أولًا: أهل السنة والجماعة
مدخل
مصطلحات وتعريفات:
يتردد في هذه الصفحات، وفي غيرها من كتب العقيدة الإسلامية، بعض الألفاظ والمصطلحات، ينبغي أن نحدد معناها، وأن نتعرف عليها؛ منعا للالتباس واختلاط المفاهيم.
وسنشير فيما يلي إلى ثلاثة مصطلحات هي: أهل السنة والجماعة، والسلف، وأهل الحديث.
أولا: أهل السنة والجماعة
ويجمع هذا المصطلح وصفين اثنين لأصحابه، وهما: السنة والجماعة. وقد تقدم فيما سبق شرح معنى السنة في اللغة العربية وفي الاصطلاح الشرعي العام، وما يراد بها في كتب العقيدة١. ولذا نشير هنا فقط إلى معنى الجماعة، ومن ثَمَّ نجمع بين هذين الوصفين فيتضح لنا عندئذ معنى هذا المصطلح المركب منهما.
الجماعة في اللغة: مأخوذة من الجمع، وهو ضمّ الشيء بتقريب بعضه من بعض. يقال: جمعته فاجتمع٢.
قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" "١/ ٤٧٩":
"الجيم والميم والعين أصل واحد، يدل على تضامّ الشيء. يقال: جمعت الشيء جمعا. والجُمَّاع: الأُشَابة من قبائل شتى.. وقِدْر جِماع وجامعة؛ وهي القدر العظيمة ".
والجميع: ضد المتفرق، والمجموع: الذي جمع من هنا وهنا، وإن لم يجعل كالشيء الواحد، وفلاة مجمِّعة: يجتمع القوم فيها ولا يتفرقون؛ خوف الضلال ونحوه، كأنها هي التي جمعتهم. وكلمة جامعة: كثيرة المعاني على إيجازها، وجمعها: جوامع٣، كما في الحديث: "أُوتيتُ جوامع الكَلِم" ٤.
والجماعة: العدد الكثير من الناس وهي أيضا: طائفة من الناس، يجمعها غرض واحد٥.
والجماعة: هي الاجتماع، وضدها: الفُرقة.. وصار لفظ الجماعة اسما لنفس القوم المجتمعين٦.
_________________
(١) ١ انظر فيما سبق، ص٩٠-١٠١. ٢ "مفردات القرآن" للراغب ص٩٦. ٣ "الصحاح" للجوهري: ٣/ ١١٩٩، ١٢٠٠، وانظر: "لسان العرب"، "القاموس المحيط"، مادة "جمع". ٤ قطعة من حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب المساجد برقم "٥٢٣": ١/ ٣٧١. ٥ "المعجم الوسيط": ١/ ١٣٥. ٦ "مجموع فتاوى ابن تيمية": ٣/ ١٥٧.
[ ١٣٩ ]
عناصر في تعريف الجماعة:
ومن هذه النصوص اللغوية وأمثالها نلاحظ أن الجماعة تتكون من جملة عناصر، وهي:
١- الضم والتقريب بين أناس من هنا وهناك، أي: من جهات شتى.
٢- وفيها معنى العظمة والكثرة.
٣- وأن الاجتماع وعدم التفرق يهدف إلى عدم الضلال والضياع.
٤- وللجماعة الكثيرة هذه هدف وغرض واحد تلتقي عليه، فهي تسير على منهج واحد لتصل إلى غرضها وغايتها.
ولعل هذه الصفات والأمور كلها لا يخرج عنها هذا المفهوم العام، والمعنى الذي يريده العلماء من هذا المصطلح "أهل السنة والجماعة".
الأمر بلزوم الجماعة:
وقد أمر الله تعالى في كتابه الكريم بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، فقال:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] .
﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥] إلخ.
وتواردت أحاديث النبي -ﷺ- في الأمر بملازمة الجماعة والتحذير من مفارقتها، كقوله -ﷺ- في حديث أبي هريرة ﵁: "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية" ١.
وعن عمر بن الخطاب -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد" ٢.
وعن النعمان بن بشير -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "الجماعة رحمة، والفرقة عذاب" ٣ إلخ.
_________________
(١) ١ رواه مسلم في الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين برقم "١٨٤٨": ٣/ ١٤٧٦. ٢ أخرجه الترمذي في الفتن، باب في لزوم الجماعة: ٦/ ١٨٥، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقد روي من غير وجه، وصححه الحاكم: ١/ ١١٤، وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة": ١/ ١٢، وابن بطة: ١/ ٢٨٥. ٣ أخرجه الإمام أحمد: ٤/ ٢٧٨، وابن أبي عاصم: ١/ ٤٥، وابن بطة في "الإبانة الكبرى": ١/ ٢٨٧، قال الهيثمي في "المجمع" ٨/ ١٨٢: "رواه عبد الله بن أحمد والبزار والطبراني، ورجاله ثقات"، وذكره الألباني في "الصحيحة": ٢/ ٢٧٦. وانظر في الأمر بلزوم الجماعة والتمسك بالسنة: "الإبانة الكبرى": ١/ ٢٧٠ وما بعدها، و"السنة" لابن أبي عاصم: ١/ ٣٩ وما بعدها، "شرح أصول الاعتقاد": ١/ ٩٦-١١٣، "مجمع الزوائد": ٥/ ٢١٦-٢٢٥.
[ ١٤٠ ]
معنى جماعة المسلمين:
واختلف العلماء في المراد بهذه الجماعة التي أمر النبي -ﷺ- في هذه الأحاديث، وما في معناها بملازمتها.
وقد أجمل الشاطبي -﵀- ذلك في خمسة أقوال:
الأول: أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام، فالسواد الأعظم هم الناجون من الفِرَق، فما كانوا عليه من أمر دينهم فهو الحق، ومن خالفهم مات ميتة جاهلية، سواء خالفهم في شيء من الشريعة أو في إمامهم وسلطانهم، فهو مخالف للحق.
وممن قال بهذا: أبو مسعود الأنصاري، وابن مسعود. فروي أنه لما قتل عثمان -﵁- سئل أبو مسعود الأنصاري عن الفتنة، فقال: عليك بالجماعة، فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد -ﷺ- على ضلالة، واصبر حتى تستريح أو يستراح من فاجر. وقال ابن مسعود: عليكم بالسمع والطاعة؛ فإنها حبل الله الذي أمر به ثم قبض يده وقال: إن الذي تكرهون في الجماعة خير من الذي تحبون في الفرقة.
فعلى هذا القول: يدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة العاملون بها. ومن سواهم داخلون في حكمهم؛ لأنهم تابعون لهم ومقتدون بهم، فكل من خرج عن جماعتهم فهم الذين شذّوا، وهم نهبة الشيطان، ويدخل في هؤلاء الخارجين عن الجماعة جميع أهل البدع؛ لأنهم مخالفون لمن تقدم من الأمة، لم يدخلوا في سوادهم بحال.
[ ١٤٢ ]
والثاني: أنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين، فمن خرج مما عليه علماء الأمة مات ميتة جاهلية؛ لأن جماعة الله هي العلماء، جعلهم الله حجة على العالمين، وهم المعنيون بقوله ﵊: "إن الله لن يجمع أمتي على ضلالة" ١، وذلك أن العامة عنها تأخذ دينها، وإليها تفزع عند النوازل، وهي تبع لها. فمعنى قوله: "لن تجتمع أمتي": لن يجتمع علماء أمتي على ضلالة.
وممن قال بهذا: عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه، وجماعة من السلف، وهو رأي الأصوليين. فقد قيل لعبد الله بن المبارك: من الجماعة الذين ينبغي أن يقتدى بهم؟ قال: أبو بكر وعمر، فلم يزل يحسب حتى انتهى إلى محمد بن ثابت والحسين بن واقد. فقيل: هؤلاء ماتوا! فمن الأحياء؟ قال: أبو حمزة السكري جماعة "وهو محمد بن ميمون المروزي، سمع من أبي حنيفة، توفي سنة ١٦٨هـ".
فعلى هذا القول: لا مدخل في السؤال لمن ليس بعالم مجتهد؛ لأنه داخل في أهل التقليد، فمن عمل منهم بما يخالفهم فهو صاحب الميتة الجاهلية، ولا يدخل أيضا أحد من المبتدعين.
_________________
(١) ١ روي هذا الحديث من طرق، عن أبي مالك الأشعري وابن عمر وابن عباس وأنس وسمرة وأبي نضرة وأبي أمامة وأبي مسعود، بألفاظ كثيرة، عند أبي داود والترمذي والحكم وابن أبي عاصم في السنة. قال الزركشي بعد أن ساق رواياته كلها وطرقه: واعلم أن طرق هذا الحديث كثيرة، ولا تخلو من علة، وإنما أوردت منها ذلك ليتقوى بعضها ببعض، ومن شواهده ما في الصحيحين عن أنس قال: مُرَّ على النبي -ﷺ- بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال: "وجبت" ثم مر بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال: "وجبت" فقيل: يا رسول الله، لِمَ قلت لهذا وجبت ولهذا وجبت؟ قال: "شهادة القوم، والمؤمنون شهداء الله في الأرض" وفي لفظ مسلم: "من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض" ثلاثا. انظر: "المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر" للإمام بدر الدين الزركشي ص"٥٧-٦٢" بتحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي.
[ ١٤٣ ]
والثالث: أن الجماعة هي الصحابة على الخصوص؛ فإنهم الذين أقاموا عماد الدين وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلا، وقد يقع من سواهم فيها.
ألا ترى قوله ﵊: "ولا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله" ١.
وقوله: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس" ٢.
فقد أخبر ﵊ أن من الأزمان أزمانا يجتمعون فيها على ضلالة وكفر. وممن قال بهذا القول: عمر بن عبد العزيز، فقد روى ابن وهب عن مالك قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول: سن رسول الله -ﷺ- وولاة الأمر من بعده سننا، الأخد بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر فيما خالفها! من اهتدى بها مهتدُ، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. فقال مالك: فأعجبني عزم عمر على ذلك.
فعلى هذا القول: لفظ الجماعة مطابق للرواية الأخرى في قوله ﵊: $"ما أنا عليه وأصحابي"٣. فكأنه راجع إلى ما قالوه وما سنّوه.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في الإيمان، باب ذهاب الإيمان آخر الزمان برقم "١٤٨": ١/ ١٣١. ٢ أخرجه مسلم في الفتن، باب قرب الساعة برقم "٢٩٤٩": ٤/ ٢٢٦٨. ٣ عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة" وفي لفظ: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي". وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة عن عدد من الصحابة بألفاظ مختلفة، فأخرجه أبو داود في كتاب السنة: ٧/ ٣، ٤، والترمذي في الإيمان: =
[ ١٤٤ ]
فكل ما سنوه فهو سُنة من غير نظر فيه، بخلاف غيرهم، فإن فيه لأهل الاجتهاد مجالا للنظر، ردا وقبولا، فأهل البدع إذًا غير داخلين في الجماعة قطعا، على هذا القول.
والرابع: أن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام، إذا اجتمعوا على أمر، فواجب على غيرهم من أهل الملل اتباعهم، وهم الذين ضمن الله لنبيه -﵊- أن لا يجمعهم على ضلالة، فإن وقع بينهم اختلاف، فواجب تعرّف الصواب فيما اختلفوا فيه.
قال الشافعي: الجماعة لا تكون فيها غفلة عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس، وإنما تكون الغفلة في الفرقة١.
وكأن هذا القول يرجع إلى الثاني، وهو يقتضي أيضا ما يقتضيه، أو يرجع إلى القول الأول، وهو الأظهر.
وفيه من المعنى ما في الأول: من أنه لا بد من كون المجتهدين فيهم، وعند ذلك لا يكون مع اجتماعهم على هذا القول بدعة أصلا، فهم -إذًا- الفرقة الناجية.
والخامس: ما اختاره الإمام الطبري من أن الجماعة جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير. فأمر ﵊ بلزومه، ونهى عن فراق الأمة فيما اجتمعوا
_________________
(١) = ٧/ ٣٩٨، وابن ماجه في الفتن: ٢/ ١٣٢١، والدارمي في السير: ٢/ ٢٤١، وابن حبان برقم "١٨٣٤" من "موارد الظمآن"، والحاكم: ١/ ١٢٨، وابن أبي عاصم في "السنة": ١/ ٧، والإمام أحمد في "المسند": ٢/ ٢٣٢، ٣/ ١٢٠، ٤/ ١٠٢. وانظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" للألباني رقم "٢٠٣، ٢٠٤"، "الوصية الكبرى" ص"٤٦"، وللشيخ سلمان العودة دراسة موسعة للحديث وطرقه في "صفة الغرباء" "٢٠-٥١". ١ انظر: "الرسالة" للإمام الشافعي ص٤٧٦.
[ ١٤٥ ]
عليه من تقديمه عليهم.
وقد قال ﷺ: "من جاء إلى أمتي ليفرق جماعتهم، فاضربوا عنقه كائنا من كان" ١.
قال الطبري: فهذا معنى الأمر بلزوم الجماعة.
قال: وأما الجماعة التي إذا اجتمعت على الرضى بتقديم أمير، كان المفارق لها ميتا ميتة جاهلية، فهي الجماعة التي وصفها أبو مسعود الأنصاري، وهم معظم الناس وكافتهم من أهل العلم والدين وغيرهم، وهو السواد الأعظم.
قال: وقد بين ذلك عمر بن الخطاب ﵁، فروي عن عمرو بن ميمون الأودي قال: قال عمر -حين طُعن- لصهيب: صَلِّ بالناس ثلاثا وليدخل عليَّ عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف، وليدخل ابن عمر في جانب البيت، وليس له من الأمر شيء، فقم يا صهيب على رءوسهم بالسيف فإن بايع خمسة ونكص واحد فاجلد رأسه السيف، وإن بايع أربعة ونكص رجلان فاجلد رءوسهما حتى يستوثقوا على رجل.
قال: فالجماعة التي أمر رسول الله -ﷺ- بلزومها وسمى المنفرد عنها مفارقا لها نظير الجماعة التي أوجب عمر الخلافة لمن اجتمعت عليه وأمر صهيبا بضرب رأس المنفرد عنهم بالسيف، فهم في معنى كثرة العدد المجتمع على بيعته، وقلة العدد المنفرد عنهم.
قال: أما الخبر الذي ذكر فيه: "أن لا تجتمع الأمة على ضلالة" فمعناه: أن لا يجمعهم على إضلال الحق فيما نابهم من أمر دينهم حتى يضل جمعهم عن العلم
_________________
(١) ١ انظر: "صحيح مسلم"، كتاب الإمارة: ٣/ ١٤٨٠.
[ ١٤٦ ]
ويخطئوه، وذلك لا يكون في الأمة.
وحاصله: أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة، وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة المذكورة في الأحاديث المذكورة، كالخوارج ومن جرى مجراهم١.
وما ننتهي إليه في معنى أهل السنة والجماعة:
أنها الفرقة التي وعدها النبي -ﷺ- بالنجاة من بين سائر الفرق. ومدار هذا الوصف على اتباع سنة النبي -ﷺ- وموافقة ما جاء به من الاعتقاد والعبادة والهدي والسلوك، وملازمة جماعة المسلمين، وهو الحق الذي ينبغي التمسك به.
ولذلك قال ابن أبي شامة، ﵀: "وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة، فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلا والمخالف كثيرا؛ لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي -ﷺ- وأصحابه -﵃- ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم"٢.
قال عمرو بن ميمون: قدم علينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله -ﷺ- فوقع حبه في قلبي، فلزمته حتى واريته في التراب بالشام، ثم لزمت أفقه الناس بعده: عبد الله بن مسعود، فسمعته يقول: عليكم بالجماعة؛ فإن يد الله على الجماعة، ثم ذُكر يوما عنده تأخير الصلاة عن وقتها، فقال: صلوها في بيوتكم فهي الفريضة، واجعلوا صلاتكم معهم نافلة. قال عمرو بن ميمون: فقلت لعبد الله بن مسعود: يا أصحاب محمد، ما أدري ما تحدِّثون! قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها، ثم تقول لي: صل الصلاة وحدك وهي الفريضة، وصَلِّ مع الجماعة وهي نافلة؟!
قال: يا عمرو بن ميمون، قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية، تدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: إن جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة، إنما الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك. وفي رواية: فقال ابن مسعود: ويحك، إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله تعالى.
قال نعيم بن حماد: يعني: إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ٣.
_________________
(١) ١ "الاعتصام": ٢/ ٢٦٠-٢٦٥ باختصار يسير. وانظر: "فتح الباري": ١٣/ ٣٧. ٢ انظر: "الباعث على إنكار البدع والحوادث" ص١٩. ٣ أخرجه بنحوه: اللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد": ١/ ١٠٨، ١٠٩، وبهذا اللفظ نقله ابن أبي شامة من رواية البيهقي في "كتاب المدخل"، ولم أجده في القسم المطبوع منه. انظر: "الباعث" لابن أبي شامة ص١٩، ٢٠، "مجموع فتاوى شيخ الإسلام": ١٣/ ١٧٩.
[ ١٤٧ ]
تسمية أهل السنة والجماعة:
وقد سمي أهل السنة والجماعة بهذا الاسم؛ لتمسكهم بسنة النبي -ﷺ- والعمل بها، واتباعهم لما جاء به، ولأنهم يعتصمون بالحق وما عليه جماعة المسلمين، فلا يفترقون في الدين. وبذلك يكونون على الجادة من الصراط المستقيم الذي هو دين الإسلام المحض الخالص، وهو ما في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، فهو السنة والجماعة، فإن السنة المحضة هي دين الإسلام المحض الخالص١.
وأهل السنة والجماعة ليسوا محصورين في فئة معينة أو جماعة معينة، أو بلد أو زمن دون الآخر، إذ كل من اتصف بسمات وصفات أهل السنة وكان على منهجهم فهو داخل في دائرة أهل السنة والجماعة. وبهذا يلتقي مفهوم أهل السنة مع مفهوم السلف الآتي:
_________________
(١) ١ انظر: "الوصية الكبرى" لابن تيمية ص٤٥، "مفهوم أهل السنة والجماعة" د. ناصر العقل ص٧٧، ٧٨، "صفة الغرباء" سليمان العودة ص١٢٥-١٢٧، "الفَرْق بين الفِرَق" للبغدادي ص٣١٨-٣٦١، "التبصير في الدين" للإسفراييني ص١٨٥-١٨٧.
[ ١٤٨ ]
ثانيا: السلف
في الإطلاق اللغوي:
قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" "٣/ ٩٥":
"سلف: السين واللام والفاء، أصل يدل على تقدم وسبق. من ذلك: السلف الذين مضوا، والقوم السُّلاف: المتقدمون. والسُّلاف: السائل من عصير العنب قبل أن يعصر، والسُّلْفة: المعجَّل من الطعام قبل الغداء ".
وقال الراغب الأصفهاني في "المفردات" ص"٢٣٩":
"السلف: المتقدم، قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦]، أي: معتبرا متقدما، وقال تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، أي: يتجافى عما تقدم من ذنبه.. ولفلان سلف كريم، أي: آباء متقدمون، جمعه: أسلاف وسلوف ".
وقال الدامغاني في "الوجوه والنظائر لألفاظ القرآن" ص٢٤٣:
"السلف في القرآن على وجهين:
فوجه منهما؛ السلف: العبرة والعظة، كقوله تعالى ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾ [الزخرف: ٥٦] . يعني: عظة لمن يأتي بعدهم.
والوجه الثاني، السلف: ما تقدم من الزمن الأول، كقوله تعالى: ﴿وَأَن
[ ١٤٩ ]
تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: مضى من الزمن الأول".
وفي الاصطلاح الشرعي: تطلق كلمة السلف بإطلاقين؛ أحدهما خاص والآخر عام:
ففي الإطلاق الخاص عرّفه كل طائفة من العلماء بحسب مذهبهم، فقال علماء الحنفية:
السلف: من أبي حنيفة إلى محمد بن الحسن "١٨٩هـ"، ويقابله الخَلَف: من محمد بن الحسن إلى شمس الأئمة الحلواني "٤٤٨هـ".
ومن ينتسب إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل يقول: السلف الإمام أحمد بن حنبل، ومن تقدمه من الصحابة والتابعين.
وعلماء الشافعية والمالكية وعلماء الكلام، يقولون: السلف ما كان قبل الأربعمائة، والخلف ما كان بعد الأربعمائة١.
وفي الإطلاق الشرعي العام، يراد بالسلف: كل من يُقَلَّد مذهبه في الدين ويُقتفَى أثره فيه، كالصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين٢.
ثم أصبح مع التطور التاريخي لظهور الفرق الإسلامية منحصرا في المدرسة السلفية التي حافظت على العقيدة والمنهج الإسلامي طبقا لفهم الأوائل الذين تلقوه جيلا بعد جيل. وأبرز سماتهم هو التمسك بمنهج النقل؛ ولهذا عرفوا في البداية بأنهم "أهل الحديث" للتمييز بينهم وبين من انسلخ عن هذا المنهج من الشيعة والمعتزلة والخوارج وغيرهم، كما يعرفون أيضا بأنهم "أهل الأثر". وهذه
_________________
(١) ١ "نموذج من الأعمال الخيرية" ص١٠، ١١، وانظر: "الكليات": ٣/ ٣٤. ٢ انظر: "كشاف اصطلاحات الفنون": ٤/ ١٥، "الكليات": ٣/ ٣٤.
[ ١٥٠ ]
النسبة إلى الأثر، تعني: الحديث وطلبه واتباعه١.
ومن هذه الإطلاقات لكلمة السلف نخلص إلى أن هذا اللفظ يشمل: الصحابة والتابعين وتابعيهم من الأئمة الذين يقتدى بهم، كالأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وكذلك سفيان الثوري، وابن عيينة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وابني أبي شيبة، والبخاري، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم من الأئمة الأجلاء الأعلام الذين شُهد لهم بالإمامة في الدين والورع والتقوى ظاهرا وباطنا، وتلقى الناس كلامهم بالقبول والعمل به خلفا عن سلف٢ دون اعتبار لزمن معين، وعندئذ يتحدد مذهب السلف بما كان عليه الصحابة الكرام والتابعون وتابعوهم من الأئمة المذكورين٣.
ويخرج عن السلف كل من رُمي ببدعة أو اشتهر بلقب غير مرضي، أي: الفرق المخالفة للسنة ولمذهب الصحابة وما كانوا عليه، مثل: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، والجبرية، والمعتزلة، والمشبهة أو المجسمة وسائر الفرق الضالة، فهؤلاء ليسوا على ما كان عليه النبي -ﷺ- وصحابته، بل هم مخالفون لهم، ومخالفون لأهل السنة والجماعة من فقهاء الأمة وعلمائها الذين يقتدى بهم في الدين٤.
وكذلك: ليس من مذهب السلف -﵏- حمل الناس على اعتقاد لم يعتقده الرسول وأصحابه، ولا امتحان الناس بما لم يمتحنهم الله تعالى به، والعمل على الفتنة وتفريق صفوف الأمة.
_________________
(١) ١ "قواعد المنهج السلفي" ص٢٣. ٢ انظر: "لوامع الأنوار البهية": ١/ ٢٠ "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد" لابن بدران ص٤٢١، ٤٢٢، "نموذج من الأعمال الخيرية"، ص١١، ١٢، "الحجة في بيان المحجة": ٢/ ٤٧٣-٤٧٦. ٣ المراجع السابقة، وانظر: "السلفية ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب" ص١٠، ١١، "أهل السنة والجماعة، معالم الانطلاقة الكبرى" ص٥١، ٥٢. ٤ المراجع السابقة، و"الفرق بين الفرق" للبغدادي ص٣١٨-٣٢٢.
[ ١٥١ ]
وليس من مذهب السلف -وإن ادعاه قوم- أن يطلق إنسان لسانه بالطعن والشتم على الأئمة المتقدمين، ولا سيما الأئمة الأربعة، ويحط من قدرهم بنسبته إياهم إلى الجهل أو الخطأ أو تعمد التغيير في الأحكام، ويستدل على مدعاه بآية يأخذها على ظاهرها دون أن يفقه معناها، أو يستدل بحديث لا يدري قول الأئمة فيه، ويدعو الناس والعوام إلى الأخذ من القرآن أو الحديث من غير اتباع لقول أحد من الأئمة، ويقول: هذا كتاب الله وسنة رسول الله بين أيدينا، فأي حاجة بنا إلى تقليد فلان أو فلان، وهم رجال ونحن رجال!
وهذا القول ليس بحق، أو هو حق أريد به باطل، بل هو محض باطل أراد به صاحبه تشكيك الناس أو الوصول إلى الشهرة بينهم، إذ ليس بوسع كل أحد أن يأخذ أي حكم يريده من القرآن أو السنة إلا بمراجعة ما ورد عن الأئمة في ذلك الحكم، فهم أقرب عهدا بالرسول ﷺ، وأكثر علما وإحاطة بما جاء عنه، وفي الآيات والأحاديث ما هو منسوخ، وما هو مقيَّد وما هو محمول على غيره، كما هو مذكور في علم الأصول.
وليس من مذهب السلف أيضا: تأويل القرآن الكريم بالرأي الفاسد، دون النظر إلى ما ورد عن أئمة اللغة وما فسر به الصحابة وما ورد في الموضوع من آيات وأحاديث، وإلا فإنه يأخذ بعض الآيات والأحاديث، يضرب بعضها ببعض، أو يأخذ بعض الأدلة ويترك سائرها أو يترك المحكم من النصوص في القرآن والسنة، فيأخذ ما يتفق وعقله من المتشابه ويترك ما لا يتفق معه، أو ما لا يعرف وجهه ومعناه، أو يحمل نصوص الشرع على وفق هواه ومذهبه الذي ينتحله باطلا١.
وهذا كله يشير إلى ما يقابل مذهب السلف، وهو مذهب الخَلَف، وهم المخالفون للسلف من علماء الكلام والمتفلسفة، الذين تركوا الكتاب والسنة في الاستدلال على العقيدة ومسائلها؛ ليتبعوا منهجا عقليا يعارضون به المنهج الشرعي، ويؤولون النصوص الشرعية التي يظنونها مخالفة للعقل حسب فهمهم لها.
_________________
(١) ١ انظر في هذه المعاني السابقة: "نموذج من الأعمال الخيرية" ص١٢-١٧، "الوصية الكبرى" لابن تيمية ص٦٣، ٦٤، "فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم": ١٣-١٦٢، ١٦٣، "الاعتصام": ١/ ٢٢٠، وما بعدها.
[ ١٥٢ ]
ثالثا: أهل الحديث
الحديث في اللغة:
ضد القديم، ويستعمل في كثير الكلام وقليله، وهو اسم من التحديث بمعنى الإخبار، ثم سمي به كل ما صدر عن النبي من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خَلْقي أو خُلُقي.
وبعض العلماء يضيف إلى ذلك: ما أضيف إلى الصحابي أو التابعي أو ما صدر عنهما. وعندئذ تصبح كلمة الحديث مرادفة للخبر عند علماء الحديث.
وهو مرادف كذلك لكلمة "الأثر" عند بعض العلماء١.
وتقدم -فيما سبق- أن الفرق بين السنة والحديث: أن الحديث كل واقعة نسبت إلى النبي -ﷺ- ولو كان فَعَلَها مرة واحدة في حياته الشريفة، أو رواها عنه شخص واحد.
وأما السنة، فهي الطريقة المتواترة للعمل بالحديث، بل القرآن أيضا.
فقد ورد -مثلا- في القرآن الكريم: الأمر بإقامة الصلاة، وبين فيه بعض تفاصيلها أيضا، فالرسول -ﷺ- صلى بموجب ذلك وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ٢ واستمر على تلك الكيفية، وكذلك الصحابة والتابعون وسائر المسلمين. وهكذا الأمر في الصيام والزكاة والحج وسائر الأوامر القرآنية.
فالصورة العملية التي رسمها الرسول -ﷺ- لألفاظ القرآن هي السنة، وهي في الحقيقة تفسير عملي للقرآن٣.
_________________
(١) ١ انظر: "الباعث الحثيث" لابن كثير ص١٧، "الكليات": ٢/ ٢٠٢، ٢٠٣، "كشاف اصطلاحات الفنون": ٢/ ١٣، ١٤، "قواعد التحديث" ص٦١-٦٣، "منهج النقد في علوم الحديث" ص٢٦-٢٩. ٢ خرجه البخاري عن مالك بن الحويرث، كتاب الأذان: ٢/ ١١١، وفي الأدب: ١٠/ ٤٣٨. ٣"تحقيق معنى السنة" ص٢٠-٢٢.
[ ١٥٣ ]
تعريف أهل الحديث:
فإذا تعرفنا على معنى الحديث، فإننا نستطيع أن نتعرف على "أهل الحديث"؛ وهم الذين سلكوا طريق الصالحين واتبعوا آثار السلف من الماضين، وكان لهم عناية خاصة بأحاديث النبي -ﷺ- جمعا وحفظا ورواية، وفهما وعملا في الظاهر والباطن.
فكانوا بذلك ألزم الناس لسنن النبي ﷺ، لا يقدِّمون بين يديه، ولا يرفعون صوتهم فوق صوته بتقديم رأي أو هوى، أو استحداث بدعة.
ومنهم: كل عامل فقيه، وإمام رفيع نبيه، وزاهد في قبيلة، ومخصوص بفضيلة، وقارئ متقن، وخطيب محسن، وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم السبيل المستقيم؛ لأنهم أخذوا دينهم وهديهم من الكتاب والسنة وطريق النقل، فأورثهم ذلك اتفاقا في الدين وائتلافا، رغم بعد ديارهم واختلاف أزمانهم١
وكان المتقدمون يطلقون مصطلح "أهل الحديث" على المدرسة التي تقابل أهل الكلام، الذين عابهم السلف لما أدخلوه في الاعتقاد من مصطلحات وأفكار غريبة على المنهج الإسلامي، ولذلك اشتد النكير عليهم من علماء السنة. وهم أنفسهم -أي: علماء الكلام- كان يطلق عليهم "أهل الرأي"٢؛ لأنهم يقدمون آراءهم على الكتاب والسنة، ويعطون عقولهم سلطة الحكم على النصوص الشرعية. وهؤلاء هم أعداء السنن حقيقة، كما جاء وصفهم عن عمر ﵁.
_________________
(١) ١ انظر: "معرفة علوم الحديث" ص٢-٤، "الحجة في بيان المحجة": ٢/ ٢٢٠-٢٣٦، "شرف أصحاب الحديث" ص٨-١١، "فتاوى شيخ الإسلام": ٤/ ٩١-٩٥، "قواعد التحديث" ص٦٠. ٢ وإن كانت تطلق أيضا على مدرسة الكوفة الفقهية، التي يمثلها الحنفية فيما بعده، ولكن ليس المراد بهم عند المقابلة بأهل الحديث فقهاء الحنفية، وإنما يراد بهم المعتزلة وأهل الكلام. ويؤيد هذا أن مدرسة الكوفة والحجاز كلتيهما "الحنفية وأهل الحديث" تعتمدان على القرآن والحديث، وكذلك تقولان بالرأي بدرجة متقاربة وصور متشابهة، ويشهد له أيضا: أن ابن قتيبة -﵀- وهو صاحب الهجوم الشديد على أهل الرأي، عد منهم في كتابه: "المعارف"؛ الأوزاعي، وسفيان الثوري، والإمام مالكا، وهؤلاء ليسوا من مدرسة الحنفية أو الرأي على ما هو المشهور. انظر: "الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث" ص٢١ وما بعدها، "المعارف" لابن قتيبة ص٤٩٤-٤٩٩.
[ ١٥٤ ]
إطلاق خاص:
ثم أصبحت كلمة "أهل الحديث" تطلق بمعنى أخص على فئة معينة، ممن يُعنَون بدراسة الحديث النبوي رواية ودراية، أو رواية فحسب، أو ممن ينتسبون إلى هذا الأمر ويجتمعون عليه نظرا، ولو لم يكن لهم نصيب يذكر من العلم بالحديث النبوي الشريف.
وينبغي التنبيه إلى تغير المصطلحات بمرور الأزمنة، واختلاف مدلولاتها بين عصر وآخر عند كثير من الناس.
وإذا كان الأئمة -يرحمهم الله- يطلقون على أهل الحديث -في الماضي- أنهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، فإن اصطلاح أهل الحديث قد ضاقت دائرته عند الكثيرين حتى صار عَلَما على فئات من أهل الحديث، ولكنها ليست أهل الحديث كلهم.
ولذلك لا يحسن إطلاق "الفرقة الناجية" على فئات محددة تتسمَّى بأهل الحديث، وإذا كانت هي -فعلا- من أهل الحديث، يل ينبغي إعادة هذا الاصطلاح إلى مفهومه الواسع الصحيح١.
وإذا لاحظنا فيما سبق أن مفهوم "أهل السنة والجماعة" يلتقي مع مفهوم "السلف"، فإن مفهوم "أهل الحديث" أو "أهل الأثر" بالمعنى الواسع لا يخرج عنهما كذلك؛ ولذلك لم يكن مذهب السلف وأهل السنة مذهبا جديدا مبتدعا، بل هو المنهج الذي كان عليه الرسول -ﷺ- وصحابته الكرام والتابعون لهم بإحسان، وكذلك سائر الأئمة، وإنما تميزوا -فيما بعد- بهذا اللقب أو التسمية في مقابل أهل البدع والأهواء والفرق المخالفة، ومن هنا جاء الحديث عن عقيدة أهل السنة والجماعة.
فإذا لم يكن ما يدعو للمقابلة والتميز لعدم وجود ما يناهضها، يعود الحديث عندئذ عن العقيدة الإسلامية، هكذا بعامة، والله الموفق.
_________________
(١) ١ "صفة الغرباء" ص١١٨.
[ ١٥٥ ]
وسطية أهل السنة والجماعة:
ألمعنا -فيما سبق- إلى وجوب لزوم السنة والجماعة، وتعرفنا على معناهما، وعلى وجه تسمية الفرقة الناجية باسم "أهل السنة والجماعة"، مما لا نجد حاجة لإعادته هنا. ولذلك نكتفي بالإشارة إلى أن هذا الالتزام بالسنة والجماعة والاعتصام
بهما هو من أعظم وأهم سمات الفرقة الناجية، وأما السمة الثانية التي تتبعها ونخصها بالذكر في هذه الفقرة فهي: الوسطية بين الفرق الأخرى.
والوسطية تعني الاعتدال والتوازن بين أمرين، أو طرفين فيهما إفراط وتفريط أو غلو وتقصير. وهذه الوسطية إذن هي العدل والطريق الأوسط الذي تجتمع عنده الفضيلة.
وأهل السنة والجماعة يتميزون بالوسطية والاعتدال بين الفرق الأخرى التي تقف على طرفي نقيض، فتتجه إحداهما لأقصى اليمين مثلا وتقف الأخرى في أقصى اليسار.
وتظهر هذه الوسطية في أبواب الاعتقاد ومسائله بعامة، نجتزئ منها بجملة أمثلة تشير إلى سائرها١:
أ- ففي أسماء الله الحسنى وصفاته العظمى؛ يؤمن أهل السنة والجماعة بكل ما وصف الله تعالى به نفسه وما وصفه به رسوله ﷺ، وبجميع الأسماء الحسنى التي بلغت الغاية في الحسن والكمال والتنزيه، يؤمنون بذلك كله من غير تحريف لمعناها أو نفي لها، ومن غير تكييف ولا تمثيل، حيث لا يعينون كنه الصفة وكيفيتها مما استأثر الله تعالى بعلمه، ولا يمثلونها أو يشبهونها بصفات المخلوقين.
وبذلك يكون أهل السنة والجماعة وسطا بين أهل التعطيل والنفي الذين يلحدون في أسماء الله وآياته، ويعطلون حقائق ما وصف الله به نفسه، حتى
_________________
(١) ١ انظر بالتفصيل: "الوصية الكبرى"، ص٥٢-٥٥، "شرح العقيدة الواسطية"، للهراس ص٢٠-٣٢، "التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية" ص١٩١-٢٠٤، "شرح العقيدة الطحاوية" ص٢١٦ وما بعدها، "٤٦٧" وما بعدها.
[ ١٥٦ ]
يشبهوه بالعدم والموات، وبين أهل التمثيل والتشبيه الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات.
ب- وفي باب الخَلْق والأمر، يؤمن أهل السنة والجماعة بأن الله تعالى على كل شيء قدير، فيقدر أن يهدي العباد ويقلّب قلوبهم، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق الأعيان والصفات والحركات.
ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل، وأنه مختار فيما يعمله، ولا يقولون: إنه مجبور؛ لأن المجبور هو من أُكره على خلاف اختياره، والله سبحانه جعل العبد مختارا لما يفعله، فهو مختار مريد، والله خالقه وخالق اختياره.
وبذلك يكون أهل السنة والجماعة وسطا بين القدرية، الذين يكذبون بقدرة الله، الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء؛ وبين الجبرية المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمل، فيعطلون الأمر والنهي، والثواب والعقاب، فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا:
﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] .
جـ- وفي أسماء الإيمان والدين وأحكام أهلها من الوعد والوعيد؛ يقف أهل السنة والجماعة موقفا وسطا حيث يؤمنون أن أهل الكبائر من المسلمين أو فساق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله، وليس معهم جميع الإيمان الواجب الكامل الذي يستوجبون به الجنة، وأنهم لا يخلدون في النار، بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، وأن النبي -ﷺ- ادّخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته. وبذلك يتوسطون بين الوعد والوعيد، ويؤمنون بالآيات كلها في هذا وذاك.
فهم -إذن- وسط بين الوعيدية، الذين غلّبوا آيات الوعيد والتخويف، فحكموا على مرتكب الكبيرة بالخروج من الإيمان بالكلية كالخوارج، أو بالخروج من الإيمان
[ ١٥٨ ]
وعدم الدخول في الكفر كالمعتزلة القائلين بأنه في منزلة بين المنزلتين، ويكذبون بشفاعة النبي ﷺ، وبين المرجئة الذين يرون أن مرتكب الكبيرة غير فاسق، وأنه لا يضر مع الإيمان أي ذنب، فهو مؤمن كامل الإيمان، وأن الأعمال الصالحة ليست من الدين، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية تغليبا لجانب الوعد وآياته، فكل من هذين الفريقين يؤمن بجانب ويهمل الآخر.
د- وفي موقفهم من الصحابة -رضوان الله عليهم- يحبون أصحاب رسول الله ﷺ، ولا يُفْرِطون في حب أحد منهم ويتجاوزون به الحد، ولا يتبرءون منهم، ولا يذكرونهم إلا بخبر، فإن حبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان، وقد شهد الله تعالى لهم بالخير والفضل، وتواردت الأحاديث النبوية في ذلك، وفضلهم مأثور غير منكور.
وبذلك يكونون وسطا بين الرافضة الذين يغالون في علي ﵁، فيفضلونه على أبي بكر وعمر -﵄- ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما، وأن الصحابة ظلموا وفسقوا، وكفروا الأمة بعدهم كذلك، وربما جعلوه نبيا أو إلها، وبين الجافية من الخوارج الذين يعتقدون كفر علي وعثمان -﵄- ويستحلون دماءهما ودماء من تولاهما، ويستحبون سب علي وعثمان ونحوهما، ويقدحون في خلافة علي -﵁- وإمامته. وكل من هاتين الفرقتين تجمع غلوا وتقصيرا في الوقت نفسه، فكل منهما يحب صحابيا ويغالي فيه ويعادي الآخرين ويبغضهم، فيجمعون بذلك بين الإفراط والتفريط.
وهكذا في سائر أبواب الاعتقاد ومسائله، يقف أهل السنة والجماعة موقفا وسطا؛ لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله، وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.
[ ١٥٩ ]