التوفيقية
خصائص العقيدة الإسلامية:
وبعد أن ألمعنا إلى بعض الجوانب من هذه العقيدة، التي هدانا الله تعالى إليها وأكرمنا بها -بما نظنه متناسبا مع هذا المدخل- أصبح بإمكاننا أن نستخلص منها أهم ما تختص به من الصفات أو القابليات التي تميزها عن غيرها من العقائد والمذاهب، وترسم معالمها وتحدّد كيانها المستقل، مع الإشارة السريعة إلى شيء من الآثار التي تترتب على هذه الخصائص١.
ونجتزئ هنا بأهم هذه الخصائص، إذ يمكن أن نرد إليها سائر الخصائص الأخرى:
١- التوقيفية:
فهي عقيدة يوقف بها عند الحدود التي حددها وبينها وبلغها النبي -ﷺ- فلا مجال فيها لزيادة أو نقصان أو تعديل أو تبديل؛ ذلك أن العقيدة الإسلامية ربانية المصدر، موحًى بها من عند الله تعالى، فلا تستمد أصولها من غير الوحي "الكتاب والسنة" على ما أشرنا إليه في فقرة سابقة عن "مصادر العقيدة".
وهذه الخاصية للعقيدة الإسلامية تميزها عن غيرها من المعتقدات الوثنية التي تُنشئها المشاعر والأخيلة والأوهام والتصورات البشرية من تلقاء نفسها. كما أنها تميزها عن العقائد السماوية في صورتها الأخيرة التي آلت إليها على يد الأتباع بما أضافوه إليها، وبما حذفوه منها، وبما غيروا فيها وبدلوا، حسب ما أملته عليهم
_________________
(١) ١ ومعرفة هذه الخصائص وتحديدها أمر ضروري لأمور كثيرة، وقد كتب الأستاذ سيد قطب -رحمه الله تعالى رحمة واسعة- كتابا كاملا في هذه الخصائص، هو القسم الأول من كتابه الممتع الفريد "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته" انظر مقدمته ص٥، ٦.
[ ٣٨٣ ]
أهواؤهم وشهواتهم ورغباتهم الذاتية ومصالحهم البشرية، فتحولت تلك الديانات والعقائد إلى ديانات وثنية١.
وينص المصدر الإلهي الذي جاءنا بهذا التصور "العقيدة" -وهو القرآن الكريم- على أنه كله من عند الله، هبة للإنسان من لدنه، ورحمة له من عنده، وأن الفكر البشري -ممثلا ابتداء في فكر الرسول -ﷺ- أو فكر الرسل كلهم، باعتبار أنهم جميعا أُرسلوا بهذا التصور في أصله- لم يشارك في إنشائه، وإنما تلقاه تلقيا؛ ليهتدي به ويهدي، وأن الهداية عطية من الله كذلك، يشرح لها الصدور، وأن وظيفة الرسول -أي رسول- في شأن هذا التصور، هي مجرد النقل الدقيق، والتبليغ الأمين؛ وعدم خلط الوحي الذي يوحى إليه من عند الله بأي تفكير بشري، أو كما يسميه الله بالهوى! أما هداية القلوب به، وشرح الصدور له، فأمر خارج عن اختصاص الرسول؛ ومرده إلى الله وحده في النهاية٢:
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣] .
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ١-٤] .
﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] .
وهذه الخاصية لها أثرها الفريد في عصمة الأمة عن الخطأ والزلل والانحراف، وعن الاضطراب في فهم العقيدة؛ وذلك لأنها ترجع إلى مصدر موثوق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الوحي الذي تكفل الله تعالى بحفظه٣.
كما أنها ضمانة لتوحيد كلمة الأمة على منهج واحد وتصور واحد، عندما تلتقي على هذا الوحي الإلهي بما فيه من موازين لا تضطرب، ولا تتأرجح، ولا تتأثر بالهوى والدوافع الذاتية.
_________________
(١) ١ اقرأ تفصيلا لذلك في "العقائد الوثنية في الديانة النصرانية"، للشيخ محمد طاهر التنير، "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" لابن تيمية، "إظهار الحق" لرحمة الله العثماني، "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ " للندوي، "مذاهب فكرية معاصرة" للأستاذ محمد قطب، "العلمانية" د. سفر الحوالي. ٢ "خصائص التصور الإسلامي" ص٥٢. ٣ ومن نعمة الله تعالى على البشرية أن تكفل بحفظ القرآن الكريم؛ لأنه آخر كتاب سماوي، فليس بعده تاب ولا بعد محمد -ﷺ- نبي أو رسول، فاقتضى ذلك حفظ الكتاب، وقد تكفل الله تعالى بذلك وهيأ الأسباب؛ فكان الوحي ينزل مفرّقا، ويأمر النبي -ﷺ- بكتابته، وكان الصحابة يستظهرونه، وقد مكّن الله تعالى لهذه الأمة التي حملته ونشرته في ربوع العالمين، فبقي ظاهرا محفوظا بالسند المتواتر. انظر: "الموافقات": ٢/ ٥٨-٦١، "الإحكام" لابن حزم: ٤/ ٤٥٣، "الثبات والشمول" د. عابد السفياني ص"١١٦-١٢١".
[ ٣٨٤ ]
٢ - الغيبية:
تقوم العقيدة الإسلامية على الإيمان بأصول لا تخضع للحس المباشر أو غير المباشر، وإنما تقع في مجال عالم الغيب، وهو العالم الذي غاب عن حواسنا ولا تقتضيه بداهة العقول.
فالإيمان بالله -﷾- هو إيمان بالغيب؛ لأن ذات الله تعالى غيب
بالقياس إلى البشر، والإيمان بالآخرة وما يتصل به، هو كذلك إيمان بالغيب، والإيمان بالملائكة إيمان بالغيب والإيمان بالقدر كل هذا غيب يؤمن به المؤمن الذي يريد الهداية:
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب﴾ [البقرة: ٢، ٣] .
والإيمان بالغيب نزعة فطرية فطر الله تعالى الإنسان عليها، لا ينكرها إلا جاحد قاصر العقل والعلم. ولذلك فإن التنكر لعلم الغيب من قِبَل الماديين، يبدو في مفهوم العلم الحديث نفسه جهلا وضلالا وبعدا عن العلم والحق؛ لأن العلم المادي لا يستطيع أن يحكم على عالم الغيب؛ لأنه خارج عن مجاله، فلا يجوز علميا إنكار شيء لأجل أنه مغيَّب عنا أو غير مُحَس، أو لأنه غير قابل للتفسير، وكم من الأمور التي يتلقاها الناس بعامة والعلماء بخاصة، يتلقونها بالتسليم وهم لم يروها ولم يحسوها١.
ولذلك فإن كل ما تدعو إليه العقيدة الإسلامية وتقوم عليه من هذه الأمور الغيبية غير متناقضة مع العقل، وليس عنده وسيلة لإنكارها والتكذيب بوجودها، وليس فيها شيء يضطر الإنسان إلى رفضه والتخلي عنه بعد بلوغه أي مرحلة من مراحل الارتقاء العقلي والعلمي. بل الذي يقتضيه العقل على خلاف ذلك: أنها هي الصواب الذي لا يشوبه الخطأ أما الإيمان والتصديق بهذه الأمور الغيبية "المغيبات" فهما مرتهنان بطمأنينة الضمير وشهادة الوجدان. وكل ما للعقل من الدخل في شأنهما هو أن الأمور التي يكون التصديق بها مخالفا للعقل، فإن صراعا يقوم في شأنها بين العقل والوجدان، ولا يكون إيمان الإنسان بها إلا ضعيفا. وأما
_________________
(١) ١ انظر: "عالم الغيب والشهادة في التصور الإسلامي" ص٥٧-٦٤.
[ ٣٨٦ ]
الأمور التي لا يكون التصديق بها مخالفا للقياس العقلي، أو التي يساعد العقل على التصديق بها، فإن الضمير يزداد طمأنينة في شأنها، وذلك مما يقوي الإيمان ويزيده أصالة ورسوخا١.
ولذلك فإن الطريق لمعرفة عالم الغيب والتصديق به إنما يكون عن طريق الخبر الصادق الذي يأتينا عن طريق الوحي، كما يكون عن طريق الآثار التي تدل عليه، والفطرة السليمة تتلقى معرفة ذلك بالتسليم والتصديق٢.
وهذه الخاصية للعقيدة الإسلامية تميزها عن المذاهب الفكرية المادية التي تتنكر للغيب ولا تؤمن إلا بما تقع عليه الحواس، ويخضع للتجربة الحسية، على ما ذهب إليه المذهب الوضعي التجريبي الذي عُرف به الفيلسوف الأسكتلندي "هيوم" والذي نشأت عنه الفلسفة الوضعية٣. كما أن "ماكس مولر" أيضا يذهب إلى أنه لا شيء يتحقق في عقيدة الإنسان ما لم يكن قد أتى من قبل عن طريق حواسه٤.
وبذلك يكون الإنسان الأوروبي، "وكل مذهب مادي كذلك" قد سجن نفسه بطريقة تحكمية في حدود حواسه اءلخمس، منذ عهد النهضة الأوروبية٥.
كما أن هذه الخاصية للعقيدة الإسلامية لها آثارها الضخمة في حياة الإنسان، فالإيمان بالغيب ارتقاء بالإنسان إلى المستوى الذي يليق بإنسانيته ويميزه عن المخلوقات التي لا تدرك إلا ما تدركه بحواسها. وهو -كذلك- سبيل للتقدم العلمي وسعة الأفق في النظر والفكر، وفيه ضمانة أكيدة لاستقامة نفس المؤمن ونظافة سلوكه، عندما يشعر برقابة الله تعالى عليه، وأنه -سبحانه- يعلم السر وأخفى، فهو يعبد الله كأنه يراه، فيرتقي إلى مرتبة "الإحسان".
ومن هنا كانت الأحكام الدينية ضابطا لسلوك الإنسان المؤمن، وطريقا لتنمية الوازع الداخلي "الوجدان" وهذا ما تفتقده المذاهب والقوانين البشرية التي لا تستطيع أن تضبط سوى الأمور الظاهرية. ولعل في هذا إشارة إلى الحكمة من ربط الأحكام التشريعية بتقوى الله تعالى، وبالخوف من عقابه.
_________________
(١) ١ "الحضارة الإسلامية: أسسها ومبادئها" للمودودي ص١١٦، ١١٧. ٢ "عالم الغيب والشهادة" ص٣٧. ٣ انظر عن هذا المذهب ومناقشته: "الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي" للدكتور محمد البهي ص٢٣٣-٢٣٧، "الدين، بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان" د. محمد عبد الله دراز ص٨٤-٨٦، "العلمانية: نشأتها وتطورها" د. سفر الحوالي ص٣٧٧-٣٨٠. ٤ "نشأة الدين" ص٧٠، ٧١. ٥ "تأملات في سلوك الإنسان" تأليف ألكسيس كاريل، ترجمة د. محمد القصاص ص١٦٢.
[ ٣٨٧ ]
٣- الشمول:
وهذه الخاصية نجدها بارزة واضحة في الإسلام الذي رضيه الله تعالى لنا دينا، فهو دين شامل كامل، لم يترك جانبا من جوانب الحياة الفردية والاجتماعية إلا وقد نظّمه تنظيما دقيقا شاملا لجميع النواحي، يبتعد به عن النظرة التجزيئية القاصرة التي ترى فيها الأشياء أجزاء وتفاريق لجوانب موزعة من شيء أصله متكامل مترابط.
ولذلك فإن العقيدة الإسلامية -كأثر لهذا الشمول العام في الإسلام- عقيدة شاملة فيما تقوم عليه من أركان الإيمان وقواعده وما يتفرع عن ذلك، وشاملة في نظرتها للوجود كله، تعرفنا على الله والكون والحياة والإنسان معرفة صحيحة شاملة.
وتتمثل خاصية الشمول هذه في صور شتى١:
إحدى هذه الصور وأكبرها: رد هذا الوجود كله بنشأته ابتداء، وحركته بعد نشأته، وكل انبثاقة فيه، وكل تحور وكل تغير وكل تطور، والهيمنة عليه وتدبيره وتصريفه وتنسيقه إلى إرادة الذات الإلهية المطلقة المشيئة، المبدعة لهذا الكون ولكل شيء فيه بقدر خاص وبمجرد توجه الإرادة وآيات القرآن الكريم كلها شاهد ناطق بذلك.
وصورة أخرى من صور خاصية الشمول تبدو في الحديث عن حقيقة العبودية وخصائصها وصفاتها، ممثلة في عبودية الكون والحياة والإنسان، فيبين طبيعتها ونشأتها وأحوالها وعلاقتها فيما بينها، ثم علاقتها بالحقيقة الإلهية الكبرى. ويربط بين مجموع تلك الحقائق من جميع جوانبها، في تصور واحد منطقي فطري، يتعامل مع بديهة الإنسان وفكره ووجدانه، ومع مجموع الكينونة البشرية في يسر وسهولة. وهذا أمر بيّن في كتاب الله تعالى والآيات فيه كثيرة.
وصورة ثالثة من صور الشمول في العقيدة الإسلامية: أن الحديث عن تلك الحقائق الكلية السابقة، إنما يأتي في القرآن الكريم بأسلوب يخاطب فيه الكينونة الإنسانية بكل جوانبها وبكل أشواقها، وبكل حاجاتها، وبكل اتجاهاتها. ويردها إلى جهة واحدة تتعامل معها، وتتوجه إليها بكل شيء لأنها خالقة كل شيء ومالكة كل شيء ومدبرة كل شيء. وعندئذ تتجمع هذه الكينونة شعورا وسلوكا وتصورا واستجابة في شأن العقيدة والمنهج وفي شأن الاستمداد والتلقي، وشأن الموت والحياة، وشأن السعي والحركة، وشأن الدنيا والآخرة.
_________________
(١) ١ عن: "خصائص التصور الإسلامي" للأستاذ سيد قطب -﵀- ص١١٠ وما بعدها، باختصار.
[ ٣٨٩ ]
وأثر هذه الخاصية البارزة في العقيدة: أن هذا الشمول فوق أنه مريح للفطرة البشرية؛ لأنه يواجهها بمثل طبيعتها الموحدة؛ ولا يكلفها عنتا، ولا يفرقها مِزَقا.. هو في الوقت ذاته يعصمها من الاتجاه لغير الله في أي شأن وأي لحظة؛ أو قبول أية سيطرة تستعلي عليها بغير سلطان الله، وفي حدود منهج الله وشريعته في أي جانب من جوانب الحياة، فليس الأمر والهيمنة والسلطان لله وحده في أمر "العبادات" الفردية؛ ولا في أمر الآخرة -وحدهما- بل الأمر والهيمنة والسلطان لله وحده، في الدنيا والآخرة، في السموات والأرض، في عالم الغيب والشهادة، في العمل والصلاة.. وفي كل نَفَس، وكل حركة، وكل خالجة، وكل خطوة، وكل اتجاه:
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] .
[ ٣٩٠ ]
٤- التكامل:
وإذا كان هذا الدين قد بلغ ذروة الكمال والتمام والشمول، فإن العقيدة كذلك عقيدة تتميز بالتكامل، فهو كمال متكامل، تتجمع فيها كل الأجزاء وتترابط ترابطا دقيقا يأخذ بعضها بحُجَز بعض لتشكل كلا موحدا متناسقا، لا يقبل التجزئة والانفصام. ولذلك فإن الأحكام فيها تؤخذ "كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها، وعامها المرتب على خاصها، ومطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر ببيِّنها إلى ما سوى ذلك من مناحيها"١.
ونجد للتكامل في العقيدة صورا شتى:
فأركان الإيمان كلها مترابطة ارتباطا وثيقا، يكمل كل منها الآخر ويرتبط به، بحيث لو حصل إخلال بواحد منها أو إنكار له، كان تأثيره على سائرها واضحا، بل إن هذه الأركان تتجمع وتتضامّ حول الركن الرئيسي وهو الإيمان بالله تعالى. ومن هنا تأتي أركان الإيمان كلها في سياق واحد يحقق صفة الإيمان لصاحبها، وتأتي النصوص القرآنية كذلك لتؤكد على الارتباط بين الإيمان بالله والإيمان بالملائكة، وتقرن الإيمان بالله مع الإيمان باليوم الآخر، وتجعل الإيمان بالرسل أمرا لا يتجزأ، فمن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم جميعا، بل قد كفر بالله تعالى؛ لأنهم جميعا جاءوا من عند الله -﷾- برسالة واحدة، وقد قرر الله تعالى ذلك في آيات كثيرة من القرآن الكريم.
وصورة أخرى لهذا الترابط نجدها في الصلة بين العقيدة أو الإيمان من جانب والعبادات والمعاملات وسائر الأحكام الشرعية العملية والخلقية. وتمتزج فيها الأحكام التشريعية بالأحكام الأخلاقية النابعة من الإيمان بالله تعالى وخشيته وتقواه.
وصورة ثالثة لهذا الترابط والتكامل في العقيدة نراها في تكامل الفكر والعمل أو الإيمان والعمل حيث أصبحا "شيئين يكمل بعضهما بعضا، ويقوي بعضهما بعضا، أو هما جانبان لشيء واحد، إذ رسوخ الفكرة الإسلامية يدفع للعمل بمقتضاها، والمواظبة على العمل بمقتضى الفكرة الإسلامية، يدعمها ويزيدها رسوخا.
"ثم إن الاتصال بوحي السماء يجعل للفكرة الدينية في جملتها مصدرين يمدّانِها بالغذاء والنماء، وهما العقل والقلب. ومن أجل ذلك سميت الفكرة الإسلامية إيمانا وعقيدة، واعتبر العمل خاصتها اللازمة لها"٢.
ولهذه الخاصية آثار تظهر في التناسق مع الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها، فالإنسان بما فيه من تكامل في أصل الخلقة يجد الطمأنينة والراحة النفسية في هذا التوافق والتكامل في العقيدة وآثارها، وبذلك ينزع الإسلام من نفس الإنسان عوامل القلق والاضطراب.
كما أن هذه الخاصية توحِّد اتجاه الإنسان وحركته بما تقوم به من "التوفيق التام بين الوجهتين: الروحية والمادية في الحياة الإنسانية. وإنك لترى هاتين الوجهتين في تعاليم الإسلام تتفقان في أنهما لا تدعان تناقضا أساسيا بين حياة الإنسان الجسدية وحياته الأدبية فحسب، ولكن تلازمهما هذا وعدم افتراقهما فعلًا أمر يؤكده الإسلام، إذ يراه الأساس الطبيعي للحياة"٣.
_________________
(١) ١ "التفكير الفلسفي الإسلامي" د. سليمان دنيا ص٢٤٧، ٢٤٨. ٢ "الاعتصام" للشاطبي: ١/ ٢٤٥. ٣ "الإسلام على مفترق الطرق" لمحمد أسد ص٢٢.
[ ٣٩١ ]
٥- التوازن:
ومع هذا التكامل وذاك الشمول، نجد خاصية أخرى بارزة في العقيدة الإسلامية، تتصل بواحدة من أهم السمات العامة للإسلام وهي الوسطية والاعتدال، تلكم هي خاصية التوازن بين الأمور المتقابلة، فيقع كل أمر أو جانب على قدر معين باعتدال موزون، بحكمة ربانية "تضبط فيها النسب بين جوانب الحياة وقيمها؛ فالمال واللذة، والعمل والعقل، والمعرفة والقوة، والعبادة والقرابة، والقومية والإنسانية؛ قيم من قيم الحياة، والإسلام جعل لكل منها موضعا في نظام الحياة ونسبة محدودة لا تتجاوزها حتى لا تطغى قيمة على قيمة"١.
وبهذه الخاصية يتميز الإسلام عن سائر الأديان والمذاهب أجمعها، حيث تضخِّم جانبا وتُعنَى به على حساب الجوانب الأخرى، وإما أن يكون ذلك ابتداء، وإما أن يكون ردة فعل أو معالجة لخطأ سابق.
_________________
(١) ١ "الفكر الإسلامي الحديث" للأستاذ محمد المبارك ص٦٥.
[ ٣٩٢ ]
وقد ضرب شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- أمثلة على وسطية الإسلام هذه بين الأديان، في الموقف من الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام- بين جفاء اليهود وغلوّ النصارى، وفي شرائع دين الله تعالى بين اليهود الذين حرّموا على الله أن ينسخ ما يشاء أو يحكم ما يشاء، وبين النصارى الذين جوزوا ذلك لعلمائهم، وكذلك في وسطية الإسلام بينهما فيما يتعلق بالحلال والحرام، وفيما يتصل بأسماء الله وصفاته١.
والمذاهب المادية تُعْنَى بجانب المادة وتهمل الروح، أو تُعْنَى بالفرد وتهمل مصلحة الجماعة، وتقوم مذاهب أخرى لتُعلي من شأن الروح على حساب القيم الأخرى، أو لتغليب مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد الذي تعتبره كما مهملا، لا قيمة له بمفرده.
والصور التي تأتي شاهدا على هذا التوازن تعز على الحصر، فإن كل ما في الإسلام وكل ما في العقيدة الإسلامية ناطق بهذا التوازن الدقيق، حسبنا هنا الإشارة إلى أهم الموازنات التي عرض لها الأستاذ سيد قطب -﵀- في "خصائص التصور الإسلامي"٢، ومن ذلك:
التوازن بين ما يتلقاه الإنسان عن طريق الوحي وبين ما يتلقاه عن طريق وسائل الإدراك البشري، والتوازن بين طلاقة المشيئة الإلهية وثبات السنن الكونية، والتوازن بين المشيئة الإلهية الطليقة ومجال المشيئة الإنسانية المحدودة، والتوازن في مصادر المعرفة بين الوحي والعقل.. وبين الإيمان بالقدر والأخذ بالأسباب.. وبين العمل للدنيا والعمل للآخرة، وبين القيم المادية والقيم المعنوية.
وهذه الخاصية لها أثرها الكبير في عصمة هذه الأمة عن الغلو والإفراط وعن النقص والتفريط، وعن التأرجح بين المذاهب والأفكار القاصرة، والأخطاء الناتجة عن الوقوع في الانحراف بكل قيمة عن مكانتها اللائقة بها.
_________________
(١) ١ انظر: "الوصية الكبرى" لابن تيمية ص٤٧-٥٢. ٢ "الخصائص" ص١٣٦ وما بعدها. وراجع "منهج التربية الإسلامية" الأستاذ محمد قطب ١/ ١٢٦-١٨٠.
[ ٣٩٣ ]