الفصل الأول: التوحيد والرد على الجهمية
المطلب الأول: المؤلفات في التوحيد
سمي الإمام البخاري هذا الكتاب بـ كتاب التوحيد " وفي بعض رواياته " كتاب التوحيد والرد على الجهمية وغيرهم "
وهذا من استكمال المنهج في الرد على الفرق المخالفة في هذا الجامع المبارك لأنه -﵀- رد على المرجئة في كتاب (الإيمان) وعلى الخوارج في كتاب (الفتن) ورد على الرافضة في كتاب (الأحكام).
والمراد بقوله " وغيرهم " ما فسره البخاري في بعض روايات الصحيح فقال " القدرية " وهي رواية المستملي. ومعلوم أنهم المعتزلة.
فهذه هي رؤوس البدعة: - الجهمية، والمرجئة، والخوارج، والرافضة. على أنه مع هذا كله ﵀ لم يسم أولئك الذين نبه على أخطاءهم وأوهامهم ولم يسم أحدًا بعينه، وهذه همة عالية لأُولي العزم من العلماء.
وغالب الشراح قد تنبه إلى مقصده - ﵀ - بهذا التبويب أعني الرد على أصول الفرق المخالفة وأفراد كل منها بكتاب خاص.
والبخاري في فعله ذلك داخل في منظومة السلف التي جاهدت في الله حق جهاده في بيان ما أخذ عليهم من العهد بالبلاغ ولو آية وبعدم كتم العلم.
[ ٥٤ ]
ولما وقع الخلل في الصف آخر عهد الصحابة بدأ العلماء بالتصنيف في العقائد وكان على شقين:
١ - إما توضيحًا للسنة وشرحًا لها.
٢ - وإما ردًا على بدعة، وهناك من يجمع بين المنهجين وهم حريصون على النقل عن الله ورسوله إذ هما العمدة في مثل هذه الأمور. . قال ابن تيمية: وأما أهل الحديث فإنما يذكرون مذهب السلف بالنقول المتواترة، يذكرون من نقل مذهبهم من علماء الإسلام وتارة يردون نفس قولهم في هذا الباب. (١)
ومن جهود العلماء في التأليف في نشر السنة وشرح الاعتقاد وبيان التوحيد (٢)
١ - السنة لأبي بكر عبد الله بن محمد العبسي (ت ٢٢٥ هـ).
٢ - السنة للإمام أحمد (٢٤١ هـ) ط
٣ - السنة لأبي بكر بن الأثر م ت (٢٧٣ هـ) ط.
٤ - السنة لأبي داود صاحب السنن (ت ٢٧٥ هـ).
٥ - السنة لعبد الله بن الإمام أحمد (ت ٢٩٠ هـ) ط
٦ - السنة لأبي بكر أحمد المروزي ت (٢٩٢ هـ) ط
٧ - السنة لمحمد بن نصر المروزي (ت ٢٩٤ هـ).
٨ - التوحيد لأبي عبد الله بن مندة (ت ٣٢٠ هـ).
٩ - التوحيد لابن خزيمة (ت ٣١١) ط.
١٠ - الشريعة للإمام الآجري (ت ٣٦٠ هـ) ط.
١١ - الإبانة الكبرى لابن بطة العكبري (ت ٣٨٧ هـ) ط.
١٢ - التوحيد لمحمد بن إسحاق بن مندة (ت ٣٩٥) ط.
_________________
(١) الفتاوى ٤/ ١٥١، ١٥٢
(٢) سأرمز للمطبوع بـ (ط). وممن نبه على مؤلفات أهل السنة الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٧٦) والفتاوى لابن تيمية ٣/ ٣٧٩ والذهبي من خلال سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٤.
[ ٥٥ ]
١٣ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لأبي القاسم اللالكائي (ت ٣٩٥) ط.
١٤ - الحجة في بيان المحجة في شرح عقيدة أهل السنة لقوام السنة إسماعيل الأصبهاني (ت ٥٣٥ هـ) ط.
وفي الجانب الآخر أعني جانب الرد وتفنيد الشبه على الجهمية خاصة والمخالفين عامة فمنها:
١ - الرد على الجهمية لعبد الله بن محمد الجعفي شيخ البخاري (ت ٢٢٩ هـ).
٢ - الإمام نعيم بن حماد له ثلاثة عشر كتابًا في الرد على الجهمية (ت ٢٢٩ هـ). (١)
٣ - الحيدة والاعتذار في الرد على من قال بخلق القرآن فكناني (ت ٢٤٠ هـ) ط.
٤ - الرد على الجهمية للإمام أحمد (ت ٢٤ هـ) ط.
٥ - خلق أفعال العباد للبخاري (ت ٢٥٦ هـ) ط.
٦ - الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية لابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) ط.
٧، ٨ - الرد على الجهمية - والرد على المريسي كلاهما للإمام الدارمي (٢٨٠ هـ) ط.
٩ - الرد على الجهمية للإمام ابن أبي حاتم (٣٢٧ هـ).
١٠ - التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع لأبي الحسين الملطي (ت ٣٧٧ هـ) ط.
١١ - الرد على الجهمية لمحمد بن إسحاق بن مندة (ت ٣٩٥ هـ) ط.
وقد يسر الله الاطلاع - بفضله ومنه - على المطبوع منها والاستفادة منه وما زال أئمة السنة موضحين وشارحين ورادين على المخالفين.
وقول البخاري (كتاب التوحيد والرد على الجهمية)، يحوجنا إلى توضيح: التوحيد وإلقاء الضوء على الجهمية.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٠/ ٥٩٩
[ ٥٦ ]
المطلب الثاني: تعريف التوحيد
التوحيد: مصدر وحد يوحد أي جعل الشيء واحدًا.
وقيل الحكم بان الشيء واحد والعلم بأنه واحد.
وفي الاصطلاح: إفراد الله بما يختص به سبحانه. (١)
وهو ثلاثة أنواع: الربوبية والألوهية، والأسماء والصفات.
وقال الجرجاني: وهو ثلاثة أشياء: معرفة الله تعالى بالربوبية والإقرار بالوحدانية ونفي الأنداد عنه جملة. (٢)
ومسألة تقسيم التوحيد حصل فيها انتقاد بين المعرفين من كل طائفة والحق أنه تقسيم اصطلاحي ظهر باستقراء النصوص مع تنزيه الله.
ولا باس أن نعرج على مسألة مهمة وهي من قال بهذا التقسيم أعني الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وأقدم من وجد مقسمًا لذلك الإمام أبو حنيفة ﵀ فقال: والله تعالى يدعى من أعلى لا من أسفل لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء). (٣)
وقال شارح الفقه الأكبر لأبي حنيفة: الملا على القارئ. (٤)
_________________
(١) معجم ألفاظ العقيدة لعامر الفالح ص ١٠٢.
(٢) التعريفات للجرجاني صـ ٩٦.
(٣) أصول الدين عند ابي حنيفة ص ٢٠٨ وهي في الفقه الأبسط لأبي حنيفة صـ ٥١.
(٤) علي بن سلطان الملا القاريء، فقيه حنفي من صدور العلم في عصره صنف كتبًا كثيرة، (ت ١٠١٤ هـ)، الأعلام (٥/ ١٢).
[ ٥٧ ]
" ابتداء كلامه ﷾ في الفاتحة بالحمد لله رب العالمين يشير إلى تقرير توحيد الربوبية المترتب عليه توحيد الألوهية المقتضي من الخلق تحقيق العبودية (١)
وممن قال به أيضًا من المتقدمين الإمام عبد الله بن محمد بن بطة العكبري (ت ٣٨٧) هـ قال في كتابه (الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة).
ما نصه " وذلك أن أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاث أشياء:
أحدها: أن يعتقد العبد ربانيته ليكون بذلك مباينًا لمذهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعًا.
الثاني: أن يعتقد وحدانيته ليكون مباينًا بذلك مذاهب أهل الشرك الذين أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره.
الثالث: أن يعتقده موصفوفًا بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفًا بها من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه. (٢)
وممن قال به من المتقدمين الإمام الحافظ أبى عبد الله محمد بن إسحاق ابن مندة (ت ٣٩٥ هـ) في كتابه (كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله ﷿ وصفاته على الاتفاق والتفرد).
قال محققه: اشتمل على أقسام التوحيد التي ورد ذكرها، الربوبية والألوهية والأسماء والصفات ثم سرد الأبواب التي نص عليها ابن مندة لذلك. (٣)
_________________
(١) المرجع السابق صـ ٢٠٩
(٢) الإبانة لابن بطة صـ (٦٩٣ - ٦٩٤) من القسم المخطوط انظر القول السديد صـ ٢٩
(٣) التوحيد لابن مندة ١/ ٣٣ - ٤٢ بتحقيق د. علي فقيهي
[ ٥٨ ]
وكذلك نص على مثله الإمام الطحاوي في عقيدته (ت ٣٢١ هـ) فقال في أولها " نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: أن الله واحد لا شريك له ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه ولا اله غيره ".
فتأمل قوله (لا شيء مثله) في الصفات (ولا شيء يعجزه) وهذا من توحيد الربوبية (ولا اله غيره) وهذا من توحيد الألوهية، وهذا ما فسره به الشارح ابن أبى العز الحنفي (ت ٧٩٣ هـ) في بيان وشرح هذه الأقسام.
ومنهم الإمام المقريزي (١) الشافعي صاحب الخطط المشهورة (ت ٨٤٥ هـ) فقد بنى عليها كتابه تجريد التوحيد المفيد. (٢)
ومن المتأخرين البيجوري شارح جوهرة التوحيد قال: " الحمد لله رب العالمين " يشير إلى تقدير توحيد الربوبية المترتب عليه توحيد الألوهية - ثم قال: وغالب سور القرآن متضمنة نوعي التوحيد. (٣)
وأما وجوده في كلام ابن تيمية وابن القيم وابن رجب فكثيرٌ جدًا وهم أكثر من حرره وأبرزه.
وأما الإمام البخاري فقد أفرد الربوبية وجعل فعل الله منها فقال: ففعله من ربوبيته حيث يقول ﴿كن فيكون﴾ (٤) يس ٨٢، فذكر جزءًا من التقسيم ولم ينص على غيره، والحاصل: أن هذا التقسيم استقراء لنصوص الشرع وهو مطرد لدى أهل كل فن، وهو خلاصة النظر في كلمة
_________________
(١) أحمد بن علي بن عبدالقادر مؤرخ الديار المصرية ولي فيها الحسبة والخطابة (ت ٨٤٥ هـ)، الأعلام (١/ ١٧٧).
(٢) تجريد التوحيد للمقريزي ٣٨ وما بعدها وذكر إقرار المشركين لتوحيد الربوبية وإنكارهم لتوحيد الإلوهية صـ ٤٦.
(٣) شرح جوهرة التوحيد للبيجوري ص ٩٧.
(٤) خلق أفعال العباد (١١٣).
[ ٥٩ ]
التوحيد (لا إله إلاّ الله) فقد دلت هذه الكلمة على إفراد الله بالعبادة ودلت على ربوبيته، فإن العاجز لا يكون ربًا، ودلت على كمال أسمائه وصفاته، إذ أن مسلوب الصفات ليس بشيء. والله أعلم.
[ ٦٠ ]
المطلب الثالث: تعريف الجهمية
الجهمية - كما يظهر من تسميتها - نسبة إلى الجهم بن صفوان لأنه هو الذي أظهرها وبينها وجادل عنها قال عنه الإمام أحمد: (إنه وضع دين الجهمية). (١)
وهناك من الآراء التي تبناها عن غيره نسبت إليه لأنه هو الذي نشرها فمن هو الجهم؟ . (٢)
اسمه: أبو محرز الجهم بن صفوان وكان مولى لبني راسب من الأزد وهو من أهل خراسان وقد أخذ عن الجعد بن درهم في الكوفة ثم صار قاضيًا للحارث بن سريج (٣) الذي خرج على دولة بني أمية في أواخرها وقد اسر الجهم في معركة بين الحارث بن سريج وأمير خراسان من قبل بني أمية نصر بن سيار (٤)، فتولاه (سلم بن أحوز) (٥) أمير خراسان فقال له الجهم إن لي أمانًا من أبيك؛ فقال سلم: ما كان له أن يؤمنك ولو فعل ما أمنتك ولو ملأت هذه الملاءة كواكب وأنزلت عيسى بن مريم ما نجوت. والله لو كنت في بطني لشققت بطني حتى أقتلك ثم أمر بقتله.
والجهم عاش في عصر الرواية في زمن صغار التابعين ومع ذلك لم يعرف له رواية.
_________________
(١) الرد على الجهمية للإمام أحمد ص ١٠٥.
(٢) انظر للتوسع مقالات الأشعري (١/ ٣٣٨) (الملل والنحل ٣٦) وسير أعلام النبلاء (٦/ ٢٦) والبداية والنهاية (١٠/ ٢٧).
(٣) التميمي الخراساني خرج على هشام بن عبدالملك ثم هرب إلى الترك ثم رجع وقتله الكرماني سنة ١٢٨ هـ الأعلام (٢/ ١٥٤).
(٤) نصر بن سيار أمير خراسان من قبل هشام بن عبدالملك (ت ١٣١ هـ) الأعلام (٨/ ٢٣).
(٥) المازني والي الشرطة لنصر بن سيار أمير خراسان. كان من القواد (ت ) البداية والنهاية (٩/ ٣٦٤).
[ ٦١ ]
قال عنه أبو معاذ البلخي (١): لم يكن له علم ولا مجالسة أهل العلم فقيل له صف لنا ربك: فدخل البيت لا يخرج كذا ثم خرج بعد أيام فقال هو هذا الهواء مع كل شيء وفي كل شيء ولا يخلو منه شيء. (٢)
وأهم آراء جهم والتي جمعت من كلام الأئمة الذين دونوا في الفرق أو ردوا عليه فهو لم يترك كتابًا نأخذ منه فكره وآراءه والتي من أهمها:
١ - نفي الأسماء والصفات.
٢ - الإيمان هو المعرفة فقط.
٣ - القول بالجبر فلا فعل لأحد في الحقيقة إلا الله وأن نسبة الأفعال للناس مجازية.
٤ - القول بفناء الجنة والنار
وممن سرد ما أنكره جهم الإمام الملطي عن الإمام أبي عاصم بن أصرم (٣) فمنها:
(أنكر جهم أن الله على العرش وأن له كرسي وأن يكون في السماء دون الأرض وأنكر أن يكون له سمع وبصر ويد وأنكر أنه استوى إلى السماء أو أنه تكلم مع موسى أو أنه يتكلم وأنكر النزول إلى السماء الدنيا وأنكر النظر إلى الله وأنكر قبض ملك الموت للأرواح ومنكر ونكير وأنكر الشفاعة وخروج قوم من النار ثم أنكر أن الجنة والنار مخلوقتان وزعم أنهما تفنيان بعد خلقهما. (٤)
_________________
(١) عبدالله بن محمد البلخي محدِّث بلخ استشهد على يد القرامطة عام ٢٩٤ هـ، الأعلام (٤/ ١١٨).
(٢) فتح الباري ١٣/ ٣٤٥
(٣) خشيش بن أصرم النسائي ثقة حافظ حجة، قال الذهبي كان صاحب سنة واتباع روى عنه أبوداود والنسائي (ت ٢٥٣ هـ) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٥٠).
(٤) التنبيه والرد للملطي (٩٩ - ١٤٤)
[ ٦٢ ]
وحيث يطلق أئمة السنة كلمة (الجهمية) فإنهم يعنون أتباع جهم ولمن قال ببعض أقواله أو بنى كلامه على ما أصَّله جهم فمن ذلك المعتزلة ومنهم بعض الصفاتية المثبتة المخالفة للجهمية لكن يردون بعض الصفات أو قالوا بتأويلها.
وقد كفّر الأئمة الجهمية الغلاة.
قال ابن المبارك: الجهمية كفار زنادقة، وقال أحمد بأن الجهمي إذا مات لا يرثه ولده.
وقد عقد البخاري لذلك فصلًا في أول (خلق أفعال العباد) وقال: نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس فما رأيت أضل في كفرهم منهم وإني لاستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم.
وقال البخاري أيضًا: ما أبالي صليت خلف الجهمي والرافضي أم صليت خلف اليهود والنصارى ولا يسلم عليهم ولا يعادون ولا يناكحون ولا يشهدون ولا تؤكل ذبائحهم. (١)
وأصحاب كتب الفرق يجعلون الجهمية تارة قسمًا من إحدى الفرق الكبرى كالمرجئة كما فعل الأشعري وتارة من الجبرية كما فعل الشهرستاني والبغدادي وهناك من يجعلهم فرقة واحدة ثم يعدد لهم فرق أوصلها بعضهم إلى اثنتي عشرة فرقة ذكروا منها المعطلة والمريسية والزنادقة والواقفة واللفظية وهكذا كل فرقة زادت شيئًا أو تميزت.
وسيأتي الكلام أثناء البحث - بحول الله - عن أقوالهم وشبههم والرد عليها. (٢)
_________________
(١) انظر كلام الأئمة وكلام البخاري في خلق أفعال العباد للبخاري (٢٩ - ٤٠).
(٢) انظر في هذه الفرق مقالات الأشعري (١/ ٢١٣) والملل والنحل (٣٦) والفرق بين الفرق (٢٥).
[ ٦٣ ]
الفصل الثاني: أول واجب على المكلفين
قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: كتاب التوحيد
(- باب ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد الله تعالى).
١) أسند فيه حديث معاذ وفيه " فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله فإذا عرفوا ذلك".
٢) وحديث معاذ وفيه: أتدري ما حق الله على العباد. . . أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا".
٣) وحديث أبي سعيد الخدري في الرجل الذي يقرأ سورة الإخلاص وفيه " والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن"
٤) وحديث عائشة عن الرجل الذي بعثه الرسول - ﷺ - على سرية وكان يختم بـ " قل هو الله أحد " وقال - ﵇ - حين قال " إنها صفة الرحمن وأنا أحبُ أن أقرأ بها". فقال: " أخبروه أن الله يحبه".
بعث الله أنبيائه جميعًا بالتوحيد ودعوة أقوامهم إلى أن يوحدوا الله.
والقرآن الكريم مليء بالآيات التي تنص على وجوب عبادة الله وحده لا شريك له وتبين لزوم ذلك للإنسان لزوم أمرٍ أوجبه الله عليه وجاء الوعيد والتهديد لمن تركه وأعرض عنه، والترغيب والوعد بالجزاء الجميل لمن أمتثل ذلك واتبع الرسل ومع وضوح ذلك من النصوص الشرعية، فقد وُجد من خالف ذلك الجانب وأعرض عن العلم بأمر الله وشرعه والذي بفقده يستحكم الضلال والبعد عن كل خير.
فلابد للعبد أن يعلم أنَّ أهمّ ما أوجبه الله عليه معرفة ما أمر الله والعمل به. وأول ما أوجب الله تعالى على العبد وأعظمه هو الإيمان به تعالى وبرسوله ثم الاهتداء إلى ذلك وتفاصيله
[ ٦٤ ]
بالوحي الذي جاء به النبي - ﷺ - قال تعالى: ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إليّ ربي﴾ سبأ ٥٠.
وقال عبد الله بن رواحة والنبي - ﷺ - يسمع ويردد معه. . "والله لولا الله ما اهتدينا" وذلك عند بناء مسجد الرسول - ﷺ -.
وقد تكلم الناس في أصل المعرفة بالخالق سبحانه. . هل هي فطرية أم نظرية؟ . وترتب على هذا اختلاف آخر وهو: هل النظر واجب أم لا؟ على أقوال:
الأول: أن النظر واجب وأن المعرفة بالصانع متوقفة عليه. وهو قول الجهمية وطوائف من المتكلمين كالجو يني وحكى الإيجي الإجماع على ذلك وهو المشهور عند المعتزلة. (١)
الثاني: يمكن حصول المعرفة بدون النظر لكنه طريق صحيح وهو قول أبي سليمان الخطابي (٢) والقاضي أبي يعلى (٣) وأبي جعفر السمناني. (٤)
والثالث: أنه ليس بواجب مطلقًا وهو قول ابن حزم وقد شدد اللهجة في إنكاره وقال: "فلقد بقينا سنين كثيرة لا نعرف الاستدلال ولا وجوهه ونحن ولله الحمد في غاية اليقين بدين الإسلام، وكل ما جاء به محمد - ﷺ - نجد أنفسنا في غاية السكون إليه، وفي غاية النفار عن كل ما يتعرض فيه بشك. (٥)
_________________
(١) المواقف للايجي صـ ٢٧.
(٢) حمد بن محمد الخطابي، فقيه محدِّث شرح البخاري وسنن أبي داود (ت ٣٨٨ هـ) الأعلام (٢/ ٢٧٣).
(٣) محمد بن الحسين الفراء، عالم عصره في الأصول والفروع وشيخ الحنابلة في وقته ت (٨٥٤ هـ) الأعلام (٦/ ٩٩).
(٤) محمد بن أحمد السمناني، قاضي حنفي كان مقدم الأشعرية في وقته توفي (٤٤٤ هـ) الأعلام (٥/ ٣١٤).
(٥) الفصل لابن حزم (٤/ ٧١).
[ ٦٥ ]
الرابع: هو واجب بالجملة وهو قولٌ للخطابي وأبي فرج المقدسي. (١)
والموجبون للنظر يقولون هو: أول الواجبات، ومنهم من يقول بل القصد إلى النظر هو أول الواجبات. وقال أبو هاشم بل الشك أول الواجبات. (٢)
وهناك من فصَّل فقال: يجب النظر في حالٍ دون حال، وعلى شخص دون شخص فوجوبه من العوارض التي تجب على بعض الناس في بعض الأحوال لا من اللوازم العامة فيقال: كل علم وجب ولم يحصل إلاّ بالنظر وجب فيه النظر.
وأما إذا حصل ضرورة أو حصل بدون النظر ولم يكن العلم واجبًا لم يكن النظر فيه واجبًا. وذكر ابن تيمية: أن هذا أعدل الأقوال وكلام الأئمة والسلف إنما يدل عليه. (٣)
ومعرفة الخالق فطرية وإنما تكون نظرية عند من فسدت فطرته فاحتاج إلى النظر والبرهان ومن المعلوم من دين الرسول - ﷺ - أنه لم يوجب هذا النظر على الأمة، ولا أمرهم به. بل ولا سلكه هو ولا أحد من سلف الأمة في تحصيل هذه المعرفة، ولو كان النظر واجبًا لكان أول ما يجب على الرسل دعوة قومهم إليه وهذا مما علم فساده من دين الإسلام. (٤)
والفطر تعرف الخالق بدون الآيات والأدلة الفعلية لأن معرفة الدليل تستلزم تصور المدلول عليه قبل ذلك، كما أن معرفة الاسم تقتضي تصور المسمى من قبل حتى تمكن المطابقة وتتم المعرفة. (٥)
_________________
(١) عبد الواحد بن محمد الشيرازي شيخ الشام في وقته، حنبلي له مؤلفات جليلة (ت ٤٨٦ هـ) الأعلام (٤/ ١٧٧).
(٢) المواقف صـ ٣٢.
(٣) الرسائل الكبرى لابن تيمية ٢/ ٣٤٧، ٣٤٨.
(٤) انظر الفتاوي لابن تيمية ١٦/ ٣٣٠.
(٥) مدرارج السالكين ١/ ٥٩ - ٦٠.
[ ٦٦ ]
والقلوب مفطورة على الإقرار به سبحانه أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره كما قالت الرسل: ﴿أفي الله شكٌ فاطر السموات والأرض﴾ إبراهيم ١٠.
قال الشهرستاني: فما عددت هذه المسألة - توحيد الربوبية- من النظريات التي يقام عليها برهان، فإن الفطر السليمة الإنسانية شهدت بضرورة فطرتها على صانع حكيم عالم قادر".
ثم قال: ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشريك. (١)
ويشير الإمام أبو المظفر السمعاني (٢) إمام الشافعية في وقته إلى هذا الأمر بقوله: " وإنما أنكرنا طريقة أهل الكلام على ما أسسوا فإنهم قالوا: أول ما يجب على الإنسان النظر المؤدي إلى معرفة الباري وهذا قول مخترع لم يسبقهم إليه أحد من السلف وأئمة الدين ولو أنك تدبرت جميع أقوالهم وكتبهم لم تجد هذا في شيء منها لا منقولًا من النبي - ﷺ - ولا من الصحابة - ﵃- وكذلك من التابعين بعدهم. فكيف يجوز أن يخفى عليهم أول الفرائض وهم صدور هذه الأمة والسفراء بيننا وبين رسول الله - ﷺ -. ثم ساق ﵀ الأدلة على أن أول واجب هو الدعوة إلى توحيد الله واستدل لذلك بحديث الباب عن معاذ وحديث أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. (٣)
_________________
(١) نهاية الأقدام صـ (١٢٤).
(٢) منصور بن محمد التميمي الشافعي، مفسرٌ محدِّث وهو صاحب الأنساب له (الإنتصار لأصحاب الحديث) وغيره (ت ٤٨٩ هـ) الأعلام (٧/ ٣٠٣).-
(٣) رواه البخاري - الإيمان ب ١٧.
[ ٦٧ ]
ثم قال: وما روى أنه دعاهم إلى النظر والاستدلال وإنما يكون حكم الكافر في الشرع أنه يُدعى إلى الإسلام فإن أبى وسأل النظرة أو الإمهال لا يجاب إلى ذلك.
ثم قال: وربما لا يتفق النظر والاستدلال له في مدة يسيرة فيحتاج إلى إمهال الكفار مدة طويلة تأتي على سنين ليتمكنوا من النظر التمام والكمال وهذا خلاف إجماع المسلمين. (١)
قال الإمام الطحاوي في أول عقيدته المشهورة: " نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله. أن الله واحد لا شريك له".، وعلق عليه الشارح بقوله:
ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة ألا إله إلا الله لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا الشك كما هي أقوالٌ لأرباب الكلام المذموم. بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب بلوغه ولم يوجب أحدٌ منهم على وليه أن يخاطبه حينئذٍ بتجديد الشهادتين وإن كان الإقرار بالشهادتين واجبٌ باتفاق المسلمين ووجوبه يسبق وجوب الصلاة لكن هذا أدى إلى هذا الواجب. ثم قال فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا كما قال - ﷺ -: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنَّة) فهذا أول وآخر واجب. (٢)
وهذه المسألة هي أول المسائل في كتب أهل الكلام عند الأشاعرة والماتريدية وهي من جملة ما بقى من أصول المعتزلة.
_________________
(١) نقل هذا الإمام قوام السنة إسماعيل التميمي في كتابه الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة ٢/ ١١٧.
(٢) بتصرف من كلام شارح الطحاوية ابن أبي العز صـ ٢٣.
[ ٦٨ ]
كما نقل ذلك الحافظ بن حجر عن أحد كبار الأشاعرة فقال: " وقد أعترف أبو جعفر السمناني وهو من رؤوس الأشاعرة وكبارهم بأن هذه المسألة من مسائل المعتزلة بقيت في المذهب" (١) وهنا يبين تأثير المعتزلة على الأشاعرة.
والذي بوب له البخاري رحمه الله تعالى من دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى التوحيد هو الذي نُقل عن السلف الصالح والأئمة الأعلام فقد أخرج الإمام الهروي (٢) في كتابه (ذم الكلام) بسنده عن الإمام الشافعي ﵀، قال: سئل الإمام مالك عن الكلام والتوحيد فقال مالك: "محال أن يظن بالنبي - ﷺ - أنه علَّم أمته الاستنجاء ولم يعلمهم التوحيد، والتوحيد ما قاله النبي - ﷺ - " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" فما عصم به المال والدم حقيقة التوحيد. (٣)
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: القول في السنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم مثل سفيان ومالك وغيرهما الإقرار بشهادة إلا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله (٤)، وهذا هو الذي يفهم من تبويب الإمام البخاري.
فأحاديث الباب دالة على ذلك فحديث معاذ وفيه قوله - ﷺ -: (أول ما تدعوهم إليه) وحديث (حق العباد على الله أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا)، والشرك ضد التوحيد. وحديث (فضل سورة الإخلاص) وهي التي تحتوي على أصول التوحيد وإفراد الله بأنه الواحد الأحد الصمد. والنصوص تؤيد ذلك فمنها ما أخرجه الإمام أحمد عن ابن عباس -﵄-
_________________
(١) فتح الباري ١/ ٧٠، ١٣/ ٣٤٨.
(٢) عبد بن أحمد بن محمد ابوذر الهروي، عالم من الحفاظ من فقهاء المالكية، (ت ٤٣٤ هـ) الأعلام (٣/ ٢٦٩).
(٣) اعتقاد الأئمة الأربعة د. عبد الله الخميس صـ ٢٥.
(٤) اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم صـ ١٦٥، ومختصر العلو للذهبي صـ ١٧٦.
[ ٦٩ ]
أن رجلًا قال للنبي - ﷺ - أنشدك الله. آلله أرسلك أن نشهد ألا إله إلا الله وأن ندع اللات والعزى، قال نعم، فأسلم. (١)
وحديث عمرو بن عبسة عند مسلم قال: ما أنت؟ قال: نبي الله قلت: آلله أرسلك قال: نعم، قلت بأي شيء قال: أن يوحد الله ولا يشرك به. (٢)
وحديث أسامة في قصة قتله للرجل الذي قال: لا إله إلا الله فأنكر عليه. (٣) وما كتبه ﵇ إلى هرقل وكسرى وغيرهما من الملوك يدعوهم إلى التوحيد إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة التواتر المعنوي الدال على أنه - ﷺ - لم يرد في دعائه المشركين على أن يؤمنوا بالله وحده ويصدقوه فيما جاء به عنه فمن فعل ذلك قَبِلَ منه، قال تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾ محمد ١٩.
وقد حذر الإمام القرطبي ﵀ في شرحه لصحيح مسلم (المفهم) من الانسياق وراء من قعَّدوا قواعد وألزموا الناس بها بعيدًا عن النصوص الشرعية فقال في شرح حديث " أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" (٤) هذا الشخص الذي يبغضه الله هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق ورده بالأوجه الفاسدة والشبة الموهمة وأشد ذلك الخصومة في أصول الدين كما يقع لأكثر المتكلمين ثم ساق أقوالًا لعلماء الكلام ورجوعهم عنه، ثم قال: ولو لم يكن في الكلام إلا مسألتان هما من مبادئه لكان حقيقًا بالذم.
_________________
(١) مسند الإمام أحمد ح (٢٢٦٠).
(٢) صحيح مسلم ح (١٣٧٤).
(٣) البخاري ح (٣٩٣٥).
(٤) مسلم ح (٤٨٢١).
[ ٧٠ ]
الأولى: قول بعضهم إن أول واجب الشك إذ هو اللازم عند وجوب النظر والقصد إلى النظر وإليه أشار الإمام الجو يني بقوله " ركبت البحر الأعظم وغصت في كل شيء نهى عنه أهل العلم في طلب الحق فرار من التقليد والآن فقد رجعت واعتقدت مذهب السلف.
ثانيهما: قول جماعة منهم أن من لم يعرف الله بالطرق التي رتبوها والأبحاث التي حرروها لم يصح إيمانه حتى لقد أُورِدَ على بعضهم: أن هذا يلزم منه تكفير أبيك وأسلافك وجيرانك فقال: لا تشنِّع علي بكثرة أهل النار. (١)
فلماذا ليس النظر ولا القصد إلى النظر؟ الصحيح أن القرآن يعرض النظر ولكن لمن يحتاج إليه، أمّا النظر المنهي عنه هو النظر المؤسس على الآراء الفلسفية كالجوهر والعرض وغيرها، قال شيخ الإسلام: ولما كان الكلام في هذه الأبواب المبتدعة مأخوذًا في الأصل عن المعتزلة والجهمية ونحوهم وقد تكلم هؤلاء في أول الواجبات هل هو النظر أو القصد أو الشك أو المعرفة؛ صار كثير من المنتسبين للسنة يوافقونهم على ذلك. (٢) فتبين أن هذه المقالة من موروثات بدع الجهم التي تقاسمتها الفرق بعده وصدق فيهم قول ابن القيم ﵀ في نونيته:
ولذا تقاسمت الطوائف قوله وتوارثوه إرث ذي السهمان
لم ينج من أقواله طرفًا سوى أهل الحديث وشيعة القرآن. (٣)
وممن صرح بأنها من قول الجهم الإمام السُجزي (٤) في رسالته في الحرف والصوت فقال "وهو من أفظع الأقاويل وهو قول الجهم". (٥)
_________________
(١) فتح الباري ١٣/ ٦٢، ٣٦٣
(٢) درء تعارض العقل والنقل ٨/ ٣، ٤.
(٣) النونية ١/ ٤٨ شرح هرّاس.
(٤) عبدالله بن سعيد بن حاتم السجزي، من حفاظ الحديث له (الإبانة عن أصول الدِّيانة) وغيرها. (ت ٤٤٤ هـ) الأعلام (٤/ ١٩٤).
(٥) رسالة في الحرف والصوت للسجزي صـ ١٩٨.
[ ٧١ ]
وقال شيخ الإسلام: هذا القول هو في الأصل معروف عمن قاله من القدرية والمعتزلة ونحوهم من أهل الكلام وإنما قاله من قاله من الأشعرية موافقة لهم، ولهذا قال أبو جعفر السمناني: القول بإيجاب النظر بقية بقيت في المذهب من أقوال المعتزلة وهؤلاء الموجبون للنظر يبينون ذلك على أنه لا يمكن حصول المعرفة الواجبة إلا بالنظر لا سيما القدرية منهم فإنهم يمنعون أن يثاب العباد على ما يخلق فيهم من العلوم الضرورية وليس إيجاب النظر على الناس هو قول الأشعرية كلهم بل هم متنازعون في ذلك. (١)
قال الغزالي ﵀" أسرفت طائفة فكفروا عوام المسلمين وزعموا أن من لم يعرف العقائد الشرعية بالأدلة التي حرروها فهو كافر فضيقوا رحمة الله الواسعة وجعلوا الجنة مختصة بشرذمة يسيرة من المتكلمين. (٢)
وفي حديث الباب وحسن إيراد البخاري له - رحمة الله - الدليل على أن أول الواجبات التوحيد. فقوله - ﷺ -[أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله] بينتها الرواية الثانية (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله) وقوله (فإذا عرفوا ذلك) ليس فيه دليل لمن يوجب المعرفة أولًا بل الفعل متعلق بالدعوة، أي إذا عرفوا ما تدعوهم إليه فأخبرهم. . . الحديث.
وهذا يعرف من حال الرسول - ﷺ - الذي هداه الله ﵎ بنص الوحي فقال: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحنا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور﴾ الشورى ٥٢ - ٥٣.
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٧/ ٤٠٧.
(٢) فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٣٦٢).
[ ٧٢ ]
ونظيره قوله تعالى: ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وأن اهتديت فبما يوحي إلى ربي﴾ سبأ ٥٠.
" ففي هاتين الآيتين يبين الله سبحانه أن الإيمان والهدى حصل بالوحي النازل لا بمجرد العقل الذي كان حاصلًا قبل الوحي". (١)
وانظر إلى فعله - ﷺ - مع عمه أبي طالب قبل موته قال له: "يا عم قل كلمة أحاج لك بها عند الله" (٢) فكان يكتفي منه بذلك، وهذا فعل الصحابة أسلموا كبارًا وصغارًا بادية وحضرًا أحرارًا وعبيدًا مع اختلاف عقولهم فهمًا وإدراكًا لم ينقل عن واحد منهم أنه طُلب منه النظر والاستدلال على طريقة المتكلمين فلو كان الأمر على ما زعموا وألزموا الناس به فكيف كانت دعوة معاذ لأهل اليمن؟ بإثبات وجود الرب وحدوث العالم؟ أم هل كان بدليل التمانع أو الأعراض أو حدوث الأجسام؟ أم بأي دليل غير: قل لا إله إلاّ الله وأسلم تسلم.
وننبه هنا مرة أخرى على أننا لا نعترض على النظر الذي وردت النصوص بالأمر به ولكن الاعتراض على النظر المؤسس على الآراء الفلسفية والطرق الكلامية الذي يحصل بعدم تطبيقها تكفير لعامة المسلمين ولمن لم يطبق هذه الأساليب وقد نكون أنا وأنت منهم أيها القارئ.
وأمّا الأدلة التي يحتج بها الموجبون للنظر فليست لكل أحد.
قال شيخ الإسلام: تعليقًا على أدلة الموجبين للنظر [سورة ليس فيها أن النظر أول الواجبات ولا فيه إيجاب النظر على كل أحد وإنما فيه الأمر بالنظر لبعض الناس وهذا موافق
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٧/ ٤٥٧ ..
(٢) البخاري ح (٣٥٩٥).
[ ٧٣ ]
لقول من يقول أنه واجب على من لم يحصل الإيمان إلا به بل هو واجب على كل من لا يؤدي واجبًا إلا به وهذا أصح الأقوال. (١)
إذن من حصل له ما يفسد فطرته فيحتاج إلى نظر يحصل له به معرفة الرب وهذا أمرٌ ليس على القاعدة المطردة، أن معرفة الرب أمرٌ فطري، وأما الأصل فأول واجب هو شهادة ألا إله إلا الله.
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٨/ ٨.
[ ٧٤ ]
الفصل الثالث: الأسماء الحسنى
المبحث الأول: إثبات الأسماء الحسنى
المطلب الأول: إثباتها وأقسامها
الاسم مشتق من السمو والرفعة (١) وورد إثبات لفظ الاسم لله ﵎، على وجه التفصيل فمما ورد في إثبات لفظ (الاسم) في القرآن ونسبته إلى الله قوله تعالى، ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ الأعراف ١٨٠، وقوله، ﴿الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى﴾ طه ٨ وقوله، ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ الأعلى ١.
ومن الأحاديث " اللهم باسمك أموت وأحيا"، " بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء" وكذلك ورد الإثبات المفصل لأسماء الله الحسنى في الكتاب والسنة كآخر سورة الحشر ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس﴾ الحشر ٢٣.
وختام كثير من الآيات يكون بهذه الأسماء ﴿إنه هو العزيز الحكيم﴾ العنكبوت ٢٦، ﴿والله غني حليم﴾ البقرة ٢٦٣، ﴿إن الله كان عليمًا حكيمًا﴾ النساء ١١.
ومن السنة قوله - ﷺ - "إن الله جميلٌ يحب الجمال" (٢) وقوله " إن الله هو السلام". (٣)
فهذه أدلة صريحة على إثبات صحة نسبة الاسم لله ﵎. (٤)
ويذهب السلف الصالح إلى وجوب إثبات أسماء الله ﷿ إثباتًا حقيقيًا بألفاظها ومعانيها سواءً ما جاء به القرآن أو ما قاله الرسول - ﷺ -، قال تعالى، ﴿ولله الأسماء
_________________
(١) الاشتقاق للزجاج صـ ٢٢٥.
(٢) رواه مسلم ح (١٣١).
(٣) رواه البخاري ح (٦٨٣٣).
(٤) انظر للتوسع شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٢/ ٢١٦.
[ ٧٥ ]
الحسنى فادعوه بها﴾ الأعراف ١٨٠، وقال جل شأنه، ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيًا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ الإسراء ١١٠. وقد أنكرها الجهمية ونفوها عن الله تعالى، وزعموا أنه لا يجوز تسمية الله ﷿ باسم يصح إطلاقه على المخلوق، مدعين أن ذلك يقتضي التشبيه، لأجل هذا أثبتوا بعض الأسماء التي رأوا أنها لا يجوز أن تكون مشتركة بين الخالق والمخلوق، كالمحيي والمميت والخالق والقادر. . مع أنهم يطلقون الأسماء كلها على الله ﷿ على جهة المجاز.
قال ابن خزيمة -رحمه الله تعالى- في الرد عليهم، " وليس في تسميتنا بعض الخلق ببعض اسامي الله تعالى بموجب عند العقلاء الذين يعقلون عن الله خطابه أن يقال، أنكم شبهتم الله بخلقه إذا أوقعتم بعض اسامي الله تعالى على بعض خلقه. وهل يمكن عند هؤلاء الجهال حل هذه الأسامي من المصحف أو محوها من صدور أهل القرآن أو ترك تلاوتها، أليس قد أعلمنا منزل القرآن على نبيه - ﷺ - أنه الملك وسمى بعض عبيده ملكًا، وأخبرنا أنه السلام وسمى تحية المؤمنين بينهم سلامًا في الدنيا وفي الجنة فقال، ﴿تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾ الأحزاب ٤٤. وأعلمنا أنه المؤمن وسمى بعض عباده مؤمنًا فقال، ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ (١) الأنفال ٢.
فكل ما مضى عليه كتاب الله وحديث رسوله - ﷺ - وجب الإيمان به، فمن أنكر أو ألحد فإنه يخشى عليه من الكفر بعد ثبوت الحجة عليه، كما قال الإمام الشافعي - ﵀-، (لله تعالى أسماء وصفات جاء بها في كتابه، وأخبر بها نبيه - ﷺ - لا يسع أحدًا من خلق الله تعالى قامت عليه الحجة ردَّها لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسوله - ﷺ - القول بها، فإن خالف ذلك
_________________
(١) التوحيد لابن خزيمة ١/ ٦٥.
[ ٧٦ ]
بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر بالله تعالى، فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية ولا بالفكر. (١)
ويقسم بعض العلماء الأسماء الإلهية من حيث ورودها إلى ثلاثة أقسام،
أولًا، الأسماء المفردة كالرحمن، والرحيم، والسميع، والعليم، ونحو ذلك. وهي على أوجه،
- فمنها ما يرجع إلى صفات معنوية كالعليم والقدير.
- ومنها ما يرجع إلى أفعال الرب ﵎ مثل الخالق، الرزاق.
- ومنها ما يرجع إلى تنزيه محض، ولابد من تضمنه ثبوتًا إذ لا كمال في العدم المحض كالقدوس، والسلام.
- ومنها الاسم الدال على جملة أوصاف عددية لا تختص بصفة معينة بل هو دال على معناه لا على معنى مفرد مثل (المجيد، العظيم، الصمد). (٢)
ثانيًا، الأسماء المتقابلة،
- كقولنا الظاهر والباطن والقابض والباسط والمعز والمذل والضار والنافع لأن إطلاق واحد من غير ما يقترنه يوهم نقصًا تعالى الله عنه، فلا يطلق المانع والقابض والمذل على انفراد كل واحد فيما يقابله، فهي لم ترد في الوحي إلا كذلك. (٣)
_________________
(١) ذم التأويل لابن قدامه صـ ٢١، تحقيق بدر البدر.
(٢) بدائع الفوائد لابن القيم ١/ ١٥٩ بتصرف.
(٣) معارج القبول للحكمي ١/ ٦٤ بتصرف.
[ ٧٧ ]
- والجمع بينهما يكون وصف مدح إذ يدل على أن طرفي الأمور بعيدة كما قاله الغزالي في المقصد الأسنى. (١)
- وقال الإمام الخطابي -رحمه الله تعالى-، " وإذا ذكرت القابض مفردًا عن الباسط كنت قد قصرت الصفة على المنع والحرمان وإذا أوصلت أحدهما بالآخر فقد جمعت بين الصفتين منبئًا عن وجه الحكمة فيهما. (٢)
- ثالثًا، الأسماء المضافة إليه- تعالى-، وهي نوعان،
- الأول، المضافة إلى الخلق (كرب العالمين، مالك يوم الدين، رب العرش) ونحوها.
- الثاني، المضافة إلى لفظ (ذو) نحو " ذو الطول، ذو الجلال والإكرام، ذو القوة المتين، ذو العرش المجيد".
- وورد عدة تقسيمات أخرى لا يخلو بعضها من تكلف، عدها بعضهم خمسًا وبعضهم عشرًا. (٣)
وجمهور أهل السنة أن أسماء الله توقيفية لا يجوز تسميته بما لم يرد به السمع، وذلك أن أسماء الله وصفاته من الأمور الغيبية التي لا يمكن لنا أن نعرفها إلا عن طريق الرسل الذين يطلعهم الله على ما يشاء من الغيب، ثم هم (يبلغونه للناس)، ولا يجوز القياس فيها، أو الاجتهاد؛ ولأن هذا هو الطريق الصحيح والوحيد لمعرفة توحيد الله ﷿، وأسماءه وصفاته،
_________________
(١) المقصد الأسنى للغزالي صـ ١٥٦.
(٢) شأن الدعاء (٥٧ - ٥٨).
(٣) فتح الباري ١١/ ٢٢٣، أسماء الله للأشقر (٨٠ - ٨٣).
[ ٧٨ ]
وهو الاعتماد على الوحي الذي أوحاه الله إلى نبيه وأمره باتباعه، قال تعالى، ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ محمد ٩، وقال تعالى، ﴿وإن اهتديت فبما يوحي إلى ربي﴾ سبأ ٥٠.
قال الزجاج، " لا يجوز لأحد أن يدعو الله بما لم يصف به نفسه". (١) وقال الخطابي، "ومن علم هذا الباب، أعني الأسماء والصفات، ومما يدخل في أحكامه ويتعلق به من شرائط أنه لا يتجاوز فيها التوقيف، ولا يستعمل فيها القياس، فيلحق بالشيء نظيره في ظاهر وضع اللغة ومتعارض الكلام. (٢) وقال ابن قدامة (٣)، "ومذهب السلف -رحمة الله عليهم- الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها ولا نقص منها ولا تجاوز لها ولا تفسير لها ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها (٤) ".
وقد خالف بعض المعتزلة أهل الحق في هذا الباب وقالوا، أن العقل دال على جواز تسمية الله باسم، وأن الأسماء مأخوذة من الاصطلاح والقياس.
وكان الجبائي (٥) يقول، أن العقل إذا دل على أن الباري عالم، فواجب أن تسميه عالم، وإن لم يسم نفسه بذلك إذا دل العقل على المعنى وكذلك في سائر الأسماء. (٦)
_________________
(١) فتح الباري ١١/ ٢٢٣.
(٢) شأن الدعاء صـ ١١١ - ١١٢.
(٣) عبدالله بن أحمد الموفق بن قدامه، إمام الحنابلة في الشام، كثير التأليف صاحب (المغني) وغيره (ت ٦٢٠ هـ) الأعلام (٩/ ٢٢٢).
(٤) ذم التأويل صـ ٩.
(٥) أبوهاشم عبدالسلام ابن شيخ المعتزلة، أخذ عن والده وشهر المذهب ودافع عنه. (ت ٣٢١ هـ) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٦٣).
(٦) مقالات الإسلاميين الأشعري ٢/ ٢٠٧.
[ ٧٩ ]
ومناظرة الأشعري للجبائي في هذا مشهورة والتي قال في آخرها الجبائي، لم منعت أنت أن يسمى الله عاقلًا وأجزت حكيمًا؟ فقال، لأن طريقي في مأخذ أسماء الله الأذن الشرعي دون القياس اللغوي. (١)
وقد قدمنا الأدلة على التوقيف في إطلاق الأسماء على الله لأنها من الأمور الغيبية والتي لا مجال للعقل فيها قال - ﷺ -، " لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (٢) والتسمية من الثناء فدل على أن العقل لا مجال له في باب الأسماء إلا التصديق والوقوف عند النصوص. (٣)
_________________
(١) طبقات السبكي ٣/ ٣٥٧.
(٢) رواه مسلم ح (٢٢٢).
(٣) للتوسع انظر الأسماء الحسنى لعبد الله الغصن صـ ٦١.
[ ٨٠ ]
المطلب الثاني: دلالة الأسماء الحسنى على الذات
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- " إن كل اسم من أسماء الله فإنه يستلزم معنى الآخر، فإنه يدل على الذات، والذات تستلزم معنى الاسم الآخر (١) ".
ومعرفة دلالة اللزوم من أنفع العلوم وأدقها ولكن يتفاوت الناس في معرفتها. قال ابن القيم -﵀-، "يتفاوت الناس في معرفة اللزوم وعدمه ومن هنا يقع اختلافهم في كثير من الأسماء والصفات والأحكام، فإنه من علم أن الفعل الاختياري لازم للحياة، وأن السمع والبصر لازم للحياة الكاملة، وأن سائر الكمال من لوازم الحياة الكاملة، أثبت من أسماء الرب وصفاته وأفعاله ما ينكره من لم يعرف لزوم ذلك، ولا عرف حقيقة الحياة ولوازمها، وكذلك سائر صفاته، فإن اسم الله العظيم له لوازم ينكرها من لم يعرف عظمة الله ولوازمها (٢) ".
ودلالة أسماء الله على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة وبالتضمن وبالالتزام، ومثال ذلك (الخالق) يدل على ذات الله وعلى صفة الخلق بالمطابقة، ويدل على الذات وحدها، وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن، ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام، ولهذا لما ذكر الله خلق السموات والأرض، قال، ﴿لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا﴾ (٣) الطلاق ١٢. وهذا كما نبه العلماء من العلم الرباني الذي يجب العناية به من طالب العلم والعناية بالتفكر فيه، كيف لا. وهو في أسماء الرب ﵎.
_________________
(١) الفتاوى ١٠/ ٢٥٤.
(٢) مدارج السالكين ١/ ٣٠ - ٣١.
(٣) القواعد المثلى لابن عثيمين صـ ١٤. وانظر بتوسع بدائع الفوائد لابن القيم ١/ ١٦٢.
[ ٨١ ]
المبحث الثاني: الاسم والمسمى
وأما مسألة الاسم والمسمى وهل هو عين المسمى أم لا؟
فهي مسألة حادثة في آخر القرون المفضلة وهي ناتجة عن الخلاف مع المعتزلة في عهد الإمام أحمد. وهي أحد فروع مسألة خلق القرآن.
فلما قال المعتزلة أن القرآن مخلوق اطرد ذلك عندهم إلى القول أن الأسماء مخلوقة وهي غير المسمى فجاء رد السلف عليهم. وأول من رد عليهم الإمام أحمد ﵀ وإن كان شق عليه ذلك لعظم الكلام في مسألة حادثة. قال الإمام الطبري ﵀، "وأما القول في الاسم هل هو المسمي أم هو غيره فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيتبع ولا قول من إمام فيستمع، فالخوض فيها شين والصمت عنها زين. (١)
وقال " ثم حدث في زماننا حماقات خاض فيها أهل الجهل والعناد ونوكى (٢) الأمة والرعاع يتعب إحصاؤها ويُمل ويكثر تعدادها، منها القول في اسم الشيء أهو هو أم هو غيره". (٣)
وهذا هو رأي الغزالي - ﵀ - في المسألة إذ يقول إن مسألة الاسم والمسمى طويلة الذيل قليل النيل قليلة الجدوى. (٤)
_________________
(١) صريح السنة لابن جرير الطبري صـ ٥٢.
(٢) النوكى: جمع أنوك وهو الأحمق، لسان العرب ٣/ ٧٤٦.
(٣) صريح السنة للطبري صـ ٢٢.
(٤) المقصد الأسنى صـ ٢١.
[ ٨٢ ]
وقد أمسك بعض السلف عن هذه المسألة فهذا الإمام إبراهيم الحربي (ت ٢٨٥ هـ) وكان من أخص الناس بالإمام أحمد - ﵀- روى عنه الذهبي بسنده إلى إبراهيم الحربي قال ولم يكن في وقته مثله يقول وقد سئل عن الاسم والمسمى، لي مذ أجالس أهل العلم سبعون سنة ما سمعت أحدًا منهم تكلم في الاسم والمسمى. (١)
وفي موضع آخر، أن أبا طاهر المخلص قال سمعت أبي سمعت إبراهيم الحربي وقد وعدنا أن يملي علينا مسألة في الاسم والمسمى وكان يجتمع في محله ثلاثون ألف محبرة وكان إبراهيم مقلًا وكانت له غرفة يصعد فيشرف منها على الناس فيها كوة إلى الشارع فلما اجتمع الناس أشرف عليهم فقال لهم، قد كنت وعدتكم أن أملي عليكم في الاسم والمسمى ثم نظرت فإذا لم يتقدمني في الكلام فيها إمام نقتدي به فرأيت الكلام فيه بدعة فقام الناس وانصرفوا، وحين سأله أحدهم عن هذه المسألة قال، ألم تحضر مجلسنا بالأمس، قال، بلى، قال، أتعرف العلم كله، قال، لا، قال، فاجعل هذا مما لم تعرف. (٢)
وسبب هذه المسألة مقولة الجهمية والمعتزلة في أن أسماء الله مخلوقة فيقولون الاسم غير المسمى أو أسماء الله غيره، وما كان غيره فهو مخلوق. وهؤلاء هم الذين أنكر عليهم الأئمة.
أما ما حدث بعدهم هل هو هو أو هو غيره أو لا يقال هو هو ولا هو غيره أو يفصل في ذلك فهذا اشتهر بعد الأئمة بعد أحمد وغيره كما يذكر ذلك ابن تيمية. (٣)
وتوضيح هذا الأمر كما يلي،
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٥٩.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٦١.
(٣) الفتاوى ٦/ ١٨٧، ٨٨
[ ٨٣ ]
ذهبت الجهمية والمعتزلة إلى أن الاسم غير المسمى وأن أسماء الله تعالى مستعارة مخلوقة من وضع البشر وهي ليست توقيفية، قال القاضي عبد الجبار، "اعلم أن جميع ما ذكرناه في الدلالة على حسن إجراء الاسم على المسميات من غير إذن يدل على حسن إجرائها على القديم تعالى ذكره من غير إذن" وقال، "إن استعمال الأسماء والأوصاف يحسن من جهة اللغة وإن لم يرد بها التوقيف، وإذا صح ذلك صارت اللغة هي الأصل فيه. (١)
وسلفه في ذلك بشر المريسي إذ قال " إن أسماء الله غير الله، مستعارة، مخلوقة، كما أنه قد يكون شخص بلا اسم فتسميته لا تزيد في الشخص ولا تنقص (٢)، وعلَّة الجهمية ومن وافقهم هنا اتفاقهم على استحالة إثبات اسم لله تعالى بدون ألا يكون له صفة في الأزل. والصفات غير الموصوف، فلو كان متصفًا بصفات أزلًا للزم تعدد القدماء ومن هنا قالوا هي مستعارة مخلوقة وأنها لم تزده شيئًا كما إن الاسم لا يزيد مسماه ولا ينقص منه.
وقد ناقش أئمة السلف ﵏ هذه الدعاوى. واشتد إنكارهم على من ادعى أن أسماء الله مخلوقة قال الإمام الشافعي - ﵀-، إذا سمعت الرجل يقول الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة. (٣)
وقال الأصمعي إذا سمعت الرجل يقول الاسم غير المسمى فاحكم أو قال فاشهد عليه بالزندقة لفظهما سواء. (٤)
_________________
(١) المغني للقاضي عبد الجبار ٥/ ١٧٩.
(٢) الرد على المريسي للدارمي صـ ٣٦٣.
(٣) شرح السنة للالكائي ٢/ ٢٣٦.
(٤) شرح السنة للالكائي ٢/ ٢٣٧.
[ ٨٤ ]
وقال إبراهيم بن هاني سمعت أحمد بن حنبل وهو مختفٍ عندي، فسألته عن القرآن، فقال، من زعم أن أسماء الله مخلوقة فهذا كافر. (١)
ومثله عن الإمام إسحاق بن راهويه (٢) قال، أفضوا إلى أن قالوا، أسماء الله مخلوقة لأنه كان ولا اسم وهذا الكفر المحض لأن لله الأسماء الحسنى فمن فرق بين الله وبين أسمائه أو بين علمه ومشيئته فجعل ذلك مخلوقًا كله والله خالقها فقد كفر. (٣) وقال أبو الحسن الأشعري -﵀-، " من زعم أن أسماء الله غيره فهذا ضال" (٤)، وقال أبو داود صاحب السنن “من زعم الاسم غير المسمى، فقد زعم أن الله غير الله وأبطل في ذلك". (٥) وقد توسع في الرد عليهم عقليًا الإمام الدارمي (٦) - ﵀- في رده على بشر المريسي العنيد. ومثله الإمام اللالكائي (٧) في شرحه لأصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ألزموهم بعدة لوازم باطلة، إذا كان الاسم غير المسمى منها،
١ - إن من أعظم الشرك أن يقال اعبدوا الله اسمًا مخلوقًا في قوله تعالى، ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا﴾ النساء ٣٦. فتكون العبادة للاسم.
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٢٤٠.
(٢) إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي، عالم خراسان في عصره، أخذ عنه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي، قال الخطيب: إجتمع له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع والزهد (ت ٢٣٨ هـ) الأعلام (١/ ٢٩٢).
(٣) المصدر السابق ٢/ ٢٤٠.
(٤) الإبانة للأشعري ٢/ ٢٤٠.
(٥) شرح السنة للالكائي ٢/ ٢٤١.
(٦) عثمان بن سعيد الدارمي، محدث هراة، له باع في الرد على الجهمية (ت ٢٨٠ هـ) الأعلام (٤/ ٢٠٥).
(٧) هبة الله بن الحسن بن منصور من فقهاء الشافعية له عناية بتدوي أصول السنة (ت ٤١٨ هـ) الأعلام (٨/ ٧١).
[ ٨٥ ]
٢ - إن الآيات كثيرة بالأمر بذكر الله على الذبائح وغيرها ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾ الأنعام ١١٨، وعلى قولهم لو ذكر اسم زيدًا وعمرو أو اللات أو العزى فإنه يجزيه لأن هذه الأسماء مخلوقة كما إن أسماء الله عندهم مخلوقة.
٣ - يلزم على قولهم أن يقول المؤذن أشهد أن الذي اسمه الله لا إله إلا هو أشهد أن الذي اسمه محمد رسول الله.
٤ - ويلزم أن الناس يحلفون بغير الله فيحلفون باسمه المخلوق على زعمهم أن الاسم غير المسمى. (١)
والحاصل أن السلف - ﵏ - شق عليهم الكلام فيه. فمما روي عن أحمد أنه كان يشق عليه الكلام في الاسم والمسمى، أو يقول هذا كلام محدث ولا يقول أن الاسم غير المسمى، ولا هو هو ولكن يقول، إن الاسم للمسمى إتباعًا لقوله تعالى، ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ الأعراف ٧، ولأنها عنده أعلام على المسميات، فلذلك قال هي له. (٢)
ونقل عنه في موضع آخر، أنه عظم عليه الكلام في الاسم والمسمى وتكلم أصحابه في ذلك فمنهم من قال، الاسم للمسمى أو منهم من قال، الاسم هو المسمى، والذين طلبوا السلامة أمسكوا وقالوا لا نعلم. (٣)
فالخلاف في هذه المسألة بينهم على أقوال منها،
_________________
(١) بتصرف من شرح السنة لللالكائي ٢/ ٢٢٨ وما بعدها.
(٢) طبقات الحنابلة ٢/ ٢٧٠.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٢٩٩.
[ ٨٦ ]
١ - الإمساك عن هذا القول نفيًا وإثباتًا كما هو الحال في المروي عن الشافعي وإبراهيم الحربي.
٢ - أن الاسم هو المسمى، وهو قول أبي قاسم الطبري، ومعمر بن المثنى (١) وابن فورك والبغوي واللالكائي والحارث المحاسبي (٢)، ومرادهم أن اللفظ هو التسمية والاسم ليس هو اللفظ بل هو المراد باللفظ.
٣ - أن الاسم للمسمى وهو قول أكثر أهل السنة في مقدمتهم الإمام أحمد والإمام الطبري وغيرهم، وهو الذي رجحه شيخ الإسلام وساق أدلتهم. وهذا القول لا يخالف الكتاب والسنة، ويدل عليه قوله تعالى، ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ الأعراف ١٨٠. ومن السنة " أن لله تسعة وتسعين اسمًا"، وقوله، " أن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي وأنا الحاشر". (٣)
فهذه النصوص تدل على أن الاسم للمسمى ويدل عليه. وهذا القول موافق لمنهج أهل السنة والجماعة في عدم إطلاق الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة التي هي محتملة لمعنيين صحيح وباطل. فإذا سئل أهل هذا القول عن الاسم أهو المسمى أم غيره، أجابوا بجوابين، الأول، أن هذه المسألة حادثة لم ترد في الكتاب والسنة، ولم ترد عن السلف الصالح.
الثاني، أن هذا السؤال فيه إجمال فلا يجاب بإطلاق إنما يفصل في ذلك، ويقال، "الاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى. فإذا قلت، قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه. وإذا قلت الله، اسم عربي، والرحمن اسم عربي،
_________________
(١) معمر بن المثنى التيمي بالولاء أبوعبيدة النحوي من أئمة العلم بالأدب واللغة (ت ٢٠٩ هـ) الأعلام (٧/ ٢٧٢).
(٢) أسماء الله الحسنى، عبد الله الغصن ص ٣١.
(٣) رواه البخاري ح (٤٥١٧).
[ ٨٧ ]
والرحمن من أسماء الله تعالى ونحو ذلك، فالاسم هنا للمسمى ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال. فإذا أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله. (١)
والبخاري -﵀- في صحيحه سار على منهج السلف الصالح من أن النصوص الدالة على أن الاسم للمسمى من غير أن يدخل في تفصيل ذلك، فبوب بقوله باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها، وأورد فيه حديث الذكر عند النوم "بسمك ربي وضعت جنبي" وحديث ذكر الله على ما أرسلت إليه كلبك المعلّم، وحديث النهي عن الحلف إلا بالله.
والبخاري -﵀- ساق بعض النصوص، واختلف الشراح في بيان قصده -
﵀- على عدة آراء،
١ - أنه لم يدخل أصلًا في موضوع الاسم والمسمى لأنه كان يرى رأي القائلين بعدم الخوض كمعاصره الإمام الحربي (٢) وأن الترجمة لبيان كيفية دعاء الله باسماءه.
٢ - أن الاسم للمسمى وهو ما انتهى إليه تقرير شيخ الإسلام. (٣)
٣ - أن مقصوده تصحيح القول، بأن الاسم هو المسمى كما نقله الحافظ عن ابن بطال (٤). (٥)
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية لابن ابي العز صـ ١٠٢.
(٢) شرح كتاب التوحيد د. عبد الله الغنيمان ١/ ٢٢٣.
(٣) الفتاوى ٦/ ١٨٥
(٤) علي بن خلف بن عبدالملك من أهل قرطبة، له شرح البخاري (ت ٤٤٩ هـ) الأعلام (٤/ ٢٨٥).
(٥) فتح الباري ١٣/ ٣٩١.
[ ٨٨ ]
والذي يظهر والله أعلم، أن البخاري عاش هذه الفتنة وعاصر الخلاف فيها ومراده في الكتاب الرد على الجهمية والمعتزلة. وهم القائلون بأن الاسم غير المسمى، كما فصل ذلك الإمام الدارمي في رده على بشر المريسي. (١)
وأبواب الكتاب تؤيد أنه يتعرض لغالب ما ظهر من بدع الجهمية والمعتزلة في وقته، والأدلة التي ساقها هي الأدلة التي يوردها أهل السنة في أن الاسم للمسمى. ومن ثم يفصلون في ذلك كما فصل هذه المسألة شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى- في رسالة كاملة. (٢) ويظهر لي أن هذا مراده - ﵀- خاصة أنه حين قرر الاستعاذة بالاسم فمعنى هذا صحتها كما صحت الاستعاذة بالذات وهذا هو المروي عن الشافعي.
وأتبعه أيضًا بعدم الحلف إلا بالله تأكيدًا لهذه المسألة وأن الاسم للمسمّى والله أعلم.
_________________
(١) الرد على المريسي صـ ٣٦٦، ٣٦٧.
(٢) الفتاوى وقد افرد رسالة كاملة للاسم والمسمى ٦/ ١٨٥ - ٢١٣.
[ ٨٩ ]
المبحث الثالث: عدّ الأسماء الحسنى وإحصاؤها
بوب البخاري - رحمه الله تعالى- بقوله، باب (إن لله مائة اسم إلا واحدًا)، ثم أورد حديث أبي هريرة -﵁- قال، قال ﵊، أن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة.
وهنا اختلفت عبارات العلماء وآراهم في عد الأسماء الحسنى وفي إحصاءها، أما عن عددها فالجمهور على أنها أكثر من ذلك كما حكاه الإمام النووي - رحمه الله تعالى- وقال، ليس في الحديث حصر أسماء الله تعالى، وليس معناه أنه ليس له اسم غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث، أن هذه الأسماء من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصاءها لا الإخبار بحصر الأسماء. (١)
وقال الخطابي - ﵀-، إنما هو بمنزلة قولك أن لزيد ألف درهم أعدها للصدقة، وكقولك، أن لعمرو مائة ثوب من زاره خلعها عليه، وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب، وإنما دلالته أن الذي أعده زيد من الدراهم للصدقة ألف درهم، وأن الذي أعده عمرو من الثياب للخلع مائة ثوب. (٢)
قال شيخ الإسلام - ﵀-، وهو الذي عليه جمهور العلماء. (٣) ويستدل لذلك بحديث ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- فيمن أصابه هم وحزن، أن يقول، [سورة اللهم أنّي
_________________
(١) الأذكار صـ ٥٥. شرح مسلم ١٧/ ٥.
(٢) شأن الدعاء صـ ٢٤.
(٣) درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣.
[ ٩٠ ]
عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدلٌ في قضائك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي. إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدله مكانه فرحًا. (١)
فمن يعلم الأسماء التي استأثر الله بها في علم الغيب عنده، فهذا جازم بأنها غير محصورة، وكذلك يقال أنه لم يثبت حديث صحيح صريح في تعيين هذه الأسماء التسعة والتسعين، والروايات التي تحددها هذه الأسماء قد تكلم فيها العلماء بتضعيف طرقها، وأن الراجح أن سرد الأسماء مدرج من بعض الرواة اجتهادًا، ويتضح ذلك بعد دراسة الروايات، والطرق التي سردت الأسماء الحسنى، وسأوجز نتيجة بعض الدراسات التي قام بها بعض الباحثين. (٢)
فأصل الحديث في الصحيحين دون سرد الأسماء، وإما سرد الأسماء المشهور فله عدة طرق،
الأولى، من طريق الوليد بن مسلم، -
رواه عنه الترمذي (٣٥٧٤) وابن حبان (٢٣٨٤)، والحاكم (١/ ١٦)، والبيهقي في السنن والأسماء والصفات (صـ ١٥٥)، والبغوي في شرح السنة (٥/ ٣٣٠٣٢)، جميعهم من هذا الطريق. (٣)
الثانية، من طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني، رواه ابن ماجة (٣٨٦١) مع اختلاف في سرد الأسماء ونقص وتقديم وتأخير. (٤)
الثالثة، من طريق عبد العزيز بن الحصين. (٥)
والأسانيد الثلاثة تكلم عنها منفردة ومجموعة علماء الحديث ونقدوها سندًا ومتنًا.
قال الحافظ - ﵀ -، " واختلف العلماء في سرد الأسماء، هل هو مرفوع أم مدرج في الخبر من بعض الرواة؟ فمشى كثير منهم على الأول واستدلوا به على جواز تسمية الله تعالى بما لم يرد في القرآن بصيغة الاسم، لأن كثير من هذه الأسماء كذلك، وذهب آخرون إلى أن التعيين مدرج لخلو أكثر الروايات عنه، ونقله عبد العزيز النخشبي (٦) عن كثير من العلماء (٧) ".
ثم توسع ﵀ في الرد على أصح الروايات في الباب، وهي رواية الوليد بن مسلم، وقال، " وليست العلة عند الشيخين تفرد الوليد فقط، بل الاختلاف فيه، والاضطراب وتدليسه، واحتمال الإدراج (٨) ".
_________________
(١) أحمد في المسند ١/ ٣٩١، ابن حبان ٢٣٧٢ والصحيحة للألباني ١/ ٣٣٦ حديث ١٩٩.
(٢) النهج الأسمى - محمد الحمود ١/ ٥٠ - ٥٤، أسماء الله الحسنى - عبد الله الغصن ١٥٥ - ١٧٣.
(٣) الوليد بن مسلم القرشي، مولى بني أمية أبو العباس الدمشقي، عالم الشام وهو ثقة، ولكنه كان كثير التسوية ت ٩٦ هـ. تهذيب التهذيب ١١/ ١٥١.
(٤) أبو الزرقاء، قال عنه ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به، وقال ابن حجر: لين الحديث. تهذيب التهذيب ٦/ ٤٢٤، التقريب ١/ ٥٢٢.
(٥) أبو سهل المروزي، قال عنه البخاري: ليس بالقوي عندهم، وقال ابن معين: ضعيف، وقال مسلم: ذاهب الحديث. لسان الميزان ٤/ ٢٩.
(٦) عبدالعزيز بن محمد النخشبي، كان من الحفَّاظ، (ت ٤٥٦ هـ) سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٦٧).
(٧) الفتح ١١/ ٢١٥.
(٨) الفتح ١١/ ٢١٩.
[ ٩١ ]
وقال البيهقي - ﵀ - (في الأسماء والصفات)، ويحتمل أن يكون التفسير وقع من بعض الرواة، وكذلك في حديث الوليد بن مسلم، ولهذا الاحتمال ترك البخاري، ومسلم إخراج حديث الوليد في الصحيح. (١)
وأما من جهة المتن ففيه عدة تحفظات للأئمة على بعض الأسماء التي لا تصلح أن تكون من الأسماء الحسنى لعدم كمالها وحسنها، أو لعدم ورودها بصيغة الاسم. قال ابن عطية الغرناطي -﵀-، " حديث الترمذي ليس بالمتواتر، وفي بعض الأسماء التي فيه شذوذ (٢) ".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀-، " اسم المنتقم ليس من أسماء الله الحسنى الثابتة عن النبي - ﷺ - ". (٣)
وهذا بيّن لأن صفة الانتقام لا تحمل معنى الكمال المطلق.
قال ابن حجر - رحمه الله تعالى (٤) -، "والتحقيق إن سردها إدراج من بعض الرواة". وقال الصنعاني - ﵀-، " اتفق الحفاظ من أئمة الحديث، إن سردها إدراج من بعض الرواة (٥) ".
وأما ما ورد في الترغيب في إحصاءها وأن ثوابها الجنة، فاختلفت عبارات العلماء -رحمهم الله تعالى- في تحديد معنى الإحصاء على عدة أقوال منها،
_________________
(١) الأسماء والصفات صـ ١٩.
(٢) تلخيص الحبير ٤/ ١٩٠.
(٣) الفتاوى ٨/ ٩٦.
(٤) بلوغ المرام ٢٥٤.
(٥) سبل السلام ٤/ ١٠٨.
[ ٩٢ ]
١ - العدّ حتى تستوفى حفظًا ثم يدعى بها، ودليل أصحاب هذا القول الرواية الثانية للبخاري في كتاب الدعوات (من حفظها دخل الجنة) فيستوفيها العبد حفظًا ويدعو بها ويثني عليه بجميعها كقوله تعالى، ﴿وأحصى كل شيء عددًا﴾ الجن ٢٨، وعلى هذا القول الإمام الخطابي والنووي. (١)
٢ - المراد بالإحصاء الإطاقة كقوله تعالى، ﴿علم أن لن تحصوه﴾ المزمل ٢٠. أي لن تطيقوه، ولقوله ﵊، (استقيموا ولن تحصوا) (٢)، فيكون المعنى أن يطيق الأسماء الحسنى ويحسن المراعاة لها وأن يعمل بمقتضاها، وأن يعتبرها فيلزم نفسه بواجبها، فإذا قال يا رحمن يا رحيم تذكر صفة الرحمن واعتقد أنها من صفات الله سبحانه فيرجو رحمته ولا ييأس من مغفرته. (٣)
٣ - أن يكون الإحصاء بمعنى العقل والمعرفة من قول العرب، فلان ذو حصاة، أي ذو عقل، كقول طرفة،
وأن لسان المرء ما لم تكن له
حصاة على عوراته لدليل (٤)
فالمعنى من عرفها وعقل معانيها وآمن بها دخل الجنة، وعلى هذا ترجم به لهذا الحديث الحافظ محمد بن إسحاق بن مندة (٥). (٦)
_________________
(١) شأن الدعاء صـ ٢٦، الأذكار صـ ٩٤.
(٢) رواه أحمد ٥/ ٧٧٦، ابن ماجة ٢٧٧، وغيره قال الأرناؤوط صحيح لطرقه. جامع الأصول ٩/ ٣٩٢.
(٣) شأن الدعاء صـ ٢٧ - ٢٨. الفتح ١١/ ٢٢٥.
(٤) ديوان طرفة بن العبد صـ ١١٢.
(٥) أبوعبدالله العبدي من كبار حفاظ الحديث الراحلين في طلبه المكثرين من التصنيف فيه، (ت ٣٩٥ هـ) الأعلام (٦/ ٢٩).
(٦) كتاب التوحيد لابن مندة ٢/ ١٤.
[ ٩٣ ]
٤ - المراد بالإحصاء قراءة القرآن كاملًا، فإذا ختمه كان كمن أحصى الأسماء في أثناء الآيات أو فكأنه قال، من حفظ القرآن، قراءة فقد استحق دخول الجنة. (١)
٥ - قال الإمام ابن القيم - ﵀- مبينًا معنى الإحصاء وأنه شامل لثلاثة أمور،
الأول: إحصاء ألفاظها وعدها أو الإحاطة بها لفظًا.
الثاني: فهم معانيها ومدلولها.
الثالث: دعاء الله ﷾ بها والتعبد بمقتضاها. (٢)
وقال ابن بطال ﵀، " والإحصاء يقع بالقول وبالعمل، فالذي بالعمل أن لله أسماء يختص بها كالأحد والقدير، فيجب الإقرار بها والخضوع عندها، وله أسماء يستحب الإقتداء بها في معانيها كالكريم والعفو فيستحب للعبد أن يتحلى بمعانيها ليؤدي حق العمل بها، فبهذا يحصل الإحصاء العملي، وأمّا الإحصاء القولي فيحصل بجمعها وحفظها والسؤال بها ولو شارك المؤمن غيره في العدد والحفظ فإن المؤمن يمتاز عنه بالإيمان والعمل بها. (٣)
والإمام البخاري - ﵀- بوب بقوله، " باب (إن لله مائة اسم إلا واحدة) ثم أورد الحديث (إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة)، ثم أورد الآية (أحصيناه) يس ١٢، وقال إن معناها حفظناه ".
_________________
(١) شأن الدعاء صـ ٢٩، تفسير الأسماء الحسنى للزجاج صـ ٢٢ - ٢٤.
(٢) بدائع الفوائد ١/ ٦٤.
(٣) الفتح ١٣/ ٣٩٠.
[ ٩٤ ]
والشراح للبخاري يرون في الغالب أنه يرى أن إحصاءها حفظ ألفاظها. وهذا هو المتبادر وحجتهم رواية البخاري الأخرى في كتاب الدعوات وفيها [لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة]. (١)
ولكن هناك رأي معاصر للدكتور عبد الله الغنيمان الذي قال: إن عادة البخاري -﵀- التي سار عليها في كتابه أنه إذا جاء لفظ في الحديث، وفي القرآن لفظ يوافقه في اللفظ والاشتقاق أنه يذكره، وإن كان لا يوافقه في المعنى، وأمثلة ذلك كثيرة، كما قال.
وعلل أن قوله: (أحصيناه) حفظناه، يشير إلى قوله تعالى: ﴿وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾ يس ١٢، وقد فسره البخاري -﵀ - في كتاب التفسير عند سورة (يس) بنفس التفسير. (٢)
ثم ذكر التعليل لذلك من قول الأصيلي (٣) - ﵀- إن الحفظ قد يقع للكافر والمنافق كما في حديث الخوارج " يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم". (٤)
فبان أن البخاري يرى حفظها ولم يصرح بغيره إلاّ ما علّله الدكتور الغنيمان والجمهور على أن الإحصاء هو الإحاطة والفهم والدعاء بها وهو الذي يوافق الأدلة والله أعلم.
المبحث الرابع: الأسماء التي ذكرها البخاري - ﵀-:
أورد البخاري - ﵀- بعض الأسماء الحسنى على سبيل الذكر تارة، وعلى سبيل بيان عدم مطابقتها ومشابهتها لأسماء المخلوقين، ويتضح ذلك من الأحاديث التي يوردها تحت الباب:
ومن الأسماء التي ذكرها:
١: الله ﷻ
فبوب ﵀ بقوله: قال تعالى: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾ الإسراء ١١٠، والاسم (الله) الذي ورد كثيرا في القرآن مأخوذ من إله وتقديرها " فُعلانية" بالضم، فتقول: إله بين الالهية والأُلهانية، وأصله من يأله إذا تحير، يريد إذا وقع العبد في عظمة الله ﷻ، وغير ذلك من صفات الربوبية، وصرف همه إليها. أبغض الناس حتى لا يميل قلبه إلى أحد. (٥)
واختلف العلماء في اسم الله هل هو مشتق أم جامد؟ وقد ناقش الإمام ابن القيم الذين يرون عدم اشتقاقه، وذكر أن حجتهم أن الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها، واسمه تعالى قديم، والقديم لا مادة له، فيستحيل الاشتقاق.
_________________
(١) صحيح البخاري. الدعوات باب ٦٨.
(٢) الفتح ٤/ ١٨٠٦.
(٣) عبد الله بن إبراهيم الأموي الأصيلي، عالم بالحديث والفقه له باع في الخلافيات، (ت ٣٩٢ هـ) الأعلام (٤/ ٦٣).
(٤) شرح كتاب التوحيد الغنيمان ١/ ٢٢١.
(٥) النهاية لابن الأثير ١/ ٦٢.
[ ٩٥ ]
ورد ابن القيم أن القائلين بالاشتقاق ليس هذا مقصودهم، وإنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى وهي الإلهية كسائر أسمائه الحسنى كالعليم والقدير وغيرها، فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب، وهي قديمة والقديم لا مادة له. (١)
وقال: القول الصحيح أن الله أصله من الإله كما قال سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذ (٢)، وهو علم على الله ﵎ لا يسمى به غيره.
ورحم الله سيبويه حين سئل عنه، فقال: الله: أعرف المعارف.
٢: الرحمن
ورد هذا الاسم في القرآن الكريم نحوا من (٧٥) مرة.
والرحمة هي الرقة والتعطف، ورحمن أشد مبالغة من رحيم، وإن كانا مشتقين من الرحمة؛ لأن بناء فعلان أشد مبالغة من فعيل ونظيرهما نديم وندمان، وقوله الرحمن يجمع كل معاني الرحمة من الرأفة والشفقة والحنان واللطف والعطف. (٣)
ويروى عن ابن عباس -﵄- في قوله تعالى: ﴿هل تعلم له سميًا﴾ مريم ٦٥، قال ليس أحدٌ يسمى الرحمن غيره. (٤)
وقال - ﷺ -: قال الله ﷿: " أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسمًا من اسمي (٥) ".
_________________
(١) بدائع الفوائد ١/ ٢٢ - ٢٣.
(٢) المصدر السابق.
(٣) تفسير الطبري ١/ ٥٧، التوحيد لابن منده ٢/ ٤٧.
(٤) تفسير الطبري ١٦/ ١٠٦.
(٥) الإمام أحمد ١/ ١٩١ من حديث عبد الرحمن بن عوف، أبو داود ١٦٩٥ وهو صحيح بطرقه.
[ ٩٦ ]
وهناك من أدعى عدم معرفة العرب لهذا الاسم واستشهدوا بقوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن﴾ الفرقان ٦٠، واستدل أيضًا بإنكار قريش عند توقيع معاهدة الحديبية لما قال الرسول - ﷺ - لعلي -﵁-: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل بن عمرو: أما الرحمن فو الله، ما أدري ما هي، ولكن اكتب بسمك اللهم كما كنت تكتب. (١)
ويرد عليهم كما قال ابن جرير -﵀-: " وقد زعم بعض أهل الغباء أن العرب كانت لا تعرف الرحمن (٢) ".
وبين أن ذلك جحودًا منهم بدليل قوله تعالى: ﴿وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم﴾ الزخرف ٢٠، وبأشعار العرب كقول سلامة بن جندل الطهوي (٣):
عجلتم علينا إذ عجلنا عليكم وما يشاء الرحمن يعقد ويطلق
وهذا الاسم من الأسماء الخاصة بالله غير المشتركة مع خلقه، كما قال ابن كثير - رحمه الله تعالى.
والحاصل أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيره، ومنها مالا يسمى به غيره كاسم الله والرحمن والخالق والرازق ونحو ذلك. (٤)
_________________
(١) البخاري ح ٢٧٣١.
(٢) تفسير ابن جرير ١/ ٤٤.
(٣) سلامة بن جندل ت ٢٣ ق. هـ، شاعر جاهلي من أهل الحجاز، له ديوان مطبوع رواه الأصمعي - الأعلام ٣/ ١٠٦.
(٤) ابن كثير ١/ ٢١.
[ ٩٧ ]
٣: (الرزاق)
ورد اسم الرزاق في آية واحدة وهي التي بوب بها البخاري -﵀- بقوله: باب "إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين"؛ وورد بصيغة الجمع خمس مرات منها قوله تعالى: ﴿والله خير الرازقين﴾ الجمعة ١١.
والرزق ما ينتفع به، يقال رزق الخلق رَزقًا ورِزقًا، فالرزق بفتح الراء هو المصدر الحقيقي، والرزق بكسرها الاسم، ويجوز أن يوضع موضع المصدر، والجمع أرزاق، والرزاق من أبنية المبالغة (١)، وفي معناه قال ابن جرير -﵀-: الرزاقُ خلقَه المتكفل بأقواتهم.
وقال الخطابي: هو المتكفل بالرزق والقائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها وسع الخلق كلهم رزقه ورحمته، فلم يختص بذلك مؤمنًا دون كافر، ولا وليًا دون عدو يسوقه إلى الضعيف الذي لا حيل له، ولا متكسب فيه، كما يسوقه إلى الجلد القوي ذي المرة السوي، قال سبحانه: ﴿وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم﴾ العنكبوت ٦٠، وقال جل شأنه: ﴿وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ (٢) هود ٦.
_________________
(١) لسان العرب ٣/ ١٦٣٦.
(٢) شأن الدعاء صـ ٥٤.
[ ٩٨ ]
وقال السعدي -رحمه الله تعالى-: (الرزاق) لجميع عباده فما من دآبة إلاّ على الله زرقها، ورزقه لعباده نوعان:
١ - رزق عام شمل البر، والفاجر، والأولين والآخرين، وهو رزق الأبدان.
٢ - الرزق الحلال: وهو رزق القلوب وتغذيتها بالعلم والإيمان والرزق الحلال الذي يعين على صلاح الدين، وهذا خاص بالمؤمنين على مراتبهم منه بحسب ما تقتضيه حكمته ورحمته. (١)
وقد أنكر الله تعالى على المشركين عبادتهم للأوثان والأصنام مع إنها لا تملك لهم رزقًا فقال: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقًا من السموات والأرض شيئًا ولا يستطيعون﴾ النحل ٧٣، ومثله قوله تعالى: ﴿الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركاءكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ الروم ٤٠، أي لا يقدر شركاؤكم على شيء من ذلك، بل لو أمسك الله سبحانه الرزق عن الناس، فلا يملك أحدٌ أن يفتحه عليهم من دون الله، كقوله ﴿أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه﴾ (٢) الملك ٢١، ورزقه ﵎ بلا مشقة ولا كلفة ولا تخصيص لأحد دون أحد، بل ﴿الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز﴾ الشورى ١٩، ومنه حديث الباب عن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ما أحد أصبر على أذىً سمعه من الله يدّعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم) ومعناه أن الله واسع الحلم حتى مع الكافر الذي ينسب له الولد فهو يعافيه ويرزقه.
_________________
(١) تفسير السعدي ٥/ ٣٠٢.
(٢) انظر نحوه في تفسير الطبري ٢٩/ ٦.
[ ٩٩ ]
وهنا تنبيه: أن كثرة الرزق لا تدل على محبة الله للعبد وهذا الظن هو الذي اعتقده الكفار ﴿وقالوا نحن أكثر أموالًا وأولادًا وما نحن بمعذَبين قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحًا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون﴾ سبأ ٣٥ - ٣٧، وهذا من الاستدراج ﴿أيحسبون إنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون﴾ المؤمنون ٥٥ - ٥٦.
ولا يعارض هذا أن التقوى وطاعة الله سبب عظيم للرزق والبركة ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾ الأعراف ٩٦، وقال: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ الطلاق ٢ - ٣، وقال ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ إبراهيم ٧.
بقي أن نقول أن أعظم رزق يرزقه الله لعباده هو الجنة، قال تعالى: ﴿والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقًا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين﴾ الحج ٥٨، وقال ﴿ومن يؤمن بالله ويعمل صالحًا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا قد أحسن الله له رزقًا﴾ الطلاق ١١، فهذا الرزق الذي لا ينقطع وليس بدٌ منه ولا استدراج ولا نهاية ﴿إن هذا لرزقنا ما له من نفاد﴾ ص ٥٤، جعلنا الله ممن كتب له هذا الرزق.
[ ١٠٠ ]
٤ - السلام
ورد هذا الاسم مرة واحدة في قوله تعالى: ﴿الملك القدوس السلام المؤمن﴾ الحشر ٢٣.
والسلام والسلامة البراءة، وتسلم منه تبرأ منه، والسلامة العافية. يقال سلم يسلم سلامة، ومنه قيل للجنة دار السلام؛ لأنها دار السلامة من الآفات، ومنه قوله: ﴿والسلام على من اتبع الهدى﴾ طه ٤٧، أي من اتبع هدى الله سلم من عذابه وسخطه. (١)
وقال ابو حاتم الرازي (٢): فالله ﷿ وضع هذا الاسم يريد السلام بين عباده ليكون أمانًا لهم فيما بينهم، فإذا سلّم أحدهم على الآخر، فقد أعطاه الأمان، كأنه يقول قد سلمت من قبلي. (٣)
وقال ابن كثير -﵀-: " السلام أي من جميع العيوب والنقائص لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله (٤) ".
وقال الإمام ابن مندة (٥) -﵀-: [سورة ومعنى السلام أن ذات الله ﷿ خلصت بانفراد الوحدانية عن كل شي، وبانت عن كل شيء، وأخلصت به القلوب إلى توحيد الله وسلمت، قال تعالى، ﴿إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ (٦) الشعراء ٨٩.
_________________
(١) لسان العرب ٣/ ٢٠٧٨، والنهاية ٢/ ٣٩٢، شرح الأسماء الحسنى للزجاج صـ ٣٠.
(٢) محمد بن إدريس الرازي من أقران البخاري ومسلم له تفسير مشهور، (ت ٢٧٧ هـ) الأعلام (٦/ ٢٧).
(٣) أصول الكلمات صـ ٢٩٣ د. محمد يعقوب تركستاني.
(٤) تفسير ابن كثير ٤/ ٣٤٣.
(٥) محمد بن إسحاق بن مندة من كبار حفاظ الحديث المكثرين من التصنيف، (ت ٣٩٥ هـ) الأعلام (٦/ ٢٩).
(٦) التوحيد ٢/ ٦٨.
[ ١٠١ ]
والله هو السلام، ومنه السلام، وإليه السلام، فيسلم على عباده ﴿سلامٌ قولًا من رب رحيم﴾ يس ٥٨، ويستقبل عباده بدار السلام، ويدعو إليها ﴿والله يدعو إلى دار السلام﴾ يونس ٢٥، وقد صرح النبي - ﷺ - في تسمية الله بالسلام، وبوب به البخاري -﵀- في كتاب الاستئذان [باب (السلام اسم من أسماء الله تعالى)].
وهذا جزء من حديث رواه البخاري في الأدب المفرد فقال: "إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه الله في الأرض فأفشوا السلام بينكم". (١)
وأورد البخاري حديث " كنّا نصلي خلف النبي - ﷺ - فنقول السلام على الله" فأرشدهم النبي ﵊ إلى المشروع في السلام.
وحديث الباب نهيٌ عن إلقاء السلام على الله؛ لأنه هو السلام، وأرشدهم ﵊ لقول التحيات لله والصلوات والطيبات) الحديث.
قال الخطابي: المراد أن الله هو ذو السلام فلا تقولوا السلام على الله فإن السلام منه بدأ وإليه يعود، وهنا نشير إلى فقه أم المؤمنين خديجة -عليها رضوان الله- ففي حديث أنس قال: قال: جبريل للنبي - ﷺ -: إن الله يقريء خديجة السلام، يعني فأخبرها. فقالت: إن الله هو السلام، وعلى جبريل السلام وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته. (٢)
ففهمت أن الله لا يرد ﵇ مثل المخلوقين؛ لأن السلام اسم من أسماء الله. ويرى الحافظ -﵀- أن إيراد البخاري لهذا الاسم الإشارة إلى ذكر الأسماء التي تسمى الله
_________________
(١) الأدب المفرد صـ ٤٣٧ وحسنه ابن حجر.
(٢) النسائي في فضائل الصحابة ح ٢٥٤ وإسناده حسن.
[ ١٠٢ ]
بها وأطلقت مع ذلك على المخلوقين (١) ففي الحديث "السلام عليك أيها النبي" وتحية المؤمنين يوم يلقونه "سلام".
_________________
(١) الفتح ١٣/ ٣٧٨.
[ ١٠٣ ]
٥ – المؤمن
قال الزجاج: أصل الإيمان التصديق والثقة: وقال الله ﷿: ﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾ يوسف ١٧، أي لفرط محبتك ليوسف لا تصدقنا. فهذا بمعنى التصديق، والمعنى الآخر هو الأمان الذي ضده الإخافة قال تعالى: ﴿وآمنهم من خوف﴾ (١) قريش ٤، وقد وردت في آية واحدة ﴿السلام المؤمن المهيمن﴾ الحشر ٢٣. قال ابن جرير: المؤمن الذي يؤمن خلقه من ظلمه، ويروى عن ابن عباس -﵁- المؤمن الذي أمن خلقه أن يظلمهم (٢) وقال الغزالي: المؤمن، الذي يعزى إليه الأمن والأمان بإفادته أسبابه وسده طرق المخاوف ولا يتصور أمن وأمان إلا في محل الخوف والمؤمن المطلق: هو الذي لا يتصور أمن وأمان إلاّ ويكون مستفادًا من جهته، وهو الله ﷾. (٣)
وقال السعدي (٤) - ﵀- المؤمن الذي أثنى على نفسه بصفات الكمال وبكمال الجلال والجمال الذي أرسل رسله وأنزل كتبه بالآيات والبراهين، وصدق رسله بكل آية وبرهان، ويدل على صدقهم وصحة ما جاءوا به. (٥)
ويقال أيضًا ما قيل في السلام من أنه سمى نفسه وسمى بعض خلقه فلا منافاة، فالمؤمن من اتصف بالإيمان فلا حرج في تسمي غير الله بهذا الاسم.
_________________
(١) شرح الأسماء الحسنى - للزجاج صـ ٣١
(٢) تفسير الطبري ٢٨/ ٣٦.
(٣) المقصد الأسنى ص ٧٠.
(٤) عبدالرحمن بن ناصر السعدي، مفسر من علماء الحنابلة، مولده ووفاته في القصيم، له [التفسير المشهور: تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن] (ت ١٣٧٦ هـ) الأعلام (٣/ ٣٤٠).
(٥) تفسير السعدي ٥/ ٣٠١. وانظر التوحيد لابن منده ٢/ ٦٨.
[ ١٠٤ ]
٦ - الملك
بوب له البخاري بقوله تعالى: ﴿ملك الناس﴾ الناس ٢، وأورد فيه حديث أبي هريرة -﵁-: " يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك اين ملوك الأرض".
وقد ورد في القرآن خمس مرات منها ﴿فتعالى الله الملك الحق﴾ طه ١١٤، وقد ورد باسم (المالك) كقوله ﴿مالك يوم الدين﴾، ومرة باسم المليك ﴿عند مليك مقتدر﴾ القمر ٥٥، والملك هو المتصرف بالأشياء حسب إرادته ومشيئته، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، قال الطبري -﵀- أخبر أنه ملك الناس وهو ملك جميع الخلق انسهم وجنهم وغير ذلك، إعلامًا منه بذلك من كان يعظم بعض الناس تعظيم المؤمنين ربهم: أنه مُلك من يعظمه وأن ذلك في ملكه وسلطانه، تجري عليه قدرته، وأنه أولى بالتعظيم وأحق بالتعبد له ممن يعظمه ويتعبد له من غيره من الناس. (١) وقال الراغب: الملك هو المتصرف بالأمر والنهي. (٢) قال الزجاج: قال أصحاب المعاني: الملك النافذ الأمر في ملكه، إذ ليس كل مالك ينفذ أمره وتصرفه فيما يملكه، فالملك أعم من المالك، والله تعالى مالك المالكين كلهم، والملاّك إنما استندوا التصرف في أملاكهم من جهته تعالى. (٣) وقال: أما الناس فقد تملك مع العجز عن التصرف، كأن يكون المالك صبيًا أو مجنونًا ووليهما لا ملك له مع أن التصرف ثابت له. (٤)
_________________
(١) تفسير الطبري ٣٠/ ٣٥٤.
(٢) مفردات الراغب صـ ٤٧٢.
(٣) شرح الاسماء الحسنى - الزجاج ص ٣.
(٤) المصدر السابق.
[ ١٠٥ ]
فإذا كان الملك المطلق إنما هو لله وحده لا شريك له فالطاعة المطلقة إنما هي له وحده لا شريك له، فملك الملوك هو الله، ولذلك ورد النهي عن التسمّي ذلك بقوله - ﷺ -: "إن اخنع اسم عند الله رجل تسمى بملك الأملاك". (١)
والتوفيق بين الترجمة وحديث الباب ظاهر وهو أن الناس الذين يوجد منهم الملوك والجبابرة، والذين يذل لهم ويخضع لهم بعض العباد قد يصرفون لهم ما هو خالص حق الله من العبادة هؤلاء ملك له تحت قهره، آخذ بنواصيهم، ويظهر ذلك جليًا بقبض الأرض. يقول: (أنا الملك أين ملوك الأرض)، فيعرف قدرهم وقدر ملكهم الذي أورثهم الذل والصغار. (٢)
_________________
(١) البخاري ح (٥٨٥٣).
(٢) شرح كتاب التوحيد للغنيمان بتصرف ١/ ١٤٣ - ١٤٤.
[ ١٠٦ ]
٧ - العزيز
ورد هذا الاسم في القرآن اثنتان وتسعون مرة.
والعز في اللغة: القوة والشدة والغلبة، فرجل عزيز: منيع لا يغلب ولا يقهر، وعزني فلان على الأمر، أي غلبني ومنه ﴿وعزني في الخطاب﴾ سورة ص ٢٣، وعز يعز فهو عزيز، قل حتى ما كاد يوجد فأصبح نادرًا. (١) قال قتادة العزيز، أي في نقمته إذا انتقم. (٢) قال السعدي -﵀- العزيز الذي له العزة كلها، عزة القوة والغلبة والامتناع، فامتنع أن يناله أحد من المخلوقات. وقهر جميع الموجودات واتت له الخليقة وخضعت لعظمته. (٣)
وعلى هذا يكون معنى الاسم على أربعة أوجه:
١ - العزيز هو: المنيع الذي لا يرام جانبه.
٢ - العزيز هو: القاهرة الذي لا يغلب ولا يقهر.
٣ - العزيز هو: القوي الشديد.
٤ - العزيز بمعنى: نفاسة القدر وأنه سبحانه لا يعادله شيء ولا مثيل ولا نظير.
_________________
(١) النهاية لابن الأثير ٣/ ٢٨.
(٢) تفسير الطبري ٢٨/ ٣٦.
(٣) تفسير السعدي ٥/ ٣٠٠ - ٣٠١.
[ ١٠٧ ]
وهذا الذي نظمه ابن القيم -﵀- بقوله في الكافية الشافية:
وهو العزيز فلن يرام جنابه أنى يرام جناب ذي السلطان
وهو العزيز القاهر الغلاب لم يغلبه شيءهذه صفتان
وهو العزيز بقوة هي وصفه فالعز حينئذ ثلاث معان
وهي التي كملت له سبحانه من كل وجه عادم النقصان (١)
_________________
(١) الكافية الشافية ٢/ ٢١٨.
[ ١٠٨ ]
المبحث الخامس: اطلاق بعض النعوت على الله
المطلب الأول: إطلاق الذات على الله
بوب البخاري -﵀- للنعوت التي يجوز إطلاقها على الله ﷿، فقال: باب [ما يذكر في الذات والنعوت واسامي الله].
واستشهد بقول الصحابي الجليل خبيب بن عدي (١) -﵁- حين عرض على القتل، فقال: "وذلك في ذات الإله"، قال البخاري: فذكر الذات باسمه تعالى.
قال الحافظ -﵀- واستعمال البخاري لها دال على أن المراد بها نفس الشيء على طريقة المتكلمين في حق الله تعالى ففرق بين النعوت والذات. (٢)
وقد سمع النبي - ﷺ - هذه الأبيات، ولم يرد إنكاره لها فدل على جواز ذلك، وفي أثر لابن عباس وابن عمر -﵃- وربما رفعاه قالا: "تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله". (٣)
وقال حذيفة بن اليمان لعمر بن الخطاب ﵄ إن جمعت في الله وقسمته في ذات الله فأنت أنت وإلا فلا. (٤)
وذكر هذا الإمام ابن مندة فقال: إن ذات الله ﷿ موصوفة بالعلم غير مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا لقوله ﵊: (إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) (٥)، وهو موجود بحقائق الإيمان على الإتقان بلا إحاطة إدراك بها بل هو أعلم
_________________
(١) وذلك في قصة غزوة الرجيع رواها البخاري وغيره ح (٣٩٨٩).
(٢) الفتح ١٣/ ٣٨٢.
(٣) رواه البيهقي في الأسماء والصفات صـ ٢٤٠، والألباني في الصحيحة ٤/ ٣٩٥ وقال حسن بمجموع طرقه.
(٤) رواه ابن مندة في التوحيد ٣/ ٣٢.
(٥) رواه مسلم ح (٢٠٤٤).
[ ١٠٩ ]
بذاته، فهو موصوف غير مجهول، وموجود غير مدرك، ومرئي غير محاط به لقربه كأنك تراه، وقريب غير ملازق، وبعيد غير منقطع، يسمع ويرى وهو العلي الأعلى، وعلى العرش استوى ﵎، ظاهر في ملكه وقدرته، وقد حجب عن الخلق كنه ذاته، ودلهم عليه بآياته، فالقلوب تعرفه والعقول لا تكيفه، وهو بكل شيء محيط، وهو على كل شيء قدير. (١)
وأصل كلمة ذات هي بمعنى صاحبة، وهي تأنيث كلمة "ذو". (٢)
ومن هنا أنكر بعض الأدباء -كما قال النووي - إطلاق ذات على الحقيقة، فهي عندهم بمعنى صاحبة، وقالوا: ليس لها في اللغة مدلول غير ذلك، وأنكر الكندي إطلاق المتكلمين وغيرهم الذات بمعنى النفس. (٣)
وأجاب الحافظ بأن الممتنع استعمالها بمعنى صاحبه، أما إذا قطعت عن هذا المعنى واستعملت بمعنى الإسمية فلا محذور لقوله تعالى: ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ الأنفال ٤٣، أي بنفس الصدور. (٤)
ولهذا قال البخاري -﵀- (فذكر الذات باسمه تعالى) أي أقام الذات مقام اسمه تعالى. (٥)
قال شيخ الإسلام: " لفظ ذات تأنيث ذو، وذلك لا يستعمل إلا فيما كان مضافًا إلى غيره منهم يقولون: فلان ذو علم وذو قدرة، ونفس ذات علم وقدره، وحيث جاء في القرآن أو
_________________
(١) التوحيد لابن مندة ٣/ ٣٤.
(٢) تهذيب الاسماء واللغات للنووي ٢/ ١٦٣.
(٣) الفتح ١٣/ ٣٨٢.
(٤) المصدر السابق ١٣/ ٣٨٢.
(٥) شرح كتاب التوحيد للغنيمان ١/ ٢٤٣.
[ ١١٠ ]
لغة العرب لفظ (ذو)، ولفظ (ذات) لم يجيء إلا مقرونًا بالإضافة كقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم﴾ الأنفال ١، وقوله: ﴿عليم بذات الصدور﴾ الأنفال ٤٣، وقول خبيب -﵁- (وذلك في ذات الإله) ونحو ذلك.
لكن لما صار النظار يتكلمون في هذا الباب قالوا: إنه لا يقال أنها ذات علم وقدرة ثم إنهم قطعوا هذا اللفظ عن الإضافة وعرفوه، فقالوا: الذات، وهو لفظ مولد ليس من لفظ العرب العرباء، ولهذا أنكره طائفة من أهل العلم كأبي الفتح ابن برهان (١)، وابن الدهان (٢) وغيرهما، وقالوا: ليست هذه اللفظة عربية.
ثم حدد -﵀- أنها لفظة مولده كالموجود والماهية والكيفية (٣)، وقال: هذا اللفظ يقتضي وجود صفات تضاف الذات إليها. فيقال ذات علم وذات قدرة وذات كلام فإنه لا يمكن وجود شيء قائم بنفسه في الخارج لا يتصف بصفة ثبوتية أصلًا. (٤)
وهنا يتبين أن إطلاق الذات على الله ليس كإطلاق الصفات، أي أنه وصف له، وإنما المراد التفرقة بين الصفة والموصوف، وقد تبين مراد الذين يطلقون هذا اللفظ إنما يريدون نفس الموصوف وحقيقته، فلا إنكار عليهم في ذلك كما وضحه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
_________________
(١) أحمد بن علي بن برهان، فقيه بغدادي يضرب به المثل في حل الإشكال (ت ٥١٨ هـ) الأعلام (١/ ١٧٣).
(٢) سعيد بن المبارك الأنصاري، عالم باللغة والأدب له تفسير وعناية بكتب اللغة (ت ٥٦٩ هـ) الأعلام (٣/ ١٠٠).
(٣) الوجود: مبدأ الآثار وهو الذي يمكن أن يخبر عنه. وضده المعدوم الماهية: ما به الشيء هو هو، فهي حقيقة الشيء وأساسه وجوهره، وهي إما بسيطة أو مركبة. الكيفية: هيئة قارة في الشيء لا يقتضي قسمةً ولا نسبةً لذاته. انظر التعريفات للجرجاني (٢٤١، ٢٥٠، ٣٠٥).
(٤) الفتاوى ٦/ ٩٨ - ٩٩.
[ ١١١ ]
المطلب الثاني: إطلاق النفس على الله
بوب له البخاري -﵀- بقوله تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ آل عمران ٣٠، واستدل بآية ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ المائدة ١١٦، والنفس في هذه النصوص يراد بها الله ﷻ ولا يقصد ذات منفكة عن الصفات.
قال ابن خزيمة -﵀- في أول كتاب التوحيد: فأول ما نبدأ به من صفات الله خالقنا جل وعلا في كتابنا هذا: ذكر نفسه، جل ربنا عن أن تكون نفسه كنفس خلقه، وعز أن يكون عدمًا لا نفس له. قال تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ الأنعام ٥٤. فأعلمنا ربنا أن له نفسًا كتب عليها الرحمة. (١)
والآيات والأحاديث في إطلاق النفس على الله ﵎ كثيرة فمن القرآن:
قوله تعالى: ﴿واصطنعتك لنفسي﴾ طه ٤١، وقوله ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ الأنعام ٥٤، وقوله ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ آل عمران ٣٠، وقوله ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ المائدة ١١٦.
ومن الأحاديث: الحديث القدسي (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) رواه البخاري. (٢)
_________________
(١) كتاب التوحيد (١/ ١١).
(٢) رواه البخاري ح (٦٩٧٠).
[ ١١٢ ]
وحديث مسلم " قال ﵊ لجويرية -﵂-: قد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بهنّ لوزنتهنّ: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ومداد كلماته ورضى نفسه وزنة عرشه (١) ".
وفي حديث البخاري، قال ﵇: “ لما خلق الله الخلق كتب في كتابه وهو يكتب على نفسه وهو واضع عنده على العرش (إن رحمتي تغلب غضبي) (٢) ”.
وقد أورد البخاري حديثًا في الباب هو: ” ما من أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش، وما أحد أحب إليه المدح من الله” فطريق هذا الحديث ليس فيه ذكر النفس، لكنه تقدم في كتاب التفسير من طريق آخر في تفسير سورة الأنعام وفيه: “ولا شيء أحب إليه المدح من الله ولذلك مدح نفسه”. (٣)
وقال الحافظ ﵀: فذكر النفس ثابت في هذا الحديث وإن كان لم يقع في هذا الطريق، لكنه أشار إليه كعادته، فإنه -﵀- كثيرًا ما يترجم ببعض ما ورد في طرق الحديث الذي يورده.
قال ابن خزيمة -﵀- فالله جل وعلا أثبت في آي كتابه أن له نفسًا، وكذلك قد بين على لسان نبيه - ﷺ - أن له نفسًا، كما أثبت النفس في كتابه، وكفرت الجهمية بهذه الآي وهذه السنن وزعم بعض جهلتهم أن الله تعالى إنما أضاف النفس إليه على معنى إضافة الخلق
_________________
(١) مسلم ح (٢٦٢٧).
(٢) البخاري ح (٣٠٢٢).
(٣) البخاري ح (٤٣٥٨).
[ ١١٣ ]
إليه وزعم أن نفسه غيره كما أن خلقه غيره، وهذا لا يتوهمه ذو لب وعلم فضلًا عن يتكلم به. (١)
وهذا واضح البطلان - أعني زعم الجهمية- الذين يزعمون أن الله لا يوصف بالضمير، وهو منفي عن الله كما نقل ذلك عنهم الإمام الدارمي -﵀- حين رد على بشر المريسي، فقال: وادعى المعارض أن الله لا يوصف بالضمير والضمير منفي عن الله، وهي كلمة خبيثة قديمة من كلام جهم، عارض بها قوله تعالى: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ المائدة ٧٦، يدفع بذلك أن يكون الله تعالى سبق له علم في نفسه من الخلق وأعمالهم قبل أن يخلقهم.
قال أبو سعيد: "وقول جهم هذا أصل كبير في تعطيل النفس والعلم السابق، ثم قال -﵀- فإذا اجتمع قول الله وقول الرسولين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم فمن يكترث لقول جهم والمريسي وأصحابهما؟ فنفس الله هو الله والنفس مجمع الصفات كلها، فإذا نفيت النفس نفيت الصفات، وإذا نفيت الصفات كان لا شيء (٢) ".
قال الراغب الأصفهاني (٣) في مفرداته: "نفسه ذاته وهذا وإن كان قد حصل من حيث اللفظ مضاف ومضاف إليه يقتضي المغايرة وإثبات شيئين من حيث العبارة فلا
شيء من حيث المعنى سواه سبحانه عن الأثنوية من كل وجه (٤) ".
_________________
(١) التوحيد ١/ ١٩.
(٢) عقائد السلف صـ ٥٥٠ - ٥٥٢.
(٣) الحسين بن محمد الأصفهاني، أديب من الحكماء، له عناية بغريب القرآن، (ت ٥٠٢ هـ) الأعلام (٢/ ٢٥٥).
(٤) مفردات الأصفهاني صـ ٥١١.
[ ١١٤ ]
ونقل الحافظ -﵀- عن ابن بطال في هذه الآيات والأحاديث إثبات النفس لله تعالى، وللنفس معانٍ والمراد بنفس الله تعالى ذاته وليس بأمر مزيد عليه، فوجب أن يكون هو (١) "
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: " إن هذه المواضع المراد منها بلفظ النفس عند جمهور العلماء الله نفسه التي هي ذاته المتصفة بصفاته، وليس المراد بها ذاتًا منفكة عن الصفات ولا المراد بها صفة للذات، وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات كما تظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات وكلا القولين خطأ (٢) ".
فبان أن البخاري -﵀- يرى جواز إطلاق النفس على الله من باب الإخبار وليس من باب التسمية ومعلوم أن باب الإطلاق والإخبار أوسع من باب التسمية، فأوردها مصدرًا لها بالآية الصريحة ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ آل عمران ٣٠.
_________________
(١) الفتح ١٣/ ٣٨٤.
(٢) الفتاوى ٩/ ٢٩٢ - ٢٩٣.
[ ١١٥ ]
المطلب الثالث: إطلاق (الشيء) على الله
إطلاق الشيء على الله تعالى يعني إثباتًا للوجود ونفيًا للعدم، وقد اختلف المتكلمون هل يسمى الباري شيئًا أم لا.
قال الجهم: أن الله لا يسمى شيئًا، لأن الشيء هو المخلوق الذي له مثل.
والمعتزلة قالوا: إنه غير الأشياء على مقالات:
فهو غير الأشياء بنفسه، ولا يقال إنه غيرها لغيرية.
وقائل انه غير لأشياء والأشياء غيره لنفسه ولنفسها.
وقائل انه غير لأشياء أي ليس هو الأشياء. (١)
ويطلق أهل السنة على الله وعلى صفاته أنه شيء، وليس معناه عندهم أن الشيء اسم من أسماء الله، ولكن يخبر عنه بأنه شيء، ويخبر عن صفاته أنها شيء لأن كل موجود يصح أن يقال له شيء.
قال الحافظ: " الشيء يساوي الموجود لغة وعرفًا وأما قولهم فلان ليس بشيء فهو على طريق المبالغة في الذم فلذلك وصف بصفة العدم. (٢)
والبخاري -﵀- بوب بقوله تعالى: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله. .﴾ الأنعام ١٩. قال: فسمى الله تعالى نفسه شيئًا، وسمى النبي - ﷺ - القرآن شيئًا، وهو صفة من صفات الله وقال: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص ٨٨.
_________________
(١) مقالات الإسلاميين للأشعري ١/ ٢٣٨.
(٢) الفتح (١٣/ ٤٠٢).
[ ١١٦ ]
ثم استدل بحديث سهل بن سعد -﵁- أن النبي - ﷺ - قال لرجل: أمعك من القرآن شيء، قال: نعم، سورة كذا وكذا لسورٍ سماها.
قال ابن بطال -﵀-: إن الآيات والآثار المذكورة في هذا الباب ترد على من زعم أنه لا يجوز أن يطلق على الله تعالى أنه شيء. (١)
وقد قال الإمام عبد العزيز الكناني (٢) في مناظرته لبشر المريسي في رفع الشبهة عن هذه الكلمة، فإن بشرًا ادعى أن القرآن شيء وعلى هذا فهو مخلوق.
وأجابه الكناني: سألت عن القرآن أهو شيء أو غير شيء، فإن كنت تريد هو شيء إثباتًا للوجود ونفيًا للعدم فهو شيء، وإن كنت تريد أن الشيء اسم له وأنه كالأشياء فلا، ولكن بشرًا ادعى عدم الفهم وطلب زيادة إيضاح، فقال الكناني: إن الله ﷿ أجرى على كلامه ما أجراه على نفسه إذ كان كلامه من صفاته، فلم يقسم بالشيء، ولم يجعل الشيء اسمًا من أسمائه، ولكنه دل على نفسه أنه شيء، وأكبر الأشياء ونفيًا للعدم، وتكذيبًا منه للزنادقة والدهرية ومن تقدمهم جحد معرفته وأنكر ربوبيته من سائر الأمم، فقال ﷿ لنبيه: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم﴾ الأنعام ١٩، فدل على نفسه أنه شيء لا كالأشياء وأنزل في ذلك خبرًا خاصًا مفردًا لعلمه السابق أن جهمًا وبشرًا ومن قال بقولهما سيلحدون في أسمائه ويشبهونه على خلقه ويدخلونه وكلامه في الأشياء المخلوقة، قال ﷿: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى ١١، فاخرج نفسه وكلامه وصفاته من
_________________
(١) المصدر السابق ١٣/ ٤٠٢.
(٢) عبدالعزيز بن يحيى الكناني، فقيه مناظر من تلاميذ الشافعي، ناظر بشر المريسي في حضرة المأمون وسجل ذلك في رسالة (الحيده) (ت ٢٤٠ هـ) الأعلام (٤/ ٢٩).
[ ١١٧ ]
الأشياء المخلوقة، فهذا الخبر تكذيبًا لمن ألح في كتابه وافترى عليه وشبهه بخلقه، قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون﴾ الأعراف.
ثم عدد أسماءه في كتابه ولم يتسم بالشيء، ولم يجعله اسمًا من أسمائه.
واحتج -﵀- بأن الله ذم اليهودي (١) الذي نفى أن تكون التوراة شيء فقال: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشرٍ من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدىً للناس﴾ الأنعام ٩١.
واستدل بقوله: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحي إليَّ ولم يوح إليه شيء﴾ الأنعام ٩٣.
وهكذا يمضي الإمام عبد العزيز الكناني -﵀- في استنباط الأدلة ردًا على بشر المريسي، الذي طلب دليلًا على أن القرآن شيء، ولكن لا كالأشياء.
فقال الكناني: قال الله ﷿: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ النحل ٤، وقال: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾ يس ٨٢، وقال: ﴿وإذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون﴾ البقرة ١١٧.
فدل ﷿ بهذه الأخبار كلها وأشباه لها كثيرة على أن كلامه ليس كالأشياء وأنه غير الأشياء وأنه خارج عن الأشياء، وأنه إنما " تكون الأشياء بقوله وأمره ثم ذكر خلق الأشياء كلها فلم يدع منها شيء إلا ذكره وأخرج كلامه وقوله وأمره منها ليدل على أن كلامه غير الأشياء
_________________
(١) يشير الإمام الكناني للحبر اليهودي: مالك بن الصيف الذي خاصم النبي - ﷺ - في مكة فقال له النبي - ﷺ - (أُنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى: أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين) وكان حبرًا سمينًا، فقال: والله ما أنزل اللهُ على بشر من شيء. تفسير الطبري (١١/ ٥٢١)، تفسير البغوي (٣٦٦).
[ ١١٨ ]
وخارج عن الأشياء المخلوقة فقال: ﴿إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثًا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره الا له الخلق والأمر﴾ الأعراف ٥٤.
فجمع في هذه اللفظة الخلق كله ثم قال: والأمر يعني الأمر الذي كان به هذا الخلق ففرق ﷿ بين خلقه وأمره فجعل الخلق خلقًا والأمر أمرًا، وجعل هذا غير هذا. (١)
وفي هذه اللفظة (شيء) صرح الإمام البخاري بها وأنها تطلق على الله ونوع الإستدلال بذلك فقال: فسمى الله نفسه شيئًا ثم استدل باطلاق شيء على القرآن الذي هو صفة لله فقال: وسمى النبي القرآن شيئًا وهو صفة من صفات الله ثم عاد إلى القرآن فأكد بقوله ﴿كل شيء هالك إلاّ وجهه﴾ القصص ٨٨. فبان غرضه -﵀- ووافق السلف في جواز اطلاق الشيء على الله إخبارًا لا تسمية.
_________________
(١) الحيده الصفحات ٣٣ - ٣٦ بتصرف يسير.
[ ١١٩ ]
المطلب الرابع: إطلاق (الشخص) على الله
جاء في بعض الأحاديث الصحيحة إطلاق (الشخص) على الله، كما بوب البخاري -﵀- لذلك فقال: باب قول النبي - ﷺ - لا شخص أغير من الله، وقد رواه تعليقًا -﵀- ولكن وصله ابن حجر في تغليق التعليق (١) بإسناده إلى الدارمي -﵀- وغيره.
ورواه مسلم (٢) أيضًا بهذا اللفظ (لا شخص).
وهناك روايات أخرى بقوله (لا شيء) و(لا أحد).
وهناك من جعل لا شخص تصحيف ووهم من الرواة، وهناك من أولها، فقال الخطابي -﵀-: إطلاق الشخص في صفة الله تعالى غير جائز وذلك لأن الشخص لا يكون إلا جسمًا مؤلفًا وإنما يسمى شخصًا ما كان له شخص وارتفاع، ومثل هذا النعت منفي عن الله ﷾، وخليق أن لا تكون هذه اللفظة صحيحة وأن تكون تصحيفًا من الراوي. (٣)
ثم ذكر أن الشيء والشخص سواء فمن لم يفهم الاستماع لم يأمن الوهم، وليس كل الرواة يراعون لفظ الحديث حتى لا يتعدوه.
ويشكك الخطابي -﵀- بأن الراوي جرى منه لفظ الشخص من غير تأمل. (٤)
ولعل الخطابي -﵀- لم يطلع على الروايات الأخرى، فقد روى الحديث مسلم وأحمد والدارمي وغيرهم بلفظ (لا شخص)، ولذلك قال الإمام الكرماني معلقًا على الخطابي:
_________________
(١) تغليق التعليق (٥/ ٣٤٤).
(٢) كتاب اللعان حديث رقم ١٤٩٩.
(٣) أعلام الحديث ٤/ ٢٣٤٤.
(٤) أعلام الحديث ٤/ ٢٣٤٥
[ ١٢٠ ]
"لا حاجة إلى تخطئة الرواة الثقات بل حكمه حكم سائر المتشابهات فإما أن يفوض وإما أن يؤول (١) " هذا ما يراه الكرماني ولا يُسلم له.
ومثله الحافظ -﵀- فقد تعقب الخطابي بأنه لم يراجع باقي الروايات الصحيحة وأن طعنه في أئمة الحديث الضابطين مع إمكان توجيه ما رووا من الأمور التي أقدم عليها كثير من غير أهل الحديث وهو يقتضي قصور في علم من فعل ذلك منهم. (٢)
وقال الإمام النووي -﵀-: (لا شخص) أي لا أحد، وإنما قال لا شخص استعارة ومعناه لا ينبغي لشخص أن يكون أغير من الله ولا يتصور ذلك منه. (٣)
وإلى مثل هذا ذهب البيهقي -﵀- فقد ساق كلام الخطابي وارتضى أن يكون لفظ (لا شخص) تصحيفًا ثم قال: ولو ثبتت هذه اللفظة لم يكن فيها ما يوجب أن يكون الله شخصًا، فإنما قصد إثبات صفة الغيرة لله تعالى والمبالغة فيه، وأن أحدًا من الأشخاص لا يبلغ تمامها. ونقل البيهقي مثل ذلك عن أبي بكر الإسماعيلي (٤) بأنه لا يوجب بأن الله شخص. (٥)
واسند لذلك بأن قوله (ما خلق الله شيئًا أعظم من آية الكرسي) ليس فيه إثبات خلق آية الكرسي، وليس فيه إلا أن لا خلق في العِظم كآية الكرسي، لا أن آية الكرسي مخلوقة (٦)، وبهذا قال ابن فورك وأخذه عنه ابن بطال.
_________________
(١) (٢٥/ ١٢٨) الكواكب الدراري شرح صحيح البخاري للكرماني (٢٥/ ١٢٨).
(٢) فتح الباري (١٣/ ٤٠١) بتصرف.
(٣) شرح صحيح مسلم (١٠/ ١٠٣).
(٤) أحمد بن إبراهيم إسماعيل، حافظ جمع بين الفقه والحديث ورياسة الدين والدنيا، (ت ٣٧١ هـ) الأعلام (١/ ٨٦).
(٥) الأسماء والصفات صـ ٣٦٦.
(٦) المصدر السابق، وهذا المثال محل نظر والله أعلم.
[ ١٢١ ]
وقال ابن فورك بالمنع لهذا الإطلاق لعدم ثباته عنده من طريق السماع وللإجماع على منعه ولأن معناه يقتضي الجسمية.
وقال بالإجماع أيضًا ابن بطال، فقال: أجمعت الأمة على أن الله تعالى لا يجوز أن يوصف بأنه شخص.
ونقل عن القاضي عياض (١) -﵀- أنه لا إشكال في قوله (لا شخص) لأنه ربما وقع تجوزًا من (شيء) أو (أحد) وقال: قد يكون المراد بالشخص المرتفع؛ لأن الشخص هو ما ظهر وشخص وارتفع، فيكون المعنى لا مرتفع أرفع من الله كقوله (لا متعالي أعلى من الله) وله توجيه آخر وهو: لا ينبغي لشخص أن يكون أغير من الله، وبمثله قال القرطبي (٢)
وأما من يسوق هذا اللفظ من غير تأويل فالإمام عبيد الله القواريري (٣) راوي الحديث في المسند -﵀- قال عبد الله بن أحمد بعد ذكره لهذا الحديث: قال عبيد الله القواريري: “ليس حديث أشد على الجهمية من هذا الحديث (٤) ”.
ورواه الإمام الدارمي في سننه ساكتًا عنه. (٥)
وبوب له الإمام الحافظ ابن أبي عاصم (٦) في كتابه [السنة] وساق للحديث إسنادين صحيحين على شرط الشيخين كما قال الألباني. (٧)
_________________
(١) عياض بن موسى اليحصبي، عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته (ت ٥٤٤ هـ)، الأعلام (٥/ ٩٩).
(٢) انظر الأقوال السابقة في فتح الباري (١٣/ ٤١٣).
(٣) عبيد الله بن عمر بن ميسرة الإمام الحافظ، محدِّث الإسلام، روى له البخاري ومسلم وأبوداود وكتب عنه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل (ت ٢٣٥ هـ) سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٤٢).
(٤) المسند ٤/ ٢٤٨.
(٥) سنن الدارمي ٢/ ٧٣.
(٦) أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني يقال له ابن النبيل، عالم بالحديث له ثلاث مائة مصنف، (ت ٢٨٧ هـ) الأعلام (١/ ١٨٩).
(٧) السنة لابن أبي عاصم صـ ٢٣٠ - ٢٣١.
[ ١٢٢ ]
ومثله الإمام أبو يعلى ساق هذا الحديث بسنده في [إبطال التأويلات لأخبار الصفات] ثم قال: وأما لفظ الشخص فرأيت بعض أصحاب الحديث يذهب إلى جواز إطلاقه ووجهه أن قوله (لا شخص) نفي من إثبات وذلك يقتضي الجنس كقولك: لا رجل أكرم من زيد، يقتضي أن زيدًا يقع عليه اسم رجل، كذلك قوله (لا شخص أغير من الله) يقتضي أنه سبحانه يقع عليه هذا الاسم. (١)
ثم ذكر احتمالًا آخر وهو أن الاستثناء من غير جنسه لورود الروايات الأخرى (لا أحد) وقال إن هذا مثل قوله ﴿ما لهم به من علم إلا اتباع الظن﴾ النساء ١٥٧، وليس الظن من نوع العلم، وقوله ﴿فإنهم عدوٌ لي إلا رب العالمين﴾ (٢) الشعراء ٧٧.
فعلى هذا يمتنع في الرأي الآخر لأبي يعلى إطلاق الشخص على الله. (٣)
وجزم الدكتور عبد الله الغنيمان بأن هذا هو مراد البخاري وأنه وصف له.
وقال عن حكاية الإجماع التي قالها ابن بطال بأنه [لا يجوز أن يوصف بأنه شخص] أنها مجازفة ودعوى عارية عن الدليل وأن الدليل على ثبوت هذا اللفظ ثم قال: " وقد صح عنه - ﷺ - إطلاق هذا الاسم - أعني الشخص- على الله تعالى فيجب اتباعه في ذلك على من يؤمن بأنه رسول الله وهو - ﷺ - أعلم بربه وبما يجب له وما يمتنع عليه من غيره من سائر البشر. (٤)
_________________
(١) إبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ١٦٦).
(٢) المصدر السابق ج ١ صـ ١٦٧.
(٣) وأورده ابن البنا في عقيدته التي اختصر فيها كتاب التوحيد للبخاري من غير تعليق صـ ١٢٢.
(٤) شرح كتاب التوحيد للغنيمان (١/ ٣٣٩).
[ ١٢٣ ]
والبخاري -﵀- لم يصرح بشيء غير التبويب بهذا الحديث المعلق، قال الحافظ -﵀-: لم يفصح المصنف بإطلاق الشخص على الله، بل أورد ذلك على طريق الاحتمال.
ويلاحظ أن البخاري -﵀- جزم بتسميته شيئًا لوضوح ذلك بالآيتين فقال: "فقد سمى الله شيئًا وسمى النبي - ﷺ - القرآن شيئًا وهو صفة من صفات الله".
ولكن بعض المؤلفين في مناسبات تراجم البخاري يرى أن مقصود البخاري بهذه الترجمة إثبات صفة الغيرة لله بدليل الحديث الذي أورده في الباب وهو قوله [أتعجبون من غيرة سعد، والله لأنا أغير منه والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن]. (١)
هذا والله أعلم، له وجاهة ولا حاجة للتأويل ونسبة الرواة للجهالة أو الرواية بالمعنى لثبوت لفظ الشخص في الصحيحين وغيرهما؛ ولأنه لا يلزم في اللغة أن يكون المفضل عليه من جنس المفضل، فلا يلزم إذًا أن يكون الله موصوفًا بالشخصية.
ثم إذا سلم بالوصف بالشخصية على قول من قال به، فهو لا يلزم من كونه شخصًا أن يكون مماثلًا للأشخاص فإن الله ليس كمثله شيء حتى في اللفظة التي يستوي الإنسان والرب ﷿ فإنه لا يماثله في حقيقة معناها، كما مرّ معنا في أكثر من إطلاق.
قال تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى ١١.
واورد الإمام الدارقطني في كتاب الرؤية، وعبد الله بن أحمد بأسنادهما إلى لقيط بن عامر (٢) -﵁- في حديث قدومه على رسول الله - ﷺ - وهو حديث طويل وفيه ". .
_________________
(١) الأبواب والتراجم للهندي [٦/ ٣٣٩].
(٢) لقيط بن عامر بن صبرة أبو رزين صحابي، (ت ٢٩٧ هـ) تقريب التهذيب (٢/ ١٣٨).
[ ١٢٤ ]
فذكر الرب فقال تنظرون إليه وينظر إليكم" قال قلت يا رسول الله، كيف ونحن ملئ الأرض وهو شخص واحد فينظر إلينا وننظر إليه؟
فقال: الشمس والقمر آية منه صغيرة تروينهما ويرياناكم".
قال: فأقره النبي - ﷺ - على قوله " وهو شخص واحد".
وقد اختلف العلماء في صحة هذا الحديث، فممن صححه الإمام ابن القيم، وحكى قبوله عن الأئمة أبو زرعة الرازي وأبو حاتم والبخاري وغيرهم.
ثم علق على قوله (وهو شخص واحد) بقوله: وقد جاء هذا في الحديث وفي حديث آخر (لا شخص أغير من الله).
قال: والمخاطبون بهذا قوم عرب يعلمون المراد منه ولا يقع في قلوبهم تشبيهه سبحانه بالأشخاص بل هم أشرف عقولًا واصح أذهانًا وأسلم قلوبًا من ذلك. (١)
والذي بان لي أنه يجوز إطلاق لفظ الشخص من باب الإخبار عن الله ولكن ليس من باب التسمية؛ لأن شرط الأسماء أن تكون حسنى بالغة الحسن أكمله، ولأنه لا يدعي بقوله يا شخص ولم يرد هذا اللفظ في جميع روايات من جمع الأسماء الحسنى، والله أعلم.
_________________
(١) زاد المعاد ٣/ ٦٨١. والحديث: قال الأرنؤوط إسناده ضعيف لجهالة عبد الرحمن بن عياش السمعي. وقال مثله محقق أبطال التأويلات: ضعيف لنفس الجهالة السابقة، وقال الحافظ في التهذيب (٥/ ٥٧) ورواه أبو القاسم الطبراني مطولًا وهو حديث غريب جدًا. وكذا قال د. محمد القحطاني في تحقيق السنة لعبدالله ابن أحمد ٢/ ٤٨٥.
[ ١٢٥ ]
الفصل الرابع: من أحكام الأسماء الحسنى
المبحث الأول: السؤال بأسماء الله والاستعاذة بها
السؤال هو الطلب بذلٍ وخضوع وافتقار.
والاستعاذة: هي العوذ والاحتماء بمن يدفع المكروه ويرفع البلاء بعد نزوله. (١)
وهذا في حق الأسماء الحسنى ارتبط بقوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ الأعراف ١٨٠.
(فالدعاء هو العبادة) ولعظم أمر الدعاء عند الله فقد أمر عباده به كثيرًا في كتابه فقال: ﴿وقال ربك ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ غافر ٦٠، فجعل الاستكبار عن الدعاء استكبار عن العبادة وقال: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾ البقرة ١٨٦.
ولذلك لما قال عليه الصلاة السلام (الدعاء هو العبادة) (٢) قرأ بعدها قوله: ﴿وقال ربكم ادعوني استجب لكم﴾ غافر ٦٠.
وقد قرر أهل العلم أن الدعاء نوعان:
١ - دعاء ثناء على الله.
_________________
(١) لسان العرب ٢/ ٩٢٣.
(٢) رواه أبوداود ح (١٣٢٩) وهو صحيح.
[ ١٢٦ ]
٢ - دعاء مسألة لله.
وكلاهما عبادة لله ﵎.
فدعاء مسألة وطلب ودعاء ثناء وهذا بيّن باستقراء النصوص، فدعاء الثناء هو: التعبد لله سبحانه والثناء عليه بأسمائه الحسنى.
ودعاء العبادة يقتضي أن يتعبد العبد لله ﷾ بمقتضى الأسماء، فلابد أن تؤثر عليه ظاهرًا وباطنًا فإذا علم العبد سَمْعَ الله، وعلمه، وبصره، وأنه السميع العليم البصير لا يخفى عليه شيء وأنه يعلم السر وأخفى يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضي الله. (١)
وأما دعاء المسألة بالنسبة للأسماء الحسنى فهو سؤال الله في كل مطلوب بما يناسب ذلك المطلوب والتوسل إلى الله بالأسماء في الدعاء، فيقول الداعي اللهم اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم وتب عليَّ يا تواب وارزقني يا رزاق ونحو ذلك.
وبيان ذلك في قوله تعالى: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾ آل عمران ٨.
وفي تمثل الرسول - ﷺ - حيث علم عائشة -﵂- ما تدعو ربها به في تحريها لليلة القدر أن تقول: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني. (٢)
وهنا لابد من التنبيه على أن ما يدخل في باب الإخبار عن الله تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته كالشيء والموجود والقائم بنفسه والشارع فإن هذا يخبر عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العلى.
_________________
(١) مفتاح دار السعادة لابن القيم ٢/ ٩٠ بتصرف.
(٢) الترمذي باب ٨٩ ح ٣٥٨ وقال حسن صحيح ٥/ ١٩٥، وانظر أسماء الله للغصن صـ ١٢٦.
[ ١٢٧ ]
قال أبو إسحاق الزجاج: لا يجوز لأحد أن يدعو الله بما لم يصف به نفسه. (١)
وقال الخطابي: ومن علم هذا الباب أعني: الأسماء والصفات ومما يدخل في أحكامه ويتعلق به من شرائط أنه لا يتجاوز فيها التوقف ولا يستعمل فيها القياس فيلحق بالشيء نظيره في ظاهر وضع اللغة ومتعارض الكلام. (٢)
وقال شيخ الإسلام: ثم أنت تسميه قديمًا وواجب الوجود وذاتًا ونحو ذلك مما لم يرد به الشرع، والشارع يفرق بين ما يدعى به من الأسماء، فلا يدعى إلا بالأسماء الحسنى وبين ما يخبر بمضمونه عنه من الأسماء لإثبات معنى يستحقه نفاه عنه نافٍ مما يستحق من الصفات، كما أن من نازعك في قدمه أو وجوب وجوده قلت مخبرًا عنه بما يستحقه: أنه قديم وواجب الوجود. (٣)
وقال في موضع آخر: " فالفرق بين مقام المخاطبة ومقام الإخبار فرق ثابت في الشرع والعقل وبه يظهر الفرق بين ما يدعى الله به من الأسماء الحسنى وبما يخبر به عنه ﷿ مما هو حق ثابت لإثبات ما يستحقه سبحانه من صفات الكمال ونفي ما تنزه عنه ﷿ من العيوب والنقائض، فإنه الملك القدوس السلام سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كثيرًا، قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾ الأعراف ١٨٠، مع قوله ﴿قل إي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم﴾ الأنعام ١٩، ولا يقال في الدعاء: يا شيء (٤) ".
_________________
(١) الفتح (١١/ ٢٢٣).
(٢) شأن الدعاء صـ ٨١١.
(٣) درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٤/ ١٤٠.
(٤) المصدر السابق ١/ ٢٩٨.
[ ١٢٨ ]
ونذكر هنا مخالفة المعتزلة -[معتزلة البصرة، أما البغداديون فيرون أنها توقيفية]- زعموا أن العقل إذا دل على اسم لله ثبت له، وبالغ أبو علي الجبائي في ذلك حتى سمى الله بأسماء ينزه الرب عنها كالمطيع ومحبل النساء وغير ذلك، وله مناظرات مشهورة مع أبي الحسن الأشعري في ذلك كانت سببًا في مفارقته له. (١)
والاستعاذة كذلك بالأسماء الحسنى مثل الدعاء بها كقول الله تعالى ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ النحل ٦٨.
وقوله ﴿إني عذت بربي وربكم﴾ الدخان ٢٠، وقوله ﴿قالت إني أعوذ بالرحمن منك﴾ مريم ١٨.
ويلاحظ أن الأسماء تشارك الصفات في جواز السؤال بها والاستعاذة بها، ولكن المخالفة بينهما بالدعاء، فدعاء الأسماء الحسنى توحيد وعبادة، تقول: يا الله يا رحمن يا رحيم، وأما دعاء الصفات فهو من الشرك، كقولك يا رحمة الله اغفري يا قدرة الله انقذيني.
قال شيخ الإسلام: " إن مسألة الله بأسمائه وصفاته وكلماته جائز مشروع كما جاءت به الأحاديث، وأما دعاء صفاته وكلماته فكفر باتفاق المسلمين، فهل يقول مسلم يا كلام الله اغفر لي وارحمني وأغنني وأعني، أو يا علم الله أو يا قدرة الله أو يا عزة الله أو يا عظمة الله ونحو ذلك.
_________________
(١) مقالات الإسلاميين ٢/ ٢٠٧.
[ ١٢٩ ]
أو سمع من مسلم أو كافر أنه دعى بذلك أو يطلب من الصفة جلب المنفعة، أو دفع مضرة أو إعانة أو نصر أو إغاثة أو غير ذلك. (١) ويضاف أن الأسماء يصح التعبيد بها كعبدالله، بينما الصفات لا يجوز ذلك فلا يقال عبدالرحمة ولا عبد القوة وهكذا.
وفي هذا الباب بوب البخاري -﵀- بقوله " باب السؤال بأسماء الله والاستعاذة بها" وأورد -﵀- أحاديث تدل على السؤال والتوسل والاستعاذة بالأسماء الحسنى لورود الأحاديث، والتي ساق منها:
" باسمك ربي وضعت جنبي،
- (باسمك أحيا وأموت) وحديث (باسمك نموت ونحيا)
- باسم الله اللهم جنبنا الشيطان"
- إذا أرسلت كلابك المعلَّمة وذكرت اسم الله فامسكن فكل"
- اذكروا اسم الله وكلوا. .
- ضحى بكبشين يسمي ويكبر.
- ومن لم يذبح فيذبح باسم الله
فهذه الأحاديث في الاستعاذة بالله وسؤاله عند النوم وبعده وعند الجماع ولحل الأكل ولحل الصيد وعند النسك تجعل المسلم في كل أحواله مع الله سائلًا ومستعينًا به فهذا بيان من فعله - ﷺ - وأمره.
_________________
(١) تلخيص الاستغاثة - الرد على البكري - لابن تيمية صـ ٧٩.
[ ١٣٠ ]
ونقل الحافظ عن الإمام نعيم بن حماد قوله في كتاب الرد على الجهمية " دلت هذه الأحاديث على أن القرآن غير مخلوق إذ لو كان القرآن مخلوقًا لم يستعذ بها، إذ لا يستعاذ بمخلوق، قال تعالى ﴿فاستعذ بالله﴾ الأعراف ٢٠٠، وقال ﵊ (فإذا استعذت فاستعذ بالله). (١)
وفيه الرد على من قال إن أسماء الله مخلوقه وكلامه مخلوق، كما نقل عن الجهمية. ووجه الرد أنها لو كانت غيره لما جازت الاستعاذة بها، والسؤال واضح في أحاديث الباب والاستعاذة تفهم من حديث جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا.
وقد نبه على هذه المسائل البخاري في - خلق أفعال العباد- خاصة أن الاستعاذة بها فيه أن كلام الله غير مخلوق وأن سواه خلق (٢) وقال فيه: باب ما كان النبي - ﷺ - يستعيذ بكلمات الله لا بكلام غيره.
_________________
(١) فتح الباري ١٣/ ٣٩٣. وبهذا قال صاحب الأبواب والتراجم للبخاري ٦/ ٣٣٦.
(٢) خلق أفعال العباد ٩٦.
[ ١٣١ ]
المبحث الثاني: الحلف بأسماء الله
الحلف هو: تأكيد الخبر بذكر اسم الله العظيم الذي يوقع بالكاذب العقوبة، ففي ضمن ذلك أن المحلوف به مطلع على حقيقة الأمر ولذلك صار الحلف بغير الله شركًا. (١)
قال ﵊ " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك". ولما سمع ابن عمر رجلًا يحلف بالكعبة قال: لا يحلف بغير الله، ثم استشهد بالحديث السابق. (٢) وأخرج البيهقي -﵀- عن الشافعي، قال: قال الشافعي -﵀-: من حلف بالله أو باسم من أسمائه فعليه الكفارة، ومن حلف بشيء غير الله مثل أن يقول الرجل [والكعبة] وأبي وكذا وكذا ما كان فحنث فلا كفارة عليه ومثل ذلك قوله: لعمري، لا كفارة عليه ويمين بغير الله فهي مكروهة منهي عنها من قبل قول الرسول - ﷺ -: [إن الله ﷿ نهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليسكت] (٣). (٤)
وهذا هو مراد البخاري -﵀- في إيراد هذا الحديث في باب السؤال بأسماء الله والاستعاذة بها من أن ذكر اسم الله - تعالى- أو صفته لتأكيد الخبر مشروع بالجملة وأنه لا يجوز ذلك لغير الله فيكون ذلك من العبادة بأسماء الله تعالى. (٥)
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد للغنيمان (١/ ٢٤٠).
(٢) رواه أحمد ح (٥٣٣٦) والترمذي ح (١٤٥٥).
(٣) رواه البخاري (٣٦٢٤).
(٤) مناقب الشافعي للبيهقي ١/ ٤٠٥.
(٥) انظر شرح كتاب التوحيد للغنيمان ١/ ٢٤٠.
[ ١٣٢ ]
وقد بوب البخاري -﵀- في كتاب الإيمان والنذور بقوله: " باب الحلف بغير الله وصفاته وكلماته، ومثله في كتاب التوحيد، قال: من حلف بغير الله وصفاته" وأورد أحاديث تدل على الحلف بغير الله كقول جهنم: (قطٍ قطٍ وعزتك) وقول الرجل الذي يكون آخر من يدخل الجنة: (لا وعزتك لا أسألك غيرها).
وقول أيوب - ﷺ -: "وعزتك لا غنى بي عن بركتك".
وغيرها من الأحاديث الدالة على أن الحلف بالله أو بأسمائه أو بصفاته فقط.
وتنبيه البخاري وتبويبه يدل على إهتمامه بهذه المسألة من ناحيتين:
الأولى: حماية جناب التوحيد من أن الحلف بغير الله شرك.
الثانية: أن الحلف بأسمائه وصفاته دالٌ على أنها غير مخلوقة.
[ ١٣٣ ]
الباب الثاني الصفات الالهية
الفصل الأول: الصفات الذاتية
الفصل الثاني: الصفات الفعلية
الفصل الثالث: ماورد في الرؤية
الفصل الرابع: ماورد في صفة الكلام
الفصل الخامس: ماورد في أفعال العباد
[ ١٣٤ ]