مدخل
عقيدة الولاء والبراء:
تمهيد:
يعقد الإسلام آصرة الأُخوَّة الإيمانية بين أفراده الذين يؤمنون به ويلتقون عليه، فيجعل منهم أمة واحدة، تلتقي على العقيدة والإيمان، دون التفات إلى الجنس الذي ينحدرون منه، أو البلد الذي ينتسبون إليه، أو الزمن الذي يعيشون فيه، أو المصالح المادية التي قد يلتقي عليها بعض الناس، فقال الله تعالى:
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢] .
وقرر النبي -ﷺ- هذا الأصل الكبير في أول ميثاق لدولة الإسلام في المدينة بعد الهجرة، وجعله واقعا عمليا بين "المؤمنين والمسلمين ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم.. أنهم أمة واحدة دون الناس، وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم، وأن ذمة المؤمنين واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس"١.
وما ذاك إلا لأنهم جميعا إخوة متحابون ينضوون تحت راية التوحيد "لا إله إلا الله" التي تظلّهم جميعا فتجعلهم أمة واحدة، تتمسك بأوثق عرا الإيمان، وهو الحب في الله والبغض في الله.
ومن مقتضيات هذا التوحيد والإخاء: عقد الولاء بين المؤمنين والبراء من الكفار والمشركين١. إذ لا يتم الولاء للمؤمنين إلا بالبراءة من المشركين، فهما متلازمان.
_________________
(١) ١ مقتطفات من كتابه -ﷺ- بين المهاجرين والأنصار واليهود في المدينة بعد الهجرة. انظر نص هذا الكتاب بالتفصيل وتخريج فقراته في: "مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة" ص٥٧-٦٤.
[ ٣٥٧ ]
الولاء والبراء في النصوص الشرعية:
لقد قرر الله تعالى مبدأ الولاية بين المؤمنين، وجعل بعضهم أولياء بعض، يتناصرون ويتعاضدون ويتحابون، فقال سبحانه:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] .
وذلك لأن طبيعة المؤمن هي طبيعة الأمة المؤمنة، وتجمّع المسلمين شيء طبيعي في مواجهة التجمع الذي يقوم على أساس معارضة الإسلام، ومحاربة المسلمين.
والخروج على هذا التجمع الإسلامي يعتبر ثغرة في الإيمان ونقصا ينبغي تداركه، هذا إذا كان الخروج بمعنى عدم الاستجابة للتعاون مع المؤمنين، أما إذا وصل الخروج على التجمع الإسلامي إلى موالاة الأعداء، فذلك خروج على قانون الإسلام، أو ارتداد عن الإسلام.
ولذلك تنزلت النصوص القرآنية الكريمة، وتواردت أحاديث النبي -ﷺ- تحذر المسلمين أشد التحذير من موالاة أعداء الله الكافرين، وتوجب الموالاة للمؤمنين والبراءة من الكافرين، وقد أبدأ القرآن الكريم في ذلك وأعاد في مواضع كثيرة ومناسبات شتى، فأنت لا تجد موضوعا نال من الاهتمام -بعد
_________________
(١) ١ عن صلة الولاء والبراء بكلمة التوحيد، وهل هي من مقتضياتها ولوازمها أو من معناها؟ انظر: "مجموعة التوحيد" ص٥٠، ٥١، "الإيمان" محمد نعيم ياسين ص٢٢١، "الولاء والبراء" ص٤٠-٤٥، "الموالاة والمعاداة": ١/ ١٣١-١٣٨.
[ ٣٥٨ ]
العناية بالتوحيد- كما تجد في هذه القاعدة الكبيرة، والأصل العظيم: "الولاء والبراء".
وسنجتزئ هنا ببعض هذه النصوص، وهي بوضوحها ونصاعتها تبين هذه الحقيقة الكبرى وتجعلها أوضح من الشمس في رابعة النهار؛ ولذلك ينبغي الوقوف عندها والنظر في مدلولاتها ومراميها١:
فمن الآيات القرآنية:
﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ، وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥١-٥٣] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ
_________________
(١) ١ يحسن مراجعة تفسير الآيات في "تفسير الطبري"، و"تفسير ابن كثير"، و"في ظلال القرآن".
[ ٣٥٩ ]
بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ، إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ١، ٢] .
وما كانت صلة النسب والقرابة -مهما كانت قريبة- سببا للمودة بين المؤمنين والكفار، ولا سبيلا للولاء لهم:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣] .
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
ولذلك تبرأ إبراهيم -﵇- من أبيه وقومه:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧] .
ومن ثَمَّ جعل الله تعالى فيه أسوة حسنة، ينبغي أن نتأسى بها؛ ولاء للمؤمنين وبراءة من الكافرين وبغضا لما يعبدون من دون الله:
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] .
[ ٣٦٠ ]
ولهذا المعنى نفسه قطع الله تعالى الصلة بين نوح -﵇- وبين ابنه الكافر: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٥، ٤٦] .
وكذلك قطع الصلة بين نوح وزوجته، وبين لوط وزوجته إلخ.
ومن الأحاديث النبوية:
وأما الأحاديث النبوية التي تقرر هذا المبدأ وما يقتضيه ويستلزمه، فمنها:
"أوثق عرا الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله ﷿" ١.
"من أحب في الله، وأبغض في الله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان" ٢.
"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار" ٣.
"الشرك أخفى من دبيب الذَّرِّ على الصَّفَا في الليلة الظلماء. وأدناه أن تحب على شيء من الجور، وتبغض على شيء من العدل. وهل الدين إلا الحب في الله البغض في الله؟ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ "١.
وغيرها من الأحاديث والآثار في هذا المعنى كثير، حسبنا منها تلك الجملة ففيها القناعة والكفاية٢، لنعرض بعدها مفهوم الولاء والبراء أخذا من هذه النصوص الشرعية، واستنادا إلى معانيها عند علماء اللغة.
_________________
(١) ١ حديث صحيح أخرجه أبو داود الطيالسي، والحاكم، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط". انظر: "صحيح الجامع الصغير" برقم "٢٥٣٩"، "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم "١٧٢٨". ٢ أخرجه أبو داود: ٧/ ١٥، والإمام أحمد: ٣/ ٤٤٠، والبغوي في "شرح السنة": ١٣/ ٥٤، وصححه الحاكم: ٢/ ٦٤. ٣ أخرجه البخاري ١/ ٧٢، ومسلم: ١/ ٦٦ في كتاب الإيمان.
[ ٣٦١ ]
مفهوم الولاء والبراء:
الولاء في اللغة:
الواو واللام والياء، أصل صحيح يدل على قُرْب؛ وذلك أن الولاء والتوالي: أن يحصل شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما. ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة، ومن حيث الولاية.
والموالاة: أن يتشاجر اثنان فيدخل ثالث بينهما للصلح، ويكون له في أحدهما هوى، فيواليه أو يحابيه.
والوَلِيّ والمَوْلَى: يُستعملان في المعاني السابقة، وكل منهما يقال في معنى الفاعل "أي: المُوالي" وفي معنى المفعول "أي: الموالَى". وكذلك يطلق كل منهما على معانٍ، وهو في كل منها حقيقة؛ فهو يطلق على المعتِق والمعتَق، والمتصرف في الأمور، والصاحب والحليف، والناصر والمحبوب، والمطيع والتابع، والمالك والسيد.. فيضاف كل واحد إلى ما يقتضيه السياق الوارد فيه.
والوليّ: ضد العدوّ، وكل من يليك أو يقابلك فهو وليّ، وكل من وَلِيَ أمرَ آخر فهو وليّه.
والولاية: النصرة، وقد نفاها الله بين المؤمنين والكافرين في غير آية، وجعل بين الكافرين والشياطين موالاة في الدنيا، ونفى بينهم الموالاة في الآخرة.
والولاء: الملك، والقرب، والقرابة، والنصرة، والمحبة.
ووالى فلانا: أحبه، وتولّاه: اتخذه وليا. فإذا عُدِّي بنفسه اقتضى معنى الولاية وحصوله في أقرب المواضع، منه: ولّيت وجهي كذا: أقبلت به عليه. وإذا عُدِّي بـ "عن" لفظا أو تقديرا، اقتضى معنى الإعراض وترك قربه١.
_________________
(١) ١ صححه الحاكم في "المستدرك": ٢/ ٢٩١، وتعقّبه الذهبي فقال: عبد الأعلى بن أعين ليس بثقة. ٢ انظر هذه الأحاديث والآثار في: "مجموعة التوحيد" ص١١٨-١٢١، "الموالاة والمعاداة": ١/ ١١٠-١٢٢. ٣ انظر في المعاني: "معجم مقاييس اللغة": ٦/ ١٤١، "لسان العرب": ١٥/ ٤٠٦-٤١٤، "الكلّيّات" للكَفَوِيّ: ٤/ ٣٠٠، ٥/ ٤، ٤٣، "مفردات القرآن" للراغب الأصفهاني "٥٣٣، ٥٣٤"، "النهاية في غريب الحديث والأثر": ٥/ ٢٢٧-٢٣٠، "الصحاح" للجوهري: ٦/ ٢٥٢٨-٢٥٣١.
[ ٣٦٢ ]
مفهوم الولاء في الشرع:
ومن تلك المعاني اللغوية للولاء وما يتصل بها، ومن مراجعة النصوص القرآنية والحديثية وأقوال علماء السلف؛ يمكن أن نخرج بمفهوم عامّ للولاء يقوم على النصرة والتحالف والحب والطاعة وإلقاء مقاليد الأمور لمن يكون له الولاء.
فإذا كان ذلك للمؤمنين: مودة لهم ونصرة لهم على أعدائهم فهي الموالاة الشرعية التي أوجبها الله تعالى، وجعلها رابطة بين المؤمنين، حيث قال:
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٥، ٥٦] .
وإن كانت هذه الموالاة للكافرين والمشركين والطواغيت، فهي الخروج على الإسلام والمحادّة لله ولرسوله، ينهى الله تعالى عنها، ويحذِّر فيقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] .
يقول الأستاذ سيد قطب ﵀:
" والولاية التي ينهى الله الذين آمنوا أن تكون بينهم وبين اليهود والنصارى تعني التناصر والتحالف معهم، ولا تتعلق بمعنى اتباعهم في دينهم، فبعيد جدا أن يكون بين المسلمين من يميل إلى اتباع اليهود والنصارى في الدين. إنما هو ولاء التحالف والتناصر الذي كان يلتبس على المسلمين أمره، فيحسبون أنه جائز لهم، بحكم ما كان واقعا من تشابك المصالح والأواصر، ومن قيام هذه الولاء بينهم وبين جماعات من اليهود قبل الإسلام، وفي أوائل العهد بقيام الإسلام في المدينة، حتى نهاهم الله عنه، وأمر بإبطاله، بعدما تبين عدم إمكان قيام الولاء والتحالف والتناصر بين المسلمين واليهود في المدينة
وهذا المعنى معروف محدد في التعبيرات القرآنية، وقد جاء في صدد الكلام عن العلاقة بين المسلمين في المدينة والمسلمين الذين لم يهاجروا إلى دار الإسلام، فقال الله سبحانه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ وطبي عي أن المقصود هنا ليس الولاية في الدين؛ فالمسلم ولي المسلم في الدين على كل حال، إنما المقصود هو ولاية التناصر والتعاون، فهي التي لا تقوم بين المسلمين في دار الإسلام والمسلمين الذين لم يهاجروا إليهم.. وهذا اللون من الولاية هو الذي تمنع هذه الآيات أن يقوم بين الذين آمنوا وبين اليهود والنصارى بحال، بعدما كان قائما
[ ٣٦٣ ]
بينهم أول العهد في المدينة"١.
ويرشدك إلى هذا المعنى: أن صدر سورة الممتحنة، الذي نزل في حاطب بن أبي بلتعة -﵁- وفيه نهى الله تعالى عن موالاة أعدائه، إنما كان نهيا عن مناصرة الكفار بإلقاء شيء من أسرار النبي -ﷺ- وإفشائه، بحكم ما كان بين حاطب وبين القوم، فأراد أن يتخذ عندهم يدا.
فقد كان حاطب بن أبي بلتعة -﵁- رجلا من المهاجرين، وكان من أهل بدر أيضا، وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم، بل كان حليفا لعثمان -﵁- فلما عزم رسول الله -ﷺ- على فتح مكة، لما نقض أهلها العهد، فأمر النبي -ﷺ- بالتجهيز لغزوهم، وقال: "اللهم عَمِّ عليهم خبرنا" فعمد حاطب، فكتب كتابا وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة، يعلمهم بما عزم عليه رسول الله -ﷺ- من غزوهم؛ ليتخذ بذلك عندهم يدا، فأطلع الله تعالى على ذلك رسول الله، استجابة لدعائه. فبعث في أثر المرأة من أخذ الكتاب منها منها، وقال رسول الله ﷺ: "يا حاطب، ما هذا "؟ قال: لا تعجل عليَّ! إني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت -إذ فاتني ذلك من النسب فيهم- أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام.
فقال رسول الله ﷺ: "إنه صَدَقكم"، فقال عمر ﵁: دعني أضرب عنق هذا المنافق! فقال رسول الله ﷺ: "إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"، فأنزل الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ "في ظلال القرآن": المجلد الثاني ص٩٠٩، وانظر "مجموعة التوحيد" ص١١٤، ١١٥، "مجموعة الرسائل والمسائل النجدية": ٣/ ١٠، "الإيمان" د. محمد نعيم ياسين، ص٢٢٨، ٢٢٩، "الولاء والبراء في الإسلام"، ص٩٠، "الموالاة والمعاداة": ١/ ٢٧-٥٠.
[ ٣٦٥ ]
البراء في اللغة:
الباء والراء والهمزة: أصلان إليهما ترجع فروع الباب؛ أحدهما: الخَلْق، يقال: برأ الله الخلق يبرؤهم بَرْءا. والبارئ: الله جل ثناؤه.
والأصل الآخر: التباعد عن الشيء ومزايلته. من ذلك: البُرْء، وهو السلامة من السُّقْم، يقال: بَرِئت وبَرَأت، قال تعالى: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، وفي غير موضع من القرآن الكريم: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ﴾ والمصدر: البراء٢.
وقال الراغب الأصفهاني: "أصل البَرْء والبَرَاء والتبرِّي: التفصِّي مما يكره مجاورته، ولذلك قيل: بَرَأْت من المرض٣، وبرأت من فلان، وتبرّأت وأبرأته من كذا، وبَرَأته، ورجل بريء، وقوم برآء وبريئون"٤.
وقال ابن الأعرابي: البريء: المتفصي من القبائح، المتنحي عن الباطل والكذب، البعيد من التهم، النقي القلب من الشرك.
وقال أيضا: يقال: برئ إذا تخلص، وبرئ: إذا تنزه وتباعد، وبرئ: إذا أعذر وأنذر. ومنه قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: إعذار وإنذار.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد والشيخان وأصحاب السنن إلا ابن ماجه. وانظر روايات القصة وألفاظها، في "تفسير ابن كثير": ٨/ ١٠٨-١١١، طبعة الشعب. ٢ "معجم مقاييس اللغة": ١/ ٢٣٦، ٢٣٧. ٣ في "المصباح المنير" للفيومي "١/ ٤٧": "بَرَأَ" من المرض "يَبْرَأ" من بابَيْ نفَع وتعِب. ٤ "مفردات القرآن" للراغب ص٤٥.
[ ٣٦٦ ]
البراء في اللغة:
الباء والراء والهمزة: أصلان إليهما ترجع فروع الباب؛ أحدهما: الخَلْق، يقال: برأ الله الخلق يبرؤهم بَرْءا. والبارئ: الله جل ثناؤه.
والأصل الآخر: التباعد عن الشيء ومزايلته. من ذلك: البُرْء، وهو السلامة من السُّقْم، يقال: بَرِئت وبَرَأت، قال تعالى: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، وفي غير موضع من القرآن الكريم: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ﴾ والمصدر: البراء٢.
وقال الراغب الأصفهاني: "أصل البَرْء والبَرَاء والتبرِّي: التفصِّي مما يكره مجاورته، ولذلك قيل: بَرَأْت من المرض٣، وبرأت من فلان، وتبرّأت وأبرأته من كذا، وبَرَأته، ورجل بريء، وقوم برآء وبريئون"٤.
وقال ابن الأعرابي: البريء: المتفصي من القبائح، المتنحي عن الباطل والكذب، البعيد من التهم، النقي القلب من الشرك.
وقال أيضا: يقال: برئ إذا تخلص، وبرئ: إذا تنزه وتباعد، وبرئ: إذا أعذر وأنذر. ومنه قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: إعذار وإنذار. وفي حديث أبي هريرة لما دعاه عمر إلى العمل فأبى، فقال عمر: إن يوسف قد سأل العمل، فقال: "إن يوسف مني بريء، وأنا منه براء" أي: بريء عن مساواته في الحكم وأن أُقاس به، ولم يرد براءة الولاية والمحبة؛ لأنه مأمور بالإيمان به، والبراء والبريء سواءٌ٥.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد والشيخان وأصحاب السنن إلا ابن ماجه. وانظر روايات القصة وألفاظها، في "تفسير ابن كثير": ٨/ ١٠٨-١١١، طبعة الشعب. ٢ "معجم مقاييس اللغة": ١/ ٢٣٦، ٢٣٧. ٣ في "المصباح المنير" للفيومي "١/ ٤٧": "بَرَأَ" من المرض "يَبْرَأ" من بابَيْ نفَع وتعِب. ٤ "مفردات القرآن" للراغب ص٤٥. ٥ "لسان العرب": ١/ ٣٣ وما بعدها.
[ ٣٦٦ ]
مفهوم البراء في الشرع:
وهذه المعاني اللغوية كلها ملحوظة في المعنى الشرعي للبراء، الذي هو البعد عن الكفار ومودتهم، والتخلص من قبائحهم وباطلهم، والإنذار لهم، ومقاطعتهم وبغضهم قلبيا، وبغض ما هم عليه من الكفر والقبائح.
فمن يتبرأ من الكفار والمشركين إنما يتبرأ من القبيح والباطل والمكروه ويبتعد عنه، وبذلك يبرأ من تهمة الكفر التي تحصل بإلقاء المودة لهم، وفي ذلك إنذار لهم وإعذار، فما كانت البراءة والعداوة إلا بعد هذا الإنذار والإعذار.
مقتضيات البراءة من الكفار:
وهذا البراء من الكفار، وما هم عليه يقتضي أن نتنبه إلى جملة أمور حتى تتم مجانبة دين الكفار والبراءة منهم١:
١- ترك اتباع أهوائهم ومتابعتهم في أي أمر من أمورهم، فإن هذه المتابعة لهم إنما تكون بترك الشريعة أو بعضها، وإنه لكفر بالشريعة أن نتركها متابعة لهوى المشركين والكفار، بأي حجة وتحت أي عنوان، وهم لا يرضون من المؤمن إلا أن
_________________
(١) ١ "بيان النجاة والفكاك"، ص٢٦٨-٢٧٢ ضمن "مجموعة التوحيد"، "تيسير العزيز الحميد" ص٤٤٦-٤٨٣.
[ ٣٦٧ ]
يتبع ملتهم ودينهم وذلك ردة ينبغي الحذر منها؛ ولهذا جاءت الآيات القرآنية تحذر أشد التحذير من هذا الاتباع:
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] .
﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] .
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٧] .
٢- النهي عن التلقي عن الكفار في الرأي والمشورة، وطاعتهم فيما قد يشيرون به أو يأمرون، فإن الله تعالى نهى عن طاعة الكافرين، فقال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ، وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠٠، ١٠١] .
فإن طاعة أهل الكتاب والتلقي عنهم، واقتباس مناهجهم وأوضاعهم، تحمل ابتداء معاني الهزيمة الداخلية، والتخلي عن دور القيادة الذي من أجله أُنشئت الأمة المسلمة، كما تحمل معنى الشك في كفاية منهج الله لقيادة الحياة وتنظيمها والسير بها صعدا في طريق النماء. وهذا بذاته دبيب الكفر في النفس، وهي لا تشعر به ولا ترى خطره القريب.
[ ٣٦٨ ]
هذا من جانب المسلمين؛ فأما من الجانب الآخر، فأهل الكتاب لا يحرصون على شيء حرصهم على إضلال هذه الأمة عن عقيدتها. فهذه العقيدة هي سبيل النجاة وخط الدفاع ومصدر القوة الدافعة للأمة المسلمة. والأعداء يعرفون هذا جيدا، يعرفونه قديما وحديثا، ويبذلون في سبيل تحويل هذه الأمة عن عقيدتها كل ما في وسعهم من مكر وحيلة، ومن قوة كذلك وعُدَّة. وحين يعجزهم أن يحاربوا هذه العقيدة ظاهرين يدسّون لها ماكرين، وحين يعييهم أن يحاربوها بأنفسهم وحدهم، يجندون من المنافقين المتظاهرين بالإسلام أو ممن ينتسبون -زورا- للإسلام جنودا مجندة لتنخر في جسم هذه العقيدة من الداخل، ولتصد الناس عنها، ولتزيِّن لهم مناهج غير منهجها، وأوضاعا غير أوضاعها، وقيادة غير قيادتها.
فحين يجد أهل الكتاب من بعض المسلمين طواعية واستماعا واتباعا، فهم -ولا شك- سيستخدمون هذا كله في سبيل الغاية التي تؤرّقهم، وسيقودونهم ويقودون الجماعة كلها من ورائهم إلى الكفر والضلال١.
ومن ثم جاءت التحذيرات الحاسمة كهذه التحذيرات:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩] .
﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ١] .
_________________
(١) ١ "في ظلال القرآن": ١/ ٤٣٨، ٤٣٩.
[ ٣٦٩ ]
٣- ترك الركون إلى الكفرة والظالمين، فقد نهى الله تعالى تعالى عن ذلك فقال:
﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ . [هود: ١١٣]
فإن الركون إلى الكفرة والظالمين والطواغيت، والاطمئنان إليهم والاستناد إليهم يعني إقرارهم على المنكر الأكبر الذي يزاولونه فيقهرون العباد ويعبدونهم لغير الله.. ويعني مشاركتهم في هذا المنكر الكبير. ولذلك استحق هذا الجزاء وهذا التخويف.
ولذلك كان من فضل الله تعالى على نبيه ﷺ وعلى المؤمنين من بعد -أن ثبته على الحق والدعوة، لئلا يركن إلى الظالمين ومحاولاتهم في الإغراء والمساومة والمداهنة:
﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ . [الإسراء: ٧٤، ٧٥]
٤- ترك مودة أعداء الله ومحبتهم، ومفاصلتهم مفاصلة كاملة، حتى ولو كانوا من أقرب الناس نسبا وقرابة؛ فلا يجتمع في قلب مؤمن: إيمان بالله ومودة لأعدائه:
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ . [المجادلة: ٢٢]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ . [الممتحنة: ١]
[ ٣٧٠ ]
٥- ترك التشبه بالكفار في أفعالهم الظاهرة -فيما هو من خصائصهم- لأنها تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة حتى إن الرجلين إذا كانا في بلد واحد ثم اجتمعا في دار غربة كان بينهما من المودة والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في بلدهما لم يكونا متعارفين؛ وذلك لأن الاشتراك في نوع وصف اختصاص به عن بلد الغربة.. فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة، فإن المشابهة في الأمور الدينية تفضي إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد١.
ولذلك جاء التحذير الشديد من التشبّه بالكفار؛ لئلا يكون ذلك سببا للمودة القلبية لهم، ولئلا يسقط الحاجز النفسي بين المؤمن وبين الكفار، ولئلا تتميّع شخصية الأمة المسلمة المتميزة، فتصبح تابعة لغيرها مقلدة لها، والتقليد جسر للضعف والانحلال، وسبب للسقوط والهلاك، ومسخ لمكانة المقلد، فإنه لا يقلد إلا قرد أو ببغاء٢..
وهذا التحذير من التشبه بالكفار ومتابعة سبيلهم وطريقهم تشير إليه أحاديث نبوية كثيرة، كقوله ﵊:
"لتتبِعُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم، شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جُحْر ضب لدخلتموه". قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن"؟ ١.
"من تشبَّه بقوم فهو منهم" ٢.
"ليس منا من تشبَّه بغيرنا" ٣.
_________________
(١) ١ لشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كتاب كامل خصصه لهذا الموضوع هو "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" وفيه دراسة موسعة للتشبه بالكفار وأثره على الأمة وحكمه. وقد طبع أكثر من مرة، وطبع محققا رسالة علمية للدكتور/ ناصر عبد الكريم العقل، وهذه الفقرة الموجزة مقتبسة منه. ٢ انظر ما كتبه العلامة ابن خلدون في "المقدمة" عن أن المغلوب مولع دائما بتقليد الغالب: ١/ ٢٥٨، ٢٥٩، وتحليل الأستاذ محمد أسد للتقليد وأثره في كتابه "الإسلام على مفترق الطرق" ص٧٩-٨٦. ٢ أخرجه البخاري: ٦/ ٤٩٥، ١٣/ ٣٠٠، ومسلم: ٤/ ٢٠٥٤. ٣ أخرجه أبو داود: ٦/ ٣٤، والإمام أحمد في "المسند": ٢/ ٥٠، ٩٢، وعبد بن حميد في "المنتخب" ص٢٦٧، وابن أبي شيبة في "المصنف": ٥/ ٣١٣، ٣٢٢، والطحاوي في "مشكل الآثار": ١/ ٨٨، والطبراني في "الأوسط": ٩/ ١٥١، والخطيب في "الفقيه والمتفقه": ٢/ ٧٣. وذكره ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم": ١/ ٢٣٦، وقال: "هذا إسناد جيد"، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": ٥/ ١٠٩. وانظر: "نصب الراية": ٤/ ٢٢٩-٢٣٠. ٤ أخرجه الترمذي: ٧/ ٤٧٢، وعزاه الهيثمي للطبراني في الأوسط، "مجمع الزوائد": ٨/ ٣٨. قال الترمذي: "هذا حديث إسناده ضعيف، وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة فلم يرفعه" فهو صحيح موقوفا.
[ ٣٧١ ]
الفرق بين التسامح والبر وبين المودة للكفار:
٥- ترك التشبه بالكفار في أفعالهم الظاهرة -فيما هو من خصائصهم- لأنها تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة حتى إن الرجلين إذا كانا في بلد واحد ثم اجتمعا في دار غربة كان بينهما من المودة والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في بلدهما لم يكونا متعارفين؛ وذلك لأن الاشتراك في نوع وصف اختصاص به عن بلد الغربة.. فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة، فإن المشابهة في الأمور الدينية تفضي إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد١.
ولذلك جاء التحذير الشديد من التشبّه بالكفار؛ لئلا يكون ذلك سببا للمودة القلبية لهم، ولئلا يسقط الحاجز النفسي بين المؤمن وبين الكفار، ولئلا تتميّع شخصية الأمة المسلمة المتميزة، فتصبح تابعة لغيرها مقلدة لها، والتقليد جسر للضعف والانحلال، وسبب للسقوط والهلاك، ومسخ لمكانة المقلد، فإنه لا يقلد إلا قرد أو ببغاء٢..
وهذا التحذير من التشبه بالكفار ومتابعة سبيلهم وطريقهم تشير إليه أحاديث نبوية كثيرة، كقوله ﵊:
"لتتبِعُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم، شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جُحْر ضب لدخلتموه". قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن"؟ ١.
"من تشبَّه بقوم فهو منهم" ٢.
"ليس منا من تشبَّه بغيرنا" ٣.
_________________
(١) ١ لشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كتاب كامل خصصه لهذا الموضوع هو "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" وفيه دراسة موسعة للتشبه بالكفار وأثره على الأمة وحكمه. وقد طبع أكثر من مرة، وطبع محققا رسالة علمية للدكتور/ ناصر عبد الكريم العقل، وهذه الفقرة الموجزة مقتبسة منه. ٢ انظر ما كتبه العلامة ابن خلدون في "المقدمة" عن أن المغلوب مولع دائما بتقليد الغالب: ١/ ٢٥٨، ٢٥٩، وتحليل الأستاذ محمد أسد للتقليد وأثره في كتابه "الإسلام على مفترق الطرق" ص٧٩-٨٦. أخرجه البخاري: ٦/ ٤٩٥، ١٣/ ٣٠٠، ومسلم: ٤/ ٢٠٥٤. ٣ أخرجه أبو داود: ٦/ ٣٤، والإمام أحمد في "المسند": ٢/ ٥٠، ٩٢، وعبد بن حميد في "المنتخب" ص٢٦٧، وابن أبي شيبة في "المصنف": ٥/ ٣١٣، ٣٢٢، والطحاوي في "مشكل الآثار": ١/ ٨٨، والطبراني في "الأوسط": ٩/ ١٥١، والخطيب في "الفقيه والمتفقه": ٢/ ٧٣. وذكره ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم": ١/ ٢٣٦، وقال: "هذا إسناد جيد"، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": ٥/ ١٠٩. وانظر: "نصب الراية": ٤/ ٢٢٩-٢٣٠. ٤ أخرجه الترمذي: ٧/ ٤٧٢، وعزاه الهيثمي للطبراني في الأوسط، "مجمع الزوائد": ٨/ ٣٨. قال الترمذي: "هذا حديث إسناده ضعيف، وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة فلم يرفعه" فهو صحيح موقوفا.
[ ٣٧١ ]
الفرق بين التسامح والبر، وبين المودة للكفار:
وإن الإسلام، إن أعطى أهل الذمة في الدولة الإسلامية حقوقهم كاملة، ولم يُكرههم على اعتناق الإسلام، وأمر ببرهم من الناحية المادية والمعاملة والتسامح معهم، ووصلهم بقسط من أموالنا على وجه البر والصلة، حتى ولو كانوا مخالفين لنا في الدين من جميع أصناف الملل والأديان، كما قال الله تعالى:
﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] .
إلا أن هناك فرقا بين هذا التسامح والبر والإحسان، وبين إلقاء المودة إليهم
[ ٣٧٢ ]
واتخاذهم أولياء من دون المؤمنين، ولا يجوز أن يلتبس أحدهما بالآخر١.
وسر الفرق في ذلك: "أن عقد الذمة يوجب حقوقا علينا لهم؛ لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا وذمة الله تعالى وذمة رسوله -ﷺ- ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء، أو غيبة في عرض أحدهم، أو نوع من أنواع الأذية، أو أعان على ذلك؛ فقد ضيع ذمة الله تعالى وذمة رسوله وذمة دين الإسلام.
وحكى ابن حزم في "مراتب الإجماع" أن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم ونموت دون ذلك صونا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله ﷺ.. وإذا كان عقد الذمة بهذه المثابة تعيّن علينا أن نبرهم بكل أمر لا يدل ظاهره على مودات القلوب ولا تعظيم شعائر الكفر، فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع وصار من قبيل ما نهي عنه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ .
ويتضح ذلك بالمَثَل: فتمكينهم من الولايات والتصرف في الأمور الموجبة لظهور العلم والغلبة منهم وسلطان المطالبة والرئاسة والسيادة وعلو المنزلة.. وذلك كله منهي عنه؛ لما فيه من تعظيم شعائر الكفر وتحقير شعائر الله ودينه وأهله.
وأما ما أمر به الإسلام من برهم من غير مودة باطنية: فالرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وإكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم والرحمة بهم، لا على سبيل الخوف والذلة، والدعاء لهم بالهداية وأن يجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم، وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم
فجميع ما نفعله معهم من ذلك ينبغي أن يكون من هذا القبيل، لا على وجه العزة والتعظيم لهم. وينبغي أن نستحضر في قلوبنا ما جبلوا عليه من بغضنا وتكذيب نبينا، وأنهم لو قدروا علينا لاستأصلوا شأفتنا واستولوا على دمائنا وأموالنا، وأنهم من أشد العصاة لربنا ﷿.
وبالجملة: فإن برهم والإحسان إليهم مأمور به، وودهم وتوليهم منهيّ عنه، فهما قاعدتان: إحداهما محرمة، والأخرى مأمور بها"١.
_________________
(١) ١ في جواز هذه الصلة والبر لغير المقاتلين، راجع تفسير الآية الكريمة في: "تفسير الطبري": ٢٨/ ٦٣، ٦٤، "تفسير البغوي": ٨/ ٩٥، ٩٦، "أحكام القرآن" للجصاص ٥/ ٣٢٧، "أحكام القرآن" لابن العربي: ٤/ ١٧٨٥، ١٧٨٦. ٢ "الفروق" للقرافي: ٣/ ١٤-١٦ باختصار. وانظر: "الإسلام في مواجهة التحديات" للمودودي ص٣٩-٦٣، "منهج الإسلام في الحرب والسلام" عثمان جمعة ضميرية ص٥٩-٨٢ وفيه إشارة إلى مراجع كثيرة.
[ ٣٧٣ ]
موقف الكفار من الإسلام والمسلمين:
وهذا التسامح والبر من جانب الإسلام، يقابله من جانب اليهود والنصارى كل ما يمكن أن يتفتق عنه العقل البشري من المكائد والمؤامرات، وكل ما يمكن من الجحود والحرب التي لا تهدأ بكل أنواعها وألوانها٢؛ ولذلك يجمل بنا هنا أن نعرض بإيجاز شديد لموقف أهل الكتاب "اليهود والنصارى" من الإسلام والمسلمين ليتميز الموقفان، ولتظهر ولاية الكفار بعضهم لبعض، مهما اختلفت مللهم، وتباينت نِحَلهم، وتعددت راياتهم.. فهم يناصبون الإسلام العداء، ولن يهدأ لهم
_________________
(١) ١ يمكن الإشارة هنا إلى بعض الدراسات في ذلك مثل: "التبشير والاستعمار" للدكتور عمر فروخ ومصطفى الخالدي، "الغارة على العالم الإسلامي" ترجمة محب الدين الخطيب، "المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام" للشيخ محمد محمود الصواف، "المؤامرة على الإسلام" للأستاذ أنور الجندي، وستأتي أيضا أسماء دراسات أخرى في مناسباتها.
[ ٣٧٤ ]
بال حتى يردّوا المسلمين عن دينهم إن استطاعوا. ونستلهم ذلك من تقريرات الله ﷾ في كتابه الكريم أولا، ثم من الواقع التاريخي ثانيا.
قال الله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] .
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] .
ويتفق موقف أهل الكتاب هذا مع موقف المشركين تجاه الإسلام والمسلمين، قال الله تعالى:
﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] .
﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨] .
والواقع التاريخي شاهد صادق على أن تلك هي أهدافهم النهائية، ولنأخذ أمثلة سريعة موجزة تشير إلى ذلك:
فاليهود -عليهم لعائن الله تترى إلى يوم القيامة- استقبلوا الإسلام ورسوله -ﷺ- شر ما يستقبل أهل دين سماوي رسولا يعرفون صدقه ودينا يعرفون أنه الحق، استقبلوه بالفتن والدسائس والأكاذيب والشبهات وقد حكى الله تعالى عنهم ذلك في كثير من آيات القرآن الكريم.
وفي تاريخنا الحديث: يكفي أن نعلم أنهم هم وراء كل كارثة حلت
[ ٣٧٥ ]
بالمسلمين في كل مكان على وجه الأرض، وأنهم وراء كل محاولة لسحق الحركات الإسلامية في كل مكان، بأشخاصهم وذواتهم، أو عن طريق عملائهم وصنائعهم.. وهم أصحاب الدَّوْر الخبيث في تكوين الفرق الضالة المنحرفة عن الإسلام والدعوة لها وهم هم أصحاب العدوان الأثيم على ديار المسلمين المقدسة التي بارك الله تعالى حولها ولو رحنا نستقصي الأمثلة والشواهد على ذلك لاستغرق هذا مجلدات، وخرج بنا عما أردناه في هذا المدخل١.
ترى: هل يتنبَّه الغافلون والمخدوعون؟ وهل يسكت الأدعياء المأجورون؟
وهل يرعوِي المضللون فيكفّون عن التزوير والتزييف في التاريخ، وعن الخيانة لله ولرسوله وللمؤمنين وللأمانة وللرسالة؟
ذلكم هو شأن اليهود، أما إخوانهم في الضلال والغي، وأولياؤهم في الكفر "النصارى"، فإن موقفهم لا يقل إصرارا على العدوان والحرب من موقف اليهود؛ فما إن ظهر الإسلام حتى تناسى الرومان النصارى عداواتهم مع الفرس وعادوا إلى أضاليلهم ليواجهوا المسلمين مواجهة عنيفة شديدة.
فالنصارى أصحاب العداوات والحروب للإسلام منذ عهد النبي -ﷺ- منذ غزوة مؤتة، ومن ثم كانت الحملات والهجمات الصليبية على ديار المسلمين.. وكانت الخيانة والتجسس على بلاد المسلمين والتعاون مع التتار الوثنيين، ومكاتبة قوات الاحتلال الصليبي والتعاون معها، ويكفي أن نذكر ما حدث في بلاد المسلمين على أيدي هؤلاء النصارى في زنجبار، وفي الحبشة، وفي الفلبين، وفي قبرص، وفي لبنان، وفي أوغندا، وفي البوسنة والهرسك أخيرا يكفي أن نذكر ذلك؛ لنعلم مدى العداوة للإسلام والمسلمين، ومدى الكيد والتآمر والحقد.
واليوم -كذلك- يتعاون أهل الكتاب مع الملحدين في المعسكر الشيوعي ليواجهوا الإسلام والمسملين، وليضربوا كل حركة إسلامية صادقة. فهم يتناسون كل خلاف يمكن أن يقوم بينهم إذا ما واجهوا الإسلام والمسلمين، فهم دائما "بعضهم أولياء بعض"، وهم متعاونون ضدنا، متآمرون علينا، فلا يزال هذا هو موقفهم في الماضي وفي الحاضر، ففي الماضي: تعاونهم مع التتار الوثنيين، وفي الحاضر تعاونهم مع الملحدين. فقد نشرت مجلة "الشئون الخارجية" سنة ١٩٨٥ "FOREING AFFAIRS" مقالا خطيرا كتبه ريتشارد نيكسون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابق، جاء فيه:
"russia and america should join hands to fight the rising tide of islamic fundamentalism".
"وترجمة هذه العبارة: روسيا وأمريكا يجب أن تعقدا تعاونا حاسما لضرب الصحوة الإسلامية"١.
والأمثلة بعد ذلك كثيرة كثيرة، تعزّ على الحصر٢.
_________________
(١) ١ انظر بالتفصيل: "خطر اليهودية العالمية" لعبد الله التل، وله أيضا: "الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام"، "الخطر اليهودي"، ترجمة محمد خليفة التونسي، "الماسونية ذلك المجهول" لصابر طعيمة. ١ عن كتاب: "الحروب الصليبية، بدؤها مع مطلع الإسلام واستمرارها حتى الآن"، د. أحمد شلبي ص٢٠، والكتاب بكامله عرض للهجمات الصليبية الغربية على العالم الإسلامي عبر العصور. ٣ انظر: "منهج الإسلام في الحرب والسلام" ص٥٠، ٥١، والمراجع المشار إليها هناك، واقرأ كتاب: "العالم الإسلامي والمكائد الدولية خلال القرن الرابع عشر الهجري" للأستاذ فتحي يكن، "والعالم الإسلامي ومحاولة السيطرة عليه" للأستاذ محمود شاكر.
[ ٣٧٦ ]
من مظاهر الولاء للكفار:
ولئن كانت كل صور المودة والولاء للكفار بتلك المثابة من التحريم، ولئن كانت ولايتهم تعني التناصر معهم والتحالف بكل صوره وأشكاله، فإن ذلك يتخذ في عصرنا الحاضر صورا شتى، نجد لها أمثلة في أولئك القوم الذين هم من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، ويزعمون أنهم على ديننا ولكنهم صنيعة من صنائع الكفار، صنعهم المستعمر الكافر على عينه، ورباهم تربية غربية خالصة -في التفكير والسلوك- فكانوا أنموذجا لطليعة التغريب وأمثلة للغزو الفكري، وأداة للتقريب بين المستعمر الغربي والمسلمين؛ لتمييع موقف المفاصلة وكسر الحاجز النفسي بين المسلمين والكفار، وإضعاف عقيدة الولاء والبراء في نفوس المسلمين حتى تسهل السيطرة عليهم، وحتى يتم القضاء على منابع العزة ومصادر القوة في نفوسهم١.
ونجد هذا الذي أشرنا إليه في مجالات كثيرة، نجده في مجالات التربية والتعليم عند أولئك النفر الذين يريدون لهذه الأمة أن تخضع لمناهج الغرب الحديثة في التربية والثقافة٢.
وتجده في وسائل الإعلام المتنوعة -مسموعة ومرئية ومقروءة- التي تسبح بحمد الحضارة الغربية وتمجدها، وتمجد أهلها ودعاتها٣. وتجده في النشاط المحموم لترجمة أفكار الغرب ونقلها إلينا بغثها وسمينها، وفي نشر أفكار المستشرقين والاعتماد على كتبهم ومناهجهم، بل والتلقي عنهم واعتناق أفكارهم وترويج
_________________
(١) ١ انظر: "الظلال" المجلد الثاني ص٩٠٨-٩١٢، "النهي عن الاستعانة والاستنصار في أمور المسلمين بأهل الذمة والكفار" للورداني ص١١-١٧ من مقدمة المحقق. ٢ انظر: "نحو تربية إسلامية" للسيد أبي الحسن الندوي، ومقاله عن: "أهمية نظام التربية والتعليم" بمجلة حضارة الإسلام، دمشق. ٣ اقرأ للأستاذ يوسف العظم: "الإعلام العربي ورحلة الضياع".
[ ٣٧٨ ]
شبهاتهم١.
كما تجده في نشر المذاهب العلمانية اللادينية والأفكار الجاهلية، وفي تقليد الكفار والسير على منهجهم في توافه الأمور وساقطها، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه!
_________________
(١) ١ انظر بالتفصيل: "الولاء والبراء في الإسلام" ص٣٨١-٤٢٢.
[ ٣٧٩ ]