقيق وظيفته وغايته في هذه الحياة، كما أراد الله ﷾. وكل أداة أو وسيلة ينبغي أن تستخدم فيما أُعدت له، وإلا فإن من يفعل غير ذلك يكون قد سَفِهَ نفسه وعقله.
أرأيت إنسانا يستخدم عينه ليتعرف بها على رائحة شيء ما؟ أو يستخدم أنفه ليبصر ما أمامه من موجودات..؟
إنك لو رأيت من يفعل ذلك لحسبته مجنونا، وكذلك فإن لكل أداة من أدوات العلم والمعرفة مجالا تعمل فيه وطاقة محدودة لها تتناسب معها ومع قيمتها.
للعقل دور محدود:
ولذلك يخطئ كثير من الناس عندما يريدون أن يجعلوا عقولهم حَكَما في كل شيء، حتى فيما لا يستطيع العقل أن يعمل فيه أو يفكر؛ لأنه لو فعل ذلك لن يصل إلى شيء؛ لأنه لم يخلق لهذا الذي أقحمه صاحبه فيه، وما هو بقادر على أن يصل إلى ما يريد.
فلو راح الإنسان يتعرف على عالم الغيب؛ بحقيقته وموجوداته وطبيعته فهل تراه يصل إلى شيء من العلم بعقله، مجردا عن الوحي؟
[ ٢٣٧ ]
لو راح يفكر في ذات الله ﷾ ليتعرف عليها أو يحيط بها، فهل يصل إلى الحق؟
إن العقل أعجز من أن يستطيع ذلك كله أو بعضه، وكل من حاول هذا ضرب في بيداء التيه والضياع، وضل عن سواء الطريق، ولم يعد إلا بالحيرة والخيبة والندم١.
وقد تكفل ﷾، فعرّفنا بأسمائه الحسنى وصفاته العظمى، عن طريق وحيه المنزل، ثم عن طريق رسله -عليهم الصلاة والسلام- لأنهم أعلم الخلق بالله ﷾؛ ولذلك قال الله عن نبيه محمد ﷺ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] .
ويبقى دور العقل هنا أن يتلقى النصوص الشرعية من الوحي؛ ليفهم ما تتضمنه هذه النصوص من معاني أسماء الرب سبحانه وصفاته.
وبكلمة واحدة: "نحن قد نعرف الله عقلا، ولكننا لا نعرف صفاته إلا وحيا"٢.
_________________
(١) ١ انظر فيما سبق ١٧٩-١٨٣. ٢ انظر: "دراسات في الفكر الإسلامي" لأستاذنا الفاضل الدكتور عدنان محمد زرزور حفظه الله، ص١١٩. وينبغي أن نذكِّر بأن الكلام في هذا الموضع ينصبّ على المعرفة التفصيلية الدقيقة الصحيحة، وهذه لا تعرف إلا عن طريق الوحي. أما المعرفة الإجمالية العامة فيمكن أن يصل إليها الإنسان بعقله، فيعرف عقلا أن الله تعالى يتصف بصفات الكمال كالعلم والقدرة إلخ، ونجد شواهد كثيرة على ذلك في تصورات الفلاسفة القدامى عن الربوبية وصفات الرب ﵎ وكيفية الخلق وتعلق إرادة الله تعالى بذلك إلخ وكل من شدا شيئا من الفلسفة أو اطلع على مباحثها أيقن بذلك حق اليقين.
[ ٢٣٨ ]
وإذا كان الرب -﷾- أعلم بنفسه من خلقه وأصدق قيلا، ومنهجه أهدى سبيلا، وكان رسوله المبلغ عنه كذلك أعلم به، وبما يجب له، وبما يمتنع عليه، من كل أحد، وهو أقدر الناس على بيان ذلك، وأحرصهم على هداية الخلق إليه، فلا يجوز التعويل -إذن- في إثبات الصفات والأسماء لله ﷾، أو نفي ما يُنفى، على غير الكتاب والسنة.
فالأدلة التي تثبت بها أسماء الله تعالى وصفاته، هي: كتاب الله تعالى وسنة رسوله -ﷺ- الثابتة عنه، فلا تثبت أسماء الله تعالى وصفاته بغيرهما.
الإيمان بالأسماء والصفات:
وعلى هذا، فما ورد إثباته لله تعالى من ذلك في الكتاب والسنة وجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما وجب نفيه مع إثبات كمال ضده. وما لم يرد إثباته ولا نفيه فيهما وجب التوقف في لفظه، فلا يثبت ولا ينفى لعدم ورود الإثبات والنفي فيه.
وأما معناه، فيفصَّل فيه، فإن أريد به حق يليق بالله تعالى فهو مقبول، وأن أريد به باطل لا يليق بالله ﷿ وجب رده١.
فإن الله ﷾ لم يكلفنا، ولم يتركنا في معرفة شيء من أسمائه الحسنى وصفاته العظمى إلى شيء وراء ما دل عليه الكتاب والسنة، فمن رجع في شيء من ذلك إلى قضية عقل أو استحسان برأي أو إلهام أو كشف، أو غير ذلك، فقد قال على الله تعالى بغير علم، وضل عن سواء السبيل.
_________________
(١) ١ انظر: "الرسالة التدمرية" لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهي في مجموع الفتاوى: ٣/ ١٢٨١. "القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى"، ص٢٩-٣٣.
[ ٢٣٩ ]
طريقة إثبات الأسماء والصفات:
ولذلك يؤمن المؤمن بكل ما أثبته الله تعالى لنفسه من الأسماء والصفات، وما أثبته له رسوله ﷺ، من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تأويل.
وقد بين الله تعالى أن له أسماء حسنى، فقال:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] .
كما بين أن له صفات عليا، فقال:
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] .
وكل ما ثبت عن الله تعالى من الأسماء والصفات، فإنه لا يماثل فيه شيئا من خلقه، ولا يماثله شيء، فقد قال الله ﷾:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
وقال أيضا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص] .
وقال سبحانه: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] .
اتفاق في الاسم، لا في المسمَّى:
وحتى لو اتفقت الصفات في أسمائها، فإن صفات الله تعالى تختلف عن صفات المخلوقين، فالاتفاق في الأسماء لا يقتضي الاتفاق في المسميات، فقد سمى الله تعالى نفسه حيا، عليما، قديرا، رءوفا، رحيما، عزيزا، حكيما، سميعا،
[ ٢٤٠ ]
بصيرا، ملكا، مؤمنا، جبارا، متكبرا، وقد سمى بعض عباده بهذه الأسماء، كقوله تعالى:
﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] .
وكقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام: ٩٥] إلخ..
ومعلوم أنه لا يماثل السميعُ السميعَ، ولا الحيُّ الحيَّ.
وصفات الله تعالى هي على ما يليق بجلاله وعظمته، فليس لأحد أن ينفي صفة منها بحجة أنه ينزه الله تعالى؛ لأنه -بزعمه- لو أثبت هذه الصفة لكان مشبها له بالمخلوقين، مع أنه يثبت له صفة أخرى غيرها، ولا يقول: إن هذه الصفة لله ﷾ تشبه صفة المخلوقين، فالله سبحانه أخبر عن نفسه بصفات مدح فيها نفسه، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
فهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات، الدالة على الكمال والجلال؟
القول في الصفات كالقول في الذات:
فاذكر -أيها المسلم- أن القول في صفات الله تعالى كالقول في ذات الله ﷾، فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل سائر الصفات.
وإذا كانت نصوص الصفات في ظاهرها معلومة لنا باعتبار المعنى، فهي غير معلومة لنا باعتبار الكيفية التي هي عليها.
[ ٢٤١ ]
القول في بعض الصفات كالقول في بعض:
وإذا عرفنا ذلك، فإننا ينبغي أن نعرف أصلا آخر وهو أن: القول في بعض الصفات كالقول في بعضٍ، فكما أننا يجب أن نؤمن بأن الله ﷾ عليم، حكيم، حي، قادر.. إلخ وهذه كلها صفات حقيقية، كذلك نؤمن بمحبة الله ورضاه، وغضبه وكراهته، حقيقة لا مجازا، فكما أن حياة الله تعالى لا تشبه حياة المخلوقين، وكما أن علم الله ﷾ لا يشبه علم المخلوقين، فكذلك غضب الله ورضاه كل هذا لا يشبه غضب المخلوقين ورضاهم، فينبغي الإيمان بالصفات كلها على ما يليق بالله ﷾.
والمؤمن أعقل من أن يتورَّط فيما ليس من شأنه، وأن يتعمق في بحث الكيفية.
فينبغي أن يقطع الأمل في معرفة الكيفية. وما أصدق ما قال الإمام مالك بن أنس -﵀- حين سُئل عن الاستواء، فقال:
"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"١!
الخلاصة:
فالوصية -أيها المسلم- أن تنزه الله تعالى عن مشابهة صفات المخلوقين، وأن تثبت لله تعالى من الأسماء ما سمى به نفسه، وأن تؤمن بما وصف به نفسه من الصفات، أو وصفه به رسوله ﷺ، وأن تعلم أنك لن تحيط به سبحانه علما. قال الله تعالى:
﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] .
_________________
(١) ١ أخرجه البيهقي: "في الأسماء والصفات": ٢/ ١٥٠، ١٥١، واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد: ٢/ ٣٩٨. وانظر: "فتح الباري": ١٣/ ٤٠٦، ٤٠٧.
[ ٢٤٢ ]
إن لله تسعة وتسعين اسما:
وبعد هذه اللمحات الموجزة السريعة عن توحيد الأسماء والصفات، نشير إلى الحديث الذي يخبر فيه النبي -ﷺ- عن عدد الأسماء الحسنى ويبشِّر من يحصيها بدخول الجنة، فيما رواه أبو هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة" ١.
والحديث يتضمن مسألتين:
أولاهما: أن لله تعالى أسماء حسنى، بلغت الغاية من الحسن والكمال، وأن من أحصى منها تسعة وتسعين اسما دخل الجنة. وليس المراد بالحديث حصر الأسماء الحسنى في هذا العدد، وليس فيه نفي ما عداها من الزيادة عليها، وإنما وقع التخصيص بالذكر لهذه الأسماء؛ لأنها أشهر الأسماء، وأبينها معاني وأظهرها، وذلك أن الصيغة ليست من صيغ الحصر والقصر، وجملة قوله ﵇: "إن لله تسعة وتسعين اسما" جملة واحدة، أو قضية واحدة لا قضيتان، ويكون تمام الكلام في خبر "إن" في قوله: "من أحصاها دخل الجنة"، فالمراد: الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء. فهو بمنزلة قولك: إن لفلان ألف درهم أعدها للصدقة. وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم، وإنما دلالته: أن الذي أعده فلان من الدراهم للصدقة ألف درهم.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في التوحيد: ١٣/ ٣٧٧، وفي الشروط والدعوات، ومسلم في الذكر والدعاء: ٤/ ٢٠٦٢، وساق الترمذي في روايته للحديث عدة الأسماء، وكذلك ابن ماجه وابن حبان. وانظر: "فتح الباري" لابن حجر: ١١/ ٢١٤-٢٢٠، "تلخيص الحبير": ٤/ ١٧٢-١٧٤. قال البيهقي في "الأسماء والصفات" "١/ ٣٢": ويحتمل أن يكون التفسير -أي: سياق الأسماء التسعة والتسعين في الحديث عند الترمذي وغيره- وقع من بعض الرواة.
[ ٢٤٣ ]
والذي يدل على صحة هذا الفهم لمعنى الحديث، أمور:
أ- حديث عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما قال عبد قط إذا أصابه هم أو حزن: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك. أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب همي، إلا أذهب الله همه " ١.
فجعل أسماءه ثلاثة أقسام: قسم سمى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم، ولم ينزل به كتابه، وقسم أنزل به كتابه فعرفه عباده، وقسم استأثر به في علم غيبه، فلم يطلع عليه أحد من خلقه. وهذا يدل على عدم الحصر بالتسعة والتسعين.
وبهذا المعنى جاءت أحاديث أخرى كحديث الشفاعة: "فيفتح عليّ من محامده بما لا أحسنه الآن" ٢ وحديث: "لا أُحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" ٣.
ب- أن الروايات التي جاء فيها إحصاء الأسماء التسعة والتسعين متعددة، وفي
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في "المسند": ١/ ٣٩١، ٤٥٢، وصححه ابن حبان ص٥٨٩ "من موارد الظمآن" والحاكم: ١/ ٥٠٩ على شرط مسلم، وقال: "إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه.." وقال الذهبي: وأبو سلمة لا يدري من هو، ولا رواية له في الكتب الستة، وأخرجه أبو يعلى في "المسند" ٥/ ١٣٦. ٢ قطعة من حديث الشفاعة، أخرجه البخاري في الأنبياء: ٦/ ٢٦٤، ٢٦٥، ومسلم في الإيمان ١/ ١٨٤، ١٨٥. ٣ قطعة من حديث عائشة ﵂، أخرجه مسلم في كتاب الصلاة: ١/ ٣٥٢.
[ ٢٤٤ ]
بعضها أسماء ليست في الأخرى، وعدتها تسعة وتسعون، فإذا ضمت الأسماء في كل رواية إلى ما زاد عليها في الروايات الأخرى، فإنها تزيد عن تسعة وتسعين اسما.
جـ- أن أكثر هذه الأسماء التي وردت في الروايات صفات لله تعالى، وصفات الله لا تتناهى.
والمسألة الثانية هي: إحصاء هذه الأسماء، وفي معنى الإحصاء المراد أوجه أربعة:
أحدها: أنه بمعنى العد، يريد: أنه يعدها ليستوفيها حفظا فيدعو بها ربه، كقوله سبحانه: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] .
والوجه الثاني: أن يكون الإحصاء بمعنى الطاقة، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] .
والوجه الثالث: أن يكون الإحصاء بمعنى العقل والمعرفة، فيكون معناه أن من عرفها وعقل معانيها وآمن بها، دخل الجنة.
والوجه الرابع: أن يكون معنى الحديث: أن يقرأ القرآن حتى يختمه، فيستوفي هذه الأسماء كلها في أثناء التلاوة. فكأنه قال: من حفظ القرآن، وقرأه فقد استحق دخول الجنة.
ولعل هذه الوجوه كلها مجتمعة هي المرادة بالإحصاء، فكأنها مراتب؛ المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها، والمرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها، والمرتبة الثالثة: دعاؤه ﷾ بها، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وهو مرتبتان: إحدهما: دعاء ثناء وعبادة، والثانية: دعاء طلب ومسألة.
[ ٢٤٥ ]
فلا يثنى عليه سبحانه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وكذلك لا يسأل إلا بها، فيسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيا لذلك المطلوب، فيكون السائل متوسلا إليه سبحانه بذلك الاسم، ومتعبدا له به١.
وعندئذ يكون المؤمن قد تعرف على الله تعالى معرفة صادقة من خلال معرفته للأسماء والصفات التي أخبرنا الله تعالى بها؛ كي نؤمن بها وكي نتعرف على الله من خلالها، وندعوه بها، ليكون لها أثرها في السلوك الفردي والاجتماعي، فعندما نتعرف على الله الخالق والرازق، لا نطلب الرزق إلا منه، وعندما نتعرف على الله العليم الحكيم نسلِّم له الأمر كله، وعندما نعرف أنه متفرد بالخلق والأمر، فإننا نخضع لأمره وحكمه، وعندما نتعرف عليه سميعا بصيرا تمتلئ نفوسنا تقوى وخشية له سبحانه وأما ما وراء ذلك من أبحاث الفلاسفة والمتكلمين عن الصفات وعلاقتها بالذات وكيفية قيامها بها إلخ هذا كله مما لا طائل تحته ولا فائدة ترجى منه، بل هو مزلّة أقدام ومضلّة أفهام، نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العظمى أن يثبتنا على الحق والهداية.
_________________
(١) ١ انظر فيما سبق بالتفصيل: "شأن الدعاء" للخطابي ص٢٤-٣٠، "بدائع الفوائد" لابن القيم: ١/ ١٦٤-١٦٦، "درء تعارض العقل والنقل": ٣/ ٣٣٢، "فتح الباري": ١١/ ٢١٤-٢٢٨، "تلخيص الحبير" لابن حجر: ٤/ ١٧٤، ١٧٥، "الأسماء والصفات" للبيهقي: ١/ ٣٠-٣٣، "شرح النووي على صحيح مسلم": ١٧/ ٥، ٦، "الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية" لابن علان: ٣/ ١٩٩-٢٠٣، "تحفة الأحوذي" للمباركفوري: ٩/ ٤٨٢-٤٨٩، "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" لملا علي القاري: ٥/ ٧٢، ٧٣، "لوامع الأنوار البهية" للسفاريني: ١/ ١٢٧، "تفسير ابن كثير" ٣/ ٥١٦، ٥١٧، "شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري" تأليف عبد الله الغنيمان: ١/ ٢١٨-٢٢٠.
[ ٢٤٦ ]
جوانب من توحيد الألوهية
أولًا: شهادة أن لا إله إلا الله
مدخل
جوانب من توحيد الألوهية:
اولًا: معنى شهادة أن لا إله إلا الله
الإسلام يقوم على عقيدة التوحيد:
يقوم الإسلام على عقيدة التوحيد النقية الصافية، التي تمثلها هذه الشهادة، التي شهد الله تعالى بها لنفسه، كما شهد له بها الملائكة وأولو العلم:
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] .
وهذه الشهادة ذات شقين عظيمين١؛ يمثل أولهما الخضوع لله تعالى والعبودية له، ويمثل الثاني هذا الخضوع، ويرسم المنهج الذي يسلكه المؤمن في عبادته لله ﷾، باتباع ما أنزل الله تعالى على رسوله هذه الشهادة هي: شهادة "أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله"، وهي عنوان دخول لمرء في دين الإسلام، وهي -بمقتضياتها وتوابعها ومستلزماتها- مفتاح الجنة في الآخرة، وهي عصمة لدم المرء وعِرْضه وماله في الدنيا.
أهمية الشهادتين، وفضلهما:
هذه الكلمة التي تنطلق بها ملايين الألسنة في كل صباح ومساء، تعلن الخضوع لله تعالى، وتعلن -على رءوس الأشهاد- الوفاء بالعهد والميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني آدم، مذ كانوا ذرية في ظهور آبائهم.
_________________
(١) ١ نقول: "الشهادتان"؛ لأن كلمة التوحيد تتضمن الشهادة لله بالوحدانية، والشهادة لنبيه -ﷺ- بالرسالة. ونقول: "الشهادة" بالإفراد؛ لأن شهادة أن لا إله إلا الله لا تتم إلا بشهادة أن محمدا رسول الله، والمعنى على كليهما واحد.
[ ٢٤٧ ]
هذه الكلمة التي قامت بها الأرض والسموات، وخُلقت لأجلها جميع المخلوقات، وبها أرسل الله تعالى رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه، ولأجلها نُصبت الموازين، ووضعت الدواوين، وقام بها سوق الجنة والنار، وبها انقسمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار، والأبرار والفجار، فهي منشأ الخلق والأمر، والثواب والعقاب، وهي الحق الذي خُلقت له الخليقة، وعنها وعن حقوقها السؤال والحساب، وعليها يقع الثواب والعقاب، وعليها نصبت القبلة، وعليها أسست الملة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد، وهي حق الله على جميع العباد، فهي كلمة السلام، وعنها يُسأل الأولون والآخرون، فلا تزول قدما العبد بين يدي الله حتى يسأل عن مسألتين:
ماذا كنتم تعبدون؟
وماذا أجبتم المرسلين؟
فجواب الأولى: بتحقيق "لا إله إلا الله" معرفة وإقرارا وعملا.
وجواب الثانية: بتحقيق "أن محمدا رسول الله" معرفة وإقرارا وانقيادا وطاعة١.
ولما كانت هذه الشهادة، وهذه الكلمة، بهذه المثابة والمكانة، فمن الواجب أن نقف عندها لنتعرف على مدلولها الحقيقي، كما ترشد إليه الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، وعلى مقتضياتها وشروطها ونواقضها.
وسنفرد -إن شاء الله تعالى- على كل جانب من هذه الجوانب كلمة موجزة، تنبئ عن الفكرة الرئيسة فيها، وتقف معلما على طريق التوحيد الذي تدل عليه وترشد إليه
_________________
(١) ١ انظر: "زاد المعاد": ١/ ٣٤.
[ ٢٥٠ ]
شهادة أن لا إله إلا الله:
تمثل شهادة "أن لا إله إلا الله" الشق الأول من القاعدة التي يقوم عليها بناء هذا الدين، وقد أبدأ القرآن الكريم وأعاد في بيان حقيقة الألوهية، التي يجب أن يفرد الله تعالى بها، على لسان كل رسول من الرسل، عليهم الصلاة والسلام:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] .
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١١، ١٢] .
فالإله هو الذي تسكن إليه النفوس، وتستجير به، وتتّجه إليه لشدة شوقها، فتعبده وتخضع له.
فالذي يتخذ كائنا ما وليا نصيرا وكاشفا عن السوء، وقاضيا لحاجته، ومستجيبا لدعائه، وقادرا على أن ينفعه ويضره، كل ذلك -بالمعاني الخارجة عن نطاق السنن الطبيعية التي أوجدها الله سبحانه- يكون السبب لاعتقاده ذلك: ظنه أن له نوعا من أنواع السلطة على نظام هذا العالم.
وكذلك: كل من يخاف أحدا ويتقيه، ويرى أن سخطه يجر عليه الضرر، ومرضاته تجلب له المنفعة، لا يكون مصدر اعتقاده ذلك وعمله إلا ما يكون في ذهنه
[ ٢٥١ ]
من تصور أن له نوعا من السلطة على هذا الكون.
ثم إن الذي يدعو غير الله، ويفزع إليه في حاجاته، بعد إيمانه بالله العلي الأعلى، لا يبعثه على ذلك إلا اعتقاده فيه أن له شركا في ناحية من نواحي السلطة "حكم الله" والألوهية.
وعلى غرار ذلك: من يتخذ حكم أحد من دون الله قانونا، ويتلقى أوامره ونواهيه شريعة متبعة، فإنه أيضا يعترف بسلطته القاهرة.
فخلاصة القول: إن أصل الألوهية وجوهرها هو السلطة "حكم الله" سواء كان يعتقدها الناس من حيث إن حكمها على هذا العالم حكم مهيمن على قوانين الطبيعة، أو من حيث إن الإنسان في حياته الدنيا مطيع لأمرها، وتابع لإرشادها، وأن أمرها -في حد ذاته- واجب الطاعة والإذعان١.
دعوة إلى توحيد العبودية والألوهية:
ولئن كان الجاهليون في كل عصر من عصورهم -إلا في عصر فسدت فيه الفطرة فارتكست، وارتدت إلى أسفل سافلين- يشهدون لله تعالى بالهيمنة على شئون العالم في الخلق والملك والإحياء والإماتة، وفي الرزق، وفي تصريف أمور الكون وتدبير ما فيه.. على حد ما اعترف به كفار مكة الذين واجههم رسول الله ﷺ، الذين حكى الله عنهم ذلك فقال:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ، اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ
_________________
(١) ١ انظر: "المصطلحات الأربعة في القرآن" ص١٣-٢٣.
[ ٢٥٢ ]
بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١-٦٣] .
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤-٨٩] .
لئن اعترف الجاهليون بذلك كله إن الدعوة ينبغي أن توجه إليهم لإفراد الله ﷾ بالعبادة؛ ليتحقق عندئذ التوحيد بأجلى معانيه، وعندئذ تكون البشرية على الدين الحق.
"ولذلك لم يَدْعُها النبي -ﷺ- إلى الاعتقاد بوجود الله، ولكن دعاها إلى توحيد الله دعاها إلى الاعتقاد بأن الله -وحده- هو الإله والرب والقيوم، دعاها إلى عبادة الله وحده والتقدم إليه بالشعائر، ودعاها إلى التحاكم إلى شريعة الله وحده والدينونة له بالعبودية، وكانت هذه الدعوة، بمضموناتها هذه كاملة، هي معنى شهادة أن لا إله إلا الله، التي هي الإسلام"١.
مقتضيات توحيد الألوهية:
ومن مقتضيات هذا التوحيد: إفراد الله ﷾ بخصائص الألوهية في تصريف حياة البشر، كإفراده سبحانه بخصائص الألوهية في اعتقادهم وتصورهم، وفي ضمائرهم وشعائرهم على السواء:
_________________
(١) ١ "مقومات التصور الإسلامي" ص١٠٧.
[ ٢٥٣ ]
أ- وكما أن المسلم يعتقد ألا إله إلا الله، وألا معبود بحق إلا الله، وألا خالق إلا الله، وألا رازق إلا الله، وألا نافع ولا ضار إلا الله، وألا متصرف في شأنه -وفي شأن الكون كله- إلا الله فيتوجه لله وحده بالشعائر التعبدية، ويتوجه لله -وحده- بالطلب والرجاء، ويتوجه لله -وحده- بالخشية والتقوى
ب- كذلك يعتقد المسلم أن لا حاكم إلا الله، وأن لا مشرِّع إلا الله، وأن لا منظم لحياة البشر إلا الله، سواء في علاقاتهم وارتباطاتهم بالكون وبالأحياء وببني الإنسان. فيتلقى من الله -وحده- التوجيه والتشريع، ومنهج الحياة، ونظام المعيشة، وقواعد الارتباطات، وميزان القيم والاعتبارات.. سواء..
فالتوجه إلى الله تعالى -وحده- بالشعائر التعبدية، والطلب والرجاء والخشية، كالتلقي من الله وحده في التشريع والتوجيه كلاهما من مقتضيات التوحيد، كما هو في التصور الإسلامي، وكلاهما يصور المساحة التي تشملها حقيقة التوحيد في ضمير المسلم، وفي حياته على السواء١.
شرك الطاعة والاتباع:
ومن هنا كانت عبادة غير الله تعالى، بتقديم الشعائر التعبدية لغير الله؛ شركا، وطاعة غير الله شركا، واتباع منهج غير منهج الله شركا، وكان التحليل والتحريم بغير إذن من الله شركا، حذر الله تعالى منه، وبين عاقبته، ثم دعا إلى التوحيد الخالص:
﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا
_________________
(١) ١ "خصائص التصور الإسلامي" ص٢٢٣، ٢٢٤. وانظر: "طريق الدعوة في ظلال القرآن" ٢/ ٧٧-١٩٩، "هل نحن مسلمون؟ " "مفاهيم ينبغي أن تصحح" ص١٤٧، ١٤٨، "دراسات قرآنية" ص٦١.
[ ٢٥٤ ]
تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] .
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل: ٣٥، ٣٦] .
فالذين أشركوا، وأقروا على أنفسهم بذلك، إنما وقعوا في الشرك بأمرين: عبدوا آلهة من دون الله، وحرموا من دون الله ما لم يأذن به الله. وهنا نستطيع أن نصوغ المعادلة التالية أخذا من منطوق الآية الكريمة:
عبادة غير الله تعالى بتقديم الشعائر التعبدية = شرك.
التحليل والتحريم من دون الله، أو اتباع الأولياء من دون الله = شرك.
التحليل والتحريم من دون الله = عبادة لغير الله١.
وهكذا.
مفهوم شامل للتوحيد:
يقول الأستاذ سيد قطب، ﵀:
"وتوحيد الله وبالتعبير الاصطلاحي الفقهي.. شهادة أن لا إله إلا الله، وهي التي يدخل بها الإنسان في الإسلام، ويكتسب بها هذه الصفة، ويعصم بها
_________________
(١) ١ راجع "الإيمان" لابن تيمية، ص٦٤، وفيما سيأتي ص٣٢٣-٣٢٩.
[ ٢٥٥ ]
دمه وماله في الإسلام، تعني هذه المعاني والمدلولات كلها مجتمعة -وقد سبق بيانها- ولا توجد شرعا إلا بعد توافر هذه المعاني والمدلولات مجتمعة.. تعني: إفراد الله سبحانه بالألوهية، وذلك بالاعتقاد في ألوهيته وحده، وبالتوجه إليه بالشعائر التعبدية وحده، وبالاعتراف له بحق الحاكمية في تنظيم الحياة البشرية بشريعته وحده..
وهذه المعاني والمدلولات كل منها كالآخر في إنشاء شهادة "أن لا إله إلا الله" وجعلها قائمة ابتداء، تدخل قائلها في الإسلام، وتعطيه صفة المسلم، وتعصم دمه وماله بالإسلام. فلا توجد هذه الشهادة ابتداء، ولا تعتبر قائمة شرعا، إلا حين يشهد الشاهد بهذه المدلولات والمعاني مجتمعة. فإن شهد ببعضها دون بعض، أو تصور أن شهادة أن لا إله إلا الله تعني بعضها دون بعض، فإن شهادة أن لا إله إلا الله، الصادرة منه، لا تعتبر قائمة؛ لأنها لا تقوم أصلا إلا باجتماع هذه المدلولات وقصدها من القائل في شهادته، والإقرار بها، والتعامل على أساسها "١.
أمران يوضحان التوحيد:
وتتضح هذه المعاني بأمرين:
"الأول": أن تعرف أن الكفار، الذين قاتلهم رسول الله، وقتلهم، وأباح أموالهم، واستحل نساءهم، كانوا مقرين لله سبحانه بتوحيد الربوبية، وهو أنه: لا يخلق ولا يرزق، ولا يحيي ولا يميت، ولا يدبر الأمور إلا الله وحده، وهذه مسألة عظيمة مهمة، وهي: أن تعرف أن الكفار شاهدون بهذا كله ومقرّون به، ومع هذا
_________________
(١) ١ "مقومات التصور الإسلامي"، ص١٤٧. وانظر "مجموعة الرسائل والمسائل النجدية" ٢/ ٥، ١٢٠، "تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد" ص٧٤ وما بعدها.
[ ٢٥٦ ]
لم يُدخلهم ذلك في الإسلام، ولم يحرم دماءهم ولا أموالهم، وكانوا أيضا يتصدقون ويحجون ويعتمرون، ويتعبدون، ويتركون أشياء من المحرمات خوفا من الله ﷿.
ولكن "الأمر الثاني" هو الذي كفَّرهم، وأحل دماءهم وأموالهم، وهو: أنهم لم يشهدوا لله تعالى بتوحيد الألوهية، وهو أنه: لا يدعى ولا يرجى إلا الله وحده لا شريك له، ولا يستغاث بغيره، ولا يذبح لغيره، لا لِمَلَك مقرب ولا نبي مرسل، فمن استغاث بغير الله فقد كفر، ومن ذبح لغيره فقد كفر، ومن نذر لغيره فقد كفر وأشباه ذلك.
وتمام هذا: أن تعرف أن المشركين، الذين قاتلهم رسول الله -ﷺ- كانوا يدعون الصالحين مثل: عيسى وعزير والملائكة وغيرهم من الأولياء، فكفروا بهذا مع إقرارهم بأن الله هو الخالق الرازق، المحيي المميت، المدبر.
إذا عرفت هذا، عرفت معنى "لا إله إلا الله" وعرفت أن من دعا نبيا أو استغاث به أو بملك أو ولي من أولياء الله فقد خرج من الإسلام، وهذا هو الكفر الذي قاتلهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
نفي وإثبات:
وكلمة التوحيد هذه، تقوم على قطبين اثنين: أحدهما موجب والآخر
_________________
(١) ١ "الجامع الفريد" ص٢٦١ الرسالة الثالثة، تفسير كلمة التوحيد، وانظر فيه أيضا: "كشف الشبهات" والرسالة الخامسة من رسائل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: ص٣٥٦ وما بعدها. "مجموعة الرسائل والمسائل النجدية" ٢/ ١٦-٣٢، ٨١-٨٢، ٩٣، "فتح المجيد" ص٤٥ وما بعدها.
[ ٢٥٧ ]
سالب١، أي: هي نفي وإثبات، تنفي أربعة أمور، وتثبت أربعة أمور:
تنفي: الآلهة، والطواغيت، والأنداد، والأرباب.
وتثبت لله تعالى: القصد، والتعظيم، والمحبة، والخوف، والرجاء٢.
شهادة أن محمدا رسول الله:
كانت تلكم بعض الإلماعات إلى الشطر الأول من كلمة التوحيد، وهنا لا بد من إلماعة أخرى إلى الشطر الثاني من هذه الكلمة العظيمة، التي يقوم عليها الإسلام، وهو "شهادة أن محمدا رسول الله".
إذ لا تتم شهادة "أن لا إله إلا الله" إلا بشهادة "أن محمدا رسول الله" إذ لا تتم محبة الله إلا بمحبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه، ولا طريق إلى معرفة ما يحبه ويكرهه إلا من جهة محمد -ﷺ- المبلغ عن الله ما يحبه ويكرهه، باتباع ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، فصارت محبة الله مستلزمة لمحبة رسول الله ﷺ، وتصديقه ومتابعته؛ ولهذا قرن الله تعالى بين محبته ومحبة رسوله في مواضع كثيرة٣، كما في قوله تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
_________________
(١) ١ قال الشاعر عبد الوهاب عزام: إنما التوحيد إيجاب وسلب فيهما للنفس عزم ومضاء "لا" و"إلا" قوة قاهرة فهما في القلب قطبا الكهرباء ٢ "مجموعة الرسائل والمسائل": ٤/ ٩٩. ٣ انظر: "كلمة الإخلاص" ص٣٣، ٣٤.
[ ٢٥٨ ]
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] .
كما قرن طاعته بطاعة رسوله في مواضع كثيرة أيضا، كقوله تعالى:
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] .
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠] .
وقال ﷺ: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار" ١.
مفهوم شهادة "أن محمدا رسول الله":
فمفهوم شهادة "أن محمدا رسول الله": أنه هو الرسول المعتمد لتبليغ هذه الرسالة، وهو المبلغ عن ربه، الذي تنبغي طاعته مع طاعة الله.
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] .
وأنه -ﷺ- هو التطبيق العملي الحي لرسالة الله، فهو القدوة في كل عمل وتصرف، وهو قائد الجماعة المسلمة ومربّيها وأستاذها ومعلمها، والنور الذي تستضيء به في الظلمات٢.
منهج حياة:
ونختم هذه الكلمة الموجزة عن معنى "لا إله إلا الله" ومكانتها ومقتضياتها بما
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان: ١/ ٦٠، ومسلم في الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان: ١/ ٦٦. ٢ انظر: "هل نحن مسلمون؟ " ص١١، ١٢.
[ ٢٥٩ ]
قاله الأستاذ سيد قطب -﵀- في "معالم في الطريق" بعنوان: "لا إله إلا الله منهج حياة".
العبودية لله وحده هي شطر الركن الأول في العقيدة الإسلامية المتمثل في شهادة "أن لا إله إلا الله"، والتلقي عن رسول الله -ﷺ- في كيفية هذه العبودية هو شطرها الثاني، المتمثل في شهادة: "أن محمدا رسول الله".
والقلب المؤمن المسلم هو الذي تتمثل فيه هذه القاعدة بشطريها؛ لأن كل ما بعدهما من مقومات الإيمان، وأركان الإسلام، إنما هو مقتضى لها؛ فالإيمان بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وكذلك الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، ثم الحدود والتعازير، والحل والحرمة، والمعاملات والتشريعات، والتوجيهات الإسلامية.. إنما تقوم كلها على قاعدة العبودية لله وحده، كما أن المرجع فيها كلها: هو ما بلغه لنا رسول الله -ﷺ- عن ربه.
والمجتمع المسلم هو الذي تتمثل فيه تلك القاعدة ومقتضياتها جميعا؛ لأنه بغير تمثّل تلك القاعدة ومقتضياتها فيه لا يكون مسلما.
ومن ثم تصبح شهادة "أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله" قاعدة لمنهج كامل تقوم عليه حياة الأمة المسلمة بحذافيرها، فلا تقوم هذه الحياة قبل أن تقوم هذه القاعدة، كما أنها لا تكون حياة إسلامية إذا قامت على غير هذه القاعدة، أو قامت على قاعدة أخرى معها، أو عدة قواعد أجنبية عنها:
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف: ٤٠] .
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] .
[ ٢٦٠ ]
شروط كلمة التوحيد:
إن كلمة التوحيد التي سبق الحديث عن معناها، جعلها الله تعالى عنوان الدخول في الإسلام، وثمن الجنة ومفتاحها، كما جعلها سبب النجاة من النار ومغفرة الذنوب.
وتواردت أحاديث النبي -ﷺ- في هذه المعاني:
١- فمنها ما جعل الإتيان بالشهادتين سببا لدخول الجنة، وعدم احتجاب قائلها عنها، فإن النار لا يخلَّد فيها أحد من أهل التوحيد الخالص، وقد يدخل الجنة ولا يُحجَب عنها إذا طُهِّر من ذنوبه بالنار:
فعن عباة بن الصامت -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" ١.
وفي رواية: "أدخله الله الجنة، من أي أبواب الجنة الثمانية شاء".
وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "يا أبا هريرة، اذهب بنعليَّ هاتين -وأعطاه نعليه- فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله، مستيقنا بها قلبه، فبشِّرْه بالجنة" ٢.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب قوله: قل يا أهل الكتاب ٦/ ٤٧٤.. ومسلم في الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان: ١/ ٥٧، وانظر شرح الحديث في "المختار من كنوز السنة" ص١٠٥-١١٥. ٢ أخرجه مسلم في الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة: ١/ ٦٠.
[ ٢٦١ ]
وعنه أيضا، قال رسول الله ﷺ: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غير شاكّ، فيحجب عن الجنة" ١. وفي رواية له أيضا: "إلا دخل الجنة".
وعن عثمان -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله، دخل الجنة" ٢.
وفي الصحيحين عن أبي ذر -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة" قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق" ثلاثا، ثم قال في الرابعة: "على رغم أنف أبي ذر" قال: فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر٣.
ومعنى هذا الحديث: أن الزنى والسرقة لا يمنعان دخول الجنة مع التوحيد، وهذا حق لا مرية فيه، وليس فيه أنه لا يعذَّب عليهما مع التوحيد٤، ففي "مسند البزار" عن أبي هريرة -﵁- مرفوعا: "من قال: لا إله إلا الله نفعته يوما من دهره، يصيبه قبل ذلك ما أصابه" ٥.
٢- ومن الأحاديث ما جاء بيانا لتحريم دخول النار على من أتى
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في الموضع نفسه. ٢ أخرجه مسلم في الموضع السابق نفسه: ١/ ٥٥. ٣ أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب الثياب البِيض ١٠/ ٢٨٣، ومسلم في الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئا، دخل الجنة: ١/ ٩٥. ٤ كلمة الإخلاص وتحقيق معناها، ص١٢، وهذه التقسيمات مأخوذة منه. انظر "المختار من كنوز السنة" ص١٥٥-١٦٧. ٥ أخرجه البزار والطبراني في الأوسط والصغير. قال الهيثمي في المجمع "١/ ١٧": "ورجاله رجال الصحيح". وانظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" للألباني: ٣/ ٥٦٦-٥٧٠.
[ ٢٦٢ ]
بالشهادتين، وهذا كقوله -﵊- في حديث معاذ ﵁:
$"ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله صدقا من قلبه، إلا حرّمه الله على النار"١.
وفي حديث عتبان بن مالك -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله" ٢ إلى غير ذلك من الأحاديث النبوية الشريفة٣.
شرط النجاة:
وقد يصاب بعض الناس بالغفلة عن حقيقة التوحيد وشرط النجاة، ويغترّ بكلمة يديرها على لسانه، دون أن يفقه معناها، يظنها مفتاحا للجنة، بمجرد نطقها باللسان، غافلا عن شروطها التي ينبغي أن تتحقق، ومقتضياتها التي ينبغي أن يعمل بها؛ لتكون مفتاحا صالحا لفتح أبواب الجنة الثمانية.
وشهادة التوحيد هذه، سبب دخول الجنة، والنجاة من النار، ومقتضٍ لذلك، ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع من الموانع؛ وهذا قول الحسن البصري ووهب بن منبه، رحمهما الله.
فقد قيل للحسن البصري ﵀: إن أناسا يقولون: من قال: لا إله إلا الله
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في العلم، باب من خصّ بالعلم قوما ١/ ٢٢٦، ومسلم في الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاكّ: ١/ ٦١. ٢ قطعة من حديث أخرجه البخاري في الصلاة، باب المساجد في البيوت: ١/ ٥١٩، ومسلم في المساجد، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة: ١/ ٤٥٥، ٤٥٦. ٣ انظر: "تهذيب مدارج السالكين" ص١٨٧.
[ ٢٦٣ ]
دخل الجنة؟ فقال: من قال: لا إله إلا الله، فأدى حقها وفرضها دخل الجنة.
وقال للفرزدق وهو يدفن امرأته: ما أعددتَ لهذا اليوم؟
قال: شهادة أن لا إله إلا الله، منذ سبعين سنة، فقال الحسن: نعم العُدَّة، لكن لـ "لا إله إلا الله" شروطا، فإياك وقذف المحصنة!
وقيل لوهب بن منبه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فُتح لك، وإلا لم يفتح لك١.
ويدل على صحة هذا القول:
أ- أن النبي -ﷺ- رتّب دخول الجنة على الأعمال الصالحة في كثير من النصوص:
فعن أبي أيوب الأنصاري -﵁- أن رجلا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة. فقال: "تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم" ٢.
وعن أبي هريرة -﵁- أن رجلا قال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان". فقال الرجل: والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا شيئا، ولا أنقص منه. فقال النبي ﷺ: "من سَرَّه أن ينظر إلى
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري تعليقا في الجنائز، باب من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله ٣/ ١٠٩. وانظر: "المختار من كنوز السنة"، ص١٩١-١٩٤، "شرح النووي على صحيح مسلم": ١/ ٢١٨-٢٢٠. ٢ أخرجه البخاري في الأدب، باب فضل صلة الرحم: ١٠/ ٤١٤، ومسلم في الإيمان، باب الإيمان الذي يدخل به الجنة: ١/ ٤٢، ٤٣.
[ ٢٦٤ ]
رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا" ١.
ب- وقد تواردت مع ذلك آيات وأحاديث تبين توقف دخول الجنة والنجاة من النار على فعل الفرائض واجتناب المحارم، فصارت تلك الأحاديث السابقة مفسِّرة مبيِّنة، وينبغي أن يؤخذ بالبيان وبالمبيَّن معا، ولا يجوز إعمال بعض النصوص والأدلة وإهمال سائرها٢.
جـ- ومن القواعد المقررة: أن المطلق يحمل على المقيد، فإذا جاءت نصوص مطلقة، وجاءت نصوص أخرى متحدة معها في الحكم والسبب، فإنه يحمل النص المطلق على المقيد. والأحاديث التي جاءت تبين أن دخول الجنة وتحريم النار معلق على شهادة "أن لا إله إلا الله"، هذه الأحاديث المطلقة جاءت أحاديث أخرى تقيدها، ففي بعضها:
"من قال: لا إله إلا الله مخلصا "، وفي بعضها: "مستيقنا بها قلبه "، وفي بعضها: "يصدق لسانه "، وفي بعضها: "يقولها حقا من قلبه " إلخ.
وكذلك علقت الأحاديث دخول الجنة على: "العلم بمعنى لا إله إلا الله" ونصوص أخرى تبين الثبات على هذه الكلمة، ونصوص أخرى تدل على وجوب الخضوع لمدلولها إلخ.
ومما سبق كله استنبط العلماء -رحمهم الله تعالى- شروطا لا بد من توافرها، مع انتفاء الموانع، حتى تكون كلمة "لا إله إلا الله" مفتاحا للجنة، وهذه الشروط هي أسنان المفتاح، ولا بد من أخذها مجتمعة، فإن شرطا منها لا يُغني عن سائر الشروط.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الزكاة، باب وجوب الزكاة، ومسلم في الإيمان، الموضع السابق. ٢ انظر: "كلمة الإخلاص وتحقيق معناها" لابن رجب، ص١٣-٢٢.
[ ٢٦٥ ]
إشارات إلى شروط لا إله إلا الله:
ولعل هذه الشروط تكون واضحة من الإشارات التي سنشير إليها في هذه العجالة، فاحرص عليها -أيها المسلم- وتحقق بها؛ لئلا تقف أمام باب الجنة فترد؛ لأنه لا يفتح لك!
١- إن لكل شيء حقيقة، ولكل كلمة معنى، فينبغي أولا: أن تعلم معنى كلمة التوحيد: "لا إله إلا الله" علما منافيا للجهل بها، في النفي والإثبات، فهي تنفي الألوهية عن غير الله تعالى وتُثبتها له سبحانه، فلا معبود بحق إلا الله، وقد سبق ذلك وافيا في بيان "كلمة التوحيد".
ومن الأدلة على هذا الشرط، قول الله تعالى:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] .
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] .
﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] .
وأخرج مسلم عن عثمان -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله، دخل الجنة".
ويكتمل هذا الشرط بما يليه، وهو الشرط الثاني:
٢- اليقين المنافي للشك: ومعنى ذلك أن تستيقن يقينا جازما بمدلول كلمة التوحيد؛ لأنها لا تقبل شكا، ولا ظنا، ولا ترددا، ولا ارتيابا، بل ينبغي أن تقوم على اليقين القاطع الجازم. فقد قال الله تعالى في وصف المؤمنين الصادقين:
[ ٢٦٦ ]
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون﴾ [الحجرات: ١٥] .
فلا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين، بل لا بد من استيقان القلب، والبعد عن الشك، فإن لم يحصل هذا اليقين فهو النفاق، والمنافقون هم الذين ارتابت قلوبهم، قال الله تعالى:
﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] .
وقد سبق آنفا حديثان في ذلك عن أبي هريرة -﵁- وفيهما: "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غير شاك فيهما، إلا دخل الجنة" وفي رواية: "فيحجب عن الجنة" "من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله، مستيقنا بها قلبه ".
٣- وإذا علمت، وتيقنت، فينبغي أن يكون لهذا العلم اليقيني أثره، فيتحقق الشرط الثالث، وهو: القبول لما اقتضته هذه الكلمة، بالقلب واللسان:
فمن رد دعوة التوحيد ولم يقبلها كان كافرا، سواء كان ذلك الرد بسبب الكِبْر أو العناد أو الحسد، وقد قال الله ﷾ عن الكفار الذين ردوها استكبارا:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦] .
أما المؤمنون الذين قبلوا هذه الكلمة، وعملوا بمقتضاها فلهم النجاة عند الله تعالى؛ وعدا منه، لا يخلف الله وعده:
﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٣] .
[ ٢٦٧ ]
﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] .
وحتى ميول الإنسان وما يهواه، ينبغي أن تكون من وراء ما جاء به الرسول -ﷺ- وتابعة له: $"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به"١، وهذا هو تمام الانقياد وغايته!
٥- الشرط الخامس: الصدق في قول كلمة التوحيد، صدقا منافيا للكذب والنفاق، حيث يجب أن يواطئ قلبه لسانه ويوافقه، فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم، ولكن لم يطابق هذا القول ما في قلوبهم، فصار قولهم كذبا ونفاقا مخالفا للإيمان، ونزلوا في الدرك الأسفل من النار:
﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١] .
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ، فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ٨-١٠] .
في آيات كثيرة، وسور بمجملها في القرآن الكريم تتحدث عنهم.
وفي الصحيحين: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله.. صدقا من قلبه، إلا حرمه الله على النار"٢ فاشترط الصدق من القلب، كما اشترطه في قوله لضمام بن
_________________
(١) ١ أخرجه البغوي في "شرح السنة": ١/ ٢١٣، وقال النووي في "الأربعين النووية": حديث حسن صحيح، رويناه في "كتاب الحجة" بإسناد صحيح، والحجة كتاب للشيخ أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي. وانظر "جامع العلوم والحكم" ص٣٦٤، ٣٦٥. ٢ انظر تخريجه فيما سبق ص٢٦٧.
[ ٢٦٩ ]
ثعلبة: "إن صدق ليدخلن الجنة" ١.
٦- المحبة، وهي الشرط السادس، فيحب المؤمن هذه الكلمة، ويحب العمل بمقتضاها، ويحب أهلها العاملين بها، وإلا لم يتحقق الإيمان، ولم تكتب له النجاة، ومن أحب شيئا من دون الله فقد جعله لله ندا:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] .
وعلامة حب العبد ربه: تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله، ومعاداة من عاداه، واتباع رسوله -ﷺ- واقتفاء أثره وقبول هداه. وهذه كلها شروط في المحبة لا تتحقق إلا بها٢، وهي مؤشر على حب الله للعبد بعد ذلك٣.
ومتى استقرت هذه الكلمة في النفس والقلب، فإنه لا يعدلها شيء، ولا يفضل عليها، فإن حبها يملأ القلب فلا يتسع لغيرها، وعندئذ يجد حلاوة الإيمان:
"ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار" ٤.
وحتى لو تحققت تلك الشروط السابقة كلها، ولكنها فقدت الروح فيها،
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الإيمان / ١٠٦، ومسلم في الإيمان: ١/ ٤٠، ٤١. ٢ "معارج القبول": ١/ ٣٨٣. ٣ انظر: "التصور الإسلامي للإنسان والكون" ص٨٩، الطبعة الثانية، القاهرة. ٤ أخرجه البخاري: ١/ ٧٢، ومسلم: ١/ ٦٦، كلاهما في كتاب الإيمان.
[ ٢٧٠ ]
وفقدت سبب القبول عند الله، فإنها لا تنفع صاحبها ما لم يحقق سبب ذلك القبول، وهو الشرط السابع:
٧- الإخلاص، ومعناه: صدق التوجه إلى الله تعالى، وتصفية العمل بصالح النية، عن كل شائبة من شوائب الشرك وألوانه.
وقد تواردت الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، تؤكد هذا الشرط، وتجعله سببا لقبول الأعمال عند الله تعالى. قال الله ﷾:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] .
﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] .
وفي حديث عتبان بن مالك، عن النبي ﷺ: "إن الله حرّم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله ﷿" ١.
والآيات والأحاديث في الإخلاص كثيرة جدا، فهو سبب القبول عند الله ﷿، فلا يقبل الله تعالى من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه، وموافقا لشرعه.
٨- ومع هذه الشروط مجتمعة، لا بد من الإقامة على هذه الكلمة؛ ليختم للعبد بها ختاما حسنا، فإنما الأعمال بالخواتيم، ففي حديث مسلم عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: $"إن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة".
وفي حديث ابن مسعود -﵁- عند الشيخين: " فوالذي لا إله
_________________
(١) ١ متفق عليه، وقد تقدم.
[ ٢٧١ ]
غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها".
وقد أمر الله تعالى بالإقامة على الإسلام والتوحيد:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] .
وقد جاءت الأحاديث الشريفة تبين هذا المعنى:
عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "من مات يشرك بالله شيئا، دخل النار" وقلت أنا: "من مات لا يشرك بالله شيئا، دخل الجنة"١.
وفي حديث أبي ذر: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة" ٢.
وعن عثمان بن عفان -﵁- قال رسول الله ﷺ: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله، دخل الجنة".
وعن معاذ بن جبل -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، وجبت له الجنة".
قال البيهقي: في هذين الحديثين شَرَطَ الوفاة على الإيمان، حتى يستحق دخول الجنان بوعد الله تعالى.
_________________
(١) ١، ٢ أخرجهما الشيخان، وتقدما في موضع سابق.
[ ٢٧٢ ]
فاحرص -أيها المسلم- على كلمة التوحيد بشروطها تلك، واحذر من كل ما ينافيها، فإن ما ينافيها ويوقع في الشرك قد يكون أخفى من دبيب النمل١.
وتلك الشروط السابقة، قد جمعها بعض العلماء في نَسَق واحد، فقال الشيخ حافظ الحكمي، ﵀:
العلم واليقين والقبول والانقياد فادرِ ما أقول
والصدق والإخلاص والمحبة وفقك الله لما أحبّه
وقال ابن القيم -﵀- في قصيدته النونية، مشيرا إلى أسنان هذا المفتاح الذي تفتح به أبواب الجنة، وهي العمل بشرائع الإسلام، وتحقيق تلك الشروط السابقة قال:
هذا، وفتح الباب ليس بممكن إلا بمفتاح على أسنان
مفتاحه بشهادة الإخلاص والتو حيد، تلك شهادة الإيمان
أسنانه الأعمال، وهي شرائع الـ ـإسلام، والمفتاح بالأسنان
لا تُلغِيَنْ هذا المثال فكم به من حل إشكال لذي العرفان!
_________________
(١) ١ في هذه الشروط راجع: "معارج القبول" ١/ ٣٧٨-٣٨٦، "تيسير العزيز الحميد" ص٦٩ وما بعدها، "فتح المجيد" ص٩١، "مجموعة الرسائل والمسائل النجدية": ٢/ ٥، ٦، ٨١.
[ ٢٧٣ ]
نواقض لا إله إلا الله:
ألمحنا فيما سبق إلى أن الشهادتين تعبِّران عن التوحيد، وهما عنوان على دخول المرء في الإسلام، وتترتب عليهما آثارهما في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا عصمة دم المرء وماله وعرضه، وفي الآخرة هما سبب لدخول الجنة والنجاة من النار إذا ختم له بهما. قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ .
ولكن قد يطرأ على هذه الشهادة ما يبطلها وينقضها، وعندئذ يبطل مفعولها، فلا تترتب عليها تلك الآثار السابقة، فيكون المرء مرتدا عن الإسلام، أو يكون كافرا كفرا أصليا، إن وجدت النواقض ابتداء.
ونواقض الإسلام والإيمان التي تُوقِع في الردة، أو تتحقق بها الردة، كثيرة، ويمكن أن تكون بأحد طرق ثلاثة: بالفعل أو الامتناع عن الفعل، وبالقول، وبالاعتقاد. وتفصيل هذا وبيانه في كتب الفقه الإسلامي في "باب الردة"١.
ونجتزئ هنا ببيان أهم هذه النواقض حتى يحذرها المسلم؛ لتسلم له عقيدته، وليسلم له إيمانه. وسيأتي مزيد بيان لبعض الجوانب من الانحراف عن التوحيد، في فقرة لاحقة -إن شاء الله تعالى- وحسبنا هنا هذه النواقض العشرة التي يذكرها العلماء:
١- الشرك في عباة الله تعالى، بأي لون من ألوان الشرك الأكبر، الذي يخرج صاحبه من دائرة التوحيد ويخلّده في النار. قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ
_________________
(١) ١ انظر: "التشريع الجنائي الإسلامي"، ٢/ ٧٠٧، والمراجع المشار إليها هناك في عامة البحث، "كتاب الردة بين الأمس واليوم" لمحمد كاظم حبيب.
[ ٢٧٤ ]
بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] .
﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار﴾ [المائدة: ٧٢] .
٢- الكفر الأكبر الذي يخلّد صاحبه في النار؛ ويكون ذلك بإنكار الربوبية أو إنكار شيء من خصائصها، أو بإنكار الشريعة أو النبوة، أو ما علم من الدين بالضرورة، من مسائل الاعتقاد أو العبادات أو الحلال أو الحرام، من الفرائض أو السنن أو المباحات، أو بإنكار ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله، أو أن يجعل لأحد من الخلق شيئا من خصائص الربوبية. قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١] .
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦] .
٣- الاستكبار عن عبادة الله تعالى أو استنكافها، قال الله تعالى:
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٢، ١٧٣] .
[ ٢٧٥ ]
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦] .
٤- اتخاذ الوسطاء والشفعاء بين العبد وربه، فيدعوهم مع الله أو من دون الله، أو يسألهم الشفاعة، أو يتوكل عليهم. قال الله تعالى:
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] .
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦] .
٥- عدم تكفير المشركين والكفار، أو الشك في كفرهم، أو تصحيح مذهبهم؛ لأن في ذلك رضى بالكفر، وشكا فيما جاء به الرسول -ﷺ- وهذا الشك جعله الله تعالى كفرا، فقال حاكيا عن الكفار ومبينا حالهم:
﴿قَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [إبراهيم: ٩] .
٦- اعتقاد أن هديا غير هدي نبينا محمد -ﷺ- أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه أو أفضل أو أكمل، أو أن يفضل حكم الطاغوت على حكم الإسلام، وكذلك اعتقاد أن أحدا يجوز له أن يحكم بغير شرع الله، أو أن يحكم بشيء من القوانين الوضعية التي ارتضاها البشر لأنفسهم بمعزل عن دين الله وشرعه، أو أن يحلل ويحرم من تلقاء نفسه؛ لأن في ذلك ادعاء لخاصية من خصائص الألوهية، وإنكارا لخبر الله تعالى بإكمال الدين وإتمام النعمة. قال الله تعالى:
[ ٢٧٦ ]
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] .
﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] .
ويدخل في هذا أيضا: اعتقاد أن أحدا من المكلفين يسعه الخروج عن الدين والشريعة الإسلامية، أو الهدي النبوي.
٧- ومما يتصل بذلك: تكذيب الرسول -ﷺ- في شيء مما جاء به من عند الله تعالى مما قل أو كثر؛ لأن في ذلك تكذيبا لله تعالى الذي أرسله. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ، ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [فاطر: ٢٥، ٢٦] .
وكذلك بُغْض الرسول -ﷺ- أو بغض شيء مما جاء به، حتى ولو كان يعمل به ويلتزمه، فإن البغض والكراهية له كفر بالله تعالى، وكفر بالرسول ﷺ:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩] .
ولا تحبط الأعمال إلا بالكفر الذي يناقض الإيمان.
٨- الاستهزاء بالله تعالى، أو برسوله ﷺ، أو بكتابه الكريم، أو بالدين، أو بشعيرة من شعائره، أو الاستهزاء بالثواب والعقاب، أو الاستهزاء بالمؤمنين بسبب إيمانهم. قال الله تعالى عمن استهزأ بأصحاب رسول الله -ﷺ- من القرّاء ﵃:
[ ٢٧٧ ]
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦] .
٩- موالاة المشركين ومناصرتهم ومودتهم ومعاونتهم على المسلمين، قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] .
١٠- الإعراض عن دين الله تعالى، فلا يتعلّمه ولا يعمل به، إذ لا يمكن العمل به إلا بأن يعلمه، ولا معنى للعلم إلا العمل والالتزام، حتى يحقق بذلك مقتضى الإيمان١.
قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢] .
هذا، ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل المازح والجادّ والخائف، إلا المكره الذي رفع عنه الإثم٢، فقد قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] .
ثم إن هذه النواقض التي ذكرناها يمكن أن يرجع بعض منها إلى بعض، فتكون في العدد أقل مما ذكرنا، وقد يفصل فيها أكثر من هذا. وحسبنا في هذا المدخل أن ألممنا بها إلمامة سريعة تومئ إلى ما وراءها، وللتفصيل مجال آخر. ونسأل الله تعالى أن يحفظ علينا ديننا وإيماننا.
_________________
(١) ١ قال الشيخ سليمان بن سحمان ﵀: " وهذا المُعْرِض هو الذي لا إرادة له في تعلم الدين، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه، وهو راضٍ بما عليه من الكفر بالله والإشراك به، لا يؤثر غيره ولا تطلب نفسه سواه". إرشاد الطالب ص١١. ٢ انظر في هذه النواقض: "مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب: ١/ ٣٨٥- ٢٨٧، "مجموع فتاوى ومقالات الشيخ عبد العزيز بن باز": ١/ ١٣٥-١٣٧، "مجموعة التوحيد" ص٢٨٨-٢٩٣. وتفصيل هذه النواقض في كتاب "تيسير العزيز الحميد" و"فتح المجيد" و"شرح الفقه الأكبر" لملا علي القاري، وهي في مواضع متفرقة من "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" و"الإعلام بقواطع الإسلام" لابن حجر الهيثمي، "مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد". وراجع فيما سيأتي ص٣١١ وما بعدها.
[ ٢٧٨ ]
ثانيا: العبادة وانواعها
مفهوم العبادة وأنواعها:
غاية وجود الإنسان:
عندما ينظر المرء حوله يجد كل شيء في هذا الكون قد خلقه الله تعالى لحكمة كبرى وغاية يسعى إليها، وإلا كان وجوده عبثا، وقد تنزه الله ﷾ عن العبث والباطل، فقال في كتابه الكريم: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [سورة ص: ٢٧] . والمؤمن يناجي ربه تعالى قائلا، عندما يتفكر في خلق السموات والأرض: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ . [آل عمران: ١٩١] .
والإنسان ليس بدعا بين هذه المخلوقات، فلا بد أن يحدد الغاية التي أُوجد من أجلها، وهو يسعى لها؛ كي تستقيم حياته من خلالها ويعرف سر وجوده:
﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢] .
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُون﴾ [المؤمنون: ١١٥] .
وقد أخبرنا الله تعالى في كتابه الكريم أنه أخذ العهد على بني آدم أن يعترفوا له بالربوبية؛ ليخضعوا له بالعبادة، فقال ﷾: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] .
[ ٢٨٣ ]
وكانت الكلمة التي تتكرر على لسان كل رسول لقومه عندما يدعوهم، هي الدعوة إلى عبادة الله تعالى وحده: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] .
وغدت العبادة غاية الوجود الإنساني كله، بل إن الجن كذلك غايتهم هي عبادة الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦-٨٥] .
وبهذا النفي في أول الآية الكريمة والاستثناء في آخرها يحصر الله تعالى مهمة الإنس والجن ويقصرها على وظيفة واحدة، ومسئولية واحدة هي عبادة الله تعالى وحده، فليس لهم وراء ذلك وظيفة أو غاية، وما ينبغي أن يكون!
فكيف يستطيع الإنسان أن يكون دائما في عبادة الله تعالى، فلا تنقضي لحظة من لحظات حياته -بعد التكليف- إلا وهو في عبادة؟ وكيف يستطيع أن يقوم بهذا التكليف الرباني؟
مفهوم صحيح شامل للعبادة من خلال النصوص:
هنا نجد أنفسنا أمام فهم صحيح للعبادة كما أرادها الله تعالى، لا تقتصر على ركعات خاشعة يؤديها المسلم خمس مرات في اليوم والليلة، ولا على أيام من العام يصومها المسلم طاعة لله سبحانه، ولا على جزء من المال يدفعه زكاة يطهر بها نفسه وماله، ولا على حج البيت الحرام عند الاستطاعة. فإن هذه العبادات كلها لا تستغرق من حياة الإنسان إلا جزءا يسيرا، فهل يترك سائر أيام حياته وساعاتها دون عبادة، فيخالف -عندئذ- أمر الله تعالى، وهو سبحانه لم يخلقه إلا للعبادة؟
[ ٢٨٤ ]
إن المسلم يستطيع أن يجعل حياته كلها في الساعات الأربع والعشرين في اليوم والليلة عبادة لله تعالى وحده، إذ إن الإسلام قد أسبغ على جميع أعمال الإنسان صفة العبادة إذا قصد بهذه الأعمال وجه الله ومرضاته، وقام بها على الوجه المشروع الموافق للسنة، وكانت في سبيل تحقيق أهدافها المقصودة المشروعة.
فالزارع والصانع والتاجر، والطبيب والمهندس والعامل، والموظف، والمعلم والتلميذ وغيرهم من أصحاب الأعمال تعتبر أعمالهم عبادة إذا قصد بها كل منهم نفع عباد الله، والاستغناء عن الحاجة إلى الناس، وإعالة العيال؛ تحقيقا لأمر الله ﷾ وخضوعا له، والتزاما وتحقيقا لمقاصد الشريعة التي أنزلها الله تعالى لمصالح الناس، وليقوموا جميعا بالحق والقسط.
والقرآن الكريم، كتاب الله الخالد، لم يقصر وصف الصلاح -عندما أمرنا بالعمل الصالح- على العبادات المخصوصة، وهي أركان الإسلام وشعائره ومبانيه الأساسية، بل جعله شاملا لأعمال أخرى، كقوله تعالى:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠، ١٢١] والآيات في ذلك كثيرة تعز على الحصر.
وفي الحديث الشريف يعدِّد النبي أنواعا من الطاعات، ويبين أجرها فيقول: "يصبح على كل سُلَامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى" ١.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم برقم "٧٢٠": ١/ ٤٩٩.
[ ٢٨٥ ]
وقال ﵊: "لا تحقرنّ من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق" ١.
وقال أيضا: "كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس؛ تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته، فتحمله عليها، أو ترفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة" ٢.
وقال: "الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" ٣.
وكل هذه الأعمال أبواب من الخير ينال المؤمن عليها الأجر، فهي صدقات، والصدقة عبادة يتقرب بها المرء إلى الله تعالى. وأكثر من هذا وأدل قوله ﵊: "وفي بُضع أحدكم صدقة" -أي: في جماعه لزوجته- قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟! قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر" ٤.
معنى العبادة:
وبعد، فما أصدق وما أجمل ما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- وهو يتحدث عن العبادة وفروعها، حيث يقول:
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم برقم "٢٦٢٦": "٤/ ٢٠٢٦". ٢ أخرجه البخاري: ٥/ ٢٢٦ طبعة بولاق، ومسلم برقم "١٠٠٩": "٢/ ٦٩٩" واللفظ له. ٣ أخرجه البخاري: "١/ ٤٨، ٤٩"، ومسلم برقم "٣٥": "١/ ٦٣". ٤ قطعة من حديث رواه الإمام مسلم برقم "١٠٠٦": "٢/ ٦٩٧، ٦٩٨".
[ ٢٨٦ ]
"العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. فالصلاة والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك كله من العبادة".
وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه، والرضى بقضائه والتوكل عليه، والرجاء لرحمته والخوف من عذابه هي من العبادة لله.
وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له والمرضية له، التي خلق لها الخلق فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١.
شمول العبادة لكل جوانب الحياة:
وعن هذا المعنى الواسع والمفهوم الشامل للعبادة في الإسلام، بما يشمل الشعائر والمعاملات وغيرها، يتحدث الأستاذ سيد قطب -﵀- فيقول:
إن تقسيم النشاط الإنساني إلى "عبادات" و"معاملات" مسألة جاءت متأخرة عند التأليف في مادة "الفقه". ومع أنه كان المقصود به -في أول الأمر- مجرد التقسيم "الفني"، الذي هو طابع التأليف العلمي، إلا أنه -مع الأسف- أنشأ فيما بعد آثارا سيئة في التصور، تبعته -بعد فترة- آثار سيئة في الحياة الإسلامية كلها. إذ جعل يترسب في تصورات الناس أن صفة "العبادة" إنما هي خاصة بالنوع الأول من النشاط الذي يتناوله "فقه العبادات". بينما أخذت هذه الصفة تبهت بالقياس إلى النوع الثاني من النشاط، الذي يتناوله "فقه المعاملات"! وهو انحراف
_________________
(١) ١ انظر: "العبودية" لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٣٨، ٣٩.
[ ٢٨٧ ]
بالتصور الإسلامي لا شك فيه. فلا جرم يتبعه انحراف في الحياة كلها في المجتمع الإسلامي.
ليس في التصور الإسلامي نشاط إنساني لا ينطبق عليه معنى العبادة، أو لا يطلب فيه تحقيق هذا الوصف. والمنهج الإسلامي كله غايته تحقيق معنى العبادة، أولا وأخيرا.
وليس هناك من هدف في المنهج الإسلامي لنظام الحكم، ونظام الاقتصاد، والتشريعات الجنائية، والتشريعات المدنية، وتشريعات الأسرة وسائر التشريعات التي يتضمنها هذا المنهج
ليس هناك من هدف إلا تحقيق معنى "العبادة" في حياة الإنسان والنشاط الإنساني لا يكون متصفا بهذا الوصف، محققا لهذه الغاية -التي يحدد القرآن أنها هي غاية الوجود الإنساني- إلا حين يتم هذا النشاط وفق المنهج الرباني؛ فيتم بذلك إفراد الله -سبحانه- بالألوهية؛ والاعتراف له وحده بالعبودية.. وإلا فهو خروج عن العبادة؛ لأنه خروج عن العبودية، أي: خروج من غاية الوجود الإنساني كما أرادها الله، أي: خروج عن دين الله!
وأنواع النشاط التي أطلق عليها "الفقهاء" اسم "العبادات"، وخصوصا بهذه الصفة -على غير مفهوم التصور الإسلامي- حين تراجع مواضعها في القرآن تتبين حقيقة بارزة لا يمكن إغفالها، وهي أنها لم تجئ مفردة ولا معزولة عن أنواع النشاط الأخرى التي أطلق عليها الفقهاء اسم "المعاملات" إنما جاءت هذه وتلك مرتبطة في السياق القرآني ومرتبطة في المنهج التوجيهي باعتبار هذه كتلك شطرا من منهج "العبادة" التي هي غاية الوجود الإنساني، وتحقيقا لمعنى
[ ٢٨٨ ]
العبودية، ومعنى إفراد الله -سبحانه- بالألوهية.
إن ذلك التقسيم -مع مرور الزمن- جعل بعض الناس يفهمون أنهم يملكون أن يكونوا "مسلمين" إذا هم أدوا نشاط "العبادات" -وفق أحكام الإسلام- بينما هم يزاولون كل نشاط "المعاملات" وفق منهج آخر، لا يتلقونه من الله، ولكن من إله آخر! هو الذي يشرع لهم في شئون الحياة ما لم يأذن به الله!
وهذا وهم كبير. فالإسلام وحدة لا تنفصم، وكل من يفصمه إلى شطرين -على هذا النحو- فإنما يخرج من هذه الوحدة، أو بتعبير آخر: يخرج من هذا الدين..
وهذه هي الحقيقة الكبيرة، التي يجب أن يلقي باله إليها كل مسلم يريد أن يحقق إسلامه؛ ويريد في الوقت ذاته، أن يحقق غاية وجوده الإنساني.
إن هذه الحقيقة ليست أهميتها فقط في تصحيح التصور الإيماني -وإن كان هذا التصحيح في ذاته غاية ضخمة، يقوم عليها بناء الحياة كله- بل إن أهميتها تتجلى كذلك في حسن تذوق الحياة، وبلوغ هذا التذوق أعلى درجات الكمال والتناسق. فقيمة الحياة الإنسانية ذاتها ترتفع حين تصبح كلها عبادة لله؛ وحين يصبح كل نشاط فيها -صغر أم كبر- جزءا من هذه العبادة، أو كل العبادة، متى نظرنا إلى المعنى الكبير الكامن فيه، وهو إفراد الله -سبحانه- بالألوهية، والإقرار له وحده بالعبودية هذا المقام الذي لا يرتفع الإنسان إلى ما هو أعلى منه؛ ولا يبلغ كماله الإنساني إلا في تحقيقه. وهو المقام الذي بلغه رسول الله -ﷺ- في أعلى حالاته التي ارتقى إليها: حالة تلقي الوحي من الله، وحالة الإسراء والمعراج أيضا:
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] .
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى
[ ٢٨٩ ]
الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ ١ [الإسراء: ١] .
ويتحدث الأستاذ المهتدي محمد أسد "ليوبولدفايس سابقا" في كتابه "الإسلام على مفترق الطرق" حديثا دقيقا عن الفرق بين التصور الإسلامي والتصورات الأخرى في هذا الشأن؛ وعن أثر ذلك التصور في الشعور بجدية الحياة وأهمية كل حركة فيها، باعتباره الوسيلة الوحيدة لبلوغ الإنسان أقصى درجات الكمال الإنساني في هذه الحياة الدنيا. فيقول في فصل بعنوان: "سبيل الإسلام":
"يختلف إدراك العبادة في الإسلام عما هو في كل دين آخر٢.. إن العبادة في الإسلام ليست محصورة في أعمال من الخشوع الخالص، كالصلاة والصيام مثلا، ولكنها تتناول "كل" حياة الإنسان العملية أيضا. وإذا كانت الغاية من حياتنا على العموم "عبادة الله" فيلزمنا حينئذ، ضرورة، أن ننظر إلى هذه الحياة في مجموع مظاهرها كلها على أنها تبعة أدبية، متعددة النواحي، وهكذا يجب أن نأتي أعمالنا كلها -حتى تلك التي تظهر تافهة- على أنها عبادات؛ وأن نأتيها بوعي، وعلى أنها تؤلف جزءا من ذلك المنهاج العالمي الذي أبدعه الله.. تلك حال ينظر إليها الرجل العادي على أنها مَثَل أعلى بعيد. ولكن أليس من مقاصد هذا الدين أن تتحقق المثل العليا في الوجود الواقع؟ ".
"إن موقف الإسلام في هذا الصدد لا يحتمل التأويل. إنه يعلمنا أولا أن عبادة الله الدائمة، والمتمثلة في أعمال الحياة الإنسانية المتعددة جميعها، هي معنى الحياة نفسها. ويعلمنا ثانيا أن بلوغ هذا المقصد يظل مستحيلا ما دمنا نقسم حياتنا
_________________
(١) ١ خصائص التصور الإسلامي، ص١٣١، ١٣٢. ٢ هو يقصد الأديان في صورتها التي صارت إليها، وإلا فإن دين الله كله واحد في أساسه، وفي اعتبار العبادة لله بمعنى العبودية له في كل شيء، وإفراده بالألوهية، والتوجه إليه بكل نشاط.
[ ٢٩٠ ]
قسمين اثنين: حياتنا الروحية، وحياتنا المادية يجب أن تقترن هاتان الحياتان في وعينا وفي أعمالنا، لتكون "كلا" واحدا متسقا.. إن فكرتنا عن وحدانية الله يجب أن تتجلى في سعينا للتوفيق والتوحيد بين المظاهر المختلفة في حياتنا".
"هناك نتيجة منطقية لهذا الاتجاه، هي فرق آخر بين الإسلام وسائر النظم الدينية المعروفة. ذلك أن الإسلام -على أنه تعليم- لا يكتفي بأن يأخذ على عاتقه تحديد الصلات المتعلقة بما وراء الطبيعة فيما بين المرء وخالقه فقط. ولكن يعرض أيضا -بمثل هذا التوكيد على الأقل- للصلات الدنيوية بين الفرد وبيئته الاجتماعية.. إن الحياة الدنيا لا ينظر إليها على أنها صَدَفَة عادية فارغة، ولا على أنها طيف خيال للآخرة، التي هي إيجابية تامة في نفسها. والله تعالى واحد لا في ذاته فحسب، بل في الغاية إليه أيضا من أجل ذلك كان خلقه وحدة، ربما في جوهره، إلا أنه وحدة في الغاية منه بكل تأكيد".
"وعبادة الله في أوسع معانيها -كما شرحنا آنفا- تؤلف في الإسلام معنى الحياة الإنسانية.. هذا الإدراك وحده يرينا إمكان بلوغ الإنسان الكمال، في إطار حياته الدنيوية الفردية، ومن بين سائر النظم الدينية نرى الإسلام -وحده- يعلن أن الكمال الفردي ممكن في الحياة الدنيا إن الإسلام لا يؤجل هذا الكمال إلى ما بعد إماتة الشهوات "الجسدية"، ولا هو يعدنا بسلسلة متلاحقة الحلقات من "تناسخ الأرواح" على مراتب متدرجة -كما هي الحال في الهندوكية- ولا هو يوافق البوذية التي تقول بأن الكمال والنجاة لا يتمان إلا بعد انعدام النفس الجزئية وانفصام علاقاتها الشعورية من العالم.. كلا إن الإسلام يؤكد على إعلانه أن الإنسان يستطيع بلوغ الكمال في حياته الدنيا الفردية، وذلك بأن يستفيد استفادة تامة من وجوه الإمكان الدنيوي في حياته هو"١.
_________________
(١) ١ الإسلام على مفترق الطرق ص٢١، ٢٢ من الترجمة العربية، بتصرف يسير.
[ ٢٩١ ]
أنواع العبادة:
ومن هذا الشمول للعبادة نخلص إلى أن الله تعالى جعل العبادة أنواعا، وذلك بحسب جهتها، إن كانت ترجع للاعتقاد أو النطق أو البدن أو المال، وكلها ينبغي أن تكون خالصة لله تعالى، وهي خمسة أنواع:
١- عبادات اعتقادية:
وهذه أساسها أن تعتقد أن الله هو الرب الواحد الأحد، الذي ينفرد بالخلق والأمر، وبيده الضر والنفع، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا معبود بحق غيره.
والدلائل على ذلك من كتاب الله تعالى كثير تعز على الحصر، وقد سبق بعضها.
ومن ذلك أيضا: الاعتقاد والتصديق بما أخبر الله تعالى عنه من الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، والقضاء والقدر، في آيات كثيرة كقوله تعالى:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ . [البقرة: ١٧٧]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ . [النساء: ١٣٦]
[ ٢٩٢ ]
وذكر الله تعالى الإيمان بالقضاء والقدر في آيات كثيرة كقوله تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] .
٢- عبادات قلبية:
وهي الأعمال القلبية التي لا يجوز أن يقصد بها إلا الله تعالى وحده، فمنها:
المحبة، التي لا تصلح إلا لله تعالى وحده١، فيحب الله تعالى ويحب عباده الذين يحبونه سبحانه، ويحب دينه، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] .
ومنها التوكل: وهو الاعتماد على الله تعالى والاستسلام له وتفويض الأمر إليه، مع الأخذ بالأسباب، قال الله تعالى:
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] .
ومنها: الخشية والخوف من إصابة مكروه أو ضُرّ، فلا يخاف العبد من غير الله تعالى أن يصيبه مكروه بمشيئته وقدرته، وإن لم يباشره، وهو خوف السر٢، قال الله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] .
وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ
_________________
(١) ١ وهي محبة العبودية، المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم وكمال الطاعة وإيثاره سبحانه على غيره. انطر: "مدارج السالكين": ٣/ ٦ وما بعدها، ١/ ٩٩، ١٠٠، "تيسير العزيز الحميد" ص٤٦٨. ٢ لا الخوف الطبيعي الغريزي، وهو لا يدخل في هذا الباب. انظر: "تيسير العزيز الحميد" ص٤٨٤-٤٨٦.
[ ٢٩٣ ]
يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] .
ومنها: الرجاء فيما لا يقدر عليه إلا الله، فمن يدعو الأموات أو غيرهم راجيا حصول مطلوبه من جهتهم، يقع في شرك أكبر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] .
ومنها الإنابة والتوبة، فينبغي على المؤمن أن يقبل على الله وأن يتوب إليه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤] .
وقال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] .
٣- عبادات لفظية:
وهي النطق بكلمة التوحيد، فمن اعتقد ما ذكر ولم ينطق بها، لم يحقن دمه ولا ماله. فقد قال رسول الله ﷺ:
"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وذبحوا ذبيحتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" ١.
ومن نطق بكلمة التوحيد ولم يعتقدها بقلبه حقن ماله ودمه، وحسابه على الله، وحكمه حكم المنافقين.
ومنها: الدعاء فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، سواء كان طلبا للشفاعة أو غيرها من المطالب. قال الله تعالى:
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الصلاة: ١/ ٤٩٧.
[ ٢٩٤ ]
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] .
وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] .
ومنها: الاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، حيث قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] .
إلخ.
٤- عبادات بدنية:
كالصلاة والركوع والسجود؛ قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] .
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ٧٧] .
ومنها: الطواف بالبيت، حيث لا يجوز الطواف إلا به: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] .
وسائر أنواع العبادات البدنية كالصوم والحج، والآيات في هذا كثيرة.
ومنها: الجهاد في سبيل الله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤] .
والآيات والأحاديث في ذلك توحي بأهمية هذه الفريضة ومكانتها١.
_________________
(١) ١ راجع في ذلك: "منهج الإسلام في الحرب والسلام" ص١١٥-١٣٢.
[ ٢٩٥ ]
٥- عبادات مالية:
كإخراج جزء من المال؛ امتثالا لما أمر الله تعالى به، وهي الزكاة.
ومما يدخل في العبادة المالية أيضا: النذر، قال الله تعالى:
﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] .
هذا، ولم نستقص الأمثلة لكل ما يدخل تحت هذه الأنواع الخمسة، فحسبنا هذه الإشارات السريعة، التي تومئ إلى ما وراءها من أمثلة١.
فيا أيها المسلم: هذه هي سبيل النجاة، وطريق الفوز، فتمسك بها واحذر الشيطان ووسوسته، وحذارِ أن تستهين بأمر مما سبق فتحسبه هينا، وهو عند الله عظيم.
_________________
(١) ١ انظر: "فتح الباري" لابن حجر: ١/ ٥٢، ٥٣، "تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد" للصنعاني ص٢٥، ٢٦، "تيسير العزيز الحميد" ص٢٠-٢٤، وراجع تفصيلا شاملا لمراتب العبودية وتوزعها على جوارح الإنسان في "مدارج السالكين" لابن القيم -﵀- ١/ ١٠٠، ١٠١، ١٠٧-١٢٢.
[ ٢٩٦ ]
أركان العبادة وأصولها:
وهذه العبادة التي أمر الله تعالى بها، ووصف بها صفوة خلقه، فأضافهم إلى نفسه تكريما وتشريفا فهم "عباد الرحمن" يخضعون له خضوعا مطلقا، ويتذللون بين يديه؛ حبا له، ورجاء لما عنده من الثواب، وخوفا من العقاب.
هذه العبادة تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له، فمن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدا له، ولو أحب شيئا ولم يخضع له لم يكن عابدا له؛ كما يحب الرجل ولده وصديقه. ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله سبحانه وتعالى١.
ومن هنا كانت العبادة تقوم على أركان ثلاثة؛ هي: المحبة، والرجاء، والخوف.
١- أما المحبة لله تعالى:
فهي أصل دين الإسلام، وهي التي تحدد صلة العبد بربه ﵎، "وهي نعمة لا يدركها إلا من ذاقها. وإذا كان حب الله لعبد من عبيده أمرا هائلا عظيما وفضلا غامرا جزيلا، فإن إنعام الله على العبد بهدايته لحبه وتعريفه هذا المذاق الجميل الفريد الذي لا نظير له في مذاقات الحب كلها ولا شبيه هو إنعام هائل عظيم وفضل غامر جزيل.
_________________
(١) ١ "العبودية" لابن تيمية، ﵀، ص٤٤.
[ ٢٩٧ ]
والتصور الإسلامي يربط بين المؤمن وربه بهذا الرباط العجيب الحبيب. فهو أصل وحقيقة وعنصر في هذا التصور جميل"١.
وقد تواردت الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة بهذه المعاني، فقال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] .
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] .
وعن أنس -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار" ٢.
وحب الله تعالى ليس مجرد دعوى باللسان، ولا هياما بالوجدان، إلا أن يصاحبه الاتباع لرسول الله -ﷺ- والسير على هداه وتحقيق منهجه في الحياة، وإن الإيمان ليس كلمات تقال ولا مشاعر تجيش، ولكنه طاعة الله والرسول، وعمل بمنهج الله الذي يحمله الرسول٣، قال الله تعالى:
_________________
(١) ١ "في ظلال القرآن" لسيد قطب، ﵀: ٢/ ٩١٨. ٢ أخرجه البخاري: ١/ ٧٢، ومسلم: ١/ ٦٦ في كتاب الإيمان. ٣ "في ظلال القرآن": ٢/ ٣٨٧. وانظر "الوسيط في تفسير القرآن" للواحدي: ١/ ١٣٦.
[ ٢٩٨ ]
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] .
يقول الحافظ ابن كثير ﵀: هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، بأنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، كما ثبت في الصحيح أنه قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ١ ولهذا قال: "إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله" أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تُحِب، إنما الشأن أن تُحَب. وقال الحسن البصري: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٢.
هذا، والأحاديث النبوية الكثيرة فيها إشارات لشروط هذه المحبة ومقتضياتها وأثرها ولكن بقي أن نشير هنا -تأكيدا لما سبق- إلى أن هذه المحبة ليست هي المحبة الطبيعية للشيء، ولا محبة الرحمة والإشفاق، كمحبة الوالد لولده الطفل، ولا محبة الإلف والأُنس كمحبة الإخوة لبعضهم أو لمن يجمعهم عمل واحد أو صناعة واحدة وإنما هي المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله تعالى، ومتى أحب العبد بها غيره كانت شركا لا يغفره الله، وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم وكمال الطاعة، وإيثاره -سبحانه- على غيره. فهذه المحبة لا يجوز تعلقها أصلا بغير الله، وهي التي سوّى المشركون بين الله تعالى وبين آلهتهم فيها، حيث قال الله تعالى عنهم:
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم: ٣/ ١٣٤٣. ٢ "تفسير ابن كثير" ٢/ ٢٥، طبعة الشعب.
[ ٢٩٩ ]
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ١ [البقرة: ١٦٥] .
فعندما يتعلق قلب الإنسان بحب غير الله تعالى هذا اللون من الحب، يكون قد وقع في الشرك، كمن يحب الأصنام والطواغيت، والهوى والشهوة والقيم المادية والاجتماعية، فيخضع لها ويتخذها آلهة مع الله أو من دون الله.
٢- الرجاء:
ومحبة العبد لله تعالى تحمله على أن يرجو ما عند الله تعالى في الدار الآخرة من الأجر والثواب والرحمة، والاستبشار بجود الرب ﵎، وفضله، والثقة به، فهو عندئذ يبذل الجهد ويقوم بالطاعة على نور من الله، يرجو ثوابه، أو يتوب إليه من ذنب، فهو يرجو مغفرته وعفوه، ويطمع في مزيد إحسانه، دون أن يوقعه ذلك في شيء من الأمن من مكر الله وعقوبته: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] .
وعلى حسب المحبة وقوتها يكون الرجاء، فكل محب راجٍ خائفٌ بالضرورة؛ فهو أرجى ما يكون لحبيبه أحب ما يكون إليه. ويترقى في هذا الرجاء صُعُدا، فيرتقي من رجاء يبعث على الاجتهاد بالعبادة لما يؤمله من ثواب، إلى رجاء يبلغ فيه موقفا تصفو فيه الهمة بترك ما تستلذّه النفس وتميل إليه، بلزوم الأحكام الدينية، ثم يتطلع إلى رجاء لقاء الخالق سبحانه٢. قال تعالى:
_________________
(١) ١ انظر "العبودية" ص٧١ وما بعدها، "مدارج السالكين": ٣/ ٦-٤٢، "تيسير العزيز الحميد" ص٤٦٦-٤٨٣. وراجع "إحياء علوم الدين": ٤/ ٢٩٣ وما بعدها للغزالي، "روضة المحبين" لابن القيم. ٢ انظر: "مدارج السالكين": ٢/ ٣٥ وما بعدها، "شرح العقيدة الطحاوية" ص٣٢٥، ٣٢٦.
[ ٣٠٠ ]
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] .
﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] .
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] .
وفي صحيح مسلم عن جابر -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- قبل موته بثلاث، يقول: "لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه" ١.
وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي" ٢.
وهذا الرجاء له أثره في نفس المؤمن، حيث يتطلع لما عند الله تعالى من ثواب، وما ادّخره الله لعباده المؤمنين من ألوان النعيم الحسي والمعنوي:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ، وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٣، ٢٤] .
وآيات النعيم في القرآن الكريم كثيرة، تجمع بين لونَي النعيم، وتسمو بروح الإنسان وهمته؛ ليسعى إليها بالطاعة والالتزام.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في كتاب الجنة: ٤/ ٢٢٠٥. ٢ أخرجه البخاري في التوحيد: ١٣/ ٣٨٤، ومسلم في الذكر والدعاء: ٤/ ٢٠٦١.
[ ٣٠١ ]
٣- الخوف:
ويوازن الإسلام بين الخوف والرجاء، فلا يطغى جانب منهما على الآخر١، فكما أن المسلم يعبد ربه ﵎؛ حبا له ورجاء لثوابه وطمعا في جنته، فإنه كذلك يعبده خوفا من عقابه وحذرا من ناره، دون أن يدفعه هذا الخوف إلى شيء من اليأس والقنوط: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] .
والمسلم لا يخاف من غير الله تعالى أن يصيبه بما يشاء من مصيبة أو مرض أو فقر أو قتل أو نحو ذلك، بقدرته ومشيئته، سواء ادعى أن ذلك كرامة لمن يخاف منه بالشفاعة، أو على سبيل الاستقلال، فهذا الخوف لا يجوز تعلقه أصلا بغير الله تعالى؛ لأن هذا من لوازم الإلهية، فمن اتخذ مع الله ندا يخافه فهو مشرك.
قال الله تعالى:
﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ، وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠، ٨١] .
ثم تتوارد الآيات الكريمة تنزع عوامل الخوف من الخَلْق على الرزق، أو الخوف من الأذى أو النتائج المجهولة٢
_________________
(١) ١ انظر: "منهج التربية الإسلامية" للأستاذ محمد قطب: ١/ ١٢٦-١٧٩ وخاصة فقرة "الخوف والرجاء". واقرأ في "خصائص التصور الإسلامي" مبحث "التوازن". ٢ انظر: "منهج التربية الإسلامية": ١/ ١٢٩-١٣٢.
[ ٣٠٢ ]
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١] .
﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١] .
﴿عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] .
وكذلك يخاف المؤمن وعيد الله الذي توعد به العصاة، فيكون ذلك الخوف طريقا إلى الجنة ونعيمها:
﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] .
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] .
وإذا كان النعيم معنويا وماديا، فإن العقاب -كذلك- وما نخاف منه أو ما يخوفنا الله تعالى به من العذاب يشمل النوعين كذلك:
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ، كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ١٩-٢٢] .
بين الخوف والرجاء:
ونختم هذه الفقرة بكلمات للعلَّامة ابن قيم الجوزية -﵀- في أركان العبادة ومكانة الخوف والرجاء والتوازن بينهما بعامة، مع تغليب أحدهما أحيانا حسب حال الإنسان، حيث يقول:
[ ٣٠٣ ]
"القلب في سيره إلى الله -﷿- بمنزلة الطائر؛ فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه. فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فُقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر.
ولكن السلف استحبّوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف
وقال بعض السلف: أكمل الأحوال: اعتدال الرجاء والخوف، وغَلَبَة الحب، فالمحبة هي المركب، والرجاء حادٍ، والخوف سائق، والله الموصل بمنِّه وكرمه"١.
وهذا المعنى هو ما أشار إليه الحديث الشريف: "إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة؛ فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المسلم بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار" ٢.
_________________
(١) ١ "مدارج السالكين": ١/ ٥١٧ بتصرف يسير، واقرأ فيه بالتفصيل من ص٥١١-٥١٧"، "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز الحنفي ص٣٢٥، ٣٢٦، "تيسير العزيز الحميد" ص٤٨٣-٤٩٥، "إيثار الحق على الخلق" لابن الوزير ص٣٥٤-٣٦٥، "الإبانة الكبرى" لابن بطة: ٢/ ٧٥٦-٧٥٩، "فتح الباري" لابن حجر: ١١/ ٣٠٠-٣٠٢. وانظر ما كتبه السبكي في "الفتاوى": ٢/ ٥٥٥-٥٦٠. ٢ أخرجه البخاري في الرقاق، باب الرجاء مع الخوف: ١١/ ٣٠١.
[ ٣٠٤ ]
دعوة الرسل إلى توحيد العبادة
دعوة الرسل -﵈- إلى توحيد العبادة:
بعث الله تعالى جميع الرسل -عليهم الصلاة والسلام- يدعون العباد إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، فلم يبعثهم للدعوة إلى مجرد الإيمان بالله وأنه خالقهم، إذ هم مقرّون بذلك تناسقا مع الفطرة التي فطرهم الله تعالى عليها. ولم تكن قضية وجود الله في يوم من الأيام هي القضية التي يقف الناس عندها، إلا في فترات قليلة ولظروف خاصة عند بعض الأوروبيين الذين عُرف عنهم الإلحاد، وحاولوا أن يجدوا له فلسفة خاصة؛ تبريرا لانحرافهم وفساد فطرتهم.
ولذلك حكى الله تعالى عن الأقوام السابقين تعجّبهم من دعوة الأنبياء إلى التوحيد وعبادة الله تعالى وحده:
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف: ٧٠] .
أي: لنفرده بالعبادة ونخصه بها من دون آلهتنا؟ فلم ينكروا إلا طلب الرسل منهم إفراد العبادة لله، ولم ينكروا الله تعالى، ولا قالوا: إنه لا يُعبد، بل أقروا بأنه يُعبد، وأنكروا كونه يفرد بالعبادة، فعبدوا مع الله غيره وأشركوا معه سواه واتخذوا معه أندادا، كما قال تعالى:
﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] .
وكانوا يقولون في تلبيتهم للحج: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك".
وكان النبي -ﷺ- يسمعهم عند قولهم: "لا شريك لك" ويقول:
[ ٣٠٥ ]
"قد أفردوه ﷻ، لو تركوا قولهم: إلا شريكا هو لك" ١. فنفس شركهم بالله تعالى إقرار به. قال تعالى:
﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] .
﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [القصص: ٦٤] .
﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] .
فنفس اتخاذ الشركاء إقرار بالله تعالى، ولم يعبدوا الأنداد بالخضوع لهم والتقرب بالنذور لهم إلا لاعتقادهم أنها تقربهم إلى الله زلفى، وتشفع لهم.
فأرسل الله الرسل تأمر بترك عبادة كل ما سواه، وتبين أن هذا الاعتقاد الذي يعتقدونه في الأنداد باطل، وأن التقرب إليهم باطل، وأن ذلك لا يكون إلا لله وحده. وهذا هو توحيد العبادة؛ وقد كانوا مقرّين بتوحيد الربوبية، وهو أن الله هو الخالق وحده والرازق وحده.
ومن هنا نعرف أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل -عليهم الصلاة والسلام- هو توحيد العبادة؛ ولذا تقول لهم الرسل: ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾
وأمر الله عباده أن يقولوا: "إياك نعبد"، ولا يصدق قائل هذا إلا إذا أفرد العبادة لله تعالى، وإلا كان كاذبا، منهيا عن أن يقول هذه الكلمة؛ إذ معناها: نخصك بالعبادة ونفردك بها دون كل أحد، وهو معنى قوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾
_________________
(١) ١ انظر: صحيح مسلم: ٢/ ٨٤٣.
[ ٣٠٦ ]
و﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ كما عرف من لغة العرب أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، أي: لا تعبدوا إلا الله، ولا تعبدوا غيره، ولا تتقوا غيره. فإفراد الله تعالى بالعبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله له. والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده، والاستعانة بالله وحده، وجميع أنواع العبادات لا تكون إلا لله تعالى وحده١.
_________________
(١) ١ "تطهير الاعتقاد" للصنعاني ص٢٦-٢٨ بتصرف يسير. وانظر: "العبودية" لابن تيمية ص٣٩، ٤٠، ٨٢-٨٤، "مدارج السالكين" لابن القيم: ١/ ١٠١-١٠٤، "تيسير العزيز الحميد" ص٣٩ وما بعدها، "معارج القبول" للشيخ حافظ حكمي: ٢/ ٣٩٣-٤٠٧، "مقومات التصور الإسلامي"، لسيد قطب ص٨٦-٩٨، "مفاهيم ينبغي أن تصحح" للأستاذ محمد قطب ص٢٣-٣٢.
[ ٣٠٧ ]
الانحراف عن التوحيد:
تمهيد:
ألمحنا في أكثر من موضع: أن الله تعالى قد خلق الإنسان على فطرة التوحيد والإسلام متهيئا لقبول الدين، فلو ترك على فطرته لاستمر على لزومها؛ لأن هذا الدين هو دين الفطرة السليمة، وإنما يعدل عنه من يعدل عنه إلى غيره لآفة النشوء والتقليد، فلو سلم من هذه الآفات لم يعتقد غيره١.
فهذه الفطرة قد تنحرف عن الخط المستقيم، وعن الهدي الرباني، عندما تتضافر جملة من عوامل الانحراف، ويأخذ هذا الانحراف صورا ثلاثا هي: الشرك، والكفر، والنفاق.
وسنقف لكل واحد من هذه الانحرافات فقرة نوضح فيها معناه وأنواعه؛ لنخلص بعد ذلك إلى الفرق بينها ونسبة كل منها إلى الآخر.
أولا: الشرك
تعريفه في اللغة:
"الشين والراء والكاف؛ أصلان، أحدهما يدل على مقارنة وخلاف انفراد وهو أن يكون الشيء بين اثنين، لا ينفرد به أحدهما. يقال: شاركت فلانا في الشيء؛ إذا صرت شريكه. وأشركت فلانا؛ إذا جعلته شريكا لك"٢.
_________________
(١) ١ انظر: "تفسير البغوي": ٦/ ٢٧٠ والمراجع المشار إليها في حاشيته، "معالم السنن" للخطابي: ٧/ ٨٣-٨٨. ٢ "معجم مقاييس اللغة": ٣/ ٣٦٥، والنقاط في النص تشير إلى كلام محذوف عن الأصل الثاني اختصارا.
[ ٣١١ ]
وقال الحرالي: "الشرك: إسناد الأمر المختص بواحد إلى من ليس معه أمره"١.
وقال الجوهري: "الشرك: الكفر. وقد أشرك فلان بالله، فهو مشرك ومشركيّ بمعنى واحد"٢.
وقال ابن منظور: "أشرك بالله: جعل له شريكا في ملكه -تعالى الله عن ذلك- والشرك: أن يجعل لله شريكا في ربوبيته -تعالى الله عن الشركاء والأنداد- والاسم الشرك. وإنما دخلت التاء في قوله: "لا تشرك بالله" لأن معناه: لا تعدل به غيره فتجعله شريكا له ومن عدل به شيئا من خلقه فهو كافر مشرك؛ لأن الله وحده لا شريك له ولا ند له ولا نديد"٣.
وفي الاصطلاح الشرعي: يطلق لفظ الشرك على نوعين؛ أحدهما
إثبات شريك لله تعالى وهو الشرك الأكبر. والثاني: مراعاة غير الله في بعض الأمور، وهو الشرك الأصغر٤.
أ- الشرك الأكبر:
وهو أن يتخذ مع الله تعالى، أو من دونه، إلها آخر، يعبده بنوع من أنواع العبادة، فيسوي بين الله تعالى وبين الأنداد. وهذا أعظم الشرك والظلم، ولا يغفره الله لصاحبه إن مات عليه؛ لأنه يناقض أصل التوحيد، ويخرج صاحبه عن الملة ويحبط عمله ويخلّده في النار٥.
_________________
(١) ١ "التوقيف على مهمات التعاريف" للمناوي، مادة شرك "مخطوط بدار الكتب المصرية". ٢ "الصحاح" للجوهري: ٤/ ١٥٩٣، ١٥٩٤. ٣ "لسان العرب": ١٠/ ٤٤٩، ٤٥٠. ٤ انظر: "مفردات القرآن" ص٢٥٩، ٢٦٠، "بصائر ذوي التمييز": ٣/ ٣١٣-٣١٥. ٥ انظر: "مدارج السالكين: ١/ ٣٣٩-٣٤٤، "شرح القصيدة النونية" للهراس: ١/ ١٣٤ وما بعدها "معارج القبول" للشيخ حافظ حكمي، ٢/ ٤٧٥-٤٨٥.
[ ٣١٢ ]
وأصل هذا الشرك ومنشؤه:
هو تسوية غير الله بالله تعالى، أو هو تشبيه غير الله بالله ﷾ في صفة من الصفات التي يختص بها، من صفات العظمة والكمال، مما لم يعهد في جنس الإنسان. وذلك أن الذي يعبد كائنا ما فيدعوه من دون الله -أو مع الله- لا يفعل ذلك إلا لاعتقاده أن عنده صفة يستحق من أجلها الدعاء، فهو يسمع دعاءه ويستجيب له.
ومن يطلب الشفاعة من غير الله تعالى؛ يعتقد أن الشافع يملك شيئا مع الله؛ فلذلك يطلب منه، وكأنه -كذلك- يشبِّه الله تعالى بالمخلوقات، حيث يرى أن بعض أموره في الدنيا تقضى بوساطة من صاحب مكانة، فيظن أن الله تعالى كذلك يحتاج إلى وساطة، ﷾.
ومن يخاف كائنا من الكائنات، إنما يخاف منه لاعتقاده أنه يقدر على أن يجلب له نفعا أو يدفع عنه ضرا، وهذا مما اختص الله تعالى به.
ومن يتخذ حكم أحد من البشر شرعا وقانونا، ويتلقى أوامره ونواهيه شريعة واجبة الاتباع، إنما يفعل ذلك لاعتقاده أن هذا الحاكم له سلطة الأمر والنهي الواجبة الاتباع، كسلطة الله تعالى على خلقه وهكذا١.
ولئن كان الشرك في القديم -غالبا- يتخذ صورة واحدة، وهي الخضوع للأصنام أو الطواف حولها، والسجود لها، والذبح عندها.. فإن عبادة الأصنام ليست إلا لونا واحدا من ألوان الشرك وأنواعه، فمنهم من كان يحلل ويحرم من تلقاء نفسه، أو يزعم أن له سلطة التحليل والتحريم، فيمنع أنواعا من التصرفات أو
_________________
(١) ١ انظر: حجة الله البالغة للدهلوي: ١/ ١٢٤-١٢٦، "المصطلحات الأربعة في القرآن" للمودودي ص١٤، ١٥.
[ ٣١٣ ]
المآكل أو غيرها، ومنهم من كان يعبد الجن، ومنهم من كان يعبد الملائكة، ومنهم من كان يعبد الكواكب والنجوم، كما حكى الله تعالى عنهم في مواضع من كتابه الكريم١.
ولئن كانت الأصنام -فيما سبق من عصور الجاهلية- تظهر بصورة مادية محسة، يتخذونها من خشب أو ذهب أو فضة على صورة إنسان، وقد تتخذ من حجر فتسمى عندئذ وثنا٢، لئن كان كذلك، فإن الأصنام قد تظهر في عصور أخرى بصور عديدة ومظاهر شتى؛ قد تكون مذهبا من المذاهب الفكرية الجاهلية كالديمقراطية أو الوطنية أو القومية وقد تكون مذهبا اقتصاديا كالرأسمالية والاشتراكية وقد تكون أهواء وشهوات يخضع لها الناس، فلا يهوون شيئا إلا عبدوه٣، وقد حكى الله تعالى ذلك عن أقوام فقال:
﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣] .
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] .
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] .
وقد تكون الأصنام مجموعة من القيم الاجتماعية، أو القيم المادية التي تسيطر على الناس فيخضعون لها، ويتحركون بحركتها، فتكون لهم دينا ومذهبا:
_________________
(١) ١ انظر: "خصائص التصور الإسلامي" ص٣٩-٤١، "ماذا خسر العالم؟ " للندوي ص٦٢-٦٤ وبتوسع: "بلوغ الأرب" للآلوسي. ٢ انظر: "كتاب الأصنام" لابن السائب الكلبي، ص٣٣. ٣ انظر: "تفسير البغوي": ٦/ ٨٥، "تفسير ابن كثير": ٦/ ١٢٢، ٧/ ٢٥٣.
[ ٣١٤ ]
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦] .
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] .
"تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أُعطي رضي وإن لم يُعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش" ١.
ونجد لهذه الأصنام من القيم المادية مُثُلا كثيرة في الحياة الأوروبية المعاصرة -ومن ورائها في حياة من تشبه بهم المسلمين- نشير إليها بمقتطفات عن المستشرق الأوروبي "ليوبولدفايس" من مفكري الحضارة الغربية، وممن عاش في ظلها، ثم أدركته هداية الله فأسلم وتسمى باسم "محمد أسد"، يقول في كتابه "الإسلام على مفترق الطرق":
"إن الاتجاه الديني مبنيّ دائما على الاعتقاد بأن هناك قانونا أدبيا مطلقا شاملا، وأننا نحن البشر مجبرون على أن نخضع أنفسنا لمقتضياته. ولكن المدنية الغربية الحديثة لا تقر الحاجة إلى خضوع ما إلا لمقتضيات اقتصادية أو اجتماعية أو قومية. إن معبودها الحقيقي ليس من نوع روحاني، ولكن الرفاهية، وإن فلسفتها الحقيقية المعاصرة إنما تجد قوة التعبير عن نفسها من طريق الرغبة في القوة، وكلا هذين موروث عن المدنية الرومانية القديمة".
" وهكذا أصبح المال إلها جديدا في الغرب يعبد من دون الله، وقامت في
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الجهاد: ٦/ ٨١، وفي الرقاق: ١١/ ٢٥٣.
[ ٣١٥ ]
عواصم أوروبا أسواق المال والبورصة، مثل ريجنت ستريت في لندن ووول ستريت في نيويورك. ثم جعل كهان هذا الإله الجديد يستغلون الناس بكل سبيل، يجمعون من شعوب الأرض دريهماتهم القليلة ليخزنوها ملايين في صناديقهم الحديدية. ولما زاد شَرَههم إلى المال أخذوا يثيرون الحروب بين الأمم ثم يبيعون المتحاربين كلهم سلاحا، لا يهمهم من مات، ولا يهمهم من قتل، ولا من خربت أرضه ودياره، ولا من جاع أو عطش أو عري أو ظل جاهلا، ما داموا يجمعون المال في صناديقهم ليزيدوا به نفوذهم السياسي والعسكري في العالم، ثم ليستخدموا هذا النفوذ من جديد في سبيل قناطير جديدة من الأموال، وهكذا دواليك".
"إن الأوروبي العادي -سواء كان ديمقراطيا أم فاشيا، رأسماليا أم بلشفيا، صانعا أم مفكرا- يعرف دينا إيجابيا واحدا هو التعبد للرقي المادي، أي: الاعتقاد بأن ليس في الحياة هدف آخر سوى جعل هذه الحياة نفسها أيسر فأيسر".
"إن هياكل هذه الديانة إنما هي المصانع العظيمة ودور السينما والمختبرات الكيماوية وباحات الرقص وأماكن توليد الكهرباء. وأما كهنة هذه الديانة فهم الصيارفة والمهندسون وكواكب السينما وقادة الصناعات وأبطال الطيران "١.
أنواع الشرك الأكبر:
وفيما يلي إيجاز لبعض أنواع الشرك الأكبر:
١- شرك الدعاء:
ومعنى الدعاء: سؤال العبد ربه ﵎ العناية، واستمداده إياه المعونة. وحقيقته: إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة. وهو سمة العبودية
_________________
(١) ١ "الإسلام على مفترق الطرق" مقتطفات من ص٣٥-٤٨، ترجمة الدكتور عمر فروخ، وبعض المقتطفات عن المترجم نفسه.
[ ٣١٦ ]
واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله -﷿- وإضافة الجود والكرم إليه؛ ولذلك قال ﷺ: "الدعاء هو العبادة" ١.
ومعناه: أنه معظم العبادة، أو أفضل العبادة، بل هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة؛ لدلالته على الإقبال على الله -﷿- والإعراض عما سواه٢.
والدعاء يشمل دعاء العبادة والثناء، ودعاء المسألة والطلب؛ ويراد بهما في القرآن الكريم هذا تارة، وهذا تارة، ويراد بهما مجموعهما، وهما متلازمان.
فدعاء المسألة: هو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو دفع ضر، إذ الذي يدعى لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر.
ودعاء العبادة والثناء: هو ما يقصد به العبد ثناء على الله تعالى بما هو أهله، تذللا له، وانكسارا بين يديه، ﷾.
ودعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، ودعاء المسألة متضمّن لدعاء العبادة، وهما متلازمان لا بد من اجتماعهما، ولا يكفي أحدهما عن الآخر٣.
فإذا توجه الإنسان بواحد من هذين النوعين لأحد غير الله تعالى، كأن يدعو
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود: ٢/ ١٤١، والترمذي: ٩/ ٣١١، ٣١٢، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، والنسائي في "كتاب التفسير": ٢/ ٢٥٣، وابن ماجه: ٢/ ١٢٥٨، والطيالسي ص١٠٨، وصححه الحاكم: ١/ ٤٩٠، ووافقه الذهبي، وابن حبان برقم "٢٣٩٦" "من موارد الظمآن"، والإمام أحمد: ٤/ ٢٦٧، وابن أبي شيبة: ١٠/ ٢٠٠، وانظر: "فتح الباري": ١١/ ٩٤، "الفتوحات الربانية" لابن علان: ٧/ ١٩١. ٢ انظر: "شأن الدعاء" للخطابي ص٤، ٥، "الفتوحات الربانية": ٧/ ١٩٢. ٣ "فتاوى شيخ الإسلام": ١/ ٢٤٣، ٢٤٤، ٨/ ١٠٩، "بدائع الفوائد" لابن القيم: ٣/ ٢-٥.
[ ٣١٧ ]
ميتا أو غائبا، أو أن يقول للميت أو الغائب: ادع الله لي فهذا كله لون من ألوان الشرك، حتى ولو كان ينطق بالشهادتين ويصلي ويصوم، إذ شرط الإسلام -مع التلفظ بالشهادتين- أن لا يعبد إلا الله، فمن أتى بالشهادتين وعبد غير الله، فما أتى بهما حقيقة، فمجرد التلفظ لا يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناهما١.
ولهذا تواردت الآيات القرآنية الكريمة في النهي عن دعاء غير الله تعالى، كقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [يونس: ١٠٦، ١٠٧] .
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦] .
أما الله تعالى وحده فهو الذي يستجيب الدعاء؛ ولذا فهو وحده الذي يستحق الدعاء والثناء: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] .
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] .
والإنسان بفطرته، حتى ولو كان من أكثر الناس كفرا وإلحادا، لا يملك في وقت الشدة والاضطرار إلا أن يرفع يديه للسماء ويدعو: يا رب:
_________________
(١) ١ انظر: "مجموع الفتاوى": ١/ ٣١٣، ٣٥٠-٣٥٨، ٢٧/ ٧٢-٨٧، "تيسير العزيز الحميد" ص٢١٩-٢٣٣، وفيه نقول عن علماء المذاهب الأربعة في تحريم الدعاء لغير الله تعالى، "ضوابط التكفير" تأليف عبد الله القرني، ص١١٤-١٢٣.
[ ٣١٨ ]
﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] .
٢- شرك العبادة والتقرب:
والصورة الواضحة الجلية لهذا النوع من الشرك هي ما كان معروفا من عبادة الأصنام والأوثان وإعطائها بعض خصائص الألوهية؛ ولذلك كانوا يطوفون حولها ويتمسَّحون بها، ويذبحون لها وينذرون، كي تقربهم إلى الله تعالى مكانة ومنزلة، وكأنهم يعتقدون أن الله تعالى بحاجة إلى هذه الواسطة، يستمدون بها من الله رزقا أو عطاء أو شفاعة أو قضاء حاجة من الحاجات:
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] .
"فهؤلاء كانوا يعلنون أن الله خالقهم وخالق السموات والأرض، ولكنهم لم يكونوا يسيرون مع منطق الفطرة في إفراد الخالق بالعبادة، وفي إخلاص الدين كله لله بلا شريك، وإنما كانوا يبتدعون أسطورة بنوة الملائكة لله سبحانه، ثم يصوغون للملائكة تماثيل يعبدونها، ثم يزعمون أن عبادتهم لتماثيل الملائكة -وهي التي دعوها آلهة أمثال اللات والعزى ومناة- ليست عبادة لها في ذاتها، وإنما هي زلفى وقربى لله؛ كي تشفع لهم عنده في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا.
وهو انحراف عن الفطرة واستقامتها إلى هذا التعقيد والتخريف، فلا الملائكة بنات الله، ولا الأصنام تماثيل الملائكة، ولا الله -﷾- يرضى بهذا الانحراف، ولا هم يقبل فيهم شفاعة، ولا هو يقربهم إليه عن هذا الطريق.
[ ٣١٩ ]
.. وإنا لنرى اليوم في كل مكان عبادة للقديسين والأولياء والمشايخ حول الأضرحة تشبه عبادة العرب الأولين للملائكة -أو تماثيل الملائكة- تقربا إلى الله بزعمهم، وطلبا للشفاعة عنده وهم يكذبون على الله بأن هذه العبادة تشفع لهم عنده. وهم يكفرون بهذه العبادة، ويخالفون فيها عن أمر الله الواضح الصريح"١.
ونرى صورة أخرى لذلك عند أولئك الذين يخشون -في دخيلة أنفسهم- غضبة الذين يعظمونهم من ولاة وشيوخ وعظماء، ولا يخشون غضبة الله، والذين يعتقدون فيمن يعظمونهم أنهم أقرب ضرا ونفعا من الله، سواء كانوا ملوكا وعلماء ورؤساء٢!
٣- شرك الشفاعة:
وهذا اللون من الشرك نتيجة لازمة لشرك التقرب، فالذي يعبد الأصنام والأولياء إنما يفعل هذا -كذلك- كي تشفع له عند الله تعالى في التجاوز عن الذنوب والجرائم٣، وفي تحقيق الآمال والوصول إلى الرغبات؛ ظنا منه أن الأصنام أو الأولياء أو غيرهم يملك هذه الشفاعة، ويستحق أن تستجاب شفاعته وطلبه من الله تعالى!
ومن يفعل ذلك فما قدر الله حق قدره؛ لأنه -﷾- غنيّ عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه ومحتاج لا يملك نفعا ولا ضرا. ولذلك كان هذا العمل شركا، تعالى الله عنه:
_________________
(١) ١ "في ظلال القرآن" المجلد الخامس ص٣٠٣٧، وانظر: "تفسير ابن كثير": ٧/ ٧٥. ٢ "مقرر التوحيد" ٢/ ٢٨، ٢٩، وزارة المعارف، الرياض. ٣ "النهاية في غريب الحديث والأثر"، لابن الأثير: ٢/ ٤٨٥، وانظر: "مجموع الفتاوى": ١/ ١٢٤.
[ ٣٢٠ ]
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] .
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣] .
ولهذا نفى الله تعالى نفيا قاطعا أن يكون ذلك طريقا صحيحا للتقرب إليه، وبيّن أن هذا اللون من الشفاعة منفيّ غير مقبول عنده سبحانه:
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] .
﴿أَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١] .
﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] .
وإذا كانت تلك شفاعة شركية غير مقبولة، فإن هناك شفاعة شرعية جعلها الله تعالى لمن يشاء ويرضى عنه فيشفع. وإلى هذه الشفاعة أشارت الآيات القرآنية الكريمة، وشرطت لها شروطا ثلاثة١:
١- أن تكون الشفاعة في شيء يقدر عليه الشافع. فالميت والغائب لا يملك أحد منهما شيئا: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] .
_________________
(١) ١ انظر بالتفصيل: "مجموع الفتاوى": ١/ ٨٦، ٨٧، ١١٣-١٢٥، ١٧٩-١٨١، ١٤/ ٢٩٩-٣٤٥، ومواضع أخرى في "تيسير العزيز الحميد" ص٢٧٣ وما بعدها "الشفاعة" تأليف مقبل بن هادي ص١٢، ١٣، "ضوابط التكفير" ص١٠٨-١١٤.
[ ٣٢١ ]
٢- أن يكون المشفوع له مسلما يرضى الله تعالى الشفاعة له، فلا شفاعة للكافرين:
﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] .
﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] .
٣- أن يأذن الله للشافع بأن يشفع، وأن يقول صوابا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] .
﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨] .
وقد ادخر الله تعالى لنبيه محمد -ﷺ- أنواعا من الشفاعة يوم القيامة، تنال -إن شاء الله- من مات من أمته لا يشرك بالله شيئا، حسبنا هنا الإشارة إليها١، ونسأل الله سبحانه أن يشفِّع فينا نبيه محمدا ﷺ.
ولا يغيبنّ عن البال أن الكلام السابق في الشفاعة غير المشروعة لا يدخل فيه الشفاعة في أمور الدنيا المباحة مما يجوز أن يشفع فيه الإنسان، كأن يسعى في أمر فيترتب عليه خير لمن يشفع له. ففي الحديث الصحيح: "اشفعوا تُؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه -ﷺ- ما شاء" ٢.
_________________
(١) ١ انظر التفصيل والأحاديث الواردة في الشفاعة في: "جامع الأصول" لابن الأثير: ١١/ ٤٧٥-٤٩٠، "شرح العقيدة الطحاوية" "٢٢٩-٢٣٩"، "الشفاعة" للوادعي ص١٧ وما بعدها. ٢ أخرجه البخاري في التوحيد: ١٣/ ٤٤٨، ومسلم في البر: ٤/ ٢٠٢٦.
[ ٣٢٢ ]
٤- شرك الطاعة والاتباع:
تقدم فيما سبق أن توحيد الألوهية مترتب على توحيد الربوبية، فإن الله ﷾ هو وحده خالق الكون ومالكه، وهو الذي يسيّره ويصرف شئونه، فينبغي كذلك أن يكون متفردا بالحكم، أمرا ونهيا، تحليلا وتحريما، وينبغي على البشر أن يتحاكموا إلى ما أنزل الله، ويحكموا به، وأن يطيعوه سبحانه في كل ما حكم به، فإن ذلك مقتضى العبادة وأصلها ومعناها وحقيقتها.
ولذلك اتفق العلماء على أن الحاكم هو الله ﷾، وأنه لا أحد يستحق أن ينفذ حكمه على الخلق إلا من كان له الخلق والأمر -﷾- "فإنما النافذ حكم المالك على مملوكه، ولا مالك إلا الله الخالق، فلا حكم ولا أمر إلا له. أما النبي -ﷺ- والسلطان والسيد والأب والزوج، فإذا أمروا وأوجبوا، لم يجب شيء بإيجابهم، بل بإيجاب الله تعالى طاعتهم، ولولا ذلك لكان كل مخلوق أوجب على غيره شيئا كان للموجَب عليه أن يقلب عليه الإيجاب؛ إذ ليس أحدهما أولى من الآخر، فإذن: الواجب طاعة الله تعالى، وطاعة من أوجب الله تعالى طاعته"١.
وقد أوسع هذا المعنى شرحا العز بن عبد السلام -﵀- في "قواعد الأحكام" حيث قال في "قاعدة: فيمن تجب طاعته، ومن تجوز طاعته، ومن لا تجوز طاعته":
_________________
(١) ١ "المستصفى" للغزالي: ١/ ٨٣. وهذا موضع اتفاق كما سبق، ويبحثه علماء الأصول تحت عنوان: الحاكم. انظر: "الإحكام" للآمدي: ١/ ٧٦، "مسلَّم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت": ١/ ٢٥، "شرح الكوكب المنير": ١/ ٤٨٤، "مباحث الحكم عند الأصوليين"، ص١٦٢، ١٦٣، "المشروعية الإسلامية العليا" "٢٨-٣٧".
[ ٣٢٣ ]
"لا طاعة لأحد من المخلوقين إلا لمن أذن الله في طاعته كالرسل والعلماء، والأئمة والقضاة، والولاة، والآباء والأمهات والسادات والأزواج، والمستأجرين في الإجارات على الأعمال والصناعات. ولا طاعة لأحد في معصية الله ﷿؛ لما فيها من المفسدة الموبقة في الدارين أو في إحداهما، فمن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة له، إلا أن يكره إنسانا على أمر يبيحه الإكراه، فلا إثم على مطيعه. وقد تجب طاعته لا لكونه آمرا، بل دفعا لمفسدة ما يهدده به من قتل أو قطع أو جناية على بُضع، ولو أمر الإمام أو الحاكم إنسانا بما يعتقد الآمر حله والمأمور تحريمه، فهل له فعله، نظرا إلى رأي الآمر، أو يمتنع نظرا إلى رأي المأمور؟ فيه خلاف، وهذا مختص فيما لا ينقض حكم الآمر به. فإذا كان مما ينقض حكمه به فلا سمع ولا طاعة. وكذلك لا طاعة لجَهَلَة الملوك والأمراء إلا فيما يعلم المأمور أنه مأذون في الشرع".
"وتفرد الإله بالطاعة لاختصاصه بنعم الإنشاء والإبقاء والتغذية والإصلاح الديني والدنيوي، فما من خير إلا هو جالبه وما من ضير إلا هو سالبه، وليس بعض العباد بأن يكون مطاعا بأولى من البعض؛ إذ ليس لأحد منهم إنعام بشيء مما ذكرته في حق الإله. وكذلك لا حكم إلا له.. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ " ١.
وقد تواردت النصوص القرآنية الكريمة مؤيدة لهذا المنطق السليم، فهي تلزم البشر باتباع ما جاء من عند الله تعالى، وتحرم عليهم تحريما قاطعا اتباع ما يخالفه:
﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] .
_________________
(١) ١ "قواعد الأحكام": ١/ ١٥٧، ١٥٨، وبعض الألفاظ مصححة من النسخة الخطية، وهو تحت الطبع بتحقيقي، إن شاء الله تعالى.
[ ٣٢٤ ]
﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣] .
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] .
وقد أقسم الله تعالى بنفسه على أن أحدا لن يؤمن حتى يحكم بما جاء به الرسول في كل أمر، وأن ينتفي عن صدره الحرج والضيق من قضاء الرسول وحكمه، وأن يسلم وينقاد:
﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] .
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] .
وغير ذلك من الآيات والنصوص القاطعة التي توجب الحكم بما أنزل الله، وتحكم بالكفر والفسق والظلم على كل من يخالف حكم الله تعالى١.
ولذلك كان كل من أطاع مخلوقا في تحريم الحلال أو تحليل الحرام مشركا شرك الطاعة والانقياد أو الاتباع، وقد حكم الله تعالى على اليهود والنصارى بالشرك؛ لاتباعهم الأحبار والرهبان واتخاذهم أربابا من دون الله، فقال:
_________________
(١) ١ انظر بالتفصيل: "الإسلام وأوضاعنا السياسية"، لعبد القادر عودة رحمة الله ص٥١-٥٥، "الحكم بغير ما أنزل الله وصلته بالعقيدة" ص١٥ وما بعدها، وفيه عدد كبير من المراجع والمصادر. ٢ انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام": ١/ ٩٧، ٩٨، ١٤/ ٣٢٨، "تيسير العزيز الحميد" ص٥٤٣.
[ ٣٢٥ ]
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] .
وقد بين النبي -ﷺ- بيانا واضحا ماهية العبادة التي وقع فيها هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وفسّرها بأنهم أطاعوهم في معصية الله، واستحلوا ما أحلوه لهم من الحرام، وحرموا ما حرموه عليهم من الحلال، واستنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم:
عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول الله -ﷺ- وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "يا عدي، اطرح هذا الوثن من عنقك! " قال: فطرحته، وانتهيت إليه وهو يقرأ في "سورة براءة" فقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال: فقلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم! فقال: "أليس يحرِّمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ " قال: قلت: بلى. قال: "فتلك عبادتهم" ١.
فقد كان عدي -﵁- يظن أن العبادة هي التقرب إلى الأحبار والرهبان بالركوع والسجود والذبح والنذر ونحو ذلك، فقال: إنا لسنا نعبدهم. فصحح له النبي -ﷺ- مفهوم العبادة بأنها طاعة الأحبار والرهبان في التحليل والتحريم من تلقاء أنفسهم، وبذلك جعلوا أنفسهم أربابا من دون الله، ومن أطاعهم في ذلك كان عابدا لهم من دون الله٢.
_________________
(١) ١ أخرجه الطبري من طرق: ١٤/ ٢١٠، ٢١١، واختصره الترمذي: ٨/ ٤٩٢-٤٩٤. وقال: هذا حديث غريب، وأخرجه البغوي في "التفسير": ٤/ ٣٩، والبيهقي في "السنن": ١٠/ ١١٦، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" ص٤٣٧، وانظر: "الدر المنثور" للسيوطي: ٤/ ١٧٤، "الكافي الشاف" لابن حجر ص٧٥. ٢ انظر: "تيسير العزيز الحميد" ص٥٥١، "مفاهيم ينبغي أن تصحح"، ص١١٠، ١١١"، واقرأ الفصل بكامله عن مفهوم "لا إله إلا الله".
[ ٣٢٦ ]
وهذا أيضا ما فسر به الآية حذيفة بن اليمان -﵁- عندما سُئل عنها فقال: أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم ولا يصلون لهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا أحله الله حرموه، فتلك كانت ربوبيتهم.
وقال: انطلَقوا إلى حلال الله فجعلوه حراما، وإلى حرام الله فجعلوه حلالا، فأطاعوهم في ذلك. فجعل الله طاعتهم عبادتهم، ولو قالوا لهم: "اعبدونا" لم يفعلوا١.
والصورة الواضحة أو المثال القريب لهذا اللون من الشرك، هو التحاكم إلى القوانين الوضعية التي ارتضاها البشر لأنفسهم بمعزل عن دين الله وشريعته٢.
وهذا اللون من الشرك هو الذي يعم وجه الأرض اليوم؛ فأما الأرض غير الإسلامية فقد حوت كل صنوف الكفر والشرك، ومن أبرزها شرك الطاعة في التحليل والتحريم بغير ما أنزل الله، واتخاذ الأرباب المختلفة من دون الله.
وأما الأرض الإسلامية فقد وقع من أهلها في هذا النوع من الشرك كل من رضي بشريعة غير شريعة الله، مجلوبة من الشرق أو الغرب، وكل من رفع راية للتجمع أو للجهاد غير راية الإسلام، من قومية أو وطنية أو علمانية أو غيرها من الرايات التي لم يأذن بها الله.
وهؤلاء وهؤلاء يقيمون أربابا -وإن كانت غير محسوسة- ويعبدونها من دون الله.
_________________
(١) ١ "تفسير الطبري" ١٤/ ٢١١، ٢١٢. ٢ انظر بالتفصيل: "مجموع الفتاوى": ٣/ ٢٦٧، "تفسير ابن كثير": ٣/ ١٢٢، ١٢٣، "عمدة التفسير": ٤/ ١٤٦ وما بعدها، "تحكيم القوانين" للشيخ محمد بن إبراهيم ﵀، "الحكم بغير ما أنزل الله وصلته بالعقيدة".
[ ٣٢٧ ]
فالذي ينادي بالقومية أو الوطنية ويتخذ ذلك ذريعة لإقامة وطن لا تحكم فيه شريعة الله، هو في الواقع يتخذ القومية أو الوطنية ربا يعبده من دون الله، سواء في ذلك من يقيم هذه الراية ومن يرضى بها؛ لأن الأول يصدر باسمها تشريعات تحل وتحرم بغير ما أنزل الله، والآخر يتلقى منها ويطيعها ولا يتوجه بالتلقي والطاعة إلى الله.
والذي ينادي بوجوب إفطار العمال في رمضان لأن الصيام يضر بالإنتاج المادي، يتخذ الإنتاج المادي في الحقيقة ربا يعبده من دون الله؛ لأنه يطيعه مخالفا أمر الله.
والذي ينادي بخروج المرأة سافرة متبرجة مخالطة للرجال باسم التقدم والرقي وباسم التحرر، يتخذ التقدم والرقي والتحرر في الحقيقة أربابا معبودة من دون الله؛ لأنه يحل باسمها ما حرم الله، ويطيعها من دون الله.
والذي يدعو إلى إبطال شريعة الله أو تبديل الأحكام الإسلامية التي تصون الأخلاق والأعراض لكي نبدو في نظر الغرب متحضرين غير متخلفين، يتخذ الغرب وتقاليده أربابا معبودة من دون الله، ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم؛ لأن الغرب وتقاليده أثقل في حسه من أوامر الله، وأولى بالاتباع والطاعة من أوامر الله!
وهكذا نجد صورا متعددة من شرك الطاعة والاتباع تعمّ حياة الناس اليوم دون أن يتبينوا ما هم واقعون فيه من الشرك، مع أن كتاب الله وأحاديث الرسول -ﷺ- واضحة حاسمة في هذا الأمر: أن العبادة هي التلقي من الله في كل شأن من شئون الحياة. وكما نتلقى من الله شعائر التعبد، فنعبده -﷾- بما تعبَّدنا به من صلاة وصيام وزكاة وحج، كذلك نتلقى منه أمور حلالنا وحرامنا، أي: الشريعة التي تحكم أمور حياتنا في الصغيرة وفي الكبيرة سواء؛ لأن الله تعبدنا بتنفيذ
[ ٣٢٨ ]
شريعته كما تعبدنا بالصلاة والصوم والزكاة والحج، وكلها سواء، واعتبر التوجه في هذه أو تلك لغير الله شركا، وقال عن الذين يفعلون ذلك:
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] .
وقد أمرنا الله بمفاصلة الواقعين في الشرك:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
لذلك ينبغي علينا أن نتبين طريقنا جيدا في وسط هذا الشرك الذي يعم اليوم وجه الأرض، وأن نجتهد ونتحرى ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، وألا نتخذ أربابا -محسوسة أو غير محسوسة- نتوجه لها بالعبادة من دون الله١.
_________________
(١) ١ مقرر "التوحيد" للأستاذ محمد قطب: ٢/ ٣٤-٣٦، طبعة وزارة المعارف، الرياض.
[ ٣٢٩ ]
٥- شرك المحبة والنصرة أو الولاء:
إن من مقتضيات التوحيد وأصول العبادة أن نفرد الله تعالى بالمحبة الخاصة التي لا تصلح إلا له، وهي "حب طاعته، والانقياد لأمره"١، وهي محبة العبودية التي تستلزم الذل والخضوع والتعظيم وكمال الطاعة لله تعالى وإيثاره على غيره.
فإذا توجه الإنسان بهذه المحبة لغير الله تعالى كان مشركا شرك المحبة. ومن هنا جاء التقريع للمشركين الذين جعلوا لله تعالى أندادا ونظراء يحبونهم كحبه، ويعبدونهم معه:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] .
ولأن الإسلام يربط بين المسلمين برباط الأُخوّة الإيمانية حيث يلتقون كلهم على عقيدة التوحيد، فإن المسلم ينبغي أن يحب المسلم لإسلامه وإيمانه، وبذلك يكتمل عنده الإيمان ويجد حلاوته، فقد قال ﷺ: "من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان" ٢.
وقال ابن عباس ﵄: "من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تُنال ولاية الله بذلك. ولن يجد عبد طعم الإيمان -إن كثرت صلاته وصيامه- حتى يكون كذلك"٣.
_________________
(١) ١ "الوسيط في تفسير القرآن"، للواحدي: ١/ ١٣٦. ٢ أخرجه أبو داود: ٧/ ٥١، والإمام أحمد: ٣/ ٣٤٨، والبغوي في "شرح السنة": ١٣/ ٥٤، وصححه الحاكم: ٢/ ١٦٤. وانظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم "٣٨٠"، "مرقاة المفاتيح" للقاري: ١/ ١٠٧، "مجمع الزوائد": ١/ ١٩٠. ٣ "المصنف" لابن أبي شيبة: ١٣/ ٣٦٨، "الزهد" لابن المبارك ص١٢٠.
[ ٣٣٠ ]
فإذا كانت هذه المحبة لأعداء الله، كانت كفرا وشركا وموالاة للكافرين ونصرة لهم، وهذا نقض للميثاق ولكلمة التوحيد وخروج على مقتضيات الإيمان، وسنجتزئ ببعض الآيات القرآنية الكريمة التي تقرر ذلك تقريرا واضحا حاسما:
﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١] .
وسيأتي -إن شاء الله تعالى- مزيد بيان في فقرة خاصة عن "الولاء والبراء".
ب- الشرك الأصغر:
أما الشرك الأصغر، فهو مراعاة غير الله تعالى معه في بعض الأمور١، فهو شرك عملي، وسمي "أصغر" مقارنة بالشرك الأكبر.
وهذا الشرك يتنافى مع كمال التوحيد، فلا يُخرِج صاحبه من الإيمان، ولكنه معصية من أكبر المعاصي؛ لما فيه من تسوية غير الله تعالى بالله في هيئة العمل. ومن الأمثلة عليه:
_________________
(١) ١ "المفردات" للراغب الأصفهاني ص٢٦٠.
[ ٣٣١ ]
الرياء اليسير، وهو أن يفعل الشيء يقصد به رؤية الخلق وملاحظتهم له، فلا يكون عمله خالصا لله تعالى، وهذا يحبط العمل الذي يرافقه، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه وموافقا لشرعه:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] .
وفي الحديث القدسي يقول الله ﵎: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" ١.
والحلف بغير الله؛ لأن في ذلك تعظيما للمحلوف به، وقد قال رسول الله ﷺ: "من حلف بغير الله؛ فقد أشرك" وفي لفظ: "فقد كفر" ٢.
ومنه الشرك في الألفاظ، كقول الرجل: "ما شاء الله وشئت" و"هذا من الله ومنك" و"أنا بالله وبك" و"ما لي إلا الله وأنت" وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب قائله ومقصده٣.
وهذا الشرك قد يكون خفيا دقيقا لا يتبينه كثير من الناس، فينبغي ملاحظته وعدم التساهل فيه، فقد قال رسول الله ﷺ: "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل" ٤.
والشرك الأصغر له أنواع كثيرة ليس هذا مجال بيانها، كما أن الوسائل المنافية للتوحيد أو كماله، كالتوسل، والبناء على القبور، والغلوّ في الأشخاص وتقديسهم، واتخاذ التماثيل، ورفع الصور وتعظيمها، والاحتفالات والأعياد البدعية، كل هذه الوسائل نجدها مفصلة مع أدلتها وأقوال العلماء فيها في مظانها٥.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم: ٤/ ٢٢٨٩. قال النووي ﵀: "ومعناه: أنا أغنى عن المشاركة وغيرها، فمن عمل شيئا ل ي ولغيري لم أقبله، بل أتركه لذلك الغير. والمراد: أن عمل المرائي باطل لا ثواب فيه، ويأثم به" "شرح النووي على مسلم": ١٨/ ١١٦. ٢ أخرجه أبو داود: ٤/ ٣٥٧، والترمذي: ٥/ ١٣٥، ١٣٦، والحاكم: ١/ ١٨، والبيهقي: ١٠/ ٢٩. وانظر: "تلخيص الحبير" لابن حجر: ٤/ ١٦٨. ٣ "مدارج السالكين": ١/ ٣٤٤. ١ أخرجه الإمام أحمد: ٤/ ٤٠٣، وأبو يعلى: ١/ ٦٠، ٦١، والمروزي في "مسند أبي بكر" ص٥٣ وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، وللحديث شواهد يصح بها. انظر تعليق الشيخ الأرناءوط على "مسند المروزي" ص٥٣، ٥٤. ٢ ومن ذلك كتاب "التوحيد" للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وشروحه، ومن أكثرها فائدة وأعظمها: "تيسير العزيز الحميد" و"فتح المجيد"، ففيهما الغَنَاء والكفاية.
[ ٣٣٢ ]
ثانيا: الكفر
تعريفه في اللغة: هو الجحود، وأصله من الكَفْر وهو الستر والتغطية؛ يقال: كفرت الشيء: إذا غطيته. ومنه قيل لليل: كافر؛ لأنه يستر الأشياء بظلمته، وسمي الزارع كافرا لأنه يستر الحب بالتراب.
ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] يريد بالكفار: الزراع. سماهم بذلك؛ لأنهم إذا ألقوا البذر في الأرض كفروه، أي: غطوه وستروه، فكأن الكافر ساتر للحق، أو ساتر لنعم الله ﷿.
وليس الكافر اسما لليل أو الزارع، ولكنه وصف لهما، كما قال الشاعر:
فتذكرا ثَقَلا رَثِيدا، بعدما ألقت ذُكَاء يمينها في كافر١
_________________
(١) ١ البيت لثعلبة بن صعير المازني. والضمير في قوله: "فتذكرا" للنعامة والظليم. والثقل: بيض النعام المصون. ورَثَد المتاع فهو مرثود ورثيد: وضع بعضا فوق بعض ونضده. وعنى بذلك بيض النعام، وهي تنضده وتسويه بعضه إلى بعض. وذكاء: هي الشمس. وألقت يمينها في كافر: بدأت بالمغيب. انظر تعليق الشيخ محمود شاكر على "تفسير الطبري": ١/ ٢٥٥، "لسان العرب": ٥/ ١٤٧.
[ ٣٣٣ ]
والكُفْر: ضد الإيمان، سمي بذلك لأنه تغطية وستر للحق. وكذلك كفران النعمة: جحودها وسترها، وهو ضد الشكر.
ويقال: كفر بالله، يكفر كفرا، وكفورا، وكفرانا. ويقال: أكفر فلانا: دعاه كافرا.
وتستعمل كلمة "الكفر" في الدين أكثر من استعمالها في كفران النعمة، و"الكفران" في جحود النعمة، و"الكفور" فيها جميعا. و"الكافر" -عند الإطلاق- متعارف فيمن يجحد الوحدانية أو النبوة أو الشريعة، أو يجحدها جميعها١.
وفي الاصطلاح الشرعي:
الكفر: خلاف الإيمان وضده٢، أو هو: "رد الحق بعد معرفته. ومعنى هذا: أن الذي يرد الحق جهلا، أو يفعل شيئا من الكفر جاهلا ظانا أنه من الإسلام، وأنه فعل ما لا يضاد الإيمان، فليس بكافر، حتى تقوم الحجة عليه ويعلم الحق فيرده وكذلك لا يكون كافرا من يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا
_________________
(١) ١ انظر هذه المعاني اللغوية في: "الزاهر" للأزهري ص٣٧٩، "معجم مقاييس اللغة": ٥/ ٩، "لسان العرب": ٥/ ١٤٤، "الكليات" للكفوي ٤/ ١١٢، "تفسير الطبري": ١/ ٢٥٥، "تفسير البغوي": ١/ ٦٤، "المصباح المنير" للفيومي: ٢/ ٥٣٥، مفردات غريب القرآن للأصفهاني ص٤٣٤، "غريب القرآن" لابن قتيبة: ١/ ١٣، ١٤ من كتاب "القرطين" لابن مطرف الكناني، "التوقيف على مهمات التعاريف" للمناوي، مادة "كفر" "مخطوط"، "المُغْرِب" للمطرّزي: ٢/ ٢٢٤-٢٢٦. ٢ "كشاف اصطلاحات الفنون": ٥/ ١٢٥١، "طبعة الهند".
[ ٣٣٤ ]
رسول الله، ثم يفعل مناقضا للإيمان، جاهلا به غير عالم أنه مخرج له من الإيمان، فإن علم ورَدّ وكابر وجحد فقد كفر"١.
وأصل الكفر في الدين هو التكذيب المتعمد لشيء من كتب الله تعالى المعلومة، أو لأحد من رسله -عليهم الصلاة والسلام- أو لشيء مما جاءوا به، إذا كان ذلك الأمر المكذب به معلوما من الدين بالضرورة "وهو ما ظهر حكمه بين المسلمين وزالت الشبهة في حكمه بالنصوص الواردة فيه، كوجوب الصلاة وتحريم الخمر والزنا، وسمي ضروريا؛ لأن كل واحد يعلم أن هذا الأمر من الدين".
ولا خلاف في أن هذا القدر كفر، ومن صدر عنه فهو كافر، إذا كان مكلفا مختارا، غير مختل العقل، ولا مكره. وكذلك لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم من الدين بالضرورة للجميع، وتستّر باسم "التأويل" فيما لا يمكن تأويله؛ كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى، بل جميع القرآن والشرائع
وإنما يقع الإشكال في تكفير من قام بأركان الإسلام الخمسة المنصوص على إسلام من قام بها، إذا خالف المعلوم ضرورة للبعض أو الأكثر وعلمنا من قرائن أحواله أنه ما قصد التكذيب، أو التبس علينا ذلك في حقه، وأظهر التدين والتصديق بجميع الأنبياء والكتب الربانية
ولذلك لا يجوز أن يسرع الإنسان إلى التكفير، فقد جاءت النصوص الشرعية الكثيرة في القرآن الكريم والسنة النبوية تحذر من ذلك بوجوه متعددة٢.
_________________
(١) ١ "الحد الفاصل بين الإيمان والكفر" ص٦٤. ٢ "إيثار الحق على الخلق"، لابن الوزير، ص٣٧٦-٤٠٥ بتصرف، وانظر: "جامع الفصولين"، لابن قاضي سماونة: ٢/ ٢٩٧-٣١٥، "مراتب الإجماع" لابن حزم ص١٦٧-١٧٧، "التشريع الجنائي الإسلامي"، لعبد القادر عودة: ٢/ ٧٠٧- ٧١٩، وفيه إشارة إلى مراجع كثيرة في فقه المذاهب، "الغلو في الدين وأثره في حياة المسلمين المعاصرة"، تأليف عبد الرحمن بن معلى المطيري ص٢٦١-٢٦٣.
[ ٣٣٥ ]
والكفر نوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر١.
أ- فالكفر الأكبر:
ما يضادّ الإيمان من كل وجه، ويخرج صاحبه عن الدين والملة، ويوجب له الخلود في النار. قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦] .
ويسمى هذا النوع من الكفر -كذلك- الكفر الاعتقادي، وهو الذي يأتي في النصوص الشرعية مقابلا للإيمان، فيكون ضده. وإذا أطلق لفظ "الكفر" فإنه ينصرف إلى هذا النوع، وهو الكفر الأكبر الذي يحبط العمل، ولا يغفره الله لصاحبه إذا مات عليه.
أنواع الكفر الأكبر:
ويتنوع هذا الكفر إلى ستة أنواع؛ من لقي الله بواحد منها لم يغفر له، وهي٢:
١- كفر الإنكار:
وهو أن ينكر بقلبه ولسانه، بأن لا يعرف الله أصلا ولا يعترف به، ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد. قال الله ﷿:
_________________
(١) ١ انظر: "تعظيم قدر الصلاة": ٢/ ٥٢٧، "شرح العقيدة الطحاوية" ص٣٢٣، "مدارج السالكين": ١/ ٣٣٥. ٢ انظر: "الزاهر"، ص٣٨٠، ٣٨١، "تفسير البغوي": ١/ ٦٤، "الأشباه والنظائر" لمقاتل بن سليمان، ص٩٥-٩٧، "مدارج السالكين": ١/ ٣٣٧-٣٣٩، "الصلاة" لابن القيم ص٥٥-٥٨، "الكليات" للكفوي: ٤/ ١١٤.
[ ٣٣٦ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] .
أي: كفروا بتوحيد الله وأنكروا معرفته، وبإنكار وجود الله يصبح الرجل ملحدا١.
٢- كفر الجحود:
وهو أن يعرف الله بقلبه، ولا يقر ولا يعترف بلسانه، فهو كفر جاحد، مثل كفر اليهود، حيث جحدوا نبوة محمد ﷺ، وكتموا أمره ووجود صفته في كتبهم، فقال الله تعالى عنهم:
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] .
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] .
قال ابن القيم ﵀:
"وكفر الجحود نوعان: كفر مطلق عام، وكفر مقيد خاص.
فالمطلق: أن يجحد جملة ما أنزله الله، وإرساله الرسول.
والخاص المقيد: أن يجحد فرضا من فروض الإسلام، أو تحريم محرَّم من محرماته، أو صفة وصف الله بها نفسه، أو خبرا أخبر الله به عمدا، أو تقديما لقول
_________________
(١) ١ يقول أبو هلال العسكري في "الفروق اللغوية" ص١٨٩: "الفرق بين الكفر والإلحاد: أن الكفر اسم يقع على ضروب من الذنوب، فمنها الشرك بالله، ومنها جحد النبوة والإلحاد: اسم خُصّ به اعتقاد نفي القديم "الله" مع إظهار الإسلام، وليس ذلك كفر الإلحاد، ألا ترى أن اليهودي لا يسمى ملحدا، وإن كان كافرا، وكذلك النصراني ".
[ ٣٣٧ ]
من خالفه عليه لغرض من الأغراض.
وأما جحد ذلك جهلا، أو تأويلا يعذر فيه صاحبه، فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه وأمر أهله أن يحرِّقوه ويَذَروه في الريح، ومع هذا فقد غفر الله له، ورحمه لجهله، إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه، ولم يجحد قدرة الله على إعادته عنادا أو تكذيبا"١.
٣- كفر العناد، وهو أن يعرف الله بقلبه ويعترف ويقر بلسانه، ويأبى أن يقبل الإيمان أو يدين به، فهو كفر إباء واستكبار، مثل كفر إبليس، فإنه لم يجحد أمر الله، ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار.
ومن هذا: كفر من عرف صدق الرسول، وأنه جاء بالحق من عند الله، ولم ينقَدْ إليه، إباء واستكبارا، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل -عليهم الصلاة والسلام- كما حكى الله تعالى عن فرعون وقومه، إذ قالوا:
﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] .
وهو كفر أبي طالب أيضا، فإنه صدّقه ولم يشك في صدقه، ولكن أخذته الحميّة وتعظيم آبائه أن يرغب عن ملتهم ويشهد عليهم بالكفر، وقال:
ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذارُ مسبَّة لوجدتني سَمْحا بذاك مبينا
ومن الأمثلة الظاهرة على الكفر بالامتناع والعناد في عصرنا الحاضر: الامتناع عن الحكم بالشريعة الإسلامية، وتطبيق القوانين الوضعية بدلا منها.
_________________
(١) ١ "مدارج السالكين": ١/ ٣٣٨، ٣٣٩.
[ ٣٣٨ ]
والأصل في الإسلام: أن الحكم بما أنزل الله واجب، وأن الحكم بغير ما أنزل الله محرم، ونصوص القرآن الكريم صريحة قاطعة في هذه المسألة. فالله -جل شأنه- يقول:
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠] .
ويقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] .
ويقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] .
ويقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] .
ويقول: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] .
ويقول: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨]
ولا خلاف بين الفقهاء والعلماء في أن كل تشريع مخالف للشريعة الإسلامية باطل لا تجب له الطاعة، وأن كل ما يخالف الشريعة محرم على المسلمين، ولو أمرت به أو أباحته السلطة الحاكمة أيا كانت.
ومن المتفق عليه: أن من يستحدث من المسلمين أحكاما غير ما أنزل الله من غير تأويل يعتقد صحته، فإنه يصدُق عليهم ما وصفهم به الله تعالى من الكفر
[ ٣٣٩ ]
والظلم والفسق، كلٌّ بحسب حاله؛ فمن أعرض عن الحكم بحد السرقة أو القذف أو الزنا؛ لأنه يفضل غيره من أوضاع البشر عليه، فهو كافر قطعا، ومن لم يحكم به لعلة أخرى غير الجحود والنكران فهو ظالم، إن كان في حكمه مضيعا لحق أو تاركا لعدل أو مساواة، وإلا فهو فاسق.
ومن المتفق عليه: أن من رَدَّ شيئا من أوامر الله أو أوامر رسوله -ﷺ- فهو خارج عن الإسلام، سواء رده من جهة الشك أو من جهة ترك القبول، أو الامتناع عن التسليم. ولقد حكم الصحابة بارتداد مانعي الزكاة، واعتبروهم كفارا خارجين عن الإسلام؛ لأن الله حكم بأن من لم يسلم بما جاء به الرسول -ولم يسلم بقضائه وحكمه- فليس من أهل الإيمان، قال جل شأنه:
﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ١.
٤- وأما كفر الشك؛ فإنه لا يجزم فيه بصدق الرسول ولا يكذبه، بل يشك في أمره. وهذا لا يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول -ﷺ- جملة، فلا يسمعها ولا يلتفت إليها. وأما مع التفاته إليها ونظره
_________________
(١) ١ "التشريع الجنائي الإسلامي"، لعبد القادر عودة ﵀: ٢/ ٧٠٨-٧١٠، وأشار إلى: "أحكام القرآن" للجصاص: ٢/ ٢١٤، "إعلام الموقعين" لابن القيم: ١/ ٥٧، ٥٨، "روح المعاني" للآلوسي: ٦/ ١٤٠، "تفسير الطبري": ٦/ ١١٩، "تفسير القرطبي": ٦/ ١٠٠، "تفسير المنار": ٦/ ٤٠٥، "التشريع الجنائي": ١/ ٢٢٥، ٢٢٧. وانظر: "عمدة التفسير" عن الحافظ ابن كثير، للشيخ أحمد شاكر: ٤/ ١٥٦-١٥٨، تعليق الأستاذ محمود شاكر على "تفسير الطبري": ١٠/ ٣٤٨، ٣٤٩، "تفسير البغوي": ٣/ ٦١-٦٤، "أضواء البيان" للشنقيطي: ٤/ ٩٠-٩٢، "تحكيم القوانين" للشيخ محمد بن إبراهيم، ص٤ وما بعدها.
[ ٣٤٠ ]
فيها، فإنه لا يبقى معه شك؛ لأنها مستلزمة للصدق ولا سيما بمجموعها، فإن دلالتها على الصدق واضحة جلية، كدلالة الشمس على النهار.
٥- وأما كفر الإعراض: فأن يُعرض بسمعه وقلبه عن الرسول -ﷺ- لا يصدقه ولا يكذبه، ولا يواليه ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به، كما قال أحد بني عبد ياليل للنبي ﷺ: "والله أقول لك كلمة، إن كنت صادقا فأنت أجلّ في عيني من أن أرد عليك، وإن كنت كاذبا فأنت أحقر من أن أكلمك".
٦- وأما كفر النفاق، فهو أن يظهر بلسانه الإيمان، وينطوي بقلبه على التكذيب، فهذا هو النفاق الأكبر. وسيأتي في فقرة لاحقة بيان لأقسامه إن شاء الله.
هذا، وتقدم أن مأخذ التكفير تكذيب الشارع، وليس مخالفته مطلقا. ومن ينكر رسالة النبي مثلا كافر لا مشرك، ومن أخلّ بالاعتقاد وحده فهو منافق، وبالإقرار بالحق فهو كافر، وبالعمل بمقتضاه فهو فاسق، ومن عبد مع الله غيره فهو مشرك
١.
الكفر الأصغر:
وإن كان الكفر الأكبر كفرا بأصل الإيمان والتوحيد، فإن الكفر الأصغر هو مخالفة لحكم من أحكام الشريعة، ومعصية عملية لا تُخرج عن أصل الإيمان، وإنما توجب لصاحبها الوعيد بالنار دون الخلود فيها، وسميت كفرا؛ لأنها من خصال الكفر٢.
_________________
(١) ١ "الكليات": ٤/ ١١٤، وانظر فيما سيأتي ص٣٥٨. ٢ انظر: "فتح الباري" لابن حجر: ١/ ٨٣، ٨٤، "شرح النووي على صحيح مسلم": ٢/ ٤٩، ٥٠، "مدارج السالكين": ١/ ٣٣٥، ٣٣٦.
[ ٣٤١ ]
وهذا النوع من الكفر يسميه بعض العلماء: الكفر العملي، الذي يقابل الكفر الاعتقادي، وهو أيضا: كفر النعمة، فهو كفر مقيَّد بأحدهما وليس كفرا مطلقا.
"وقد سمى الله تعالى من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه، مؤمنا بما عمل وكافرا بما ترك العمل به، فقال تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٤، ٨٥] .
فأخبر -سبحانه- أنهم أقرّوا بميثاقه الذي أمرهم به، والتزموه. وهذا يدل على تصديقهم به ثم أخبر أنهم عصوا أمره، وقتل فريق منهم فريقا وأخرجوهم من ديارهم، فهذا كفرهم بما أخذ عليهم في الكتاب.
ثم أخبر أنهم يفدون من أُسر من ذلك الفريق، وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب، فكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما تركوه منه.
فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي.
وأعلن النبي -ﷺ- بهذا في قوله: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" ١.
ففرّق بين قتاله وسبابه، وجعل أحدهما فسوقا لا يكفر به، والآخر كفرا،
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الإيمان: ١/ ١١٠، ومسلم: ١/ ٨١.
[ ٣٤٢ ]
ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي. وهذا الكفر لا يُخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية، كما لم يخرج الزاني والسارق وشارب الخمر من الملة، وإن زال عنه اسم الإيمان"١.
وتواردت أحاديث النبي -ﷺ- في هذا المعنى، تسمي بعض الأعمال أو المعاصي كفرا، وأن صاحبها لا يكفر بارتكابها، بل يكفر بالشرك أو الكفر الأكبر، كقوله٢ ﵊:
"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" ٣.
"لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فقد كفر" ٤.
"اثنتان في الناس هما بهم كفر؛ الطعن في النسب، والنياحة على الميت" ٥.
ثالثا: النفاق
تعريفه في اللغة:
النون والفاء والقاف أصلان صحيحان في لغة العرب، يدل أحدهما على انقطاع شيء وذهابه، ويدل الآخر على إخفاء شيء وإغماضه، ومتى حُصِّل الكلام فيهما تقاربا.
_________________
(١) ١ "كتاب الصلاة" لابن القيم، ص٥٥، ٥٦ بتصرف يسير. وانظر: "مدارج السالكين": ١/ ٣٣٥-٣٣٧. ٢ انظر نماذج أخرى لهذه الأحاديث مع شرحها وتوجيهها في: "فتح الباري": ١/ ٨٣-٨٧، "شرح النووي على مسلم": ٢/ ٤١-٦٣، "الإيمان" لأبي عبيد القاسم بن سلَّام ص٨٤-٩٨، "الإبانة" لابن بطة: ٢/ ٧٢٣-٧٥٥. ٣ أخرجه البخاري: ١/ ١١٠، ومسلم: ١/ ٨١. ٤ أخرجه البخاري: ١٢/ ٥٤، ومسلم: ١/ ٨١. ٥ أخرجه مسلم: ١/ ٨٢.
[ ٣٤٣ ]
ومن الأصل الثاني، يقال: النَّفَق، وهو سَرَب في الأرض له مَخْلَص إلى مكان آخر.
والنافقاء: موضع يرقِّقه اليربوع من جحره، فإذا أُتي من قِبَل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق وخرج. ومنها اشتقاق النفاق؛ لأن صاحبه يكتم خلاف ما يُظهر، فكأن الإيمان يخرج منه، أو يخرج هو من الإيمان في خفاء.
ويمكن: أن الأصل في هذا الباب واحد، وهو الخروج.
ونافَقَ في الدين: ستر كفره وأظهر إيمانه. ونافق اليربوع: أخذ في نافقائه.
وسمي المنافق منافقا؛ لأنه يستر كفره ويغيِّبه، فشبِّه بالذي يدخل النفق، وهو السَّرَب، فيستتر به، أو لأنه نافق كاليربوع، فهو يدخل في النافقاء ويخرج من القاصعاء. وهكذا يفعل المنافق، يدخل في الإسلام ثم يخرج منه على غير الوجه الذي دخل فيه١.
وقد تكرر في القرآن الكريم والحديث الشريف ذكر "النفاق" وما تصرف منه اسما وفعلا، وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، وإن كان أصله معروفا في اللغة العربية.
في الاصطلاح الشرعي:
والنفاق: هو الدخول في الدين والإيمان من باب أو وجه "وهو التلفظ بالشهادتين" والخروج عنه من باب أو وجه آخر. وعلى ذلك نبّه الله تعالى بقوله عن
_________________
(١) ١ انظر: "معجم مقاييس اللغة": ٥/ ٤٥٤، ٤٥٥، "ترتيب القاموس المحيط": ٤/ ٤١٩، "لسان العرب": ١٠/ ٣٥٨، ٣٥٩، "الصحاح" للجوهري: ٤/ ١٥٦٠، "غريب الحديث" لأبي عبيد: ٣/ ١٣، "النهاية" لابن الأثير: ٥/ ٩٨، "شرح السنة" للبغوي: ١/ ٧١، ٧٢.
[ ٣٤٤ ]
المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون من الدين والشرع، ولا يطلق اسم النفاق على من يظهر شيئا، ويخفي غيره إلا الكفر والإيمان.
والمنافق هو الذي يستر كفره ويظهر إيمانه١.
فالمنافق كالضب أَلِف المراوغة والخداع، فالضب يدخل جحره من باب واضح ثم يهرب إذا شعر بالخطر من باب خفي آخر تتعذر رؤيته. وكذلك يفعل المنافق؛ يدخل في الإسلام من باب ظاهر، فينطق بالشهادتين، ويصلي مع الناس ثم يخرج من الإسلام من باب آخر من الصعب مشاهدته، ولو شاهده الناس عند نقضه للإيمان وخروجه عن الإسلام لأُقيم عليه حد الردة٢.
أنواع النفاق:
وهذا النفاق نوعان: نفاق أكبر، وهو نفاق الاعتقاد، ونفاق أصغر، وهو النفاق العملي، وفيما يلي إيجاز لهذين النوعين:
١- النفاق الأكبر، أو نفاق الاعتقاد: وهو -كما سبق- أن يُظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فيعصم بذلك دمه وماله وعِرْضه، فيتخلص من القتل والعذاب العاجل، ويصبح ظاهرا في عِدَاد المسلمين ويُحسَب منهم، وهو في حقيقة أمره باطنا منسلخٌ من الدين كله مكذبٌ به، لا يؤمن بالله ولا بكلامه الذي أنزله على رسوله، فليس معه من الإيمان شيء، كالمنافقين في عهد رسول الله ﷺ. وهذا النفاق يوجب لصاحبه الخلود في النار، بل هو في الدرك
_________________
(١) ١ انظر: "مفردات القرآن" للراغب ص٥٠٢، "لسان العرب"، الموضع السابق، "الفروق اللغوية" "١٨٩". ٢ انظر: "مساجد الضرار بين القديم والحديث" كتبه محمد سرور زين العابدين، ضمن "كتاب النفاق" للشيخ الدوسري ص١٠٧.
[ ٣٤٥ ]
الأسفل منها، وهو أعظم كفرا من صاحب الكفر الواضح المستبين١.
قال الله تعالى مبينًا مصير المنافقين، وعقوبتهم في الآخرة:
﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠] .
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥] .
وليس من غرضنا هنا أن نقف طويلا عند ظهور حركة النفاق في المدينة في عهد النبي -ﷺ- دون مكة المكرمة، والأسباب التي أدت إلى ذلك، ولا بيان المواقف الكيدية والمؤامرات التي قام المنافقون بها، وحسبنا فقط الإشارة إلى أن خطورتهم قد بلغت غايتها، وأنها أشد من خطورة الكافرين الواضحين الذين أفصحوا عن عداوتهم وكفرهم وجاهروا بذلك؛ ولذلك جاءت الآيات القرآنية الكريمة ترسم صورة واضحة لهم من خلال صفاتهم ومواقفهم، وما تكاد سورة مدنية تخلو من الإشارة إليهم والحديث عنهم٢.
وفي زمننا هذا خلق كثير من الناس، يقتفون أثر المنافقين -الذين عرفهم العهد النبوي، وكان على رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول- فهم على نهجهم في
_________________
(١) ١ "مدارج السالكين": ١/ ٣٤٧، "تفسير ابن كثير": ١/ ٧٢، ٧٣، "أعلام الحديث" للخطابي: ١/ ١٦٦، "الإيمان" لابن تيمية: ٥٠، ٥١، "شرح السنة": ١/ ٧٦. ٢ انظر بالتفصيل أبحاثا مهمة في: "مدارج السالكين": ١/ ٣٤٧-٣٥٩، "النفاق: آثاره ومفاهيمه" للشيخ عبد الرحمن الدوسري ص٩ وما بعدها، "سيرة الرسول" لدروزة، ٢/ ٧٣-١٢٠، وفي تفسير ابن كثير -﵀- وقفات رائعة عند الآيات المتعلقة بالنفاق والمنافقين، و"في ظلال القرآن" في مواضع كثيرة يكشف عنها: "مفتاح كنوز في ظلال القرآن" ص٤٢٥-٤٢٧، "أصول الدعوة" لزيدان ص٣٨٢-٣٩٠.
[ ٣٤٦ ]
سلوكهم وأقوالهم وعقائدهم. ومن أبرز هذه النماذج المعاصرة: الباطنيون الذين يبطنون شيئا ويظهرون شيئا آخر وأتباع الأحزاب والمنظمات الجاهلية التي تنادي بتحكيم غير شريعة الله؛ كالشيوعية والرأسمالية، والقومية والعلمانية والملأ من أعوان الطواغيت الذين هم من كبار المسئولين والمستشارين والمساعدين، فلا قيمة للطاغوت لولا الملأ، فبهم يستبدّ ويبطش، وبهم يفرض على المسلمين غير شريعة الله، وبهم يوالي أعداء الله ويبيح المحرمات، وبهم يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف١
وإذا كان الأمر بهذه الخطورة، فهل نستطيع اليوم أن نحكم على إنسان بعينه بهذا النفاق؟
يقول الإمام الخطابي ﵀:
"كان رسول الله لا يواجه المنافقين بصريح القول، ولا يسميهم بأسمائهم، فيقول: فلان منافق، وإنما يشير إليهم بالأمارة المعلومة على سبيل التورية عن التصريح. وكان حذيفة بن اليمان يقول: إن النفاق إنما كان على عهد رسول الله -ﷺ- وما كان بعد زمانه كفر أو يقول: ولكنه الكفر بعد الإيمان٢.
ومعنى هذا القول: أن المنافقين في زمان رسول الله -ﷺ- لم يكونوا قد أسلموا، إنما كانوا يظهرون الإسلام رياء ونفاقا، ويسرون الكفر عقدا وضميرا. فأما اليوم وقد شاع الإسلام واستفاض، وتوالد الناس عليه، فتوارثوه قرنا بعد قرن، فمن نافق منهم بأن يظهر الإسلام ويبطن خلافه فهو مرتدّ؛ لأن نفاقه كفر أحدثه بعد قبول الدين، وإنما كان المنافق في زمان رسول الله -ﷺ- مقيما على كفره
_________________
(١) ١ "مساجد الضرار بين القديم والحديث" ص١١٩-١٢١ باختصار. ٢ أخرجه البخاري: ١٣/ ٦٩.
[ ٣٤٧ ]
الأول، فلم يتشابها"١.
وإنما اختلف الحكم؛ لأن النبي -ﷺ- كان يتألفهم ويقبل ما أظهروه من الإسلام ولو ظهر منهم احتمال خلافه، وأما بعده فمن أظهر شيئا فإنه يؤاخذ به، ولا يترك لمصلحة التألف لعدم الاحتياج إلى ذلك٢.
٢- النفاق الأصغر، أو النفاق العملي: وهو ترك المحافظة على أمور الدين سرا، ومراعاتها علنا، فيشبه في هذا النفاق الأكبر، إذ فيه مخالفة القول للواقع ولكنه ليس في الاعتقاد؛ ولذلك لا يتنافى مع أصل التوحيد والإيمان ولا يخرج صاحبه عن الدين، وإن كان يستحق الوعيد كسائر المعاصي.
وقد نبه النبي -ﷺ- على هذا النوع في أحاديث كثيرة، كقوله ﵊:
"آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" ٣.
"أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعَها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" ٤.
فهذه الخصال خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم، ولكنه ليس على كفرهم أو اعتقادهم، بل على عملهم، فهو
_________________
(١) ١ "أعلام الحديث" للخطابي: ١/ ١٦٦-١٦٨ تحقيق د. محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود. ٢ "فتح الباري" لابن حجر: ١٣/ ٧٤. ٣ أخرجه البخاري في الإيمان: ١/ ٨٩، ومسلم في الإيمان: ١/ ٧٨. ٤ البخاري، ومسلم في الموضع السابق نفسه.
[ ٣٤٨ ]
نفاق عمل؛ لأن نفاق التكذيب إنما كان على عهد رسول الله -ﷺ- وبعد عهده إنما هو كفر أو إيمان١.
وقد يجتمع نفاق العمل مع أصل الإيمان، ولكن إذا استحكم وكمُل، فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم؛ فإن الإيمان ينهى المؤمن عن تلك الصفات التي سبقت، فإذا كملت في العبد، ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها، فهذا لا يكون إلا منافقا خالصا٢.
النسبة بين الشرك والكفر:
وبعد أن بيّنّا معنى الشرك والكفر والنفاق، يمكن أن نحدد العلاقة أو النسبة بين هذه الألفاظ الثلاثة عند استعمالها جميعها في سياق واحد، وعند انفراد كل منها عن الآخر:
يطلق الله تعالى على المشركين اسم الكفر ويصفهم به، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] .
﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨] .
_________________
(١) ١ انظر: "أعلام الحديث" للخطابي: ١/ ١٦٦، "شرح السنة" للبغوي: ١/ ٧٦، ٧٧، "الإبانة الكبرى" لابن بطة: ٢/ ٦٨٥-٧٠٤، "شرح النووي على صحيح مسلم": ٢/ ٤٦-٤٨، "فتح الباري": ١/ ٩٠، ٩١، "مدارج السالكين": ١/ ٣٤٧، "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" للقاري: ١/ ١٢٥-١٢٨، "سنن الترمذي مع تحفة الأحوذي": ٧/ ٣٨٥، ٣٨٦. ٢ "كتاب الصلاة"، لابن القيم ص٥٩.
[ ٣٤٩ ]
﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] .
﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] .
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥١] .
كما يطلق على الكفار من أهل الكتاب وغيرهم اسم الشرك ويصفهم به، كما في قوله تعالى:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] .
﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١، ٣٢] .
فالذين فرقوا دينهم هم اليهود والنصارى الكفار١.
وقد تواتر النقل عن النبي -ﷺ- أنه كان يسمي كل من كان كافرا بـ "المشرك"، وقد كان في الكفار من لا يُثبت إلها أصلا، أو كان شاكا في وجود. وكان فيهم -عند البعثة- من ينكر البعث والقيامة، وكان فيهم عابدو الأوثان. وعابدو الأوثان لم يكونوا يقولون في أوثانهم: إنهم شركاء لله في الخلق والتدبير -كما سبق في أكثر من موضع- وبذلك يثبت وقوع اسم الشرك على الكافر
_________________
(١) ١ انظر: "تفسير الطبري": ٢١/ ٤٢، "تفسير البغوي": ٦/ ٢٧١، "المحرر الوجيز": ١٢/ ٢٥٩، "الدر المنثور": ٦/ ٢٧١.
[ ٣٥٠ ]
من جهة الإطلاق الشرعي، فوجب اندراج كل كافر تحت اسم المشرك١.
وقد تقدم في الاستعمال اللغوي -كذلك- أن كل كافر هو في الحقيقة مشرك، واليهود والنصارى يندرجون تحت اسم "المشركين"؛ لأنهم أشركوا فقالوا: عيسى ابن الله. ولذلك روي عن ابن عمر -﵄- أنه كره نكاح اليهودية والنصرانية، وقال: أي شرك أعظم ممن يقول: عيسى هو الله أو ولد الله؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا٢.
وباستقراء استعمالات الكلمات الثلاث: "الكفر والشرك والنفاق" في القرآن الكريم اسما أو وصفا، نجد أن كل لفظ منها قد يرد مفردا مستقلا في السياق، وقد يرد مقترنا بالآخر. وهنا نجد أن هذه الألفاظ إذا اجتمعت في سياق واحد دل كل منها على معنى غير ما يدل عليه الآخر، وإذا انفردت دخل في كل لفظ معنى اللفظ الآخر.
فلفظ الكفر: إذا ذكر مفردا في وعيد الآخرة دخل فيه المنافقون، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥] .
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨] .
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] .
_________________
(١) ١ انظر: "تفسير الفخر الرازي": ٦/ ٦١-٦٣، "كشاف اصطلاحات الفنون": ٤/ ١٤٧، ١٤٨. ٢ انظر: "أحكام القرآن"، لابن العربي: ١/ ١٥٧، "الكليات" للكفوي: ٣/ ٧٠، ٧١.
[ ٣٥١ ]
فهذه النصوص كلها وأمثالها يدخل فيها المنافقون الذين هم في الباطن كفار، ليس معهم من الإيمان شيء، كما يدخل فيها الكفار المظهرون للكفر، بل المنافقون في الدرك الأسفل من النار، كما أخبر الله تعالى في كتابه الكريم١.
ويدخل فيه أيضا المشركون، الذين عبدوا مع الله آلهة أخرى، كالوثنيين، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] .
فقد نهى عن التمسك بعصمة الكافرة، ولم يكونوا متزوجين حينئذ إلا بمشركة وثنية.
ولفظ المشرك، يذكر مفردا كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] .
والأكثر من العلماء يذهبون إلى أن الشرك يتناول الكفار من أهل الكتاب أيضا، فكل من جحد رسالته -ﷺ- فهو مشرك.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] .
فقد دلت الآية على أن ما سوى الشرك قد يغفره الله تعالى -في الجملة- فلو كان كفر اليهود والنصارى ليس بشرك، لوجب أن يغفر الله تعالى لهم -في الجملة- وذلك باطل٢.
وقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
_________________
(١) ١ "الإيمان" لابن تيمية ص٤٩، ٥٠. ٢ "تفسير الفخر الرازي": ٦/ ٦١.
[ ٣٥٢ ]
وأكثر الفقهاء يحملونه على الكفار جميعا١.
ثم قد يقرن لفظ الكفر بالنفاق في مواضع كثيرة في القرآن الكريم، كما في أول سورة البقرة، حيث ذكر الله تعالى آيتين في صفات الكافرين وبضع عشرة آية في صفات المنافقين "الآيات: ٦-٢٠".
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠] .
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٨] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]، [التحريم: ٩] .
ويقرن الكفر والشرك في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] .
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] .
ويقرن لفظ المشركين أيضا بأهل الكتاب فقط، كما في الآيتين السابقتين ونحوهما من الآيات الكريمة.
وقد يقرن بالملل الخمس٢، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ
_________________
(١) ١ "مفردات القرآن" للراغب ص٢٦٠. ٢ "الإيمان" لابن تيمية ص٥٢، ٥٣.
[ ٣٥٣ ]
هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] .
وعندئذ ينصرف لفظ المشرك إلى من ليس له كتاب من المجوس والوثنيين من العرب، ولفظ أهل الكتاب إلى اليهود والنصارى، وهكذا يجتمع الكل في وصف الكفر ثم يخصّهم التقسيم بأسماء معينة لكل منهم١.
والخلاصة فيما سبق: أن هذه الألفاظ إذا جاءت مفردة، يدخل في كل لفظ منها معنى اللفظ الآخر، وإذا جاءت في سياق واحد يختص كلٌّ منها بمعناه.
ولذلك وضع بعض العلماء تقسيما للكفر، يشمل الأصناف التالية:
إن الكافر إن أظهر الإيمان فهو المنافق.
وإن أظهر كفره بعد الإيمان فهو المرتد.
وإن قال بالشريك في الألوهية فهو المشرك.
وإن تدين ببعض الأديان والكتب المنسوخة فهو الكتابي.
وإن ذهب إلى قِدَم الدهر وإسناد الحوادث إليه فهو الدهري.
وإن كان لا يثبت وجود الباري سبحانه فهو المعطِّل أو الملحد.
وإن كان مع اعترافه بنبوة النبي -ﷺ- ينطق بعقائد هي كفر بالاتفاق فهو زنديق٢.
_________________
(١) ١ انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي: ١/ ١٥٧. ٢ انظر: "كشاف اصطلاحات الفنون"، للتهانوي: ٥/ ١٢٥١، ١٢٥٢، وراجع: "الفروق اللغوية"، للعسكري ص١٩٠، ١٩١، ففيه تفصيل للفرق بين الكفر والشرك والإلحاد في الاستعمال اللغوي والشرعي.
[ ٣٥٤ ]