د. ناصر بن عبد الله بن علي القفاري
دار طيبة للنشر والتوزيع
[ ٢ / ١ ]
القسم الثاني
الباب الثالث: آراء دعاة التقريب في قضايا الخلاف ومناقشة ذلك
ويشمل:
الفصل الأول: فيما يتصل بمذهب الشيعة.
ويتضمن: آراء دعاة التقريب:
١- في قول الشيعة بتحريف القرآن.
٢- في انحرافهم في تفسير القرآن.
٣- في دعواهم تنزل كتب إلهية غير القرآن.
٤- في السنّة.
٥- في الإجماع.
٦- في الإمامة.
(أ) في غلوهم بالأئمة.
(ب) وفي قبور الأئمة.
(ج) في غلوهم في مجتهديهم.
(د) في قولهم بعدم شرعية حكومة إسلامية غير حكومة الاثني عشر.
(هـ) في قولهم بأن الإمامة ركن من أركان الدين ومنكرها كافر.
(و) في غلو الشيعة في نفسها.
[ ٢ / ٥ ]
٧- في العصمة.
٨- في الرجعة.
٩- في الغيبة.
١٠- في البَدَاء.
١١- في الصحابة.
١٢- في التَّقِيَّة.
الفصل الثاني: فيما يتصل بمذهب أهل السنة.
[ ٢ / ٦ ]
توطئة:
سبق أن ذكرنا الأصول العقدية عند الفريقين: السنّة، والشيعة، وهو ما في الباب الأول والثاني، وكانت الدراسة لتلك الأصول من خلال المصادر المعتمدة لهما، ولقد تبين سعة الفجوة بين الفريقين كما جاء بيان ذلك في النتيجة.
وفي هذا الباب عرض لآراء دعاة التقارب الذين يرون أنه لا خلاف بين الفريقين إلا في مسائل يسيرة في الفروع.. نعرض آراءهم فيما مضى من أسس الخلاف ونناقشه.
ولن تجد في هذا الباب إلا كلام المعاصرين، اللهم إلا ما نأتي به أحيانًا لمناقشة آراء المعاصرين، كما أنك تلاحظ أن السمة الغالبة فيما مضى هو النقل من أصولهم المعتمدة في الحديث ومن أقوال علمائهم السابقين.
وسنرى في هذا المبحث هل يسير المعاصرون على خطى القدامى، أو أن الصورة تغيرت، كما يقول بعض دعاة التقريب؟ فدعوى عدم وجود خلاف بين السنّة والشيعة هي دعوى نشأت في هذا العصر مع نشاط حركة التقريب. فلنر.. هل تغير شيء مما عرضنا؟ ونقول: إن دعاة التقريب هم من الفريقين: السنّة والشيعة - كما سيأتي في «محاولات التقريب» - وسنعرض ما نجده من آراء لهم حول ما أثرناه فيما مضى من صفحات كما قلنا، والجدير بالذكر أن معظم فئات التقريب من أهل السنّة ليسوا على دراية بكثير مما مضى
[ ٢ / ٧ ]
حول الشيعة، فهم لا يعلمون بوجوده فكيف يكون لهم رأي فيه؟ (١)، ولكن الشيعة هم الذين كان لهم دفاع عن بعض ما مضى - حول مذهبهم - أو إقرار بما فيه، وهم أهل المذهب، وأحرى بأن يستفتوا فيه حتى لا يكون هناك مظلمة لأحد، لذلك ستكون تلك الآراء الآتية فيما يتصل بما شذ فيه الشيعة مأخوذة من كتب الشيعة المعاصرة التي تنادي بالتقريب، وتدافع عن التشيع وتزعم أنها لا تخالف جمهور المسلمين إلا في بعض مسائل الفروع - كما قلنا - نتعرف على آراء تلك الفئة ونناقشها على ضوء ما مر ليتبين مقدار الجدية في التقريب والصدق في محاولة اللقاء مع المسلمين.
لقد تبين لنا سعة الفجوة بين الفريقين، وإن كبر الفُرقة يتحملها الشيعة، فلنر ما يقولون في تلك المسائل. ولعل من الضروري أن نشير إلى أن تلك الفئة التي نستطلع آراءها هي من الاثني عشرية "الرافضة"، لأنها - كما بينا - كانت هي المحضن أو المستودع لآراء الشيعة بكافة فرقها وهي التي أصبحت مصادرها في التلقي معروفة معلومة، وبالإمكان دراسة تلك الآراء - على ضوئها كما مر - أما غيرها فهي:
(أ) إما باطنية محضة لا تزال تمارس العزلة والتخفي وتعيش في سراديب الكتمان، وقد برهنت الوثائق والوقائع على زندقتهم وإلحادهم، ومع ذلك فإن بعض الأقلام الباطنية في هذا العصر تدعو للتقارب (٢)، مع أن مصادرها في الاعتقاد لا تزال في الغالب
_________________
(١) انظر: محاولات التقريب عند أهل السنة.
(٢) فهذه طائفة الدرزية رفعت شعار التقريب وألقى أحد رجالها ويسمى "رفيق =
[ ٢ / ٨ ]
طي الكتمان وما ظهر منها يبرهن على إلحادهم، فكيف يمكن التقارب معهم، وهل دعوة التقارب منهم سوى محاولة لاكتساب صفة الشرعية والعمل على تسهيل مهمة الدعاة الباطنيين في الديار الإسلامية؟.
(ب) وإما زيدية، والزيدية إما جارودية فهي - رافضية إمامية - وإن تسمت بالزيدية - تكفر صحابة رسول الله - ﷺ - وترد مروياتهم، وأما الزيدية المعتدلة كالبترية، فهي من أقرب فرقة الشيعة إلى الاعتدال. وهي على ما بينّا ترجع لمصادر الأمة (ولذلك تجد القرب قائمًا من غير محاولة تقريب) (١) .
ولهذا فإن "الرافضة" تطعن في الزيدية وتخرجهم من التشيع ما عدا فئة الجارودية من الزيدية - كما سبق (٢) - وهم لا يحتجون بروايات الزيدية. يقول الطوسي: (ورجال الزيدية وما يختصون بروايته
_________________
(١) = وهبة" محاضرة في جمعية الشبان المسلمين بعنوان "محاضرة في الائتلاف تحت لواء الإسلام" أو "الجامعة الإسلامية وموقف الدروز منها" وطبعت عام ١٣٥٨هـ، وقدم له أحد الروافض "عبد الله العلايلي"، وزعم الدرزي في محاضرته (أن مذهب الدروز مذهب إسلامي له طريقته الخاصة في التفسير، وأن الدروز انبثقوا من الإسلام وبنوا تعاليمهم على القرآن الشريف) إلخ: (ص ٤٩- ٥٠) من المصدر المذكور. وهذه طائفة النصيرية حاولت أن تمسك بدعوى التقارب والوحدة، فأصدر أحد رجالها رسالة بعنوان "إنما المؤمنون إخوة تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله" وطبعت في مطبعة الإرشاد باللاذقية عام ١٣٥٧هـ، إلى غيرهما من طوائف الباطنية. لقد حاولت هذه الطوائف الباطنية الكافرة أن ترفع شعار الإخوة والتقارب لتخدع المسلمين ولتضفي ستارًا على زندقتها ومؤامراتها ضد الإسلام والمسلمين. راجع (الإسماعيلية): ص ١٣٤ من هذا البحث.
(٢) أبو زهرة: «الإمام زيد»: ص ٤.
(٣) انظر: ص ١٥٥ من هذه الرسالة.
[ ٢ / ٩ ]
لا يُعمل به على ما بُيّن في غير موضع) (١) .
والرافضة تكفر الزيدية (٢)، لهذا لم يبق سوى "الرافضة" وهي التي تنشط في الدعوة للتقريب، فلنر ما يقولونه فيما شذّوا به عن المسلمين.
١- في قول الشيعة بتحريف القرآن:
لقد نسبت كتب أهل السنّة إلى مذهب الشيعة تلك المقالة الشنيعة في الزندقة والإلحاد وهي قولهم بتحريف القرآن (٣) . ورأينا أن أهل السنّة لم يظلموهم، وأن هذا "الطعن" في كتاب الله متواتر في كتبهم وهو مذهب لطائفة من علمائهم، بل نقل بعضهم.. اتفاقهم على هذه "المقالة" (٤) فماذا يرى دعاة التقريب في هذه "المقالة" التي تقطع صلتهم بالإسلام والمسلمين وهم يحاولون اللقاء مع المسلمين؟
وحين نتتبع ما كتبه دعاة التقريب من الشيعة حول هذه "القضية" نجد أنها تدور على المحاور التالية:
_________________
(١) «الاستبصار»: (جـ١ص ٦٦) باب: وجوب المسح على الرجلين.
(٢) انظر: «رجال الكشي»: ص ٢٢٩، رقم ٤٠٩، ٤١٠، ٤١١، وص ٤٦٠ رقم ٧٨٣، ٨٧٤.
(٣) انظر مثلًا: الملطي: «التنبيه والرد»: ص ٢٥، ابن حزم: «الفصل»: (٥/٢٢)، البغدادي: «الفرق بين الفرق»: ص ٣٢٧. محب الدين الخطيب: «الخطوط العريضة»: ص ١٠ وما بعدها، موسى جار الله: «الوشيعة»: ص ٢٣، «مختصر التحفة الاثني عشرية»: ص ٣٠ وما بعدها، و«الشيعة والسنّة»: إحسان إلهي ظهير: ص ٧٧ وما بعدها.
(٤) انظر: ص ٢٠٥ وما بعدها من هذا البحث.
[ ٢ / ١٠ ]
المحور الأول:
استعمال التقية، وذلك بإنكار ما ينسب إليهم في هذا الشأن، ونفي أن يكون لهم رأي، أو قول، أو حديث يمس كتاب الله ويشير إلى تحريفه نفيًا قاطعًا، وممن سار على هذا "الخط" عبد الحسين الأميني النجفي في كتابه «الغدير» - وذلك حينما رد على ابن حزم (١) ما نسبه إلى الشيعة من القول بتلك المقالة - فقال هذا النجفي: (ليت هذا المجترئ أشار إلى مصدر فريته من كتاب للشيعة موثوق به، أو حكاية عن عالم من علمائهم تقيم له الجامعة وزنًا، بل نتنازل معه إلى قول جاهل من جهالهم أو قروي من بسطائهم، أو ثرثار كمثل هذا الرجل يرمي القول على عواهنه، وهذه فرق الشيعة في مقدمتهم الإمامية مجمعة على أن ما بين الدفتين هو ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه) (٢) .
مناقشة هذا الرأي:
إن القارئ ليعجب من هذه الجرأة على نفي ما هو واقع، ولا شك أن هذا النفي سيؤول من الشيعة ومن المطلعين على ما في
_________________
(١) حيث قال ابن حزم: (ومن قول الإمامية كلها قديمًا وحديثًا أن القرآن مبدل زيد فيه ما ليس منه ونقص منه كثير وبدل منه كثير، حاشا علي بن الحسن بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان إماميًا يظاهر بالاعتزال، مع ذلك فإنه كان ينكر هذا القول ويكفر من قاله، وكذلك صاحباه أبو يعلى ميلاد الطوسي وأبو القاسم الرازي) «الفصل»: (٥/٢٢)، ونقل هذا الكلام عنه صاحب «الغدير» بحذف بعض كلمات ابن حزم: «الغدير»: (٣/٩٤) .
(٢) «الغدير» (٣/٩٤- ٩٥) . ومثله في هذا المسلك لطف الله الصافي في كتابه «مع الخطيب..»: ص ٧١.
[ ٢ / ١١ ]
كتب الشيعة من أهل السنّة سيؤول بأنه تقية فماذا يجدي مثل هذا الدفاع.
وإن القارئ ليعجب من جرأة مثل هذا الرجل على هذا الكذب الصريح مع مكانته الكبيرة عند طائفته (١)، وفي أخبارهم أن الرجل يكبر في أنفسهم كل ما كان أبدع وأقدر في استعمال التقية مع المخالفين، لكن هذا النجفي لم يحسن التقية فهو كمن يريد أن يحجب ضوء الشمس بكفه وأنّى له ذلك؟! فهو ينفي ما هو واقع في كتبهم التي أصبحت في متناول الكثيرين، وليرجع القارئ إلى ما كتبناه عنهم في مبحث قولهم بتحريف القرآن. ومن العجيب أنه وهو ينكر وجود تلك المقالة في كتبهم في الجزء الثالث من كتابه - نراه في الجزء التاسع من الكتاب يتورط هو نفسه بهذه المقولة الشنيعة ويناقض نفسه بنفسه؛ فيقول مهاجمًا وطاعنًا في الخليفة الراشد - أفضل الصحابة ﵃ أبي بكر الصديق (يقول: (سل عنها - أي صفة أبي بكر في زعمه - أمير المؤمنين وهو الصديق الأكبر يوم قادوه كما يقاد الجمل.. إلى بيعة عمت - كذا - شؤمها الإسلام، وزرعت في قلوب أهلها الآثام، وعنفت سلمانها، وطردت مقدادها، وفتقت بطن عمارها، وحرقت القرآن، وبدلت الأحكام) (٢) كما أورد آية مفتراة في نفس كتابه «الغدير» الذي ينفي فيه وجود تلك المقالة
_________________
(١) ويلقبونه بالحبر، العلم، الحجة، المجاهد، وكتابه «الغدير» متوج بثناء وتوثيق آياتهم وعظمائهم مثل محسن الحكيم: (جـ٧ ص ز)، وعبد الحسين شرف الدين الموسوي: (جـ٧ ص هـ)، وحسين الموسوي: (جـ٩ ص ب) وغيرهم.
(٢) «الغدير»: (٩/٣٨٨) .
[ ٢ / ١٢ ]
عندهم، ونص هذه الآية المزعومة هي: (اليوم أكملت لكم دينكم بإمامته فمن لم يأْتم به وبمن كان من ولدي"؟! " من صلبه إلى يوم القيامة فأولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون، إن إبليس أخرج آدم "﵇" من الجنة مع كونه صفوة الله بالحسد، فلا تحسدوا فتحبط أعمالكم وتزل أقدامكم) .
وزعم هذا الرافضي أن رسول الله - ﷺ - قال: إنها نزلت في علي. وحاول أن يموه ويخدع القراء فينسب هذا الافتراء لمحمد بن جرير الطبري السني، وهو محمد بن جرير الطبري الرافضي، إن صحت النسبة إليه، فالرجل افترى على الله وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين (١) .
وهكذا يثبت الرجل ما ينفيه (٢)، والمسألة لا تحتاج لإثباته أو نفيه، فهي قد سودت صفحات كتب الشيعة الأساسية، وأقر كبار علمائهم بأنها مستفيضة ومتواترة فيها، وأصبحت مذهبًا لطائفة منهم لكن أسلوب هذا الرجل يتفق مع ما ذكروه من أن المسائل التي أجمع المسلمون عليها يجب إظهار الموافقة لهم فيها وتقيتهم بها.
وإلى هذا يشير الطوسي - وهو يرد حديثين عندهم وردا بتحريم الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها - على أن
_________________
(١) «الغدير»: (جـ١/ص ٢١٤- ٢١٦) .
(٢) هذا الأسلوب: الإثبات في موضع، والإنكار في موضع آخر، مسلك لهم في أحاديثهم وفي كلام علمائهم. وقد ورد في أحاديثهم بيان للسبب في هذا "النهج"؛ وهو عدم وقوف العامة "أهل السنّة" على حقيقة مذهبهم فلا يتعرضوا لهم بسوء. «البحار»: (٢/٢٣٦)، وفيه (لو اجتمعتم على أمر واحد لأخذ برقابكم) .
[ ٢ / ١٣ ]
الخبرين يحتملان شيئًا آخر؛ وهو أن نحملهما على ضرب من التقية، لأن جميع العامة "أهل السنة" يخالفوننا في ذلك، (لأن مذهب الشيعة يبيح الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها) ويدعون - أي أهل السنّة - أن هذه مسألة إجماع، وما هذا حكمه تجري فيه التقية.
فالطوسي هنا يكشف أمرًا خطيرًا، ومبدأ في غاية الفساد وهو أن مسائل الإجماع عند المسلمين تجري فيها التقية عند الشيعة، فهل نثق بعد هذا في موافقة الشيعة لجمهور المسلمين؟ وهذا كلام إمامهم الطوسي صاحب كتابين من كتبهم الأربعة في الحديث وكتابين من كتبهم الأربعة في الرجال ومن يسمونه بـ "شيخ الطائفة على الإطلاق".
وقد مر بنا في مبحث "قول الشيعة بتحريف القرآن" أنهم ألفوا في إثبات هذا الاعتقاد كتبًا مستقلة آخرها كتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» لحسين النوري الطبرسي (١٣٢٠هـ)، وقلنا: إن مؤلف هذا الكتاب يحظى بثقة الشيعة، وهذا الكتاب - كما سبق - يعتبر من أكبر فضائح الشيعة، لأن مؤلفه جمع أحاديثهم وأقوال علمائهم في الطعن في كتاب الله سبحانه إلخ. وكنا ننتظر من دعاة التقريب من الشيعة موقفًا جادًا وحازمًا إزاء هذا الكتاب ومؤلفه، لكننا وجدناهم يحاولون خداع الناس والتستر على الباطل، وحماية عرض هذا الرجل الذي يريد هدم الإسلام بالطعن في ركنه وعموده وهو القرآن الكريم.
[ ٢ / ١٤ ]
فهذا "لطف الله الصافي" من علماء الشيعة في إيران، وممن يتظاهر بالحماس لفكرة التقريب، ووحدة المسلمين (١)، يحاول أن يخدع المسلمين ويغرر بهم ويدافع بالكذب عن ذلك "الرجل" فيقول: إن المحدث النوري - يعني صاحب فصل الخطاب - لم ينكر ما قام عليه الإجماع واتفاق المسلمين من عدم الزيادة ولم يقل: إن القرآن قد زيد فيه، بل صرح في ص ٢٣ بامتناع زيادة السورة أو تبديلها، فقال: (هما منتفيان بالإجماع وليس في الأخبار ما يدل على وقوعهما، بل فيها ما ينفيهما) - كما يأتي - وقد اعترف المحدث المذكور بخطئه في تسمية هذا الكتاب، كما حكى عنه تلميذه الشهير وخريج مدرسته العالم الثقة الثبت الشيخ أغابزرك الطهراني - مؤلف «الذريعة» و«أعلام الشيعة» وغيرهما من الكتب القيمة - فقال في ذيل ص ٥٥٠ من الجزء الأول من القسم الثاني من كتابه «أعلام الشيعة»: (ذكرنا في حرف الفاء من «الذريعة» عند ذكرنا لهذا الكتاب مرام شيخنا النوري في تأليفه «فصل الخطاب»، وذلك حسبما شافهنا به وسمعنا من لسانه في أواخر أيامه فإنه كان يقول: أخطأت في تسمية الكتاب، وكان الأجدر أن يسمى بـ «فصل الخطاب في عدم تحريف الكتاب»، لأني أثبت فيه أن كتاب الإسلام "القرآن الكريم" الموجود بين الدفتين المنتشر في أقطار العالم وحي إلهي بجميع سوره وآياته وجمله لم يطرأ عليه تغيير أو تبديل ولا زيادة ولا نقصان
_________________
(١) ولكنه يناقض ذلك، في كثير من كلماته وآرائه كما في كتابيه: «مع محب الدين في خطوطه العريضة»، و«صوت الحق» .
[ ٢ / ١٥ ]
من لدن جمعه حتى اليوم) (١) هذا ما يقولونه، وبالرجوع إلى كتاب «فصل الخطاب» (٢) لمعرفة "الحقيقة" نجد أن المؤلف كشف عن غرضه الخبيث في مقدمة كتابه حيث يقول فيها: (هذا كتاب.. عملته في إثبات تحريف القرآن وفضائح أهل الجور والعدوان وسميته: «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب») (٣) .
أما صفحات الكتاب فتشتمل على ثلاث مقدمات وبابين:
المقدمة الأولى: في الأخبار الواردة عن الشيعة في جمع القرآن وجامعه وسبب جمعه وكونه - كما يعتقد هذا المجوسي - في معرض النقص بالنظر إلى كيفية الجمع، وبأن تأليفه يخالف تأليف المؤلفين. ص ٢- ٢٤.
المقدمة الثانية: في أقسام التغيير الممكن حصوله في القرآن والممتنع دخوله فيه. ص ٢٤- ٢٦ - كما يزعم-.
المقدمة الثالثة: في ذكر أقوال علماء الشيعة في تغيير القرآن وعدمه. ص ٢٦- ٣٦.
الباب الأول: أدلة هذا المجوسي وأهل ملته على وقوع التغيير والنقص في القرآن. ص ٣٦- ٣٦٠.
الباب الثاني: في ذكر أدلة القائلين بعدم تطرق التغيير وجواب هذا المجوسي عنها. ص ٣٦٠- ٣٩٨.
_________________
(١) انظر: «مع الخطيب في خطوطه العريضة» لطف الله الصافي: (ص ٦٤- ٦٦) .
(٢) وقد استطعت الحصول على صورة من النسخة الخطية للكتاب من المجمع العلمي بالعراق.
(٣) «فصل الخطاب»: ص ١.
[ ٢ / ١٦ ]
وقد طبع الكتاب على الحجر في إيران سنة ١٢٩٨هـ وعليه خاتم الدولة الإيرانية الرسمي، وقد استبشر به "أعداء الإسلام" فترجمه المبشرون إلى لغاتهم ونشروه كما ذكر ذلك بعض الشيعة (١) .
فمادة هذا الكتاب كلها محاولة يائسة للنيل من كتاب الله العظيم، فكيف يقال بعد هذا: إن المؤلف أخطأ فقط في عنوان الكتاب؟ وقوله: إن النوري الطبرسي نفى زيادة السورة أو تبديلها وقال: هما منتفيان بالإجماع، فهذه حقيقة ولكن لماذا لم يكمل "الصافي" ما في الصفحة نفسها والتي تليها؟ فقد قال "النوري الطبرسي" وهو يذكر صور التغيير في القرآن - كما يزعم-: (الأولى: زيادة السورة ولا ريب في امتناعها.. الثانية: تبديل السورة وهي كالأولى.. الثالثة: نقصان السورة وهو جائز كسورة الحفد وسورة الخلع وسورة الولاية) . ثم استمر يعدد صور التغيير بزعمه فقال: (نقصان الآية وهو غير ممتنع ومثاله: والعصر إن الإنسان لفي خسر وأنه فيه إلى آخر الدهر، زيادة الكلمة كزيادة «عن» في قوله تعالى: يسألونك عن الأنفال، ونقصانها كـ "في علي"؟ في مواضع كثيرة، وتبديل الكلمة كتبديل آل محمد بعد قوله: (إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم) بآل عمران.. نقصان الحرف كنقصان همزة من قوله تعالى: كنتم خير أمة - يريدها خير أئمة - و«يا» في قوله تعالى: يا ليتني كنت ترابًا - يريدها ترابيًا حتى تكون إشارة لعلي لأن لقبه أبو تراب) .. إلخ الصور التي ذكرها، وكلها طعن في كتاب الله (٢) . وقد اعترف بعض علماء الشيعة بأن هذا
_________________
(١) وهو آيتهم محمد مهدي الموسوي الأصفهاني الكاظمي في كتابه «أحسن الوديعة»: (١/٧٣) .
(٢) «فصل الخطاب»: (ص ٢٣- ٢٤) (مخطوط) .
[ ٢ / ١٧ ]
الطبرسي تجرأ جرأة عظيمة على الإصرار على تحريف كتاب الله (١) .
فلماذا هذا التستر على الباطل والدفاع الكاذب من رجال يعدهم الشيعة من كبار علمائهم المعاصرين؟، هل يظنون أن هذا الكذب سيخدعون به جميع الناس؟ وهل يتصورون أنهم بهذا الأسلوب يتمكنون من إخفاء حقيقة كتاب مطبوع؟، فهم بهذا المنهج كالنعامة التي تدفن رأسها بالرمال وتظن أن الناس لا يرونها.
أليس في هذا الأسلوب نزع لثقة الناس بما يقولونه بشكل مطلق؟! ومن العجب أن ينال هؤلاء «الرجال» ثقة بني قومهم وهم على هذا المستوى من الكذب. أم أن هذا مفخرة لهم لأنهم فعلوا تسعة أعشار الدين وهو التقية؟ نحمد الله على نعمة العقل والدين.
إن لبعض الشيعة «أساليبهم» في المكر والخداع. فهؤلاء الثلاثة بهذا الدفاع إنما يعنون شيئًا آخر لا يفطن له من لم يقرأ في كتب الشيعة، ويتعرف على مكائدهم، إنهم يعنون بهذا الدفاع القرآن المزعوم عند إمامهم المنتظر، والدليل على ذلك في تكملة الكلام السابق - الذي ذكره لطف الله الصافي عن أقابزرك الطهراني، والذي يرويه عن شيخه صاحب فصل الخطاب - وهو قوله بعد ذلك الكلام السابق مباشرة: (وقد وصل إلينا المجموع الأوّلي بالتواتر القطعي ولا شك لأحد من الإمامية فيه.. كما أني أهملت التصريح بمرامي في مواضع متعددة من
_________________
(١) وهو عبد الله الممقاني. انظر: «البرهان على عدم تحريف القرآن» ميرزا مهدي بروجردي: ص ١٣٢، وصاحب «البرهان على عدم تحريف القرآن» يسمى "الطبرسي" ثقة الإسلام، مع أنه يزعم أنه يدافع عن القرآن ومع ذلك يمدح أعداء القرآن.
[ ٢ / ١٨ ]
الكتاب حتى لا تسدد نحوي سهام العتاب والملامة، بل صرحت غفلة بخلافه، وإنما اكتفيت بالتلميح إلى مرامي ص ٢٢، إذ المهم حصول اليقين بعدم وجود بقية للمجموع بين الدفتين كما نقلنا هذا العنوان عن الشيخ المفيد ص ٢٦) .
ففي قوله: (وقد وصل إلينا المجموع الأولي.. ولا شك لأحد من الإمامية فيه) إشارة واضحة إلى قرآنهم المزعوم فهو يقول: (وصل إلينا المجموع الأولي) فهو وصل إليهم خاصة، وهو المجموع الأولي، وحتى يؤكد أن المراد هو ما عند منتظرهم قال: (ولا شك لأحد من الإمامية فيه) .. فمن الثابت أن طائفة من الشيعة: كالكليني، والقمي، والطبرسي، والمجلسي وغيرهم لا يشكون بل يؤكدون تلك المقولة الخبيثة في كتاب الله، ويزعمون أن القرآن الكامل هو عند مهديهم - كما سبق - ولكن الذي لا شك لأحد من الإمامية فيه هو ما عند منتظرهم وانظر إلى قوله: (كما أني أهملت التصريح بمرامي حتى لا تسدد نحوي سهام العتاب والملامة)، ما هو مرامه الذي أهمل التصريح به؟ إذا كان مرامه إثبات أن القرآن محفوظ فهذا إجماع المسلمين وهذا ينجيه من الملامة فلماذا يهمل التصريح به؟، وقوله: (بل صرحت غفلة بخلافه) كيف نفسر هذه الكلمات البلهاء إذا كان القصد أنه صرح بحفظ كتاب الله على غفلة؟ فلم يكون التصريح بهذا الأمر المجمع عليه عند المسلمين على غفلة؟ وكيف يفطن القارئ لهذه الغفلة إلا إذا كان يخاف من طائفته؟ ولكن واقع كتابه غير ذلك، ولا شك أن هذا كلام ساقط لا يستحق المناقشة ولكن لأنه صادر من كبارهم عرضناه ليقف القارئ عليه.
ومن الأمثلة لنفيهم المطلق لما هو واقع في كتبهم: "في مسألة
[ ٢ / ١٩ ]
تحريف القرآن» أن محب الدين الخطيب ذكر أن الطبرسي في فصل الخطاب في الصفحة ١٨٠ ذكر سورة "الولاية" التي تزعم الشيعة أنها سقطت من القرآن (١) فيرد عليه عالم الشيعة الصافي بقوله: (فانظر ما في كلامه من الكذب الفاحش والافتراء البيّن، ليس في فصل الخطاب لا في ص ١٨٠ ولا في غيرها من أول الكتاب إلى آخره ذكر من هذه السورة المكذوبة على الله تعالى) (٢) . ا. هـ.
والواقع أن الكاذب هو "لطف الله الصافي" فسورة الولاية أشار إليها الطبرسي في «فصل الخطاب» ص ٢٣، ونقلها بكمالها في ص ١٨٠ وسيرى القارئ صورة لهذه.. السورة المزعومة من كتاب «فصل الخطاب» في "الوثائق"، فهل يجهل هذا لطف الله الصافي وقد رجع إلى الصفحة نفسها التي تضمنت الإشارة إلى السورة المزعومة؟ فماذا يجدي مثل هذا الدفاع الكاذب؟
ومن الأمثلة على نفيهم التحريف عن القرآن - ويعنون به القرآن الذي يزعمون أنه عند منتظرهم - ما يقوله عبد الحسين شرف الدين الموسوي (٣) ونصه: (نسب إلى الشيعة القول بالتحريف بإسقاط كلمات وآيات، فأقول نعوذ بالله من هذا القول ونبرأ إلى الله من هذا الجهل وكل من نسب هذا الرأي إلينا جاهل بمذهبنا أو مفتر علينا، فإن القرآن الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته) (٤) تأمل
_________________
(١) «الخطوط العريضة»: ص ١١.
(٢) «مع الخطيب في خطوطه العريضة»: ص ٧٢.
(٣) سيأتي ترجمته في محاولات التقريب.
(٤) «أجوبة مسائل جار الله»: ص ٢٨، ٢٩.
[ ٢ / ٢٠ ]
قوله: (فإن القرآن الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته)، ماذا يعني بالقرآن المتواتر من طرقهم؟ هل هو القرآن الذي بين أيدينا؟ أم القرآن الغائب كما يدعون؟!. إن تخصيصه بأنه متواتر من طرقهم إشارة للمعنى الأخير. فالقرآن العظيم كان من أسباب حفظه تلك العناية التي بذلها عظيما الإسلام أبو بكر وعمر وأتمها أخوهما ذو النورين عثمان بن عفان في جمعه وتوحيد رسمه.. تحقيقًا لوعده (: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (ومعتقد الشيعة في هؤلاء الثلاثة معروف. فهذا القرآن إذن غير متواتر من طرقهم.
هذه الصور التي نقلناها كلها تندرج تحت محور الإنكار لما هو واقع موجود، ويستحلون ذلك باسم التقية، فأي ثقة بشيوخ هذا مسلكهم؟ وكيف يطمئن مسلم إلى دين قائم على الخداع والكذب؟ وكيف يمكن التفاهم مع شيوخ مردوا على الدجل والتزييف؟
المحور الثاني ومناقشته:
المحور الثاني هو الاعتراف بأن هناك بعض الروايات في تحريف القرآن ولكنها عندهم شاذة ومخالفة للإجماع.
يقول محمد حسين آل كاشف الغطا - وهو مرجع الشيعة بين سنة ١٩٦٥ - ١٩٧٣م -: (وأن الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله إليه للإعجاز والتحدي، ولتعليم الأحكام، وتمييز الحلال والحرام، وأنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة، وعلى هذا إجماعهم.. والأخبار الواردة من طرقنا أو طرقهم الظاهرة في نقصه أو تحريفه ضعيفة شاذة وأخبار آحاد لا تفيد علمًا ولا عملًا،
[ ٢ / ٢١ ]
فإما أن تؤول بنحو من الاعتبار أو يضرب بها الجدار) (١) .
مناقشة هذا القول:
هذا المعنى قاله قبله.. الطوسي، والطبرسي، والمرتضي وغيرهم من علماء الشيعة السابقين وتابعهم عليه بعض المعاصرين (٢) من الشيعة، لكن يرد عليه أن الأمر ليس مجرد روايات ضعيفة شاذة، بل هو مذهب لكبار علماء الشيعة، زعموا تواتره واستفاضته، ومنهم من زعم اتفاقهم عليه كما سبق، فلماذا التستر على هؤلاء، والزعم بأنها روايات ضعيفة مشتركة بين الطائفتين؟ ولماذا يُقَدس أصحاب هذه "المقولة" وتصبح كتبهم مصادر معتمدة في الحديث عندهم كالكليني والمجلسي والطبرسي؟.
ومع ذلك نقول: إن هذا الحكم من كبير علماء الشيعة على تلك الروايات بالشذوذ - وهي كما سبق (٣) قد بلغت بشهادة علمائهم حد الاستفاضة والتواتر من طرقهم - هذا الحكم إن كان بصدق ينبغي أن يكون دافعًا للحكم على عقائد الشيعة الأخرى التي انفصلت بها عن المسلمين، كما ينبغي أن تكون منطلقًا لنقد أسانيد رواياتهم؛ فمن روى مثل تلك الروايات لا ينبغي أن يوثق به كالكليني وغيره. هذه هي النتيجة العملية لحكم آل كاشف الغطا إن كان صادقًا، وإلا فإن المسألة تبقى مجرد دفاع عن المذهب مبرقعًا بالتقية.
_________________
(١) «أصل الشيعة»: (ص ٦٣- ٦٤) .
(٢) مثل مرجع الشيعة الآخر محسن الأمين. انظر: «الشيعة»: ص ١٦٠.
(٣) انظر: ص ١٨٩ من هذا البحث.
[ ٢ / ٢٢ ]
المحور الثالث:
وهو الاعتراف بأن هناك روايات في هذا كالروايات التي تزعم حذف أسماء الأئمة ونحو ذلك ولكن هذه من قبيل التفسير وليست من القرآن. يقول محمد حسين الطباطبائي: (المراد في كثير من روايات التحريف من قولهم ﵈ كذا نزل هو التفسير بحسب التنزيل في مقابل البطن والتأويل) (١) .
المناقشة:
هذا الرأي عند تطبيقه على روايات الشيعة نراه لا يتلاءم مع كثير من تلك الروايات، فقد ورد في رواياتهم "المفتراة" أن القرآن العظيم قد شابه تغيير في ألفاظه وكلماته، مثل ما يروونه عن علي - ﵁ - زورًا وبهتانًا أنه قال: (وأما ما حُرّف من كتاب الله فقوله: (كنتم خير "أئمة" أخرجت للناس) .. فخرفت إلى خير أمة، ومنهم الزناة واللاّطة والسراق وقطاع الطريق والظلمة وشراب الخمر والمضيعون لفرائض الله تعالى والعادلون عن حدوده، أفترى الله تعالى مدح من هذه صفته؟) (٢) .
ومنه قوله تعالى في سورة النحل: (أن تكون أمة هي أربى من أئمة) فجعلوها أمة.. وقوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أئمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا) ومعنى وسطًا بين الرسول وبين الناس، فحرفوها وجعلوها أمة.
_________________
(١) «الميزان في تفسير القرآن»: (جـ١٢/ص ١٠٨) .
(٢) «يعنون الصحابة - لأن القرآن العظيم اثني عليهم، ودين الشيعة يقوم على سبهم، فطعنوا في كتاب الله لهذا السبب.
[ ٢ / ٢٣ ]
ومثله في سورة عم: (ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابيًا) فحرفوها وقالوا: ترابًا، وذلك أن الرسول - ﷺ - كان يكثر من مخاطبتي بأبي تراب ومثل هذا كثير (١) . فهل هذه الرواية - وأمثالها كثير - تنسجم مع تأويلهم بها بأنها من قبيل التفسير؟ لا شك أن هذا مخرج غير سليم، والموقف الصحيح هو ردها ورد مرويات من اعتقدها..
المحور الرابع:
وهو الاعتراف بأن هناك روايات وكتب للشيعة في إثبات تحريف القرآن، ولكن المقصود بالتحريف هنا.. النقص..!!!
يقول شيخهم - المعاصر - أغابزرك الطهراني في كتابه «الذريعة» إلى تصانيف الشيعة - بعد ذكره لما ألفه الشيعة من مؤلفات لتأييد هذه الفرية - يقول: (.. وتحرير هذا البحث على ما ذكره السيد المفيد قدس سره هو أنه هل لهذا القرآن - الذي هو كتاب الإسلام وهو الموجود بين الدفتين - بقية؟ أم ليست له بقية؟ فالنفي والإثبات متوجهان إلى البقية التي هي غير القرآن الموجود بين الدفتين، أم لم ينزل شيء آخر غير ما بينهما؟ فمحل هذا الخلاف إنزال وحي آخر وعدمه، لكن عبروا قديمًا عن الإنزال وعدمه بالتحريف وعدمه من باب التعبير عن الشيء بلوازمه، فإن لازم نزول وحي لم يوجد فيما بين أيدينا أن يكون ذلك المنزل متروكًا ومحذوفًا ومسقطًا ومنقصًا، واللفظ الكاشف بمعناه اللغوي عن جميع تلك اللوازم هو التحريف.. فعدلوا عن دعوى ثبوت الإنزال وعدمه إلى دعوى تحقق التحريف،
_________________
(١) «البحار»: (٩٣/ص ٢٦، ٢٧، ٢٨) .
[ ٢ / ٢٤ ]
أي الأخذ بالجانب وعدمه، ثم قال: فظهر أن عنوان البحث قديمًا بتحريف الكتاب بغير بيان لم يقع في محله، وكان الأولى أن يُعَنْوَن المبحث بتنقيص الوحي، أو يصرح بنزول وحي آخر وعدمه حتى لا يتمكن الكفار من التمويه على ضعفاء العقول بأن في كتاب الإسلام تحريفًا باعتراف طائفة من المسلمين) (١) .
المناقشة:
هذا هو دفاع عالم الشيعة عن كتاب الله سبحانه وهو تأكيد "التحريف" والطعن في كتاب الله بما يشبه الدفاع. (كبرت كلمة تخرج من أفواههم (، ولا يستغرب الشيء من معدنه فهذا الطهراني: هو تلميذ صاحب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» وهو الذي أراد خداع جمهور المسلمين بزعمه أن مؤلف «فصل الخطاب» شافهه بأنه أراد الدفاع عن القرآن وإنما أخطأ في العنوان، فهو يحاول أن يتستر على معتقد شيخه الباطل بأساليب من المكر والمراوغة، وها هو ذا ينكشف بهذا "الدفاع"، فهو يزعم أن للقرآن بقية، وأن للوحي الإلهي تكملة وأن الأولى أن يعنون بدل التحريف بعنوان "نقص القرآن" أو نزول وحي آخر - ويزعم أن في هذا دفاعًا عن القرآن أمام الأعداء، هذا هو مبلغ دفاعه عن القرآن والإسلام. سبحانك هذا بهتان عظيم، أما مسألة دعواهم نزول وحي آخر فلهم فيها مزاعم كثيرة كما رأينا ذلك في مبحث "دعواهم تنزل كتب إلهية بعد القرآن".
_________________
(١) «الذريعة»: (٣/٣١٣- ٣١٤) .
[ ٢ / ٢٥ ]
المحور الخامس:
وهو أنهم يقولون بأن هذا القرآن محفوظ لكن لدينا قرآنًا آخر عند إمامنا المنتظر..
وفي كتاب «البيان» للخوئي أن هذا المعنى متفق عليه بينهم (١) وفي كتاب «الإسلام على ضوء التشيع» لمن يلقبونه بالحجة آية الله العظمى الإمام الخراساني.. نجد هذا القول: (نحن معاشر الشيعة نعتقد بأن هذا القرآن الذي بأيدينا الجامع بين الدفتين - كذا يعني المجموع - هو الذي أنزله الله تعالى على قلب خاتم الأنبياء (من غير أن يدخله شيء بالنقص أو بالزيادة، كيف وقد كفّل - كذا - الشارع بنفسه تعالى من كل شين: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (؟.
على أننا معاشر الشيعة "الاثني عشرية" نعترف بأن هناك قرآنًا كتبه الإمام علي - ﵁ - بيده الشريفة، بعد أن فرغ من كفن رسول الله - ﷺ - وتنفيذ وصاياه، فجاء به إلى المسجد النبوي فنبذه الفاروق عمر بن الخطاب قائلًا للمسلمين: حسبنا كتاب الله وعندكم القرآن، فرده الإمام علي إلى بيته، ولم يزل كل إمام يحتفظ عليه كوديعة إلهية إلى أن ظل محفوظًا عند الإمام المهدي القائم المنتظر، عجل الله تعالى فرجنا بظهوره) (٢) .
_________________
(١) الخوئي: «البيان»: ص ٢٢٣.
(٢) الخراساني: «الإسلام على ضوء التشيع»: ص ٢٠٤.
[ ٢ / ٢٦ ]
المناقشة:
هذه دعوى "وجود" قرآن آخر غير كتاب الله، وهو وديعة إلهية - كما يدعي - وقد رده عمر.
ما الحاجة لوجود قرآن والله يقول: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكن الإسلام دينًا «١)؟!.
ولِمَ تبق هذه الوديعة هذه الآماد من السنين عند منتظرهم والناس في حاجة إليها؟
إن مسألة وجود قرآن آخر، ومسألة الطعن في كتاب الله سبحانه هما في كتب الشيعة الأساسية مسألة واحدة وقضية واحدة لا تنفصل إحداهما عن الأخرى. فهم يطعنون في القرآن ويزعمون أن القرآن الكامل عند مهديهم المنتظر، وذلك بعد أن قام عمر برده وقال: لا حاجة لنا فيه. كما في كتابهم «الاحتجاج» للطبرسي وغيره على ما سبق بيانه. فهذا "الشيعي" ومن على منهجه أراد أن يتدرج بالقارئ المسلم لإقناعه بهذه الفرية بإظهاره على أحد وجوهها، ثم هذه الدعوى لا بقاء لمذهبهم إلا بها، لأن دينهم قام على مسألة إمامة الاثني، عشر وهؤلاء ليس لهم ذكر في كتاب الله فاضطروا إلى الالتجاء لهذه المقولة الشنيعة وتخبطوا في ذلك أيما تخبط.
المحور السادس:
إنهم يقولون: كنا نقول بالتحريف ثم عدلنا عن ذلك بعد الدراسة والتمحيص، وهذا الرأي لم أجده إلا في كتاب «الشيعة والسنة
_________________
(١) المائدة: الآية ٣.
[ ٢ / ٢٧ ]
في الميزان» (١) حيث يقول: (الفرق بيننا وبين غيرنا أنا لم نقل بعدم التحريف إلا بعد دراسة وتمحيص، ولذلك وقع بعض علمائنا المتقدمين بالاشتباه فقالوا بالتحريف، ولهم عذرهم كما أن لهم اجتهادهم وإن أخطأوا بالرأي، غير أنا حينما فحصنا ذلك ثبت لنا عدم التحريف فقلنا به وأجمعنا عليه) (٢) .
المناقشة:
هذا رأي انفرد به صاحب الشيعة والسنّة.. وليس له في كتب الشيعة شاهد ولا أثر، ويبدو أنه اضطر إلى القول به لمحاولة الرد على الشواهد الكثيرة التي جاء بها إحسان إلهي ظهير وقوله بأنهم رجعوا عن هذا الافتراء بأجمعهم منقوض بصنيع عالمهم المعاصر حسين النوري الطبرسي - وهو صاحب أحد مراجعهم في الحديث، وقد ألف كتابه «فصل الخطاب» لإثبات هذه الفرية كما تقدم ـ، وهو منقوض أيضًا بكتاب «تحريف القرآن» لسيدهم راحت حسين المعاصر المولود سنة ١٢٩٧هـ وقد كتبه بالأردية (٣)، وكذلك «تحريف القرآن» لسيدهم علي نقي ابن السيد أبي الحسن النقوي اللكهنوي - المعاصر - المولود سنة ١٣٢٣ هـ وهو بالأردية أيضًا (٤)، وهو معارض أيضًا بما قدمناه عن أغابزرك الطهراني والأميني النجفي وغيرهما، ثم لِمَ يقال في "أمر" أجمع عليه
_________________
(١) وموضوعه: محاكمة مزعومة لقاضي مجهول بين إحسان إلهي ظهير ولطف الله الصافي.
(٢) «الشيعة والسنّة في الميزان» محاكمة بقلم س. خ، نشر نادي الخاقاني، ط. دار الزهراء، بيروت: (ص ٤٨- ٤٩) .
(٣) ، (٤) «الذريعة إلى تصانيف الشيعة»: (٣/٣٩٤) .
[ ٢ / ٢٨ ]
المسلمون - وهو حفظ كتاب الله - أن من خالفهم فيه له عذره واجتهاده؟ وهل هي مسألة اجتهادية، وهل فيها عذر وتأويل سائغ؟!
وإنه ليسر المسلم أن يرجعوا عن هذا المذهب الفاسد.. ولكن لِمَ هذا التعصب الأعمى والزعم بأن الجميع قد رجعوا عن مقالتهم؟ ولِمَ التأول والاعتذار عمن هذا مذهبه ومقاله؟
وعلام تلك الثقة بفئة هذا معتقدها في كتاب الله سبحانه؟ لم لا يكون هناك صدق في القول، ومصارحة بالحقيقة، وتميز في الاعتقاد والقول والعمل؟ وإلا فإن سحابة من الشك ستلون هذا الموقف. وعسى الله سبحانه أن يبصر المخلصين ويهدي الحائرين، ويبيد المنافقين الذين يسعون في الأرض فسادًا ويخادعون عباد الله المؤمنين.
إن صدق الموقف في هذه المسألة يقتضي البراءة من معتقديها وكتبهم كالكليني وكتابه «الكافي»، والمجلسي وكتابه «البحار»، والقمي وتفسيره، وغيرهم من علمائهم الكبار - عندهم - الذين يأخذون منهم دينهم ويقتدون بهم، ويثقون بكتبهم ويقدسونها.
المحور السابع:
إن القول بالتحريف هو قول طائفة من الشيعة يسمون بالإخباريين أو أهل الحديث، وهم الذين يقبلون كل ما جاء عن طريق "المعصومين" بلا تمحيص أو تمييز، أما الطائفة الأخرى وهم "الأصوليون"، والذين يميزون بين الأحاديث صحة وضعفًا فهم ينكرون التحريف ويؤولون تلك الأخبار أو يردونها.
[ ٢ / ٢٩ ]
يقول شيخهم جعفر النجفي (١): (وصدرت منهم - يعني من الإخباريين - أحكام غريبة، وأقوال منكرة عجيبة، منها قولهم بنقص القرآن مستندين إلى روايات تقضي البديهة بتأويلها وطرحها، وفي بعضها نقص ثلث القرآن أو ربعه ونقص أربعين اسمًا من سورة تبت منها أسماء جماعة من المنافقين، وفي ذلك منافاة لبديهة العقل، لأنه لو كان ذلك.. لقامت الحرب على ساق وكان في ابتداء الإسلام من الفتن ما كان في الختام، ثم لو كان حقًّا لتواتر نقله وعرفه جميع الخلق، لأنهم كانوا يضبطون آياته وحروفه وكلماته تمام الضبط، فكيف يغفلون عن مثل ذلك؟، ولعرف بين الكفار وعَدّوه من أعظم معايب الإسلام والمسلمين..) (٢) .
هذا قول كبير شيوخ الشيعة المتأخرين، واحتج بقوله هذا بعض شيوخ الشيعة المعاصرين (٣) .
المناقشة:
هذا "الرأي" قال به بعض علماء الشيعة السابقين وهو السيد "المرتضي" حيث قال: (من خالف في ذلك - أي في حفظ كتاب
_________________
(١) جعفر بن خضر بن شلال الحلي الجناحي الأصل النجفي المسكن والوفاة، كان شيخ مشايخ الحلة والنجف في زمانه، أشهر تصانيفه: «كشف الغطاء، عن مبهمات الشريعة الغراء» توفي سنة ١٢٢٧هـ. «الأعلام»: (٢/١١٧- ١١٨) .
(٢) جعفر النجفي: «الحق المبين» عن الطباطبائي: «هامش الأنوار النعمانية»: (٢/٣٥٩)، وانظر: جعفر النجفي - أيضًا - «كشف الغطا»: (ص ٢٩٨- ٢٩٩) .
(٣) مثل محسن الأمين في كتابه «الشيعة»: (ص ١٦٣- ١٦٤)، وعبد الحسين الموسوي، في «أجوبة مسائل جار الله»، ومحمد جواد مغنية في «الشيعة في الميزان»: ص ٣١٤.
[ ٢ / ٣٠ ]
الله - من الإمامية لا يعتد بخلافهم، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث - من الشيعة - نقلوا أخبارًا ضعيفة وظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته) (١) .
ولما قال ابن حزم: إن من قول الإمامية قديمًا وحديثًا أن القرآن مبدل استثنى السيد المرتضي من هذا القول (٢) .
ويلاحظ أن "المرتضي" حكم على تلك الأخبار بالضعف وعدم القبول، لكن عالم الشيعة المعاصر جعفر النجفي.. سلك في تلك الأخبار مسلك التأويل، فقد قال بعد ذلك الكلام السابق الذي نقلناه: (فلا بد من تنزيل تلك الأخبار إما على النقص من الكلمات المخلوقة (٣) قبل النزول إلى السماء الدنيا أو بعد النزول إليها قبل النزول إلى الأرض، أو على نقص المعنى في تفسيره، والذي يقوي في نظر القاصر التنزيل على أن النقص بعد النزول إلى الأرض فيكون القرآن قسمين: قسم قرأه النبي صلى الله عليه وآله على الناس وكتبوه وظهر بينهم وقام به الإعجاز، وقسم أخفاه ولم يظهر عليه أحد سوى أمير المؤمنين ﵇ ثم منه إلى باقي الأئمة الطاهرين، وهو الآن محفوظ عند صاحب الزمان جعلت فداه) (٤) .
_________________
(١) انظر: «التبيان» الطوسي: (١/٣) ط النجف، «مجمع البيان» الطبرسي: (١/١٥) ط صيدا.
(٢) انظر: هامش ص ١١ من هذا البحث.
(٣) لأنهم يعتقدون - كالمعتزلة - أن القرآن مخلوق.
(٤) جعفر النجفي: «حق المبين» عن هامش «الأنوار»: (٢/٣٥٩- ٣٦٠)، «كشف الغطا»: ص ٢٩٩.
[ ٢ / ٣١ ]
ولا شك أن مسلك المرتضي مسلك سليم إن لم يكن ذلك منه تقية، فقد نقل عنه بعض علماء الشيعة ما يمس كتاب الله - كما مر - والله يتولى السرائر، على أن من الإنصاف أن نقول: إن ذلك الناقل عنه متهم في نقله لأن هدفه إثبات تلك الفرية وهو رافضي لا يعوزه الكذب، أما رأي جعفر النجفي فهو رأي من الخطورة بمكان وهو عين رأي "السبئية" كما نقله عنها "الحسن ابن محمد بن الحنفية" وهو قولهم: (هدينا لوحي ضل عنه الناس، وعلى خفي)، ويزعمون أن نبي الله كتم تسعة أعشار القرآن (١)، والخطورة الكبرى في هذا الرأي أنه صادر من مرجع من كبار مراجعهم ومن يأخذ برأيه الملايين.
وإذا كان هذا هو رأي أحد كبار علماء الشيعة فكيف يمكن أن نرد مسائل النزاع إلى كتاب الله، وهم يحتجون بنصوص يزعمون أنها من ذلك القرآن المستودع عند علي - ﵁ - والمكتوم عن الأمة؟!!
وهذه المقولة من كبير من كبار الروافض طعن في كتاب الله، وفي رسوله - ﷺ -، وفي علي - ﵁ -، ذلك أنه يترتب على ذلك الرأي أن كتاب الله ناقص، وأن رسول الله - ﷺ - المأمور بالبلاغ الكامل لأمته قد كتم عن أمته قسمًا من الوحي الإلهي.
وهو طعن في علي - ﵁ - بأن عنده علمًا كتمه عن الناس، وتكذيب له - ﵁ - في نفيه ذلك قاطعًا (٢) .
_________________
(١) مضى ذكر هذا النص ص ٢١٣.
(٢) كما في «صحيح البخاري»، وقد مر ذكره ص ٩٢ من هذا البحث.
[ ٢ / ٣٢ ]
المحور الثامن والأخير:
هو موقف مرجع الشيعة "الحالي" من هذه القضية:
أكبر مرجع للشيعة في العصر الحاضر هو "الخوئي"، خص هذه المسألة بحديث طويل في كتابه «البيان» وخلاصة رأيه في هذه الفرية ما يلي:
أن المشهور بين علماء الشيعة ومحققيهم، بل المتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف (١)، لكنه يعترف بوجود روايات التحريف في كتب الشيعة، بل يقطع بصحة بعضها فيقول: (إن كثرة الروايات تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين ﵈، ولا أقل من الاطمئنان بذلك وفيها ما روي بطريق معتبر) (٢) !!
ثم يقسم روايات الشيعة في هذا الباب إلى أقسام:
أولًا: رواياتهم التي تقول بوجود مصحف لعلي غير المصحف الموجود وأنه مشتمل على أبعاض ليست موجودة في القرآن الذي بأيدينا، ويقول إن رواياتهم في هذا كثيرة (٣)، ويذكر أمثلة لذلك، ومما ذكره ما يروونه عن أبي جعفر أنه قال: (ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أُنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده ﵈) (٤) .
_________________
(١) «البيان»: ص ٢٢٦.
(٢) «البيان»: ص ٢٢٢.
(٣) «البيان»: ص ٢٢٢.
(٤) «البيان»: ص ٢٢٣ عن «الكافي» للكليني بإسناده عن جابر الجعفي..
[ ٢ / ٣٣ ]
وكان موقف مرجع الشيعة من هذا النوع من "أساطيرهم" هو: (الاعتراف بوجود هذا المصحف والتصريح بأنه مختلف عن القرآن الموجود في ترتيب السور وفي اشتماله على زيادات ليست في القرآن الذي بين أيدينا) (١) !!
ولكنه يقول: (إنه لا دلالة في ذلك على أن هذه الزيادات كانت من القرآن وقد أُسقطت منه بالتحريف، بل الصحيح أن تلك الزيادات كانت تفسيرًا بعنوان التأويل وما يؤول إليه الكلام، أو بعنوان التنزيل من الله شرحًا للمراد) (٢) .
ثانيًا: رواياتهم التي دلت على التحريف بعنوانه - كما يعبر - وبلغت عندهم - على حسب اعترافه - عشرين رواية، وذكر لذلك عدة أمثلة، منها ما عن الكافي والصدوق بإسنادهما عن علي بن سويد قال: كتبت إلى أبي الحسن موسى (- وهو في الحبس - كتابًا إلى أن ذكر جوابه "ع" بتمامه وفيه قوله "ع": (أؤتمنوا على كتاب الله فحرّفوه وبدّلوه) ويجيب شيخ الشيعة عن أمثال هذه "الأكاذيب" بأن الأمة وعلى رأسهم الصحابة - رضوان الله عليهم - قد حملوا آيات القرآن على غير معانيها الحقيقية، ونص كلامه في هذا هو قوله: (فهي ظاهرة الدلالة على أن المراد بالتحريف حمل الآيات على غير معانيها.. ولولا هذا التحريف لم تزل حقوق العترة محفوظة، وحرمة النبي فيهم مرعية، ولما انتهى الأمر إلى ما انتهى إليه من اهتضام حقوقهم وإيذاء النبي ﵌ فيهم) (٣) .
_________________
(١) ، (٢) «البيان»: ص ٢٢٣.
(٢) «البيان»: ص ٢٢٩.
[ ٢ / ٣٤ ]
ثالثًا: رواياتهم التي دلت على أن بعض الآيات المنزلة من القرآن قد ذكرت فيها أسماء الأئمة - ﵈ - وهي كثيرة كما يقول (١) وذكر لها أمثلة من كتبهم، ومما ذكره رواية العياشي بإسناده من الصادق "ع": (لو قرئ القرآن كما أنزل لألفينا مُسَمّين) (٢) .
وأجاب عن هذه الروايات بأنها من قبيل التفسير للقرآن المنزل من عند الله، وليست من القرآن نفسه، ثم قال: (وإذا لم يتم هذا الحمل فلا بد من طرح هذه الروايات) (٣) .
رابعًا: رواياتهم التي دلت على التحريف في القرآن بالنقيصة فقط.. وجوابه عنها.. أنه لا بد من حملها على ما تقدم في معنى الزيادات في مصحف أمير المؤمنين "ع"، وإن لم يمكن الحمل في جملة منها فلا بد من طرحها، ثم ذكر أن لهذه "الروايات" جوابًا آخر ذكر في مجلس بحثه، وضن علينا بذكره واعتذر عن ذلك بالإطالة!
وقال بأن كثيرًا هذه الروايات بل أكثرها ضعيف السند. ثم نقل عن بعض علمائهم قوله: (إن نقصان الكتاب مما لا أصل له، وإلا لاشتهر وتواتر نظرًا إلى العادة في الحوادث العظيمة، وهذا منها لا بل أعظمها) (٤) .
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٢٩.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٣٠ عن «تفسير العياشي»، وقد مرت في هذا البحث: ص ١٩٧.
(٣) «البيان»: (ص ٢٣٠- ٢٣١) .
(٤) «البيان»: ص ٢٣٣.
[ ٢ / ٣٥ ]
خامسًا: أساطيرهم التي دلت على وقوع التحريف في القرآن بالزيادة والنقصان وأن الأمة بعد النبي - ﷺ - غيرت بعض الكلمات وجعلت مكانها كلمات أخرى. وذكر لذلك أمثلة ومما أورده عن العياشي عن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد الله "ع" عن قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران) قال: هو آل إبراهيم وآل محمد على العالمين فوضعوا اسمًا مكان اسم. أي أنهم غيروا فجعلوا مكان آل محمد آل عمران.
وكان جوابه عن ذلك - أنها مخالفة للكتاب والسنّة، ولإجماع المسلمين على عدم الزيادة في القرآن ولا حرفًا واحدًا حتى من القائلين بالتحريف (١) .
المناقشة:
هذه "المحاولة" هي مجرد غطاء جميل لتحقيق هدف سيء وهو ما نرفضه الرفض كله، لأنها مؤامرة الهدف منها المساس بكتاب الله بطرق خفية ماكرة، ولذا فإنه يكون لزامًا علينا أن نكشف هذه المؤامرة، وأن نبين تلك المنكرات في ذلك الجهد المزعوم. فأول ما ننكره هو ذلك الزعم بأن لعلي قرآنًا مشتملًا على زيادات ليست في كتاب الله، وتلك الدعوى الخطيرة التي فسر بها هذه الزيادات وهي أنها تفسير نزل من عند الله سبحانه، هذه دعوى باطلة ويترتب عليها آثار في قمة الخطورة فإذا فقدت المعاني الإلهية للقرآن فما فائدة الألفاظ؟ وإذا تجرأ الصحابة على رد التفسير فكيف
_________________
(١) «البيان»: (ص ٢٣٢ -٢٣٣) .
[ ٢ / ٣٦ ]
يؤمنون على كتاب الله؟
ولماذا يبقى هذا التفسير عند منتظرهم والأمة في حاجة إليه؟. كما ننكر "قولته الشنيعة" بأن الصحابة انحرفوا في تأويل القرآن وفسروه بغير معانيه الحقيقية، وإذا كان تفسير الصحابة هو المنحرف فهل ذلك التفسير الباطني لكتاب الله والمنتشر في كتبهم الأساسية هو المعتدل؟!
ثم إن القارئ ليعجب حينما يجد هذا "الخوئي" يناقض نفسه بنفسه، فنراه يذهب إلى توثيق وتصحيح أسانيد وروايات تفسير شيخهم إبراهيم القمي - شيخ الكليني - كما مر (١) - وفيها روايات كثيرة في الطعن في كتاب الله سبحانه - مع أنه هنا ينكر التحريف ويحكم بطرح ما لا يمكن تأويله من رواياته فكيف نفسر هذا "التناقض"؟.
ومرجع الشيعة - وهو يزعم أنه يدافع عن القرآن وينكر فرية التحريف - له "كلمات" و"دعاوى" غريبة تجعل القارئ يتشكك في صدقه في الدفاع، فمن تلك الدعاوى قوله:
(إن القول بنسخ التلاوة هو بعينه القول بالتحريف، وعليه فاشتهار القول بوقوع النسخ في التلاوة عند علماء أهل السنّة يستلزم - في زعمه - اشتهار القول بالتحريف) (٢) وقال: (إن الالتزام بصحة هذه الروايات - يعني روايات نسخ التلاوة - التزام بوقوع التحريف في القرآن) (٣) وقال: (.. فيمكن أن يدعي أن القول بالتحريف هو
_________________
(١) انظر: ص ١٨٢ من هذه الرسالة.
(٢) «البيان»: ص ٢٠١.
(٣) الخوئي: «البيان»: ص ٢٠١.
[ ٢ / ٣٧ ]
مذهب أكثر علماء أهل السنّة لأنهم يقولون بجواز نسخ التلاوة) (١) .
وهذه "الدعوى" من مرجع الشيعة هي إحدى "حجج" الذين يطعنون في كتاب الله (٢)، وهو يزعم أنه يدافع عن القرآن وحجتهم واهية، فالنسخ - كما سبق - ورد وقوعه بروايات صحيحة، والفرق واضح بين النسخ والتحريف، فالتحريف من صنع البشر، وقد ذم الله فاعله، والنسخ من الله (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها.. «٣) وهو لا يستلزم مس كتاب الله سبحانه بأي حال، والشيعة يقرون به كما سبق نقل ذلك عن شيخهم الطبرسي (٤) وكذلك أقر به شيخهم "المرتضي"، لكن هذا الرجل فيما يظهر من فلتات قلمه يحاول أن يتدسس بهذه العقيدة "الخبيثة الملحدة" إلى المسلمين تحت غطاء الدفاع عن القرآن، ولهذا يلاحظ أن شيخ الشيعة "المرتضي" لما كان ينكر التحريف - وهو الذي استثناه ابن حزم من جمهور الإمامية القائلين بهذه الفرية - رأيناه يقر بنسخ التلاوة، ففي كتابه «الذريعة» قال: (فصل في جواز نسخ الحكم دون التلاوة ونسخ التلاوة دونه) (٥) ثم تكلم عن ذلك.
٢- في انحرافهم في تفسير القرآن:
مر بنا في بيان أسس الخلاف بين السنّة والشيعة تصوير لما عليه الشيعة
من تعسف ظاهر، وشطط بالغ في تأويل آيات القرآن (٦) .
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٠٦.
(٢) انظر: الباقلاني: «نكت الانتصار»: ص ١٠٣ في رد هذه الشبهة.
(٣) البقرة: آية ١٠٦.
(٤) انظر: ص ٩٠ من هذا البحث.
(٥) سيد مرتضي علم الهدى «الذريعة إلى أصول الشريعة»: (١/٤٢٨، ٤٢٩) .
(٦) انظر: ص ٢١٤ من هذا البحث.
[ ٢ / ٣٨ ]
ولا شك أن ذلك "التأويل" الذي سلكوه في تفسير كتاب الله عقبة في طريق التفاهم والوصول إلى لقاء؛ إذ كيف يمكن أن نرد "النزاع" إلى كتاب الله وهم جعلوا من تأويلهم له كتابًا آخر غير ما في أيدي المسلمين؟!! فماذا يقول دعاة التقارب والمدافعون عن التشيع في ذلك؟
إليك آراء بعض علمائهم المعاصرين في هذا الأمر:
(أ) رأي مرجع الشيعة «الخوئي»:
يعقد الخوئي في كتابه «البيان في تفسير القرآن» مبحثًا عنوانه: (حجية ظواهر القرآن) (١) يؤكد فيه على أنه لا بد من العمل بظواهر القرآن، فهل معنى هذا أن "الخوئي" يرفض ذلك التفسير الباطني الموجود في أكثر كتب التفسير عندهم؟. إنا نراه وهو يدّعي هذا القول يذهب إلى توثيق أسانيد القمي في تفسيره وصحة أحاديثه (٢)، وتفسير القمي قد بلغ الغاية في التأويلات الباطنية لآيات القرآن، وليس ذلك فحسب بل إنه ذهب إلى حمل ما ورد من "طرقهم" من روايات تقول بأن الصحابة حرفوا كتاب الله على أن المراد بها أن الصحابة قد فسروا آيات القرآن على غير معانيها الحقيقية (٣)، وكان الأحرى به لو كان صادقًا في الدفاع عن "قدسية القرآن" أن يرد تلك الروايات لا أن يحملها هذا المحمل الذي يكرس به ذلك التفسير الباطني في كتبهم، ويلغي به هداية القرآن بين شيعته.
_________________
(١) «البيان»: ص ٢٦٣ وما بعدها.
(٢) مر نقل ذلك بحروفه عن الخوئي: ص ١٨٢ من هذا البحث.
(٣) مر نقل النص بحروفه ص ٣٤ من هذا البحث.
[ ٢ / ٣٩ ]
ولعل القارئ يتساءل كيف يطعن الخوئي في تفسير الصحابة لكتاب الله ويوثق روايات القمي، وهو يزعم أنه يعمل بالظواهر؟ وجواب هذا التساؤل عند أصحاب التقية.
ثم إن هذا "الخوئي" وقف من رواياتهم التي تسند علم هذا القرآن إلى أئمتهم الاثني عشر موقف الموافقة في الغالب، وإليك بعض هذه الروايات وموقف الخوئي منها:
يزعمون - في حديث لهم - أن أبا عبد الله قال لأبي حنيفة:
أنت فقيه أهل العراق؟ قال: نعم، قال: فبأي شيء تفتيهم؟ قال: بكتاب الله وسنّة نبيه، قال "ع": يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حق معرفته وتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: نعم، قال "ع": يا أبا حنيفة لقد ادعيت علمًا - ويلك - ما جعل الله ذلك إلا عند أهل الكتاب الذين أُنزل عليهم! ويلك ما هو إلا عند الخاص من ذرية نبينا ﵌ وما ورثك الله تعالى من كتابه حرفًا (١) .
وفي رواية زيد الشحام، قال: دخل قتادة على أبي جعفر "ع" فقال له: أنت فقيه أهل البصرة؟ فقال: هكذا يزعمون، فقال "ع": بلغني أنك تفسر القرآن، قال: نعم، إلى أن قال: يا قتادة إن كنت قد فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت قد فسرته من الرجال فقد هلكت وأهلكت، يا قتادة - ويحك - إنما يعرف القرآن من خوطب به (٢) .
_________________
(١) «البيان» الخوئي: ص ٢٦٧.
(٢) المصدر السابق: (ص ٢٦٧- ٢٦٨) .
[ ٢ / ٤٠ ]
وكان جواب الخوئي عن الرواية الأولى: (أنهم هم المخصصون بعلم القرآن - يعني الأئمة - على واقعه وحقيقته، وليس لغيرهم في ذلك نصيب) (١) !! وقال عن الثانية - رواية زيد الشحام -: (وأما الرواية الثانية فقد تضمنت لفظ التفسير وهو بمعنى كشف القناع، فلا يشمل الأخذ بظاهر اللفظ لأنه غير مستور ليكشف عنه القناع) (٢)، ويتبين واضحًا من توجيه الخوئي للرواية الأخيرة حقيقة مذهبه في حجية الظواهر، فهو يرى أن في القرآن ما يحتاج إلى تفسير وهذا من خصوصيات الأئمة فلا يدخل في قوله: (بالعمل بظواهر القرآن لكل أحد)، وهناك نوع آخر هو الذي لا يحتاج إلى تفسير، وهو ما يعبر عنه الخوئي بغير المستور فلا يختص به الأئمة، وهذا هو الظاهر عنده الذي لا يحتاج إلى تفسير باطني من عند الأئمة، ولهذا قال "الخوئي" معقبًا على روايتهم الأولى: (وإلا فكيف يعقل أن أبا حنيفة لا يعرف شيئًا من كتاب الله حتى مثل قوله تعالى: (قل هو الله أحد (، وأمثال هذه الآية مما يكون صريحًا في معناه؟) (٣) .
ومعنى هذا أن رأيه في حجية الظواهر لا يخالف موافقته على التفسير الباطني. وما ندري ما هي تلك الآيات الظاهرة التي لا تحتاج إلى تفسير، والآيات غير الظاهرة التي تحتاج إلى تفسير باطني من عند الأئمة؟!
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٦٨.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٦٨.
(٣) «البيان»: ص ٢٦٨.
[ ٢ / ٤١ ]
(ب) رأي آيتهم العظمى «عبد الحسين شرف الدين الموسوي» (١):
لما قال موسى جار الله: (في كتب الشيعة أبواب في آيات وسور نزلت في الأئمة والشيعة، وفي آيات وسور نزلت في كفر أبي بكر وعمر وكفر من اتبعهما والآيات تزيد على المئة بل فيها سور مستقلة.. يذكر كل ذلك أكبر إمام للشيعة في أقدس كتبها في أصول الكافي) (٢) .
أجابه هذا "الموسوي" بقوله:
(أما ما نزل في فضل الأئمة من أهل البيت وشيعتهم فمسلم بحكم الضرورة من علم التفسير المأثور من السنن وبحكم ما ثبت في السنّة المقدسة من أسباب النزول، وأما نزول شيء من القرآن في كفر فلان وفلان فإنه مما نبرأ إلى الله منه والبلاء فيه، إنما جاء من بعض غلاة المفوضة (٣) . وربما كان في كتبهم فرآه هذا الرجل فرمى البريء بحجر المسيء شأن الجهال بحقائق الأحوال) (٤) .
المناقشة:
يلاحظ القارئ أن عبد الحسين، يعترف بوجود ذلك التأويل
_________________
(١) سيأتي التعريف به في (محاولات التقريب) .
(٢) «الوشيعة»: ص ٢٧، وانظر: ص ٦٥.
(٣) المفوضة: قال في تعريفهم شيخ الشيعة "المفيد": (والمفوضة صنف من الغلاة، وقولهم الذي فارقوا به من سواهم من الغلاة اعترافهم بحدوث الأئمة وخلقهم، ونفي القدم عنهم وإضافة الخلق والرزق مع ذلك إليهم، ودعواهم أن الله ﷾ تفرد بخلقهم خاصة وأنه فوض إليهم خلق العالم بما فيه) «شرح عقائد الصدوق»: (ص ٢٥٨- ٢٥٩)، وهو ملحق بكتاب «أوائل المقالات» .
(٤) «أجوبة مسائل جار الله»: ص ٦٧.
[ ٢ / ٤٢ ]
المتعسف لكثير من آيات القرآن بالأئمة عندهم، بل يرى أن هذا مسلم عندهم بحكم الضرورة، مع أنه تأويل باطني لا تربطه بالآيات أدنى رابطة كما سبق التمثيل لذلك (١) .
وليس غريبًا إقراره بذلك، فقد خرج علينا في كتابه «المراجعات» بتأويلات في غاية الغرابة لآيات من القرآن فسرها بالأئمة الاثني عشر، مع أنها لا تحمل أية دلالة على ذلك التأويل الذي فسرها عليه، كما سيأتي بعد قليل، ولكن الغريب أن ينكر هذا الموسوي حقيقة قائمة، وواقعًا ملموسًا في كتب الشيعة، يتمثل في عشرات من الروايات تفسر آيات الكفر والكفار بالشيخين ﵄ كما سلف نقل ذلك من أُمّات كتبهم المعتمدة، ويأتي هذا الموسوي ليخدع الناس، وينكر ما هو واقع، ويلصق ذلك بالمفوضة الذين لم يقل الكاتبون من الشيعة عنهم أن من مذهبهم تفسير آيات الكفار بالشيخين مطلقًا (٢)، ثم إن فرقة المفوضة اندثرت ولا توجد باعتراف شيخ الشيعة محمد حسين آل كاشف الغطا (٣)، فكيف يقول هذا الموسوي أن موسى جار الله ربما رأى ذلك في كتب المفوضة؟.
ثم إن «الكافي»، و«البحار»، و«تفسير القمي»، والعياشي، والصافي وغيرها منتشر فيها ذلك التأويل، وهي كتب الاثني عشرية بلا إشكال، بل هي المعتمدة عندهم.
_________________
(١) في مبحث (انحرافهم في تأويل القرآن) .
(٢) انظر: «شرح عقائد الصدوق»: المفيد: ص ٢٥٨.
(٣) لأنه يزعم أن كل فرق الغلاة قد اندرست. انظر: «أصل الشيعة»: ص ٣٨.
[ ٢ / ٤٣ ]
ثم إن تفسير آيات الإيمان والمؤمنين.. بالأئمة وتفسير آيات الكفر والكافرين بالشيخين وأتباعهما. قضية واحدة، وكفتا ميزان لا تنفصلان في كتب الاثني عشرية بدليل أحاديثهم وأبوابهم التي ذكروها في هذا الباب، مثل:
باب: (في تأويل المؤمنين والمسلمين والإسلام بهم وبولايتهم عليهم الصلاة والسلام، والكفار والمشركين والكفر والشرك والجبت والطاغوت واللات والعزى والأصنام بأعدائهم ومخالفيهم) وفيه مائة حديث (١) .
باب: (أنهم الأبرار والمتقون والسابقون والمقربون وشيعتهم أصحاب اليمين وأعداؤهم الفجار والأشرار وأصحاب الشمال) وفيه خمسة وثلاثون حديثًا (٢) .
باب: (أنهم الصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر الطاعات وأعداؤهم الفواحش والمعاصي في بطن القرآن) (٣)، وأعداؤهم هم الشيخان ومن اتبعهم كما يتبين من خلال الأحاديث المذكورة في هذه الأبواب وقد مر ذكر بعضها (٤) .
أما لماذا فصل بينهما هذا الموسوي؟ فالجواب على ذلك أن الثناء على الشيخين محل إجماع المسلمين وتكفيرهم كفر، وما كان محل إجماع المسلمين تجري فيه التقية عندهم كما قال الطوسي، وأما تأويل آيات القرآن بالأئمة فهذا مسلك يدخله تحت غطاء
_________________
(١) «البحار»: المجلسي: (جـ٢٣/ص ٣٥٤- ٣٩٠) .
(٢) «البحار»: المجلسي: (جـ٤/ص١- ٨) .
(٣) «البحار»: المجلسي: (٢٤/٢٨٦- ٣٠٤) .
(٤) ص ٢١٣ وما بعدها من هذه الرسالة.
[ ٢ / ٤٤ ]
"فضل أهل البيت" فلا يلزم استخدام التقية، لأن فضل أهل البيت محل اتفاق المسلمين، ولو قال هذا الموسوي إنني لا أقول بذلك التأويل، أو أن بعض الشيعة يرفض هذه الروايات لكان له وجه، أما أن ينكر واقعًا قائمًا في كتبهم فهذا هو عين التقية (١)، ولنا أن نسأل آيتهم العظمى عبد الحسين هل يعتبر الكليني الذي أخرج روايات كثيرة في تأويل آيات الكفر والكفار بالشيخين ﵄ - مع أنه التزم الصحة في كل ما يرويه - هل يعتبره من غلاة المفوضة؟، إن كان ذلك كذلك فهذا موقف يستحق الإشادة والتقدير، وكذلك ينسحب هذا الحكم في كل من روى ذلك اللون من التفسير كالقمي، والكاشاني، والبحراني، والملجسي وأضرابهم. ومعنى ذلك أن الشيعة يتلقون دينهم من غلاة المفوضة.
(ج) رأي صاحب كتاب «أضواء على خطوط محب الدين الخطيب» (٢):
حينما قال محب الدين الخطيب مشيرًا إلى انحراف الشيعة عن جمهور المسلمين في مصادر التلقي: (وحتى القرآن الذي كان ينبغي أن يكون المرجع الجامع لنا ولهم على التقارب نحو الوحدة، فإن أصول الدين عندهم قائمة من جذورها على تأويل آياته وصرف
_________________
(١) وفي مجلة «رسالة لإسلام» - لسان دار التقريب - أنكر محمد صادق الصدر - رئيس مجلس التمييز الشرعي الجعفري - وجود هذا التأويل عندهم، مع أنه موجود بأبوب تضم عشرات الروايات، ولكن للقوم جرأة غريبة على تكذيب الواقع. انظر: «رسالة الإسلام»: السنة الأولى، العدد الرابع، المجلد الأول: ص ٣٦٣.
(٢) وهو عبد الواحد الأنصاري من كتّابهم المعاصرين.
[ ٢ / ٤٥ ]
معانيها إلى غير ما فهمه منها الصحابة عن النبي - ﷺ -، وإلى غير ما فهمه منها أئمة الإسلام عن الجيل الذي نزل عليه القرآن) (١)، أجاب صاحب «الأضواء» على ذلك بقوله: (إن الشيعة ترى من الكيد للإسلام أن يأخذوا تفسيرهم للقرآن عمن تقصدهم وتعنيهم بالذات أمثال أبي هريرة وسمرة ابن جندب.. وأنس بن مالك وغيرهم ممن أتقنوا صناعة التلفيق والدس والكذب والافتراء) (٢) .
التعليق:
هذا الجواب ينسبه المؤلف للشيعة جميعًا فيقول: (إن الشيعة.. إلخ) فهو ليس من عنديّاته، فإذا كانت الشيعة تعتقد أن تلقي الدين عن طريق الصحابة هو من الكيد للإسلام، فلهم دينهم ولنا ديننا، لأن هذا القول إبطال لتواتر الشريعة، وطعن في الإسلام، وكيد للمسلمين، وهو لا يحتاج إلى مناقشة. وهناك أقوال وآراء أخرى لا تخرج عما ذكرنا (٣) نغض الطرف عن ذكرها.
_________________
(١) «الخطوط العريضة»: ص ١٠.
(٢) عبد الواحد الأنصاري: «أضواء على خطوط محب الدين»: ص ٦٥.
(٣) فهذا - مثلًا - محمد جواد مغنية ينكر وجود التفسير الباطني عندهم، ويقول بأن الاثني عشرية أبعد الناس من هذه البدع والضلالات وأن كتبهم تشهد بذلك وهي في متناول كل يد، «الكاشف»: (٧/١٠٤) . وما أظن أحدًا اطلع على كتب التفسير والحديث عندهم يصدق هذا، فالأمر ليس مجرد وجود روايات شاذة كما يزعم، بل تفاسير كاملة تخصصت في التفسير الباطني كتفسير إبراهيم القمي وغيره، وأبواب كاملة في «البحار» للمجلسي ضم عشرات الأحاديث كلها تفسر الآيات تفسيرًا باطنيًا، فلم هذه الجرأة في إنكار "الحقائق الواضحات"؟ وهل يظنون أنهم يخدمون دينهم بهذه الوسيلة؟. ومحسن الأمين ينكر وجود التفسير الباطني عندهم ويزعم أنها روايات شاذة «الشيعة بين الحقائق والأوهام»: ص ٤١٩، ٤٢٠. والخنيزي ينكر أحيانًا ما هو واقع، أو =
[ ٢ / ٤٦ ]
أمثلة من تأويلات علمائهم المعاصرين لكتاب الله:
(٢) يقول آيتهم العظمى عبد الحسين الموسوي في «مراجعاته» التي حاول بها - كما زعم - إقناع شيخ الأزهر بالتشيع للاثني عشر (١) يقول - مفسرًا آيات من كتاب الله بأئمته ومحتجًا بها على لزوم التشيع لهم -:
(أليسوا حبل الله الذي قال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (٢) والصادقين الذين قال: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (٣) وصراط الله الذي قال: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) (٤) وسبيله الذي قال: (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) (٥) وأولي الأمر الذين قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
_________________
(١) = يزعم أنها روايات شاذة.. إلخ. «الدعوة الإسلامية»: (١/١٧٨- ٢٠٢) . وما أظن إنكار ما هو واقع يجدي في الدفاع، بل إنه سيحمل على التقية حتى من الشيعة أنفسهم بدليل أنه حكم بعض علماء الشيعة على تفسير «التبيان» للطوسي بأنه موضوع على أسلوب التقية والمداراة للمخالفين - كما مر - وقد ألف في العصر الحاضر بعض علماء الشيعة مؤلفات على غرار «التبيان» مثل «الكاشف» لمحمد جواد مغنية، حيث اعتمدوا في الغالب على روايات أهل السنّة، وعلى بعض رواياتهم المعتدلة، والاعتماد على روايات أهل السنّة أمارة على "التقية عندهم". ونحن نقول: الله أعلم بذلك، لكن عقيدة التقية عندهم ساهمت في استمرار الغلو فيهم، ورد الحق عندهم.
(٢) سيأتي كشف لحقيقة كتاب «المراجعات» في تقييم محاولة عبد الحسين هذا للتقريب في مبحث محاولات التقريب - بحول الله.
(٣) آل عمران: آية ١٠٣.
(٤) التوبة: آية ١١٩.
(٥) الأنعام: آية ١٥٣.
(٦) الأنعام: آية ١٥٣.
[ ٢ / ٤٧ ]
الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (١) وأهل الذكر الذين قال: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (٢) والمؤمنين الذين قال: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ) (٣) .
والهداة الذين قال: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) (٤) . ألم يجعل المغفرة لمن تاب وآمن وعمل صالحًا مشروطة بالاهتداء إلى ولايتهم إذ يقول: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (٥) أليست هي - يعني ولايتهم - النعيم الذي قال الله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)؟ (٦) وسيسأل الناس عن ولايتهم يوم يبعثون، كما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) (٧)، ولا غرو فإن ولايتهم لمما بعث الله به الأنبياء وأقام عليه الحجج والأوصياء كما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا) (٨)، بل هي مما أخذ الله به العهد من عهد ألست بربكم كما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي
_________________
(١) النساء: آية ٥٩.
(٢) النحل: آية ٤٣، الأنبياء: آية ٧.
(٣) النساء: آية ١١٥.
(٤) الرعد: آية ٧.
(٥) طه: آية ٨٢.
(٦) التكاثر: آية ٨.
(٧) الصافات: آية ٢٤.
(٨) الزخرف: آية ٤٥.
[ ٢ / ٤٨ ]
آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) (١) .
(وتلقى آدم من ربه كلمات) التوسل بهم فتاب عليه (٢) .. فهم الناس المحسودون الذين قال الله فيهم: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (٣) وهم الراسخون في العلم الذين قال: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) (٤) .
وهم رجال الأعراف الذين قال: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلًا بسيماهم) (٥) ورجال الصدق الذين قال: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (٦) ورجال التسبيح الذين قال الله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (٧) .
_________________
(١) الأعراف: آية ١٧٢.
(٢) هذا تفسيره لقوله تعالى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ) [البقرة: آية ٧٧] .
(٣) النساء: آية ٥٤.
(٤) آل عمران: آية ٧.
(٥) الأعراف: آية ٤٦.
(٦) الأحزاب: آية ٢٣.
(٧) النور: آية ٣٦.
[ ٢ / ٤٩ ]
وبيوتهم هي التي ذكرها الله (فقال: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه «١)، وقد جعل الله مشكاتهم في آية النور مثلًا لنوره وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم (٢)، وهم: السابقون السابقون أولئك المقربون (٣)، وهم: الصديقون والشهداء والصالحون (٤) . وفي أوليائهم قال الله تعالى: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (٥) . وقال في حزبهم وحزب أعدائهم: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) (٦) .. وقال فيهم وفي شيعتهم: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) (٧)، وفيهم وفيمن فاخرهم بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام أنزل الله تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٨) . وفي جميل بلائهم وجلال عنائهم قال الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) (٩) .. وقد
_________________
(١) النور: آية ٣٦.
(٢) هذا تفسيره لقوله سبحانه: (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح.. ([النور: آية ٣٥] .
(٣) هذا تفسيره لقوله سبحانه: (والسابقون السابقون أولئك المقربون ([الواقعة: الآيتان ١٠، ١١] .
(٤) هذا تفسيره لقوله سبحانه: (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم ([الحديد: آية ١٩] .
(٥) الأعراف: آية ١٨١.
(٦) الحشر: آية ٢٠.
(٧) البينة: آية ٧.
(٨) التوبة: آية ١٩.
(٩) البقرة: آية ٢٠٧.
[ ٢ / ٥٠ ]
صدقوا بالصدق فشهد لهم الحق تبارك اسمه فقال: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (١) .. وهم أولو الأرحام: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) (٢) .. وهم ذوو الحق الذي صدع القرآن بإتيانه: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) (٣)، وذوو الخمس الذي تبرأ الذمة إلا بأدائه: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) (٤) .. فهم المصطفون من عباد الله، السابقون بالخيرات بإذن الله، الوارثون كتا٤ب الله الذين قال فيهم: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) (٥) وهو الذي لا يعرف الأئمة (وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) وهو الموالي للأئمة ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله.. وهو الإمام) (٦) ثم استدل برواية موضوعة على ابن عباس أنه قال: (نزل في علي وحده ثلاثمائة آية) (٧) .
التعليق:
(١) هذا تفسير لآيات من القرآن من أحد مراجعهم الكبار في العصر الحاضر، وممن يتزعمون الدعوة للتقارب بين السنّة والشيعة وهو موجه "لشيخ سني" للاحتجاج عليه بالقرآن ليقتنع بالتشيع للاثني عشر، فهو تفسير قد بالغ صاحبه في اختياره وانتقائه، ومع ذلك هو
_________________
(١) الزمر: آية ٣٣.
(٢) الأنفال: آية ٧٥.
(٣) الإسراء: آية ٢٦.
(٤) الأنفال: آية ٤١.
(٥) فاطر: آية ٣٢.
(٦) «المراجعات»: (ص ٦٢- ٧٣) .
(٧) انظر: الشوكاني: «المجموعة في الأحاديث الموضوعة»: ص ٣٧٦.
[ ٢ / ٥١ ]
كما يرى القارئ قد جعل آيات الإيمان والمؤمنين وصفاتهم مقصورة على أئمته لا يشترك فيها أحد من جمهور المسلمين اللهم إلا شيعته في بعض الآيات، وكأن القرآن لم ينزل إلا فيهم، وكأنهم المسلمون وحدهم. ولا شك أن المسلم يدرك أن هذا التأويل بعيد عن لغة القرآن، وروح الإسلام، عمدته روايات موضوعة، ومزاعم واهية.
وهؤلاء الأئمة تختلف فرق الشيعة اختلافًا كبيرًا في أعدادهم وفي أعيانهم، وكل فرقة تفسر الآيات بأئمتها خاصة وتزعم أن أئمة الفرق الأخرى بمعزل عن مدلولها، وكل طائفة تضع من الروايات ما يؤيد مذهبها، وتقصر مفهوم أهل البيت على أئمتها خاصة، ولا تسلم فرقة من فرق الشيعة من طعن في بعض أهل البيت من غير أئمتها، (والله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كان فيه يختلفون (فهم ممن فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء، ثم إن هذا التأويل لتلك الآيات كما يصدق عندهم على الإمام علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين وغيرهم من أئمة العلم والدين يصدق على إمامهم المعدوم الذي لم يولد أصلًا، وعلى "الحسن العسكري" - إمامهم الحادي عشر - الذي ضعفه ابن الجوزي في الموضوعات (١) !!
وتفسير عبد الحسين الباطني لكتاب الله؛ وهو مثال من أمثلة كثيرة تدل على أن العقلية الشيعية المعاصرة لا تزال في الغالب تعيش أسيرة لتلك التأويلات التي وضعها علماؤهم السابقون والتي عرضنا أمثلة لها فيما مضى. ومن الأمثلة الأخرى أن أحد علمائهم المعاصرين ويدعى "علي محمد دخيل" يتحدث عن غيبة مهديهم - وهو كما
_________________
(١) «لسان الميزان»: (٢/٢٤٠) .
[ ٢ / ٥٢ ]
يقول بعض كتاب الشيعة من أشهر الكتاب الإمامية الذين عالجوا "الغيبة" (١) -.
فيعقد فصلًا بعنوان "المهدي في القرآن الكريم" ويورد في هذا الفصل خمسين آية من القرآن كلها يزعم تأويلها بالمهدي، ويتوصل بذلك إلى أن موضوع المهدي لا يختلف عن ضروريات الإسلام الأخرى، وإنكاره إنكار لضرورة من ضروريات الدين (٢) . ونرى شيخهم - المعاصر - محمد رضا الطبيسي النجفي (ت ١٣٦٥هـ) يفسر ٧٦ آية من كتاب الله بعقيدة الرجعة عندهم (٣)، وهذا شطط لم يبلغ مستواه شيوخهم القدامى الذين فسروا بالرجعة عشرين آية ونيفًا، وفي القرن الثاني عشر تطور الأمر إلى تأويل ٦٤ آية بتلك العقيدة الباطلة على يد شيخهم "الحر العاملي" (٤) وغيره، ثم كانت نهاية الشطط على يد هذا "الطبيسي" وغيره من شيوخهم المعاصرين.
وهذا محمد حسين آل كاشف الغطا من مراجع الشيعة الكبار في العصر الحاضر ومن دعاة الوحدة والتقارب.. يفسر قوله تعالى: (مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان (٥) يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان «٦) بالتفسير التالي: علي بحر نور الإمامة، وفاطمة بحر نور النبوة والكرامة. يخرج منهما اللؤلؤ الأخضر بخضرة السماء، والمرجان
_________________
(١) عبد الله فياض: «تاريخ الإمامية»: ص ١٦٢.
(٢) علي دخيل: «الإمام المهدي» عن المصدر السابق: ص ١٦٢.
(٣) انظر: كتابه «الشيعة والرجعة» مطبعة الآداب، النجف، ١٣٨٥هـ.
(٤) جواد تارا: «دائرة المعارف العلوية»: ص ٢٥٦.
(٥) الرحمن: الآيتان ١٩- ٢٠.
(٦) الرحمن: آية ٢٢.
[ ٢ / ٥٣ ]
الأحمر بحمرة الأرض (١) . فهل هذا سوى تفسير باطني لا تربطه بالآية أدنى رابطة؟، ويفسر د. محمد الصادقي - معاصر - الآية المذكورة بمثل ما فسر به آل كاشف الغطا، حيث يقول: (اتصل بحر النبوة فاطمة الصديقة بنت النبي - ﷺ - ببحر الإمامة (- يعني عليًّا - بحران ملتئمان متلاقيان بينهما برزخ الرسالة القدسية المحمدية.. والخارج منهما اللؤلؤ والمرجان: الحسنان هما مجمع الولاية روحانيًا والنبوة نسبيًا) (٢) .
وفي تفسير «الميزان» لإمامهم الأعظم محمد حسين الطباطبائي كثير من التفسيرات الباطنية التي يختارها من كتب التفسير القديمة عندهم، ويذكرها تحت عنوان "بحث روائي".. ومن النماذج التي نقلها مقرًا لها معتقدًا إياها ما ذكره تفسير «البرهان» عن قوله تعالى: (ضرب الله مثلًا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط «٣) .
قال: (الآية مثل ضربه الله لعائشة وحفصة أن تظاهرتا على رسول الله وأفشتا سره) (٤) .
وعند قوله سبحانه: (ويبقى وجه ربك) (٥) قال الصادق: (نحن وجه الله) (٦) . وهكذا يستقي الرجل التفسير الباطني من أمهات
_________________
(١) محمد حسين آل كاشف الغطا في مقدمته لكتاب «حياة الإمام الحسن بن علي» لمؤلفه باقر شريف القرشي، مطبعة الآداب، النجف، ط. ٢، ١٣٨٤هـ.
(٢) محمد الصادقي: «الفرقان»: (٧/٣٢) الهامش.
(٣) التحريم: آية ١٠.
(٤) الطباطبائي: «الميزان»: (١٩/٣٤٦) .
(٥) الرحمن: آية ٢٧.
(٦) الطباطبائي: «الميزان»: (١٩/١٠٣) .
[ ٢ / ٥٤ ]
كتبهم ويتعمد النقل لبعض الروايات الضعيفة من كتب أهل السنّة ليخدم بها مذهبه.
وهناك تفسير «الكاشف» لمحمد جواد مغنية، وهو يعتمد أساسًا على روايات أهل السنّة، وهذه أمارة التقية عند بعض علماء الشيعة - كما مر - وهو وإن كان يحتج ببعض الآيات على معتقده الشيعي مثل تفسيره لقوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم (بقوله: (معنى الآية أن الله سبحانه أكمل الدين مع هذا اليوم بالنص على علي بالخلافة) فهو وإن كان كذلك إلا أنه بالنسبة لتفاسيرهم المتضمنة لروايات الشيعة فقط يعتبر معتدلًا. والاعتدال قد جاءه من اعتماده على مرويات أهل السنّة وإقلاله من الاستدلال بمروياتهم.
وهذا التفسير يظهر عليه واضحًا الدعاية المذهبية والتبشير بالتشيع، فليس ببعيد أن يكون موضوعًا على "التقية". ونكتفي بهذه الشواهد التي عرضناها من تفسيرات معاصريهم، لأن غرضنا معرفة مدى سير الأواخر على غلو الأوائل، يبدو لي أن الصورة متشابهة تمامًا.
ففي الأوائل كتب تفسير باطنية محضة مثل تفسير القمي والعياشي، والبحراني، ومحسن الكاشاني وغيرهم وكتب تفسير معتدلة بالنسبة لتلك التفاسير الباطنية مثل تفسير «البيان» للطوسي، و«مجمع البيان» للطبرسي. والفئة الأولى اعتمدت على روايات الشيعة فقط والفئة الثانية اعتمدت على روايات السنة والشيعة، أما كتب التفسير المعاصرة فهي فيما تعتمده من رواياتهم في تفسير الآيات تتلبس بالروح الباطنية، وحينما تحاول أن تبشر بالتشيع وتحتج على أهل السنة ببعض الروايات عندهم فتتخلص إلى حد ما من "الروح الباطنية".
[ ٢ / ٥٥ ]
والخلاصة أنك لا تجد تفسيرًا شيعيًا اعتمد على رواياتهم فقط يخلو من الطريقة الباطنية في التفسير.
ويؤكد عالمهم المجلسي على أن اعتمادهم على روايات أهل السنة إنما هو للاحتجاج عليهم، وإلا فلا يجوز عندهم الأخذ عن المخالفين. وعقد لهذا بابًا بعنوان (الباب الثامن والعشرون: ما ترويه العامة - ما عدا الشيعة - من أخبار الرسول - ﷺ - وأن الصحيح من ذلك عندهم - يعني شيعته - والنهي عن الرجوع إلى أخبار المخالفين) (١) ثم استثنى من ذلك حالة الاحتجاج عليهم للتبشير بالتشيع (٢) .
وهكذا يتفق تفسيرهم المعاصر مع القديم على تأويل كتاب الله على غير تأويله، فكانت تلك التأويلات هي سلم الغلو والغلاة في التأويل، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن "تأويلهم": (من هذا دخلت الإسماعيلية والنصيرية في تأويل الواجبات والمحرمات فهم - أي الروافض - أئمة التأويل الذي هو تحريف الكلم عن مواضعه ومن تدبر ما عندهم وجد فيه من الكفر في المنقول والتكذيب بالحق منها والتحريف لمعانيها ما لا يوجد في صنف من المسلمين منهم قطعًا، فهم أدخلوا في الدين ما ليس فيه أكثر من كل أحد، وحرفوا كتابه تحريفًا لم يصل غيرهم إلى قريب منه) (٣) .
فكيف نتفق ونتقارب وهم على هذا الوضع من التأويل؟، والتأويل مصدر الخلاف والشقاق، وأصل خراب الدين والدنيا إنما هو من
_________________
(١) ، (٢) «البحار»: (٢/٢١٤) .
(٢) «منهاج السنة»: (٢/١١١) مكتبة الرياض الحديثة.
[ ٢ / ٥٦ ]
التأويل الذي لم يرده الله ورسوله بكلامه ولا دل عليه أنه مراده. وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل؟! وهل دخلت طائفة الإلحاد من أهل الحلول والاتحاد إلا من باب التأويل؟! وهل فتح باب التأويل إلا مضادة لحكم الله في تعليمه عباده البيان الذين امتن في كتابه على الإنسان بتعليمه إياه (١)؟!
٣- في دعواهم تنزل كتب إلهية بعد القرآن:
سبق أن تحدثنا عن دعوى الشيعة تنزل كتب إلهية بعد القرآن على الأئمة. ولننظر ما يراه دعاة التقارب في هذا الأمر الخطير.
(١) يقول محمد حسين آل كاشف الغطا: (ويعتقد الإمامية أن كل من اعتقد أو ادعى نبوة بعد محمد أو نزول وحي أو كتاب فهو كافر يجب قتله) (٢) . هذا ما يقوله "مرجع الشيعة" وهو حق. وثمرة هذا القول أن الحكم بالتفكير ينطبق على كل من قال بنزول كتب إلهية على الأئمة وادعى نزول وحي عليهم، وهم كبار محدثي الإمامية كالكليني، والطوسي، والطبرسي، والمجلسي وغيرهم - كما مر - ومعنى هذا أن الشيعة تتلقى دينها من كفار يجب قتلهم.
فهل الشيعة تقبل هذا الحكم أو تحاول أن تخرج من هذا التناقض بالقول بأن كلام كاشف الغطا تقية؟ والقول بالتقية هو الذي جعل الشيعة تعيش في دائرة الغلو وكل ما خرج منهم مصلح يحاول أن ينقض ما قرره الكليني أو غيره من محدثيهم حملوا كلامه على التقية. ولن
_________________
(١) انظر: «الإسلام الصحيح» النشاشيبي: ص ١١٥ وما بعدها.
(٢) «أصل الشيعة»: ص ١٠١ ط الثانية، وانظر: عبد الكريم الزنجاني (من كبار مراجعهم المعاصرين) «الوحدة الإسلامية»: ص ٨٣.
[ ٢ / ٥٧ ]
يتخلص الشيعة من هذا "الأسر" إلا بتحطيم أسطورة التقية، ورفض ما يقوله رؤوس الضلال كالكليني وغيره ممن وضع أصول الغلو أو تلقاها عن الغلاة فأصبحت من مبادئ التشيع، وإذا كان آل كاشف الغطا اكتفى بذلك الكلام العام ولم يقل رأيه صراحة في روايتهم التي تدعي نزول تلك الكتب على الأئمة؛ فإن لشيخهم عبد الحسين الموسوي جوابًا على سؤال موجه من شيخ سنّي - كما يدعي هذا الرافضي - وتعرض هذا الموسوي لمصحف فاطمة وقال: (بعد فراغ علي من جمع القرآن - بعد وفاة النبي - ألف لسيدة نساء العالمين كتابًا كان يعرف عند أبنائها الطاهرين بمصحف فاطمة، يتضمن أمثالًا وعبرًا وأخبارًا ونوادر توجب لها العزاء عند فقد سيد الأنبياء أبيها) (١) .
هذا هو تفسير شيخهم "عبد الحسين" لمسألة "مصحف فاطمة"، ولم يشر عبد الحسين إلى ما يدل عليه من كتب الشيعة، وما في كتب الحديث عند الشيعة لا يتفق بحال وهذا التفسير؛ فما جاء في «الوافي» و«الكافي»، و«دلائل الإمامة»، و«الاحتجاج» وغيرها من كتب الشيعة نصوص صريحة على أن ما في كتاب مصحف فاطمة هو وحي إلهي نزل به ثلاثة من الملائكة، أو كتبه علي من إملاء الملك على خلاف في الروايات عندهم، والملاحظ أن جواب عبد الحسين عن مصحف فاطمة كان موجهًا لشيخ سني، فيكون عبد الحسين قد كال للشيخ من جراب التقية - كما هي عقيدة الشيعة في هذا الموضوع - إذ لا دليل على جواب هذا الشيعي من كلام معصوميهم، والحجة عندهم في كلام المعصومين، فنحن لا نجد في
_________________
(١) عبد الحسين الموسوي: «المراجعات»: ص ٣٣٦.
[ ٢ / ٥٨ ]
نصوصهم جميعها نصًا يقول بأن مصحف
فاطمة ألفه علي من عند نفسه، بل نصوصهم صريحة على أن مصحف فاطمة (إنما هو شيء أملاه الله عليها أو أوحى إليها (١) . ما هو قرآن، ولكنه كلام من كلام الله أنزله عليها، إملاء رسول الله وخط علي - ﵁ -، أو أنه وصل إليها عن طريق جبرائيل) (٢) وهكذا على اختلاف أقوالهم، وليس فيها ما يدعيه هذا الموسوي من أنه من عند علي
ثم إن كتابًا من علي - ﵁ - فيه مواعظ ونصائح لفاطمة يعزيها عن فقد أبيها له قيمة كبيرة من الناحية الأدبية والتاريخية ومن الناحية التربوية - فأين هي هذه النصائح؟ ليس لها وجود اليوم مع عدم المسوّغ لكتمانها.
إذن جواب عبد الحسين لا يتفق مع ما جاء في كتب الشيعة كما لا يتفق والواقع.
ثم كيف يعزي علي فاطمة، وكلاهما معصوم، وهل يحتاج المعصوم إلى معصوم آخر يسدده؟!
ونجد في كلام محسن الأمين - وهو من مجتهديهم المعاصرين - كلامًا مغايرًا لما يقوله عبد الحسين عن مصحف فاطمة؛ تحدث محسن الأمين عن مصحف فاطمة في كتابه «أعيان الشيعة» (٣) وأورد رواياتهم عن أئمتهم من أن مصحف فاطمة مثل القرآن ثلاث مرات، وأنه من كلام الله أنزله عليها بإملاء رسول الله وخط علي.. إلخ. وأورد
_________________
(١) ، (٢) «بصائر الدرجات» عن «أعيان الشيعة»: (١/١٨٨)، وراجع ما سبق نقله من نصوصهم حول مصحف فاطمة المزعوم.
(٢) انظر: «أعيان الشيعة»: (١/١٨٨- ١٩٠) .
[ ٢ / ٥٩ ]
روايات أخرى عن هذا المصحف وأنهى إلى القول (أنهما مصحفان: أحدهما من إملاء رسول الله - ﷺ - خط علي «ع» والآخر من حديث جبرائيل)، وقال: (أنه لا استبعاد ولا استنكار أن يحدث جبرائيل «ع» الزهراء ﵍ ويسمع ذلك علي ويكتبه في كتاب يطلق عليه «مصحف فاطمة» بعد ما روى ذلك عن أئمة أهل البيت ثقات أصحابهم) (١) .
وهكذا كان هذا الرافضي المدعو بالأمين أجرأ من ذلك الموسوي في الحديث عن أسطورتهم تلك.
وننتهي من هذه المناقشة إلى أن لعلماء الشيعة جوابين: جوابًا من أنفسهم لا دليل عليه من كتبهم وذلك حينما يكون النقاش من سنّي، وهذا ما تفرضه عقيدة التقية عليهم صيانة لمذهبهم من نقد الخصوم.
وجوابًا آخر حقيقي حينما يكون المجال غير مجال الدفاع والنقاش مع الخصوم. وهذا المسلك لا يخدم الحقيقة في شيء، وهو ترويج للخرافة، فالتقية كانت عاملًا من عوامل استمرار «الخرافة» عندهم ومن أسباب بعدهم عن الجماعة الإسلامية. ويبقى هذا الزعم الخطير بنزول كتب إلهية على الأئمة مسطرًا ومؤكدًا في كتبهم القديمة والمعاصرة، على الرغم من أن بعض مراجعهم وشيوخهم - كما مر - يفتون بأن اعتقاد هذا كفر، فكانت النتيجة أن بعضهم يكفر بعضًا
_________________
(١) المصدر السابق: (١/١٩٠) .
[ ٢ / ٦٠ ]
٤- في انحرافهم في (السنة) عن جماعة المسلمين
ويناقض بعضهم رأي بعض، ويستحلون - باسم التقية - الخداع والكذب. نسأل الله سبحانه أن يهدي المخلصين الباحثين عن الحق منهم ويكشف علماء النفاق وزنادقة الباطنيين على حقيقتهم (١) .
٤- في السنة:
تحدثنا في مبحث معتقد الشيعة في «السنة» أن الشيعة يرون أن أقوال أئمتهم كأقوال الله ورسوله، وأنهم يعتقدون أن رسول الله - ﷺ - كتم جزءًا من الشريعة وأودعه عليًا، وأنهم يتعبدون بحكايات الرقاع، وأنهم يرفضون مرويات الصحابة، وأنهم لذلك انفصلوا عن المسلمين بكتب وأسانيد ورجال وأحاديث لا يوافقهم عليها المسلمون.
وفي هذا المبحث نتعرف على رأي علماء الشيعة في هذه المسائل وهم يحاولون اللقاء مع المسلمين، ويدعون إلى اعتبار مذهبهم أحد المذاهب الإسلامية المعتبرة.
وقد بحثت عن إجابات علماء الشيعة حول هذه المسائل فلم
_________________
(١) إن الدفاع عن "أساطير الروافض" حول مصحف فاطمة بمثل دفاع الرافضي عبد الحسين لا يغير من واقع الأمر شيئًا، وهو مجرد عملية ستر للباطل بثوب الحق، ويشبه دفاع عبد الحسين هذا دفاع رجل آخر من المنتسبين لأهل السنة ومن المهتمين بالتقريب، فقد زعم في دفاعه أن الأخبار الواردة في كتب الشيعة عن مصحف فاطمة إنما تدل على أن لفاطمة نسخة من القرآن مثل بعض الصحابة كمصحف ابن مسعود ومصحف ابن عباس وغيرهما. انظر: محمد علي الزعبي: «لا سنة ولا شيعة»: (ص ٨٦- ٨٧) . ولا شك أن تفسير الزعبي هذا لا يتفق مع واقع أخبار القوم عن مصحف فاطمة، وأحسب الشيخ الزعبي لم يطلع على "أساطيرهم" في ذلك، وإلا فلا يجوز التستر على الباطل، ولن نخدم الإسلام بإضفاء ثوب الحق على الباطل.
[ ٢ / ٦١ ]
أر سوى التأكيد عليها، والتصريح بها، فمحمد جواد مغنية يقول عن أقوال أئمته:
(قول المعصوم وأمره تمامًا كالتنزيل من الله العزيز العليم (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى «١» (٢) .
ويقول "الخميني": (إن تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن يجب تنفيذها واتباعها) (٣) .
أما دعواهم أن رسول الله - ﷺ - كتم جزءًا من الشريعة فهذه - كما مر - من أركان دينهم لا يكفون عن التصريح بها، ومعاصروهم أصرح في ذلك من متقدميهم، ولذا لم نجد أوضح في هذه المسألة ولا أصرح من كلام مراجعهم المعاصرين ولذا اضطررنا للاستشهاد بها فيما مضى، مع أننا نؤثر فيما أسلفنا من مباحث حول عقائدهم أن نستشهد بكتب حديثهم ومتقدمي شيوخهم.
ولما أثار الشيخ موسى جار الله القول بأن الشيعة يؤمنون بكتب وهمية كالجفر والجامعة، أجاب عن ذلك مرجع الشيعة المعاصر (محسن الأمين) - بلا حياء - بقوله: (إن ضاعت صحيفة الفرائض والجفر والجامعة
_________________
(١) النجم: الآيتان ٣- ٤.
(٢) محمد جواد مغنية: «الخميني والدولة الإسلامية»: ص ٥٩.
(٣) «الحكومة الإسلامية»: ص ١١٣.
[ ٢ / ٦٢ ]
وما ذكر معها عنده وعند أمثاله - يعني موسى جار الله - فلم تضع عند أهلها) (١) .
ونجد من شيوخهم الكبار من يتباهى بذكر تلك الكنوز الوهمية، والأسماء التي لا مسمى لها، ويذهب يعدد هذه "الكتب" بكل خفة عقل، وإذا سئل أين هذه «المزعومات» أجاب بأنها عند المنتظر. ولولا خشية الإطالة لنقلنا كلامهم في ذلك (٢) .
أما عن تعبدهم بحكايات "الرقاع" فيعترف دعاة التقريب بذلك وأنهم يعتبرونها من السنّة إلا أنهم يقولون إنها نادرة (٣) . وقد بينا فيما مضى حجم تلك الروايات.. وأن هناك مؤلفات مستقلة فيها.. وأن تلك التوقيعات استمرت بعد الغيبة الكبرى عندهم على يد بعض علمائهم الذين زعموا أن "مهديهم" قد نسخ لهم بعض الكتب، مثل ابن المطهر الحلي الذي زعم أنه التقى بالمهدي فنسخ له كتابًا ضخمًا في ليلة واحدة (٤) . ثم إنهم فتحوا الباب للاتصال العام بالمهدي عن طريق كتابة رقعة وبعثها للمهدي ببحر أو نهر، مع دعاء معين (٥)، وزعموا أن «الكافي» كله قد عرض على المهدي وقال: (الكافي كافٍ لشيعتنا) (٦) .
_________________
(١) محسن الأمين: «الشيعة»: ص ٢٥٤.
(٢) انظر ذلك في: «أعيان الشيعة»: (١/١٥٤- ١٨٤)، ومحمد آصف المحسني: «صراط الحق»: (٣/٣٤٧) .
(٣) الخنيزي: «الدعوة الإسلامية»: (٢/١١٢) .
(٤) انظر: ص ٢٦٧ من هذا البحث.
(٥) انظر: المجلسي: «البحار»: (٢٥/٢٣٥) .
(٦) انظر الخونسباري: «روضات الجنات»: (جـ٦/ ص ١١٦) وانظر: «الشافي شرح أصول الكافي»: (١/١) .
[ ٢ / ٦٣ ]
فكيف يقال إن الصلة بالمهدي وحكايات الرقاع نادرة وهم يسجلون في كتبهم هذه "المزاعم" كلها؟!
أما ردهم لمرويات الصحابة، فقد مر استشهادنا بقول محمد حسن آل كاشف الغطا (١)، وغيره (٢) في ذلك، ولكبار علمائهم حملات مسعورة ضد المكثرين من الرواية من صحابة رسول الله - ﷺ - كما صنع آيتهم العظمى عبد الحسين الموسوي في كتابه "أبو هريرة"، وكما فعل "حجتهم" عبد الحسين الأميني النجفي مع كبار الصحابة في كتابه «الغدير» وغيرهما (٣)، وذلك كله بغية رد رواياتهم والطعن في أحاديثهم. ولهم سب وتجريح لكبار محدثي الأمة، ولأمهات كتب المسلمين، ما لا يوجد مثله في كتب طائفة من طوائف الكفر، كما في كتاب «الغدير» لشيخهم الأميني وغيره، والمجال لا يتسع لنقل شواهد من هذا الغثاء وحسبنا الإشارة (٤) .
وهم لا يحتجون بأسانيد وكتب المسلمين، يقول «السبيتي» - من علمائهم المعاصرين - «أن الشيعة لا تعول على تلك الأسانيد (أي
_________________
(١) انظر: ص ٢٦١ من هذا البحث.
(٢) انظر: ص ٤٦ من هذا البحث.
(٣) وسيأتي إشارة إلى بعض من ذلك أيضًا في مبحث معتقدهم في الصحابة.
(٤) لا يخلو كتاب من كتبهم المعاصرة من سب للصحابة ولأئمة العلم والدين، ومن تشويه لتاريخ المسلمين وطعن في أمهات كتب الإسلام.
[ ٢ / ٦٤ ]
أسانيد أهل السنة) بل لا تعتبرها ولا تعرج في مقام الاستدلال عليها، فلا تبالي بها وافقت مذهبها أو خالفته» (١)، وقال: «إن لدى الشيعة أحاديث أخرجوها من طرقهم المعتبرة عندهم ودونوها في كتب لهم مخصوصة وهي كافية وافية لفروع الدين وأصوله، عليها مدار علمهم وعملهم، وهي لا سواها الحجة عندهم» (٢) .
وبعض دعاة التقريب يقول عن عدم احتجاج الشيعة بكتب أهل السنة: (إن عدم أخذ الإمامية بما في كتب أهل السنة - مطلقًا - ممنوع أشد المنع وأجلاه. فهذه كتب الإمامية مشحونة بالأحاديث المنقولة من كتب أهل السنة في فضائل أهل البيت ومآثرهم وكرامتهم - ﵈) (٣) .
وهذا الجواب قد ينخدع به بعض من لا يعرف أصول الشيعة وأساليبهم في الدفاع عن عقائدهم. ويفهم منه أن الشيعة تحتج بكتب
_________________
(١) «تحت راية الحق»: ص ١٤٦.
(٢) «تحت راية الحق»: ص ١٦٢.
(٣) أبو الحسن الخنيزي: «الدعوة الإسلامية»: (٢/١١٢) .
[ ٢ / ٦٥ ]
٥- في إنكارهم للإجماع
أهل السنة، والواقع أنه أراد خداع القارئ، وإلا فإن الشيعة إنما تحتج من كتب أهل السنة لمحاولة الدفاع عن مذهبها، والتبشير به بين صفوف المسلمين، لا أنهم يحتجون بها تدينًا وعبادة.
ولهذا عقد المجلسي - كما مر - بابًا في النهي عن الأخذ من كتب المخالفين من السنة إلا في حالة الاحتجاج عليهم من كتبهم (١) .
٥- في الإجماع:
مر بنا أنهم لا يحتجون بالإجماع على وجه الحقيقة ويحاول الشيعة التستر على رفضهم للإجماع، ومحاولة خداع المسلمين. فهم أولًا عقدوا في كتبهم الأصولية مبحث "الإجماع" (٢) مع أنه لا عبرة ولا وزن للإجماع عندهم مع قول المعصوم، والحجة بالمعصوم لا بالإجماع، فعقد هذا "المبحث" هو لمجرد الخداع في العناوين.
وبعض الشيعة المحدثين يحاول أن يتستر على رفضهم لأصل الإجماع - بطريق الحيلة - ويزعم أن الشيعة يوافقون السنة في الاحتجاج به. يقول محمد جواد مغنية: إجماع الصحابة بأن تتفق كلمة الأصحاب جميعًا على حكم شرعي، وقد وأجب السنة والشيعة الأخذ بهذا الإجماع واعتباره أصلًا من أصول الشريعة، ثم يذكر أن
_________________
(١) انظر: ص ٥٦ من هذا البحث.
(٢) انظر: كتب الأصول عندهم.
[ ٢ / ٦٦ ]
الشيعة قالوا بحجتيه لوجود الإمام مع الصحابة) (١) . انظر إلى هذا التحايل رغم أن مؤدى قوله أن الشيعة ترى أن الحجة في قول المعصوم لا في الإجماع. لكنه استعمل هذا الأسلوب الملتوي للخداع والتغرير، وقد انخدع بذلك البعض (٢) .
ومن أسس ردهم لإجماع المسلمين ذلك المبدأ الخطير عندهم، وهو أن خلاف العامة - أي أهل السنة - فيه الرشاد. وقد سارت كتبهم المعاصرة في الأصول على الأخذ بهذا المبدأ واعتباره أحد وسائل الترجيح عند تعارض الأحاديث في كتبهم، أي على نفس أسلوب كتبهم القديمة. يقول آيتهم العظمى محمد باقر الصدر في كتاب «تعارض الأدلة الشرعية»: (وقد بلغ الأمر بالأئمة في التقية - لا من الحكام فحسب، بل من الأمة بصورة آكد - أن جعلوا مخالفة العامة مقياسًا لترجيح إحدى الروايتين المتعارضتين على الأخرى) (٣) .
يذكر "الصدر" هذا المبدأ وهو يتحدث عن وسائل الترجيح
_________________
(١) «الشيعة في الميزان»: ص ٣٢١.
(٢) مثل الشيخ محمد الغزالي الذي نقل كلام مغنية هذا وغيره واحتج به في أنه لا فرق من أصول الأحكام بين السنة والشيعة انظر كتابه «ليس من الإسلام»: (ص ٧٩ - ٨٠) .
(٣) «تعارض الأدلة الشرعية»: تقرير لأبحاث محمد باقر الصدر، نشرها محمود الهاشمي: ص ٣. وانظر أيضًا: مجلة «رسالة الإسلام» كلية أصول الدين ببغداد العدد ٣، ٤، السنة الخامسة شوال ١٣٩١هـ، «بحث وظيفة المجتهد عند تعارض الأدلة»: داود العطار، مدرس التفسير وعلوم القرآن في الكلية: ص ١٣٣ (والكلية شيعية ومجلتها تعتمد في أبحاثها على كتب الشيعة) .
[ ٢ / ٦٧ ]
عند التعارض ويعتبره من الأصول التي وضعها أئمتهم لهم عند اختلاف أحاديثهم.
٦- الإمامة:
(أ) رأي دعاة التقريب فيما جاء في أمهات كتب الشيعة من غلو في الأئمة:
سبق أن عرضنا بعض ما تخلعه كتب الشيعة الأساسية على الأئمة من صفات تخرج بهم إلى درجة النبوة، وأحيانًا تبلغ بهم إلى درجة الألوهية، وفي هذا المبحث نستمع إلى رأي دعاة التقريب في ذلك:
١- لقد مر ذكر بعض الأبواب التي عقدها الكليني في كتابه «الكافي» حول الأئمة مثل: (باب أن الأئمة يعلمون ما كان وما يكون وأنهم لا يخفى عليهم الشيء) ونحوها - كما أسلفنا - وقد توجه د. علي السالوس (١) إلى أحد علماء الشيعة المعاصرين "كاظم الكفائي" (٢)، وسأله عن رأيهم في تلك الأبواب والأحاديث فأجاب عن ذلك بقوله:
(أما الروايات التي ذكرها شيخنا الكليني في كتابه «الكافي» فهي موثوقة الصدور عندنا.. وما ورد في «الكافي» أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة، والأنبياء، والرسل، وأنهم إذا شاءوا أن يعلموا علموا، ويعلمون متى يموتون ولا يموتون إلا باختيار منهم،
_________________
(١) د. علي السالوس مدرس الشريعة بالجامعة المستنصيرية بالعراق (سابقًا) وبمعهد التربية للمعلمين بالكويت (حاليًا) ١٤٠١هـ، ومن كتبه: «فقه الشيعة الإمامية» .
(٢) وهو عميد مدرسة الإمام كاشف الغطاء الدينية في النجف.
[ ٢ / ٦٨ ]
ويعلمون علم ما كان وما يكون ولا يخفى عليهم الشيء، لا شك أنهم أولياء الله وعباده الذين أخلصوا له في الطاعة)، ثم ذكر قولًا عن أئمتهم وهو: (قولوا فينا ما شئتم ونزهونا عن الربوبية) (١) يعني أنهم يستحقون هذه الأوصاف وغيرها..
وهكذا يؤكد كاظم الكفائي إيمانهم بهذا الغلو في الأئمة. وللخنيزي جواب من هذه المسائل لا يخالف جواب الكفائي في حقيقته (٢)، وكذلك أجاب "لطف الله الصافي" بأن الأبواب المعنونة في «الكافي» ليست إلا عناوين لبعض ما ورثوا عن جدهم رسول الله - ﷺ - (٣) وإذا كان هؤلاء يقرون بهذا فإن شيخهم عبد الحسين الأميني النجفي ينكر بعض ما ورد عنهم في ذلك مثل أن موت الأئمة باختيارهم، وينفي وجوده عندهم ويعتبر ذلك تحايلًا ومكابرة بالإفك (٤) .
رغم أن ذلك من أبواب «الكافي» و«البحار» الحاوية لكثير من أحاديثهم في ذلك، على أن عبد الحسين هذا يعترف في موضع آخر بأوصاف الغلو في أئمته، وذلك في معرض حديثه عن اختلاف المقاييس والموازين بين طائفته وسائر المسلمين فيقول: (لولا أن هناك من يتعامى أو يتصامم عن رؤية هذه وسماع هاتيك - يعني من فضائل أئمته - من الذين استأسرهم الهوى وتدهور بهم الجهل إلى هوة التيه
_________________
(١) حديث لكاظم الكفائي نشره السالوس بخط الكفائي. انظر «فقه الشيعة»: (ص ٦٥، ٢٦٥) .
(٢) أبو الحسن الخنيزي: «الدعوة الإسلامية»: (١/٢٧ - ٢٨) .
(٣) لطف الله الصافي: «مع محب الدين في خطوطه العريضة»: ص ١٤٩.
(٤) عبد الحسين أحمد الأميني النجفي: «الغدير»: (٣/٢٨٥ - ٢٨٦) .
[ ٢ / ٦٩ ]
والضلال - يعني أهل السنة - فعدوا من الغلو
الفاحش: القول بعلم الغيب فيهم أو تكلم الموتى معهم، أو علمهم بمنطق الطير والحيوانات أو إحياء الله الموتى بدعائهم، أو استجابة دعواتهم في برء الأكمه والأبرص بل وكل ذي عاهة، أو القول بالرجعة لهم، أو ظهور كرامة لهم تخرق العادة، أو الشخوص إلى زيارة قبورهم والتوسل بهم والتبرك بتربتهم والدعاء والصلاة عند مراقدهم (١)، أو التلهف والتأسف على ما انتابهم من المصائب - يشير إلى ما يصنعونه في ذكرى وفيات الأئمة - إلى كثير من أمثال هذه من مبادئ تراها الشيعة في العترة الهادية من فضائلهم المدعومة بالبرهنة الصحيحة والحجج القوية - أي قوية وصحيحة عندهم - مما أنكرته ابنا حزم وجوزي وتيمية وقيم وكثير ممن حذا حذوهم) (٢) .
وعلى الرغم من ادعاء عبد الحسين هذا، وكاظم الكفائي وغيرهما علم الغيب للأئمة، وزعمهم أن ذلك هو معتقد الشيعة، فإن محمد جواد مغنية ينكر علم الأئمة للغيب، بل ينكر نسبة ذلك إلى الشيعة يقول: (وكيف نسب إلى الشيعة الإمامية القول بأن أئمتهم يعلمون الغيب وهم يؤمنون بكتاب الله ويتلون قوله تعالى حكاية عن نبيه: (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير «٣) وقوله: (إنما الغيب لله «٤) وقوله: (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله «٥) لقد ظلم الشيعة الإمامية من نسب إليهم القول
_________________
(١) سيأتي في مسألة غلوهم في قبور أئمتهم مزيد من الشواهد.
(٢) عبد الحسين الأميني النجفي: «الغدير»: (٧/٧٠) .
(٣) الأعراف: آية ١٨٨.
(٤) يونس: آية ٢٠.
(٥) النمل: آية ٩٥.
[ ٢ / ٧٠ ]
بأن الأئمة يعلمون الغيب) (١) . ثم قال: (وإن من نسب إليهم شيئًا من ذلك فهو جاهل متطفل أو مفترٍ كذاب) (٢) .
هذا ما يقوله مغنية. فأيهما نصدق في مذهب الشيعة؟ هل نصدق «الكافي» و«البحار»، ونأخذ بقول كاظم الكفائي، وعبد الحسين النجفي ونقول أن الشيعة يدعون لأئمتهم علم الغيب، أو نأخذ بقول مغنية؟ والعجيب في الأمر أن الكل يزعم أن ما يقوله هو مذهب الشيعة، وعلى رأي مغنية فإن الكليني، والمجلسي، والكفائي، والأميني وغيرهم هم من الجهلة المتطفلين أو المفترين الكذابين.
وهذا التناقض في آراء دعاة التقارب له أمثلة كثيرة، فمن ذلك: بخصوص الغلو في الأئمة فقط أن محمد جواد مغنية يقول: إن الشيعة تعتقد أن علم الأئمة كسْبي، ويرمي من يدعي أن علم الأئمة إلهامي بالجهل والدس فيقول: (وبهذا يتبين الجهل أو الدس في قول من قال بأن الشيعة يزعمون أن علم الأئمة إلهامي وليس بكسبي) (٣)، في حين أن داعية التقريب الآخر الخنيزي يقول: (علم الأئمة ليس بكسبي) (٤)، وشيخهم محمد رضا المظفر يقول - وهو يتحدث عن علم الإمام -: (وإذا استجد شيء لا بد أن يعلمه - أي الإمام - من طريق الإلهام بالقوة القدسية التي أودعها الله تعالى فيه) (٥)، فمن نصدق وكلٌّ يزعم أن قوله هو مذهب الشيعة؟ لكن كتبهم الأساسية تثبت
_________________
(١) «الشيعة في الميزان»: ص ٤٣.
(٢) «الشيعة في الميزان»: ص ٤٨.
(٣) «الشيعة في الميزان»: (ص ٤٤- ٤٥) .
(٤) «الدعوة الإسلامية»: (١/١٧) .
(٥) «عقائد الإمامية»: ص ٩٦.
[ ٢ / ٧١ ]
الوحي والإلهام للأئمة، فمعنى هذا أن قول مغنية تقية وهو يزعم أنه لا تقية عندهم اليوم - كما سيأتي - كما نرى شيخهم محمد حسين آل كاشف الغطا يكفّر من يقول أن الأئمة يوحى إليهم (١)، مع أن هذا هو مذهب الكليني حيث روى ذلك في «الكافي» (٢) - الذي ضمن فيه أن لا يخرج إلا ما صح عنده - (٣)، فهل الكليني عند آل كاشف الغطا كافر؟ وكذلك المجلسي أثبت أحاديث الوحي للأئمة (٤) فهل يأخذ نفس الحكم؟.
وهكذا يكفر بعضهم بعضًا ويناقض بعضهم بعضًا.
كما أننا نرى الغلو في الأئمة عند مراجع الشيعة وعلمائها، فهذا شيخهم محمد حسين كاشف الغطا يقول: (لولا سيف علي.. لما اخضر للإسلام عود ولما قام له عمود) (٥) .
ولما استنكر الشيخ موسى جار الله هذا الغلو (٦) أجابه محسن الأمين - أحد مراجع الشيعة المعاصرين - بقوله: (إنه لم يسمع لسواه.. - يعني عليًا (- بقتيل ولا جريح في موقف من المواقف) (٧) .
_________________
(١) انظر: «أصل الشيعة»: ص ١٠١ ط الثانية.
(٢) انظر: ص ١٦٦ من هذا البحث.
(٣) انظر مقدمة «الكافي»، و«الوسائل» للحر العاملي: (٢٠/٦٣- ٦٤) .
(٤) انظر: ص ٢٦٧ من هذا البحث.
(٥) «أصل الشيعة»: ص ٢٥.
(٦) انظر: «الوشيعة»: ص: ص، ق.
(٧) «الشيعة»: ص ١١١.
[ ٢ / ٧٢ ]
ومحمد حسين آل كاشف الغطا هذا هو أيضًا الذي يقول في أئمته:
يا كعبة لله إن حجت لها الـ أملاك منه فعرشه ميقاتها
أنتم مشيئته التي خلقت بها الـ أشياء بل ذرئت بها ذراتها
أنا في الورى قال لكم إن لم أقل ما لم تقله في المسيح غلاتها (١)
هذا ما يقوله أحد كبار مراجع الشيعة، وكبار دعاة التقريب منهم، ومن يعتبر عند بعض أهل السنّة من معتدلي الشيعة، ولهذا قدموه إمامًا لهم في مؤتمر القدس الأول (٢) . لأن له وجهين وقولين، والتقية لا تنتهي كنوزها، وهو يتعهد في "البيت الأخير" أنه سيقول في أئمته ما لم تقله غلاة النصرانية في المسيح، وما أدري أي مرحلة سيصل إليها؟ وهل بعد غلو النصارى الذين جعلوا المسيح إلهًا من دون الله.. هل بعد غلوهم من غلو؟!!
ولكنه استطاع تجاوز ما قالته النصارى في المسيح، حيث جعلهم الكعبة التي تحجها الأملاك وميقاتها العرش وخلقت بهم الأشياء.
_________________
(١) «ديوان شعراء الحسين»: محمد باقر النجفي: ص ١٢ ط. طهران ١٣٧٤هـ.
(٢) انظر في مؤتمر القدس، مجلة «الأزهر» المجلد: (٢٥/٥٠٦، ٦٣٨، ٩٧٩)، «المسلمون» المجلد السادس: ص ٤٥. وانظر: تعليق محمد رشيد رضا في «المنار» على تقديم محمد حسين آل كاشف الغطا إمامًا لهم في الصلاة في مجلة «المنار»: المجلد: (٢٩/ص ٦٢٨) .
[ ٢ / ٧٣ ]
ولهم شيخ آخر يدعى عبد الحسين ابن الشيخ إبراهيم ابن الشيخ صادق ابن الشيخ يحيى.. العاملي (١)، قالوا أنه كان آية من آياتهم التي ينسبوها - زورًا - إلى الله سبحانه، يقول هذا "العاملي" مشطرًا أبيات السيد حسين القزويني في مدح الأمير "ع".
أبا حسن أنت عين الإله وعنوان قدرته السامية
وأنت المحيط بعلم الغيوب فهل عندك تعزب من خافية؟
وأنت مدبر رحى الكائنات وعلة إيجادها الباقية
لك الأمر إن شئت تنجي غدا وإن شئت تسفع بالناصية (٢)
والشواهد في هذا الباب كثيرة:
ونقول إن هذه هي السبئية، خرجت لنا اليوم متلفعة برداء الاثني عشرية، وما كنا نظن أن للسبئية وجودًا حتى بدأنا القراءة في كتب "الروافض" فوجدنا أفكار ابن سبأ قد خلدت في دواوين الاثني عشرية الأساسية، فيولد في أحضان الاثني عشرية، بفضل هذه الدواوين،
_________________
(١) ووصفوه بأنه (آية من آيات الله وعلمًا من أعلام الدين والإسلام في سوريا والعراق) مع أنه عدو لله ودينه. ولد في النجف عام ١٢٧٩هـ، وتتلمذ على شيوخ النجف في عصره وكللوه بإجازاتهم وشهاداتهم له برقي منصب الاجتهاد عندهم وتآليفه تنوف على العشرين، منها: «المواهب السنية في فقه الإمامية» مجلدان. محمد باقر النجفي: «ديوان شعراء الحسين»: ص ٢٦.
(٢) «ديوان الحسين»: الجزء الأول من القسم الثاني الخاص في الأدب العربي، ص ٤٨.
[ ٢ / ٧٤ ]
من أمثال ابن سبأ العشرات، والخلاف في الاسم فقط.
ولولا ضيق المجال لأكثرت من الشواهد في ذلك (١) .
(ب) رأيهم في الغلو في قبور أئمتهم:
سبق أن نقلنا عن شيخهم عبد الحسين أنهم لا يعتبرون هذا من الغلو لأنه مؤيد بالأدلة عندهم.
وأكد شيخهم محمد حسين آل كاشف الغطا أن كربلاء عندهم أشرف بقاع الأرض بالضرورة، وذكر أنه قد شهد بذلك الكثير من الأخبار والآثار عندهم، ثم استشهد بالبيت التالي:
ومن حديث كربلا والكعبة لكربلا بان علو الرتبة
ثم ذكر أن شعراءهم قد تفننوا في بيان فضلها وقداستها، واستطالتها على جميع بقاع الأرض (٢) !!!!
ويؤكد آيتهم ميرزا حسن الحائري هذا المعنى الوثني فيقول: (كربلاء تلك التربة الطيبة الطاهرة، والأرض المقدسة التي قال في حقها رب السموات والأرضين - مخاطبًا للكعبة حينما افتخرت على سائر البقاع -: قري واستقري لولا أرض كربلاء وما ضمنته لما
_________________
(١) انظر من ذلك: محسن الأمين: «أعيان الشيعة»: (٥/٢١٩)، و«ديوان شعراء الحسين» في مواضع كثيرة، لمجموعة من شيوخ الروافض، والبرسي: «مشارق الأنوار» في مواضع كثيرة، وعبد الحسين الأميني النجفي: «الغدير»: (٧/٣٤- ٦٧)، وغيرها.
(٢) محمد آل كاشف الغطا: «التربة الحسينية»: (ص ٥٥- ٥٦) .
[ ٢ / ٧٥ ]
خلقتك)، ثم يقول هذا الرافضي:
وكذلك أصبحت هذه البقعة المباركة بعد ما صارت مدفنًا للإمام "ع" مزارًا للمسلمين وكعبة للموحدين ومطافًا للملوك والسلاطين، ومسجدًا للمصلين (١) .
ويقول د. عبد الجواد آل طعمه في كتاب له يسمى: «تاريخ كربلاء» - وهو موثق من عدد من آياتهم وحججهم (٢) - يقول: (أُعطيت كربلاء حسب النصوص الواردة بأكثر مما أُعطى لأي أرض أو بقعة أخرى من المزية والشرف في الإسلام؛ فكانت أرض الله المختارة، وأرض الله المقدسة المباركة، وحرمًا آمنًا مباركًا، وحرمًا من حرم الله وحرم رسوله وقبة الإسلام، ومن المواضع التي يحب الله أن يعبد ويدعى فيها، وأرض الله التي في تربتها الشفا، فإن هذه المزايا وأمثالها التي اجتمعت لكربلاء لم تجتمع لأي بقعة من بقاع الأرض حتى الكعبة) (٣) .
ويقول محمد الشيرازي وهو من آياتهم عن قبور أئمته:
(ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الطاهرين أحياء عند ربهم يرزقون، ولذا فإننا نزور قبورهم ونتبرك بآثارهم ونقبل أضرحتهم كما نقبل الحجر الأسود وكما نقبل جلد القرآن الكريم) (٤) .
_________________
(١) الحائري: «أحكام الشريعة»: (١/٣٢) .
(٢) كمحمد حسن آل كاشف الغطا، وعبد الحسين الأميني النجفي وغيرهما. انظر: مقدمة الكتاب.
(٣) «تاريخ كربلاء»: (ص ١١٥- ١١٦) .
(٤) المرجع الديني، محمد الشيرازي: «مقالة الشيعة»: ص ٨.
[ ٢ / ٧٦ ]
ويقول آيتهم وحجتهم عبد الله الممقاني:
(وعليك بني بالتوسل بالنبي وآله صلى الله عليهم أجمعين، فإني قد استقصيت الأخبار فوجدت أنه ما تاب الله على نبي من أنبيائه من الزلة إلا بالتوسل بهم، وقد ورد - أي من طرقهم - أن الله تعالى لما خلق آدم (نقل أشباح محمد وآله المعصومين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين من ذروة العرش إلى ظهره، وكان أمره الملائكة بالسجود لآدم (؛ إذ كان وعاء تلك الأشباح وأنه قال لآدم ﵇ - لما سأله عنهم - أن هؤلاء خيار خليقتي، وكرام بريتي بهم آخذ، وبهم أُعطي، وبهم أُعاقب، وبهم أُثيب، فتوسل بهم يا آدم، وإذا دهتك داهية فاجعلهم لي شفعاءك، فإني آليت على نفسي قسمًا حقًا أن لا أُخيب بهم آملًا، ولا أرد بهم سائلًا، فلذلك حين زلت منه الخطيئة دعا الله (بهم فتاب تعالى عليه وغفر له، وكذلك من بعده يعقوب، ويوسف وغيرهما لم ينج منهم ناج إلا بالتوسل بهؤلاء الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين.
وعليك بني بزيارته - يعني الحسين - في كل يوم من البعد مرة والمضي إليه في كل شهر مرة، ولا أقل من زيارته في الوقفات السبع (١)، وإن كنت في بلدة بعيدة ففي السنة مرة) (٢) .
_________________
(١) الوقفات السبع عندهم هي:
(٢) زيارة ليلة عاشوراء ويومها.
(٣) زيارة الأربعين.
(٤) زيارة أول يوم من رجب.
(٥) زيارة النصف من رجب.
(٦) زيارة النصف من شعبان.
(٧) زيارة ليلة عيد الفطر.
(٨) زيارة يوم عرفة. محيي الدين الممقاني: «مرآة الرشاد»: (الحاشية): (ص ١١١- ١١٣) .
(٩) عبد الله الممقاني: «مرآة الرشاد»: (ص ١١٠- ١١٤) .
[ ٢ / ٧٧ ]
وعلق على ذلك ابنه شيخهم محي الدين الممقاني بأنه قد ورد من طرقهم (أن من زاره - عارفًا بحقه - كتب الله له ثواب ألف حجة وألف عمرة، وكأنما زار الله. وحق على الله ألا يعذبه بالنار، ألا وإن الإجابة تحت قبته والشفاء في تربته) (١) .. (ومن زار قبر الحسين (ليلة النصف من شعبان، وليلة الفطر، وليلة عرفة في سنة واحدة كتب الله له ألف حجة مبرورة، وألف عمرة متقبلة، وقضيت له ألف حاجة من حوائج الدنيا والآخرة) (٢)، (ومن أتاه يوم عرفة عارفًا بحقه كتب الله له ألف حجة وألف عمرة متقبلات، وألف غزوة مع نبي مرسل أو إمام عادل) (٣) .
وهكذا تتفق كتب الشيعة قديمها وجديدها على هذا الاعتقاد الوثني وينسبون هذا لأئمتهم، ولا يعلم المسلمون كلهم بهذا الأمر وينفرد بنقله الشيعة دون غيرهم. والحق أن هذه النصوص والأقوال هي التي أحيت عقيدة المشركين في مزارات الشيعة ومشاهدها وأصبحت المشاهد معمورة والمساجد مهجورة، وعلماؤهم يؤيدون هذا "المنكر" (٤) .
(ج) غلوهم في مجتهديهم:
لا نجد من دعاة التقريب إلا كل تأييد لهذا الغلو بل إن هذا
_________________
(١) محيي الدين الممقاني: «مرآة الرشاد»: الحاشية، ص ١١٠ عن «وسائل الشيعة»: (٢/٣٩٥) باب ٤٥.
(٢) محيي الدين، المصدر السابق: ص ١١٣ عن «وسائل الشيعة»: (٢/٣٩٨) باب ٥٤.
(٣) محيي الدين، المصدر السابق: ص ١١٣ عن «وسائل الشيعة»: (٢/٣٩٦) باب ٤٩.
(٤) فأصبحت مزارات الشيعة اليوم من أكبر المظاهر للشرك بالله تعالى، ولا أمل يرتجى في تغيير هذا المنكر بينهم لأنه مؤيد عندهم بالأدلة والأحاديث عكس الأمر عند أهل السنّة، وقد رأى هذا الشرك كل من زار تلك المشاهد. يقول الشيخ موسى =
[ ٢ / ٧٨ ]
الغلو يمتد على أيديهم ويزداد فهذا شيخهم "محمد جواد مغنية" الذي يلهج بالدعوة للتقارب والذي ما زال يؤمن بقوله إن الشيعة مظلومون ومفترى عليهم وأنهم من أبعد الناس عن الغلو، ولكنه يقول في كتابه «الخميني والدولة الإسلامية» في مدح الخميني: (وقال السيد المعلم - يعني الخميني - ص ١١١ من «الحكومة الإسلامية» لماذا الخوف؟ فليكن حبسًا أو نفيًا أو قتلًا، فإن أولياء الله يشرون أنفسهم ابتغاء مرضاة الله) (١) .
ثم علق على ذلك مغنية بقوله: (وليست هذه الكلمات مجرد سورة من سورات الغضب كما فعل موسى (حين ألقى الألواح - التوراة - وأخذ برأس أخيه يجره إليه، بل تنبني أيضًا على العلم والمنطق الصارم دون أن تلفحه نار العاطفة) (٢) .
_________________
(١) = جار الله، بعد زيارته لديار الشيعة عدة أشهر، بأنه رأى المشاهد والقبور عندهم معبودة. انظر: «الوشيعة»: ص ط. وقال الشيخ الندوي - بعد زيارة له إلى إيران - عن مشهد علي الرضا: (فإذا دخل غريب في مشهد سيدنا علي الرضا لم يشعر إلا وأنه داخل الحرم، فهو غاص بالحجيج مدوي بالبكاء والضجيج، عامر بالرجال والنساء مزخرف بأفخر الزخارف والزينات، قد تدفقت إليه ثروة الأثرياء وتبرعات الفقراء) . أبو الحسن الندوي: «من نهر كابل إلى نهر اليرموك»: ص ٩٣، «مجلة الاعتصام»: السنة ٤١، العدد ٣. ويقول صاحب «مختصر التحفة الاثني عشرية»: (أنهم يعظمون قبور الأئمة ويطوفون حولها، بل ويصلون إليها مستدبرين القبلة إلى غير ذلك من الأمور التي يستقل لديها فعل المشركين مع أصنامهم، وإن حصل لك ريب من ذلك فاذهب يوم السبت إلى مرقدي موسى الكاظم ومحمد الجواد ﵄ فانظر ماذا ترى؟. ومع ذلك فهذا معشار ما يصنعون عند قبر الإمام علي - ﵁ - ومرقد الإمام الحسين (عنه مما لا شك ذو عقل في إشراكهم والعياذ بالله) «مختصر التحفة الاثني عشرية»: ص ٣٠٠. وانظر: «المنتقى» بتعليق: محب الدين الخطيب: ص ١٢، ٥١، ١٥٨، ١٥٩.
(٢) ، (٢) محمد جواد مغنية: «الخميني والدولة الإسلامية»: ص ١٠٧.
[ ٢ / ٧٩ ]
هذا نص مغنية بحروفه، وهو يفيد أن الخميني أكمل من نبي الله موسى - ﵊ - وأن فعل الخميني مبني على العلم والمنطق وموسى على الغضب والعاطفة!! وموسى (أكرم وأعظم أن يقارن بصفوة الصالحين فكيف يفضل عليه الخميني، أو يذكر معه، في مقارنة ولكنه منطق الغلاة الذين قد فرغت قلوبهم من توقير أنبياء الله ورسله لأن غلوهم في أئمتهم ونوابهم قد استل من قلوبهم عظمة الرسالة والرسل. وإلا فما معنى هذه المقولة الشنيعة التي سقط بها هذا الرافضي؟ (١) .
(د) رأي دعاة التقارب فيما جاء في أصولهم وكتبهم الأساسية من عدم شرعية أي حكومة إسلامية غير حكومة الاثني عشر:
١- رأي آيتهم "حسين الخراساني (٢) .
لعل رأيه في هذا الباب يؤخذ من خلال ما ذكر في كتابه «الإسلام على ضوء التشيع» أن كل شيعي على وجه الأرض يتمنى فتح مكة والمدينة وإزالة الحكم الوهابي عنها - كما يزعم - يقول: (إن طوائف الشيعة يترقبون من حين وآخر أن يومًا قريبًا آت يفتح الله تعالى لهم تلك الأراضي المقدسة لمرة أخرى - كذا - ليدخلوها آمنين مطمئنين فيطوفوا ببيت ربهم، ويؤدوا مناسكهم ويزوروا قبور ساداتهم ومشايخهم وفي مقدمها قبر صاحب الشريعة الإسلامية ومسجده الشريف وقبور أهل بيته وعترته الطاهرين في البقيع، ولا يكون هناك سلطان جائر يتجاوز عليهم بهتك أعراضهم وذهاب حرمة إسلامهم وسفك دمائهم المحقونة، ونهب أموالهم
_________________
(١) وهناك أمثلة أخرى. انظر مثلًا: محسن الأمين: «أعيان الشيعة»: (٥/٢٤٠- ٢٤١) .
(٢) من شيوخهم المعاصرين في إيران يلقبونه بـ "آية الله"، له أكثر من ٣٥ مؤلف.
[ ٢ / ٨٠ ]
المحترمة ظلمًا وعدوانًا. حقق الله تعالى آمالنا) (١) .
هكذا يتمنى هذا "الرافضي" فتح الديار المقدسة، وكأنها بيد كفار، ويعلل هذا التمني بأنه يريد الحج والزيارة وكأنه وطائفته قد منعوا من ذلك، والواقع أنه يريد إقامة الشرك وهدم التوحيد في الحرمين الطاهرين، وهذه الأمنية هي التي رددها بعض رجالات ثورة الخميني؛ ففي احتفال رسمي وجماهيري أقيم في عبدان في ١٧/٣/١٩٧٩م تأييدًا لإقامة الجمهورية الإسلامية ألقى د. محمد مهدي صادقي خطبة في هذا الاحتفال سجلت باللغتين العربية والفارسية، ووصفتها الإذاعة بأنها مهمة، ومما جاء في هذه الخطبة: (أصرح يا إخواني المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن مكة المكرمة حرم الله الآمن يحتلها شرذمة أشد من اليهود..)، وذكر قبل ذلك بأنه حين تثبت ثورته على أقدامها سينتقلون إلى القدس وإلى مكة المكرمة، وإلى أفغانستان وإلى مختلف البلاد (٢) . وهكذا يعتبر الوضع في مكة كوضع القدس الذي يحتله اليهود ووضع أفغانستان التي يحتلها الشيوعيون (٣)، في حين أننا نراهم يتعاطفون مع الحكم النصيري الكافر في سوريا ولا يمسونهم بنقد..!!
٢- رأي آيتهم العظمى عبد الحسين الرشتي (٤):
في جواب له على ما قاله الشيخ جار الله من أن الشيعة
_________________
(١) «الإسلام على ضوء التشيع»: (ص ١٣٢- ١٣٣) .
(٢) أذيعت هذه الخطبة من صوت الثورة الإسلامية من عبادان الساعة ١٢ ظهرًا من يوم ٢٧/٣/١٩٧٩م. وانظر: «وجاء دور المسلمين»: (ص ٣٣٤- ٣٤٧) .
(٣) وقد نقل رشيد رضا أن الرافضي أبو بكر العطاس قال: (أنه بفضل أن يكون الإنكليز حكامًا في الأراضي المقدسة على ابن سعود) «المنار»: (جـ٢٩/ص ٦٠٥) .
(٤) وقد ورد له ترجمة في مقدمة كتابه «كشف الاشتباه» عظموه فيها وذكروا أنه من آيتهم وحججهم. انظر: مقدمة الكتاب.
[ ٢ / ٨١ ]
ترى أن حكومات الدولة الإسلامية وقضاتها كلها طواغيت (١) .
أجابه هذا الرشتي بجواب حاول فيه إقامة الدليل على شرعية إمامة الاثني عشر وبطلان ما عداها من حكم وإمامة، وزعم أنه يأخذ هذه الأدلة من كتب السنّة المعتمدة، ومما أورده في ذلك قوله: (وروى صدر الأئمة أخطب خوارزم (٢) بسنده أن الله (قال لنبيه عن ولاية أئمتهم الاثني عشر: فمن قبلها كان عندي من المؤمنين ومن جحدها كان عندي من الكافرين، يا محمد لو أن عبدًا من عبادي عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشن البالي ثم أتاني جاحدًا لولايتكم ما غفرت له حتى يقر بولايتهم) (٣) .
والنتيجة من جواب هذا الرشتي أن الشيعة ترى كفر الحكومات الإسلامية، وتحاول أن تقيم على أهل السنّة الحجة والدليل من كتبهم ليأخذوا بهذا المبدأ!!
_________________
(١) «الوشيعة»: ص ٢٤.
(٢) الموفق بن أحمد بن أبي سعيد إسحاق أبو المؤيد، المعروف بـ"أخطب خوارزم" أو "خطيب خوارزم" لأنه كان يخطب بجامع خوارزم سنين كثيرة، ومن كتبه: «مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب» وغيره. قال ابن تيمية عما جمعه خطيب خوارزم من فضائل علي: (فأما من تأمل في جمع هذا الخطيب فإنه يقول سبحانك هذا بهتان عظيم) توفي سنة ٥٦٨هـ وكان مولده في حدود سنة ٤٨٤هـ. انظر: السيوطي: «بغية الوعاة»: (٢/٣٠٨)، «منهاج السنة النبوية»: (٤/١٠٧)، حاجي خليفة: «كشف الظنون»: (٢/١٨٤٤) .
(٣) عبد الحسين الرشتي: «كشف الاشتباه»: (ص ٥٩- ٦٣) وهذه الرواية من أشنع الكذب في دين الله وشرعه، فهي تجعل الإسلام هو في ولاية علي أو عدم ولايته، وهذا معلوم فساده من دين الإسلام بالضرورة، بل إن هذا الحديث وأمثاله هو من مكائد الباطنيين للتوصل إلى إبطال الشرائع وتعطيل العبادات. وانظر ما سبق أن قلناه حول طريقة الروافض في الاستدلال من مصادر السنة: ص ٥٨ وما بعدها.
[ ٢ / ٨٢ ]
٣- عبد الحسين شرف الدين الموسوي (١):
لما قال الشيخ موسى جار الله إن الشيعة تعتبر الحكومات الإسلامية وقضاتها طواغيت أجابه هذا الموسوي بقوله:
(الطواغيت من الحكومات وقضاتها عند الشيعة إنما هم الظالمون الغاشمون المستحلون من آل محمد ما حرم الله ورسوله.. أما غيرهم من حكومات الإسلام فإن من مذهب الشيعة وجوب مؤازرتهم في أمر يتوقف عليه عز الإسلام ومنعته، وحماية ثغوره وحفظ بيضته، ولا يجوز عندهم شق عصا المسلمين وتفريق جماعتهم بمخالفته، بل يجب على الأمة أن تعامل سلطانها القائم بأمورها والحامي لثغورها معاملة الخلفاء بالحق) (٢) .