إذا كان هذا "الرأي" هو القول المعتمد فلماذا لا ينكر ذلك المنكر القائم في كتبهم الذي يكفر الأمة - كما سبق عرضه -؟ لماذا تنشر تلك الكتب التي حوت تكفير المسلمين وتحقق من كبار علمائهم المعاصرين، ولا يعقب على هذا المذهب الخطير بأية كلمة سوى مدح هذه الكتب وتوثيقها والثناء على مؤلفيها وتعظيمهم؟.
ومحمد آل كاشف الغطا، ومحسن الأمين وغيرهما من مراجع الشيعة وعلمائها - وهم يزعمون أن مذهب الشيعة لا يكفر المسلمين - لا نراهم يتعرضون لذلك الضلال المدون في كتبهم والذي يكفر الأمة، بل لا يشيرون إلى وجوده، ويزعمون أن الشيعة مظلومة مفترى عليها، والقارئ لذلك لا ينقضي عجبه من هذا المسلك الذي ينكر
_________________
(١) محسن الأمين: «الشيعة»: ص ١٧٦، «أعيان الشيعة»: (١/٤٥٧) .
(٢) مثل عبد الحسين شرف الدين الموسوي، انظر كتابه «أجوبة مسائل جار الله»: ص ٣٩، ورسالته: «إلى المجمع العلمي العربي بدمشق» ط النجف ١٣٨٧هـ، وغيرهما من كتبه. وانظر: محمد حسين الزين العاملي: «الشيعة في التاريخ»: ص ٣٢، وأبو الحسن الخنيزي: «الدعوة الإسلامية»: (٢/٢٦٠)، ولطف الله الصافي: «مع محب الدين الخطيب»: ص ٩٥، ومحمد جواد مغنية في كتابه: «الشيعة في الميزان»: ص ٢٦٩، وغيرهم.
[ ٢ / ٨٧ ]
الواقع القائم بحماس شديد وجرأة غريبة، ونقول إذا كان ما يقوله هؤلاء الأعلام المعاصرون من الشيعة هو حقيقة مذهب الشيعة، فإن المنتظر من هؤلاء الأعلام أن يتوجهوا بالرد على الكليني، والقمي، والمفيد، والطوسي، والمجلسي، ونعمة الله الجزائري وغيرهم الذين أثبتوا هذه، تلك المفتريات في كتبهم - كما مر - لا أن يردوا على من يكشف هذا الضلال ويستنكر هذا المنكر - من السنّة - كما فعلوا مع موسى جار الله وغيره.
ثم إنه لا يزال بعض علمائهم المعاصرين يهذي بهذا الضلال ويصرح بتكفير المسلمين مثل شيخهم محمد باقر الطباطبائي (١)، وشيخهم عبد الحسين الرشتي (٢) وشيخهم عبد الهادي الفضلي (٣)، وغيرهم (٤)، بل إن من علمائهم المعاصرين الذين ينكرون إيمان الشيعة بهذا المعتقد الضال من يقع في هذا الذي ينكره؛ فيحكم بكفر الأمة، بل يحكم بردة صحابة رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) والذي وصفوه بأنه: حجة الإسلام وملاذ الأنام، والإسلام منه بريء، ومن كتبه «الشهاب الثاقب في رد ما لفظه الناصب»، فأهل السنة جميعًا في رأيه نواصب.
(٢) الذي يقول عن الشيخين ﵄: (أن أبا بكر وعمر هما السببان لإضلال هذه الأمة إلى يوم القيامة) «كشف الاشتباه»: ص ٩٨، فهو في هذا النص يحكم بضلال الأمة إلى يوم القيامة، وأن سبب ضلالها هما صهرا رسول الله وحبيباه وخليفته، ثم يستثني من هذا الضلال طائفته ويعتبرها الناجية، المصدر السابق: ص ٩٨.
(٣) وهو رافضي، يعيش في بعض دول الخليج، يقول في كتابه: «التربية الدينية»: ص ٦٣ أن الإمامة ركن من أركان الدين (ولا أركان المذهب الشيعي، أي فمنكرها منكر ركن من أركان الدين، ومنكر ذلك ليس بمسلم) .
(٤) وسيأتي مزيد من الأمثلة لآراء المعاصرين في مسألة التكفير في مبحث رأيهم في ما قالته أصولهم في الصحابة.
[ ٢ / ٨٨ ]
ولا شك أن من يكفر صحابة رسول الله الذين جاهدوا معه ورضي اللهم عنهم ورسوله لا لشيء إلا لأنهم أنكروا الإمامة بزعمه فليس عليه بمستنكر تكفير غيرهم من المسلمين.
فمثلًا نرى محمد رضا المظفر - وهو من كبار علمائهم المعاصرين - يشير في كتابه «عقائد الإمامية» إلى أن المسلم عندهم هو من يشهد الشهادتين أيًا كان مذهبه (١) .
بينما نجده في كتاب السقيفة يحكم بردة المسلمين بأجمعهم بعد وفاة الرسول - ﷺ - يقول: (مات النبي صلى الله عليه وآله ولا بد أن يكون المسلمون كلهم - لا أدري الآن - قد انقلبوا على أعقابهم) (٢) هذا كلامه بحروفه. وبينما نجد كتب الشيعة تستثني من الحكم بالردة ثلاثة أو أربعة أو سبعة، نرى هذا الرجل يشك في وجود واحد من المسلمين لم يرتد على أعقابه بعد وفاة الرسول - ﷺ -. وكذلك نرى شيخهم عبد الحسين شرف الدين الموسوي - الذي ينفي إيمانهم بهذه الضلالة في أكثر من كتاب من كتبه كما أشرنا إلى ذلك (٣) - نراه في كتابه الذي سماه «الفصول المهمة في تأليف الأمة» - والذي زعم فيه أن الشيعة لا تكفر من أتى بالشهادتين - نراه ينكص على عقبه ويقول: إن الأخبار التي وردت بإيمان مطلق الموحدين تخصص بولاية آل البيت - يعني أئمته الاثني عشر - ويزعم أن هؤلاء الاثني عشر
_________________
(١) انظر: «عقائد الإمامية»: ص ١٥٥.
(٢) انظر: «السقيفة»: ص ١٩.
(٣) انظر: هامش رقم (٢) ص ٨٧ من هذه الرسالة.
[ ٢ / ٨٩ ]
هم باب حطة لا يغفر إلا لمن دخلها (١) . ويؤكد القول بأن (ولايتهم من أصول الدين) (٢) .
ويقول: (فقد أجمع المسلمون على معذرة من تأول في غير أصول الدين وإن أخطأ) (٣) .
والأمثلة على هذا التناقض كثيرة لا مجال هنا لعرضها، لكن نرى من الضروري كشف حقيقة كلام الذين ينكرون إيمانهم بهذه الضلالة، وأنهم لا يختلفون عمن يصرّح بهذه الضلالة، ولكن لإنكارهم تفسير خاص لا يعرفه إلا من اطلع على أصولهم وهم يحاولون خداع المسلمين بما يقولونه، في حين أنهم لا يفارقون مذهبهم القائم على تكفير المسلمين، إلا تقية أو خداعًا.
ولقد كنا نحسب أن رأي محسن الأمين ومحمد حسين آل كاشف الغطا رأي عاقل، وصوت معتدل وسط ذلك الغلو الأعمى والتعصب الذميم، حتى اطلعنا على أصولهم فعرفنا "الحقيقة"؛ وهي أنهم يقولون بأننا نحكم بإسلام الناس في ظاهر الأمر فقط، أما في الباطن فهم كافرون، وهم مخلدون في النار، والحكم بإسلام الناس - أي أهل السنّة - رحمة بالشيعة؛ وذلك للاضطرار إلى مخالطة الشيعة لجمهور المسلمين.
يقول شيخهم الملقب بـ "الشهيد الثاني" (٤):
_________________
(١) «الفصول المهمة»: ص ٣٢.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٢.
(٣) «الفصول المهمة»: ص ٤٥.
(٤) زين الدين بن علي العاملي المعروف بالشهيد الثاني، أول من صنف من الإمامية في دراية الحديث على سبيل التفصيل. ت ٩٦٦هـ «أعيان الشيعة»: (١/٢٩٧) .
[ ٢ / ٩٠ ]
بـ (المنع من المنافاة بين الحكمين - أي الحكم بالإسلام والحكم بالكفر - لأنا نحكم بأن من لم يتحقق له التصديق المذكور - وهو التصديق بإمامة الأئمة - كافر في نفس الأمر والحكم بإسلامه ظاهرًا صحة ترتب كثير من الأحكام الشرعية على ذلك) . ثم قال: (أن الشارع جعل الإقرار بالشهادتين علامة على صحة إجراء أكثر الأحكام الشرعية على المقر، كحل مناكحته والحكم بطهارته وحقن دمه وماله وغير ذلك من الأحكام المذكورة في كتب الفروع، وكأن الحكمة في ذلك هو التخفيف عن المؤمنين "الشيعة" لمسيس الحاجة إلى مخالطتهم في أكثر الأزمنة والأمكنة) (١) . ثم قال: (أن القائلين بإسلام أهل الخلاف - يعني بأهل الخلاف أهل السنّة - يريدون ما ذكرناه من الحكم بصحة جريان أكثر أحكام المسلمين عليهم في الظاهر لا أنهم مسلمون في نفس الأمر ولذا نقلوا الإجماع على دخولهم النار، ثم ذكر أيضًا بأن القائلين بكفرهم إن أرادوا بذلك كونهم كافرين ظاهرًا وباطنًا فهو ممنوع ولا دليل عليه، بل الدليل قائم على إسلامهم ظاهرًا) (٢) .
ويقول "المجلسي": (ويظهر من بعض الأخبار - بل كثير منها - أنهم في الدنيا أيضًا في حكم الكفار، لكن لما علم الله أن أئمة الجور وأتباعهم يستولون على الشيعة وهم يبتلون بمعاشرتهم ولا يمكنهم الاجتناب عنهم وترك معاشرتهم ومخالطتهم ومناكحتهم؛ أجرى الله عليهم حكم الإسلام توسعة، فإذا ظهر القائم "ع" يجري عليهم حكم سائر الكفار في جميع الأمور، وفي الآخرة يدخلون النار ماكثين فيها أبدًا مع الكفار، وبه
_________________
(١) «البحار»: المجلسي: (٨/٣٦٧- ٣٦٨) .
(٢) «البحار»: المجلسي: (٨/٣٦٧- ٣٦٨) .
[ ٢ / ٩١ ]
يجمع بين الأخبار كما أشار إليه المفيد والشهيد الثاني) (١) .
ويذكر آيتهم العظمى - من المعاصرين - شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي أن (أصول دين الإسلام على قسمين:
قسم يترتب عليه جريان حكم المسلم وهو الشهادة بالوحدانية، والشهادة بالرسالة وقسم يتوقف عليه النجاة بالآخرة فقط والتخلص من عذاب الله والفوز برضوانه والدخول في الجنة. فيحرم دخولها على من لم يعترف به ويساق إلى النار في زمرة الكفار، ويسمى هذا القسم بأصول الإيمان، ثم ذكر أن من هذا القسم الاعتقاد بالإمامة والاعتراف بالإمام وقال: أن الدليل على ذلك هو ارتداد جماعة من الصحابة بعد ارتحال النبي - ﷺ - إلى الكفر، ومن المعلوم أنه لم يصدر بعد ارتحال النبي من الصحابة ما يصلح أن يكون موجبًا للارتداد إلى الكفر ولم يعدلوا عن الشهادة بالوحدانية والنبوة غير أنهم أنكروا الإمامة) (٢) .
وهكذا يتبين أن حكم محسن الأمين، ومحمد حسين آل كاشف الغطا وغيرهما بذلك الحكم إنما يعنون به الإسلام الظاهر كما اصطلحوا عليه، ولهذا لم ينكروا ما جاء في كتبهم من تكفير المسلمين لأنهم يعتقدون بكفرهم في الباطن، ولهذا أجمعوا على دخول جميع المسلمين النار ونجاة الشيعة فقط!! وإذا تأملت كلام محمد حسين آل كاشف الغطا تجده أشار إلى هذا المذهب بقوله: (نعم يظهر أثر التدين بالإمامة
_________________
(١) المصدر السابق: (٨/٣٦٩- ٣٧٠) .
(٢) شهاب الدين النجفي: من تعليقاته على كتاب «إحقاق الحق» للتستري: (جـ٢/ص ٢٩٤- ٢٩٥) .
[ ٢ / ٩٢ ]
في منازل القرب والكرامة يوم القيامة) كما سبق، وكذلك محسن الأمين إذا تدبرت كلامه في هذا الموضوع (١) رأيته يشير إلى أن الحكم بالإسلام هو في الظاهر فقط ولكنه لم يصرح بذلك تقية. فمن إشاراته لهذا المذهب قوله: (الإسلام هو ما عليه جماعة الناس من الفرق كلها وبه حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث) (٢)، ثم أكد مذهبه الباطل في تكفير المسلمين بقوله: (إلا من أنكر ضروريًا من ضروريات الدين كوجوب الصلاة وحرمة الخمر) والإمامة عندهم أعظم من وجوب الصلاة وحرمة الخمر - كما تقدم - بلا إشكال، فنبه بالأدنى على الأعلى تقية، أما قوله: (وعمدة الخلاف بين المسلمين هو في أمر الخلافة وهي ليست من ضروريات الدين ) فهذا خداع من الرافضي لا يتنبه له من لم يتعامل مع أساليبهم في التقية، ولهذا فات هذا على بعضهم (٣)، فهو هنا يقصد - بخبث متعمد - الخلافة عند المسلمين لا مسألة الإمامة عندهم، ولذا عبر بالخلافة.. وقبل أن نختم القول في هذا المبحث نتوقف قليلًا لمناقشة إجابة أحد مشايخ الشيعة المعاصرين (٤) على حديث لهم ينص على أن من قدم أبا بكر وعمر فهو ناصبي، والناصبي عند الشيعة أشد كفرًا من اليهود والنصارى والمشركين. فإن هذا الشيعي أجاب عن حديثهم هذا إجابة مليئة بالكذب، ولا شك أن مثل هذه الإجابة تثبت إيمانهم بهذه الضلالة وأنهم إنما يتسترون عليها بالكذب.
_________________
(١) انظر في كتابه «الشيعة»: ص ١٧٦.
(٢) المصدر السابق: ص ١٧٦.
(٣) مثل الزعبي: «لا سنة ولا شيعة»: ص ٨٤.
(٤) وهو شيخهم لطف الله الصافي في كتابه «مع محب الدين في خطوطه العريضة» .
[ ٢ / ٩٣ ]
لقد قال هذا الشيعي: (نقل الخطيب - يعني محب الدين في خطوطه - بواسطة بعض الكتب عن كتاب مسائل الرجال مكاتبة محمد بن علي بن عيسى - إلى الإمام أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى "ع" في جملة مسائل محمد بن علي بن عيسى قال: كتبت إليه أسأله عن الناصب - أي الذي ينصب العداوة لأهل البيت - هل أحتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت - أي تقدمة الشيخين صاحبي رسول الله - ﷺ - ووزيريه أبي بكر وعمر - واعتقاده إمامتهما؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب) .
ثم أجاب هذا الشيعي بأن (هذه المكاتبة مأخذها كتاب مسائل الرجال، كتاب مجهول لم نظفر بعد الفحص الكثير على اسم جامعه ومؤلفه، ومحمد بن علي بن عيسى أيضًا مجهول) (١) .
وجواب هذا الرافضي أراد به أن يخدع المسلمين، فهو أولًا: قال أن محب الدين الخطيب نقل هذا النص بواسطة بعض الكتب ليوهم القارئ أن الكتاب الذي نقل منه الخطيب كتاب مجهول، مع أن الخطيب نقل هذا النص من أوثق كتبهم المعاصرة في علم الرجال وهو «تنقيح المقال» لآيتهم العظمى عبد الله الممقاني. وثانيًا: زعم الرافضي أن هذا النص مأخذه كتاب «مسائل الرجال» وهو مجهول عندهم، مع أنه ليس كذلك، فهو من أصولهم المعتمدة القديمة، وقد وصل إليهم جملة من الكتاب بما فيها النص المذكورة عن طريق نقل شيخهم الثقة عندهم "ابن إدريس" - والذي هو عندهم كما يصفه مرجع الشيعة
_________________
(١) لطف الله الصافي: «مع الخطيب»: ص ٩٥.
[ ٢ / ٩٤ ]
المعاصر محمد حسين آل كاشف الغطا من أعاظم علمائهم المتقدمين - (١) في كتابه «السرائر»، وكتابه هذا أحد الأصول التي تستقي منها كتب الحديث عندهم (٢)، وقال عنه آل كاشف الغطا بأنه من جلائل كتب الفقه والحديث عندهم (٣)، فهذا النص موجود في كتاب «السرائر» (٤) الموثق عندهم، كما هو موجود في كتاب «تنقيح المقال» المعتمد عندهم (٥)، كما أن شيخهم "الحر العاملي" ذكره بنصه في كتابه، «وسائل الشيعة» (٦) وهو أحد أصولهم الثمانية - كما أسلفنا - فهل هذا كتاب مجهول وأمهات كتب الشيعة تنقل عنه؟.
أما قوله بأن "محمد بن عيسى" مجهول عندهم فهذا من أكبر الكذب وهو القرينة الثالثة على أن دفاعه مبني على الخداع والتقية لأن محمد بن عيسى هذا من ثقاتهم: قال الحر العاملي: (محمد بن علي بن عيسى القمي كان وجهًا بقم وأميرًا عليها..، له مسائل لأبي محمد العسكري قاله النجاشي والعلامة) (٧) .
_________________
(١) «أصل الشيعة»: ص ١٠٤.
(٢) انظر: «وسائل الشيعة»: (٢٠/٤٦) .
(٣) «أصل الشيعة»: ص ١٠٤.
(٤) «السرائر»: ص ٤٧٩.
(٥) «تنقيح المقال»: (١/٢٠٧) .
(٦) «وسائل الشيعة»: (٤/٣٤١- ٣٤٢) .
(٧) «وسائل الشيعة»: (٢١/٣٣٦)، وانظر: النجاشي: «الرجال»: ص ٦٢، الطوسي: «الفهرست»: ص ١٨٣، «جامع الرواة»: (٢/١٥٥)، وقوله العلامة يريد به ابن المطهر الحلي.
[ ٢ / ٩٥ ]
(و) في غلو الشيعة في مدح نفسها:
ولقد وجدنا "معاصريهم" يسيرون على خطى سلفهم، ويسمون أنفسهم بـ"الخاصة" (١) وبـ"المؤمنين" (٢) وبـ"الفرقة الناجية" (٣) و"المحقة" (٤)، ويسمون أهل السنّة بـ"العامة" و"النواصب" (٥) ويغلون في مدح كتب الحديث عندهم مع ما حوت من ضلال وجهل وأباطيل، ويقولون عنها:
روتها هداة قولهم وحديثهم روى جدنا عن جبرائيل عن الباري (٦)
ويكفرون المسلمين وخيار المؤمنين، ويزعمون أنهم الناجون في الآخرة، ويتطاولون على خيار أصحاب رسول الله بالسب ويطعنون في علماء المسلمين، وينسبونهم زورًا بأنهم حجج الله وآياته، وقد اعتبر أحد شيوخهم استنكار المسلمين لغلو الشيعة في مدح نفسها من قبيل الجزع لما للشيعة من مدح (٧) !!
٧- في العصمة:
لم أر في آراء دعاة التقريب ما يشير إلى أنهم خففوا من غلوهم في مسألة «عصمة أئمتهم»، بل يلاحظ أن طائفة كبيرة من علماء
_________________
(١) فلذا نجدهم في استشهادهم بأحاديث يزعمون نقلها عن أهل السنّة يقولون: (وهذا من طريق العامة)، وقالت العامة. انظر مثلًا: «بحوث في علوم القرآن»: ص ٢٠٠.
(٢) ، (٣)، (٤) انظر مثلًا: الأنطاكي: «لماذا اخترت مذهب الشيعة؟» .
(٣) قال شيخهم محمد آصف المحسني: (فالمنكر - أي للإمامة - مسلم غير مؤمن، إلا أنه ينطبق عليه عنوان آخر كالنصب والغلو) «صراط الحق»: (٣/٢٠١) .
(٤) «الفصول المهمة»: ص ٣١، «الشيعة في الميزان»: ص ٤٤.
(٥) الخنيزي: «الدعوة الإسلامية»: (١/١١٩) .
[ ٢ / ٩٦ ]
الشيعة السابقين يمثلهم ابن بابويه القمي وشيخه ابن الوليد - من القرن الرابع - وغيرهما كانوا أخف غلوًّا من علمائهم المعاصرين فلم يقولوا بالعصمة المطلقة للأئمة، بل قالوا بجواز السهو عليهم (١) - مثلًا - واعتبر ابن بابويه القمي أن الذين ينفون السهو عنهم هم المفوضة لعنهم الله تعالى، أي ليسوا من الشيعة في نظره (٢) . وجاء لعن من ينفي السهو عن الأئمة على لسان إمامهم الثامن علي الرضا حيث قال: (كذبوا لعنهم الله، إن الذي لا يسهو هو الله لا إله إلا هو) (٣)، وكذلك قرر شيخهم "الطبرسي" - من القرن السادس - (أن مذهبهم أن الأئمة يجوز عليهم السهو والنسيان في غير ما يؤدونه عن الله) (٤) .
ومع ذلك فإن شيخ الشيعة المعاصر وآيتها العظمى "عبد الله الممقاني" يؤكد أن نفي السهو عن الأئمة أصبح من ضرورات المذهب الشيعي (٥)، وهو لا ينكر أن شيوخهم السابقين كانوا يعدون ذلك غلوًّا لكنه يقول: إن ما يعتبر غلوًا في الماضي أصبح اليوم من ضرورات المذهب الشيعي (٦) .
ويقرر شيخهم المعاصر "محمد رضا المظفر" في كتابه «عقائد الإمامية» أن من عقائد الإمامية أن الإمام (يجب أن يكون معصومًا
_________________
(١) انظر: ص ٣٢٧- ٣٢٨ من هذا البحث.
(٢) «من لا يحضره الفقيه»: (١/٢٣٤) .
(٣) «البحار»: (٢٥/ ٣٥٠) .
(٤) الطبرسي: «مجمع البيان»: (٥/٢٠٥) .
(٥) الممقاني: «تنقيح المقال»: (٣/ ٢٤٠) .
(٦) الممقاني: «تنقيح المقال»: (٣/٢٤٠) .
[ ٢ / ٩٧ ]
من السهو والخطأ والنسيان) (١)، ولا يذكر في هذا أدنى خلاف بينهم، كما أن من دعاة التقريب أنفسهم من يؤكد هذا المبدأ ولا يتقي في ذلك (٢) .
وإذا كانت دعوى عصمة الأئمة تعني مضاهاتهم للرسول (٣)، فإن نفي السهو عنهم هو تأليه لهم كما أشار إلى ذلك إمام الشيعة الثامن علي الرضا، ولذا قرر ابن بابويه القمي وغيره أن هذا الاعتقاد هو الفيصل بين الغلاة وغيرهم (٤) .
وإذا كان شيخهم المعاصر الممقاني يرى أن نفي السهو عن الأئمة من ضرورات المذهب الشيعي، ومنكر الضروري كافر عندهم كما يؤكده شيخهم المعاصر محسن الأمين (٥)، فمعنى هذا أن متأخريهم يكفرون متقدميهم ومتقدميهم يكفرون متأخريهم. وإذا كان الممقاني يرى أن نفي السهو عن الأئمة من ضرورات المذهب الشيعي، وبعضهم ينقل الإجماع على ذلك (٦)، فإننا نجد في بعض الكتابات الموجهة لديار السنّة (٧) القول بأن الاعتقاد بأن الأئمة يسهون هو مذهب جميع الشيعة (٨)، وهكذا يكفر بعضهم بعضًا، ويناقض بعضهم بعضًا، وكل يزعم أن ما يقوله هو مذهب الشيعة.
_________________
(١) «عقائد الإمامية»: ص ٩٥.
(٢) الخنيزي: «الدعوة الإسلامية»: (١/٩٢) .
(٣) ابن تيمية: «جامع الرسائل»: ص ٢٧٣.
(٤) انظر: ص ٣٢٧- ٣٢٨ من هذا البحث.
(٥) «كشف الارتياب»: المقدمة الثانية، و«مهذب الأحكام»: (١/٣٨٨- ٣٩٣) .
(٦) محمد آصف المحسني: «صراط الحق»: (٣/١٢١) .
(٧) يعني أنها قد تحتمل التقية.
(٨) محمد جواد مغنية: «الشيعة في الميزان»: (ص ٢٧٢- ٢٧٣) .
[ ٢ / ٩٨ ]
٨- في الرجعة:
هناك فئة من دعاة التقريب أنكرت إيمانهم بالرجعة وقالت أنهم لا يعتقدون إلا برجعة المهدي، أي لا يؤمنون إلا بعقيدة "المهدية" أو رجعة المهدي من غيبته.
ومن هؤلاء أبو الحسن الخنيزي حيث قال: (فالحق الذي عليه المحققون هو أن لا رجعة، سوى ظهور الإمام الثاني عشر) (١) .
ومنهم هاشم معروف الحسيني حيث يقول: (إن الرجعة ليست من معتقدات الإمامية ولا من الضروريات عندهم) (٢)، وهذه خطوة تصحيحية لو أعقبها نقض لهذا المعتقد، ورد على القائلين به من الرافضة، وإلا فقد يقول قائل: هذا جحود لما هو موجود في كتبهم وأمارة التقية عليه ظاهرة؛ فهم ينسبون هذا المذهب لجميع الشيعة والواقع خلاف ذلك، بينما نجد بعض دعاة التقارب والمدافعين عن التشيع يجاهرون بأن الرجعة من عقائد الإمامية وأنها ليست هي ظهور المهدي أو رجعته من غيبته، بل يصرحون بأنها تعني (أن الله يعيد قومًا من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها، فيعز فريقًا ويذل فريقًا آخر.. وذلك عند قيام مهدي آل محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام) (٣)، ويقولون: (ولا يرجع إلا من علت درجته في الإيمان، أو من بلغ الغاية من الفساد ثم يصيرون بعد ذلك إلى الموت..) (٤) . ولا شك أن هذا إيمان ببعث غير يوم البعث والنشور الذي جاءت به النصوص، ومن دعاة التقريب من يثبت الرجعة بالمعنى العام ولكنه
_________________
(١) «الدعوة الإسلامية»: (٢/٩٤) .
(٢) هاشم معروف الحسيني: «الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة»: ص ٢٣٧.
(٣) ، (٤) محمد رضا المظفر: «عقائد الإمامية»: ص ١٠٩، وانظر: محمد حسين آل كاشف الغطاء، «أصل الشيعة»: ص ٣٥.
[ ٢ / ٩٩ ]
يقول بـ (أن الرجعة ليست من الأصول التي يجب الاعتقاد بها والنظر فيها..) (١)، يقول محمد حسين آل كاشف الغطا: (وليس التدين بالرجعة في مذهب التشيع بلازم ولا إنكارها بضار، وإن كانت ضرورية عندهم) (٢)، وقال: (وليس لها - يعني الرجعة - عندي من الاهتمام قدر صغير أو كبير) (٣) . وما ندري كيف تكون ضرورية مع أن اعتقادها ليس بلازم وإنكارها ليس بضار وليس لها اهتمام عنده؟!
هذا ما يقوله دعاة التقارب من الشيعة: صنف ينكر الرجعة، وآخر يثبتها، وثالث يهون من شأنها، وكل يزعم أن ما يقوله هو مذهب الشيعة، فمن نصدق منهم وكلهم من كبار شيوخ الشيعة، وفي عصر واحد؟ ومع هذا نرى هذا التباين في أقوالهم، هل هذا أثر من آثار عقيدة التقية؟ ومن العجب أن كتب هؤلاء الذين ينكرون الرجعة أو يهونون من شأنها - كتبهم المعتمدة تقول: تضافرت الأخبار: ليس منا من لم يؤمن برجعتنا (٤)، ويقولون: (إن ثبوت الرجعة مما أجمعت عليه الشيعة الحقة والفرقة المحقة، بل هي من ضروريات مذهبهم) (٥)، (ومنكرها خارج من رتبة المؤمنين) (٦) إلخ كما سبق (٧) .
_________________
(١) محمد رضا المظفر: «عقائد الإمامية»: ص ١١٣.
(٢) «أصل الشيعة»: ص ٣٥.
(٣) «المصدر السابق»: ص ٣٦.
(٤) عبد الله شبر: «حق اليقين»: (٢/٣)، وانظر: إبراهيم الزنجاني: «عقائد الاثني عشرية»: ص ٢٤٠.
(٥) عبد الله شبر: «حق اليقين»: (٢/٣)، وانظر: إبراهيم الزنجاني: «عقائد الاثني عشرية»: ص ٢٣٩.
(٦) إبراهيم الزنجاني: «عقائد الاثني عشرية»: ص ٢٤١.
(٧) انظر: ص ٣٤١ من هذا البحث.
[ ٢ / ١٠٠ ]
فكيف نفسر هذا التناقض؟، وقد استحل القوم بعقيدة التقية كل شيء. وإذا أخذنا كل شيء على ظاهره نقول بأن كتب الشيعة المعتمدة تكفر منكر الرجعة من الشيعة، لأنها تقول ليس منا من لم يؤمن بكرتنا.
وآل كاشف الغطا الذي يقول بأن الرجعة ليس لها عنده اهتمام أو ليس لها عنده قدر قلامة ظفر - كما في طبعة أخرى للكتاب - لماذا لا يطبق عدم الاهتمام هذا في سائر عقائدهم التي شذوا بها عن جمهور المسلمين، لأنها كلها مثل الرجعة يزعمون تواتر أخبارهم فيها وأنها من ضرورات مذهبهم؟ فلم التفريق بين المتماثلات؟!
وقبل أن نرفع القلم عن هذا الموضوع لا بد أن نشير إلى إجابة أحد آيات الشيعة حول ما يجري في هذه «الرجعة» المزعومة لأبي بكر وعمر وذلك لطرافة هذه الإجابة، يقول آيتهم العظمى «عبد الحسين الرشتي»: (وأما مسألة نبش قبر صاحبي رسول (وإخراجهما حيَّيْن وهما طريان وصلبهما على خشبة وإحراقهما، لأن جميع ما ارتكبه البشر من المظالم والجنايات والآثام من آدم إلى يوم القيامة منهما فأوزارها عليهما، فمسألة عويصة جدًا وليس عندي شيء يرفع هذا الإشكال، وقد صح عن أئمتنا أن أحاديثنا صعب مستصعب) (١) . وهذا الجواب من هذا الرافضي يثبت فيه أن دينهم صعب مستصعب، وهذا يدل على أنه خلاف الفطرة، ومما لا تقبله العقول لشذوذه ومخالفته للأصول. ولكن لا يزال فئام منهم بل من شيوخهم من يعيش أسير هذا الشذوذ، وحليف هذه الخرافات التي عفى عليها الدهر، ولا يعلن نبذها، بل ينشرها ويدعو لها لأن دينهم صعب مستصعب!!
_________________
(١) «كشف الاشتباه»: ص ١٣١.
[ ٢ / ١٠١ ]
٩- في الغيبة:
لا يخالف أحد من الشيعة أن إيمانهم بغيبة المهدي أساس المذهب ومحور التشيع، لأنه لو سقطت فكرة الغيبة لم يعد هناك من يسمى بالإمامية الاثني عشرية.
لذلك أجهدوا أنفسهم في إثباتها، ما وسعتهم الحيلة والمحاولة. ودعاة التقريب في هذا الباب يستغلون "أخبار المهدي" الموجودة في كتب السنّة، ويزعمون أن عقيدة "المهدية" مما اتفقت عليه السنّة والشيعة، ولا فرق بين الطائفتين في ذلك سوى أن أهل الشيعة يقولون إنه مولود وحي وسيظهر، وأهل السنّة يقولون إنه سيظهر في المستقبل ولا يؤمنون بوجوده الآن (١) .
ولا شك أن هذا من مكائد الشيعة، وإلا فعقيدة الغيبة عند الشيعة تختلف تمامًا عن قضية المهدي عند أهل السنّة (٢) . والشيعة المعاصرون الذين يدافعون عن التشيع يحاولون تكذيب كل ما ينسب إلى مذهبهم من نقائص، فمثلًا في مسألة الغيبة إذا قيل لهم لم لا يظهر مهديكم، وأنتم تزعمون أنه لا يمنع من ظهوره سوى خوفه على نفسه؟ فلم لم يخرج وقد توفر له الأمن في مناسبات كثيرة أثناء قيام الحكومات الشيعية؟
فيجيب بعض دعاة التقريب على ذلك بقوله: (وأما دعوى أن الإمام المهدي ممتنع من الخروج خوفًا من الأعداء فهي من الخيالات المنامية أو من المخيلات والوهميات المثارة من الحدة حال الجدال) (٣)
_________________
(١) انظر: الخنيزي: «الدعوة الإسلامية»: (٢/٣٥٠) .
(٢) انظر: ص ٣٥٥ هامش (٤) .
(٣) أبو الحسن الخنيزي: «الدعوة الإسلامية»: (٢/٣٤٤) .
[ ٢ / ١٠٢ ]
هذا ما يقوله شيخهم الكبير عندهم "أبو الحسن الخنيزي" مع أن كتب الشيعة تنص على أن العلة لاحتجاب المهدي هو خوفه.
يقول "الطوسي" الملقب عندهم بـ "شيخ الطائفة": (لا علة تمنع من ظهور المهدي إلا خوفه على نفسه من القتل، لأنه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار وكان يتحمل المشاق والأذى، فإن منازل الأئمة وكذلك الأنبياء إنما تعظم لتحملهم المشاق العظيمة في ذات الله) (١) .
ويقول "المرتضي" الملقب عندهم بـ"علم الهدى"، أن (السبب في الغيبة هو إخافة الظالمين له.. وإذا خاف على نفسه وجبت غيبته، والتحرز من المضاد واجب عقلًا وسمعًا) (٢) .
وقد ورد هذا المعنى في "رواياتهم"؛ فمن ذلك أن أبا عبد الله جعفر الصادق قال - كما يزعمون -: للغلام - يعني المهدي - غيبة قبل قيامه، قيل: ولم؟ قال: يخاف على نفسه الذبح (٣) . والغريب أنهم يعللون احتجابه بالخوف من القتل مع أن من أصول عقائدهم (أن الأئمة يعلمون متى يموتون ولا يموتون إلا باختيار منهم) (٤) فكيف يخرجون من هذا "التناقض"؟.
ومن الأمثلة على إنكارهم لما هو واقع "في مسألة الغيبة" أن شيخهم المعاصر محمد حسين آل ياسين ينفي ما ذكره أحمد أمين من أن
_________________
(١) الطوسي: «الغيبة»: ص ١٩٩ فصل: «ذكر العلة المانعة من ظهور الحجة» .
(٢) المرتضي: «مسألة الغيبة» (مخطوط) عن نشأة الشيعة: ص ٣٠٤.
(٣) ابن بابويه القمي: «إكمال الدين»: ص ٤٤٩، الكليني: «الكافي»: (١/٣٤٠)، محمد علي الموسوي الحائري: «خلفاء الرسول الاثنا عشر»: ص ٢٧٦ وغيرها.
(٤) وهذا باب في صحيحهم «الكافي»: (١/٢٥٨) - وقد مر -.
[ ٢ / ١٠٣ ]
الشيعة تزعم أن لمهديها صلة ببعض كبار علمائهم (١)، ويقول "آل ياسين": (كل كتب الشيعة تصرح بأن المهدي غائب لا يتصل به أحد فأين الصدق في القول؟ وأين الأمانة في النقل؟) (٢) . بينما حقيقة الأمر أن هذا اعتقاد مقرر عندهم ولهم فيه مؤلفات مستقلة، مثل ما ألفه شيخهم المعاصر "الطبرسي" في هذا الباب وسماه «جنة المأوى فيمن لقي الإمام في الغيبة الكبرى»، وقد ذكروا أسماء مجموعة من شيوخهم كانوا على صلة مباشرة بالمهدي بعد الغيبة الكبرى كما مر (٣)، وفي «البحار» للمجلسي بيان لطريقة الاتصال بصاحب الأمر ليس لخواص الشيعة فقط، بل لكل شيعي، يقول المجلسي: (تكتب ما سنذكره في رقعة وتطرحها على قبر من قبور الأئمة «ع» فشدها واختمها واعجن طينًا نظيفًا واجعلها فيه، واطرحها في نهر أو بئر عميقة أو غدير ماء، فإنها تصل إلى صاحب الأمر «ع» وهو يتولى قضاء حاجتك بنفسه. تكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، كتبت يا مولاي صلوات الله عليك مستغيثًا.. إلخ ثم تصعد النهر أو الغدير وتعمد بعض الأبواب، إما عثمان بن سعيد أو ولده محمد بن عثمان أو الحسن بن روح أو علي بن محمد السيمري فهؤلاء كانوا أبواب المهدي، فتنادي بأحدهم يا فلان بن فلان، سلام عليك أشهد أن وفاتك في سبيل الله وأنك حي عند الله مرزوق.. وهذه حاجتي ورقعتي إلى مولاي «ع» فسلمها إليه، فأنت الثقة الأمين. ثم ارمها في النهر أو البئر أو الغدير تقض حاجتك إن شاء الله) (٤) !!!
_________________
(١) أحمد أمين: «المهدي والمهدوية»: ص ١٠٩ - ١١٩.
(٢) محمد حسين آل ياسين: «المهدي المنتظر»: ص ٥٨.
(٣) ص ٢٦٧.
(٤) «البحار»: (٢٥/٢٣٥) .
[ ٢ / ١٠٤ ]
١٠- في البداء:
كما تقرر كتب الشيعة القديمة أن البداء من عقائدهم وتعظم من شأنه، فكذلك كتبهم الحديثة تسير في الغالب على المنوال نفسه وتتحدث عن البداء باعتباره عقيدة من عقائدهم، وتنقل بعض رواياتهم التي تبالغ في مسألة البداء مثل قولهم: (ما أعظم الله وعبد الله بشيء بمثل البداء)، (ولو يعلم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه) (١) ونحوه، ولا يعلم بهذا الفضل أحد من المسلمين - ما عدا الإمامية - فالقرآن الكريم والسنّة المطهرة ليس لهذه العقيدة فيهما ذكر.
وتحاول هذه الكتب أن تجد لمسألة البداء تأويلًا مقبولًا، فتفسره على نحو ما أسلفنا القول فيه وأمثاله (٢) .
وعلى أية حال فالمعاصرون على خطى القدامى في إثبات هذا المعتقد وتعظيمه، ولا نجد من لديه الشجاعة للقول الصريح الصادق في هذه القضية التي جعلوها من معتقداتهم مع ما تحمله من «معنى» لا يليق أن ينسب إلى الله سبحانه - كما مر - واكتفوا بتأويله صيانة لمذهب الشيعة عن النقد، لكن يبقى البداء من عقائدهم بلا إنكار، وذلك لارتباطه بدعوى علم الغيب عند الأئمة التي يزعمونها - كما أسلفنا - فنقض مسألة البداء يضعهم في مناقصة كاملة لاعتقادهم في الأئمة، وإثبات البداء ينزه الأئمة، ولكن ينسب الخلف في الأخبار إلى الله، تعالى عما يقولون علوا كبيرًا. وهذا هو الطريق المسدود الذي قادهم اعتقادهم إليه.
_________________
(١) انظر: إبراهيم الزنجاني: «عقائد الاثني عشرية»: ص ١٤٩، محمد رضا المظفر: «عقائد الإمامية»: (ص٦٩ - ٧٠) . السيد: أمير محمد الكاظمي القزويني: «الشيعة في عقائدهم وأحكامهم»: ص ٣٥٨ وغيرها.
(٢) انظر: الرد على تأويلاتهم للبداء في «الوشيعة» لموسى جار الله: (ص ١١٥ - ١٢٠) . و«الإمام الصادق»: لمحمد أبو زهرة: (٢٣٩- ٢٤١) .
[ ٢ / ١٠٥ ]
١١- في الصحابة:
ما رأى دعاة التأليف والوحدة والتقارب فيما سبق أن عرضنا له من نصوص في كتب الشيعة المعتمدة عندهم التي تتناول صحابة رسول الله - ﷺ - بالطعن واللعن والتكفير، وهم الذين تلقوا هذا الدين ونقلوه لنا، فالطعن فيهم طعن في الدين، وطعن في القرآن والسنّة، فكيف نتقارب مع من يطعن في ديننا وسنّة نبينا، وتواتر شريعتنا؟. إن على المخلصين من الشيعة وهم يريدون التقارب مع المسلمين أن يعلنوا - صراحة - رأيهم في تلك الآراء الشاذة التي تتناول خيار الصحابة بالنقد والتجريح والتكفير، ليبينوا بصدق أنها لا مكان لها في معتقدهم وأنها آراء لبعض المنحرفين من السابقين يبوءون بإثمها وإثم من اتبعهم فيها إلى يوم القيامة، حتى يزيلوا تلك النفرة التي سكنت في قلوب أهل السنّة من أقدم العصور إلى الآن.. وإن أجدى طريق لإزالتها هو بيان أنهم لا يعتقدون بصحة تلك الآراء التي يستوحش منها المؤمنون في كل بقاع الأرض، فأي مؤمن صادق الإيمان يعلم أن فرقة من الفرق تدين بلعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي لم يفر فريه في الإسلام أحد، ثم بعد ذلك يقبل على دراسة مذهبها إلا من أوتي قدرة فكرية خاصة، وأي مؤمن يثق بآراء هذه الطائفة إذا كان يعلم أنها تدين بهذا اللعن؟، إن إزالة هذه الأدران هي من أركان التقارب وأُسسه، وإن عليهم أن يعلنوا على الملأ هذه الإزالة والتغيير (١)، إذا كانوا صادقين في رغبتهم في التآلف مع المسلمين وليس الأمر مؤامرة لنشر معتقدهم في ديار السنة.
_________________
(١) محمد أبو زهرة: «الإمام الصادق»: ص ١٢.
[ ٢ / ١٠٦ ]
فلنر ما يقوله دعاة التقارب في هذا الشأن. هناك "رأي" مصدره الكتب والرسائل التي تنشر في ديار أهل السنّة بأقلام شيعية، والموجهة للدفاع عن معتقد التشيع والدعاية للشيعة. وجوهر هذا الرأي أن الشيعة لا تسب فضلًا عن أن تكفر الخلفاء الثلاثة، وأنها تقدر صحابة رسول الله - ﷺ -.
فالخنيزي في كتابه «الدعوة الإسلامية إلى وحدة أهل السنّة والإمامية» يسمي عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ويترضى عنه (١)، ويطلق على عائشة وحفصة أمهات المؤمنين (٢)، وكذلك يسمي أبا بكر أمير المؤمنين (٣)، ويقول أن جعفر الصادق يقول مفتخرًا: (ولدني أبو بكر مرتين؛ لأن أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأمها بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، فهي بكرية أُمًا وأبًا)، ويقول: إن من قضاء جعفر الصادق (فسق من سب الخلفاء الثلاثة) (٤) . ويقول الخنيزي بأن الإمامية - في هذا العصر - لا تمس كرامة الخلفاء البتة وهذه كتبهم تنفي علنًا السب عن الخلفاء وتثني عليهم. وممن صرح بنفي السب محمد باقر أحد مشاهير المجتهدين في كربلاء في منظومته المطبوعة في بمبي قال:
_________________
(١) «الدعوة الإسلامية»: (١/٨) .
(٢) المصدر السابق: (١/٩) .
(٣) المصدر السابق: (١/١٣) .
(٤) «الدعوة الإسلامية»: (١/٧٤) .
[ ٢ / ١٠٧ ]
فلا نسب عمرًا كلا؟ ولا عثمان والذي تولّى أولا
ومن تولى سبهم ففاسق حكمٌ به قضى الإمام الصادق
ثم قال:
وعندنا فلا يحل السب ونحن - أيم الله - لا نسب (١)
وصدر في مصر من جمعية شيعية تسمي نفسها «دار أهل البيت» كتيب يحمل عنوان «تقدير الإمامية للصحابة وموقفهم من الغلاة» (٢) من تأليف أحد روافض العراق ويدعى "طالب الحسيني الرفاعي"، ويلقب نفسه بـ"إمام الشيعة في جمهورية مصر العربية" (٣) - على الرغم أنه ليس في مصر شيعة - ويمارس نشاطًا غريبًا في التبشير بالتشيع بين صفوف المسلمين في مصر (٤) في هذا الكتيب نفى أن تكون الشيعة ترمي الشيخين ومن بايعهما بلعن أو تكفير، وذكر أن من ينسب إليهم ذلك فهو إما أن يكون خصمًا سيء النية، وإما أنه لم يطلع على مذهب الشيعة ونقل عن كتابات الخصوم ولم يتمكن من الاطلاع على كتب أصحاب المذهب نفسه.
ويرى الشيعي أحمد مغنية (أن المفرقين وجدوا في اتفاق الاسمين
_________________
(١) «الدعوة الإسلامية»: (١/٢٥٦- ٢٥٧) .
(٢) نشرته دار الخانجي بمصر، وهو بحث قدم لمؤتمر علماء المسلمين السابع على ما قاله مؤلفه.
(٣) انظر كتيبه: «مع الإمام علي في نهجه»: ص ٦٤.
(٤) وسيأتي مزيد إيضاح عن هذه الجمعية في محاولات التقريب.
[ ٢ / ١٠٨ ]
عمر بن الخطاب الخليفة العظيم، عمر بن سعد قاتل الحسين ميدانًا واسعًا يتسابقون فيه في تشويه الحقيقة والدس على الشيعة بأحط أنواع الدس.. وكان طبيعيًا أن يكون لعنة اللعنات عمر بن سعد، لأنه بطل الجريمة وقائد المجرمين الجبناء، ومَن مِن المسلمين لا يلعن عمر بن سعد قاتل ابن بنت رسول الله - ﷺ -، إن أولئك الآثمين المفرقين استغلوا كلمة "عمر" وقالوا إن الشيعة تنال من خليفة النبي عمر بن الخطاب (، وإني في الوقت الذي أثور فيه على الدساسين التجار أصحاب الغايات والمصالح الرخيصة لا أنكر وجود أفراد بالأمس من سواد الشيعة وبسطائها لا يفرقون بين هذين الاسمين، بل لا يعرفون أن في دنيا التاريخ الإسلامي عمرين تقيا وشقيًا) (١) .
وفي تفسير «الكاشف» لمحمد جواد مغنية أورد قول زين العابدين علي بن الحسين في الصحيفة السجادية من دعاء له في الصلاة على أتباع الرسل: (اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره.. وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته..) (٢) .
ثم قال جواد: هذه المناجاة جاءت في الصحيفة السجادية التي تعظمها الشيعة، وتقدس كل حرف منها (٣)، وهي رد مفحم لمن قال: إن الشيعة ينالون من مقام الصحابة (٤) .
_________________
(١) أحمد مغنية: «الإمام جعفر الصادق»: (ص ١١٣- ١١٤) .
(٢) «الصحيفة السجادية»: (ص ٤٣- ٤٤) .
(٣) قال ابن تيمية عن هذه الصحيفة التي ينسبها الشيعة لعلي بن الحسين ويقدسونها، قال: إن أكثرها كذب على علي بن الحسين. «منهاج السنّة»: (٣/٢٠٩) .
(٤) محمد جواد مغنية: «التفسير الكاشف»: (١٠/٥١٥) .
[ ٢ / ١٠٩ ]
المناقشة:
نقول للخنيزي، والرفاعي، وأحمد مغنية، ومحمد جواد مغنية وغيرهم ممن يقول إننا نقدر الصحابة، ولا ننقصهم ونترضى عنهم: تلك كلمات طيبة تنزل على قلوبنا بردًا وسلامًا، ومرحبًا بهذه الروح الكريمة الجامعة الموحدة بين المسلمين وإننا لنفتح صدورنا لكل كلمة توفق ولا تفرق، ونستبشر بكل محاولة صادقة لرفع تلك الأدران والصفحات السوداء التي تمس من صحابة رسول الله - ﷺ -. نرحب ونستبشر بشرط أن لا تكون تلك الكلمات تقية أو مصانعة سياسية، لكن أليس كل قارئ قرأ ما نقلناه عن كتبهم الأساسية حول الصحابة أو اطلع مباشرة على ما في «الكافي»، أو «الوافي»، أو «البحار»، أو «الاحتجاج»، أو «تفسير القمي» أو «تفسير العياشي»، أو «البرهان» لهاشم البحراني وغيرها أو بعض ما في كتبهم المعاصرة، وما حملته هذه الكتب من هجوم وطعن وتكفير لصحابة رسول الله - ﷺ -؟ أليس كل من اطلع على شيء من ذلك يتعجب لماذا ينكر أمثال طالب الرفاعي، وجواد مغنية وغيرهما وجود هذه الصفحات؟ ألا يمكن أن يفسر هذا الإنكار لما هو قائم وواقع بأنه تقية؟!
ألا يعلم هؤلاء أن هناك كتبًا ألفها شيوخ الشيعة المعاصرون تلعن وتسب وتكفر؟ والفرق بينها وبين هذه الكتب التي تقول إن الشيعة لا تسب أن تلك الكتب نشرت في ديار تشكل فيها الشيعة الشطر أو الأغلبية أو أن لهم قوة. فأصحابها من روافض العراق وإيران، أو الهند، فهم لا يستعملون التقية بشكل كامل.
[ ٢ / ١١٠ ]
فهذا محمد رضا المظفر من روافض العراق المعاصرين، ومن المتحمسين لفكرة التقريب، يقول هذا الرافضي عن صحابة رسول الله:
(مات النبي - ﷺ - ولا بد أن يكون المسلمون كلهم - لا أدري الآن - قد انقلبوا على أعقابهم) (١)، ويتطاول هذا "الرجل" على خيار صحابة رسول الله - ﷺ - ويتهمهم بالتآمر فيقول: (لا يستطيع الباحث أن ينكر من عمر بن الخطاب تمالأه على علي بن أبي طالب، وكذلك جماعته الذين شاهدنا منهم التعاضد والتكاتف في أكثر الحوادث، كأبي بكر وأبي عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل وأضرابهم) (٢)، ويعتبر هذا هو سبب الردة، ذلك أنه يزعم أن (كل ضلال وقع ويقع في الأمة هو ناشئ من الخلاف في أمر الخلافة، فهو أس كل ضلالة) (٣) !!
وهذا آيتهم العظمى محمد الخالصي، من كبار مراجع الروافض في العراق وممن يتزعم الدعوة إلى "الوحدة الإسلامية: بين السنة، والشيعة"، نرى هذا الرافضي يشكك في إيمان أبي بكر وعمر ﵄ فيقول: (وإن قالوا: إن أبا بكر وعمر من أهل بيعة الرضوان الذين نص على الرضا عنهم القرآن في قوله: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة «٤) قلنا: لو أنه قال: لقد رضي
_________________
(١) محمد رضا المظفر: «السقيفة»: ص ١٩.
(٢) المصدر السابق: ص ٨٥.
(٣) محمد رضا المظفر: «السقيفة»: ص ٩١.
(٤) الفتح: آية ١٨.
[ ٢ / ١١١ ]
عن الذين يبايعونك تحت الشجرة أو عن الذين بايعوك لكان في الآية دلالة على الرضا عن كل من بايع، ولكن لما قال: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ ) فلا دلالة فيها إلا على الرضا عمن محض الإيمان) (١) .
ومعنى هذا أن أبا بكر وعمر لم يمحضا الإيمان فلم يشملهما رضا الله في زعم هذا الرافضي، وهذا آية من آياتهم التي ينسبونها زورًا إلى الله ويدعى شهاب الدين النجفي يقول عن الخلفاء الثلاثة ومن بعدهم من خلفاء المسلمين: (فما صدر عن الخلفاء من الظلم والفواحش تجاوز عن حد الإحصاء، فما بقي حق إلا وقد أضاعوه ولا موبقة إلا وفعلوها) (٢) .
وهذا أحد آيات الشيعة ويسمى حسين الخراساني، يقول في كتابه «الإسلام على ضوء التشيع» - والذي أهداه إلى مكتبة دار التقريب بالقاهرة، وكان قد نشر باللغات الثلاث العربية والفارسية والإنكليزية وحاز على رضا وزارة المعارف الإيرانية - يقول في هذا الكتاب: (تجويز الشيعة لعن الشيخين أبي بكر وعمر وأتباعهما، فإنما فعلوا ذلك أسوة لرسول الله ﵌ واقتفاءً لأثره (٣) !! فإنهم ولا شك قد أصبحوا مطرودين من حضرة النبوي - كذا - وملعونين من الله تعالى بواسطة سفيره ﵌) (٤) .
_________________
(١) محمد بن محمد مهدي الكاظمي الخالصي: «إحياء الشريعة في مذهب الشيعة»: (١/٦٣ - ٦٤) .
(٢) شهاب الدين النجفي: تعليقاته على «إحقاق الحق» للتستري: (٢/٢٩١) .
(٣) «الإسلام على ضوء التشيع»: ص ٨٨ (الهامش) .
(٤) المصدر السابق: ص ٨٨.
[ ٢ / ١١٢ ]
ويقول: (إنا لا نعهد - لهؤلاء الخلفاء الثلاثة أبي بكر بن قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان أي نبوغ في العلم أو تقدم في جهاد أو تبرز في الأخلاق، أو ثبات على مبدأ، أو تهالك في العبادة، أو تفانٍ في العمل أو إخلاص في سبيل الدعوة الإسلامية) (١) .
يقول هذا القول وغيره من "الطامات" (٢) وهو يزعم الدعوة إلى الوحدة حيث يقول: (فنحن معاشر الشيعة نرى من الواجب الضروري توطيد الوحدة الإسلامية، وترك ما يثير ثائرة أية فرقة من فرق الإسلام حتى يكون من السهل اليسير أن نقوم قبال صفوف الكفر والشرك بصف واحد) (٣)، (وهو يريد بهذا القول أن يسكت المسلمون عن فضح باطلهم وكشف كفرهم) .
وهذا كتاب صدر باللغة الأردية يسمى «تحفة العوام مقبول» وقالوا - حسب النص الأردي - أنه "مطابق فتاوى".
آية الله العظمى آقائي حاج سيد محسن حكيم طباطبائي مجتهد أعظم نجف أشرف.
آية الله العظمى آقائي حاج سيد أبو القاسم خوئي نجف أشرف.
آية الله العظمى آقائي حاج سيد روح الله خميني.
آية الله العظمى آقائي حاج سيد محمود الحسيني الشابرودي.
آية الله العظمى آقائي حاج سيد محمد كاظم شر يعتمدار.
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١١١.
(٢) انظر من "طاماته" رأيه حول أخبار التحريف عندهم: ص ٢٦ من هذا البحث، حيث زعم وجود قرآن آخر عند مهديهم المنتظر.
(٣) «الإسلام على ضوء التشيع»: ص ٨٨.
[ ٢ / ١١٣ ]
مصدقة عاليجناب سيد العلماء علامة سيد علي نقي النقوى مجتهد لكهنؤ.
في هذا الكتاب الموثق من هؤلاء الآيات - المنسوبة كذبًا إلى الله تعالى - فيه نص بحدود صفحتين يتضمن لعن صنمي قريش وهما أبو بكر وعمر ﵄. وهو بـ"العربية"، ومنه: (اللهم العن صنمي قريش وجبتيهما، وطاغوتيهما وإفكيهما وابنتيهما الذين خالفا أمرك وأنكرا وحيك وجحدا إنعامك وعصيا رسولك، وقلّبا دينك، وحرفا كتابك، وأحبّا أعداءك وجحدا آلاءك، وعطلا أحكامك، وألحدا في آياتك ) (١) .
وليس الأمر مجرد كلمات، بل كتب تخصصت في سب وتجريح وتكفير خير مجتمع ظهر على وجه الأرض، أمثال كتاب «الغدير» الذي بلغ أحد عشر مجلدًا لشيخهم - المعاصر - عبد الحسين الأميني النجفي، وقد ملأه بالدس والكذب والطعن فيمن رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكتاب «أبو هريرة» لشيخهم عبد الحسين شرف الدين الموسوي، والذي اتهم فيه أبا هريرة بالوضع للأحاديث والنفاق، وكتاب «السقيفة» لشيخهم محمد رضا المظفر الذي صور فيه الصحابة عصابة لا هدف لها إلا التآمر على الإسلام!! كتاب «النص والاجتهاد» لشيخهم عبد الحسين شرف الدين الموسوي الذي أراد فيه إثبات أن الصحابة يدينون بمبدأ "فصل الدين عن الدولة"، وكتاب «الإمام الصادق والمذاهب الأربعة» لشيخهم أسد حيدر والذي يطعن في السنّة، وفي دواوين الحديث عند الأمة، ويتطاول على صحابة رسول الله، ويحاول أن يشوه تاريخ المسلمين بكل ما يستطيع..
_________________
(١) منصور حسين: «تحفة العوام مقبول»: (ص ٤٢٣ - ٤٢٤) . وانظره مصورًا في ملحق الوثائق.
[ ٢ / ١١٤ ]
وغيرها من كتب تطعن في دين الأمة وتاريخها ورجالها وتسير على منهج المبشرين والمستشرقين، بل تقدم لهؤلاء مادة ضخمة عمادها الكذب والافتراء ليستعينوا بها على طعنهم في إسلامنا وقرآننا وسنّة نبينا وتاريخ أمتنا!!
وقد قامت في هذا العصر حركة نشطة لبعث التراث الشيعي القديم وتعريف الناس به وترويجه بينهم، وهذا التراث مليء باللعن والتكفير والتخليد بالنار لرجال الصدر الأول للإسلام، وفي مقدمتهم الخلفاء الثلاثة وبعض أمهات المؤمنين ومن معهم من المهاجرين والأنصار ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه بنص القرآن.
وحركة النشر هذه قام بها علماء من أشهر مجتهدي الشيعة في هذا العصر وعلى كثير من هذه الكتب تصحيحاتهم وتعليقاتهم وتقريضاتهم، ومع هذا لم نر اعتراضًا ولا انتقادًا لما في هذه الكتب من أحد منهم، أليس في ذلك إقرارٌ من هؤلاء لما فيها من كفر وضلال؟!
وكتبهم الأساسية التي يعتبرونها مصادر في التلقي إلى اليوم تكفر المسلمين، وعلى رأسهم خيار صحابة رسول الله مثل «الكافي» و«البحار» وغيرها.
وكتب الأدعية المعتمدة عندهم والتي يدعون بها إلى اليوم تتضمن لعن وتكفير الخلفاء الثلاثة وبعض أمهات المؤمنين وخيار الأصحاب من المهاجرين والأنصار، مثل «مفاتيح الجنان» الذي جمعه من أمهات كتبهم المعتمدة شيخهم "عباس القمي" وكتاب «ضياء الصالحين» والذي جمعه شيخهم "محمد الجوهري"، وفي صفحات «الوافي»، و«البحار» في أبواب الزيارات أدعية كثيرة تتضمن لعن
[ ٢ / ١١٥ ]
وتكفير خيار صحابة رسول الله - ﷺ - وتدعو بها الشيعة إلى اليوم.
ونعود إلى مناقشة الذين يقولون بأن الشيعة لا تسب بشكل مباشر - ونقول: ألا يعلم أحمد مغنية أن عمر بن الخطاب لا عمر بن سعد قد تعرض لأشد أنواع السب والتجريح في كتب الشيعة المعتمدة، أليس في «الكافي» أن المراد بقوله تعالى: (ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا.. (قال: هما، وبيّن شيخهم المجلسي (أن الإشارة في "هما" ترجع إلى الشيخين في اعتقادهم) (١)، ألم يرد في «الكافي» حديثان في باب واحد يقولان (بأن من زعم للشيخين الإسلام لا يكلمه الله ولا يزكيه وله عذاب أليم)؟ (٢) فهذا تكفير لمن حكم بإسلامهما، فأحمد مغنية في نصوص «الكافي» الكاذبة كافر لأنه حكم لعمر بالتقوى. لم التستر على الباطل؟ إلا إذا كان أحمد مغنية لم يطلع على «الكافي» !.
وأما الرفاعي الذي يقول بأن من ينسب إلى الشيعة عدم تقدير الصحابة هو خصم سيء النية، أو لم يطلع على كتبهم. فالذي نسب إلى الشيعة هذا المذهب هو كتبهم وليس خصمًا سيء النية أو جاهلًا بما في كتبهم، والرفاعي نفسه رجع إلى «البحار» في كتيبه الذي ينفي فيه هذا القول عن الشيعة (٣)، و«البحار» حوى عشرات الروايات والأقوال التي تكفر أولئك الرواد العظام، فلم هذا التجاهل؟.
_________________
(١) انظر: ص ٢٣١ من هذه الرسالة.
(٢) «الكافي» باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل: (جـ١/ص ٣٧٢- ٣٧٤) رقم ٤، ١٢، وقد مضى نقل الحديث بنصه ص ٢٨٩ من هذا البحث.
(٣) انظر كتيب «تقدير الإمامية للصحابة» ص ١٥، ١٧، ١٩.
[ ٢ / ١١٦ ]
ومن الغريب أن هذا الرفاعي قد سب خيار صحابة رسول الله - ﷺ - في تعليقه على رسالة لـ"محمد باقر الصدر"، فهو في هذا من الذين يقولون ما لا يفعلون كما هو من الذين ينكرون ما يعرفون، فيتهم عمر (بالتآمر وأنه أول من قال بالرجعة من المسلمين (١)، وقال عن أبي بكر وعمر وأبي عبيدة أنهم بمقتضى هذه الحجج التي حاجوا بها الأنصار قد أدخلوا أنفسهم فيما حكموا به على من ينازع في الحق أهله ويخاصمهم فيه؛ من أنه يكون ظالمًا ومدليًا بباطل، ومتجانفًا لإثم ومتورطًا في هلكة (٢) . وراح هذا "الرفاعي" ينشر رسالة باقر الصدر التي سماها: «التشيع ظاهرة طبيعية في إطار الدعوة الإسلامية»، وهذه الرسالة محاولة يائسة وعاجزة لإثبات أصالة الرفض، وأن الصحابة ليسوا أهلًا لحمل الرسالة والشريعة، وإنما الجدير بحملها هو علي وحده، وهذا طعن في الصحابة، وفي السنّة، وفي تواتر هذا الدين. وهذا الرفاعي ينشر هذا الباطل ويتحفه بتفريظه وتأييده، ويقول في كتيب آخر: إن الإمامية يقدرون الصحابة. فأي تقدير هذا إلا إن كان يريد أن تقدير الإمامية للصحابة هو السب واللعن والتكفير..؟!
وكذلك الخنيزي يقع في هذا التناقض ويطعن في الصديق «٣)، بل يزعم أن ما ورد في «الكافي» عندهم من الطعن في الصحابة وتكفيرهم يوجد مثله في «صحيح البخاري» (٤)، وهي
_________________
(١) انظر: طالب الرفاعي: تعليقه على كتيب «التشيع» لمحمد باقر الصدر: (ص ٣٠- ٣١) .
(٢) المصدر السابق: ص ٤٦.
(٣) «الدعوة الإسلامية»: (١/١٢) .
(٤) «الدعوة الإسلامية»: (١/٥- ١٤) .
[ ٢ / ١١٧ ]
دعوى لا حقيقة لها، ولو كان في «صحيح البخاري» مثل ما يوجد في «الكافي» لكان في السنّة من هو كالشيعة يطعن ويكفر، ولكن الرجل يريد إثبات معتقده الباطل بأية وسيلة.
وأما محمد جواد مغنية - الذي ينفي أن يكون الشيعة ينتقصون من مقام الصحابة - فهو الذي يقول في كتابه «في ظلال نهج البلاغة» عن الخليفة الثالث ذي النورين - صاحب الجود والحياء، وصهر النبي - ﷺ - في ابنتيه، ومجهز جيش العسرة وصاحب الهجرتين.. والمبشر بالجنة من رسول الله - ﷺ - - يقول هذا الرافضي فيه: (إن عثمان انحرف عن سنّة الرسول وخالف شريعة الإسلام، واستأثر هو وذووه بأموال المسلمين فامتلكوا بها القصور والمزارع والرياش والخيول والعبيد والإماء ومن حولهم ملايين الجياع والمعدمين) (١) .
ويقول: (كان الزبير وطلحة وعائشة وراء ما حدث لعثمان وعليهم تقع التبعة في دمه..) (٢) ويتهم عمر - ﵁ - وأهل الشورى - الذين فوض لهم عمر اختيار خليفة من بعده - يتهم الجميع بالخيانة والتآمر (٣) . فأي احترام لمقام الصحابة وهذا الكلام الحاقد يوجه لخيارهم؟، وأي إيذاء لرسول الله - ﷺ - أشد من هذا الإيذاء الذي يوجه له بسب بعض زوجاته، وأصهاره وخيار أصحابه؟.
لماذا هذا التناقض من هؤلاء الروافض؟.
_________________
(١) محمد جواد مغنية: «في ظلال نهج البلاغة»: (٢/٢٦٤) .
(٢) المصدر السابق: (١/٢٩٢- ٢٩٣) .
(٣) المصدر السابق: (٢/٣٠٢) .
[ ٢ / ١١٨ ]
هل هذا تقية؟ والتقية عندهم تسعة أعشار الدين.
أم هي مؤامرة للدعاية للشيعة والتشيع؟.
وقد تكون الكل، لكن نحب قبل أن نرفع القلم عن الحديث في هذا المبحث أن نكشف حقيقة هامة يدين بها الروافض في "معتقدهم في الصحابة" وهي:
أن هؤلاء الروافض كما يزعمون أنهم يوالون أهل البيت، ويعنون بهم أئمتهم الاثني عشر فكذلك يزعمون أنهم يوالون الصحابة، ويعنون بهم الثلاثة أو الأربعة أو السبعة الذين لم يرتدوا في عقيدتهم. والذي لا يعرف هذه الحقيقة ينخدع بكلامهم في هذا الباب، ولا يتصور أن للصحابة عندهم تفسيرًا خاصًا بهم لا يدخل فيه إلا بضعة منهم.
وهناك تفسير آخر لهم في الصحابة جاء بيانه في بعض رواياتهم، تقول روايتهم - بعد ثناء على الصحابة وأمر بالرجوع لأقوالهم وإجماعهم - فقيل: يا رسول الله، ومن أصحابك؟ قال: أهل بيتي (١) . فهم يفسرون الصحابة بأهل البيت.
ثم هناك مسلك آخر يسلكونه في الثناء على الصحابة أشار إليه شيخهم الطوسي، يقول الطوسي بعد أن سب عائشة أم المؤمنين ﵂: (فإن قيل: أليس قد روي عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر أن سائلًا سأله عن عائشة وعن مسيرها في تلك الحرب، فاستغفر لها، وقال له "الراوي": تستغفر لها وتتولاها؟ فقال: نعم؟: أما علمت ما كانت تقول؟: يا ليتني كنت شجرة، ليتني كنت مدرة) . قال الطوسي: (لا حجة في ذلك على مذاهبنا لأنا نجيز عليه - صلوات الله عليه - التورية،
_________________
(١) سيأتي ذكر هذه الرواية بتمامها في فصل: هل من طريق للتقريب؟.
[ ٢ / ١١٩ ]
ويجوز أن يكون السائل من أهل العداوة واتقاه بهذا القول وروى فيه تورية يخرجه من أن يكون كذبًا، وبعد فإنه علق توبتها بتمنيها أن تكون شجرة ومدرة، وقد بينا أن ذلك لا يكون توبة وهو (بهذا أعلم) (١) .
إن على الذين يقولون بتقدير الشيعة للصحابة أن يعلنوا خطأ هذه المسالك وعدم صحتها، وأن يعترفوا ببطلان تلك الروايات السوداء، وأن يصدقوا وألا يتناقضوا، حتى يقبل منهم موقفهم، ثم لِمَ يذهبون للرد على أهل السنّة إذا قالوا: إن مذهب الشيعة الطعن في الصحابة وتكفيرهم، ولا يردون على أنفسهم وعلى كتبهم وعلى مشايخهم المعاصرين الذين لا يزالون يهذون في هذا الضلال؟، كما بينا ذلك فيما سبق. فأي فائدة اليوم في اللعن والطعن والتكفير؟ (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (٢)، ولا هدف إلا الطعن في القرآن والسنّة، والدين بعامة، وماذا يبقى من أمجادنا وتاريخنا إذا كان أولئك السادة القادة، الأتقياء الأصفياء الأوفياء الرواد الذين نشروا الدين وأرسوا دعائم الدولة، وفتحوا البلاد، وأرشدوا العباد، إذا كان هؤلاء الرواد الأوائل لكل معالم الخير والعدل والفضائل يستحقون اللعن من أحفادهم، وتشويه تاريخهم، وهم الذين اثني الله عليهم ورسوله وسجل التاريخ الصادق مفاخرهم بمداد من نور؟ فمن الذي يستحق الثناء والمديح، إذا كان أولئك كذلك؟.
_________________
(١) الطوسي: «الاستيفاء في الإمامة»: الورقة ٢٨٨ (النسخة المخطوطة) .
(٢) البقرة: آية ١٣٤، ١٤١.
[ ٢ / ١٢٠ ]
١٢- في التقية:
ماذا يقول دعاة التقارب في التقية التي هي من أول موانع التجاوب المخلص بينهم وبين السنة؟ يقول «محمد جواد مغنية»: (إن التقية كانت عند الشيعة حيث كان العهد البائد عهد الضغط والطغيان، أما اليوم حيث لا تعرض للظلم في الجهر بالتشيع، فقد أصبحت التقية في خبر كان) (١) .
ويقول: (قال لي بعض أساتذة الفلسفة في مصر.. أنتم الشيعة تقولون بالتقية.. فقلت له: لعن الله من أحوجنا إليها، اذهب الآن إن شئت إلى بلاد الشيعة فلا تجد للتقية عندهم عينًا ولا أثرًا، ولو كان دينًا ومذهبًا في كل حال لحافظوا عليها محافظتهم على تعاليم الدين ومبادئ الشريعة) (٢) .
وكذلك يقول مجموعة من أعلام الشيعة ومراجعهم: إن التقية عند الشيعة لا تستعمل إلا في حال الاضطرار الشرعي وذلك عند الخوف على النفس أو المال أو العرض، وإنما تميز الشيعة بهذا الاعتقاد لكثرة وقوع الظلم عليهم (٣) .
_________________
(١) محمد جواد مغنية: «الشيعة في الميزان»: ص ٥٢، ٣٤٥، «أهل البيت»: (ص ٦٦- ٦٧) .
(٢) «الشيعة في الميزان»: ص ٥٢.
(٣) انظر في ذلك: محمد حسين آل كاشف الغطاء: «أصل الشيعة»: (ص ١٥٠، ١٥٣)، عبد الحسين الموسوي: «أجوبة مسائل جار الله»: (ص ٦٨- ٧٠)، عبد الحسين الرشتي: «كشف الاشتباه»: ص ١٣٠، محسن الأمين: «الشيعة»: ص ١٨٥ وما بعدها، السيد أمير الكاظمي: «الشيعة في عقائدهم وأحكامهم»: ص ٣٤٦، هاشم الحسيني: «دراسات في الحديث والمحدثين»: ص ٣٢٦ وما بعدها، وغيرها.
[ ٢ / ١٢١ ]
مناقشة هذا الرأي:
سنناقش هذا الرأي في النقاط التالية:
أولًا: أن الخطورة الكبرى في اعتقاد الشيعة بالتقية - والتي قد لا يفطن لها من ليس على صلة بكتب الشيعة أو له صلة بكتب "الدعاية" للتشيع فقط، ولا يرجع لكتبهم المعتمدة عندهم إن الخطورة تتمثل في أن معتقد التقية عندهم قد عطل تعطيلًا تامًا إمكانية استفادة الشيعة مما في كتبهم الأساسية من نصوص توافق ما عند المسلمين، وتخالف ما شذوا به من عقائد وآراء. ذلك أن من قواعدهم الأصولية والتي قررتها كتبهم القديمة (١)، وقررتها كتبهم الحديثة أيضًا (٢) الأخذ بما خالف العامة - أهل السنّة - عند اختلاف الأحاديث في كتبهم. بحجة أن الأحاديث التي توافق ما عند أهل السنّة محمولة على التقية.
وإذا لاحظنا أن أحاديثهم متناقضة ومتضادة ويوجد فيها غالبًا في مختلف أبواب العقائد والأحكام ما يوافق ما عند المسلمين أدركنا خطورة معتقد التقية عندهم، وآثاره السيئة في إبقاء الخلاف بينهم وبين المسلمين. وقد اعترف شيخهم "الطوسي" بهذا التناقض فقال: (ذاكرني بعض الأصدقاء.. بأحاديث أصحابنا وما وقع فيها من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد حتى لا يكاد يوجد خبر إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه، حتى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا وتطرقوا بذلك إلى
_________________
(١) انظر: ص ٢٨٤ من هذا البحث.
(٢) انظر: ص ٦٧ - ٦٨ من هذا البحث.
[ ٢ / ١٢٢ ]
إبطال معتقدنا)، ثم ذكر (أن هذا الاختلاف كان سبب رجوع الكثير عن التشيع، وقال: إن منهم أبا الحسن الهاروني العلوي كان يدين بالإمامة فرجع عنها لما التبس عليه الأمر في اختلاف الأحاديث وترك المذهب ودان بغيره) (١) .
هذا ما يقوله شيخهم "الطوسي"، ولم يجد ما ينقذه وشيعته من هذا "التناقض" إلا القول في كل ما يوافق جمهور المسلمين ويخالف شذوذهم بأن ذلك ورد على سبيل التقية (٢)، كما قام بحمل رواياتهم التي في سندها رجال من أهل السنّة أو الزيدية على التقية، فكانت التقية حيلة لرد السنن الثابتة (٣) .
وكما عطل معتقد التقية الاستفادة من الأحاديث التي في كتبهم وهي موافقة لما عند المسلمين ومخالفة لشذوذهم، كذلك عطل هذا الاعتقاد استفادة الشيعة أنفسهم من كل صوت معتدل ينشأ بينهم. فمثلًا حينما أنكر شيوخهم "المرتضي، والصدوق، والطبرسي" فرية الطعن في كتاب الله بالقول بتحريفه ونفوا عن مذهب الشيعة هذه المقولة، قال شيخهم نعمة الله الجزائري - الموصوف عندهم بـ"السيد السند والركن والمعتمد إلخ" - قال بأن هذا "الإنكار" هو من باب التقية - كما مر - (٤) .
وقالوا عن تفسير «التبيان» للطوسي: إنه موضوع على أسلوب التقية (٥) . فهل يقال بعد هذا إن عهد التقية انتهى، وأثرها السام
_________________
(١) «التهذيب»: (١/٣) .
(٢) ، (٥) في كتاب «الاستبصار» - وهو أحد أصولهم الأربعة - عشرات الأمثلة لذلك، انظر مثلًا: (١/٦٠، ٦١، ٦٢، ٦٣، ٦٤، ٦٥، ٦٦) إلخ.
(٣) انظر: ص ٣٣٨ من هذا البحث.
(٤) انظر: ص ٢٠٦ من هذا البحث.
(٥) انظر: ص ٢٤٤.
[ ٢ / ١٢٣ ]
لا يزال يسري في نصوص الشيعة المعتدلة ليزهق روحها؟.
ثانيًا: أن هؤلاء الذين يقولون بأنه لا تقية اليوم عند الشيعة هم الذين تقول كتبهم المعتمدة بأن عهد الخلفاء الثلاثة، وعصر الإسلام الذهبي، هو عهد تقية، فهل هذا العصر أفضل من عصر الخلافة الراشدة؟!!
يقول شيخهم المفيد: (وكانت إمامة أمير المؤمنين بعد النبي ﵌ ثلاثين سنة منها أربع وعشرون سنة وستة أشهر - أي في عهد الخلفاء الثلاثة قبل أن يلي الخلافة - ممنوعًا من التصرف في أحكامها مستعملًا للتقية والمداراة.. كما كان رسول الله ﵌ ثلاث عشرة سنة من نبوته ممنوعًا من أحكامها خائفًا ومحبوسًا وهاربًا) (١)، بل إن شيخهم نعمة الله الجزائري يعتبر عهد الخلافة الفعلي لعلي عهد تقية ومدارة. يقول: (ولما جلس أمير المؤمنين ﵇ - أي على كرسي الخلافة - لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن (٢)، وإخفاء هذا لما فيه من إظهار الشنعة على من سبقه، كما لم يقدر على النهي عن صلاة الضحى، وكما لم يقدر على إجراء متعة النساء، وكما لم يقدر على عزل شريح عن القضاء ومعاوية عن الإمارة) (٣) .
فكيف يعتبر عهد الخلافة الراشدة عهد تقية، وتصرف الوقائع التي تثبت مذهب علي الحقيقي عن مدلولها بدعوى التقية؟، ويقال بعد
_________________
(١) هذا جزء من نص مضى نقله بتمامه ص ١٢١ من هذا البحث.
(٢) هو «القرآن» الذي يزعمون أنه موجود عند مهديهم المنتظر، راجع ص ٢٠٢ وما بعدها من هذه الرسالة.
(٣) نعمة الله الجزائري: «الأنوار النعمانية»: (٢/٣٦٢) .
[ ٢ / ١٢٤ ]
ذلك إن التقية عندهم تستعمل في حال الضرورة، فأي ضرورة للعمل بالتقية في عز الإسلام والمسلمين؟.
ثالثًا: هناك شواهد كثيرة تفيد أن التقية عندهم ليست هي التقية الشرعية المنوطة بالضرورة، بل هي الكذب والخداع، وتحليل الحرام وتحريم الحلال وتغيير شرع الله، فمن ذلك أنهم نسبوا إلى رسول الله - ﷺ - العمل بالتقية بلا ضرورة حيث قالوا عن أبي عبد الله "ع" قال: لما مات عبد الله بن أبي سلول حضر النبي جنازته، فقال عمر لرسول الله - ﷺ -: ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟ فسكت فقال: يا رسول الله ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟ فقال له: ويلك ما يدريك ما قلت، إني قلت: اللهم احش جوفه نارًا واملأ قبره نارًا وأصله نارًا، قال أبو عبد الله: فبدا من رسول الله ما كان يكره) (١) .
فانظر إلى هذا الافتراء على رسول الله - ﷺ - ونسبتهم إليه أنه يخادع أصحابه فيدعو على منافق وهم يظنونه يترحم عليه، فيقتدون به، ثم أي ضرورة تضطر رسول الله - ﷺ - للصلاة على هذا المنافق في قوة الإسلام وسطوته، وما نافق عبد الله بن أبي إلا رهبة من سلطان الإسلام؟.
فهل هذا النص يفيد أن العمل بالتقية في حال الضرورة؟!! ومما يدل صراحة على أن التقية ليست إلا الكذب الصريح بلا مسوغ ما رواه شيخهم الكليني عن محمد بن مسلم قال: دخلت على أبي عبد الله ("جعفر الصادق" وعنده أبو حنيفة فقلت له:
_________________
(١) الكليني: «فروع الكافي» كتاب الجنائز، باب الصلاة على الناصب: (٣/١٨٩) ط إيران.
[ ٢ / ١٢٥ ]
جعلت فداك، رأيت رؤيا عجيبة، فقال لي: يا ابن مسلم هاتها إن العالم بها جالس وأومأ بيده إلى أبي حنيفة، فعرض الراوي الرؤيا على أبي حنيفة فأجابه أبو حنيفة عليها - كما يزعمون - فقال أبو عبد الله (: أصبت والله يا أبا حنيفة. قال "الراوي": ثم خرج أبو حنيفة من عنده فقلت له: جعلت فداك، إني كرهت تعبير هذا الناصب، فقال: يا ابن مسلم لا يسوءك الله، فما يواطئ تعبيرهم تعبيرنا، ولا تعبيرنا تعبيرهم وليس التعبير كما عبره، قال: فقلت له: جعلت فداك، فقولك: أصبت وتحلف عليه وهو مخطئ؟ قال: نعم، حلفت عليه أنه أصاب الخطأ (١) .
فهل استعمال التقية في هذا النص له مسوغ؟ هل أبو حنيفة ذو سلطة وقوة حتى يخشى منه ويتقي؟ وهل من ضرورة لمدحه والقسم على صواب إجابته؟ ثم لما خرج يحكم عليه بالنصب ويخطئ جوابه، هل لهذا تفسير غير أنه الخداع والكذب بلا مسوغ؟ ونحن نبرئ جعفر الصادق من هذا الافتراء ونقول: إن هذا سبٌّ وطعنٌ في جعفر ممن يزعم التشيع له ومحبته..
ثم إنهم هم يجيزون تأويل كتاب الله على غير تأويله باسم التقية بلا موجب. روى الكليني عن موسى بن أشيم قال: كنت عند أبي عبد الله "ع" فسأله رجل عن آية من كتاب الله (فأخبره بها، ثم دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر به الأول، فدخلني من ذلك ما شاء الله حتى كأن قلبي يشرح بالسكاكين، فقلت في نفسي: تركت أبا قتادة بالشام لا يخطئ في الواو وشبهه وجئت إلى هذا يخطئ هذا الخطأ كله، فبينما أنا كذلك إذ دخل
_________________
(١) «روضة الكافي»: (٨/٢٩٢) ط إبران.
[ ٢ / ١٢٦ ]
عليه آخر فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبي، فسكنت نفسي فعلمت أن ذلك منه تقية (١) .
ويزعمون أن التقية تبيح لأئمتهم تحليل الحرام وتحريم الحلال؛ ففي «الكافي» عن أبان من تغلب قال: (سمعت أبا عبد الله يقول: كان أبي "محمد الباقر" (يفتي في زمن بني أمية أن ما قتل البازي والصقر فهو حلال وكان يتقيهم، وأنا لا أتقيهم وهو حرام ما قتل) (٢) .
وتقول رواياتهم إنهم يمارسون التقية عن حب ورغبة، لا عن خوف ورهبة وضرورة قالوا: (.. قال أبو عبد الله "ع": سمعت أبي يقول: لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب إليّ من التقية..) (٣)، وقال: (وأي شيء أقر لعيني من التقية؟) (٤)، ويقولون: (إن التقية هي الطريق الوحيد لعبادة الله (.. أبى الله إلا أن يعبد سرًا) (٥) وأبى الله (لنا ولكم في دينه إلا التقية. ويقولون: (ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخبء والخبء هو التقية) (٦) .
رابعًا: يلاحظ أن التقية يعمل بها أئمة الشيعة مع الشيعة أنفسهم، أي أنهم يفتونهم بالتقية في مجلس لا يوجد به سنّي يتقونه وليس هناك أدنى مسوغ لها، ومن ذلك ما في «أصول الكافي» عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر "ع" قال: (سألته عن مسألة فأجابني ثم جاءه رجل
_________________
(١) «أصول الكافي»: (١/٢٥٦- ٢٦٦) .
(٢) «فروع الكافي»: باب صيد البزاة والصقور وغير ذلك: (٦/٢٠٨) ط إيران.
(٣) «أصول الكافي»: (٢/٢١٧) .
(٤) «أصول الكافي»: (٢/٢٢٠) .
(٥) المصدر السابق: (٢/٢١٨) .
(٦) المصدر السابق: (٢/٢١٩) .
[ ٢ / ١٢٧ ]
فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاءه رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابني، وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا ابن رسول الله، رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه؟ فقال: يا زرارة إن هذا خير لنا، وأبقى لنا ولكن ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا ولكان أقل لبقائنا وبقائكم.
قال: ثم قلت لأبي عبد الله "ع": شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين، قال: فأجابني بمثل جواب أبيه) (١) .
خامسًا: (أن قول مغنية: انتهى عهد التقية اليوم عند الشيعة إنما هو تقية على التقية) (٢) كما يقول الأستاذ محمود الملاح (٣)، ومما يؤكد ما يقوله الملاح أنه ورد في كتبهم المعتمدة (أن التقية واجبة لا يجوز رفضها إلى أن يخرج القائم "مهديهم المنتظر"، فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله تعالى وعن دين الإمامية وخالف الله ورسوله والأئمة) (٤) و(أن تارك التقية كتارك الصلاة) (٥) . هذه بعض
_________________
(١) «أصول الكافي»: (١/٦٥) .
(٢) «مجموع السنّة»: (١/١١١) .
(٣) عالم عراقي معاصر تصدى لمؤتمرات الشيعة في العراق لنشر التشيع باسم الوحدة الإسلامية، وذلك عبر صفحات جريدة السجل وعبر رسائل أصدرها في هذا الشأن من كتبه «الوحدة الإسلامية بين الأخذ والرد»، و«تشريح شرح نهج البلاغة» وغيرها.
(٤) ابن بابويه الملقب بالصدوق: «الاعتقادات»، فصل التقية، ط إيران ١٣٧٤هـ. وانظر: «الهداية» للصدوق القمي أيضًا: (١/٩) عن كتاب نعمان السمرائي: «أحكام المرتد»: ص ٨٢.
(٥) انظر: ابن إدريس: «السرائر»: ص ٤٧٩، الحر العاملي: «وسائل الشيعة»: =
[ ٢ / ١٢٨ ]
نصوصهم فمن نصدق؟
وفي كتاب «الوافي» ما يشير إلى أن ما يقوله مغنية وغيره من المدافعين عن التشيع حول التقية، إنما هو أمر مطلوب من كل "رافضي" حتى يمكن أن يستفيدوا من عقيدة التقية يقول «الوافي» عن حسان بن أبي علي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (لا تذكروا سرنا، بخلاف علانيتنا ولا علانيتنا بخلاف سرنا حسبكم أن تقولوا ما نقول وتصمتوا عما نصمت..إلخ) .
قال صاحب «الوافي» في شرح هذا "النص": (يعني لا تظهروا للناس ما نكتمه عنهم، ولا تقولوا لهم إن سرنا غير موافق لعلانيتنا وأنا نكتم عنهم غير ما نظهر لهم، ونظهر غير ما نكتم، فإن ذلك مفوت لمصلحة التقية التي بها بقاؤنا وبقاء أمرنا، بل كونوا على ما نحن عليه؛ قائلين ما نقول صامتين عما نصمت موافقين لنا غير مخالفين عن أمرنا) (١) .
سادسًا: أن من علمائهم من يصرح إلى أن للتقية عندهم مجالات غير مجال الخوف. يقول آيتهم العظمى محمد صادق روحاني - معاصر -: (التقية أربعة أقسام:
التقية الخوفية، والتقية الإكراهية، والتقية الكتمانية، والتقية المداراتية (٢)، فهؤلاء الذين يقولون بأن الشيعة لا تعمل بالتقية إلا عند الضرورة، إنما ينطبق كلامهم على تقية الخوف أو الإكراه لا تقية الكتمان والمداراة) .
_________________
(١) = (١١/٤٦٦)، وانظر أيضًا: في أن التقية لا ترفع إلى خروج القائم. «أصول الكافي»: (٢/٢١٧) .
(٢) الفيض الكاشاني: «الوافي»: كتاب الحجة، باب النوادر، المجلد الأول: جـ٢/ص ٦٠.
(٣) محمد صادق روحاني: «رسالة في التقية» ضمن كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن =
[ ٢ / ١٢٩ ]
سابعًا: قول مغنية - إن التقية ليست بدين لهم - يتنافى مع ما جاء في رواياتهم فيما نسبوه إلى جعفر - (التقية ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له.. إلخ) - كما مر- (١) فمن نصدق في هذا: مغينة أم «الكافي»؟!
ثامنًا: في كتبهم الحديثة التي يكتبونها في الدفاع عن التشيع أو في الطعن على أهل السنّة عشرات من الأمثلة على أن كثيرًا من علمائهم المعاصرين يستعملون التقية بمعنى الكذب والخداع والافتراء، بل هناك كتب أساسها وعمدتها الكذب. وتفصيل هذا القول بالشواهد والقرائن يحتاج لدراسة مستقلة لكثرته، وتنوع أساليب الكذب والخداع فيه، وحسبنا أن نشير إشارة سريعة إلى هذا اللون من الكذب وذلك لإثبات أن القوم لا يزالون يمارسون التقية؛ فهذا شيخهم "مغنية" يقول: إن الشيعة لا يطعنون في الصحابة، وذلك في تفسيره «الكاشف» ثم في كتابه «في ظلال نهج البلاغة» يطعن في كبار الصحابة - كما سلف - (٢) وهو يقول بأن الإمامة (ليست أصلًا من أصول دين الإسلام، وإنما هي أصل لمذهب التشيع، فمنكرها مسلم إذا اعتقد بالتوحيد والنبوة والمعاد ولكنه ليس شيعيًا) . يقول هذا القول في كتابه «مع الشيعة الإمامية» (٣)، ولكنه يقول في كتابه الآخر «الشيعة والتشيع» عن عيد لهم يسمونه عيد الغدير والذي تنسج الشيعة حوله أساطير كثيرة تدور حول "النص على علي بالخلافة" (٤) .
_________________
(١) = المنكر له أيضًا. ص ١٤٨- ١٤٩ ط ١، ١٣٩٦هـ.
(٢) انظر: ص ٣٣١ وما بعدها.
(٣) انظر: ص ١١٨.
(٤) «مع الشيعة الإمامية»: ص ٢٦٨ ضمن كتاب «الشيعة في الميزان» .
(٥) انظر في الرد عليهم: «منهاج السنة»: (٤/٨٤- ٨٧)، «المنتقى»: (ص ٤٦٦- ٤٦٧)، =
[ ٢ / ١٣٠ ]
يقول: (إن احتفالنا بهذا اليوم هو احتفال بالقرآن الكريم وسنة النبي العظيم بالذات، احتفال بالإسلام ويوم الإسلام، إن النهي عن يوم الغدير تعبير ثان عن النهي بالأخذ بالكتاب والسنّة وتعاليم الإسلام ومبادئه) (١) ثم استشهد بما قاله شيخهم المعاصر عبد الله العلايلي وهو (أن عيد الغدير جزء من الإسلام، فمن أنكره فقد أنكر الإسلام بالذات) (٢) .
فانظر إلى هذا "الخداع" المسمى عندهم بالتقية من رجل يزعم ارتفاع حكم التقية، فهو يقول في موضع إن من أنكر الإمامة فهو مسلم، وفي موضع آخر يحكم على منكر عيد الغدير - الذي جرى فيه حادث هو أحد أدلتهم على الإمامة - أن منكر هذا العيد كافر، فكيف نفسر هذا التناقض والكذب؟ وأعتقد أن القارئ لهذا الباب «آراء دعاة التقريب» يلمس آثار عقيدة التقية في بعض إجابات دعاة التقريب ونفيهم لما هو واقع، وقد سجلت عشرات الأمثلة من أمثلة الخداع والكذب والاحتيال من بعض أعلامهم المعاصرين لا يتسع المجال لعرضها وشرحها وكشف ما فيها من زيف وتمويه وخداع.
أما الكتب التي وضعوها وأساسها "الكذب" فمن أمثلتها: كتاب «المراجعات» وسيأتي كشف ما فيه، وكتاب «لماذا اخترت مذهب الشيعة؟»، وهو يتضمن قصة مخترعة أو مؤامرة مصنوعة تتضمن أن عالمًا من كبار علماء السنّة يدعى "محمد مرعي الأمين الأنطاكي" قد ترك مذهب السنّة، وأخذ بمذهب الشيعة بعد أن تبين له بطلان
_________________
(١) = «مختصر التحفة»: (ص ١٥٩- ١٦٢) .
(٢) «الشيعة والتشيع»: ص ٢٥٨ ضمن كتاب «الشيعة في الميزان» .
(٣) المصدر السابق: ص ٢٥٨ (هامش) .
[ ٢ / ١٣١ ]
الأول، وهذا الأنطاكي "يزعم أنه نزيل حلب" رغم أنه لا يعرفه من كبار علمائها أحد (١)، والكتاب مليء بالدس والكذب والافتراء والتجني مما لا يصدر إلا عن جاهل متعصب أو عن زنديق متستر بالتشيع.
وقد مر بنا أنهم يضعون كتبًا وينسبونها لأهل السنّة كما نسبوا كتاب «سر العالمين» "للغزالي" (٢)، وأنهم اعترفوا بأنهم يضعون الكتب لغرض صحيح (٣)، وقد كذبوا على أعلام الأمة وعلى صحابة رسول الله، بل استحلوا الكذب على رسول الله - ﷺ - وأهل بيته، كل ذلك باسم التقية والتي لا حقيقة لها سوى الكذب، وقد اعترف بعض علمائهم المعاصرين من حيث لا يدري أن التقية عندهم هي: "الغاية تبرر الواسطة" (٤) أي هي "الميكافيلية" (٥)، التي اعتمدها الذين لا دين لهم في تحقيق أهدافهم.
وأخيرًا إن من أعلام الشيعة المعاصرين من يمارس «أسلوب التقية» حتى مع الشيعة أنفسهم فمن الأمثلة على ذلك أن ثلاثة
_________________
(١) سألت عنه بعض كبار علماء حلب كالشيخ عبد الفتاح أبو غدة، فأفاد أنه مجهول، مع زعم هذا الباطني بأنه يشغل قاضي القضاة على مذهب أهل السنة في حلب.
(٢) انظر: ص ٦٨ من هذا البحث.
(٣) انظر: ص ٢١٣ من هذه الرسالة.
(٤) محمد جواد مغنية: «الشيعة في الميزان»: ص ٤٩.
(٥) أسلوب في المعاملات يتسم بالخداع والمراوغة والغدر والأنانية مبني على مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"، وهو ينسب إلى المفكر الإيطالي "نيكولا ماكيافلي": (١٤٦٩ -١٥٢٧) رائد هذا المبدأ، والذي سجله في كتابه «الأمير» وقدمه لأحد ملوك أوربا في القرون الوسطى.. انظر: أحمد عطية: «القاموس السياسي»: (ص ١١٠٥- ١١٠٦)، وانظر: «الأمير» ماكيافلي.
[ ٢ / ١٣٢ ]
من كبار علماء الشيعة أحجموا عن إعلان خطأ مسألة فرعية فقهية في دينهم خوفًا من العوام، وكانوا يفتون بخطئها ويقولون بخلافها سرًا ولخواصهم فقط، كما يعترف به أحد أعلام الشيعة المعاصرين. وهذه المسألة هي أن (مذهب الشيعة يقول بنجاسة أهل الكتاب) (١) ومن علماء الشيعة من يفتي بخلاف ذلك سرًا ولخاصته فقط ويتقي جمهور الشيعة في ذلك، وقد كشف ذلك شيخهم محمد جواد مغنية فقال: أحدث القول بنجاسة أهل الكتاب مشكلة اجتماعية للشيعة وأوقعهم في ضيق وشدة بخاصة إذا سافروا إلى بلد مسيحي كالغرب أو كان فيه مسيحيون كلبنان.. وقد عاصرت ثلاثة مراجع كبار من أهل الفتيا والتقليد، الأول كان في النجف الأشرف، وهو الشيخ محمد رضا آل يس. والثاني في قم وهو السيد صدر الدين الصدر، والثالث في لبنان وهو السيد محسن الأمين، وقد أفتوا جميعًا بالطهارة وأسروا بذلك إلى من يثقون به، ولم يعلنوا خوفًا من المهوشين، على أن يس كان أجرأ الجميع. وأنا على يقين بأن كثيرًا من فقهاء اليوم والأمس يقولون بالطهارة ولكنهم يخشون أهل الجهل والله أحق أن يخشوه (٢) .
ويذكر "مغنية" في تفسيره «الكاشف» أن شيخهم (السيد الخوئي أسر برأيه لمن يثق به) (٣) .
وكذلك يقول "الرافضي" كاظم الكفائي بأن (الإمام الغطا أفتى
_________________
(١) انظر: الطوسي: «المبسوط»: (١/١٠)، الحلي: «شرائع الإسلام»: (١/٥٣)، زين الدين العاملي: «الروضة الندية»: (١/٤٩) .
(٢) محمد جواد مغنية: «فقه الإمام جعفر الصادق»: (ص ٣١- ٣٣) - دار العلم للملايين، ط١، ١٣٦٥هـ.
(٣) محمد جواد مغنية: «الكاشف»: (٦/١٨) - دار العلم للملايين، ط١، بيروت ١٩٦٨م.
[ ٢ / ١٣٣ ]
بالطهارة لخاصته لأن عقول العامة لا تحتمله) (١) .
يقول د. علي السالوس تعليقًا على ذلك: (وهكذا يضيع العلم، ويفترى على الإسلام، لأن أُناسًا ائتمنوا على العلم فضيعوه وزيفوه لأنهم يخشون الناس ولا يخشون الله) (٢) .
ونقول: إن من أسباب مراعاة علماء الشيعة لجهال الشيعة وعوامهم هو أن هؤلاء هم مصدر رزقهم الذي يسلبونه منهم باسم "الخمس". وإذا كان هذا موقف خمسة من كبار مراجع الشيعة في العصر الحاضر إزاء مسألة فرعية يجزمون بخطئها فكيف يرجى أن يستجيبوا لتعديل أصولهم؟!!
وإذا ثبت أن الشيعة لا يتركون تقيتهم، فإن استعمال هذه التقية عندهم يخف ويشتد حسب الظروف المحيطة بهم. ويبدو هذا واضحًا في أن الكتب التي صدرت من علماء الشيعة في إبّان الدولة الصفوية (٣) - مثلًا - مثل كتابات المجلسي، ونعمة الله الجزائري وغيرهما قد كشفت إلى حد كبير حقيقة التشيع، وأظهرت الكثير مما يكنه الشيعة ضد الإسلام والقرآن والصحابة وأهل البيت والخلافة الإسلامية.
بينما يلاحظ من خلال ما سبق - أن كتابات بعض أعلام الشيعة المعاصرين أمثال محمد جواد مغنية، محمد حسين آل كاشف الغطا قد سلكت في دفاعها عن التشيع مسلك التقية بإنكار ما هو واقع، ولكن مطابع النجف ولبنان قد فضحتهم.
_________________
(١) نقل ذلك عنه د. علي السالوس، انظر: «فقه الإمامية»: ص ٨١ (الهامش) .
(٢) علي السالوس: «فقه الشيعة الإمامية»: ص ٨١ (الهامش) .
(٣) استمرت الدولة الصفوية من سنة ٩٠٥هـ إلى سنة ١١٤٨هـ.
[ ٢ / ١٣٤ ]
الفصل الثاني: فيما يتصل بمذهب أهل السنّة
إن من أصول أهل السنة العظيمة الاعتصام بحبل الله جميعًا وعدم التفرق، ومبادئ أهل السنّة كلها تتجاوب مع هذا الأصل العظيم، فمن الكتاب والسنّة والإجماع تستقي عقيدتها، وتحل خلافها ونزاعها، واعتقادها قائم على الحب لأتباع رسول الله - ﷺ - من الصحابة والقرابة ومن تبعهم بإحسان.
ولا يعتقدون بما دسته الشعوبية من عداوة مفتعلة بين الصحب والآل القصد منها تفريق الأمة وزرع العداوة بينها. وقد سلطنا الضوء على الجانب العقدي من مذهب أهل السنّة، فلا حاجة إلى إعادة القول فيه، لكن غرضنا هنا أن نقول: إن أهل السنّة بحمد الله لم يشذوا بعقائد هي من لبان وغذاء الديانات والعقائد الأجنبية من يهودية ونصرانية ومجوسية، بل اتبعوا في اعتقادهم الكتاب والسنّة وما عليه سلف الأمة، وإن وجد في دائرة أهل السنّة بعض الانحرافات فقد تصدى لها أعلامهم بالنقض والرد ولا يجمع أهل السنة على ضلالة (١)، كشأن أهل البدع والفرق الخارجة عن السنّة. فلهذا لا حاجة لأن نعقد لهم "بحثًا" حول ما خالفتهم فيه الروافض، كما بحثنا آراء دعاة التقريب في شذوذ الروافض. لكن من باب الموضوعية والتوازن في مبحث مسألة التقريب بين الطائفتين نشير إلى وجهة نظر "الشيعة" في هذا
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أهل السنّة يقولون أن الحق لا يخرج عنهم ولا يقولون لا يخطئ أحد منهم) «منهاج السنة»: (٢/١١٨) مكتبة الرياض الحديثة، ويقول: (أهل السنّة قد يخطئ بعضهم لكن لا يتفقون على ضلالة) «المصدر السابق»: (٢/٩٣) .
[ ٢ / ١٣٥ ]
الفريق الأول
الباب وهم على قسمين:
١- فريق يرى أنه لا فرق بين أهل السنة والشيعة في الاعتقاد. وهذا "القول" ردده الذين لا يمعنون النظر من المنتسبين لأهل السنّة ولم يفطنوا لما وراءه وما علموا أن وراء الأكمة ما وراءها.
إن هذا الرأي هو نتيجة مؤامرة نفذتها طائفة الرافضة في كتبها الخاصة، وفي كتب نسبتها زورًا لبعض أعلام أهل السنّة، وفي كتب كتبها بعض الروافض المتسترين بمذهب أهل السنّة (١)، وفي هذه الكتب مادة كبيرة يزعمون أخذها من كتب أهل السنّة ومن أصولها المعتمدة، وهي توافق معظم شذوذ الروافض في العقائد والأحكام. فإذا قال الروافض إن مذهبهم لا يختلف عن مذهب أهل السنّة فإنهم يعنون بذلك ما زعموا نقله عن مذهب أهل السنّة، من عقائد وآراء لا مذهب أهل السنّة على الحقيقة، وهم بهذا القول يحققون هدفين:
١- الهدف الأول: محاولة كسب صفة الشرعية لمذهبهم في الديار الإسلامية بالقول بأنه لا يختلف عن مذهب أهل السنّة، وهم في قولهم أن مذهبهم لا يختلف عن مذهب أهل السنّة يخدمون هذه المؤامرة ولا يغيرون من واقعهم شيئًا.
٢- الهدف الثاني: أن هذه المقولة التي رددوها رددها بعض المنتسبين لأهل السنّة كشلتوت وغيره، واعتبر ذلك الروافض "شهادة" بصحة ما يزعمونه في مذهب أهل السنّة، يقنعون بها الحائرين والمتشككين من بني مذهبهم، وتخدمهم في التبشير بالتشيع في ديار أهل السنّة.
_________________
(١) انظر: طريقة الروافض في الاحتجاج من كتب أهل السنّة: ص ٥٨ من هذه الرسالة.
[ ٢ / ١٣٦ ]
الفريق الثاني:
ويعبر عن رأيه أحد آيات الشيعة وهو عبد الحسين الموسوي بقوله: (الأمور التي ينفر منها الشيعي ولا يكاد يمتزج بها مع السني أهمها شيئان:
الأول: التكفير، والتحقير والشتم والتزوير.
الثاني: إعراض أهل السنّة عن مذهب الأئمة من أهل البيت وعدم الاعتناء بأقوالهم في أصل الدين وفروعه) (١) .
مناقشة هذا القول:
مناقشة السبب الأول: من أعجب العجب أن يشتكي من يكفر صحابة رسول الله - ﷺ -، وأعلام الأمة، وخيار المسلمين من حكام ومحكومين، يشتكي من أن المسلمين يكفرونه. فإذا قارنّا بين ما جاء في "صحيح الشيعة" - وهو «الكافي» - من تكفير لأبي بكر وعمر ومن بايعهما ومن رضي بخلافتهما إلى أن تقوم الساعة، ومن حكم بردة المسلمين بعد وفاة الرسول - ﷺ - إلا ثلاثة، وحكم بردة المسلمين بعد مقتل الحسين إلا ثلاثة وتطاول - بالتخصيص والتعيين - على خيار الأمة وروادها بالسب والطعن والتكفير (٢)، إذا قارنا ذلك بما جاء في «صحيح البخاري» في كتاب «فضائل الصحابة» مثلًا، فمن الذي يكفر أهل السنة أم الشيعة؟!.
_________________
(١) عبد الحسين الموسوي: «الفصول المهمة في تأليف الأمة»: ص ١٨٠، ط. ٧، ١٣٩٧هـ، دار الزهراء، بيروت.
(٢) انظر: ص ٣٣٤ من هذا البحث.
[ ٢ / ١٣٧ ]
وإذا نظرنا في كتب الاعتقاد عندهم. مثل كتاب «أوائل المقالات» لشيخهم المفيد، وهو من كتبهم المعتمدة في العقيدة باعتراف شيوخهم المعاصرين (١)، نجده يقول: (واتفقت الإمامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار.. وأن من مات منهم على تلك البدعة فهو من أهل النار) (٢) .
بينما في كتب العقيدة عند أهل السنّة لا يكفرون أهل البدع مطلقًا. قال الطحاوي مثلًا: (ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي - ﷺ - معترفين وله بكل ما قال وأخبر مصدقين)، قال شارح «الطحاوية»: (والمراد بقوله أهل قبلتنا: من يدعي الإسلام ويستقبل الكعبة وإن كان من أهل الأهواء ومن أهل المعاصي ما لم يكذب بشيء مما جاء به الرسول - ﷺ -) (٣) .
هذا ما يقوله أئمة أهل السنّة وذاك ما يقوله أئمة الروافض، وهو قول من عشرات الأقوال في تكفير المسلمين، نقلنا شيئًا منها فيما مضى. فمن هو الذي يكفر؟!!
مناقشة السبب الثاني: أما دعوى أن أهل السنّة لا يتلقون عن أهل البيت. فلنر حقيقة ذلك في بعض أئمة أهل البيت:
مثلًا "زيد بن علي بن الحسين" وهو من خيار أهل البيت:
نجد في كتاب الرجال عند أهل السنّة توثيقه والثناء عليه وقبول
_________________
(١) انظر: «الشيعة في الميزان»: ص ١٤.
(٢) «أوائل المقالات»: ص ٥٣، وللتعرف على مزيد من الشواهد انظر: ص ٣١٤ وما بعدها من هذه الرسالة.
(٣) «شرح الطحاوية»: (ص ٣٥٠- ٣٥١) .
[ ٢ / ١٣٨ ]
ما صح عنه، وأخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجه (١) . أما في كتب الشيعة ففي «الاستبصار» للطوسي، (والطوسي شيخ الشيعة على الإطلاق وصاحب كتابين من أصولهم الأربعة، وكتابين من كتب «الرجال» الأربعة عندهم) في كتاب «الاستبصار» يصرح الطوسي برد مرويات زيد بن علي - مرارًا - (٢) .
فمن يتلقى عن آل البيت حقيقة؟ هل هو من إذا روى عن بعض أهل البيت أحاديث لا توافق مذهبه ردها بدعوى التقية (٣)، في حين يقبل روايات الكليني والقمي وغيرهما في الطعن في كتاب الله وصحابة رسوله وأهل بيته، لأنها تتفق مع تعصبه وشذوذه؟!
ومن هم أهل البيت عند الشيعة؟ إن لكل طائفة من طوائف الشيعة تفسيرًا خاصًا لأهل البيت، يختلف من طائفة لأخرى حول عدد أهل البيت وأعيانهم.
والرافضة تخالف أهل البيت في عامة أصولهم، فليس في أئمة أهل البيت مثل علي بن الحسين وأبي جعفر الباقر وابنه جعفر بن محمد الصادق من يقول بالنص على علي، أو بعصمة الأئمة الاثني عشر، أو يسب أبا بكر وعمر، أو ينكر الرؤية، أو يقول بخلق القرآن، أو ينكر القدر، والمنقولات الثابتة المتواترة عن هؤلاء معروفة موجودة وكانت مما يعتمد عليه أهل السنّة (٤) . فهم مخالفون لأئمة أهل بيت
_________________
(١) انظر مثلًا: «تقريب التهذيب»: (١/٢٧٦)، «الخلاصة» الخزرجي: ص ١٢٩، «الكاشف»: (١/٣٤١) .
(٢) وقد مر نقل قول الطوسي في ذلك ص ٣٣٨.
(٣) راجع ص ٣٣٨.
(٤) «منهاج السنة»: (٢/٢٨٨) تحقيق: رشاد سالم.
[ ٢ / ١٣٩ ]
رسول الله - ﷺ - في أصول دينهم كما هم مخالفون لأصحابه، بل ولكتاب الله وسنّة رسوله (١) .
حقيقة أن أهل السنّة لا يقبلون روايات الروافض المشهورين بالكذب عن أهل البيت. وهذا كما هو حفظ للسنة وتوثيق لها هو صون لأهل البيت مما ألصقه بهم أعداء الإسلام.
وهذا "الرافضي" يريد بدعوة أهل السنّة إلى الرجوع للأخذ من أهل البيت لأنه لا يقنعه منهج أهل السنّة في تلقي ما صح عن أئمة العلم والدين من أهل البيت، إنه يريد منهم أن يتعبدوا بحكايات الرقاع التي يزعمون أنها صدرت عن إمامهم المنتظر والذي لم يولد أصلًا، يريد منهم أن يستقوا دينهم من «الكافي» للكليني وهو يطعن في كتاب الله ويحرف آياته، ويكفر صحابة رسول الله، أي: يريد أن يتلقوا دينهم عمن يسعى في هدمه وتغييره.
وهو يريد منهم أن يرجعوا لما يجمعه الروافض من "نصوص" ينسبونها كذبًا لأهل البيت في الإمامة والعصمة والتقية والرجعة والغيبة والبداء، وإلا فإن أهل السنّة عندهم يتحملون كبر الفرقة والتباعد.
ولهذا رأينا بعض "آياتهم" وشيوخهم يجعلون من شرط التقارب أن يوافق أهل السنّة على سب صحابة رسول الله صلى الله عليهم وسلم (٢)، أي يوافق أهل السنّة على القدح في صحابته وبالتالي يرجعون لمدونات الروافض.
_________________
(١) «منهاج السنة»: (٢/١٨٠) تحقيق: رشاد سالم.
(٢) مثل: آيتهم محمد الخالصي، ومثل شيخهم مرتضي الرضوي وسيأتي نص كلامهما في مبحث "هل من طريق التقريب؟ ".
[ ٢ / ١٤٠ ]
وقد لاحظنا أن معظم أئمة أهل البيت - من غير الاثني عشر - يتعرضون في كتب الشيعة للسب والطعن والتكفير - كما مر - الإشارة لذلك (١) .
فمن الذي يتولى أهل البيت ومن الذي لا يتولاهم؟، ومن الذي يقبل مروياتهم ومن الذي يعرض عنها؟، ومن الذي يطعن فيهم بقبول مرويات الكذبة عليهم ومن الذي يصونهم ويرد هاتيك المرويات؟، ومن الذي لا يعتبر من أهل البيت غير الاثني عشر ويطعن في غالب أهل البيت؟ من غيرهم؟!!
ولا شك أن من تأمل ما نقلناه من نصوص الروافض يدرك أنهم أعداء لأهل البيت والصحابة، وإنما اتخذوا شعار التشيع لأهل البيت لترويج باطلهم.
_________________
(١) انظر: (ص ٣٦٥) من هذه الرسالة.
[ ٢ / ١٤١ ]
الباب الرابع
ويشمل:
الفصل الأول: "محاولات التقريب" عرض وتقويم.
الفصل الثاني: هل من طريق للتقريب؟.
[ ٢ / ١٤٣ ]
تمهيد:
من الطبيعي أن تقوم في المجتمع الإسلامي المحاولات الجادة الصادقة المخلصة لإصلاح كل نزاع أو اختلاف يحدث في المجتمع الإسلامي، لأن من أصول الإسلام العظيمة: الاعتصام بحبل الله جميعًا وعدم التفرق. وهو ما جاء به الكتاب، والسنة، وقام عليه إجماع الأمة. وقد ضرب الصحابة - رضوان الله عليهم - أروع الأمثلة في هذا الباب.
لكن مسألة التقريب أو الوحدة لا يمكن أن تتم على حساب العقيدة والدين.
قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (١) .
وقد سار الصحابة والتابعون لهم بإحسان يرفضون كل تقريب أو وحدة تهدف إلى المساواة بين الحق والباطل.
وكانت هناك "محاولات" لإدخال الأفكار الأجنبية، والعقائد الغريبة باسم الوحدة والتقريب في "العقيدة الإسلامية"، ويرى بعض المفكرين (٢) أن الدعوة إلى وحدة العقائد ترتد في أصولها الأولى إلى فرق غلاة الشيعة ممن حاولوا المزج والتوفيق بين العقائد الإسلامية وأنظار وأفكار استمدوها من الأديان والفلسفات الأخرى
_________________
(١) سورة الكافرون.
(٢) وهو الدكتور عرفان عبد الحميد فتاح، أستاذ الفلسفة الإسلامية المساعد بجامعتي بغداد والكويت.
[ ٢ / ١٤٤ ]
كاليهودية، والمسيحية، والمجوسية، والفلسفات اليونانية. فالتقوا في محاولتهم هذه مع ما عرف في الدوائر الغنوصية (١) من ميل إلى الجمع والتلفيق.
ثم تطورت النزعة على أيدي فرقة الباطنية من الإسماعيلية، وجماعات إخوان الصفا، والقرامطة.. (٢) .
وقد واجه أئمة المسلمين هذه المحاولات، وكشفوا باطلها.. ولا شك أن كل دعوة إلى وحدة أو تقريب إن لم تقم على هدى من كتاب الله وسنة نبيه فإنها وحدة زائفة وتقريب خادع، وكل اجتماع وائتلاف إن لم يكن اجتماعًا على هدى الله واعتصامًا بحبل الله فإن مآله الفشل. قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ) (٣)، وقال سبحانه: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (٤) .
هذا ومحاولة التقريب بين أهل السنّة والشيعة مسألة قديمة، ولم أر من عني بتسجيل وقائعها ولا دراستها، فهي متفرقة في مواضعها من كتب التاريخ، وفي كتب روادها وأصحابها، وقد أشار المستشرق "جولد تسيهر" إلى بعض المحاولات المعاصرة وأشار إلى أن التاريخ لا يعدم مثل هذه المحاولات ولم يفصل (٥) .
_________________
(١) أصل معنى الغنوص: المعرفة، والمقصود بها التوصل بنوع الكشف إلى المعارف العلياء، أو هو تذوق تلك المعارف تذوقًا مباشرًا. انظر: «نشأة الفكرة الفلسفي» للنشار: (١/١٨٦) . ويدخل في الغنوصية كل الفرق الوثنية والمجوسية مثل: الزرادشتية، والمانوية، والمزدكية وغيرها. كما تدخل فيها المذاهب الهندية: كالبراهمة والتناسخية وغيرها. راجع المصدر السابق.
(٢) «نشأة الفلسفة الصوفية وتطورها»: ص ٨٠.
(٣) آل عمران: آية ١٠٣.
(٤) النساء: آية ٥٩.
(٥) جولد تسيهر: «العقيدة والشريعة»: ص ٢٩٣.
[ ٢ / ١٤٥ ]
ونحن في هذا المبحث ليس من منهجنا الدراسة التاريخية البحتة لهذه القضية، ولكننا نعتبر هذه "الوقائع" تجارب حيّة، سنعرض لأمثلة مختارة منها بالعرض والتقويم، وهذا فيما أظن سيكون مفيدًا لرواد الإصلاح، وسيكون نافعًا في سلوك منهج أوفق وأكمل في المستقبل، فمن مجموع هذه الأمثلة قد يوجد أسلوب متكامل للتقارب وسيكون هناك رؤية واضحة، وتصور سليم لعناصر الخطأ والصواب في هذه "الوقائع" إذا نظرنا إليها من خلال دراسة أصول الفريقين التي عرضنا لها.
وتبقى هذه "الوقائع" محاولات لم تصل حتى الآن إلى مستوى حل القضية، فهل من طريق لحلها؟ هذا ما سنتحدث عنه في الفصل الذي يلي هذا الفصل.
وسنتعرض لبعض المحاولات وفق المنهج التالي:
[ ٢ / ١٤٦ ]
(١) المحاولات في القديم.
(٢) المحاولات المعاصرة:
(أ) محاولات جماعية:
١- جماعة الأخوة الإسلامية.
٢- دار الإنصاف.
٣- دار التقريب بين المذاهب الإسلامية.
(ب) محاولات فردية: ومن أمثلتها ما يلي:
١ - من السنة:
(أ) محمد عبده.
(ب) رشيد رضا.
(ج) مصطفى السباعي.
(د) موسى جار الله.
٢ - من الشيعة:
(أ) محمد الخالصي.
(ب) عبد الحسين شرف الدين الموسوي.
(ج) أحمد الكسروي.
(ج) الخميني ودولته.
[ ٢ / ١٤٧ ]
المحاولات في القديم
يرى الشيخ محمد أبو زهرة (أن الطوسي (١) كان بشخصه أول من حاول التقريب الفكري والنفسي بين طائفة الاثني عشرية وجمهور المسلمين) (٢)، بينما يرى د. محمود بسيوني فوده أن دعوة التقريب لها جذورها القديمة التي تمتد في نظره إلى القرن السادس الهجري وبالتحديد إلى شخصية الطبرسي (٣)، ويرى أن هذا الرجل أول من وضع اللبنات الأولى للتقريب بين أهل السنّة والشيعة في صورة علمية متسامحة ونفسية هادئة تركز على إزالة الهوة بين المسلمين (٤) . ويعني فودة بدعوة التقريب التي ينسبها للطبرسي هو ما سلكه في تفسيره «مجمع البيان» من تفسير لآيات القرآن معتمدًا فيه على مصادر الفريقين ومتجنبًا بعض "مظاهر الغلو" المعهودة عند الروافض في الاعتقاد والتفسير. وقد سبقه إلى هذا المنهج الطوسي في تفسيره «التبيان»، وقد اعترف الطبرسي أنه يسير على نفس أسلوب الطوسي في التفسير. فمنهجهما في هذا واحد، ومعنى ذلك أن الطوسي أسبق في هذا المجال، وأن هذا يتفق مع رأي أبي زهرة.
_________________
(١) وهو شيخ الشيعة الملقب عندهم بشيخ الطائفة، وصاحب كتابين من أصولهم الأربعة في الحديث، وكتابين من أصولهم الأربعة في الرجال (ومضى التعريف به ص ١٢٢) .
(٢) محمد أبو زهرة: «الإمام الصادق»: ص ٤٦٤.
(٣) هو شيخ الشيعة الملقب عندهم بـ "أمين الإسلام"، وصاحب تفسير «مجمع البيان» . أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (مضى التعريف به ص ٩٠.
(٤) محمود بسيوني محمد فودة: «الطبرسي مفسرًا» ص ١٠ (رسالة دكتوراه لم تنشر) .
[ ٢ / ١٤٨ ]
وقد اعترف أحد كبار شيوخ الشيعة في القديم "ابن طاوس" وأحد كبار الشيعة في العصور الأخيرة "النوري الطبرسي" (ت ١٣٢٠هـ) أن تفسير التبيان للطوسي موضوع على أسلوب التقية وعلى غاية المداراة للمخالفين - كما سبق - (١)، ومن الدليل أنه وضع على التقية أن الطوسي هذا يرفض الاحتجاج بروايات أهل السنّة، بل يرفض روايات زيد بن علي بن الحسين (وهو من كبار أئمة أهل البيت وأجمع أهل السنّة على أنه من ثقات المسلمين، ولكن الطوسي يرفض روايته (٢) لأنه ليس بجعفري، فكيف مع هذا يحتج الطوسي بروايات أهل السنّة في تفسيره «التبيان» إلا على أساس التقية ومحاولة نشر التشيع بين أهل السنّة بالاحتجاج على أصوله من روايتهم؟.
فكانت حقيقة محاولة "الطوسي" في التقريب هو نشر عقيدة "الرافضة" بين جمهور المسلمين. وفي «البحار» للمجلسي - وهو أحد مصادرهم الثمانية في الحديث - باب مستقل في النهي عن الأخذ بروايات السنّة إلا في حالة الاحتجاج عليهم (٣) . وقد سار الطبرسي على منوال الطوسي ومسلكه - كما أسلفنا (٤) -.
وإذا كان الشيخ أبو زهرة يرى أن الطوسي الرافضي كان أول من دعا للتقريب فهذا صحيح باعتبار أنه قدم منهجًا في هذا السبيل، وإلا فإن التاريخ يشير إلى حصول محاولات للتقارب بين السنّة والشيعة في القرن الخامس الهجري حدثت أثناء الصراع العنيف الذي نشب
_________________
(١) ص ٢٤٤ من هذا البحث.
(٢) انظر: ص ٣٣٨ من هذا البحث.
(٣) انظر هذا البحث: ص ٥٦.
(٤) انظر هذا البحث: ص ٢٤٥.
[ ٢ / ١٤٩ ]
بين الطائفتين في بغداد، والذي بدأ في سنة ٣٣٨هـ في ربيع الأول منها وذلك بحدوث فتنة بين أهل السنّة والشيعة (١) لأول مرة في تاريخ بغداد (٢)، ثم توالت الفتن بينهما (٣) بعد ذلك.
ومحاولات التقريب التي وقعت للقضاء على ذلك الصراع الدموي العنيف لا نعلم عن تفاصيلها شيئًا، فهي مجرد "إشارات" نقلها بعض المؤرخين. فمثلًا قال ابن كثير:
في سنة ٤٣٧ (اتفق أهل السنّة والشيعة على مواجهة اليهود في بغداد وقاموا بنهب دورهم وإحراق الكنيسة العتيقة التي لهم) (٤) ولم يفصل أكثر من ذلك، والأقرب أن هذا الاتفاق جرى من عوام الفريقين، ذلك أن صنيعهم مع أهل الكتاب لا يتفق ومبادئ الإسلام في حقوق أهل الذمة. ولكن هذا "الاتفاق" ما لبث أن انتهى سريعًا، ففي سنة ٤٣٩ (وقعت فتنة بين الروافض والسنّة ببغداد قتل فيها خلق كثير) (٥) .
لكن بعد ذلك حدث وفاق وتصالح مرة أخرى، فيذكر ابن كثير أنه في سنة ٤٤٢هـ (اصطلح الروافض والسنة ببغداد وذهبوا كلهم لزيارة مشهد علي ومشهد الحسين، وترضوا - أي الروافض - في الكرخ على الصحابة كلهم وترحموا عليهم، وصلوا في مساجد السنّة،
_________________
(١) ابن كثير: «البداية والنهاية»: (١١/٢٢١) .
(٢) عبد الرزاق الحصان: «المهدي والمهدوية»: ص ٧٤.
(٣) انظر مثلًا: حوادث سنة ٤٠٦، ٤٠٨، ٤٢١، ٤٢٢، ٤٢٥، ٤٣٩، ٤٤٣، ٤٤٤، ٤٤٥، ٤٤٧، ٤٧٨، ٤٨١، ٤٨٢، ٤٨٦، ٥١٠. في «البداية والنهاية» وغيرها.
(٤) ابن كثير: «البداية والنهاية»: (١٢/٥٤) .
(٥) المصدر السابق: (١٢/٥٦) .
[ ٢ / ١٥٠ ]
وتواد الفريقان وتحابوا (١) . قال ابن كثير: وهذا عجيب جدًا إلا أن يكون من باب التقية) (٢) .
وأقول: إن الدليل على أنه تقية أنه بعد ذلك بسنة واحدة - أي في سنة ٤٤٣ - قام الروافض ونصبوا أبراجًا وكتبوا عليها بالذهب: (محمد وعلي خير البشر فمن رضي فقد شكر ومن أبى فقد كفر) (٣) . وهذا تكفير لمن قدم الخلفاء الثلاثة على علي وهم صحابة رسول الله - ﷺ -، وتنزيل لعلي - ﵁ - منزلة أفضل الرسل والأنبياء. فبسبب صنيع الرافضة هذا اشتعلت الفتنة بين الفريقين ووقعت الحرب بينهما (٤) .
ثم عاد التصالح بين الفريقين مرة ثالثة، وأشار إلى ذلك بعض المؤرخين بقوله: وفي سنة ٤٨٨هـ (اصطلح أهل الكرخ من الرافضة والسنّة مع بقية المحال، تزاوروا وتواصلوا وتواكلوا وكان هذا من العجائب) (٥) .
هذا ما ذكرته كتب التاريخ التي اطلعنا عليها من حوادث الوفاق والتآلف، وكانت هذه "المحاولات" في خضم الأحداث الكبيرة العنيفة من الصراع بين الطائفتين أشبه ما تكون بومضة برق في ليل
_________________
(١) المصدر السابق: (١٢/٥٦)، وراجع: ابن الجوزي: «المنتظم»: (٨/١٤٥)، الذهبي: «العبر»: (٣/١٩٩) .
(٢) ابن كثير: «البداية والنهاية»: (١٢/٦١)، وقال الذهبي معلقًا على هذا الاتفاق: (وهذا شيء لم يعهد من دهر) . الذهبي: «العبر»: (٣/١٩٩) .
(٣) ، (٤) انظر ابن الجوزي: «المنتظم»: (٨/١٤٩)، ابن كثير: «البداية والنهاية»: (١٢/٦٢) .
(٤) ابن الجوزي: «المنتظم»: (٩/٨٧)، ابن كثير: «البداية والنهاية»: (١٢/١٤٩) .
[ ٢ / ١٥١ ]
بهيم، ما تلبث أن تنتهي. ونقول - من غير تحيز أو تعصب - بأن أسباب الصراع والفتن - في الغالب - مصدره وسببه الروافض نتيجة لسبهم وتكفيرهم للصحابة في مآتمهم السنوية "عاشوراء"، وهذا واضح لمن يستقرئ التاريخ.. فكان استفزازهم لأهل السنّة و"شنائعهم" تقضي على كل محاولة "وفاق".
وإذا كان ما مضى ذكره من محاولات كانت - كما يظهر - تتم عن طريق "القاعدة الشعبية"، فإن هناك بعض المحاولات عن طريق "القمة" أو "القيادة السياسية"، ومن ذلك ما قام به "المأمون" من توليته العهد "لعلي الرضا" (١)، والذي يزعم التشيع له وأتباعه طوائف من الروافض وغيرهم (٢) . وذلك أن المأمون رأى أن عليًا الرضا خير أهل البيت - يعني في زمنه - وليس في بني العباس مثله في علمه ودينه (٣)، فقلده ولاية العهد، وقد يكون في صنيع المأمون لو تحققت نتيجته امتصاصًا للنقمة، وتحقيقًا للمودة من قطاع كبير يزعم أحقية "الرضا" للخلافة وتفويتًا للفرصة أمام الأعداء الذين يستغلون دعوى التشيع لأهل البيت من أجل تحقيق أغراض لهم ضد
_________________
(١) علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي العلوي الملقب بالرضا، وقد روى الحديث عن أبيه وغيره وعنه جماعة منهم أبو الصلت الهروي وأبو عثمان المازني. قال ابن المسعاني: والخلل في رواياته من رواته، فإنه ما روى عنه إلا متروك. توفي بطوس سنة ٢٠٣هـ. انظر: السمعاني: «الأنساب»: (٦/١٤٠)، ابن تيمية: «منهاج السنّة»: (٢/١٥٥) وما بعدها ط ١، ابن كثير: «البداية والنهاية»: (١٠/٢٥٠)، الذهبي: «الكاشف»: (٢/٢٩٦) .
(٢) وكان توليته العهد يوم الإثنين لسبع خلون من شهر رمضان سنة ٢٠١هـ. انظر: «تاريخ خليفة بن خياط»: ص ٤٧٠، «تاريخ اليعقوبي»: (٢/٤٤٨)، «تاريخ الطبري»: (١٠/٢٤٣)، ابن كثير: «البداية»: (١٠/٢٤٧) .
(٣) ابن كثير: «البداية والنهاية»: (١٠/٢٤٧) .
[ ٢ / ١٥٢ ]
الإسلام والمسلمين، ولكن وفاة الرضا (ت ٢٠٣هـ) حالت دون ذلك. وقيل إنه مات مسمومًا (١) .
لكن أكبر محاولة وأهمها للتقريب على أساس اتباع الحق هو ما حدث بين الطائفتين في القرن الثاني عشر في اجتماع بين ممثلي الطائفتين برئاسة علامة العراق "عبد الله السويدي" وإشراف وتدبير "نادر شاه" (٢)، وهو ما سنتحدث عنه فيما يلي:
مؤتمر النجف:
وصفه محب الدين الخطيب بأنه (أعظم مؤتمر عقد في تاريخ المسلمين للتفاهم بين الشيعة وأهل السنّة المحمدية) (٣)، وقال أنه: (كان الأول من نوعه في المجتمع الإسلامي) .
وأحداث هذا المؤتمر تضمنتها مذكرات علامة العراق عبد الله السويدي والتي سماها: «النفحة المسكية في الرحلة المكية» والتي لا تزال مخطوطة (٤)، كما تضمنها كتاب ابنه "عبد الرحمن بن عبد الله
_________________
(١) السمعاني: «الأنساب»: (٦/١٣٩)، وزعم الروافض أن المأمون دس له السم. انظر: عباس الموسوي: «الموجز من حياة أئمة أهل البيت»: ص ٩١.
(٢) نادر شاه: نادر قولي تسمى بنادر طهماسب قولي خان تيمنا، وهو مؤسس أسرة أفغار. عرف بالشجاعة الفائقة، وترقى في رتب الجيش وعلا مقامه بانتصاراته على الأفغانيين والترك. في عهد الأسرة الصفوية جعل نفسه شاه فارس عند وفاة عباس آخر عاهل في هذه الأسرة، وتوفي سنة ١٧٤٧، وكانت ولادته سنة ١٦٨٨م. «الموسوعة العربية الميسرة»: ص ١٨١٤، بروكلمان: «تاريخ الشعوب الإسلامية»: ص ٥٢٥.
(٣) مجلة «الفتح»: المجلد ١٧، ص ٦٦٥.
(٤) يوجد منه نسخة في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة رقم (٢٦٩) .
[ ٢ / ١٥٣ ]
السويدي" والمسمى: «حديقة الزوراء في سيرة الوزراء» أو «تاريخ بغداد» في القسم الذي لم يطبع من الكتاب (١)، وقد أفردت أحداث هذا المؤتمر (من مذكرات السويدي) بكتاب سُمّي: «الحجج القطعية لاتفاق الفرق الإسلامية»، وطبعته مطبعة السعادة بالقاهرة عام ١٣٢٣هـ، ثم نشره محب الدين الخطيب باسم «مؤتمر النجف» ١٣٦٧هـ، وكان قد نشره قبل ذلك على صفحات مجلة «الفتح» بعنوان أعظم مؤتمر في تاريخ المسلمين للتفاهم بين الشيعة وأهل السنة المحمدية (٢) .
وفيما يلي: تعريف بالشيخ السويدي عماد هذا المؤتمر، وتلخيص وعرض لأهم أحداثه ومقرراته (٣) .
_________________
(١) يوجد منه نسخة مصورة في معمل التاريخ بكلية اللغة العربية بالرياض، لا تحمل رقمًا ولا إشارة لجهة تصويرها.
(٢) ثم طبع بعد ذلك بمطبعة البصرى ببغداد، ثم طبعته المطبعة السلفية بالقاهرة مع الخطوط العريضة.
(٣) وكنت قد رأيت إخراجه محققًا ضمن صفحات هذا البحث، إلا أن المشرف اقترح علي العدول عن هذه الفكرة والاكتفاء بتلخيص أحداثه.
[ ٢ / ١٥٤ ]
ترجمة السويدي:
هو أبو البركات عبد الله بن حسين بن مرعي بن ناصر الدين الدوري (١) السويدي (٢)، ولد في بغداد عام أربع ومائة وألف (٣) وقد تلقى العلم على طائفة من علماء العراق والحجاز والشام.
وقد امتدحه السيد محمود شكري الألوسي بأنه: (شيخ البسيطة على الإطلاق، وزين الشريعة بالإجماع والاتفاق) (٤)، وقال عنه أيضًا: (كان رحمه الله تعالى شيخ المعارف وإمامها والآخذ بيد زمامها..) (٥) . وله ﵀ من المؤلفات: «شرح جليل على صحيح الإمام البخاري»، وكتاب «المحاكمة بين الدماميني والشمني فيما كتباه على مغني اللبيب»، و«النفحة المسكية»، و«الأمثال السائرة» وغيرها.
وقد كان له ﵀ مع بعض علماء الشيعة - في غير هذا المؤتمر - مباحثات ومناظرات فكان ينقطع معه الخصم، ولا يواجه حججه وبراهينه. قد ذكر بعض هذه المناظرات والمباحثات ابنه عبد الرحمن السويدي (٦) في «تاريخ بغداد»، ولولا خشية الخروج
_________________
(١) الدوري نسبة إلى "الدور" قرية شرقي دجلة على شاطئها فوق سر من رأى. «النفحة المسكية» مخطوط: ص ٣.
(٢) سمي بالسويدي نسبة إلى عمه (أخو أبيه من الأم) أحمد بن سويد الذي كفله بعد وفاة أبيه. (توفي أبوه وكان عمره خمس سنوات) . انظر «النفحة المسكية»: ص ٣، ٤.
(٣) السويدي: «النفحة المسكية»: ص ٣.
(٤) «المسك الأذفر»: ص ٦١.
(٥) محمود شكري الألوسي: «المسك الأذفر»: ص ٦١ وما بعدها.
(٦) انظر ترجمته في: «سلك الدرر»: (٢/٣٣٠)، «المسك الأذفر»: ص ٦٥، وانظر «معجم المؤلفين»: (٥/١٤٩) .
[ ٢ / ١٥٥ ]
عن المقصود لنقلنا شيئًا من ذلك (١) .
وقال العلامة محمود شكري الألوسي أيضًا - عما قام به السويدي في المؤتمر -: (وله مناقب لا تعد ولا تحصى ولا يدرك أدناها ولا يستقصى، منها تشييده للشريعة الأحمدية وتأييده للسنة النبوية، وذلك حين مجيء نادر شاه إلى سواد العراق مع جم غفير من الأعاجم ذوي النفاق والشقاق، فلم تزل الرسل تختلف بينه وبين الوزير أحمد باشا والي بغداد والمراسلات تتوارد بين الطرفين أي إيراد، إلى أن آل الأمر أن طلب الشاه الإقرار بصحة مذهب الاثني عشرية ورفض مذهب أهل السنة بالكلية، فأرسل الوزير المشار إليه الشيخ المترجم - يعني به عبد الله السويدي - إلى مباحثتهم فأخمد الله تعالى على يده نيران ضلالتهم وألبسهم ثوب الخزي بين عامتهم، فلما علموا أنه بحر علم لا يمكن الوصول إلى أصله صاروا له أطوع من شراك نعله فسعى بالصلح بين الدولتين فحاز الفخار والنجح ورفع يومئذ سب الصحابة الكرام وحصل له من الشاه المشار إليه غاية التعظيم والاحترام، فصار الشاه سنيًا بعد أن كان شيعيًا، فأحيا السنة السنية بعد ما كاد يعتريها أفول وحقن دماء الشبان والشيوخ والكهول.
ورفع عن أهل السنة أعظم المصائب.. ولعمري إنها لنعمة يجب شكرها على عموم أهل السنّة.
_________________
(١) انظر: «تاريخ بغداد» أو «حديقة الزوراء»: عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين: (ص ٧٥ - ٧٩) .
[ ٢ / ١٥٦ ]
وقد توفي ﵀ يوم السبت حادي عشر شوال سنة أربع وسبعين ومائة وألف (١) .
مؤتمر النجف:
في يوم الخميس ٢٥ شوال سنة ١١٥٦ عقد في النجف، وفي الموضع الذي تحت المسقف الذي وراء الضريح المنسوب إلى الإمام علي - ﵁ - عقد هذا المؤتمر برئاسة علامة العراق عبد الله السويدي وبحضور مجتهدي الشيعة في إيران والنجف وعلماء من أهل السنّة والجماعة في أردلان (٢) والأفغان وما وراء النهر (٣)، فمن إيران حضر نحو سبعين عالمًا (ما فيهم سني إلا مفتي أردلان (٤)، وعلى رأس شيوخ الروافض عظيمهم الديني الملاباشي علي أكبر وحضر علماء الأفغان وهم سبعة، وعلماء ما وراء النهر وهم سبعة أيضًا.
وكان "نادر شاه" وهو أعظم ملوك إيران في العصور الأخيرة (٥) يرعى هذا المؤتمر ويراقب أعماله.
وقد اجتمع للاستماع "لوقائع المؤتمر" أعداد كبيرة من
_________________
(١) انظر: المرادي: «سلك الدرر»: (٣/٨٤ - ٨٦)، وانظر: «المسك الأذفر» محمود شكري الألوسي: ص ٦٢، ٦٣.
(٢) ولاية من ولايات إيران الغربية.
(٣) ما وراء النهر: يراد به ما وراء نهر جيحون بخراسان، فما كان في شرقيه يقال له، بلاد الهياطلة وفي الإسلام سموه ما وراء النهر، وما كان في غربيه فهو خراسان وولاية خوارزم. «معجم البلدان»: (٥/٤٥) .
(٤) وهو كما ذكره السويدي: السيد أحمد المفتي الشافعي بأردلان.
(٥) بايعه الإيرانيون بالملك سنة ١١٤٧هـ.
[ ٢ / ١٥٧ ]
العجم والعرب والتركستان (١) . قال السويدي: (أنه يبلغ عددهم نحو الستين ألفًا) (٢) .
وكان انعقاد هذا المؤتمر بعد أحداث دامية جرت على يد "نادر شاه" حيث قام بالاستيلاء على الهند وتركستان وبخارى (٣) وبلخ (٤) وأصفهان (٥) فأطاعته الأفغان والتركستان، كما أن جميع أهل إيران أطاعوه وكان له مع الدولة العثمانية حروب ومواقف وحاصر بغداد والبصرة وكركوك (٦) وغيرها (٧) فصارت مملكته كما تضم الشيعة تضم سنّة، فكان الصراع الذي يحدث بين السنّة والشيعة في مملكته هو الذي حدا بنادر شاه لعقد هذا المؤتمر للتفاهم بين الطائفتين، وهذا ما صرح به نادر شاه للسويدي في قوله له: أتدري لم أردتك؟ قال السويدي: لا. فقال نادر:
إن في مملكتي فرقتين تركستان وأفغان يقولون للإيرانيين: (أنتم كفار)، فالكفر قبيح ولا يليق أن يكون في مملكتي قوم يكفر بعضهم بعضًا، فالآن أنت وكيل من قبلي ترفع جميع المكفرات وتشهد على الفرقة الثالثة بما يلتزمونه، وكل ما رأيت أو سمعت تخبرني وتنقله لأحمد
_________________
(١) تركستان: هو اسم جامع لجميع بلاد الترك. «معجم البلدان»: (٢/٢٣) .
(٢) انظر: «مؤتمر النجف» مع «الخطوط العريضة»: (ص ٨٩ - ٩٠) .
(٣) بخارى: بالضم من أعظم مدن ما وراء النهر. «معجم البلدان»: (١/٣٥٣) .
(٤) بلخ: مدينة مشهورة بخراسان. «معجم البلدان»: (١/١٩) .
(٥) أصفهان: بالفاء لغة أهل المشرق، وأصبهان - بالباء لغة أهل المغرب. انظر: «شرح النخبة» للملا علي القاري: ص ١٠، وهي بكسر أوله مدينة معروفة من بلاد فارس. «معجم ما استعجم»: (١/٦٣) .
(٦) كركوك: إحدى مدن العراق.
(٧) «مؤتمر النجف»: (ص ٦٦- ٦٧) بتصرف.
[ ٢ / ١٥٨ ]
خان (١) ويذكر السويدي أنه قيل له قبل شخوصه إلى «نادر شاه» أنه يعني «نادر شاه» - يريد عالمًا مع علماء يبحث مع العجم في شأن مذهب الشيعة ويقيم الدلائل على بطلانه، والعجم يقيمون الدلائل على صحته فإن غلب عالمنا يجب أن يقر ويصدق المذهب الخامس (٢) .
ويذكر السويدي أنه حينما كلف بهذه المهمة كان وقع التكليف عليه شديدًا، حتى إنه يقول أنه (وقف شعري وارتعدت فرائصي) (٣)، وسبب ذلك أنه يرى أن الروافض أهل عناد ومكابرة ولا سيما أنهم في عز من أمرهم، وأن السبيل للتفاهم معهم عسير لعدم الالتقاء معهم في مصادر التلقي، (كيف تحصل المباحثة معهم وهم ينكرون كل حديث عندنا فلا يقولون بصحة الكتب الستة ولا غيرها، وكل آية احتج بها يؤولونها ويقولون: الدليل إذا تطرقه الاحتمال يبطل به الاستدلال، كما أنهم يقولون: شرط الدليل أن يتفق عليه الخصمان (٤» لهذا فإنه طلب الإعفاء من هذه المهمة وتكليف عالم آخر بهذا الأمر، فلم يوافق على طلبه (٥) فعزم وتوكل على الله..
ويذكر أنه في مسيره كان يفكر كثيرًا ويصور المسائل والدلائل من الطرفين ويتخيل أجوبتها حتى قال: (إني صورت أكثر من مائة دليل وعلى كل
دليل جعلت جوابًا أو جوابين أو ثلاثة على حسب
_________________
(١) المصدر السابق: (ص ٧٦- ٧٧) .
(٢) المصدر السابق: ص ٦٩.
(٣) ، (٤) «مؤتمر النجف»: السويدي: ص ٦٩.
(٤) «مؤتمر النجف»: ص ٧٠.
[ ٢ / ١٥٩ ]
الشبه ومظنتها..) (١)، وكان يرتب الخطط ويضع "التدابير". وقبل انعقاد هذا الاجتماع وبعده كان للسويدي جلسة مباحثة مع كبير مجتهدي الشيعة "الملاباشي" استطاع السويدي أن يقيم عليه الحجة، وذلك بإثارته لثلاث مسائل لا تملك الشيعة عليها جوابًا مقنعًا: وسنوردها "بنص السويدي":
الأولى والثانية: (وهذه جلسة ما قبل المؤتمر) قول السويدي لكبير شيوخ الشيعة: (أريد أن أسألك عن مسألتين لا تستطيع أهل الشيعة الجواب عنهما.
فقال: وما هما؟
قلت: الأولى: كيف حكم الصحابة عند الشيعة؟
فقال: ارتدوا إلا خمسة: عليًا، والمقداد، وأبا ذر، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، حيث لم يبايعوا عليًا على الخلافة.
قلت: إن كان الأمر كذلك فكيف زوّج علي بنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب؟
فقال: إنه مكره (٢) .
قلت: والله إنكم اعتقدتم في علي منقصة لا يرضى بها أدنى العرب، فضلًا عن بني هاشم الذين هم سادات العرب وأكرمها
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٧١.
(٢) وهذا ما جاء في كتبهم الحديثية المعتبرة وعقدوا له بابًا بعنوان (باب مناكحة الناصب عند الضرورة والتقية)، ومما جاء فيه عن أبي عبد الله (في تزويج أم كلثوم فقال: (إن ذلك فرج غصبناه) . انظر: «الوسائل»: (٧/٤٣٣)، و«فروع الكافي»: (٢/١٠)، وكيف يتفق هذا «التفسير» مع أحاديثهم الكثيرة في وصف شجاعة علي - ﵁ - وبطولته وأن الإسلام لم يقم إلا بسيفه ؟!!!.
[ ٢ / ١٦٠ ]
أرومة.. وأعلاها نسبًا وأعظمها مروءة وحمية..، وإن أدنى العرب يبذل نفسه دون عرضه، ويقتل دون حرمه، ولا تعز نفسه على حرمه وأهله. فكيف تثبتون لعلي - وهو الشجاع الصنديد، ليث بني غالب، أسد الله في المشارق والمغارب - مثل هذه المنقصة التي لا يرضى بها أجلاف العرب؟ بل كم رأينا من قاتل دون عياله فقتل (١) .
قال: يحتمل أن تكون زفت لعمر جنية تصورت بصورة أم كلثوم (٢)؟
قلت: هذا أشنع من الأول فكيف يعقل مثل هذا؟! ولو فتحنا هذا الباب لانسدت جميع أبواب الشريعة، حتى لو أن الرجل جاء إلى زوجته لاحتمل أن تقول: أنت جني تصورت بصورة زوجي فتمنعه من الإتيان إليها، فإن أتى بشاهدين عدلين على أنه فلان، لاحتمل أن يقال فيهما أنهما جنيان تصورا بصورة هذين العدلين وهلمّ جرا..
ويحتمل أن يقتل الإنسان أحدًا أو يدعي عليه بحق، فله أن يقول: ليس المطالب أنا في هذه الحادثة، بل يحتمل أن يكون جنيًا تصور بصورتي، ويحتمل أن يكون جعفر الصادق الذي تزعمون أن عبادتكم موافقة لمذهبه جنيًا تصور بصورته، وألقي إليكم هذه الأحكام الثابتة.
_________________
(١) والأئمة في اعتقاد الشيعة لا يموتون إلا باختيار منهم فهم آمنون. وقد عقد الكليني في «أصول الكافي» بابًا في هذا هو (باب أن الأئمة ﵈ يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم) وأورد فيه ثمانية أحاديث من أحاديثهم. «الكافي»: (١/٢٥٨) .
(٢) في كتاب «الهفت الشريف» - وهو من كتب الباطنية مثل هذا التفسير الخرافي - في الباب الثالث والعشرين (في معرفة تزويج أم كلثوم في الباطن): ص ٨٤ وما بعدها. وكذلك يوجد هذا التفسير الخرافي عند الإمامية الاثني عشرية. انظر: «الأنوار النعمانية»: (١/٨٣- ٨٤) .
[ ٢ / ١٦١ ]
المسألة الثانية: ثم قلت له: ما حكم أفعال الخليفة الجائر؟ هل هي نافذة عند الشيعة؟
فقال: لا تصح ولا تنفذ.
فقلت: أُنشدك الله من أي عشيرة أم محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب؟
فقال: من بني حنيفة.
فقلت: من سبي بني حنيفة؟
قال: لا أدري (وهو كاذب) .
قال بعض الحاضرين من علمائهم: سباهم أبو بكر - رضي الله تعالى عنه -.
فقلت: كيف ساغ لعلي أن يأخذ جارية من السبي، ويتولدها، والإمام - على زعمكم - لا تنفذ أحكامه لجوره، والاحتياط في الفروج أمر مقرر!
فقال: لعله استوهبها من أهلها، يعني زوجوه بها.
قلت: يحتاج هذا إلى دليل. فانقطع والحمد لله (١) .
المسألة الثالثة: (وجرى البحث فيها بعد نهاية المؤتمر) .
يقول السويدي: واجتمعت مع الملاباشي عصر يوم الجمعة (٢) وتذاكرنا في خصوص مذهب الجعفرية (مذهب جعفر الصادق) .
فقلت: إن المذهب الذي تتعبدون عليه باطل، لا يرجع إلى اجتهاد مجتهد.
_________________
(١) السويدي: (ص ٨٦- ٨٨) .
(٢) الموافق ٢٦ شوال من سنة ١١٥٦هـ.
[ ٢ / ١٦٢ ]
فقال: هذا هو اجتهاد (١) جعفر الصادق.
فقلت: ليس لجعفر الصادق فيه شيء، وأنتم لا تعرفون مذهب جعفر الصادق.
فإن قلتم: إن في مذهب جعفر الصادق تقية، فلا أنتم ولا غيركم يعرف مذهبه لاحتمال كل مسألة أن تكون تقية، فإنه بلغني عنكم أنه له في البئر إذا وقعت فيها نجاسة ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه سئل عنها فقال: هي بحر لا ينجسه شيء. ثانيها: أنها تنزح كلها. ثالثها: ينزح منها سبعة دلاء أو ستة.
فقلت لبعض علمائكم: كيف تصنعون بهذه الأقوال الثلاثة؟ فقال: مذهبنا أن الإنسان إذا صارت له أهلية الاجتهاد يجتهد في أقوال جعفر الصادق فيصحح واحدًا منها.
فقلت: وما يقول في الباقي؟
قال: يقول إنها تقية.
فقلت: إذا اجتهد واحد فصحح غير هذا القول فما يقول في القول الذي صححه المجتهد الأول؟
فقال: يقول إنها تقية.
فقلت: إذن ضاع مذهب جعفر الصادق؛ إذ كل مسألة تنسب له يحتمل أن تكون تقية، إذ لا علامة تميز بين ما هو للتقية وبين غيره. فانقطع ذلك العالم.. فما جوابك أنت؟ فانقطع هو أيضًا (٢) .
_________________
(١) هذا التعبير لا يتفق وطبيعة اعتقاد الشيعة في كلام جعفر، ذلك أن جعفر وسائر الأئمة عندهم هم مشروعون لا مجتهدون، وقولهم كقول الرسول - ﷺ - في اعتقادهم.
(٢) ولهذا قرر شيخهم صاحب الحدائق بأنهم - بسبب التقية - لا يعلمون من أحكام دينهم إلا القليل، حيث قال: «فلم يعلم من أحكام الدين على اليقين إلا القليل لامتزاج أخباره بأخبار التقية كما قد اعترف بذلك ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، حتى أنه تخطأ العمل بالترجيحات المروية عند تعارض الأخبار والتجأ إلى مجرد الرد والتسليم للأئمة الأبرار» [الحدائق/ يوسف البواني: ١/٥] .
[ ٢ / ١٦٣ ]
ثم قلت له: فإن قلتم: (ليس في مذهب جعفر الصادق تقية)، فهو ليس المذهب الذي أنتم عليه لأنكم كلكم تقولون بالتقية (١) .
فانقطع الملابشي: ثم ذكرت له دلائل غير هذا تدل على أن الذي في أيديهم ليس بمذهب جعفر الصادق.
المؤتمر في يومه الأول:
اجتمع العلماء من السنة ومن الشيعة وقد ذكر السويدي معظم أسمائهم، وحضر للاستماع لما يقع حشد كبير من العرب والعجم والتركستان - كما أسلفنا - وكانت "أحداث" الاجتماع تنقل لنادر شاه بواسطة مخبرين كل لا يعلم عن صاحبه، فلا ينقل إليه إلا الواقع.
وفي هذا الاجتماع قرر علماء الشيعة ومجتهدوهم جميعًا وعلى رأسهم كبير مجتهديهم الملاباشي أنهم ينزلون على مذهب أَهل السنّة في الصحابة فقالوا على لسان "الملاباشي" - كما يذكر السويدي - الصحابة، كلهم عدول رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأَفضل الخلق بعد النبي - ﷺ - أَبو بكر بن أَبي قحافة، فعمر بن الخطاب، فعثمان بن عفان، فعلي بن أَبي طالب - ﵃ - وأَن خلافتهم على هذا الترتيب الذي ذكرناه في تفضيلهم.
_________________
(١) انظر: باب التقية في «أصول الكافي»: (٢/٢١٧) وراجع مبحث التقية فيما سبق، وقد ورد في دواوينهم المعتبرة أَحاديث في مدح الصحابة، وفي مدح علي - ﵁ - لعمر، كما وردت نصوص في تحريم المتعة وفي غسل الرجلين وأَن عليًّا غسل رجليه إِلخ. وهذه كلها تختلف مع أُصولها ولهذا حملوها على التقية بلا دليل، ومن يراجع على سبيل المثال كتاب «التهذيب» أو «الاستبصار» - كلاهما للطوسي - يرى أحاديثًا كثيرة خالفت أُصولهم ولم يجد الطوسي لها تأويلًا غير حملها على التقية.
[ ٢ / ١٦٤ ]
وقالوا عن المتعة: هي حرام لا يقبلها إِلا السفهاء منا.
ووافقوا على أَن لا يحلوا حرامًا معلومًا من الدين بالضرورة وحرمته مجمع عليها، ولا يحرموا حلالًا مجمعًا عليه معلومًا حله بالضرورة.. وبعد هذا الاعتراف والرجوع: قاموا كلهم وتصافحوا، ويقول أَحدهم للآخر: أَهلًا بأَخي، ثم انقضى المجلس قبيل المغرب من يوم الأَربعاء لأَربع وعشرين خلون من شوال من عام ١١٥٦هـ.
المؤتمر في يومه الثاني (الخميس ٢٥ شوال ١١٥٦هـ) (١):
وجرى فيه تلاوة ما صيغ من مقررات المؤتمر في يومه الأَول، ذلك أَن نادر شاه قد أَمرهم أَن يكتبوا جميع ما قرروه والتزموه - في اليوم الأَول - في رقعة وأَن يحضروا في اليوم الثاني وفي نفس المكان لتلاوة ما اتفقوا عليه والتصديق على ذلك من الجميع.
وكانت "جريدة المقررات" مكتوبة في اللغة الفارسية، وقد أَمر الملا باشي مفتي الركاب أَقا حسين أَن يقرأَها قائمًا على رؤوس الأَشهاد، وكان مضمونها:
إِن الله اقتضت حكمته إِرسال الرسل فلم يزل يرسل رسولًا بعد رسول حتى جاءت نبوة نبينا محمد المصطفى - ﷺ -.
ولما توفي - وكان خاتم الأَنبياء والمرسلين - اتفقت الأصحاب ﵃ على أَفضلهم، وخيرهم، وأَعلمهم: أَبي بكر
_________________
(١) السويدي: (ص ٩١-٩٤) باختصار.
[ ٢ / ١٦٥ ]
الصديق بن أبي قحافة - رضي الله تعالى عنه - فأَجمعوا واتفقوا على بيعته، فبايعه كلهم حتى الإمام علي بن أَبي طالب بطوعه واختياره من غير جبر ولا إكره، فتمت له البيعة والخلافة وإجماع الصحابة ﵃ حجة قطعية، وقد مدحهم الله في كتابه المجيد فقال: (والسابقون الأًَولون من المهاجرين والأَنصار «١) الآية وقال الله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إِذ يبايعونك تحت الشجرة «٢) الآية وكانوا إِذ ذاك سبعمائة صحابي وكلهم حضروا بيعة الصديق.
ثم عهد أَبو بكر الصديق بالخلافة لعمر بن الخطاب فبايعه الصحابة كلهم حتى الإِمام علي بن أَبي طالب، ثم إِن عمر (جعل الخلافة شورى بين ستة أَحدهم علي بن أَبي طالب فاتّفق رأيهم على عثمان بن عفان، ثم استشهد عثمان في الدار ولم يعهد، فبقيت الخلافة شاغرة، فاجتمع الصحابة في ذلك العصر على علي بن أَبي طالب.
وكان هؤلاء الأَربعة في مكان واحد وفي عصر واحد ولم يقع بينهم تشاجر ولا تخاصم ولا نزاع، بل كان كل منهم يحب الآخر ويمدحه ويثني عليه.. فاعلموا أَيها الإِيرانيون أَن فضلهم وخلافتهم على هذا الترتيب فمن سبهم أَو انتقصهم فماله وولده وعياله ودمه حلال للشاه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وكنت (الضمير يعود لنادر شاه) شرطت عليكم حين المبايعة في صحراء مغان عام ١١٤٨ رفع السب، فالآن رفعته فمن سب قتلته وأَسرت أَولاده وعياله وأَخذت أَمواله. ولم يكن في نواحي إِيران
_________________
(١) التوبة: آية ١٠٠.
(٢) الفتح: آية ١٨.
[ ٢ / ١٦٦ ]
ولا في أَطرافها سب ولا شيء من هذه الأُمور الفظيعة، وإِنما حدثت أَيام الخبيث الشاه إِسماعيل الصفوي (١) ولم يزل أَولاده يقتفون أَثره حتى كثر السب وانتشرت البدع واتسع الخرق، منذ عام ثمانمائة وسبعة وخمسين، فيكون لظهور هذه القبائح قرابة ثلاثمائة سنة.
ويلي هذا الكلام الصادر من الشاه والمكتوب في الرقعة - يلي ذلك تعهد على لسان الإِيرانيين ومضمونه:
(أَنا قد التزمنا رفع السب وأَن الصحابة فضلهم وخلافتهم على هذا الترتيب الذي هو في الرقعة، فمن سب منا أَو قال خلاف ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أَجمعين..) .
ويلي ذلك الكلام السابق نفسه موضوع على لسان أَهل النجف، وكربلاء والحلة (٢) والخوارزم (٣) .
ويلي ذلك تعهد من الأَفغانيين (السنّة) ومضمونه:
(أَن الإِيرانيين إذا التزموا ما قرروه ولم يصدر منهم خلاف ذلك فهم من الفرق الإِسلامية، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم) ثم يلي ذلك الكلام السابق نفسه موضوع على لسان علماء ما وراء النهر "السنّة".
ثم صادق الجميع على ما جاء في الرقعة، كل وضع "خاتمه" تحت
_________________
(١) وهو الذي أَعلن - لأول مرة - في سنة ٩١٦هـ أَن المذهب الرسمي لإيران هو مذهب الشيعة.
(٢) تقع مدينة الحلة على بعد ٦٤ ميلًا إِلى الجنوب الغربي من بغداد.. «دائرة المعارف الشيعية»: (٣/٣٧) .
(٣) خوارزم: بضم أَوله، وبالراء المهملة المكسورة من بلاد خراسان. «معجم ما استعجم»: (٢/٥١٥) .
[ ٢ / ١٦٧ ]
الكلام الذي يخصه، ثم كتب السويدي شهادته على الجميع ونصها: (شهدت على الفرق الثلاث بما قرروه والتزموه وأَشهدوني عليهم) ثم وضع خاتمه تحت اسمه.
يقول السويدي عن هذه النتيجة للمؤتمر: (وكان الوقت وقتًا مشهودًا من عجائب الدنيا، وصار لأَهل السنّة فرح وسرور لم يقع مثله في العصور ولا تشبهه الأَعراس والأَعياد والحمد لله على ذلك) .
ويقول "نادر شاه": (كم جهز العثمانيون من عساكر.. ليرفعوا سب الصحابة فلم يوفقوا إِليه وأَنا ولله الحمد رفعته بسهولة)، ويقول: (وأَنا لي منّة على جميع المسلمين حيث أَني رفعت السب عن الصحابة وأَرجو أَن يشفعوا لي) . وفي نهاية المؤتمر أَصبح ذكر الصحابة ومناقبهم ومفاخرهم في كل خيمة وعلى لسان الأَعاجم كلهم، بحيث يذكرون لأبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله تعالى عنهم - مناقب وفضائل يستنبطونها من الآيات والأحاديث مما يعجز عنه فحول أَهل السنّة ومع ذلك يسفهون رأي العجم والشاه إِسماعيل في سبهم.
وفي يوم الجمعة (٢٦ شوال ١١٥٦هـ) أُقيمت صلاة الجمعة في جامع الكوفة، وفي الخطبة ترضى الخطيب على الخلفاء الأَربعة على الترتيب، وعلى بقية الصحابة والقرابة، ولكنه صلى صلاة خارجة عن المذاهب الأَربعة فأُخبر الشاه بذلك فغضب وأَمر برفع جميع ما شذت به الشيعة حتى السجود على التراب.
ثم لم يلبث نادر شاه أَن توفي وحالت وفاته دون استثمار نتائج المؤتمر.
[ ٢ / ١٦٨ ]
تقويم مؤتمر النجف:
(أ) لا شك أن هذا المؤتمر يشكل نصرًا لأهل السنّة، وإعلاء لكلمة الحق، وهو برهان عملي على أن الباطل لا يستطيع الوقوف أمام الحق إذا كان القول الفصل للحجة والبرهان لا للتعصب الأعمى أو السلطة الغاشمة.
(ب) أن المنهج الذي سلكه السويدي لإقامة الحجة على الشيعة هو منهج فريد، ينبغي أن يُفاد منه في الردود على الروافض وأن يكون نواة لدراسة أكمل وأشمل على نفس النهج.
(ج) اكتفى المؤتمر في مقرراته برفع سب الصحابة من الألسن ولم يتعرض لطلب رفع ما تحويه كتب الشيعة من طعن وسب وتكفير.
ولا شك أن الأصل أن ترفع تلك الكلمات اللاعنة الطاعنة في خير جيل عرفته الإنسانية من الكتب المعتمدة عند القوم، لأنها هي التي يصدرون عنها في عقائدهم وأقوالهم، وما السب بالألسن إلا ثمرة عملية للتلقي والتربي على هذه المصادر. وهي التي تؤجج نيران الحقد والبغضاء، وتزرع الفرقة والخلاف، وتنأى بهم عن جماعة المسلمين.
(د) ثم إن "المؤتمر" لم يتعرض إلى الأثر العملي لترك سب الصحابة والطعن فيهم وهو الاحتجاج بمروياتهم وقبول أحاديثهم. ذلك أن سب الصحابة والنيل منهم ما هو إلا
[ ٢ / ١٦٩ ]
مؤامرة على "السنّة المطهرة" في أهدافه القريبة، وأما أهدافه البعيدة فهي النيل من كتاب الله (، ومن شريعة الإسلام كلها.
(هـ) لقد كان لعقيدة التقية عند الروافض دور كبير في عدم الإفادة من النتيجة التي انتهى إليها المؤتمر، واستثمار ذلك في جمع كلمة المسلمين. ولم يخف على السويدي ﵀ ألاعيب الروافض في هذا المجال. ومن ملاحظاته الطريفة في ذلك والتي قد تشير إلى حقيقة مسلك بعض علماء الشيعة في هذا المؤتمر قوله عن خطبة صلاة الجمعة التي أُقيمت بعد المؤتمر وصعد الكربلائي فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي - ﷺ - ثم قال: (وقال الخليفة الأول من بعده على التحقيق، أبي بكر الصديق، ﵁ وعلى الخليفة الثاني الناطق بالصدق والصواب سيدنا عمر بن الخطاب - ﵁ - لكنه كسر الراء من "عمر" مع أن الخطيب إمامٌ في العربية لكنه قصد دسيسة لا يفهمها إلا الفحول، وهي أن منع صرف عمر إنما كان للعدل والمعرفة، فصرفه هذا الخبيث إلى أنه لا عدل فيه ولا معرفة قاتله الله من خطيب وأخزاه ) (١) .
_________________
(١) السويدي: (ص ١٠٢- ١٠٣) .
[ ٢ / ١٧٠ ]
المحاولات المعاصرة
(أ) محاولات جماعية:
قامت عدة محاولات "جماعية" للتقريب من أهل السنة والشيعة في هذا العصر. والذي اطلعت عليه من ذلك ما يلي:
١- محاولة جماعة سمّت نفسها "جماعة الأخوة الإسلامية":
والمعلومات عن هذه الجماعة لم تتوفر - حسب علمي - إلا عن طريق أحد الباطنيين الإسماعيليين ويدعى محمد حسن الأعظمي، قال عنه محمود الملاح: (محمد الأعظمي نسبة إلى "أعظم كره" في الهند لا "أعظمية بغداد"، وهو يبطن إسماعيليته، ويتصنع الدعوة للوحدة الإسلامية، وتورط في دعوته كثير من الفضلاء، بحيث أني أخجل من ذكر أسمائهم. فيا لضيعة الحقائق) (١) .
يزعم هذا الباطني أنه أنشأ هذه الجماعة عام ١٩٣٧م، وجعل مركزها "قبة الغوري بمصر" (٢) ثم انتقل بعد ذلك إلى كراتشي عام ١٩٤٨ (٣)، وزعم أنها تضم طائفة من رجال الفكر والعلم في مصر (٤) .
_________________
(١) محمود الملاح: «النحلة الأحمدية»: ص ٤.
(٢) وقد سألت عنها الشيخ عبد العزيز عيسى مدير مجلة «دار التقريب» في القاهرة ووزير الأزهر (سابقًا) فقال: (لم نسمع بهذا في آبائنا الأولين) .
(٣) وفي أثناء زيارتي لباكستان سألت عنه في كراتشي فقيل لي أنه قد مات، ولم أجد لجامعته ذكرًا.
(٤) فيزعم أن هذه الجماعة تضم الدكتور عبد الوهاب عزام، [انظر ترجمته في «الأعلام»: (٤/١٨٦) طبعة دار الملايين] رئيسًا وموجهًا، والشيخ طنطاوي جوهري، [ترجمته في «الأعلام»: (٣/٣٣٣) عالمًا وباحثًا]، والفيلسوف مصطفى عبد الرزاق، [ترجمته في «الأعلام»: (٨/١٣١)] .
[ ٢ / ١٧١ ]
وادعى أنه يشترط في المشتركين في جماعته أن يكونوا من أتباع المذاهب التي لا تخالف نص الكتاب، أو صحيح السنّة، وإجماع الأمة (١)، وكان من نشرات هذا الإسماعيلي التي ينشد فيها الوحدة والتقريب - كما يدعي - كتابه «الحقائق الخفية عن الشيعة الفاطمية والاثني عشرية» والذي نشر عام ١٩٧٠م وتستر فيه على مذهبه الباطني، فقال: (وجوابي لكل من سألني عن المذهب الذي أنتمي إليه أني أقول كلمة واحدة أني مسلم مؤمن) (٢) مع أن الرجل يسعى في نشر مذهبه الباطني (٣) .
وأقول إن مما يشكك في حقيقة هذه الجماعة، والدعاوى الكثيرة التي ينسجها هذا الرجل حولها هو تفرد هذا الباطني بنشرها. ولولا خشية الاغترار بها لما أشرت إليه.
٢- دار الإنصاف:
تأسست - كما يقول بعض أعضائها - (٤) عام ١٣٦٦هـ من
_________________
(١) الأعظمي: «الحقائق الخفية»: ص ١٩٧، وراجع للتفصيل: «حقائق عن باكستان» لهذا الأعظمي: ص ٨ وما بعدها.
(٢) «الحقائق الخفية»: ص ١٦.
(٣) فقد ساهم في نشر تحقيق عدد من كتب الباطنية في العالم الإسلامي مثل «تأويل الدعائم» للقاضي النعمان قاضي قضاة المعز الفاطمي، و«افتتاح الدعوة» للمؤلف السابق وغيرهما. انظر: «حقيقة باكستان»: ص ٢٩.
(٤) وهما هاشم الدفتردار، ومحمد الزعبي. راجع ترجمتهما في كتابهما «الإسلام بين السنّة والشيعة» .
[ ٢ / ١٧٢ ]
فريق أهل التقوى والصلاح، وكان من خطتها (فهم المذاهب الإسلامية على منهاج دار تقريب المذاهب الإسلامية في مصر..) (١) .
ومن كتبهم التي أصدروها من أجل التقريب كتاب «الإسلام بين السنّة والشيعة» في جزئين. وقد بنوه على أصل خاطئ وهو أن الرافضة فئة اندرست وهم الذين يكرهون الصحابة، أما الشيعة فيحبون الشيخين ويترضون على الصحابة (٢) .
وأقول أما أن الشيعة يحبون الصحابة فقد سبق جوابه (٣) .
وأما أن الرافضة غير الشيعة فهذا ما يرده الشيعة أنفسهم، وقد عقد شيخهم المجلسي بابًا في تأكيد هذا في كتابه «البحار» بعنوان (باب فضل الرافضة ومدح التسمية بها) (٤)، كما أن عددًا من شيوخ الشيعة المعاصرين يؤكدون أن هذه التسمية خاصة بهم (٥) .
٣- دار التقريب بين المذاهب الإسلامية:
لكن أبرز هذه المحاولات وأهمها وأكبرها والتي تستحق أن
_________________
(١) «الإسلام بين السنّة والشيعة»: ص: ح - ط.
(٢) المصدر السابق: (١/٤٢، ٤٣) .
(٣) انظر اعتقاد الشيعة في الصحابة في هذا البحث.
(٤) «البحار»: (جـ٤٨/ص ٩٦) .
(٥) انظر: محمد الشيخ الساعدي: «مؤيد الدين بن العلقمي»: ص ٤٢، كما أن شيخ شيخ الشيعة "الخميني" يختار اسم الرفض عنوانًا لبعض كتبه وهو كتابه «دروس في الجهاد والرفض»، كما نرى الرافضي طالب الرفاعي يعتبر مصطلح "الرافضة" هو التعبير السليم الذي ينطبق عليهم. انظر تعليقاته على رسالة: «التشيع ظاهرة طبيعية»: ص ٧٨.
[ ٢ / ١٧٣ ]
نعرض لها بشيء من التفصيل، وأن نخصها بالدراسة والتقويم هي "محاولة" جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية في مصر.
هذه المحاولة دعا إليها شيخ رافضي من قم "بإيران" ويدعى محمد تقي القمي في عام ١٣٦٤ هـ تقريبًا، واستجابت لدعوته ثلة من علماء مصر، ومن زيدية اليمن، وقد اتخذ لها مقرًا في القاهرة باسم «دار التقريب بين المذاهب الإسلامية»، ثم قامت الجماعة بإصدار مجلة باسم «رسالة الإسلام» (١) لخدمة أغراضها.
وقد حملت إلينا مجلة الأزهر "وثيقة هامة" لأحد كبار أعضاء جماعة التقريب وأحد المشاركين في نشأة "الجماعة" وهو الشيخ عبد اللطيف محمد السبكي عضو جماعة كبار العلماء، يصف لنا نشأة الجماعة وخط سيرها، والهدف الذي تسعى لتحقيقه.
يقول: (.. جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية، نشط في تكوين هذه الجماعة شيخ شيعي.. يقيم في مصر لعهد قريب أو بعيد، وقد استجاب لدعوته ثلة كريمة من رجالات مصر، ولم يكن يسع مسلمًا أن يتخلف عن تلبية الدعوة لتجديد وحدة المسلمين التي هتف بها القرآن أول ما هتف: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (٢)، (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) (٣) .
_________________
(١) ويرأس تحريرها محمد محمد المدني (عميد كلية الشريعة بالأزهر) وقد صدر العدد الأول منها في ربيع الأول عام ١٣٦٨هـ، وتوقفت بصدور آخر عدد منها في ١٧ رمضان ١٣٩٢هـ، ولم تكن منتظمة الصدور في آخر عهدها ومجموع ما صدر من أعدادها (٦٠) جمعت في (١٦) مجلدًا.
(٢) آل عمران: آية ١٠٣.
(٣) الأنعام: آية ١٥٩.
[ ٢ / ١٧٤ ]
جذبتني هذه الدعوة، فشرفت بالعضوية المتواضعة بين أولئك الأمجاد، فماذا أجدت جماعتنا وقد مضى عليها أربع سنوات تقريبًا؟ نشطت في صدر عهدها إلى تعاقب الاجتماعات، فمرة: للتعارف واختيار الرئيس والوكيل والسكرتير إلخ. ومرة ثانية: لاستقبال ضيف شرقي مسلم سيزور دارنا، دار التقريب، وثالثة: لسماع رسائل وردت من جهات إسلامية، ومن بينها رسالة من النجف - مركز الشيعة - يطلب مرسلوها كلمة تلقى هناك في الذكرى الموسمية للإمام الحسين بن علي ﵂، ثم يقترح علينا في هذه الجلسة أن تطلب الجماعة إلى الأزهر تدريس الفقه الشيعي إلى جانب مذاهب أهل السنة، ويتوارى الاقتراح في سرعة لأنه قبل أوانه كما همس بذلك من همس.
وبعد ذلك توقفت الاجتماعات، وانحصرت الجهود في مجلة تصدرها دار التقريب هذه وتسميها «رسالة الإسلام» (١) .
وقد اعترف أحد شيوخ الروافض بأن إنشاء دار التقريب كان عن سابق اتفاق من شيوخ الشيعة وقال: (ليس له - أي القمي - ولا لغيره من الناس أن يقوم بمثل هذا العمل من وراء المراجع ومن غير موافقتهم) (٢) . إذن هي خطة مبيتة..، والغريب - فيما يبدو - أن هذا الأمر غير واضح عند بعض أعضاء الجماعة حتى خفي عليهم الجهة التي تمول "دار التقريب"، حتى قال أحد كبار أعضائها - بعد مضي أربع سنوات على إنشاء الدار - قال: (ورابني ويجب أن يرتاب
_________________
(١) «مجلة الأزهر»: المجلد ٢٤ (ص ٢٨٥ - ٢٨٦) .
(٢) الرافضي: أحمد مغنية: «الخميني أقواله وأفعاله»: ص ٢٧.
[ ٢ / ١٧٥ ]
معي كل عضو بريء أنها تنفق عن سخاء دون أن نعرف لها موردًا من المال، ودون أن يطلب منا دفع اشتراكات تنفق على دار أنيقة بالزمالك في القاهرة فيها أثاث فاخر، وفيها أدوات قيمة، وتنفق على مجلتها فتكافئ القائمين عليها، وتكافئ الكاتبين فيها وتتأنق في طبع أعدادها، وتغليف ما يطبع، إلى غير ذلك مما يحتاج إلى مورد فياض.. فمن أين ذلك؟؟!! وعلى حساب من يا ترى؟!!) (١) .
أما قيام الشيعة بإرسال داعية لها إلى مصر وهو القمي فلم تكن هذه الحادثة أول مرة، بل كان هذا القمي ثالث ثلاثة تعاقبوا في المجيء إلى مصر، ورفعوا شعار التقارب والوحدة (٢) - في هذا
_________________
(١) عبد اللطيف محمد السبكي: «مجلة الأزهر»: (جـ٢٤/٢٨٦) .
(٢) فقد سبق أن أرسلت رافضة إيران في أواخر سنة ١٣٥٣هـ وأوائل سنة ١٣٥٤هـ أحد شيوخهم ويدعى "أبو عبد الله الزنجاني"، وبعد فشله أرسلت رسولًا آخر يدعى عبد الكريم الزنجاني. فكان هذا القمي هو ثالث هؤلاء. ويذكر محب الدين الخطيب أنه والشيخ محمد الخضر حسين فاوضا "الزنجاني الأول" في موضوع التعاون بين أهل السنّة والشيعة وضرورة تصحيح نظرة الشيعة إلى الصحابة حتى يتحقق التآلف، فبشرهما هذا الزنجاني بأن في إيران طبقة مستنيرة صارت تعرف للصحابة أقدارهم وتخجل من الأكاذيب التي كتبت عنهم. ويقول الخطيب: (وكنا ننتظر منه إذا عاد إلى إيران أن ينظم العمل بهذا الغرض مع تلك الفئة من الخاصة التي بشرنا بوجودها، وتوقعنا إذا هو قام بذلك أن لعمله رد فعل عظيم الأثر عند أهل السنّة والجماعة، وأن ندخل كلنا في دور جديد من التعاون والتضامن يليق بظروف هذا العصر وبموقفنا جميعًا من أحداثه، إلا أنه - ويا للأسف - لم يفعل شيئًا من ذلك، إما لأن الفئة التي حدثنا عنها ضعيفة أمام تعصب الجماهير الإيرانيين، وإما أن الذي كان يذكره لنا كان مدفوعًا إليه بأحكام التقية التي أصبحت عادة فيهم. وفهمنا بعد سفره أن الحكومة الإيرانية هي التي كانت أوفدته إلى الأقطار العربية لغير المعاني التي كنا نتمنى تفاهم الفريقين عليها وتعاونهما على تحقيقها، فلما فشل فيما جاء له وكادت تتحول مهمته إلى المعاني التي فاوضناه =
[ ٢ / ١٧٦ ]
القرن - كما أن هذا الصنيع من "الرافضة" قد سبق ما يشبهه في العصور الغابرة (١) .
كما تبين لي أثناء زيارتي إلى مصر - من أجل جمع المادة العلمية للموضوع - أن هذا القمي لم يكن آخر رسول من الروافض - أيضًا - فقد قامت الرافضة - بعد رحيل القمي وتوقف نشاط دار التقريب - بإرسال رسول آخر يدعى "طالب الرفاعي الحسيني" ويلقب نفسه بـ"إمام الشيعة في جمهورية مصر العربية" إلى مصر، ولم يرفع هذا الرفاعي شعار التقريب الذي أثار ثائرة بعض علماء السنّة، بل حاول الدخول إلى قلوب المصريين بمدخل يتقن الروافض اللعب فيه وهو مدخل "آل البيت"، فأنشأ دارًا أسماها "دار أهل البيت" تقوم هذه الدار بنشر كتب الروافض، وإحياء مواسم الرافضة والتبشير بـ"الرفض" بأساليب مختلفة بين أهالي مصر (٢) .
_________________
(١) = فيها اختارت زنجانيًّا آخر غيره وهو الشيخ عبد الكريم الزنجاني، وكان هذا الداعية الثاني صريحًا في أنه يرى التقريب بين أهل السنّة والشيعة بنزول أهل السنة على عقائد الشيعة فكان فشله سريعًا وذريعًا ورجع إلى إيران كما رجع حنين بخفيه) . انظر: محب الدين الخطيب: «نشأة التشيع وتطوره»: (ص ٤- ٦)، وانظر: «مجلة الفتح»: (جـ ١٧/٧٠٩)، وانظر: عبد الكريم الزنجاني: «الوحدة الإسلامية» أو «التقريب بين المسلمين»: ص ٥٩.
(٢) ففي عصر "جلال الدين السيوطي": (ت ٩١١هـ) حضر من إيران إلى مصر داعية من دعاتهم أشار إليه السيوطي في كتابه «الحاوي للفتاوى»: (١/٣٣٠) طبعة المنيرية، وبسبب ذلك الداعية الإيراني ألف السيوطي رسالته «مفتاح الجنة في الاعتصام بالسنّة»، انظر: محب الدين الخطيب: «الخطوط العريضة»: ص ٧.
(٣) وقد أنشأت هذه الجمعية مركزًا لها بمدينة القاهرة - بالمعادي - واستخدمت أساليب متنوعة لنشر عقيدة الروافض بين أهل السنّة، فاهتمت بتلقين النشء الصغير هذا الاعتقاد، ولذلك أنشأت فصولًا للتقوية في بعض المواد للمرحلتين الإعدادية والثانوية، وهي تستخدم ذلك وسيلة لتحقيق غرضها في تربية النشء على عقيدة =
[ ٢ / ١٧٧ ]
أما المذاهب التي تسعى للتقريب بينها:
فقد أعلنت التقريب بين المذاهب في حين اقتصر نشاطها في التقريب بين دين الشيعة الإمامية وبين مذهب أهل السنّة.
أما لون هذا التقريب ومعناه:
فقد رفعت شعارًا ومفهومًا للتقريب ونفذت شيئًا آخر.
رفعت شعار التقريب بين أصحاب المذاهب مع احتفاظ كل بمذهبه، يقول الرافضي القمي مؤسس الدار: (إن دعوتنا أن يتحد أهل الإسلام على أصول الإسلام التي لا يكون المسلم مسلمًا إلا بها، وأن ينظروا فيما وراء ذلك نظرة من لا يبتغي الفلج والغلب، ولكن يبتغي الحق والمعرفة الصحيحة، فإذا استطاعوا أن يصلوا بالإنصاف والحجة البينة إلى الاتفاق في شيء مما اختلفوا فيه فذاك، وإلا فليحتفظ كل منهم بما يراه وليعذر الآخرين، ويحسن الظن بهم، فإن الخلاف على غير أصول الدين لا يضر بالإيمان، ولا يخرج المختلفين عن دائرة الإسلام) (١) .
_________________
(١) = "الرفض"، كما استعملت وسائل أُخرى للدخول إلى قلوب الناس والتأثير فيهم فأنشأت مستوصفًا، وقامت بإعطاء مساعدات مادية وعينية، واحتفلت بمناسبات الروافض الدينية، وأقامت ندوات تتحدث عن آل البيت ومحنهم، كما أصدرت نشرات دورية وغير دورية، ويلاحظ في هذه النشرات غلوًّا في آل البيت ففيها أن آل البيت هم السبب الوحيد للنجاة، وهم أفضل الخلق بما فيهم النبيين إلخ. وهذه الجمعية قد أخذت تصريحًا من وزارة الشؤون الاجتماعية المصرية لمزاولة عملها في شهر أغسطس ١٩٧٣م. انظر: «جمعية أهل البيت»، النشرة غير الدورية رقم (١) محرم ١٣٩٥ هـ، ورقم (٢) رجب ١٣٩٥، ورقم (٣) محرم ١٣٩٦هـ.
(٢) انظر: «الوحدة الإسلامية» أو «التقريب بين المذاهب»: (ص ٦٤- ٦٥) .
[ ٢ / ١٧٨ ]
وتقول مقدمة كتاب دعوة التقريب: (ليس من غايتنا أن يترك السنّي مذهبه، أو الشيعة مذهبه، وإنما نريد أن يتحد الجميع حول الأصول المتفق عليها، ويعذر بعضهم بعضًا فيما وراء ذلك، مما ليس شرطًا من شروط الإيمان ولا ركنًا من أركان الإسلام، ولا إنكارًا لما هو معلوم من الدين بالضرورة) (١) .
هذا الشعار هو الذي رفعته دعوة التقريب، ولكنها نفذت شيئًا آخر سوى ذلك.
فها هي تلك مجلة التقريب تنشر بحثًا طويلًا بعنوان "منهاج عملي للتقريب" لأحد كبار روافض إيران (٢) يطالب فيه أهل السنّة بأن يرجعوا في دينهم إلى مصادر الشيعة الثمانية، وبأن ينصب كرسي لتدريس فقه الروافض في مصر وآخر لتدريس عقائدهم، وأن يعترفوا ويؤمنوا بمسألة الإمامة عندهم.
ولم يقتصر الأمر على مجرد الدعوة، بل قام الروافض بتزيين آرائهم للشيخ شلتوت شيخ الأزهر في هذا الموضوع، فلبى رغبتهم ونفذ بعض مطالبهم، فتولى بنفسه محاولة تنفيذ هذه المهمة في إبّان مشيخته للأزهر فوضع مشروعًا يجعل للروافض - كما تقول مجلة رسالة الإسلام - نصيبًا مقسومًا في الفقه وأصوله وتاريخه وفي مصطلح الحديث ورجاله وفي دراسة الكتب الأمهات وأصحابها الثقات (٣) في الأزهر. ولكن
_________________
(١) «دعوة التقريب»: ص٧ (المقدمة لمحمد المدني) وانظر: الشيرازي: «الوحدة الإسلامية»: ص ٧، محمد عبد الله المحامي: «معالم التقريب» رقم (١) ص ٣.
(٢) وهو محمد صالح الحائري، انظر: «رسالة الإسلام»: السنة الثالثة (جـ٣/ص ٤٠٣) .
(٣) «رسالة الإسلام» السنة ١١، ص ٤٤٥.
[ ٢ / ١٧٩ ]
وقوف بعض شيوخ الأزهر حال دون تنفيذ المشروع (١) .
وبعد ذلك يخرج تقي القمي عن تقيته ويكشف عن هدفه وغرضه ويزيل الستار عن مهمة الدار الخفية، فيدعو المسلمين صراحة دون تورية أو تقية إلى الأخذ بعقيدة الشيعة وآرائها، فيقول - بعد أن يزعم أن أهل السنّة في مصر أخذوا ببعض آراء الشيعة الفقهية - فيقول: (فماذا عليهم لو استقبلوا ما وراء الفقه، كما استقبلوا الفقه وما الفرق بين الفروع العملية والفروع العلمية؟) (٢) .
ثم قامت الدار بالدعاية للتشيع عن طريق نشر الكتاب الشيعي وترويجه بين أهل السنّة وراحت تستكتب بعض ذوي الأطماع المادية، والنفوس الضعيفة لوضع مقدمات لكتب الشيعة التي أزمعوا نشرها بين أهل السنّة (٣)، فنشروا عدة كتب من كتب الروافض مثل (٤):
١- «المختصر النافع»: لنجم الدين الحلي (ت ٦٧٦هـ) . وقد طبع هذا
_________________
(١) حدثني بذلك حسين محمد مخلوف. انظر: (ملحق الوثائق والنصوص) .
(٢) «رسالة الإسلام»: (جـ٢/ص ١٦٩)، السنة الثانية، العدد الثاني، جمادى الآخرة، ١٣٦٩هـ.
(٣) مثل المدعو "حامد حفني داود" الذي قدم لخمسة من كتب الروافض وانقلب في مقدماته تلك إلى "رافضي". نسأل الله العافية. وكان يعمل أستاذًا في كلية الألسن بمصر. وانتقل إلى التدريس بجامعة الملك عبد العزيز بجدة عام ١٩٨٥م. وقد انطلت حيلتهم على بعض الأدباء مثل: محمد عبد المنعم خفاجي صاحب المؤلفات الكثيرة، فقد كتب مقدمة لكتاب «الوسائل ومستدركها» وترضى عن صاحب المستدرك، وما علم - في ظنّي - أنه هو بعينه المجوسي صاحب «فصل الخطاب» .
(٤) انظر: د. مرتضي الشيرازي: «جولة حول الروابط المعنوية بين إيران ومصر» .. ضمن كتاب «جوانب من الصلات الثقافية»: ص ١٩٢.
[ ٢ / ١٨٠ ]
الكتاب مرارًا في مصر (١) .
٢- «تذكرة الفقهاء»: للحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي (ت ٧٢٦هـ) .
٣- «وسائل الشيعة ومستدركها»: «الوسائل» لمحمد بن علي بن حسن الحر العاملي (ت ١١٠٤هـ)، و«المستدرك» لشيخهم حسين النوري الطبرسي صاحب كتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» .
٤- «الحج على المذاهب الخمسة»: (أي الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي والجعفري) .
٥- «تفسير مجمع البيان»: للطبرسي (ت ٥٤٨هـ) (٢) .
٦- «حديث الثقلين»: محمد قوام الدين القمي - معاصر - (٣) .
ومن الملاحظ أنهم اهتموا بنشر كتب الفقه بالذات وبدأوا بالفروع قبل الأصول، مع أن الفرقة الكبرى هي في مسائل الأصول والعقيدة، أما قضايا الفقه فهم وإن كان لهم في كل باب من أبواب الفقه شواذ غريبة، إلا أن معظم مسائل أبواب الفقه يشتركون فيها مع أهل السنة، لأنه لا فقه لهم إلا ما أخذوه عن طريق أهل
_________________
(١) وقد طبعته وزارة الأوقاف باقتراح دار التقريب بين المذاهب، وقدم له الباقوري وزير الأوقاف، وراجع أصوله الخطية الرافضي القمي مع عدد من المنتسبين لأهل السنة مثل: محمد المدني، محمد الغزالي، السيد سابق وغيرهم. انظر: «المختصر النافع» مقدمات الكتاب، الطبعة الثانية.
(٢) وقد عمل على مراجعته وتصحيحه وضبطه ستة من الشيوخ المنتسبين لأهل السنة. انظر: «مجمع البيان»: (جـ١٠/ص ٥٧٥) (كلمة ختامية) طبعة دار التقريب.
(٣) وقد أخرج الحديث بصورة سيئة - كما أشرنا ص ٧٧ - ونشرته دار التقريب.
[ ٢ / ١٨١ ]
السنة (١) وبالتشابه الفقهي يصطادون بعض المغفلين.
ومجلة الدار المسماة «رسالة الإسلام» تتولى الدعاية للتشيع والدفاع عن عقائد الشيعة (٢)، والتعريف والدعاية بكتب الشيعة ونشراتها (٣) والثناء والمديح لرجالات الروافض، وتأبين موتاهم (٤)، وتسيطر أخبارهم ونشر مقالاتهم وكلماتهم. كما تتولى الدار إقامة "الحفلات" وإصدار النشرات وكتابة المقالات في مناسبات أئمة الروافض الاثني عشر.
ثم استطاع الروافض في ظل دعوة التقريب أن يخدعوا شلتوت شيخ الأزهر بالقول بأن مذهب الشيعة لا يفترق عن مذهب أهل السنة، ويطلبوا منه أن يصدر فتوى في شأن جواز التعبد بالمذهب الجعفري. فاستجاب لهم وأصدر فتواه (٥) في سنة ١٣٦٨هـ بجواز التعبد بالمذهب الجعفري (٦) .
فطار الروافض بهذا فرحًا، واعتبروا هذه الفتوى هي القطف
_________________
(١) وفي «الكافي» - مثلًا - اعتراف بأن الشيعة لم يعرفوا أحكام الحج ومسائل الحلال والحرام قبل أبي جعفر الصادق. يقول «الكافي»: (وكانت الشيعة قبل أن يكون أبو جعفر وهم لا يعرفون مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم حتى كان أبو جعفر، ففتح لهم وبين لهم مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم..) الكليني: «الكافي»: (٢/٢٠) .
(٢) انظر مثلًا من «رسالة الإسلام»: (١/٢٢)، (٦/٣٧٩)، (٨/٤٨)، (١٠/١٨٦) .
(٣) انظر مثلًا من «رسالة الإسلام»: (٩/٣٣١)، (٨/٢١٧)، (١٠/٣٤١) إلخ.
(٤) انظر مثلًا من «رسالة الإسلام»: (١٠/١٠٨)، (٣/٤٤٦) .
(٥) انظرها في (ملحق الوثائق) .
(٦) وقد حدثني الشيخ عبد الرزاق عفيفي أن شلتوت رجل مغفل سهل الخديعة، أما محمد المدني فهو رجل ماكر مخادع وهو الذي تولى مع القمي خديعة شلتوت.
[ ٢ / ١٨٢ ]
الشهي والثمرة الكبرى.. لدعوة التقريب، لأنها تعطيهم - كما يتصورون - "الشرعية" في التبشير بالرفض في ديار السنة.
كل هذه "الأهداف" تنفذ باسم التقريب بين المسلمين، فصار مفهوم التقريب في قانون الجماعة الحقيقي هو نشر التشيع والرفض في ديار السنة. فلهذا خابت آمال المخلصين المشتركين بهذه الجماعة بصمت ومنهم من أعلن عن ذلك.
فهذا د. محمد البهي - مثلًا - يستبشر بنشأة الجماعة ويشيد بها ويضع يده في يدها - كما ذكرت ذلك مجلة التقريب (١)، ولكنه بعد ذلك يخيب أمله ويسجل رأيه في ذلك بقوله: (وفي القاهرة قامت حركة تقريب بين المذاهب الإسلامية لتقريب ما بين السنة والشيعة. وبدلًا من أن تركز نشاطها على الدعوة إلى ما دعا إليه القرآن إذا وصل الخلاف في الرأي إلى نزاع كما جاء في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (٢) ركزت نشاطها إلى إحياء ما للشيعة: من فقه.. وأصول.. وتفسير.. ونشر المقالات التي تدعو دعوة عامة إلى عدم التفرقة بين المسلمين) (٣) .
وهذا الشيخ السبكي ينفض يده عن هذه الجماعة بعد أربع
_________________
(١) ووصفته بقولها: (د. محمد البهي.. عالم باحث من المتحررين المؤمنين بفكرة التقريب) . «رسالة الإسلام»: (٨/١٠٧) .
(٢) النساء: آية ٥٩.
(٣) محمد البهي: «الفكر الإسلامي والمجتمعات المعاصرة»: ص ٤٣٩.
[ ٢ / ١٨٣ ]
سنوات من نشأتها وذلك بعد ما تبين له حقيقة أهدافها - كما مر -.
وهذا الشيخ محمد عرفة عضو كبار العلماء والشيخ طه محمد الساكت وغيرهما يتركون الجماعة بعدما استبانت لهم أغراضها (١) .
ويتابع الأعضاء المخلصون في التخلي عن جماعة أرادت أن تنشر الرفض في ديار المسلمين باسم الوحدة والتقريب، حتى وصف الشيخ محب الدين الخطيب ما آل إليه أمر دار التقريب وجماعة التقريب بقوله: (انفض المسلمون جميعًا من حول دار التخريب التي كانت تسمى دار التقريب ومضى عليها زمن طويل والرياح تصفر في غرفها الخالية تنعي من استأجرها. ثم يذكر أنه لم يبق متعلقًا بعضويتها إلا فئة من المنتفعين ماديًا من وراء انتمائهم إلى هذه الدار وأن العلماء المخلصين من أهل السنّة انكشف لهم المستور من حقيقة دين الرافضة ودعوة التقريب التي يريدها الروافض، فانفضوا عن هذه الدار وعن الألاعيب التي كان يراد إشراكهم في تمثيلها)، ثم يقول الخطيب: (فلم يبق موضع عجب إلا استمرار النشر الخادع في تلك المجلة. ولعل القائمين يضعون لها حدًا) (٢) .
ولكن هذه المجلة «رسالة الإسلام» التي يشير الخطيب إلى استمرار صدورها ما لبثت أن توقفت بصدور آخر عدد في ١٧ رمضان ١٣٩٢هـ وهو العدد (٦٠) .
وقد زرت الدار أثناء تحضيري لهذه الرسالة - ١٣٩٩هـ-
_________________
(١) انظر: محمد نصيف، في تعليق له في خاتمة كتاب «الخطوط العريضة» لمحب الدين الخطيب، الطبعة الثانية، ١٣٨١هـ.
(٢) «الفتح»: العدد ٨٤٨، العام السابع عشر شوال ١٣٦٦هـ.
[ ٢ / ١٨٤ ]
فوجدتها مهجورة من أعضائها ومن زوارها، ولا أثر فيها لأي نشاط، وقد لبثت أتردد على مكتبتها أيامًا فلا أرى أحدًا يؤمها.
ولما شعر الروافض بفشلها ويئسوا من نجاحها أنشأوا دارًا أخرى لنشر "عقيدة الرافضة" بين أهل السنّة في مصر، ولا تزال إلى هذا الوقت تمارس نشاطها بمختلف الأساليب وهي "جمعية أهل البيت" (١) .
التقويم:
١- إن استجابة طائفة من كبار علماء مصر أمثال عبد المجيد سليم وغيره لدعوة التقريب بين المسلمين هي استجابة طبيعية لأن الله سبحانه يقول: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)، وما كانت دعوة التقريب قد أبانت عن حقيقتها وأهدافها، بل رفعت شعارات إسلامية تتستر بها على ما تهدف إليه، فلا يتوجه اللوم إلى هؤلاء في نظري.
٢- جماعة التقريب استهدفت أهل السنّة، وساهمت في نشر الكتاب الشيعي بين أهل السنّة، ولم تقم بنشر الكتاب السنّي في ديار الشيعة، وحاولت تدريس مذهب الشيعة في الأزهر، ولم تحاول تدريس مذهب أهل السنّة في حوزات الشيعة العلمية في النجف أو قم أو عامل أو غيرها من مراكزهم. ولا شك أن هذا لا يؤدي الغرض من التقريب، لأنه من طرف واحد ولا بد من اشتراك أطراف النزاع في موضوع التقريب، ثم هو يدل على نيّة مبيّتة، وهدف مرسوم وراء دعوة التقريب
_________________
(١) انظر: ص ١٧٧ هامش رقم (٢) .
[ ٢ / ١٨٥ ]
وهو نشر الروافض بين المسلمين، وإلا فلم يخص أهل السنّة وبلاد السنّة بذلك مع أن الروافض هم الذين يتحملون كبر الفرقة؟، ذلك أن أهل السنّة خاصتهم وعامتهم في مشارق الأرض ومغاربها يجلون علي بن أبي طالب (وأهل بيت الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين إجلالًا لا مزيد عليه، ويحبونهم حبًا يرضاه الله ورسوله وأهل البيت، ولكن الشيعة هم الذين ينالون من صحابة رسول الله - ﷺ - ولا سيما صديق الأمة، وفاروقها. فأحرى بدعوى التقريب أن تقام في ديارهم وأجدر بأن تتوجه الجهود المقرّبة إليهم، فأهل السنّة، يحتاجون إلى تقريب.
٣- أليس من الأصول أن يقوم هؤلاء العلماء من السنّة (من أعضاء الجماعة) بدراسة مذهب الشيعة من خلال كتبها الأصيلة ليتعرفوا على مدى إمكانية التقريب، وعلى أي وجه يكون التقريب (إذا أمكن) بدل أن يكونوا ضحية تقية الشيعة وخداعهم؟.
٤- في كل دعوة للتقارب لا بد من البدء بالأصول قبل الفروع، ومن الغفلة أن يبدأ بدراسة الخلافات الفقهية بين السنّة والشيعة. والشيعة تشذ عن الأمة بكتبها في الحديث ورجالها، وأصولها، في مدلول القرآن ومفهوم السنّة، وفي حجية الإجماع. فأين الأصل الواحد الذي تناقش على ضوئه الخلافات الفقهية؟.
٥- فتوى شلتوت التي تعتبرها جماعة التقريب ثمرة التقريب وقطفه الشهي هل كانت مبنية على دراسة لمذهب الشيعة أم
[ ٢ / ١٨٦ ]
مبنية على تصديق شلتوت لدعاوى القمي وغيره بأنه لا خلاف بين السنّة والشيعة؟. الذي أرجحه بناء على ما سمعته من بعض معاصري شلتوت ومجالسيه هو الثاني، ومما يؤكد جهل الشيخ شلتوت بالشيعة أنه يرى أن السبيل الوحيد إلى إعادة الصف الإسلامي إلى وحدته وقوته أن لا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله، وأن نطرح وراء ظهورنا تلكم التأويلات البعيدة للنصوص الشرعية من كتاب وسنّة صحيحة، وأن نفهمها كما فهمها المعاصرون للتنزيل وأن نجعل أهواءنا تبعًا لديننا ولا نجعل ديننا تبعًا لأهوائنا، وأن نحارب احتكار فرد أو أفراد تعاليم الدين، فما كان الإسلام دين أسرار وأحاج لا يعرفها إلا طائفة خاصة تطلع عليها من تشاء وتمنعها عمن تشاء، فما انتقل الرسول - ﷺ - إلى الرفيق الأعلى حتى بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وطلب من أصحابه وأتباعه أن يبلغوا ما علموه (١) .
فشلتوت بهذا القول كأنه يحكم على الشيعة - التي أفتى - جهلًا منه - بجواز التعبد على مذهبها - يحكم عليها بأنها لم تسلك سبيل التقريب، لأن الشيعة على خلاف تام لهذه الأركان التي وضعها للتقريب، فاتخاذهم للأئمة أربابًا من دون الله منتشر عندهم وفي كتبهم، وهم أهل التأويلات البعيدة للنصوص الشرعية، ويرون أنه من الكيد للإسلام أن نفهم هذه النصوص كما فهمها المعاصرون للتنزيل من الصحابة، وهم بمزاعمهم في أئمتهم ودعاويهم في مجتهديهم يمثلون في الإسلام ذلك الاحتكار للدين
_________________
(١) شلتوت: في مقدمته لكتاب «إسلام بلا مذاهب»: ص ٦.
[ ٢ / ١٨٧ ]
الذي يعنيه شلتوت، وهم يقولون بأن في دين الله أسرارًا وأحاجي لا يعلمها إلا طائفة خاصة - بزعمهم هم أهل البيت لأن الرسول - ﷺ - كتم قسمًا من الشريعة وأودعه إياهم وهم وحدهم عندهم الجفر، والجامعة، ومصحف فاطمة، وعلم ما كان، وما يكون.. إلخ ـ، ولمجتهديهم اتصال بالمنتظر الذي انتهت إليه هذه العلوم بزعمهم.. إلخ. كما شرحنا ذلك بالشواهد والأرقام. فكأن شلتوت بهذا القول ينقض فتواه بنفسه.
ومن المفارقات أن أحد شيوخ الشيعة الذين ينادون بالوحدة الإسلامية سئل عن جواز التعبد بالمذاهب الأربعة فأفتى بالمنع من ذلك (١) .
٦- وعلى الرغم من قيام الشيعة بتأسيس دار التقريب ومجلتها وجماعتها واستجابة بعض علماء الأزهر لفكرتهم لم نر لهذه الدعوة لهذا التقارب أي أثر بين علماء الشيعة في العراق وإيران وغيرهما، فلا يزال القوم مصرين على ما في كتبهم من ذلك الطعن الجارح والتصوير الكاذب لما كان بين الصحابة من خلاف، ولا تزال مطابع الروافض تقذف سنويًا بعشرات الكتب التي تحمل اللعن والتكفير والتخليد بالنار لخير القرون. وقد بعث أحد القراء المؤمنين بفكرة التقريب برسالة إلى شلتوت بعد إصداره لفتواه يذكر له ما ينشر في بلاد الشيعة من كتب لا تتفق ودعوة التقريب
ويدعوهم لأن يجدوا لذلك
_________________
(١) وهو شيخهم محمد الخالصي، انظر: كتيبه «التوحيد والوحدة»: (ص ٣٣- ٣٤) . وانظر: النص في ملحق الوثائق والنصوص.
[ ٢ / ١٨٨ ]
حلًا (١)، فأجابه شلتوت: (يمكنكم أن ترجعوا إلى مجلة «رسالة الإسلام» لتروا فيها ما يشفي الغلة ويطمئن القلوب إن شاء الله تعالى) (٢) . وهو جواب يشبه فتواه في الشذوذ والغرابة.
٧- جاء في القانون الأساسي لجماعة التقريب في المادة الثانية ما يلي: "أغراض الجماعة هي":
العمل على جمع كلمة أرباب المذاهب الإسلامية "الطوائف الإسلامية" الذين باعدت بينهم آراء لا تمس العقائد التي يجب الإيمان بها (٣) .
وفي هذا القانون الذي قامت عليه الجماعة عدة أخطاء - في نظري -:
_________________
(١) ومما قاله في رسالته: (هل تعتقدون فضيلتكم بأن فكرة التقريب تنجح من دون أن تساعدها المقامات النافذة مساعدة معنوية حقيقية؟ "كذا" فالذي عندي أنه قلما توجد في بلاد التسنن تأليفات حديثة تضرم ثائرة الاختلاف، ولكن توجد كثيرًا في بلاد التشيع تأليفات حديثة تزيد في اضطرام تلك الثائرة ككتاب «الغدير» باللغة العربية في بضعة عشر مجلدًا، وكتاب «شبهاي بيشاوى» باللغة الفارسية في مجلد ضخم، وكذلك تطبع وتنشر كتب كثيرة - أُلفت في العصور السالفة بلحن حاد - إما لم تطبع قبل، وإما طبعت ونفدت نسخها، والآن تجدد طبعتها وسيلة الأُفست وتنشر بين الناس، فالأولى ككتاب «النقض» وكتاب «تحفة الأخبار» والثانية ككتاب «إحقاق الحق» ونظائره، ولا شك أن أمثال تلك المطبوعات الحديثة مخلة بمقاصد جمعية التقريب، أفلا يمكن لأركان دار التقريب وللأستاذ القمي السكرتير مع عنايته الخاصة بهذا الأمر أن يجدوا طريقة لتحديد تلك الإذاعات المنافية لروح الوحدة والائتلاف، والمانعة من نيل جمعية التقريب أهدافها الشريفة؟) أبو الوفاء المعتمدي الكريستاني: «رسالة الإسلام»: (١٢/٣٩٧) .
(٢) «رسالة الإسلام»: (١٢/٣٩٨) .
(٣) «رسالة الإسلام»: (١٤/١٥١) .
[ ٢ / ١٨٩ ]
أولًا: أنها فسرت المذاهب الإسلامية بالطوائف الإسلامية، ولا شك أن مصطلح "الطوائف" إنما يطلق على مثل المعتزلة والخوارج والشيعة، فهل دار التقريب تعتبر المذاهب الأربعة طوائف، فتكون قد قامت على قانون يفرق بين المسلمين ولا يقربهم؟. فلا شك أن هذا التفسير يخرج المذاهب الأربعة؛ لأنها ليست بطوائف. لكن دار التقريب أشاعت هذا المفهوم الخاطئ وهو اعتبار المذاهب طوائف. كما قالت: المذاهب أو الطوائف الستة - تعني المذاهب الأربعة، وطائفة الزيدية والشيعة - وفي هذا مغالطة تكمن في اعتبار تعدد المذاهب الفقهية لدى أهل السنّة هو من قبيل تعدد الفرق والطوائف، والحق أن يقال مذهب أهل السنّة ومذهب الشيعة.
ثانيًا: ثم هل مذاهب أهل السنة - المتوارثة عن أئمة الهدى المعروفين ﵏ - هل تحتاج إلى من يقرب بينها مثلها في ذلك - على حسب صنيع دار التقريب - مثل مذهب الشيعة مع غيره؟.
لا شك أن في هذه التسوية خطأ، والسعي في التقريب بين المذاهب الأربعة سعي في تحصيل الحاصل بالنظر إلى أن أئمة تلك المذاهب أسرة واحدة في خدمة الدين، والرجوع إلى الكتاب والسنّة، والاحتجاج بالإجماع والقياس حتى نضج الفقه الإسلامي على أيديهم.
ثالثًا: وقول "قانون الجماعة" أنه أوقع التباعد بين هذه الطوائف آراء لا تمس العقائد: مخالف للواقع؛ إذ كيف يقال هذا والرافضة تكفر من أنكر إمامة أئمتهم الاثني عشر؟، ومعنى هذا أن أهل السنّة في اعتقاد الرافضة مخالفون لهم في أصل الاعتقاد، ثم هل مواقف الشيعة من كتاب الله وسنّة رسوله - ﷺ -
[ ٢ / ١٩٠ ]
والإجماع والصحابة إلخ، هل هذه قضايا لا تمس العقائد؟
فهذا القول وهو أنه لا خلاف بين السنّة والشيعة في آراء لا تمس العقائد - إنما - كما يرى الشيخ رشيد رضا - يضر أهل السنّة فقط (١)، لأن ذلك معناه أن أهل السنّة موافقون للشيعة في شذوذهم الذي يهدم الدين والعقيدة ولا يعتبرون ذلك الشذوذ ماسًّا بالعقيدة.
ونكتفي بهذا القدر من التقويم. ومن أراد المزيد ففي «مجلة الفتح» (٢)، و«مجلة الأزهر» (٣)، وكتاب «الخطوط العريضة» للشيخ محب الدين الخطيب (٤)، وما كتبه الشيخ محمود الملاح (٥) ما يفيد المستزيد.
(ب) محاولات فردية:
١- من أهل السنة:
فكرة التقريب تعلق بها كثير من العلماء والكتّاب والمفكرين من المنتمين لأهل السنّة وتحدثوا عن ضرورتها، ولا سيما في هذا
_________________
(١) مجلة «المنار»: (جـ٢٩/ص ٤٣٣) .
(٢) مجلة «الفتح»: انظر المجلد السابع عشر ص ٦٣٧، ٧٣٤، ٧٨٣ إلخ.
(٣) مجلة «الأزهر»: انظر المجلد ٢٥ ص ٦٩٤، المجلد ٢٤ ص ٢٨٣، ٣٢٩، ٥٣٣، إلخ.
(٤) للشيخ محب الدين الخطيب جهود كبيرة في مواجهة محاولة الروافض نشر عقيدتهم عن طريق التقريب، وقد كتب د. محمود فوزي في رسالته للدكتوراه في محب الدين الخطيب عن هذه الجهود وعقد ص ٢٢٣ مبحثًا لهذا بعنوان: (جهود الخطيب ضد مذاهب الباطنية الشيعة الإمامية الاثني عشرية)، وانتهى إلى القول: (فإن النتيجة لهذه الجهود أنها آتت ثمرتها المباركة، فلم ينخدع بهم - يعني الروافض - أحد وفشلت مهمة التقريب) محمود فوزي: «محب الدين الخطيب»: ص ٢٤٧.
(٥) انظر رسائله في ذلك ضمن «مجموع السنّة» .
[ ٢ / ١٩١ ]