تمهيد: تعريف الصفة وأقسام الناس فيها:
وصف الله ﵎ نفسه بصفات كمال مطلق من جميع الوجوه ونعوت العظمة والجلال والجمال، ومن تدبر القرآن الكريم عرف أن الله على كل شيء قدير وأنه هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم له المشيئة النافذة والحكمة البالغة، غفور لعباده، رحيم بهم، يحب لعباده الإيمان ولا يرضى لهم الكفر، وهاب جزيل العطايا، صمدٌ واحدٌ لا شريك له، علا واستوى على العرش، وهو مع عباده إينما كانوا، كل هذا وليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
فمن عرف صفات ربه تعبده بها وأجر عليها ومن وصف ربه بالنقائص وعطل ذاته عن صفاته فقد دخل في الوعيد الشديد.
فقد عاقب الله الواصفين له بالنقص كما في قوله: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ المائدة ٦٤.
وقوله ﷿: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق﴾ آل عمران ١٨١.
ونزه نفسه عما يصفونه به من النقائص فقال: ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون﴾ الصافات ١٨٠.
[ ١٣٥ ]
وقال ﷾: ﴿ما أتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذًا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون﴾ المؤمنون ٩١.
ولم يسأل صحابة رسول الله ﷺ نبيه - والقرآن ينزل - عن هذه الصفات بل استبشروا بها خيرًا وفرحوا برحمته ومغفرته لهم، كما قال الله في كتابه: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾ يونس ٥٨.
وبنظرة قريبة لأصل كلمة الصفة فيقال: الوصف: ما يقوم بالواصف، والصفة ما تقوم بالموصوف. (١)
قال البخاري -﵀- في خلق افعال العبادة: فالوصف إنما هو قول القائل حيث يقول: هذا رجل طويل وثقيل وجميل وحديد، فالطول والجمال والثقل والحدة، إنما هو صفة الرجل، وقول القائل وصف، كذلك إذا قال: الله رحيم، والله عليم. (٢)
قال شيخ الإسلام: والصفة والوصف تارة يراد بها الكلام الذي يوصف به الموصوف كقول الصحابي - لأنها صفة الرحمن- وتارة يراد به المعاني التي دل عليها الكلام كالعلم والقدرة، والجهمية والمعتزلة وغيرهم تنكر هذه وتقول إنما الصفات مجرد العبارة التي يعبر بها عن الموصوف، والكلابية ومن اتبعهم من الصفاتية قد يفرقون بين الصف والوصف فيجعلون الوصف هو القول والصفة المعنى القائم بالموصوف. وأما جماهير الناس فيعلمون أن كل واحد
_________________
(١) لسان العرب (مادة وصف).
(٢) خلق أفعال العباد صـ ١١٤.
[ ١٣٦ ]
من لفظ الصفة والوصف مصدر في الأصل كالوعد والعدة والوزن والزنة وأنه يراد به تارة هذا وتارة هذا. (١)
والنصوص متوافرة في الكتاب والسنة في سياق صفات الله ﵎ وأكثر من أن تورد، لكن هناك شبهة بالغ ابن حزم -﵀- فيها وهي إنكار هذه اللفظة (صفة وصفات) وقال: وأما إطلاق لفظ الصفات لله فمحال لا يجوز؛ لأن الله لم ينص في كلامه المنزل على لفظ الصفات أو الصفة، ولا نبيه ﷺ ولا عن أحد من الصحابة ولا عن أحد من التابعين ولا عن أحد من تابعي التابعين، وما كان هكذا فلا ينبغي لأحد أن ينطق به، وإنما اخترع لفظ الصفات المعتزلة وسلك سبيلهم قوم من أصحاب الكلام سلكوا غير مسلك السلف الصالح، وربما أطلق هذه اللفظة من متأخري الأئمة الفقهاء من لم يحقق النظر فيها. (٢)
ولعل ابن حزم -﵀- لا يرى حديث البخاري في كتاب التوحيد في الرجل الذي كان في سرية (ويقرأ بهم بقل هو الله أحد ويختم بها قراءته، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك، فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال عليه الصلاة السلام: أخبروه أن الله يحبه).
فاللفظ هنا صريح من صحابي بنعت الله ﵎ بالصفة، ولذلك علق الحافظ -رحمه
_________________
(١) الفتاوى ٣/ ٣٣٥.
(٢) الفصل ٢/ ٢٨٥.
[ ١٣٧ ]
الله- بقوله: " وفي حديث الباب حجة لمن أثبت أن لله صفة وهو قول الجمهور. (١)
ولكن ابن حزم -﵀- لمّا أعيته الحيلة في رد هذا الحديث ظهرت عليه ظاهريته فقال: "قل هو الله أحد خاصة صفة الرحمن". (٢)
وهناك دليل آخر:
فعن ابن عباس -رضي لله عنهما- أن اليهود جاءت النبي ﷺ، فقالوا: يامحمد صف لنا ربك الذي بعثك، فأنزل الله ﷿ ﴿قل هو الله أحد﴾ الاخلاص ١ فقال هذه صفة ربي ﷿ وتقدس وعلا علوًا كبيرًا. (٣)
وعن ابن عباس - ﵄- فيما رواه عنه علي بن أبي طلحة قال: في سورة الإخلاص ". . . وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغي إلاّ له ليس له كفء وليس كمثله شيء". (٤)
وقال الأوزاعي: كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته. (٥)
والنصوص عن السلف في إثبات الصفات ووصف الله بما يليق كثيرة جدًا. والخلاف في صفات الله ﵎ حادث بعد عصر الصحابة ولم يكن هناك خلاف بين صحابة رسول
_________________
(١) الفتح ١٣/ ٣٥٦.
(٢) الفصل ٢/ ٢٨٥.
(٣) رواه البيهقي في الأسماء والصفات ٢/ ٣٨. وابن جرير في تفسيره ٣٠/ ٢٢١ وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم ٦/ ٤١٠، وحسن الحافظ إسناده في الفتح ١٣/ ٣٥٦.
(٤) تفسير الطبري ٣/ ٢٢٣. تفسير بن كثير ٤/ ٩١٠.
(٥) الأربعين في صفات رب العالمين للذهبي صـ ٤٢.
[ ١٣٨ ]
الله ﷺ في مسائل الصفات وقد صور الإمام المقريزي -﵀- كيف تدرج الناس في هذه المسألة المهمة فقال:
اعلم أن الله تعالى - لما بعث من العرب نبيه محمدًا رسولًا إلى الناس جميعًا وصف لهم ربهم ﷾ بما وصف به نفسه الكريمة في كتابه العزيز الذي نزل به على قلبه ﷺ الروح الأمين وبما أوحى إليه ربه تعالى فلم يسأله عن معنى شيء من ذلك، كما كان يسألونه ﷺ عن أمر الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك مما لله فيه سبحانه أمر ونهي، وكما سألوه ﷺ عن أحوال القيامة والجنة والنار، إذ لو سأله إنسان منهم عن شيء من الصفات الإلهية لنقل كما نقلت الأحاديث الواردة عنه ﷺ في أحكام الحلال والحرام، وفي الترغيب والترهيب، وأحوال القيامة، والملاحم، والفتن ونحو ذلك مما تضمنته كتب الحديث في معاجمها ومسانيدها وجوامعها، ومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي ووقف على الآثار السلفية علم أنه لم ير قط من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة -﵃- على اختلاف طبقاتهم وكثرة عددهم أنه سأل رسول الله ﷺ عن معنى شيء مما وصف به الرب سبحانه به نفسه الكريمة في القرآن الكريم وعلى لسان نبيه محمد ﷺ، بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات.
نعم ولا فرق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعز والعظمة وساقوا الكلام سوقًا واحدًا وهكذا أثبتوا -﵃- ما أطلقه الله سبحانه على نفسه الكريم من الوجه واليد ونحو ذلك مع نفي مماثلة المخلوقين، فأثبتوا - رضي
[ ١٣٩ ]
الله عنهم- بلا تشبيه ونزهوا من غير تعطيل ولم يتعرض أحدٌ منهم إلى تأويل شيء من هذا، ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت ولم يكن عند أحدٍ منهم ما يستدل به على وحدانية الله تعالى، وعلى إثبات نبوة محمد ﷺ سوى كتاب الله، ولا عرف أحدٌ منهم شيئًا من الطرق الكلامية ولا مسائل الفلسفة. (١)
ونقلت هذا الكلام على طوله لنفاسته في عرض العصر النقي الصافي، ثم توالت العصور وأحدث من أحدث في الكلام في الصفات كالجعد بن درهم (٢) والجهم بن صفوان ومقاتل بن سليمان (٣) وغيرهم من المعطلة والمشبهة، فقام أهل السنة في الذب عن الدين وتوضيح الكلام ونشروا لذلك الردود وبينوا النصوص وقعدوا القواعد.
وللبيان فالناس في هذا الباب على ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: المعطلة:
وهم الذين عطلوا الرب عما يجب أن يثبت له من الأسماء والصفات وهذا على مراتب:
١ - وصف الله بسلب النقيضين وهو مذهب غلاة المعطلة، فإنهم يقولون لا موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت، لأننا لو وصفناه بالإثبات لشبهناه بالمخلوقات، ولو وصفناه بالنفي لشبهناه بالمعدومات.
٢ - وصف الله بالسلب والإضافة دون صفات الإثبات، وهو مذهب المعطلة من الفلاسفة والجهمية وهؤلاء كلهم ينفون الأسماء والصفات.
٣ - إثبات الأسماء دون الصفات وهو مذهب المعتزلة ومن تبعهم.
_________________
(١) المواعظ والاعتبار للمغريزي (الخطط) ٣/ ٣٠٩ - ٣١٠.
(٢) الجعد بن درهم مبتدع من الموالي له أخبار في الزندقة، قال الذهبي: عداده في التابعين مبتدع ضال، قتله خالد القسري لزعمه أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى، (ت ١١٨ هـ) سير أعلام النبلاء (٥/ ٤٣٣).
(٣) مقاتل بن سليمان الأزدي من أعلام المفسرين كان متروك الحديث وكان يشبه الرب بالمخلوقين، قال أبوحنيفة أفرض مقاتل في الإثبات حتى جعل الله مثل خلقه، (ت ١٠٥ هـ) سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٠١).
[ ١٤٠ ]
والمعطلة قسمان:
* أهل التأويل: وهم الذين يصرفون معاني نصوص الكتاب والسنة عن معانيها الظاهرة بغير حجة وهذا تحريف.
* وأهل التجهيل: وهم الذين ينكرون معاني الأسماء والصفات ويثبتون ألفاظًا لا معاني لها.
الصنف الثاني: وهم المشبهة:
وهم من يشبهون صفات الله بصفات المخلوقين كقولهم لله سمع كسمعي وبصر كبصري.
ومن التشبيه التعرض لكيفية صفات الرب وحقيقتها التي لا يعلمها إلاّ الله، وهؤلاء الحادهم في مقابل الحاد المعطلة فإن أولئك نفوا صفات كماله وجدوها وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه، فجمعهم الإلحاد وتفرقت بهم طرقه.
الصنف الثالث: السلف المتبعون:
وهم من يصف الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من صفات الكمال على الوجه اللائق بجلال الله من غير تمثيل ولا تشبيه ولا تحريف ولا تعطيل. (١)
قال الإمام الصابوني في اعتقاد أصحاب الحديث: إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة يعرفون ربهم ﷿ بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، وشهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت الأخبار الصحاح به ونقلته العدول الثقات عنه ويثبتون له - ﷻ - فيها ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ لا يعتقدون فيها تشبيهًا لصفاته بصفات خلقه ولا يحرفون كلامًا عن مواضعه، وقد أعاذ الله أهل
_________________
(١) انظر في هذه الأقسام الفتاوى لشيخ الإسلام ٣/ ٧، ٨ ودرء التعارض ١/ ٨، ٩ ومختصر الصواعق ٥٤، وبدائع الفوائد ١/ ١٧٠.
[ ١٤١ ]
السنة من التحريف والتكييف والتشبيه ومنَّ عليهم بالتصريف والتفهم حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه وتركوا القول بالتعليل والتشبيه واتبعوا قول الله تعالى ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (١) الشورى ١١.
والصفات الإلهية تنقسم إلى قسمين: ثبوتية وسلبية
أولًا: الصفات الثبوتية:
çي ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله وكلها صفات كمال لا نقص بها بوجه من الوجوه كالحياة والعلم والقدرة والاستواء والنزول والوجه واليدين ونحو ذلك.
وهذا مما تضافرت به الأدلة على وجه التفصيل حيث بعث الله رسله بإثبات مفصل، فأثبتوا له الصفات على وجه التفصيل. (٢)
ثانيًا: الصفات السلبية:
وهي التي نفاها الله ﵎ عن نفسه أو على لسان رسوله ﷺ وكلها صفات نقص في حقه كالموت والنوم والجهل والنسيان والعجز والتعب، وهذا النفي مجمل فإن الرسل نفوا عن الله ما لا يليق به على وجه الإجمال دون التفصيل.
والصفات السلبية تتضمن إثبات كمال ضدها مع تنزيه الرب عن العدم والنفي المحض، وأن النفي يلتزم به المنافي الأدب مع الله ﵎. (٣)
_________________
(١) اعتقاد السلف أصحاب الحديث للصابوني صـ ٣، ٤.
(٢) القواعد المثلى لابن عثيمين ٣١ والتدمرية لابن تيمية صـ ٨
(٣) القواعد الكلية للصفات د. البريكان صـ ١٦٢.
[ ١٤٢ ]
ومجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال؛ لأن النفي المحض عدم محض والعدم المحض ليس بشيء وما ليس بشيء هو كما قيل: ليس بشيء فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا. (١)
وقد نبه على هذا الإمام الكناني في مناظرته لبشر المريسي فقال: إن نفي السوء لا تثبت به المدحة، قال بشر: وكيف ذلك، قال: إن قولي هذه الأسطوانة لا تجهل ليس هو إثبات العلم لها. (٢)
والصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين:
ذاتية: هي التي لم يزل ولا يزال الله متصفًا بها كالعلم والسمع والبصر والحياة ومنها الصفات الخبرية كالوجه واليدين والعينين.
والفعلية: هي التي تتعلق بمشيئة الله إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها كالاستواء على العرش والنزول إلى السماء الدنيا، والمحبة والغضب والرضا.
وقد تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين كالكلام فإنه باعتبار أصله صفة ذاتية؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلمًا.
وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية؛ لأن الكلام يتعلق بمشيئة الله يتكلم متى شاء بما شاء. (٣)
وذهب إلى هذا التقسيم من المتكلمين أبو الهذيل العلاف من المعتزلة والباقلاني من الأشاعرة. (٤)
_________________
(١) القواعد الكلية صـ ١٥٩ والتدمرية صـ ٥٧.
(٢) الحيدة صـ ٤٦
(٣) الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧٦ والتوحيد لابن خزيمة ١/ ٢٢ وشروح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٣/ ٤٥٢.
(٤) انظر مقالات الإسلاميين ١/ ١٦٥، والتمهيد للباقلاني صـ ٢٦٢.
[ ١٤٣ ]
وكذا قسم بعض أهل السنة الصفات إلى قسمين سمعية وعقلية يظهر هذا من كلام الإمام أحمد وابن كلاب (١) وعبدالعزيز المكي كما صرح به ابن تيمية. (٢)
ويظهر لنا أن تقسيم الصفات إلى ذاتية وفعلية أنه متقدم وذلك بالنظر إلى كلام الإمام ابن خزيمة كما ذكر ذلك في كتاب التوحيد، فقال في باب ذكر إثبات وجه الله: جل ربنا عن ان يهلك شيء منه مما هو من صفات ذاته. (٣)
وقال في صفة الاستواء: باب ذكر استواء خالقنا العلي الأعلى الفعال لما يشاء على عرشه (٤)، فعدها من صفات الأفعال.
والإمام أبو الحسن الأشعري فقال في رسالته إلى أهل الثغر: " ومعرفة أسماءه الحسنى وما هو عليه من صفات نفسه وصفات فعله (٥) ".
_________________
(١) عبدالله بن سعيد القطان، رأس المتكلمين في زمانه أخذ عنه داود الظاهري والحارث المحاسبي وإليه تنسب الكلاَّبيه، (ت ٢٤٥ هـ) سير أعلام النبلاء (١١/ ١٧٤).
(٢) التدمرية صـ ١٤٩، ١٥٠ وانظر أصول الدين عند أبي حنيفة للخميس صـ ٣٠٥.
(٣) ١/ ٢٤ كتاب التوحيد.
(٤) ١/ ٢٣١ كتاب التوحيد.
(٥) رسالة إلى أهل الثغر صـ ١٧٧.
[ ١٤٤ ]
الفصل الأول: الصفات الذاتية
المبحث الأول: ما ورد في السمع والبصر
وصف الله ﵎ نفسه بالسمع والبصر في القرآن الكريم، ومن ثم وجب الإيمان بأن لله تعالى سمعًا وبصرًا يليقان بجلاله فهما صفتان حقيقتان فكما أن له ذاتًا حقيقية لا تشبه الذوات فله صفات حقيقة لا تشبه صفات الخلق، وقد ورد إثبات صفة السمع في سبع وخمسين آية، وإثبات صفة البصر في خمسين آية.
ومن ذلك قوله ﵎: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾ البقرة ١٢٧، وقوله: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير﴾ المجادلة ١، وقوله: ﴿من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعًا بصيرًا﴾ النساء ١٣٤، وقوله: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى ١١، وهذا الذي بوب له البخاري -رحمه الله تعالى- لإثبات هذه الصفة والرد على من تأولها فقال: باب قول الله تعالى ﴿وكان الله سميعًا بصيرًا﴾ النساء ١٣٤.
وأورد - ﵀- أحاديث تدل على مقصود الترجمة لإثبات هاتين الصفتين وصار حجة لمن جاء بعده، منها حديث عائشة - ﵂- قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات فأنزل الله تعالى على النبي ﷺ ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾.
[ ١٤٥ ]
وحديث أبي موسى -﵁- قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فكنا إذا علونا كبرنا، فقال: " اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، تدعون سمعيًا بصيرًا قريبًا".
وحديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: " إن جبريل ﵇ ناداني قال: إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك"
ومناسبة الأحاديث للترجمة واضحة إن لله سمعًا حقيقيًا ثم أورد حديث أبي بكر -﵁- أنه قال: يا رسول الله علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: (قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلاّ أنت فاغفر لي من عندك مغفرة إنك أنت الغفور الرحيم).
فمناسبته والله أعلم كما قال ابن بطال: أن دعاء أبي بكر يقتضي أن الله سميع لدعائه ومجازيه عليه، وقال غيره لما كان بعض الذنوب مما يسمع وبعضها مما يبصر لم تقع مغفرته إلا بعد السمع والإبصار. (١)
وقال ابن المنير: لولا أن سمع الله يتعلق بالسر وأخفى لما أفاد الدعاء في الصلاة سرًا. (٢)
وقال الغنيمان: والمقصود من الحديث في هذا الباب أن المدعو لابد أن يكون سميعًا يسمع دعوة الداعي إذا دعاه بصيرًا بحاله يوصل إليه ما طلب بقدرته وإلاّ تكون دعوته ضلال وسدى. (٣)
_________________
(١) الفتح ١٣/ ٣٨٧.
(٢) المتواري لإبن المنير صـ ٤١٥.
(٣) شرح كتاب التوحيد ١/ ١٩٦.
[ ١٤٦ ]
قال الخطابي -﵀-: السميع بمعنى السامع إلاّ أنه أبلغ في الصفة، وبناؤه فعيل بناء المبالغة، كقولهم عليم من عالم وقدير من قادر (١)، وبهذا أيضًا فسره ابن جرير فقال: "وهو السميع البصير" السميع لما ينطق به خلقه من قول. (٢)
وقال (في البصير) والله ذو ابصار بما يعملون لا يخفى عليه شيء من أعمالهم بل هو بجميعها محيط ولها حافظ ذاكر حتى يذيقهم بها العقاب باجزاءها، وأصل بصير مبصر، من قول القائل أبصرت فأنا مبصر ولكن صرف إلى فعيل كما صرف مسمع إلى سميع وعذاب مؤلم إلى اليم ومبدع إلى بديع وما أشبه ذلك. (٣)
وقد خالف أهل السنة في فهم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ: الجهمية وتبعهم المعتزلة وتأولوا السمع والبصر أنهما بمعنى العلم، فقالوا إنه عالم بالأصوات والألوان لا يسمع بسمع ولا يبصر ببصر، وضربوا مثالًا بقولهم عن الأعمى ما أبصره أي ما أعلمه وإن كان لا يبصر بعين وادعوا أنه لم يثبت نص أنه يسمع بسمع ويبصر ببصر.
وقد وافق الجهمية في هذا القول من المعتزلة: الكعبي (٤) ومعتزلة بغداد. (٥)
وقد نبه بعض شراح البخاري إلى أن هذا هو مقصوده - ﵀- إذ أن كتابه في الرد على الجهمية وأنه بوب بقوله وكان الله سميعًا بصيرًا ليثبت هاتين الصفتين وأنه يسمع ويبصر حسب تسلسل النصوص التي أوردها ويمكن القول بهذا وبالرد على المعتزلة.
_________________
(١) شأن الدعاء صـ ٥٩.
(٢) جامع البيان ٢٥/ ٩.
(٣) جامع البيان ١/ ٣٤١.
(٤) عبدالله بن أحمد بن محمود الكعبي، أحد أئمة المعتزلة وتنسب إليه الكعبية، (ت ٣١٩ هـ) الأعلام (١/ ٦٥).
(٥) نهاية الأقدام صـ ٣٤١. والفرق بين الفرق صـ ١٦٥، ١٦٧.
[ ١٤٧ ]
كما قال ابن بطال -﵀-: غرض البخاري في هذا الباب الرد على من قال إن (معنى سميع بصير) عليم وقال: ويلزم من قال ذلك أن يسويه بالأعمى الذي يعلم أن السماء خضراء ولا يراها والأصم الذي يعلم أن في الناس أصواتًا ولا يسمعها، ولا شك أن من سمع وأبصر أدخل في صفة الكمال فمن انفرد في أحدهما دون الآخر فصح أن كونه سميعًا بصيرًا يفيد قدرًا زائدًا على كونه عليمًا وكونه سميعًا بصيرًا يتضمن أنه يسمع بسمع ويبصر ببصر كما تضمن كونه عليمًا أنه يعلم بعلم ولا فرق بين إثبات كونه سميعًا بصيرًا أو بين كونه ذا سمع وبصر، قال وهذا قول أهل السنة قاطبة. (١)
ولهذا عقد الإمام عثمان الدارمي فصلًا حافلًا في رده على الجهمية وفي رده على بشر المريسي خاصة، أورد فيه شبة القوم والرد عليهم من الكتاب والسنة والعقل والزمهم بعدة لوازم على قولهم بالتأويل منها:
١ - القول بعجز الله إذ من لا يسمع ولا يبصر عاجز كما قال الخليل ﴿يا ابت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا﴾ مريم ٤٢.
٢ - إن السمع والبصر إذا كان اثباتهما نفيًا للعجز وجب أن نصف الله كما وصف به نفسه وهو أعلم بصفات نفسه.
٣ - أنه لا يلزم من ثبوت السمع والبصر أن يكون بعضه سميعًا وبعضه بصيرًا، ومثل هذا لا يصلح وصفه لأدنى الحيوانات، فكيف بالخالق ﷾. (٢)
فكان أن أورد - ﵀ - أكثر أحاديث البخاري في الرد على شبهة الجهمية، وقد ورد حديث آخر في إثبات السميع بسمع والبصير ببصر ما رواه أبوداود عن أبي هريرة -رضي
_________________
(١) الفتح ١٣/ ٣٨٥.
(٢) انظر تفصيل ذلك في الرد على بشر المريسي صـ ٣٩٩ وما بعدها. والحجة للأصبهاني ١/ ١٧٦.
[ ١٤٨ ]
الله عنه- قال: قرأ رسول الله ﷺ ﴿إن الله كان سميعًا بصيرًا) النساء ٥٨. فوضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه. (١)
قال البيهقي: والمراد بالإشارة المروية في هذا الخبر تحقيق الوصف لله ﷿ بالسمع والبصر، ثم قال وأفاد أنه سميع بصير، له سمع وبصر، لا على معنى أنه عليم إذ لو كان بمعنى العلم لأشار في تحقيقه إلى القلب؛ لأنه محل العلوم منا وليس في الخبر إثبات الجارحة -تعالى الله- عن شبه المخلوقين علوًا كبيرًا. (٢)
ومثل هذا روى عن ابن عباس -﵁- في قوله تعالى ﴿تجري بأعيننا﴾ القمر ١٤. قال أشار بيده إلى عينه. (٣)
قال إمام الأئمة ابن حزيمة في هذا الباب العظيم: وتدبروا أيها العلماء ومقتبسوا العلم مخاطبة خليل الرحمن أباه وتوبيخه إياه لعبادته من كان يعبد، تعقلوا بتوفيق خالقنا -جل وعلا- صحة مذهبنا وبطلان مذهب مخالفينا من الجهمية المعطلة، ثم أطال -﵀- في رد شبه الجهمية واستدل بأحاديث البخاري في إثبات أن الله يسمع بسمع ويبصر ببصر مع التنزيه اللائق بالله ﵎ والله أعلم. (٤)
قال ابن القيم -﵀-:
وهو السميع يرى ويسمع كل ما في الكون من سر ومن إعلان
ولكل صوت منه سمع حاضر فالسر والإعلان مستويان
والسمع منه واسع الأصوات لا يخفى عليه بعيدها والداني
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٤٧٢٨).
(٢) الأسماء والصفات صـ ٢٣٤. والحديث حسنه الحافظ في الفتح ٣/ ٣٧٣.
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٣/ ٤٥٦.
(٤) التوحيد لابن خزيمة ١/ ١٠٦ وما بعدها.
[ ١٤٩ ]
وهو البصير يرى دبيب النملة الـ سوداء تحت الصخر والصواني
ويرى مجاري القوت في أعضاءها ويرى عروق بياضها بعيان
ويرى خيانات العيون بلحظها ويرى كذاك تقلب الإجفان (١)
_________________
(١) شرح النونية ٢/ ٢١٥.
[ ١٥٠ ]
المبحث الثاني: ما ورد في العلم والقدرة
المطلب الأول: ما ورد في العلم
أثبت أهل السنة والجماعة أن علم الله شامل لجميع الأشياء صغيرها وكبيرها جليلها وحقيرها، وعلمه محيط بجميع الأشياء في كل الأوقات أزلًا وأبدًا، فقد علم تعالى في الأزل جميع ما هو خالق وعلم جميع أحوال خلقه وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم شقاوتهم وسعادتهم ومن هو من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار.
قال تعالى واصفًا نفسه: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا﴾ الجن ٢٦، وقال: ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ لقمان ٣٤، وقال: ﴿أنزله بعلمه﴾ النساء ١٦٦، وقال: ﴿وما تحمل من أنثى ولا تضع إلاّ بعلمه﴾ فاطر ١١، وقال: ﴿إليه يرد علم الساعة﴾ فصلت ٤٧ وغيرها من الآيات. فقد ورد اسمه العليم المتضمن لعلمه في القرآن الكريم في مائة وسبع وخمسين موضعًا تقدم منها ما أستدل به الإمام البخاري -﵀-.
وقد أورد حديثين في ذلك وهما حديث ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله ﷺ: (مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلاّ الله)، وأثر عائشة -﵂- وفيه قالت: (من حدثك أنه يعلم الغيب، فقد كذب. وهو يقول (لا يعلم الغيب إلا الله).
ثم نقل البخاري -﵀- عن الإمام يحيى الفراء في أحد معاني الظاهر والباطن، قال: قال يحيى (١): الظاهر على كل شيء علمًا والباطن على كل شيء علمًا، وهي تفسير لقوله
_________________
(١) معاني القرآن للفراء ٣/ ١٣٢.
[ ١٥١ ]
تعالى: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن﴾ ولأن في آخرها دلالة صريحة على صفة العلم فقال: ﴿وهو بكل شيء عليم﴾. (١)
وهذا الباب من الإمام البخاري ردٌ على غلاة القدرية وعلى الذين ينكرون علم الله السابق، وقد أنكر عليهم السلف إنكارًا شديدًا وكفروهم، بل وأفتوا بقتلهم إن لم يرجعوا، قال الإمام أحمد -﵀-: القدري الذي يقول إن الله لم يعلم الشيء حتى يكون هذا كافر.
وقال أبو بكر المروزي سمعت أبا عبد الله (يعني أحمد بن حنبل) يقول: إذا جحد العلم قال: إن الله ﷿ لا يعلم الشيء حتى يكون استتيب فإن تاب وإلاّ قتل. (٢)
ونتيجة لهذا الإنكار من السلف ولرداءة هذا المعتقد تراجع تراجعًا سريعًا حتى لم يعد له وجود، وأشار إلى ذلك شيخ الإسلام، فقال: " لما اشتهر الكلام في القدر ودخل فيه كثير من أهل النظر والعباد صار جمهور القدرين يقرون بتقدم العلم وإنما ينكرون عموم المشيئة والخلق. (٣)
وقال الحافظ: وقد حكى المصنفون في المقالات عن طوائف من القدرية إنكار كون الباري عالمًا بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم وإنما يعلمها بعد كونها، قال القرطبي: قد انقرض هذا المذهب ولا نعرف أحدًا ينسب إليه من المتأخرين، قال: والقدرية اليوم مطبقون على أن الله عالم بأفعال العباد قبل وقوعها وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الحق الهاشمي صـ ٣٠.
(٢) السنة للخلاّل ٣/ ٥٣٢.
(٣) الإيمان لابن تيمية صـ ٣٦٩.
[ ١٥٢ ]
مقدورة لهم وواقعة منهم على جهة الاستقلال وهو مع كونه مذهبًا باطلًا أخف من المذهب الأول. (١)
وهذا الذي عناه الإمام الشافعي -﵀- بقوله: ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن أنكروا كفروا. (٢)
وقولهم هذا حدث في أواخر عصر الصحابة، فقد جاء عن يحيى بن يعمر (٣) قال: كان أول من قال في القدر معبد الجهني (٤) ثم ساق قصة لقاءه بعبد الله بن عمر وعرض عليه أمر هؤلاء وأنهم يقولون لا قدر وأن الأمر أنف فقال ابن عمر: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وانهم براء مني والذي يحلف به ابن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر. (٥)
ومعنى قولهم لا قدر وأن الأمر أنف، أي مستأنف لم يسبق به قدر ولا علم من الله تعالى وإنما يعلمه بعد وقوعه، وأن الله أمر العباد ونهاهم وهو لا يعلم من يعصيه ممن يطيعه حتى فعلوا ذلك فعلمه بعدما فعلوه. (٦)
_________________
(١) فتح الباري ١/ ١١٩.
(٢) شرح الطحاوية صـ ٣٥٤.
(٣) يحيى بن يعمر العدواني، أول من نقَّط المصاحف، كان من علماء التابعين وكان فصيحًا، (ت ١٢٩ هـ) الأعلام (٨/ ١٧٧).
(٤) معبد بن عبدالله البصري، أول من قال بالقدر من التابعين، وعنه أخذ غيلان مقالته قُتِل على القول بالقدر (ت ٨٠ هـ) الأعلام (٧/ ٢٦٤).
(٥) رواه مسلم ١/ ٣٦.
(٦) انظر للتوسع الإيمان لابن تيمية صـ ٣٦٤ - ٣٦٩.
[ ١٥٣ ]
وقد فصل شيخ الإسلام موقف الناس من علم الله ﵎ فقال: الناس المنتسبون إلى الإسلام في علم الله باعتبار تعلقه بالمستقبل على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يعلم المستقبلات بعلم قديم لازم لذاته ولا يتجدد له عند وجود المعلومات نعت ولا صفة وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والعلوم وهو قول طائفة من الصفاتية من الكلابية والأشعرية ومن وافقهم من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وهو قول طوائف من المعتزلة وغيرهم من نفاة الصفات.
الثاني: أنه لا يعلم المحدثات إلاّ بعد حدوثها وهو أصل قول القدرية.
الثالث: أنه يعلمها قبل حدوثها ويعلمها بعلم آخر حين وجودها (١)، وهذا هو قول السلف، فقد قال إمام الأئمة ابن خزيمة -﵀-: باب ذكر إثبات العلم لله جل
وعلا تباركت أسماؤه وجل ثناؤه بالوحي المنزل على النبي المصطفى ﷺ، لا بنقل الأخبار التي هي من نقل علم الخاص - ثم قال- فأعلمنا الله انه أنزل القرآن بعلمه وأخبرنا أن أي أنثى لا تضع إلا بعلمه. . فكفرت الجهمية وأنكرت أن يكون لخالقنا علم مضاف إليه من صفات الذات. (٢)
وقد أفاض الإمام عثمان (٣) الدارمي في رده على بشر المريسي ومن تابعه من المعتزلة كابي الهذيل وغيره على اختلاف درجاتهم في إنكار العلم جملة أو من أثبت العلم وقال إنه غير الله وأنه محدث مخلوق أو من قال إن علم الله هو الله. (٤)
_________________
(١) جامع الرسائل ١/ ١٧٧ باختصار. تحقيق رشاد سالم.
(٢) التوحيد لابن خزيمة ١/ ٢٢.
(٣) الرد على المريسي صـ ٤٤٠. الرد على الجهمية صـ ٢٢١.
(٤) الفرق بين الفرق صـ ٢١١ ومقالات الإسلاميين ١/ ٢٩٣.
[ ١٥٤ ]
ومثله الإمام الأشعري قال: قد علم الله ﷿ نبيه الشرائع والأحكام والحلال والحرام ولا يجوز أن يعلم ما لا يعلمه، فكذلك لا يجوز أن يعلم الله نبيه ما لا علم له به، تعالى الله عن قول الجهمية علوًا كبيرًا. (١)
وهكذا الإمام البخاري -﵀- بوب بالآيات الدالة على علم الله الأزلي، قال ابن بطال: في هذه الآيات إثبات علم الله تعالى وهو من صفات ذاته خلافًا لمن قال عالم بلا علم. (٢)
وأورد الإمام البيهقي آيات وأحاديث الباب وغيرها، وقال: كان الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني (٣) يقول من أسامي صفات الذات ما هو للعلم، منها العليم ومعناه يعلم جميع المعلومات، ومنها الخبير يعلم ما يكون قبل أن يكون، ومنها الحكيم يعلم دقائق الأوصاف، ومنها الشهيد ويختص بأن يعلم الغائب والحاضر، ومعناه لا يغيب عنه شيء، ومنها الحافظ ويختص بأنه لا ينسى ما علم، ومنها المحصي ويختص أنه لا تشغله الكثرة عن العلم. (٤)
وبهذه المعاني اللائقة بالله فسر الإمام الطبري -﵀- وغيره من أئمة السلف الآيات التي استشهد بها البخاري وبوب بها فقال: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا﴾ الجن ٢٦، أي عالم ما غاب عن أبصار خلقه فلم يروه، فلا يظهر على غيبه أحدا فيعلمه أو يريه أياه، إلا من ارتضى من رسول فإنه يظهره على ما شاء من ذلك. (٥)
_________________
(١) الإبانة للأشعري صـ ١١١. وقد أفاض - ﵀- في مناقشتهم هناك.
(٢) الفتح ١٣/ ٣٧٤.
(٣) إبراهيم بن محمد بن مهران، عالم بالفقه والأصول، كان ثقة في رواية الحديث وله مناظرات مع المعتزلة، (ت ٤١٨ هـ) الأعلام (١/ ٦١).
(٤) الأسماء والصفات صـ ١٤٤.
(٥) الطبري ٢٩/ ١٢١.
[ ١٥٥ ]
وقال البغوي: عالم الغيب رفع على نعت قوله (ربي) وقيل هو عالم الغيب فلا يظهر على غيبه إلا من يصطفيه لرسالته فيظهره على ما شاء من الغيب؛ لأنه يستدل على نبوته بالآية المعجزة بأن يخبر عن الغيب. (١)
وقوله ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ الآية، هي موافقة لحديث الباب، أعني حديث ابن عمر قال: قال ﵊: مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلاّ الله.
قال ابن كثير -﵀- عند تفسير هذه الآية: هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد إلاّ بعد إعلامه تعالى بها، فعلم وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب ﴿لا يجليها لوقتها إلاّ هو﴾ وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلاّ الله، ولكن إذا أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك ومن يشاء من خلقه، وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكرًا أو أنثى أو شقيًا أو سعيدًا علم الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء من خلقه - ثم قال- وهذه شبيهة بقوله تعالى ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاّ هو﴾ وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس مفاتيح الغيب. (٢)
وقوله: ﴿أنزله بعلمه﴾ النساء ١٦٦، قال ابن الجوزي فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنزله وفيه علمه.
الثاني: أنزله من علمه.
الثالث: أنزله إليك بعلم منه إنك خيرته من خلقه، قاله ابن جرير. (٣)
_________________
(١) تفسير البغوي ٨/ ٢٤٤.
(٢) تفسير ابن كثير ٣/ ٧٢١ - ٧٢٢.
(٣) زاد المسير ٢/ ٢٥٧. والطبري ٦/ ٣١.
[ ١٥٦ ]
وقوله: ﴿وما تحمل من أنثى ولا تضع إلاّ بعلمه﴾ فاطر ١١، وقوله: ﴿إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلاّ بعلمه﴾ فصلت ٤٧.
قال البغوي -﵀- أي علمها إذا سئل عنها مردود إليه لا يعلمه غيره، وقوله إلاّ بعلمه: إلاّ بإذنه. (١) وقال ابن جرير -﵀-: إلى الله يرد العالمون به علم الساعة، فإنه لا يعلم قيامها غيره. (٢)
وعلى هذا جرى الإمام اللالكائي -﵀- في عرضه لشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، فقال: سياق ما دل من كتاب الله وما روي عن رسول الله ﷺ في أن الله عالم بعلم وأن علمه غير مخلوق ثم ساق الأدلة الكثيرة على هذا. (٣)
_________________
(١) تفسير البغوي ٧/ ١٧٨.
(٢) تفسير الطبري ٢٥/ ٢.
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للألكاني ٢/ ٤٤٧.
[ ١٥٧ ]
المطلب الثاني: ما ورد في القدرة
القدرة من صفات الله ﵎ الذاتية ومن أسماءه القادر والقدير والمقتدر، لكن القادر مقيدة مثل قوله: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم﴾ الأنعام ٦٥، أما القدير فجاءت مطلقة مثل ﴿وهو العليم القدير﴾ الروم ٥٤، والمقتدر جاءت مطلقة ﴿عند مليك مقتدر﴾ القمر ٥٥، وكل هذا راجع إلى معنى واحد وهو القدرة.
قال ابن الأثير (القادر والمقتدر والقدير) القادر اسم فاعل من قدر يقدر، والقدير فعيل منه وهو للمبالغة، والمقتدر مفتعل من اقتدر وهو أبلغ. (١)
وهذه الصفة وردت في القرآن بصيغ القادر والمقتدر والقدير أكثر من اثنتي عشرة مرة، قال الإمام البيهقي: هو الذي له القدرة الشاملة والقدرة له صفة قائمة بذاته. (٢)
وقال الخطابي: القادر هو من القدرة على الشيء، يقال قدر يقدر قدرة فهو قادر وقدير، كقوله ﴿وكان الله على كل شيء قديرا﴾ الأحزاب ٢٧. ووصف الله نفسه بأنه قادر على كل شيء أراده لا يعترضه عجز ولا فتور.
وقد اتفق المسلمون وأهل الملل على أن الله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء ولا يفوته مطلوب بل له القدرة الشاملة الكاملة.
ومعنى قدرة الله تعالى: قدرته على الفعل. والفعل نوعان: لازم، ومتعد، فالأفعال اللازمة هي تقوم بالفاعل ولا تتعدى إلى مفعول، وقد ذكر النوعان في قوله تعالى ﴿هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾ الحديد ٤، قال شيخ الإسلام: الاستواء والأتيان والمجيء والنزول ونحو ذلك أفعال لازمة لا تتعدى إلى مفعول بل هي قائمة
_________________
(١) النهاية لابن الأثير (٤/ ٢٢).
(٢) الاعتقاد للبيهقي صـ ٦٣.
[ ١٥٨ ]
بالفاعل والخلق والرزق والأمانة الإحياء والإعطاء والمنع والهدي والنصر والتنزيل ونحو ذلك تتعدى إلى مفعول. ثم ذكر اختلاف الناس في ذلك وأنهم على ثلاثة أقوال:
أحدها: من لا يثبت فعلًا قائمًا بالفاعل فاللازم عنده منتفٍ والمتعدي كالخلق فهو عنده هو المخلوق أو معنى غير المخلوق ونسب هذا القول إلى الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم.
والثاني: أن الفعل المتعدي قائم بنفسه دون اللازم، فالخالق قائم بنفسه ليس هو المخلوق.
والثالث: من يثبت الفعلين اللازم والمتعدي، كما يثبته القرآن وهو قول السلف وأئمة السنة.
ثم قال بعد أن أفاض في الردود عليهم " والمقصود التنبيه على تنازع الناس في مسألة القدرة وفي الحقيقة أنه من لم يقل بقول السلف فإنه لا يثبت لله قدرة ولا يثبته قادرًا، فالجهمية - ومن تبعهم - والمعتزلة والقدرية والمجبرة والنافية حقيقة قولهم أنه ليس قادرًا وليس له الملك فإن الملك إما أن يكون هو القدرة أو المقدور أو كلاهما وعلى كل تقدير فلابد من القدرة فمن لم يثبت له القدرة لم يثبت له ملكًا كما لا يثبتون له حمدًا (١)، وعلى هذا جرى الإمام البخاري -﵀- فبوب بقوله باب قول الله تعالى ﴿قل هو القادر﴾، وهنا أطلق -﵀- لكي تعم القدرة التي هي من صفات الذات لا من صفات الفعل فقط ثم أورد حديث الاستخارة وفيه (واستقدرك بقدرتك فإنك تقدر ولا أقدر) ليبين أن أسماء الله ليست جامدة بل متضمنة للصفات والمعاني التي تدل عليه وهي القدرة. وهناك من فسر من الشراح القدرة بالقوة، والقوة بالقدرة وأنهما بمعنى واحد.
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك في الفتاوى (٨/ ١٨ - ٣٠)
[ ١٥٩ ]
قال ابن بطال في باب قوله تعالى ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ الذاريات ٥٨، قال القوة بمعنى القدرة، وقال البيهقي: القوي التام القدرة لا ينسب إليه عجز في حالة من الأحوال ويرجع معناه إلى القدرة والقادر.
وقال الحافظ" الحديث رد على من قال إنه قادر بنفسه لا بقدرة؛ لأن القوة بمعنى القدرة. (١)
وذكر الحافظ -﵀- مثل هذا في باب [قل هو القادر] وأحال إلى الموضع السابق. وهذا خلاف ظاهر الآيات لأنه يمكن تفسير القوة بأنها الفعل بلا ضعف وليست القدرة؛ لأن القوة الفعل بلا عجز، يستدل بقوله تعالى ﴿الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة﴾ الروم ٥٤، ولم يقل ثم جعل من بعد ضعف قدرة، وقال سبحانه ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليمًا قديرًا﴾ فاطر ٤٤، فقال ليعجزه ثم قال إنه كان عليمًا قديرًا ولم يقل كان عليمًا قويًا.
ولأن بينهما فرقًا، فالقوة أكمل من القدرة فمن لا يستطيع حمل صخرة مثلًا يقال له غير قادر ومن يحمله بمشقة يقال إنه قادر غير قوي ومن حمله بسهولة فهو قادر قوي. (٢)
وفي إثبات قدرته التامة ﵎ تنزيه له ووصف له بما يستحق من الإجلال والتعظيم وهذا معنى قوله تعالى ﴿إنه على كل شيء قدير﴾. فليست القدرة بمعنى القوة بل بينهما فرق، وهنا ننبه بخطأ من يقول (إنه على ما يشاء قدير) فهذا القول فيه تخصيص للقدرة بما يشاء ويلزم من ذلك أن يكون غير قادر على الذي لا يشاؤه ومن هنا يأتي المعتزلة في قولهم
_________________
(١) الفتح ١٣/ ٣٧٣. و١٣/ ٣٨٨.
(٢) وانظر شرح كتاب التوحيد لابن عثيمين صـ ١٩.
[ ١٦٠ ]
إنه لا يشاء أفعال العباد وتكون القدرة هنا من صفات الفعل فقط، فالقدرة لا تتعلق إلاّ بما تعلقت به المشيئة.
قال ابن عباس -﵁- في قوله تعالى ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ الزمر ٦٧، قال هذه في الكفار فأما من آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره. (١)
_________________
(١) الدر المنثور للسيوطي ٣/ ٣١٣.
[ ١٦١ ]
المبحث الثالث: ما ورد في المشيئة والإرادة
وهي مشيئة الله ﵎ وإرادته فهو سبحانه ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن، له المشيئة العامة والإرادة التامة، وقد ذكر الله ﵎ مشيئته في القرآن الكريم في ما يقرب من أربعمائة موضع.
وهنا مسألة هل الإرادة والمشيئة بمعنى واحد أي مترادفتان أو متباينتان؟
قال الإمام البيهقي -﵀- أنهما بمعنى واحد، فقال: جماع أبواب إثبات صفة المشيئة والإرادة لله وكلتاهما عبارتان عن معنى واحد. (١) وهناك من يفصل بأن المشيئة معنًا من معاني الإرادة وليست مرادفة لها. (٢)
والإرادة تنقسم إلى قسمين:
أولًا: إرادة كونية لابد فيها من وقوع المراد، وقد يكون المراد محبوبًا أو غير محبوب.
ثانيًا: إرادة شرعية، فلا يلزم فيها وقوع المراد، ولا يكون المراد فيها محبوبًا لله.
وتكون الإرادة الشرعية بمعنى المحبة.
ودليل الكونية ﴿فمن يريد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ الأنعام ١٢٥. ودليل الشرعية ﴿والله يريد أن يتوب عليكم﴾ النساء ٢٧.
وأمر الله ﵎ نوعان:
_________________
(١) الأسماء والصفات للبيهقي صـ ١٧٥.
(٢) شرح كتاب التوحيد لابن عثيمين صـ ١٤٧. وانظر شرح كتاب التوحيد للهاشمي صـ ١٤٦. ومعجم ألفاظ العقيدة صـ ٢٩.
[ ١٦٢ ]
أمر تكوين (كوني).
وأمر تعبد (شرعي).
وهذا التقسيم الذي يشير إليه كثيرٌ من متأخري أهل السنة كإبن تيمية وابن القيم وابن إبي العز الحنفي. قد سبقوا إليه، وهو تقسيم متقدم.
وأقدم من وجدته فعل ذلك الإمام محمد بن نصر المروزي صاحب الإمام البخاري وتلميذه والملتقي معه في كثير من شيوخه (٢٠٢ هـ - ٣٩٣ هـ).
قال في كتابه " تعظيم قدر الصلاة" في معرض ذكر الخلاف بين الإيمان والإسلام وبعض مسائله:
والأمر من الله ورسوله قد يتجه على وجوه:
١ - فوجه منه أمر تكوين للشيء، قال تعالى: ﴿وما أمرنا إلاّ واحدة كلمح بالبصر﴾ القمر ٥٠. فهذا أمر التكوين الذي لا يأمر الله به إلاّ مرة واحدة حتى يكون المأمور به كما أراد الله، قال تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ النحل ٤٠، ومن ذلك قوله تعالى للذين اعتدوا: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ البقرة ٦٥. فكانوا قردة ولم يكن لهم في كونهم قردة نية ولا إرادة.
٢ - ومنه أمر التعبد: قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ النساء ١٣٥.
فهذا الأمر بخلاف الأمر الأول، هذا أمر تعبد يكون المأمور به بين أمرين:
[ ١٦٣ ]
إن عمل بما أمره الله بنية وإرادة كان مطيعًا لله عاملًا له، وإن ترك أمره قاصدًا لذلك، كان عاصيًا لله وذلك بتقدير العزيز العليم.
- ثم قال- وأمر التعبد يعيده مرة بعد أخرى ويكرره ويعد على العمل به ويوعد على ترك العمل به، وأمر التكوين لا يكون إلاّ مرة واحدة ولا وعد فيه ولا وعيد. (١)
وهناك إشارة إلى تعلق هذا الأمر بالإرادة وضّحه الإمام ابن القيم بقوله: أمر الله ﵎ نوعان، أمر كوني قدري، وأمر ديني شرعي، فمشيئته سبحانه متعلقة بأمره وخلقه الكوني وكذلك تتعلق بما يحبه وبما يكرهه كله داخل تحت مشيئته كما خلق إبليس وهو يبغضه وخلق الشياطين والكفار والأفعال المسخوطة له وهو يبغضها فمشيئته ﷾ شاملة لذلك كله.
وأما محبته ورضاه فمتعلقة بالأمر الديني وشرعه الذي شرعه على ألسنة رسله فما وجد فيه تعلقت به المحبة والمشيئة جميعها، فهو محبوب للرب واقع بمشيئته كطاعات الملائكة والأنبياء والمؤمنين وما لم يوجد منه تعلقت به محبته وأمره الديني ولم تتعلق به مشيئته، وما وجد من الكفر والفسوق والمعاصي تعلقت به مشيئته لا محبته، فلفظ المشيئة كوني ولفظ المحبة ديني شرعي والإرادة الكونية هي المشيئة. (٢)
_________________
(١) تعظيم قدر الصلاة للمروزي ٢/ ٥٥٦، ٥٥٨.
(٢) شفاء العليل لابن القيم صـ ٨٨.
[ ١٦٤ ]
وهذا الذي قرره شارع الطحاوية ونسبه إلى المحققين من أهل السنة وأن المشيئة هي الإرادة الكونية الشاملة لجميع الحوادث كقوله تعالى عن نوح ﴿ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم﴾ (١) هود ٣٤.
واختلفوا هل مشيئة الله شاملة لفعله وفعل عباده أو هي خاصة بفعله؟
أهل السنة يقولون أنها عامة فيما يتعلق بفعله وفيما يتعلق بفعل عباده، ففعله كإنزال المطر والأحياء والإماتة، وفعل عباده كصلاح العبد وفساد العبد، قال تعالى ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ فقيد فعلهم بمشيئته فهي شاملة لفعل العبد أيضًا. (٢)
وأما الخلاف فيما يريده الله ﵎ من مثل قوله ﴿وإذا أردنا﴾ الإسراء ١٦، فالناس فيه على أقوال:
الأول: أن الإرادة أزلية قديمة واحدة وإنما يتجدد تعلقها بالمراد ونسبتها إلى الجميع واحدة، ولكن من خواص الإرادة أنها تخصص وهذا قول ابن كلاب والأشعري ومن تابعهما.
الثاني: أن الإرادة واحدة قديمة لكنها تحدث عند تجدد الأفعال، إرادات في ذاته بتلك المشيئة القديمة وهو قول الكرامية.
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية صـ ٧٩، ٨٠.
(٢) شرح كتاب التوحيد لابن عثيمين صـ ١٤٨.
[ ١٦٥ ]
الثالث: من ينفون قيام الإرادة به وهو قول الجهمية والمعتزلة على خلاف بينهم فيمن ينفيها أو يفسرها بأنها نفس الأمر والفعل أو يقول بحدوث إرادة لا في محل كقول البصريين من المعتزلة. (١)
الرابع: أنه لم يزل مريد بإرادات متعاقبة، فنوع الإرادة قديم وأما إرادة الشيء المعين فإنه يريده في وقته وهو سبحانه يقدر الأشياء ويكتبها ثم بعد ذلك يخلقها، فهو إذا قدرها علم ما سيفعله وأراد فعله في الوقت المستقبل لكن لم يرد فعله في تلك الحال، فإذا جاء وقته أراد فعله فالأول عزم والثاني قصد (٢)، وهو قول أهل السنة.
ولعظم هذه المسألة بوب لها الإمام البخاري -﵀- بقوله: بابٌ في المشيئة والإرادة. ثم ساق الآيات والأحاديث التي تنص على مشيئته ﵎ التامة، وساق في بيانها بعد ست آيات ساق سبعة عشر حديثًا فيها ذكر المشيئة والإرادة بل أشار -﵀- إلى نوعي الإرادة، فأشار إلى الإرادة الكونية بقوله تعالى ﴿توتي الملك من تشاء﴾ آل عمران ٢٦، وقوله ﴿وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله﴾ الإنسان ٣٠، وقوله ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلاّ أن يشاء الله﴾ الكهف ٢٣، وقوله ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ القصص ٥٦. لأن الإرادة الكونية هي المشيئة العامة التي لا يخرج عنها شيء.
_________________
(١) انظر تفصيل أقوال المعتزلة في (المعتزلة) د. عواد المعتق صـ ١٠٣ وما بعدها. والرد عليهم في (الإبانة) للأشعري صـ ١١٧ - ١٢٦.
(٢) من كلام شيخ الإسلام (الفتاوى ١٦/ ٣٠١ - ٣٠٣) بتصرف.
[ ١٦٦ ]
وأشار إلى النوع الثاني من الإرادة وهي الدينية الأمرية والتي تتضمن الأمر والمحبة والرضى بقوله تعالى ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ (١) البقرة ١٨٥.
وأما الأحاديث فسأبين الشاهد منها على وجه الاختصار لطولها فمنها:
حديث أنس (ولا يقولن أحدكم إن شئت فأعطني فإن الله لا مستكره له) فيه أن تعليق الدعاء بالمشيئة يشعر بأن الله يعطي ما لا يريد كما يحصل لابن آدم وهذا لا يجوز اعتقاده لأن ليس بعد المشيئة إلا الإكراه، والله لا مكره له. (٢)
والحديث الثاني: حديث علي -﵁- وفيه [إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا] فيه بيان أنه لا ينبغي معارضة الأمر بالقدر ولهذا انصرف النبي ﵊ كارهًا لمقالته، وتلا قوله تعالى ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا﴾ الكهف ٥٤، ومن إنكاره ضربه فخذه ﵊ كما في الحديث.
والحديث الثالث: حديث أبي هريرة وفيه قوله [فيقصمها الله إذا شاء] وهي معنى المشيئة النافذة السابقة أي في الوقت الذي سبقت إرادته إن يقصمها فيه.
الحديث الرابع: حديث ابن عمر وفيه [ذلك فضلي أوتيه من أشاء] وهذا رد على المعتزلة إذ الإشارة بقوله [ذلك فضلي] إلى جميع الثواب لا إلى القدر الذي يقابل العمل كما يقوله المعتزلة واثبت مشيئة في فعله لا في فعل العبد. (٣)
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد للغنيمان ١/ ٢٥٢ بتصرف.
(٢) ويدخل في ذلك الدعاء المشهور وليس بحديث [اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه] فهذا من جنس ما نهى عنه الحديث لقوله ﵊ [لا يرد القدر إلاّ الدعاء] رواه الترمذي ٢/ ٢٠، ولأن في صيغة هذا الدعاء ما يشعر أنه أمر كبير على الله إن يرد القضاء بالدعاء، أو بمعنى لا يهمني الفقر أو المرض ولكن الطف فيه وهذا خطأ. شرح كتاب التوحيد لإبن عثيمين صـ ١٥٥.
(٣) انظر المناسبات في الفتح ١٣/ ٤٥٩ وشرح التوحيد للغنيمان ٢/ ٢٥٦ وابن عثيمين صـ ١٥٨، والفتاوى لشيخ الإسلام ٨/ ٢٤٤، والشريعة للآجري صـ ١٥٠ وما بعدها.
[ ١٦٧ ]
وهكذا في بقية الأحاديث التي تدل على مشيئته ﵎ وإرادته وما تعلقت به إرادته الكونية، وقد أجمل ووضح شيخ الإسلام -﵀- فذكر أن الأشياء باعتبار تعلق الإرادتين بها من عدمه لا تخرج عن أربعة أقسام:
أحدها: ما تعلقت به الإرادتان وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فهذه مرادة دينًا وشرعًا؛ لأنها محبوبة ومرضية ومرادة كونًا وشرعًا لوقوعها ولولا ذلك لما كانت.
الثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة مما لم يقع كايمان أبي جهل وسائر الكفار، فهذه مرادة دينًا لأنها من الأعمال الصالحة التي يحبها الله ويرضاها وليست مرادة كونًا لأنها لم تقع.
الثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط وهو ما وقع من المعاصي، فهذه مرادة كونًا؛ لأنها وقعت وغير مرادة دينًا وشرعًا لأن الله لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها.
الرابع: ما لم تتعلق به الإرادة الكونية ولا الشرعية، فهذا ما لم يكن ولم يقع من أنواع المعاصي (١) وهنا تبين أن لفظ الإرادة ينقسم إلى كونية وهي المشيئة وإرادة دينية وهي المحبة والرضى، وأن السلف فهموا الفرق بينهما ويدل على ذلك تنوع الإستدلال في التبويب والتصريح كما في كلام الإمام المروزي.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٨/ ١٨٩.
[ ١٦٨ ]
المبحث الرابع: الصفات (الخبرية)
المطلب الأول: ما ورد في الوجه
وصف الله ﵎ نفسه في القرآن الكريم بصفات عديدة وورد على لسان رسوله - ﷺ - ما يوافق هذه الصفات وتلقاها السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بالتسليم، ووصفوا الله على ماوصف به نفسه ومن غير ان يتدخلوا في هذه الصفات بالتأويل أو النفي أو الكيفية أو التحريف اللفظي أو المعنوي.
من هذه الصفات ما وقع فيها الخلاف متأخرًا عن القرون المفضلة من وصف الله ﵎ بالوجه أو اليدين أو العين والقدم والاصابع أو نحوها.
قال الاوزاعي: كان الزهري ومكحول يقولان امروا هذه الاحاديث كما جاءت (يعني احاديث الصفات). وقال سفيان الثوري كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل (١)، إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة عن أئمة الهدى في وجوب الاذعان لكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وقبول ما جاء فيهما من غير تدخل للعقل في تأويل هذه الصفات، وهذه الصفات هي أكثر الصفات التي وقع الاختلاف فيها وتسمى عند اهل الكلام الصفات الخبرية أو السمعية لانها ثبتت بالخبر فقط بخلاف غيرها عندهم فانه ثابت بالسمع والعقل وهذا لا يسلم لهم بل هذه الصفات مثل غيرها وقد وقع فيها الاختلاف بين الناس على ثلاثة مذاهب:
الأول: مذهب أهل السنة والجماعة وهو اثباتها لله ﷿ من غير تمثيل ولا تشبيه، فتصف الله بهذه الصفات على الحقيقة مع نفي مشابهتها للمخلوقين والبعد عن ما يصمه
_________________
(١) شرح اصول اعتقاد اهل السنه ٣/ ٤٧٨ وقد اطال النقل عن السلف في ذلك
[ ١٦٩ ]
المخالفون من شبهة التجسيم والتشبيه. قال الامام احمد ﵀ (التشبيه ان تقول يد كيد ووجه كوجه، فأما اثبات يد ليست كالأيدي ووجه كالوجوه فهو إثبات ذات ليست كالذوات (١)
الثاني: مذهب الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم فهؤلاء أولوا فقالوا المراد بالوجه الذات وبالعين العلم واليد بالنعمه وهكذا. . وأدى بهم ذلك الظن إلى التأويل لئلا يقع التشابه بين الله وبين خلقه مع اثباتهم اسماء وصفات يشترك في بعضها المخلوقين مع الله كالعالم والقادر ونحوها.
الثالث: المشبهة الذين شبهوا صفات الله بصفات خلقه وقد ظنوا ان الاتفاق في الاسماء يستلزم الاتفاق في المسميات (٢)
وسنأتي على تفصيل ماورد في هذه الصفات من نصوص.
_________________
(١) مختصر الصواعق المرسله لابن القيم ١/ ٢٧
(٢) مقالات الاسلاميين للاشعري ١/ ٢٤٧ وما بعدها والفتاوى لابن تيمية ٧/ ٨٨ و٦/ ٣٥٤.
[ ١٧٠ ]
الوجه (١)
اثبت الله ﵎ لذاته المقدسة صفة الوجه في أربع عشرة آية من القرآن الكريم فقال ﴿كل شيء هالك إلاّ وجهه﴾ القصص ٨٨.
وقال ﴿انما نطعمكم لوجه الله﴾ الإنسان ٦، وقال ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام﴾.
وقد دلت السنة على مثل ذلك، فقال - ﷺ - (جنان الفردوس أربع، جنتان من فضة آنيتهما ومافيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلاّ رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن (٢)، وفي حديث ابو موسى الاشعري رضي الله عنهقال قام فينا رسول الله - ﷺ - بخمس كلمات، فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له ان ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع اليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور، لو كشفه لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه (٣)
وكان من دعاءه ﵊ " اسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك" (٤) وقوله فيما استشهد به البخاري ﵀ فقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهلمّا نزلت هذه الآية ﴿قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذابًا من فوقكم﴾ قال - ﷺ - (اعوذ بوجهك)، قال: (أو من تحت أرجلكم)، قال: (أعوذ بوجهك)، قال (أو يلبسكم شيعًا)
_________________
(١) انظر التوحيد لابن خزيمة ١/ ٢٥ - ٤٤ والرد على الجهمية لابن مندة ٩٤ - ١٠٣ والاسماء والصفات للبيهقي ٢/ ٢٥ - ٣٩ والصفات للدار قطني ٥٥ - ٦٥ واصول الاعتقاد للالكائي ٢/ ٤٧٥ والرد على بشر للدارمي ص ٥١٨
(٢) رواه البخاري ٤٨٧٨ ومسلم ٢٩٦ وهذا لفظ مسلم.
(٣) رواه مسلم ٢٩٣.
(٤) رواه ابن ابي عاصم في السنة ح ٤٢٤ قال الالباني (حديث صحيح)
[ ١٧١ ]
فقال ﵊ هذا أيسر (١)، وقد ورد مثل هذا الوصف عن صحابة رسول الله - ﷺ - وسلف الامة.
فعن الزبير بن العوام ﵁ انه سئل بوجه الله فقال: أعطه فانه بوجه الله سأل لا بوجه الخلق. وعن القاسم بن محمد أنه سئل بوجه الله فقال لا يفلح من رّده (٢) وقال الامام ابن خزيمة ﵀: فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر مذهبنا انا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه نقر بذلك بالسنتنا ونصدق ذلك بقلوبنا من غير ان نشبه وجه خالقنا بوجه احد من المخلوقين (٣) ومثله يروى عن الامام ابي حنيفة فقال: ما ذكره الله في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف (٤)، وقال الامام ابو الحسن الاشعري " فمن سألنا فقال أتقولون أن لله سبحانه وجهًا قيل له نقول ذلك خلافًا لما قاله المبتدعون (٥)
وهذه الصفة يقال فيها ما يقال في الصفات التي تسمى عند المتكلمين الصفات الخبرية فمنهم من نفاها كالجهمية والمعتزلة ومنهم من يتأول هذه الصفات ومنهم من يثبت ماورد في القرآن دون الحديث ويدخل في هذه الاقسام الاخيرة غالب الصفاتية وعلى رأسهم الكلايبيه ومن تبعهم، فمن نفى هذه الصفة فالنصوص الكثيرة التي سبق شيء منها يرد عليه ومن أولها فهو لا يخرج عن وصف الوجه بأن المراد به (ذاته أو نفسه وبالنعمة وبالاعمال الصالحة
_________________
(١) وقد اطال ابن خزيمة في الاحاديث النبوية في ذكر الوجه ثم قال: هذا باب طويل لو استخرج في هذا الكتاب اخبار النبي - ﷺ - التي فيها ذكر وجه ربنا لطال الكتاب، التوحيد ١/ ٤٤.
(٢) أصول إاعتقاد أهل السنة للالكائي ٣/ ٤٥٨
(٣) التوحيد لابن خزيمة ١/ ٢٦
(٤) الفقه الأكبر ص ٣٠٢ بواسطة أصول الدين عند ابي حنيفة للخميس ص ٣١٦
(٥) الابانة للاشعري ص ٤١
[ ١٧٢ ]
وبالقبلة) (١) وهنا يظهر أن الذين أولوا هذه الصفة اختلفوا فيما بينهم على تأويلها بل لا تجد فرقتين متفقتين بل في الفرقة الواحدة تجد الإختلاف، ويلزم من تأويل من تأول الوجه انه بهذه التأويلات مخلوق لان النعمة والقبلة والاعمال الصالحة مخلوقة، والبخاري رحمه الله تعالى بوب بآية القصص وهي ﴿كل شيء هالك إلاّ وجهه﴾ القصص ٨٨.
وبحديث (أعوذ بوجهك) فأثبت الوجه لله ثم بيّن أن وجه الله لا يكون مأولًا لأن تأويله بمخلوق يجعله مخلوقًا فأورد حينئذ الاستعاذة به والاستعاذة لا تكون بمخلوق، وهذا غاية الفقه.
قال ابن بطال: في هذه الآية والحديث دلالة على ان لله وجهًا وهو من صفات ذاته وليس بجارحة ولا كالوجوه التي نشاهدها من المخلوقين. (٢)
وقد يرد الوجه في القرآن ويراد به الثواب أو غيره، قال الامام ابن مندة في قوله تعالى: ﴿إلى ربها ناظرة﴾ القيامة ٢٣، قال: اجمع اهل التأويل كابن عباس وغيره من الصحابة ومن التابعين محمد بن كعب وعبد الرحمن بن سابط والحسن بن ابي الحسن وعكرمة وابو صالح وسعيد ابن جبير وغيرهم ان معناه إلى وجه ربها ناظرة. (٣) وقال: وأما الذي بمعنى الثواب فكقول الله ﷿ ﴿انما نطعمكم لوجه الله﴾ الانسان ٩ وقوله ﴿ولاتطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ الانعام ٥٢. (٤) وقد ورد عن بعض السلف كمجاهد وغيره تفسير الوجه بمعنى القبلة وهذا في موضع واحد هو قوله ﴿فاينما تولوا فثم وجه الله﴾ (٥) البقرة ١١٥، فان هذه الآية اختلف فيها هل هي من آيات الصفات أم لا وسواء حصل الاختلاف ام لا، فهل يصح ان يقال ذلك في بقية المواضع التي ذكر فيها الوجه؟ وقد اطال ابن القيم في مختصر الصواعق في بيان هذه المسألة من اثنين وعشرين وجهًا (٦) وقد أورد الامام البخاري ﵀ آية القصص في كتاب التفسير فقال (كل شيء هالك إلاّ وجهه) إلاّ ملكه ويقال: إلاّ ما أريد به وجه الله فهل أول البخاري هنا؟ أو هل رضي بالتأويل؟
والجواب: أن البخاري لا ريب ممن يثبت صفة الوجه لله ﵎ على الحقيقة ويدل على ذلك انه أوردها مبوبًا لها في كتاب التوحيد وهو مظنة هذه الامور الاعتقادية، ثم اتبعها بحديث (أعوذ بوجهك) فلا إشكال في إثباته للوجه صفة لله، وأما قوله إلاّ ملكه أو ما أريد به وجه الله فقد أوردها في كتاب التفسير عند تفسير سورة القصص، ومعلوم انه يريد بذلك ان هذا من تفسيرها التي تفسر به والذي يلاحظ ان البخاري ينقل عن أئمة اللغة والسلف معاني التفسير خاصة الفراء وابي عبيدة معمر بن المثنى، وقد فهم بعض شراح البخاري ان هذا تأويل منه واحتج بان قوله إلاّ ملكه غير مستقيم لان معنى الآية يكون حينئذٍ (كل شيء هالك إلاّ كل شيء) فان كل شيء ملكه (٧) ولكن البخاري هنا ﵀ مشى على منهجه في كتاب التفسير وهو ايراد معاني الآية فان قوله (إلاّ ما اريد به وجهه) مروي عن ابن عباس ومجاهد وسفيان كما في الدرر المنثور (٨) وذكر ابو عبيدة (٩) في مجاز القرآن والفراء (١٠)
_________________
(١) الرد على بشر الدارمي ص ٥١٦ - ٥١٧
(٢) الفتح ١٣/ ٤٠٠
(٣) الرد على الجهمية لابن مندة ص ١٠٢ وتفسير الطبري ٢٩/ ١٩٢
(٤) الرد على الجهمية لابن مندة ص ١٠٣
(٥) الاسماء والصفات للبيهقي ص ٣٨٥
(٦) مختصر الصواعق ٢/ ٣٣٥ - ٣٤٢
(٧) شرح كتاب التوحيد للغنيمان ١/ ٢٧٦
(٨) الدر المنثور للسيوطي ٦/ ٤٤٧ ونسبه البغوي إلى أبي العالية ٣/ ٤٥٩.
(٩) معمر بن المثنى أبو عبيدة النحوي من أئمة العلم بالأدب واللغة، كان إباضيًا، مكثر من التاليف في اللغة، (ت ٢٠٩ هـ) الأعلام (٧/ ٢٧٢).
(١٠) يحيى بن زياد الديلمي إمام الكوفيين وأعلمهم بالنحو واللغة يقال الفراء: أمير المؤمنين في النحو، وكان فقيهًا متكلمًا، (ت ٢٠٧ هـ) الأعلام (٨/ ١٤٥).
[ ١٧٣ ]
في معاني القرآن (١) ان معناها (إلاّ هو) وقال ابن كثير (إلاّ اياه) ثم ذكر ان لا منافاة بين القولين، فقول مجاهد والثوري ومن وافقهما اخبار عن كل الاعمال بانها باطلة إلاّ ما اريد بها وجه الله من الاعمال الصالحة المطابقة للشريعة والقول الآخر مقتضاه ان كل الذوات فانية وهالكة وزائلة إلاّ ذاته تعالى فانه الأول والآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء. (٢)
وقد نبه الحافظ ان في بعض روايات البخاري انه قال: قال معمر وهي رواية النسفي وهذا وهم فليس في كتاب معمر هذا اللفظ كما تقدم. ولفظ (إلاّ ملكه) ذكره غير واحد من السلف كما نقله شيخ الاسلام في الفتاوى عن الامام طاووس بن كيسان (٣) قوله (إلاّ ملكه) (٤) فالبخاري ناقل عن امام من أئمة السلف وهذه طريقته، فهذا من معاني قوله إلاّ وجهه وهذا الذي فهمه المفسر أبو حيان في تفسيره فقال (إلاّ ملكه) يفسرها قول الله حين ينفخ في الصور فتهلك جميع الخلائق فيقول ﴿لمن الملك اليوم﴾ (٥) غافر ١٦، وقال شارح الطحاوية في رده على الجهمية في استدلالهم بهذه الآية على عدم وجود الجنة والنار الآن، قال: فلم توفقوا أنتم ولا اخوانكم لفهم معنى الآية وإنما وفق لذلك أئمة الاسلام فمن كلامهم: ان المراد
_________________
(١) معاني القرآن للفراء ٢/ ٣١٤ مجاز القرآن لابى عبيدة ٢/ ١١٢
(٢) تفسير ابن كثير ٣/ ٦٤٣
(٣) طاووس بن كيسان الخولاني من أكابر التابعين تفقهًا في الدين ورواية في الحديث وتقشفًا في العيش وجرأة على وعظ الخلفاء، توفي حاجًا في مزدلفة سنة ١٠٦ هـ الأعلام (٣/ ٢٢٤).
(٤) الفتاوى ٢/ ٤٢٨
(٥) البحر المحيط لابي حيان النحوي (٤/ ١٧٣).
[ ١٧٤ ]
كل شيء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء وكذلك العرش فانه سقف الجنة وقيل المراد إلاّ ملكه وقيل إلاّ ما أريد به وجهه. (١)
وقال الطبري في قوله تعالى ﴿لمن الملك اليوم. .﴾، يعني يقول الله لمن الملك فترك ذكر ذلك استغناء لدلالة الكلام عليه. (٢)
وعلى هذا يزول الاشكال في هذه المسألة فليس السلف هنا يقولون بان ظاهر الآية ممتنع أو ينفونها ولكن هنا استعمل التأويل على أصله الصحيح وهو التفسير ومعرفة المعنى وهو ما يعتمد على تفسير القرآن بالقرآن والسنة وأقوال الصحابة التابعين وتابعيهم والمعرفة بأساليب اللغة العربية وليس إلى ما ذهب اليه المتكلمون وهو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنًا آخر مع عدم اثبات الصفة أوصلهم إلى ذلك إلاّ لتقديمهم آرائهم على نصوص الوحي وجعلوها ميزانًا يوزن به كلام الله ورسوله فما وافق موازينهم قبلوه وما خالفها أولوه أو ردوه. فيثبت عندهم اللفظ ويصح النص ثم يحرفونه وهو ما يسمونه تأويلًا.
_________________
(١) شرح الطحاوية ص ٦٢٠
(٢) فتح الباري ١٣/ ٣٨٠، كما في الفتح ١٣/ ٣٨٠.
[ ١٧٥ ]
ولأهمية هذه المسألة انقل قواعد لشيخ الاسلام موضحة لمثل هذه المسألة
قال شيخ الاسلام ابن تيمية ﵀: ويجوز باتفاق المسلمين أن تفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى وبصرف الكلام عن ظاهره إذ لا محذور في ذلك عند أحد مناهل السنة وإن سمي تأويلا وصرفا عن الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه لأنه تفسير للقرآن بالقرآن ليس تفسيرا له بالرأي، والمحذور إنما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين والله اعلم ٠٠ (١)
وقال ﵀:
وهذا التوحيد وتفسيره المذكور فى قوله (ألا كل شئ ما خلا الله باطل) هو نحو مما ذكر فى قوله تعالى ﴿كل شئ هالك الا وجهه﴾ بعد قوله ﴿فلا تكونن ظهيرا للكافرين ولا يصدنك عن آيات الله بعد اذ أنزلت اليك وادع الى ربك ولا تكونن من المشركين ولا تدع مع الله الها آخر لا اله الا هو كل شيء هالك الا وجهه له الحكم واليه ترجعون﴾ فإن ذكره ذلك بعد نهيه عن الاشراك وأن يدعو معه الها آخر وقوله لا اله الا هو يقتضى أظهر الوجهين وهو أن كل شئ هالك الا ما كان لوجهه من الأعيان والاعمال وغيرهما
روى عن أبي العالية قال الا ما أريد به وجهه وعن جعفر الصادق الا دينه ومعناهما واحدوقد روى عن عبادة بن الصامت قال يجاء بالدينا يوم القيامة فيقال ميزوا ما كان لله منها قال فيماز ما كان لله منها ثم يؤمر بسائرها فيلقى فى النار وقد روى عن على ما يعم ففى تفسير الثعلبى عن صالح بن محمد عن سليمان ابن عمرو عن سالم الافطس عن الحسن وسعيد بن جبير عن على بن أبى طالب أن رجلا سأله فلم يعطه شيئا فقال أسألك بوجه الله فقال له
_________________
(١) الفتاوى ٦/ ٢١
[ ١٧٦ ]
على كذبت ليس بوجه الله سألتنى انما وجه الله الحق ألا ترى الى قوله كل شئ هالك الا وجهه يعنى الحق ولكن سألتنى بوجهك الخلق وعن مجاهد الا هو وعن الضحاك كل شئ هالك الا الله والجنة والنار والعرش وعن ابن كيسان إلا ملكه
وذلك أن لفظ الوجه يشبه أن يكون فى الاصل مثل الجهة كالوعد والعدة والوزن والزنة والوصل والصلة والوسم والسمة لكن فعله حذفت فاؤها وهى أخص من الفعل كالآكل والإكلة فيكون مصدرا بمعنى التوجه والقصد كما قال الشاعر
أستغفر الله ذنبا لست محصيه * رب العباد اليه الوجه والعمل
ثم أنه يسمى به المفعول وهو المقصود المتوجه اليه كما فى اسم الخلق ودرهم ضرب الأمير ونظائره ويسمى به الفاعل المتوجه كوجه الحيوان يقال أردت هذا الوجه أى هذه الجهة والناحية ومنه قوله ولله المشرقوالمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله أى قبلة الله ووجهة الله هكذا قال جمهور السلف وان عدها بعضهم فى الصفات وقد يدل على الصفة بوجه فيه نظر وذلك أن معنى قوله أينما تولوا أى تتولوا أى تتوجهوا وتستقبلوا يتعدى الى مفعول واحد بمعنى يتولاها ونظير ولى وتولى قدم وتقدم وبين وتبين كما قال لا تقدموا بين يدى الله ورسوله وقال بفاحشة مبينة وهو الوجه الذى لله والذى أمر الله أن نستقبل فان قوله ولله المشرق والمغرب يدل على أن وجه الله هناك من المشرق والمغرب الذى هو لله كما فى آية القبلة سيقول السفهاء من الناس ما ولا هم عن قبلتهم التى كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء الى صراط مستقيم فلما سألوا عن سبب التولى عن القبلة أخبر أن له المشرق والمغرب
وأما لفظ وجهة مثل قوله ولكل وجهة هو موليها فقد يظن أيضا أنه مصدر كالوجه كالوعدة مع الوعد وانها تركت صحيحة فلم تحذف فاؤها وليس كذلك
[ ١٧٧ ]
لأنه لو كان مصدرا لحذفت واوه وهو الجهة وكان يقال ولكل جهة أو وجه وإنما الفعلة هنا بمعنى المفعول كالقبلة والبدعة والذبحة ونحو ذلك فالقبلة ما استقبل والوجهة ما توجه اليه والبدعة ما ابتدع والذبحة ما ذبح ولهذا صح ولم تحذف فاؤه لأن الحذف إنما هو من المصدر ٠٠. الخ كلامه. (١)
وقال ﵀:
فإنه كثيرا ما يغلط الناس في هذا الموضع إذا تنازع النفاة والمثبتة في صفة ودلالة نص عليها يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ - حيث ورد - دالا على الصفة وظاهرا فيها. ثم يقول النافي: وهناك لم تدل على الصفة فلا تدل هنا. وقد يقول بعض المثبتة: دلت هنا على الصفة فتكون دالة هناك؛ بل لما رأوا بعض النصوص تدل على الصفة جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون أنه يضاف إلى الله تعالى - إضافة صفة - من آيات الصفات. كقوله تعالى: ﴿على ما فرطت في جنب الله﴾. وهذا يقع فيه طوائف من المثبتة والنفاة وهذا من أكبر الغلط فإن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه. وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية
وهذا موجود في أمر المخلوقين يراد بألفاظ الصفات منهم في مواضع كثيرة غير الصفات. وأنا أذكر لهذا مثالين نافعين (أحدهما صفة الوجه فإنه لما كان إثبات هذه الصفة مذهب أهل الحديث والمتكلمة الصفاتية: من الكلابية والأشعرية والكرامية وكان نفيها مذهب الجهمية: من المعتزلة وغيرهم ومذهب بعض الصفاتية من الأشعرية وغيرهم صار بعض الناس من الطائفتين كلما قرأ آية فيها ذكر الوجه جعلها من موارد النزاع فالمثبت يجعلها من الصفات التي لا تتأول بالصرف والنافي يرى أنه إذا قام الدليل على أنها ليست صفة فكذلك غيرها. (مثال ذلك قوله تعالى ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾. أدخلها في آيات الصفات طوائف من المثبتة والنفاة حتى عدها " أولئك " كابن خزيمة مما يقرر إثبات الصفة وجعل " النافية " تفسيرها بغير الصفة حجة لهم في موارد النزاع. (٢)
المطلب الثاني: ما ورد في العين
ذكر الله ﵎ صفة العين فقال ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه ٣٩ وقال ﴿فانك باعيننا﴾ الطور ٤٨ وقال ﴿واصنع الفلك باعيننا﴾ هود ٣٧ وكذلك جاء إ ثبات هذه الصفة في السنة النبوية. ففي حديث ابن عمر قال: ذكر الدجال عند رسول الله - ﷺ - فقال: (ان الله لايخفى عليكم ان الله ليس بأعور - واشار بيده إلى عينه - وان المسيح الدجال أعور عين اليمنى كأن عينه عنبة طافية) ويقال في هذه الصفة ما يقال في الصفات الخبرية التي ثبتت بالسمع من الايمان بها على الوجه اللائق به تعالى فهذا الذي فهمه سلف الامة.
فقد فسر ابن عباس قوله (باعيننا) أنه اشار إلى عينيه وقد مرّ معنا حديث ابي هريرة حين تلا رسول الله - ﷺ - قوله تعالى ﴿وكان الله سميعًا بصيرًا﴾ النساء ١٢٤، فوضع ابهامه على اذنه واصبعه التي تليها على عينه قال ابو هريرة ﵁: رأيت رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك. (٣) وقد ذكر ذلك غير واحد من السلف وتصريحهم بهذا (٤) وبوب الامام الاشعري في الابانة فقال: باب الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين، ثم ذكر الادلة على ذلك. وصرح ﵀ حين ذكر جملة من أقوال اصحاب الحديث والسنة وان من عقيدتهم اثبات ان لله عينين بلا كيف (٥) وهذا هو فعل البخاري ﵀ فقد أورد الآيات الدالة على اثبات هذه الصفة فقد جاءت في القرآن مفردة مضافة إلى الضمير وجاءت مجموعة مضافة إلى ضمير الجمع، قال ابن القيم " ذكر العين مفردة لا يدل على انها عين واحدة ليس إلا قولك افعل هذا على عيني لا يريد ان له عينًا واحدة ولما اضيفت العين إلى اسم الجمع ظاهرًا أو مضمرًا
_________________
(١) الفتاوى ٢/ ٤٢٧ ومابعدها.
(٢) الفتاوى ٦/ ١٤ - ١٥
(٣) رواه ابو داود في باب الرد على الجهمية من سننه ٥/ ٩٦
(٤) التوحيد لابن خزيمة ١/ ٩٦
(٥) مقالات الاسلاميين للاشعري ١/ ٣٤٥
[ ١٧٨ ]
حسن جمعها مشاكلة للفظ كقوله تعالى ﴿تجري باعيننا﴾ القمر ١٤ وقوله ﴿واصنع الفلك باعيننا﴾ هود ٣٧ (١) ومايذكره المفسرون من تفسير لمعاني الآيات التي يستشهد بها على اثبات صفة العين لا يلزم منه انكار هذه الصفة فقوله ﴿واصنع الفلك باعيننا﴾ بان معناها: بمراى منا وحراستنا وحفظنا لك وقوله ﴿ولتصنع على عيني﴾ بمعنى لتربى بمراى ومنظر مني، وقوله: ﴿فانك باعيننا﴾ أي بمراى منا وتحت كلاءتنا (٢) فهذه المعاني معانٍ صحيحة وهي بماذكر دالة على اثبات العين اذا انها تصح نسبة العين إلى ما ليس من شأنه ان يكون له عين والسياق بيّن ذلك بمن اضيفت اليه، كما قال ابن جرير تجري باعيننا (تجري السفينة التي حملنا نوحًا فيها بمراى منا ومنظر (٣) هذا الذي فهمه السلف ومنهم البخاري ﵀، ثم استشهد ﵀ باحاديث الدجال وفيه (ان ربكم ليس باعور) و(ان الله ليس باعور). قال الدارمي في رده على بشر المريسي " ففي تأويل قول رسول الله - ﷺ - " ان الله ليس باعور " بيان انه بصير ذو عينين خلاف الاعور ". (٤)
قال ابن المنير " وجه دلالة الحديث على اثبات العين لله من جهة ان العور عرفًا عدم العين وضد العور ثبوت العين فلما نزعت هذه النقيصة لزم ثبوت الكمال بضدها وهو وجود العين (٥)، وعلى هذا نثبت العينين لله ﵎ كما قال ابن خزيمة " بين النبي - ﷺ - ان لله
_________________
(١) مختصر الصواعق ص ٢٤
(٢) تفسير البغوي ٢/ ٣٨٢ و٣/ ٢١٧ و٦/ ٤٣٨
(٣) تفسير الطبري ٢٧/ ٦٤
(٤) الرد على بشر المريسى ص ٤٠٦
(٥) الفتح ١٣/ ٤٠١
[ ١٧٩ ]
عينين فكان بيانه موافقًا لبيان محكم التنزيل (١) وقد تقدم الرد على من يؤل هذه الصفة في اثبات البصر لله ﵎.
المطلب الثالث: ما ورد في اليدين والأصابع (٢)
من الصفات الثابتة في الكتاب العزيز والسنة المطهرة اليدان قال تعالى ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة ٦٤ وقال تعالى ﴿ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص ٧٥ وقال ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ الزمر ٦٧ وقال ﴿يد الله فوق ايديهم﴾ الفتح ١٠. وقال ﴿بيده الملك﴾ تبارك ١ وقال ﴿بيدك الخير﴾ آل عمران ٢٦. وقال ﵊ كما في البخاري من حديث طويل وهو محاجة آدم وموسى وفيه: يا آدم انت ابونا خلقك الله بيده) وفيه (أنت موسى كلمك الله تكليمًا وخط لك التوراة بيده)، فاليد في ما سبق من النصوص هي يد حقيقية على ظاهرها خلافًا لمن أولها من الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم. قال الامام المقدسي (٣) في كتابه الصفات: فلا نقول يد كيد ولا نكيف ولا نشبه ولا نتأول اليدين على القدرتين كما يقول اهل التعطيل والتأويل بل نؤمن بذلك ونثبت الصفة من غير تحديد ولا تشبيه، ثم قال ولا يصح حمل اليدين على القدرتين فان قدرة الله واحدة ولا على النعمتين فان نعم الله لا تحصى كما قال سبحانه ﴿وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ ابراهيم ٣٤. (٤)
_________________
(١) التوحيد لابن خزيمة ص ٩٧
(٢) انظر في هذه الصفة الاسماء والصفات للبيهقي ٢/ ٤٣ - ٥٣ والتوحيد لابن خزيمة ٥٣ - ٧٦ والشريعة للآجري ٣٢١ والسنة لابن ابي عاصم ص ٤٧٣ والرد على الجهمية لابن منده ٣٩ - ٤٢
(٣) عبدالغني بن عبدالواحد المقدسي الحنبلي، من عائلة علمٍ وحديث، مكثر من التاليف، من أوائل من ألف في الرجال، (ت ٦٠٠ هـ) سير أعلام النبلاء (٢١/ ٤٤٣).
(٤) الصفات للامام عبد الغني المقدسي ص ٨٥ ضمن عقائد أئمة السلف
[ ١٨٠ ]
قال الامام البربهاري (١) " واعلم انما هلال الجهمية من انهم فكروا في الرب ﷿ فأدخلوا (لم وكيف) وتركوا الأثر ووضعوا القياس، قاسوا الدين على رأيهم فجاؤوا بالكفر عيانًا " (٢) وعلى هذا اثبت الأئمة في ما ساقوه في معتقداتهم ومصنفاتهم في ردودهم على الجهمية والمعتزلة أو في بيان السنة قال شيخ الإسلام إسماعيل الصابوني عن أهل السنة: ويقولون انه خلق آدم بيده كما نص سبحانه في قوله ﴿قال يا ابليس ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص ٥٧.
ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين أو القوتين تحريف المعتزلة والجهمية اهلكهم الله ولا يكيفونها بكيف ويشبهونها بايدي المخلوقين تشبيه المشبهة خذلهم الله (٣) وهو الذي قرره الإمام الاشعري: أن من جملة ما عليه أهل الحديث والسنة أن لله يدين بلا كيف، ثم ساق الأدلة لذلك في عدة كتب له (٤) ومثله الامام الاصبهاني في الحجة قال: (فصل في اثبات اليد لله تعالى صفة له) ثم قال: (ذكر البيان من سنة النبي - ﷺ - على إثبات اليد موافقًا للتنزيل). (٥)
والنصوص التي وردت في اثبات اليدين تضمنت اثبات صفات أخرى لهذه اليد وهو الذي نراه في الاحاديث التي استشهد بها الأئمة على ذلك فمنها: -
١ - صفة اليمين كما في حديث ابي هريرة (يمين الله ملآى) وقوله (أخذها الرحمن بيمينه).
٢ - صفة الكف كما في حديث الصدقة (فتربوا في كف الرحمن).
٣ - صفة الأصابع كما في حديث الحبر اليهودي الذي رواه البخاري في الباب من حديث النواس بن سمعان -﵁-.
٤ - صفة القبض والطي كما في حديث ابن عمر (يقبض الله الارض).
٥ - صفة البسط كما في قوله تعالى ﴿بل يداه مبسوطتان﴾.
قال ابن القيم ﵀: " فهذا القبض والبسط والطي باليمين والاخذ والوقوف على يمين الرحمن والكف وتقليب القلوب باصابعه ووضع السموات على اصبع والجبال على أصبع وذكر احدى اليدين ثم قوله " وبيده الاخرى - ممتنع فيه اليد المجازية سواء بمعنى القدرة أو بمعنى النعمة فانها لا يتصرف فيها هذا التصرف، هذه لغة العرب نظمهم ونثرهم هل تجدون فيها ذلك اصلًا. (٦)
قال الامام أحمد (من زعم ان يداه نعماه كيف يصنع بقوله (خلقت بيديّ) مشددة (٧)، والإمام البخاري قرر هذه الصفة وبوب لها وساق من الاحاديث ما يدل على ثبوتها، فحديث انس فيه (خلقك بيده) ثم حديث ابي هريرة قال: يد الله ملآى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، وقال (أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والارض فانه لم يغض ما في يده) وقال (وكان عرشه على الماء وبيده الاخرى الميزان يخفض ويرفع)، وحديث ابن عمر (أن الله يقبض يوم القيامة الارض وتكون السموات بيمينه ثم يقول انا الملك)، فهذه الآية فيها اثبات اليدين لله ثم أورد ﵀ ما يدل على ذلك من السنة فقال (بيده) مرة ثم قال (وبيده الأخرى) ثم ساق ﵀ ما يدل على الاصابع للرحمن فجاء بحديث ابن مسعود ان يهوديًا
_________________
(١) الحسن بن علي بن خلف البربهاري، شيخ الحنابلة كان قوالًا للحق داعية إلى الأثر، عاصر الأشعري وكان مطاعًا، (ت ٣٢٨ هـ)، سير اعلام النبلاء (١٥/ ٩٠).
(٢) الحجة في بيان المحجة للاصبهاني ١/ ١٨٥
(٣) شرح السنة للامام البربهاري ٢٧.
(٤) عقيدة السلف اصحاب الحديث للصابوني صـ ٢٦.
(٥) مقالات الإسلاميين ١/ ٣٤٥ والابانة ص ٤١ ورسالة اهل الثغر صـ ٦٩.
(٦) مختصر الصواعق ٢/ ٣٢٥ وانظر تأصيلًا لهذا رد الدارمي ص ٣٨٨ - ٣٩١.
(٧) ابطال التأويلات لابي يعلى ١/ ١٦٩.
[ ١٨١ ]
جاء إلى النبي - ﷺ - فقال يا محمد ان الله يمسك السموات على اصبع والاراضين على اصبع والجبال على أصبع والشجر على اصبع والخلائق على اصبع ثم يقول أنا الملك فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدت نواجذه ثم قرأ ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ زاد عبد الله بن مسعود: فضحك رسول الله - ﷺ - تعجبًا وتصديقًا له وساق بنحوه حديثًا لابن مسعود فيه اختلاف يسير وليس هذا هو الحديث الوحيد الذي فيه ذكر الأصابع فقد قال ﵊ " قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ". (١) قال الامام البغوي: والأصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله ﷿ وكذلك ما جاء به الكتاب والسنة من هذا القبيل من صفات الله (٢) وقال ابن بطال: " لايحمل ذكر الاصبع على الجارحة بل يحمل على انه صفة من صفات الذات لا تكيف ولا تحدد (٣) وبمثله قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث " ولا نقول اصبع كاصبعنا لان كل شيء منه ﷿ لايشبه شيئًا منا ". (٤) والمخالف لهذه الاحاديث له نفس الحجة التي سبقت في باقي الصفات وأولها كما اول غيرها، فحديث (إن قلوب العباد بين أصبعين) اولهما بالنعمة أو بالقدرة، وقال لانها تقتضي المماسه وهذا بعيد فانه ليس في ظاهر الحديث أن القلب متصل بالأصابع ولا مماس لها ولا أنها في جوفه ولا أن قول القائل هذا بين يدي يقتضي مباشرته ليديه، فقوله تعالى ﴿والسحاب المسخر بين السماء والارض﴾ البقرة ١٦٤ لم يقتض أن يكون مماسًا للسماء والارض. (٥)
_________________
(١) رواه الترمذي باب القدر ح ٢١٤ وابن ابي عاصم في السنة ١/ ١٠١ بسند حسن
(٢) شرح السنة للبغوي ١/ ١٦٨
(٣) الفتح ١٣/ ٣٩٨.
(٤) تأويل مختلف الحديث صـ ١٩٦.
(٥) من كلام ابن تيمية بتصرف التدمرية ص ٧٣.
[ ١٨٢ ]
وقد رد الدارمي على هذه الشبهة أيضًا بقوله: " وهل من شيء ليس تحت قدرة الله التي وسعت كل شيء حتى خص الرسول - ﷺ - القلوب من بينها بقدرتين (١) وهناك من جعل ضحك الرسول - ﷺ - تعجبًا لا موافقة وانكارًا لا موافقة، وهذا يعيد قال ابن خزيمة " قد أجل الله تعالى نبيه من أن يوصف ربه بحضرته بما ليس هو من صفاته فيجعل بدل وجوب النكير والغضب على المتكلم به ضحكًا بل لا يصف النبي - ﷺ - بهذا الوصف مؤمن مصدق برسالته. (٢) فتمر هذه الاحاديث والصفات على ما يليق بجلال الله. قال الامام وكيع بن الجراح نسلم هذه الاحاديث كما جاءت ولا نقول كيف كذا ولا لم كذا؟ يعني مثل حديث بن مسعود ان الله ﷿ يحمل السموات على أصبع وحديث قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن ونحوها من الاحاديث. (٣)
واختم هذا المبحث في الصفات الخبرية بقول شيخ الاسلام ﵀ " فهل يجوز ان يملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد وان الله خلق بيده وان يداه مبسوطتان وان الملك بيده، وفي الحديث ما لا يحصى، ثم ان رسول الله - ﷺ - واولي الأمر: لا يبينون للناس ان هذا الكلام لا يراد به حقيقته ولا ظاهره؟ حتى ينشأ (جهم بن صفوان) بعد انقراض عهد الصحابة فيبين للناس ما نزل اليهم على نبيهم ويتبعه عليه بشر بن غياث ومن سلك سبيلهم من كل مغموص عليه بالنفاق. وكيف يجوز ان يعلمنا نبينا - ﷺ - كل شيء حتى الخراءة ثم يترك الكتاب المنزل عليه وسنته الغراء مملوة مما يزعم الخصم ان ظاهره التشبيه والتجسيم. وان اعتقاد ظاهره ضلال ثم لا يبين ذلك ولا يوضحه، وكيف يجوز للسلف ان يقولوا أمروها كما جاءت مع أن معناها المجاز
_________________
(١) الرد على المريسى ص ٤١٨
(٢) التوحيد لابن خزيمة ١/ ١٧٨
(٣) السنة لعبد الله بن الامام احمد ١/ ٢٦٧، وقاله مناسبة لهذه الأحاديث بالذات.
[ ١٨٣ ]
هو المراد - وهو شيء يفهمه الاعراب حتى يكون ابناء الفرس والروم اعلم بلغة العرب من أبناء المهاجرين والأنصار. (١)
وهكذا ظهر تبويب البخاري بإثباته لهذه الصفات كما هو منهج السلف -﵏- على الحقيقة مع تفويض كيفيتها لله ﵎ بما يليق به سبحانه موردًا للنصوص على سبيل الجزم كما هي عادته فيما يعتقده -﵀-.
_________________
(١) الفتاوى ٦/ ٣٦٨، ٣٦٩ بتصرف
[ ١٨٤ ]
الفصل الثاني: الصفات الفعلية
المبحث الأول: الصفات الاختيارية و[شبهة قيام الحوادث بذاته ﷾]
يفرق أهل السنة والجماعة بين صفات الله الذاتية وصفاته تعالى الفعلية والتي يفعلها بمشيئته سبحانه ويثبتون أن هناك صفات ذاتية فعلية هي صفة ذات له ﵎ وهي صفة فعلية يفعلها متى يشاء سبحانه كالرحمة والخلق والكلام ونحوها.
وأهل السنة في إثباتهم لهذه الصفات ينطلقون من أنه ﵎ منزه عن الشبيه، كما قال الإمام نعيم بن حماد: من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهًا. (١)
فالصفات التي وصف الله بها نفسه وأعني هنا ما اصطلح على تسميتها بالفعلية الاختيارية حصل فيها الخلاف العظيم بين المسلمين وطال النزاع فيها بسبب القياس الخاطئ بين الخالق والمخلوق إذ أن الصفات الإلهية لا يجوز أن يستدل فيها بالقياس الشمولي ولا قياس التمثيل، فالتمثيل يستوي فيه الفرع والأصل والشمولي يستوي أفراده.
فالله ﵎ ليس كمثله شيء فلا يجوز أن يمثل بغيره ولا يوصف به وإدخاله سبحانه مع غيره تحت أي قضية كلية يستوي أفرادها، عمل فاسد، هذا الذي جَرَّ والطوائف
_________________
(١) شرح أصول السنة للالكائي ٣/ ٥٨٧
[ ١٨٥ ]
إلى الضلال في هذا الباب، وكان الأولى بهم استعمال قياس الأولى سواء كان تمثيلًا أو شمولًا كما قال الله في كتابه ﴿ولله المثل الأعلى﴾ النحل آية ٦٠.
قال العلامة السعدي في تفسيره لهذه الآية هو كل صفة كمال وكل كمال في الوجود، فالله أحق به من غير أن يستلزم ذلك نقصًا بوجه من الوجوه، وله المثل الأعلى في قلوب أوليائه وهو التعظيم والإجلال والمحبة والإنابة والمعرفة. (١)
وقد اجتهد أئمة السلف -﵏- في دفع الخطأ الناتج عن الاعتقاد الخاطئ في فهم الصفات الفعلية الاختيارية لله ﵎.
ولكن قبل عرض ردهم وتوضيحهم لابد من الرجوع لأصل المشكلة التي لأجلها قام الوهم من قبل الذين نفوا هذه الصفات الاختيارية.
وأساسها: بعد عصر الصحابة والتابعين ومجيء جهم بن صفوان وذلك عندما لقيه بعض عباد السُمنية (٢) ممن لا يؤمنون بالله فقالوا صف لنا ربك الذي تعبده فدخل البيت لا يخرج مدة ثم خرج وقال هو هذا الهواء مع كل شيء وفي كل شيء ولا يخلو منه شيء. (٣) وأما رواية الإمام أحمد انهم قالوا نكلمك فان ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا وان ظهرت حجتك علينا دخلنا دينك فكان مما كلموا به الجهم ان قالوا له:
هل رأيت إلهك أو سمعت كلامه أو شممت له رائحة أو وجدت له حسًا أو مجسًا وكل ذلك يقول لا.
_________________
(١) تفسير السعدي ٢/ ٩٣٣.
(٢) السمنية قوم من الدهرية من أهل الهند قالوا بقدم العالم وإبطال النظر والاستدلال، وقالوا بتناسخ الأرواح -الفرق بين الفرق للبغدادي - ٢٧٠.
(٣) الرد على الجهمية لابن أبي حاتم كما في الفتح ١٣/ ٢٩٥.
[ ١٨٦ ]
فقالوا فما يدريك أنه اله قال: فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يومًا ثم أنه استدرك حجة مثل حجج زنادقة النصارى الذين يزعمون أن الروح الذي في عيسى من ذات الله فإذا أراد أن يحدث أمرًا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه فيأمر بما يشاء وينهى عما يشاء وهو روح غائبة عن الأبصار ثم قال للسُمنى ألست تزعم أن فيك روحًا فقال جهم: هل رأيت روحك أو سمعت كلامه أو وجدت له حسًا وكل ذلك يقول: لا
فقال جهم: فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان
قال الإمام أحمد: فبنى أصل كلامه على تأول هذه الآيات ﴿ليس كمثله شيء﴾ و﴿وهو الله في السموات والأرض﴾ الأنعام ٣ و﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ الأنعام ١٠٣ وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله فقد كفر وكان من المشبهة (١)
فالجهم أصل اصلًا في إثبات وجود الله وهو الذي عرف بعد بدليل حدوث الأجسام، فالأجسام حادثة لأنها لا تخلو من الحوادث والأعراض أو أنها مستلزمة للأعراض فصار ما لا يخل من الحوادث فهو حادث فالعالم حادث وبه يعرف إثبات الصانع فما قامت به الصفات قامت به الأعراض وما قامت به الأعراض فهو حادث فنفى الجهمية والمعتزلة ات قامت به الاعراض وما قامت به الاعراض فهو حادث فنفى الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم الصفات أو بعضها على أصل جهم هذا ثم ان من اراد اثبات صفة فأنه يثبتها لجوازها عقلًا! فمن اثبت ثلاث صفات ثم من زاد عقله فاثبت سبعًا ثم من اثبت اكثر من ذلك ولايسمونها أعراضًا
_________________
(١) الرد على الجهمية للامام احمد ص ١٠٢، ١٠٤ بتصرف يسير
[ ١٨٧ ]
ولكن حين جاء ذكر الصفات الاختيارية سموّها حوادث فوجب نفيها عندهم على هذا الأصل.
وهذا الدليل باطل، من وجوه
الأول: طوله الذي يجعل العامي لا يستطيع فهمه حتى يتم لأجله ايمأنه
الثاني: أنه دليل متبوع بعد عهد النبوة والصحابة لم يدع به النبي - ﷺ - الناس ولا صحابته من بعده
الثالث: اللوازم الفاسدة على هذا الدليل من نفي صفات الله ونفي قدرته على الفعل والقول بأنه فعل بعد ان كان الفعل ممتنعًا عليه
الرابع: هذا الدليل الذي ارتضاه المتكلمون أوجب تسلط الفلاسفة عليهم في مسألة حدوث العالم (١)
والقول بنفي الصفات خوفًا من حلول الحوادث من قبل المتكلمين وانكروها بلسانهم ان الحوادث لا تقوم بالله - حسب فهمهم وان كنا لا نوافق على هذا الاطلاق - إلاّ انهم يقولون به كما نقل ذلك الرازي في (الأربعين في اصول الدين) فبين أن الجبائي وابنه من المعتزلة قالوا بارادة حادثة لا في محل وابو الحسين البصري يثبت في ذاته تعالى علومًا متجددة بحسب تجدد المعلومات
والاشعرية يثبتون نسخ الحكم ويثبتون للعلم والقدرة تعلقات حادثة
_________________
(١) انظر في ادلة الموجبين والمانعين / موقف ابن تيمية من الاشاعرة للمحمود ٣/ ٩٨٤
[ ١٨٨ ]
والفلاسفة يقولون بان الاضافات وهي القبلية والبعدية موجودة في الاعيان فيكون الله مع كل حادث ثم قال: وذلك الوصف الاضافي حدث في ذاته (١)
وقد نبه الإمام الطحاوي في عقيدته المختصرة إلى ان الله يوصف بصفاته التي لا يلزم من الوصف بها تجدد الحوادث أو قدم الصفة
فقال: ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه لم يزد بكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفته وكما كان بصفاته أزليًا كذلك لا يزال عليها أبديًا.
قال ابن ابي العز ﵀ مبينًا كلام الإمام الطحاوي: أي أن الله لم يزل متصفًا بصفات الكمال صفات الذات وصفات الفعل ولا يجوز ان يعتقد ان الله وصف بصفة بعد ان لم يكن متصفًا بها لان صفاته سبحانه صفات كمال وفقدها صفة نقص
ولا يجوز ان يكون حصل له الكمال بعد ان كان متصفًا بضده ولا يرد على هذا صفات الفعل والصفات الاختيارية ونحوها كالخلق والتصوير والاحياء والاماتة والقبض والبسط والطي والاستواء والاتيان والمجيء والنزول والغضب والرضا ونحو ذلك مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ولا ندخل في ذلك بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا ولكن اصلُ معناه معلوم لنا كما قال مالك في الاستواء (٢)
وغالب ما يوقع في مثل هذه المسائل هذه الالفاظ المجملة المحدثة واعني بها (لول الحوادث) فهذه لم يرد فيها نفيٌ ولا اثبات في الكتاب والسنة ويلاحظ انها لفظ مجمل لازمه هو المحذور فمن يريد باطلاقها ان الله ﵎ لا يحل في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته
_________________
(١) الاربعين للرازي ص ١١٨
(٢) شرح العقيدة الطحاوية ص ٩٦ بتصرف
[ ١٨٩ ]
المحدثة أو بعبارة اخرى لا يتجدد له وصف لم يكن فنفي حلول الحوادث بهذا المفهوم صحيح من لوازم التنزيه لله ﵎ ولكن ان اريد باطلاقه نفي الصفات الاختيارية
أعني أنه لا يفعل ما يريد فلا يتكلم إذا شاء وأنه لا يغضب ولا يرضى مع نفي التشبيه ولا ينزل ولا يستوي كما وصف نفسه ولاق بجلاله فهذا نفي باطل لا يسلم لقائله
وقد بين الإمام البخاري ﵀ هذا الأمر بايسر عبارة
وواضح دليل لمن تأمل فقال ﵀:
باب قول الله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ الرحمن ٢٩
و﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ الأنبياء ٢ وقوله تعالى ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ الطلاق ١
ثم اتى بالقول الفصل في هذه المسألة فقال: وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى ١١
ساق البخاري هذا الباب وهو مهم بالنسبة لافعال الله ﷿ لاثبات ان لله صفات هي افعال يفعلها متى شاء ويصح ان نطلق عليها حادثة لكنها ليست كحدوث المخلوقين التي قد يعتريها العجز وقد يعتريها الخفاء وما اشبه ذلك من نواقص حوادث المخلوقين
وقال د. الغنيمان يريد بهذا بيان ان الله تعالى يحدث ما يريد احداثه في أى وقت اراد وان احداثه ذلك من افعاله التي هو اوصاف له (١)
وقد نبه البخاري ﵀ في اكثر من موضع على هذه المسألة فأشار إلى مسألة انكار افعال الله من القول والفعل مما له تعلق بمشيئة الله وارادته وقدرته مما انكرته الجهمية ومن تبعهم فقال [باب ما جاء في تخليق السموات والارض وغيرها من الخلائق وهو فعل الرب ﵎ وأمره
فالرب بصفاته وفعله وامره وهو الخالق المكون غير مخلوق وما كان بفعله وامره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون]
ثم قال أيضًا [سورة باب قول الله تعالى، ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلاّ لمن اذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾ سبأ ٢٣ ولم يقولوا ماذا خلق ربكم]
فالله ﵎ يحدث من امره ما يشاء من القول والأمر والفعل وكما أنه ليس له مثل في ذاته كذلك ليس له في افعاله) والآيات التي استشهد بها البخاري ﵀ من قوله تعالى ﴿كل يوم هو في شأن﴾ الرحمن ٢٩ قال عنها رسول الله - ﷺ - حين سأله اصحابه ما ذاك الشأن قال ﵊ " أن يغفر ذنبًا ويفرج كربًا ويرفع قومًا ويضع آخرين " (٢)
ونقل مثل ذلك الإمام البغوي قول عامة المفسرين عن هذه الآية فقال: قال المفسرون: من شأنه ان يحي ويميت ويرزق ويعز قومًا ويذلك قومًا ويشفي مريضًا ويفك عانيًا ويفرج
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد للغنيمان ٢/ ٥٠٦
(٢) رواه البخاري تعليقًا عن ابي الدرداء في تفسير سورة الرحمن جازمًا به ووصله ابن حجر ١٣/ ٥٠٧ ورواه ابن حبان مرفوعًا وابن ماجة ١/ ٧٣ حديث ٢٠٢ وسنده حسن
[ ١٩٠ ]
مكروبًا ويجيب داعيًا ويعطي سائلًا ويغفر ذنبًا إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء (١)
ثم استشهد ﵀ بقوله تعالى ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ الأنبياء ٢، قال الداودي ﵀ في بيان مراد البخاري: الذكر في الآية هو القرآن وهو محدث عندنا وهو من صفاته تعالى ولم يزل سبحانه بجميع صفاته (٢)
وقد نقل الحافظ عن الداودي (٣) ﵀ ما يؤيد قوله هذا في شرح قول عائشة " ولساني في نفسي كان أحقر من ان يتكلم الله في بأمرٍ يتلى)
قال: فيه ان الله تكلم ببراءة عائشة حين انزل براءتها بخلاف قول بعض الناس أنه لم يتكلم (٤)
اراد الرد على من يقول ان الله إذا تكلم فيكون كلامه حادثٌ فتحل فيه الحوادث على مايفهمه من يقول بذلك
قال ابن كثير " محدث " أى جديد انزاله ثم استشهد باثر ابن عباس الذي ساقه البخاري بنحوه " كيف تسألون اهل الكتاب عما بأيديهم وقد حرقوه وبدلوه وزادوا فيه ونقصوا منه وكتابكم احدث الكتب بالله تقرؤنه محضًا لم يشب (٥)
ثم قال البخاري ﵀ وقوله تعالى: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾
وهذه الآية معلوم انها في المطلقة التي لها عدة تعدها ولم تبن فأمر الله ﵎ ان تعتد في بيت زوجها من غير ان تخرج منه إلاّ أن تأتي بفاحشة وعلل ذلك بقوله تعالى: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ الطلاق ١
قال ابن جرير " لا تدري ما الذي يحدث لعل الله يحدث بعد طلاقكم اياهن رجعة " (٦)
يحدث للزوجين حالًا غير ما كانا عليه وقت الطلاق فقد تتبدل الكراهية رغبة والبعد قربا ويحصل الندم منهما فيحدث الرجوع بينهما فمقصود البخاري من هاتين الآيتين ان الله تعالى يتكلم بعد ان لم يكن تكلم بذلك الكلام بعينه ويأمر وينهى بعد ان لم يكن امر بذلك المأمور وذلك المنهي بعينه لمن وجه اليه الأمر والنهي (٧)
وفسر شيخ الاسلام الذكر بان منه محدث ومنه غير محدث لان النكرة إذا وصفت ميز بها بين الموصوف وغيره مفسرًا لقوله تعالى: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ الأنبياء ٢ وبقوله ﴿وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث﴾ الشعراء ٥ في الآيتين ليس هو المخلوق الذي يقوله الجهمية ولكن الذي انزل جديدًا فان الله ينزل من القرآن شيئا بعد شيء فالمنزل أولًا قديم بالنسبة إلى المنزل آخرا
_________________
(١) تفسير البغوي ٧/ ٤٤٦
(٢) الفتح ١٣/ ٥٠٧
(٣) محمد بن علي بن أحمد المالكي شيح أهل الحديث في عصره، مصري من تلاميذ السيوطي، له طبقات المفسرين، (ت ٩٤٥ هـ) الأعلام (٦/ ٢٩١).
(٤) الفتح ١٣/ ٥٠٧
(٥) تفسير ابن كثير ٣/ ٢٧٧
(٦) تفسير الطبري ١٢/ ٨٧
(٧) شرح كتاب التوحيد للغنيمان ٢/ ٥٠٨
[ ١٩١ ]
وكل ماتقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب كما قال تعالى ﴿كالعرجون القديم﴾ يس ٢٩ وقال ﴿تالله إنك لفي ضلالك القديم﴾ (١) يوسف ٩٥
ومن قامت لديه شبهة في مسألة حلول الحوادث فان الإمام البخاري جلاها بوضوح إذ ان من يمنع حلول الحوادث قد ارتبط بذهنه قياس الشاهد على الغائب فقال ان الحوادث لا تقوم إلاّ بحادث فقاس على ما يراه فقال البخاري " وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى ١١
فكما أنه ﵎ لا مثل له في ذاته فكذلك لا مثل له في افعاله واوصافه واحداثه التي يحدثها مما يتعلق بمشيئته وهي افعاله.
ويتساءل العلامة ابن عثيمين عن أصل المسألة: من أين أتى القائلون بأن من قامت به الحوادث فهو حادث، فلا كتاب ولا سنة ولا عقل يدل عليها قال: فنحن نشاهد الآن بانفسنا أنه تحصل حوادث لنا في هذا اليوم غير ما حصل باليوم الذي قبله وهل يلزم إذا قامت بنا الحوادث ان تكون موجودة بوجودنا؟ لا يلزم فالحوادث تتجدد من الحادث ومن غير الحادث بل ان قيام الحوادث به دليل على كماله وأنه يفعل ما يشاء متى ما شاء ولو قلنا أنه لا يستطيع ان يفعل لكان في هذا نقص والله تعالى فعال لما يريد، واستدل بقوله تعالى ﴿ولو شاء الله ما قتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾ البقرة ٢٥٣ فالاقتتال من حادث لا شك وهو من فعل الله أي من تقديره أن يفعل وهذا صريح في قيام الافعال الحادثة به (٢)
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد للغنيمان ٢/ ٥١١
(٢) شرح كتاب التوحيد لابن عثيمين ١٩٢، ١٩٣ بتصرف
[ ١٩٢ ]
ثم استشهد البخاري ﵀ بحديث ابن مسعود وعلى رسوله - ﷺ - " ان الله يحدث من أمره ما يشاء وان مما أحدث ان لا تكلموا في الصلاة "
ذلك ان ابن مسعود قدم على رسول الله - ﷺ - وهو يصلي وسلم عليه وكانوا يفعلون ذلك - فلم يرد ﵇ فلما فرغ الرسول - ﷺ - قال لابن مسعود ما قال: ودلالة الحديث واضحة ومطابقة الحديث للترجمة والآيات فقوله - ﷺ - ﴿ان الله يحدث من أمره﴾ موافق لقوله تعالى ﴿وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ الأنبياء ٢
قال ابن رجب ﵀ في شرحه لصحيح البخاري: وقوله " ان الله احدث ان لا تكلموا في الصلاة " اشارة إلى أنه شرع بعد ان لم يكن شرّعه ومنعه بعد أن لم يكن قد منعه (١) ومثله الروايتان عن ابن عباس " كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي انزله الله على نبيكم احدث الأخبار بالله محضًا لم يشب وفي الرواية الاخرى أقرب الكتب عهدًا بالله. فالمعنى أنه آخر الكتب واحدثها بالله واقربها عهدًا به وهذا موضع الشاهد من الباب، وهذا الباب فصل في ما سيأتي من أبواب فيها الكلام على بقية الصفات الاختيارية إذ سيكون ايرادها على وجه الاختصار خاصة ما دخلت تحت جنس واحد في الكلام، ومابقي من مسائل جرى فيها الخلاف سأعرض له في مسألة الكلام ان شاء الله إذ أطال فيها الإمام البخاري (٢)
_________________
(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن رجب ٩/ ٢٩١
(٢) يلاحظ في هذه المسألة - أكثر من غيرها - وضوح مخالفة شراح البخاري المتقدمين عن مقصود البخاري إذ غالب أقوالهم في نفي الصفات الاختيارية أو تأويلها انظر الفتح ١٣/ ٥٠٦، ٥٠٧
[ ١٩٣ ]
المبحث الثاني: ما ورد في الاستواء على العرش
لما كان من الجهمية ومن تبعهم يزعمون ان الله في كل مكان وانكروا ان يكون فوق عرشه (١) كما اخبر عن نفسه فقال ﴿ثم استوى على العرش﴾ الحديد ٤ ظنوا ان في اثبات استواءه على العرش تشبيهًا له بخلقه وهو يقول ﴿قل أأنتم أعلم أم الله﴾ البقرة ١٤٠
وعلّة الجهمية هي علّة كل من لم يفرق الله عن المخلوق فيتوهمون باوهامهم وخيالاتهم أنه إذا كان فوق العرش كان محتاجًا اليه كما يحتاج الملك إلى كرسيه وكذلك من توهم ان استواءه مثل استواء خلقه باطل بل هو مستغن عن كل ما سواه ﷾ ولم يتوهم ذلك الصحابة وهم يسمعون ذلك من رسول الله - ﷺ - بل آمنوا بعلوه علوًا يليق به من غير ان يفتقر إلى شيء من مخلوقاته ﵎.
قال شيخ الاسلام " وهو سبحانه حامل بقدرته للعرش وحملة العرش فانما أطاقوا حمل العرش بقوته تعالى والله إذا جعل في مخلوق قوة أطاق حمل العرش ما شاء ان يحمله من عظمته وغيرها فهو بقوته الحامل للحامل والمحمول فكيف يكون مفتقرًا إلى شيء (٢)
وقد ذكر العرش في القرآن الكريم في احدى وعشرين آية من كتاب الله ذكر الله الاستواء في سبع آيات منها وقد مجد الله ﵎ نفسه وأنه ذو العرش فاضافة له اضافة تعظيم وتمجيد واختصاص فقال: ﴿فسبحان الله رب العرش عما يصفون﴾ الأنبياء ٢٢ وقال ﴿
_________________
(١) ذكر قولهم في كتاب العرش لابن ابي شيبة وغيره وانظر مختصر العلو للذهبي ص ٢٢٠
(٢) درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٧/ ٢٠
[ ١٩٤ ]
الله لا اله إلاّ هو رب العرش العظيم﴾ النمل ٢٦ وقوله ﴿فتعالى الله الملك الحق لا اله إلاّ هو رب العرش الكريم﴾ المؤمنون ١١٦.
وقد جاء زيادة في وصف العرش في السنة المطهرة فهو أعلى المخلوقات وأعظمها وله قوائم وله حملة قال ﵊ " إذا سألتم الله ﷿ فسألوه الفردوس فأنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة " كما رواه البخاري وقال - ﷺ - في حديث أبي مسعود " ما بين سماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماء ين خمسمائة عام وبين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام والعرش على الماء والله على العرش يعلم ما انتم عليه " (١)
ووصفه الله ﵎ بأنه كريم: أى حسن المنظر بهي الشكل فقال: فتعالى الله الملك الحق لا اله إلاّ هو رب العرش الكريم) ١١٦ المؤمنون
قال البغوي: يعني السرير الحسن وقيل المرتفع (٢)
ووصفه بأنه واسع عظيم في قوله ﴿ذو العرش المجيد﴾ البروج ١٥ والمجد الاتساع وعظم القدر (٣)
_________________
(١) اخرجه ابن خزيمة في التوحيد ١/ ٢٤٢ واللالكائي في شرح السنة ٣/ ٣٩٦ والدارمي في رده على الجهمية رقم ٨١ - ص ٤٦ وحسنه المحقق الشيخ بدر البدر
(٢) تفسير البغوي ٥/ ٤٣٣
(٣) (المجيد) قراءتان: الرفع صفة للرب ﷿. والجر صفة للعرش وكلاهما صحيح انظر تفسير ابن كثير ٤/ ٤٩٦
[ ١٩٥ ]
وان للعرش قوائم كما في حديث ابي سعيد الخدري عن النبي - ﷺ - وفيه: الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا بموسى آخذٌ بقائمة من قوائم العرش فلا ادري افاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور) وفي رواية (آخذ بجانب العرش " كما في البخاري.
وان للعرش زنة عظيمة كما في حديث ام المؤمنين جويرية قال: لقد قلت بعدك كلمات لو وزنت بما قلته لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه سبحان الله رضى نفسه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله مداد كلماته " (١)
وهنا نعلم ان زنة العرش أثقل الأوزان كما ان عدد الخلق أكثر الأعداد.
ووصف لنا العرش ان له حملة من الملائكة يسبحون الله ويكبرونه ولا يستكبرون عن عبادته بل يستغفرون للذين آمنوا، قال الله فيهم ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم﴾ غافر ٧ وأعلمنا سبحانه ان حملة عرشه يوم القيامة ثمانية كما قال: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية﴾ الحاقة ١٧ وهؤلاء الملائكة قد أخبرنا نبينا ﵊ بصفة واحدٍ منهم وعظم خلقه فقال: " أذن لي أن احدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام " (٢)
وقد انكر العرش كما سبق الجهمية، قال الإمام الدارمي في رده على الجهمية باب الايمان بالعرش وهو احد ما انكرته المعطلة ثم قال: وما ظننا أن نضطر إلى الاحتجاج على احد ممن يدعي الاسلام في اثبات العرش والايمان به حتى ابتلينا بهذه العصابة الملحدة في آيات الله
_________________
(١) رواه مسلم رقم ٢٧٢٦
(٢) اخرجه ابو داود رقم ٤٧٢٧ وهو صحيح انظر الصحيحة للالباني رقم ١٥١
[ ١٩٦ ]
فشغلونا بالاحتجاج لما لم تختلف فيه الامم قبلنا وإلى الله نشكو ما اوهمت هذه العصابة من عرى الاسلام واليه نلجأ وبه نستعين. ثم ساق أدلة العرش وذكر مناقشته لرجل منهم قال أنه يؤمن بالعرش لأنه مذكور في القرآن فالزمه ﵀ بقوله اتقرون ان لله عرشًا معلومًا موصوفًا فوق السماء السابعة تحمله الملائكة والله فوق كما وصف نفسه بائن من خلقه؟ فأبى ان يقربه كذلك وتردد في الجواب وخلط ولم يصرح ثم قال ﵀: فقال لي زعيم منهم كبير لا ولكن لما خلق الله الخلق يعني السموات والارض وما فيهن سمىّ ذلك كله عرشًا له واستوى على جميع ذلك كله (١)
وقد جاء على لسان صحابة رسول الله ايمان بالعرش وان الله مستو عليه بكل تسليم، قال الصحابي عبد الله بن رواحة: "
وان العرش فوق الماء طافٍ: . وفوق العرش رب العالمين
وتحمله ملائكة شداد.: . ملائكة الإله مسومينا (٢)
وهكذا سلف الامة نظروا في هذه النصوص فآمنوا بها ولم يؤلوها ولم ينكروها. قال الإمام أحمد " ولله ﷿ عرش وللعرش حملة يحملونه والله ﷿ على عرشه (٣)
ومثله ابن ابي زمنين (٤): قال: ومن قول اهل السنة ان الله ﷿ خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق ثم استوى عليه كيف شاء (٥)
_________________
(١) الرد على الجهمية للدارمي ص ٢٦٣، ٢٦٤ باختصار
(٢) سير اعلام النبلاء للذهبي ١/ ٢٣٨
(٣) طبقات الحنابلة ١/ ٢٩
(٤) محمد بن عبدالله بن عيسى المري، فقيه مالكي من الوعاظ الأدباء، له كتب كثيرة في السنة وتفسير القرآن (ت ٣٩٩ هـ) الأعلام (٦/ ٢٢٧).
(٥) الفتاوى لابن تيمية ٥/ ٥٤
[ ١٩٧ ]
وذكر ذلك الإمام الطحاوي في عقيدته " وهو مستغن عن العرش وما دونه " وفسر كلامه الشارح احسن تفسير فقال: ذكر بعد ذلك غناه سبحانه عن العرش وما دون العرش ليبين أن خلقه للعرش لاستواءه عليه ليس لحاجته اليه بل له في ذلك حكمة اقتضته (١)
قال الذهبي مبينًا كيف اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ ﵁ كما في الحديث الصحيح في مسند أحمد. " والعرش خلق لله مسخر إذا شاء ان يهتز اهتز بمشيئة الله وجعل فيه شعورًا لحب سعد كما جعل تعالى شعورًا في جبل احد بحبه النبي - ﷺ - ثم قال: وهذ باب واسع سبيله الايمان (٢)، وأما من كان سبيله التأويل للعرش كما عند المعتزلة فقد قالوا: أنه يراد به (معنى الملك) كما قال عبد الجبار وقال ان ذلك ظاهر اللغة يقال: مثل عرش بني فلان أي زال ملكهم (٣) وقد رد كلامه أئمة السلف: من أن العرش سرير الملك كما قال الله عن بلقيس ﴿ولها عرش عظيم﴾ النمل ٢٣.
قال البيهقي ﵀: وأقاويل اهل التفسير على أن العرش هو السرير وأنه جسم مجسم (٤) وقال ابن ابي العز " وأما من حرف كلام الله وجعل العرش عبارة عن الملك فكيف يصنع بقوله تعالى ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية﴾ وقوله ﴿وكان عرشه على الماء﴾ هود ٧ ويكون موسى ﵇ آخذ بقائمة من قوائم الملك هل يقول هذا عاقل يدري ما يقول. (٥)
_________________
(١) شرح الطحاوية ص ٣٧٢
(٢) سير اعلام النبلاء ١/ ٢٩٧
(٣) شرح الاصول الخمسة ص ٢٢٦
(٤) الاسماء والصفات ٤٩٧
(٥) شرح الطحاوية ص ٣٦٦
[ ١٩٨ ]
ولعظم هذه المسألة عند السلف افردوها بالتأليف كما فعل الإمام ابي عبيدة معمر بن المثنى في كتابه فضائل العرش، والعرش وما روي فيه للحافظ ابن ابي شيبة صاحب المصنف والرسالة العرشية لابن تيمية وغيرهم ﵏.
وفي هذا الدرب سار الإمام البخاري ﵀ في صحيحه فبوب بذكر العرش بقوله تعالى: ﴿وكان عرشه على الماء﴾ هود ٤، وقوله ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ التوبة ١٢٩ ثم بين الفرق ﵀ بين استوى إلى السماء واستوى على العرش وأورد قول ابي العالية ﵀ (استوى إلى السماء) ارتفع ثم (سواهن) خلقهن ثم نقل قول مجاهد في الاستواء على العرش ان (استوى) علا (على العرش) وقول ابن عباس في معنى (المجيد) أي الكريم و(الودود) أي الحبيب قال: كأنه فعيل من ماجد ومحمود من حميد
قال ابن المنير: نبه البخاري هنا على مسألة لطيفة وهي ان المجيد على قراءة الكسر لا يتخيل انها صفة العرش وأنه بذلك قديم بل هي صفة الحق بدليل قراءة الرفع وبدليل اقترانها بالودود وهي صفة الحق فيكون بالكسر على الجوار حينئذٍ (١)
قال الحافظ بعد نقله لكلام ابن المنير: وهو يؤيد انها عند البخاري صفة لله تعالى ما اردفه به وهو يقال حميد مجيد. . الخ (٢) ثم ساق ﵀ احاديث الباب لبيان العرش فبدأ بحديث عمران بن حصين لما جاءه بنو تميم واهل اليمن وفيه [كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والارض وكتب في الذكر كل شيء] واراد به ﵀ الاخبار بكون العرش على الماء عند ابتداء خلق السموات والارض، قال ابن خزيمة ﵀ (
_________________
(١) المتواري على تراجم البخاري ص ٤٢٢
(٢) الفتح ١٣/ ٤١٩
[ ١٩٩ ]
معنى قوله وكان عرشه على الماء كقوله وكان الله عليا حكيما) (١) يعني ان كان هنا لا تدل على أن ذلك امر قد مضى وانقضى بل تدل على ثبوته فهو كان ولا يزال على ما كان وليس معنى ذلك ان شيئا من مفعولاته قديم معه بل هو خالق كل شيء وكل شيء سواه مخلوق له وكل مخلوق محدث كائن بعد ان لم يكن مع أنه تعالى لم يزل بصفاته خالقًا فعالًا لما يريد (٢)
والبخاري أورد هذا الحديث للدلالة على عظم العرش وان له شأنًا غير السموات والارض وان وجوده قبل وجودهما، ومثل هذا الحديث الذي رواه ابو هريرة وفيه (وعرشه على الماء) فالعرش والماء سابق على وجود السموات والارض بزمن لا يعلم مقداره إلاّ الله.
ثم أورد حديث افتخار أم المؤمنين زينب على ازواج رسول الله - ﷺ - تقول " زوجكن اهاليكن وزوجني الله - تعالى - من فوق سبع سموات) وهذا بيان ان العرش فوق السموات فيكون الله فوق السموات لأنه سبحانه فوق العرش (٣)
والرواية الاخرى (ان الله انكحني في السماء) مثل سابقتها بالمعنى إذ هو في جهة العلو سبحانه علو ذات وعلو صفات، ثم أورد حديث ابي هريرة وفيه (ان الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه ان رحمتي سبقت غضبي) فهنا ظرفان مختصان بالمكان وقد اضيفا إلى الله تعالى فلا بد ان هذه الاضافة تقتضي تخصيصًا للعرش على غيره من السموات والارض وقد تكلف في هذا الحديث تأويلًا له ما ليس لنا به حاجة إذا آمنا أنه على الحقيقة وأوكلنا علم كيفيته إلى الله (٤)
_________________
(١) التوحيد ١/ ٢٣٨
(٢) شرح كتاب التوحيد للغنيمان ١/ ٣٨٤
(٣) شرح كتاب التوحيد لابن عثيمين ص ١٠٩
(٤) انظر مانقله الحافظ ﵀ عن الخطابي في الفتح ١٣/ ٤٢٤ وتكلف التأويل هناك
[ ٢٠٠ ]
ثم حديث ابي هريرة ﵁ وفيه [فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فأنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة] وقد ساق البخاري لبيان أن أعلى مخلوق هو العرش وليس فوق العرش مخلوق ولكن الرحمن جل وعلا فوقه
كما قال ابن خزيمة (فالخبر يصرح ان عرش ربنا فوق جنته) وقد أعلمنا أنه مستو على عرشه الذي هو فوق جنته (١)
ثم حديث ابي ذر ﵁ قال - ﷺ -: بعد ان غربت الشمس أتدري أين تذهب هذه قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب تستأذن في السجود فيؤذن لها وكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها ثم قرأ ﴿ذلك مستقرٌ لها﴾ في قراءة عبد الله ابن مسعود.
وكعادة البخاري في ايراد الحديث ثم لا يكون فيه موضع الشاهد لأنه ذكره في مكان آخر أو ورد في حديث ليس على شرطه، وفي هذا شحذ لطالب العلم للبحث عنه.
وقد جاء الشاهد عند البخاري في بدء الخلق وفي تفسير سورة يس وفيه (فانها تذهب حتى تسجد تحت العرش) وفي رواية مسلم [قال مستقرها تحت العرش] (٢) ومعلوم أن أعلا ما تكون فيه الشمس تكون أقرب ما تكون إلى العرش وفيه دليل على علو العرش وأنه مخلوق إذ له فوق وتحت وهي صفة المخلوقات (٣) وأما سجودها فانها تسجد كل ليلة على جانب من الارض مع سيرها وفي مكان معين يحصل سجودها الذي لاندركه ولكن علمناه بالوحي سجود حقيقي يناسبها كما هو ظاهر الحديث
_________________
(١) التوحيد لابن خزيمة ١/ ٢٤٢
(٢) صحيح مسلم ١/ ٣٩
(٣) الفتح ١/ ٤٢٥
[ ٢٠١ ]
ومن يتوهم في كيفية السجود أو مكأنه فانما يقع في المحذور الذي يقع فيه كل من قاس بمقاييس البشر وصفات البشر ثم أورد أثر زيد بن ثابت ﵁ في جمع القرآن قال فتتبعت القرآن حتى وجدت آخر سورة التوبة مع ابي خزيمة الانصاري ﵁ لم أجدها مع أحد غيره ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ حتى آخر براءة] وأورد البخاري لموضع الشاهد من آخر الآيات وهو قوله ﴿فإن تولوا فقل حسبي الله لا اله إلاّ هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾ قال الحافظ: وصف العرش ان له ربًا فهو مربوب وكل مربوب مخلوق (١) وانما عني بوصفه - جل ثناؤه أنه رب العرش العظيم - الخبر عن جميع ما دونه انهم عبيده وفي ملكه وسلطأنه لأان العرش العظيم انما يكون للملوك فوصف نفسه أنه ذو العرش دون سائر خلقه وأنه المالك العظيم دون غيره وأن من دونه في سلطأنه وملكه جار عليه حكمه وقضاؤه (٢)
وهكذا ﵀ يورد حديث ابن عباس في هديه - ﷺ - في دعاء الكرب وفيه (رب العرش العظيم ورب العرش الكريم) قال الكرماني " وصف العرش بالعظمة هو من جهة الكمية وبالكرم أي الحسن من جهة الكيفية فهو ممدوح ذاتًا وصفة وخص بالذكر لأنه أعظم أجسام العالم فيدخل الجميع تحته دخول الأدنى تحت الأعلى (٣)
ثم يورد وصف العرش بان له قوائم بحديث ابي سعيد الخدري " فإذا انا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش " فتبين أن البخاري ﵀ وافق السلف الصالح في اثبات العرش وان الله استوى عليه وأن العرش فوق جميع المخلوقات وله حملة وله قوائم وهو سقف الفردوس وأنه
_________________
(١) الفتح ١٣/ ٤٢٥
(٢) تفسير الطبري ١١/ ٧٨
(٣) شرح الكرماني للبخاري ٢١/ ١٤٩
[ ٢٠٢ ]
من أول المخلوقات المعلومة لنا إذ هو على الماء قبل ان يخلق السموات والارض خلافًا لما قالته الجهمية ومن تبعهم.
وقد اطلنا الكلام هنا لاطالة البخاري في بيان عظمة العرش الذي أورد في أوله أنه سبحانه استوى عليه استواء يليق بجلاله كما ذكر في كتابه خلق افعال العباد وقال: حدثت عن يزيد بن هارون (١) قال: من زعم ان الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب العامه فهو جهمي " (٢) فالاستواء لم يظهر إنكاره إلاّ في أوائل القرن الثاني كما قدمنا على يد الجعد بن درهم ثم تبعه من اوله حتى لا يشابه به المخلوقين فقال استولى على العرش بدلًا من استوى. ولهذا أورد البخاري قول التابعي الجليل ابو العالية (٣): استوى ارتفع وقول مجاهد استوى علا. والاستواء له عدة معانٍ فهو إما مطلق أو مقيد:
فالمطلق: مالم يوصل معناه بحرف مثل قوله ﴿ولما بلغ اشده واستوى﴾ القصص ١٤ فهذا معناه كمل وتم كقولنا استوى الطعام وأما المقيد: فثلاثة اضرب
الأول: إما مقيد (بإلى) كقوله تعالى ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ فصلت ١١، واستوى فلان على السطح وإلى الغرفة وقد ذكر سبحانه هذا المعدى بإلى في موضعين في سورة البقرة في قوله تعالى ﴿هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعًا ثم استوى إلى السماء﴾ البقرة ٢٩.
_________________
(١) يزيد بن هارون السُّلمي من حفاظ الحديث الثقات - قال المأمون: لولا مكانة يزيد لأظهرت أن القرآن مخلوق، (ت ٢٠٦ هـ) الأعلام (٨/ ١٩٠).
(٢) خلق افعال العباد ص ١٢٧ ضمن مجموعة عقائد السلف
(٣) رفيع بن مهران، الإمام الحافظ المفسر الرياحي أحد الأعلام أدرك زمان النبي ﷺ وهو شاب ثم أسلم في خلافة أبي بكر سمع من عمر وعلي وابوذر وعائشة وحفظ القرآن على أُبي بن كعب، وهو أعلم الناس بالقرآن بعد الصحابة، (ت ٩٣ هـ) سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٠٧).
[ ٢٠٣ ]
وفي سورة فصلت ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ فصلت ١١، وهذا بمعنى العلو والارتفاع باجماع السلف.
الثاني: مقيد بعلى كقوله تعالى ﴿لتستووا على ظهوره﴾ الزخرف ١٣
وقوله ﴿واستوت على الجودي﴾ هود ٤٤ وقوله ﴿فاستوى على سوقه﴾ الفتح ٢٩ وهذا معناه العلو والارتفاع والاعتدال باجماع اهل اللغة.
الثالث: المقرون بواو مع التي تعدى الفعل إلى المفعول معه نحو: استوى الماء والخشبة بمعنى ساواها. وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلام العرب ليس فيها معنى استولى البتة ولا نقله احد من أئمة اللغة الذين يعتمد قولهم، وقد ابطل قولهم العلامة ابن القيم من اثنين واربعين وجهًا (١)
ومعلوم ان استواء الله على عرشه في القرآن الكريم جاء مقيدًا (بعلى) فلا يصح إلاّ ان يكون على معنى العلو والارتفاع.
وقد حاول اهل التأويل ايجاد مخارج للفظ استوى بمعنى استولى فقد سألوا ابن الاعرابي (٢) عن ذلك فقال: " لا تعرف العرب ذلك كما نقل ذلك الحافظ عن ابو اسماعيل الهروي في كتابه (الفاروق) قال ابن خلف: كنا عند ابي عبد الله بن الاعرابي يعني يحيى بن زياد اللغوي فقال له رجل ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه ٥، فقال هو على العرش كما اخبر قال ابا عبد الله انما معناه استولى فقال اسكت لايقال استولى على شيء إلاّ ان يكون له مضاد
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك مع الردود في مختصر الصواعق ٢/ ٣٠٦ - ٣٢٢
(٢) محمد بن زياد إمام اللغة، عاصر الإمام أحمد، كان صاحب سنة وأتباع، (ت ٢٣١ هـ) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٨٧).
[ ٢٠٤ ]
والذي يدل على محاولات المعتزلة لذلك طريق هذه الرواية عن محمد بن احمد بن النضر الازدي قال: سمعت بن الاعرابي يقول: ارادني أحمد بن أبى داؤد أن أجد له في لغة العرب (الرحمن على العرش استوى) بمعنى استولى فقلت والله ما اصبت هذا (١)
لأنه لو كان بمعنى استولى لم يكن خاصًا بالعرش لأنه غالب على جميع المخلوقات، وقد ناقش المعتزلة وغيرهم الإمام الدارمي ورد شبههم بالتفصيل (٢)
ونختم هذا المبحث بالمقولة العلم والقول الأتم الذي صار قانونًا يحتذى ومثالًا يقتدى به في الصفات وهو قول إمام دار الهجرة مالك بن انس ﵀ لمّا سئل عن الاستواء قال له السائل: يا ابا عبد الله (الرحمن على العرش استوى) كيف استوى. قال: فما رأيت مالكًا وجد من شيء كموجدته من مقالته وعلاه الرحضاء - يعني العرق - قال واطرق القوم جعلوا ينظرون ما يأتي منه فيه قال: فسري عن مالك فقال: الكيف غير معقول والاستواء منه غير مجهول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة فاني اخاف ان تكون ضالًا وأمر به فاخرج (٣)
قال الدارمي: وصدق مالك لا يعقل منه كيف ولا يجهل منه الاستواء والقرآن ينطق ببعض ذلك في غير آية (٤)
_________________
(١) الفتح ١٣/ ٤١٧
(٢) الرد على المريسى للدارمي ص ٤٥٨ وما بعدها
(٣) هذه رواية اللالكائي بسنده انظر شرح السنة ٣/ ٤٤١
(٤) الرد على الجهمية ص ٥٦
[ ٢٠٥ ]
المبحث الثالث: ما ورد في العلو
علو الله ﵎ من الصفات الذاتية فالله ﵎ عالٍ على كل شيء علوًا شاملًا، وماذكرناه سابقًا من استواءه على العرش فهو علو خاص فالعلو من الصفات الذاتية من وجه والفعلية من وجه والأدلة عليه من الكتاب والسنة والعقل والفطرة وقد آمن بذلك الصحابة ولم يتوهموا ان الله متحيز في جهة ولا يلزم ذلك من كونه فوق ﵎ وتقدس وقد خالف في ذلك الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم فأولوا نصوص العلو وتكلفوا فيها إلى علو القدر والمكانة والفوقية بالقهر والقدرة (١)
والأدلة التي ساقها الإمام البخاري هي أدلة اهل السنة والجماعة من السلف الصالح فقال ﵀: باب قول الله ﴿تعرج الملائكة والروح اليه﴾ والعروج هو الصعود كما فسره (٢) البخاري في قوله تعالى ﴿من الله ذي المعارج﴾ يقال ذي المعارج الملائكة تعرج إلى الله وكذلك فسر ﵀ المعارج في سورة الزخرف ﴿لبيوتهم سقفًا من فضة ومعارج﴾ الزخرف ٣٣ قال وهي درجٌ فعروج الملائكة إلى فوق كما قال الراغب (العروج ذهاب إلى فوق) (٣)
ثم قال البخاري ﵀: وقوله تعالى ﴿اليه يصعد الكلم الطيب﴾ وساق اثر مجاهد ﵀ وهو: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب وقد وصله بالاسناد ابن جرير والبيهقي رحمهما الله. ولفظه عند ابن جرير: الكلام الطيب ذكر الله والعمل الصالح آداء فرائضه فمن ذكر الله
_________________
(١) انظر موقف المتكلمين من الاستدلال بالنصوص للغصن ٢/ ٥٣٠
(٢) ذكر ذلك في كتاب التفسير (الزخرف، المعارج)
(٣) المفردات للراغب الأصفهاني ص ٣٢٩
[ ٢٠٦ ]
في آداء فرائضه حمل عليه ذكر الله فصعد به إلى الله ومن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله فكان أولى به (١)، وهذا نص من الكتاب وغيره معه كما قال تعالى ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ النحل ٥٠
وقوله ﴿اني متوفيك ورافعك الي﴾ آل عمران ٥٥ وغيرها من الآيات.
ومن السنة النبوية المطهرة
أورد ﵀ حديث ابي هريرة المشابه لهذه الآيات وهو قوله: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر ثم يعرج الذين باتو فيكم) وهذا هو الشاهد عنده ﵀
قال الحافظ وقد تمسك بظواهر احاديث الباب من زعم ان الحق ﷾ في جهة العلو (٢) وظاهر سياق النصوص يدل على أن البخاري يقول بذلك كأن البخاري ﵀ يفسر تلك الآيات بهذا الحديث وقد خاطبهم الله الملائكة بدون واسطة إذ لو كان بوحي لم يكن هناك فرق بين كونهم في السماء أو في الارض
ومثله حديث ابي هريرة الآخر (من تصدق بعدل ثمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلاّ الطيب) ففيه معنى الفوقية وصعود الشيء اليه سبحانه
وهذا من البخاري ﵀ تنويع في الادلة إذ ساق بعده حديث الكرب الذي تقدم في ذكر العرش، وساقه هنا لان الله اخبرنا أنه مستو على العرش، والعرش سقف المخلوقات وليس فوقه مخلوق، ثم ساق حديث بعث علي بن ابي طالب إلى النبي - ﷺ - بزكاة من اليمن ولمّا قسمها بين أصحابه. . . وفيه (فقال يا محمد اتق الله فقال ﵊ فمن يطيع الله إذا
_________________
(١) تفسير ابن جرير ٢٢/ ١٢١ والاسماء والصفات للبيهقي ص ٤٢٦
(٢) الفتح ١٣/ ٤٢٧
[ ٢٠٧ ]
عصيته؟ فيأمنني على أهل الارض ولا تأمنونني) والشاهد في هذا الحديث في رواية اخرى تقدمت في باب المغازي من الصحيح كما هي عادة البخاري وهي (الاّ تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءًا) وهذا هو المقصود من الباب كما قال الحافظ ﵀ " وبهذا تظهر مناسبة هذا الحديث للترجمة لكنه جرى على عادته في إدخال الحديث في الباب للفظه تكون في بعض طرقه هي المناسبة لذلك الباب يشير إليها ويريد بذلك شحذ الأذهان والبعث على كثرة الاستحضار (١)
و(في) هنا بمعنى (على) كما قال البيهقي عن احمد بن إسحاق الضبعي كما في قوله تعالى: ﴿فسيحوا في الأرض﴾ التوبة ٢، أي على الأرض. (٢)
والسماء هي جهة العلو لا السماء التي تحت العرش
قال شيخ الإسلام " من توهم بان كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه فهو كاذب؛ إن نقله عن غيره؛ وضال إن اعتقده في ربه بل هو فوق كل شيء وهو مستغن عن كل شيء وكل شيء مفتقر إليه وهو الحامل للعرش ولحملة العرش بقوته وقدرته (٣)
ومثله قوله تعالى ﴿ء أمنتم من في السماء) الملك ١٦ فإن الجهمية ومن تبعهم يؤلونها إلى من في السماء ملكه وسلطأنه ونحو ذلك ومن نظر في هذه الآية ثم قارنها بأختها التي تشبهها في سورة الإسراء بان له من هو الذي في السماء. قال تعالى ﴿وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلاّ إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا﴾ الإسراء ٦٧، وهنا لا ريب أن الضمير عائد إلى الله ثم تتابع الآية ﴿أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو
_________________
(١) الفتح ١٣/ ٤٢٩
(٢) السماء والصفات للبيهقي ص ٤٢١
(٣) الفتاوى ٥/ ١٠٦
[ ٢٠٨ ]
يرسل عليكم حاصبًا﴾ الإسراء ٧٨، ولا يزال الضمير عائدًا على الله ففي آية الإسراء ﴿أفأمنتم أن يخسف. . . . . . أو يرسل﴾ وفي سورة الملك ﴿ء أمنتم من في السماء أن يخسف. . . . . . أم أمنتم من في السماء أن يرسل﴾ فالله هنا يخوفنا نفسه كما قال ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ أل عمران ٢٨، وهكذا فسرت الآيات بعضها.
وقال القرطبي (ء أمنتم عذاب من في السماء أن عصيتموه). (١)
ثم أورد حديث أبي ذر في الشمس وقوله عليه الصلاة السلام (ومستقرها تحت العرش)، وهو مثل الذي قبله في استواء الله على عرشه وان عرشه أعلى ما تصل إليه الشمس في أوجها تكون تحته والله فوق العرش كما أخبر سبحانه.
وهذه الأدلة التي ساقها البخاري كتابًا وسنةً وعقلًا يفهم من النصوص أضاف إليها ﵀ دلالة الفطرة على علو الله ﵎.
فأورد أثر أبي ذرٍ لما بعث أخاه إلى مكة يستطلع له خبر الرسول - ﷺ - زمن بعثته فقال لأخيه: إعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء) ومعلوم أن الخبر لا يأتي إلا من مخبر والمخبر الذي يرسل الرسل بأوامره ونواهيه هو الله - جل وعلا - وهو في السماء أي في العلو بائن من خلقه (٢)
قال ابن أبي شيبة (٣) في كتاب العرش: اجمع الخلق جميعًا انهم إذا دعوا الله جميعًا رفعوا أيديهم إلى السماء فلو كان الله في الأرض السفلى ما كانوا يرفعون أيديهم إلى السماء وهو
_________________
(١) تفسير القرطبي ١٧/ ٢١٥
(٢) شرح كتاب التوحيد للغنيمان ١/ ٤٤٣
(٣) عبدالله بن محمد العبسي، حافظ للحديث له المسند والمصنف، (ت ٢٣٥ هـ) الأعلام (٤/ ١١٧).
[ ٢٠٩ ]
معهم في الأرض (١) ومثله قال ابن قتيبة ﵀: وأما قوله ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ فاطر ١٠، فكيف يصعد إليه شيء وهو معه؟ أو يرفع إليه عمل وهو عنده؟ وكيف تعرج الملائكة والروح إليه يوم القيامة؟ ولو أن هؤلاء - يعني منكرو العلو - رجعوا إلى فطرهم وما ركبت عليه خلقتهم من معرفة الخالق سبحانه لعلموا أن الله تعالى هو العلي وهو الأعلى وهو بالمكان الرفيع وان القلوب عند الذكر لتسموا نحوه والأيدي ترفع بالدعاء إليه ومن العلو يرجى الفرج ويتوقع النصر وينزل الرزق. (٢)
ونختم هذا المبحث بقصة الإمام الجويني المشهورة مع الهمذاني محمد بن الحسن الذي قال سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه ٥، فقال: كان الله ولا عرش - وجعل يتخبط بالكلام - فقلت قد علمنا ما أشرت إليه فهل عندك للضرورات من حيلة؟ فقال: ما تريد بهذا القول وما تعني بهذه الإشارة؟ فقلت ما قال عارف قط يا رباه إلاّ قبل أن يتحرك لسأنه قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة؟ فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت - وبكيت وبكى الخلق - فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: يا للحيرة ونزل قال فسمعت أصحابه يقولون: سمعناه يقول حيرني الهمذاني (٣)
وحدث مثل هذا لابن تيمية وقد حكاه بقوله: ولقد كان عندي من هؤلاء النافين لهذا - يعني العلو والفوقية - من هو من مشايخهم وهو يطلب مني حاجة وأنا أخاطبه في هذا المذهب
_________________
(١) كتاب العرش لابن ابي شيبة ص ٥١
(٢) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبية ص ٣٢٨
(٣) راوي هذه القصة بإسناده الذهبي في (العلو) وقال الألباني في المختصر إسناد هذه القصة مسلسل بالحفاظ ص ٢٧٧
[ ٢١٠ ]
كأني غير منكر له وأخرت قضاء حاجته حتى ضاق صدره فرفع رأسه إلى السماء وقال: يا الله فقلت له: أنت محقق! لمن ترفع رأسك؟ وهل فوق عندك أحد؟ فقال: استغفر الله ورجع عن ذلك لما تبين له أن اعتقاده يخالف فطرته ثم بينت له فساد هذا القول فتاب من ذلك ورجع إلى قول المسلمين المستقر في فطرهم (١)
ولعظم هذه المسألة وظهورها لدى أئمة أهل العلم أفردوها بالتأليف كابن قدامة في (إثبات صفة العلو) وابن القيم (اجتماع الجيوش الإسلامية) والذهبي (العلو للعلي الغفار) وغيرهم ممن جعلها ضمن مسائل العقيدة ﵏ جميعًا وقبلهم جميعًا أشار اليها امامنا البخاري ونوع في الأدلة عليها وساق الارشادات البديعة والاستنباطات من النصوص وأورد الأدلة العقلية التي فهمها من كلام الله وكلام رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٦/ ٤٣ ٢ - ٢٤٤
[ ٢١١ ]
الفصل الثالث: ما ورد في الرؤية
رؤية المؤمنين ربهم ﷿ يوم القيامة بأبصارهم من المسائل التي تضافرت عليها النصوص وتواترت فيها الآثار وقام عليها إجماع سلف الأمة وسألوا الله أن لا يحرمهم النظر إليه ولكن أبا جهم ومن تبعه من المعتزلة وغيرهم إلا نفي الرؤية وحجتهم " إن إثبات الرؤية يؤدي إلى حدوث الله لان الشيء إنما يرى إذا كان مقابلًا أو حالًا في المقابل وهذه من صفات الأجسام فيوجب ذلك أن يكون الله تعالى جسمًا وإذا كان جسمًا صار محدثًا وإذا كان جسمًا تجوز عليه الحاجة. (١)
وكان ذلك أصلًا من قول جهم الذي نفى الرؤية أحد أصوله كما نقل لنا ذلك الإمام احمد ﵀ في رده على الجهمية فذكر أن الجهم بنى اصل كلامه على ثلاث آيات تشتبه معانيها على من لا يفهمها وذكر منها آية نفي الإدراك لينفي بها الرؤية والمباينة قال تعالى ﴿لا تدركه الأبصار﴾ الأنعام ١٠٣ (٢) ونفى الرؤية عن الله مع النصوص الواردة الكثيرة مؤذن بكفرنا فيه وقد نقل هذا عن الإمام احمد ﵀ أنه قال: من قال أن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر عليه لعنة الله وغضبه من كان من الناس. (٣)
وليس للنافين للرؤية إلا تأويل بعض الأدلة أو التعليق بمفهوم بعضها كقوله ﴿لا تدركه الأبصار﴾ أو حجة. أن الرؤية توجب كون المرئي محدثًا حالًا في مكان فأولوا قوله ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ القيامة ٢٢ - ٢٣، بأنها منتظرة وهذا خلاف تفسيرها الذي
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي ٢٧٦
(٢) الرد على الجهمية للإمام احمد ص ١٠٤
(٣) طبقات الحنابلة ١/ ٢٥٣
[ ٢١٢ ]
أثُر عن السلف قال ابن عباس “ مسرورة إلى ربها (ناظرة) قال تنظر إلى ربها، ومثله عن الحسن البصري ومجاهد وعكرمة. (١)
قال الإمام أبو الحسن الأشعري " ولا يجوز أن يكون عني نظر الانتظار لان النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه (٢) قال وهذا مما يبطل قول المعتزلة: لان نظر الانتظار لا يكون مقرونًا بقوله (إلى) لأنه لا يجوز عند العرب أن يقولوا في نظر الانتظار (إلى) (٣) وقد قيل للإمام مالك: أن أقوامًا يقولون تنظر ما عنده فقال: بل تنظر إليه نظرًا (٤) وأما قولهم أن قوله ﴿لا تدركه الأبصار﴾ فيه نفي للرؤية لأن الآية عامة عندهم
فهذا لا يسلم لهم لان المنفي هنا هو الإدراك فالإدراك هو الإحاطة ونفي الإحاطة لا يستلزم نفي الرؤية فقد تقع الرؤية بدون الإدراك وقد يقع إدراك بلا رؤية. فقوم موسى قالوا له (إنا لمدركون) مع قوله ﴿فلما تراءى الجمعان﴾ فقال موسى (كلا إن معي ربي سيهدين) فنفى موسى ﵇ الإدراك مع إثبات الترائي.
وهذا هو تفسير ابن عباس لما تكلم في الرؤية فقال له رجل أليس قال الله ﴿لا تدركه الأبصار﴾ فقال له ألست ترى السماء قال بلى قال أتراها كلها قال: لا فبين له أن نفي الإدراك لا يقتضي نفي الرؤية. (٥)
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للألكائي ٣/ ٥١٤، ٥١٦ تفسير الطبري ٢٧/ ١١٩
(٢) الابانة ص ٤٥
(٣) الابانة ص ٤٦
(٤) معارج القبول لحافظ الحكمي ١/ ٣٠٢
(٥) درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/ ٢٣٦ بتصرف
[ ٢١٣ ]
وما دليلهم العقلي إن الرؤية توجب تجسيم وحدوث المرئي فهذه على جميع منكري الصفات من قياسهم الأمور الغيبية على ما ألفوه في دنياهم وقياس الخالق بالمخلوق.
قال ابن بطال (وما تمسكوا به فاسد لقيام الأدلة على أن الله تعالى موجود والرؤية في تعلقها بالمرئي بمنزلة العلم في تعلقه بالمعلوم فإذا كان تعلق العلم بالمعلوم لا يوجب حدوثه فكذلك المرئي. (١)
هذه هي أقوي أدلة المعترضين للرؤية ولأهل السنة الآيات الصريحة والأحاديث الكثيرة في هذه الكرامة التي يمن الله بها على عباده.
وقد بوب البخاري بهذه الآية فقال: باب قول الله تعالى ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة﴾ القيامة ٢٢، ٢٣.
وقد تقدم قول السلف فيها وقد بلغ الإمام أحمد أن رجلًا قال: إن الله لا يرى في القيامة فقال: لعنه الله من كان من الناس - أليس الله يقول ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ وقال ﴿كلا انهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون﴾ (٢) المطففين ١٥.
ثم ساق الإمام البخاري ﵀ الأدلة من السنة على الرؤية منها حديث جرير ﵁ قال: كنا جلوسًا عند النبي - ﷺ - إذا نظر إلى القمر ليلة البدر قال: " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته " الحديث.
والحديث الآخر: " إنكم سترون ربكم عيانًا ".
وحديث: " إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته".
_________________
(١) الفتح ١٣/ ٤٣٥
(٢) طبقات الحنابلة ١/ ٢٥٣
[ ٢١٤ ]
وفي هذه الأحاديث تأكيد من رسول الله - ﷺ - للرؤية بأن وبالفعل المضارع المسبوق بالسين وبقوله (كما ترون هذا القمر) مع إشارته إليه فأي بيان بعد ذلك.
وقوله (لا تضامون) بفتح التاء وتشديد الميم والمعنى إنكم ترون ربكم رؤية واضحة لا تحتاجون في رؤيته أن ينضم بعضكم إلى بعض لتتساعدوا على الرؤية كما يقع عند رؤية الأمور الخفية. (١)
وقوله (إنكم سترون ربكم عيانًا) ومعناه عيانًا أي بأعينكم وهذا الحديث ذو دلالة واضحة، وقوله (إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا) يعني القمر فيه دلالة على أن الرؤية ستقع يوم القيامة وليس هناك تشبيه للمرئي بالمرئي بل تشبيه بالرؤية للرؤية
ثم ساق ﵀ حديث أبي هريرة الطويل وفيه: الذي دلالته من أوضح الدلالات حيث سأل الصحابة الرسول - ﷺ - هل نرى ربنا يوم القيامة؟
فأجابهم " هل تضارون في القمر ليلة البدر " فقالوا: لا يا رسول الله قال: (فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب) فقالوا لا يا رسول الله، فقال: (فإنكم ترونه كذلك) وهنا بين ﵊ انهم سيرونه كما يرون القمر ليلة البدر والشمس ليس دونها سحاب.
وفي سياق الحديث: (فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه)، فانهم سيرونه ﵎ على صورته اللائقة بجلاله وقد أطال أهل العلم الكلام في الصورة.
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد للغنيمان ٢/ ١٢
[ ٢١٥ ]
وقد أمر أئمة السلف بإجراء هذه الصفة كغيرها من الصفات فقد سئل الإمام احمد عن حديث خلق الله آدم على صورته فقال: لا تفسره ما لنا أن نفسره كما جاء الحديث
وقال أيضًا: سمعت الحميدي (١) بحضرة سفيان بن عيينة فذكر هذا الحديث " خلق الله على صورته " فقال: من لا يقول بهذا فهو كذا وكذا يعني من الشتم وسفيان ساكت لا يرد عليه شيئًا. (٢)
وقد قال الإمام ابن قتيبة، أو الذي عندي والله تعالى اعلم أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين وإنما وقع الألف لتلك لمجيئها في القرآن وقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن ونحن نؤمن بالجميع ولا نقول في شيء منه بكيفية ولاحد (٣)
ثم ساق البخاري رواية أبي سعيد الخدري لحديث الرؤية وفيه " فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فلا يكلمه إلا الأنبياء فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونها فيقولون الساق فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن " الحديث
فيقال في الصورة والساق ما يقال في بقية الصفات كما تقدم في الصفات الذاتية والله أعلم
ثم يسوق ﵀ حديث انس في الشفاعة وشاهده فيها قوله ﵇ “ فاستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدًا ".
_________________
(١) عبدالله بن الزبير الحميدي، أحد الأئمة في الحديث، رحل مع الشافعي إلى مصر ولزمه إلى أن مات وهو شيخ البخاري، (ت ٢١٩ هـ) الأعلام (٤/ ٨٧).
(٢) المسائل والرسائل المروية عن الامام احمد في الغقيدة ١/ ٣٥٦، ٣٥٧
(٣) تأويل مختلف الحديث ص ٢٠٢
[ ٢١٦ ]
وقد كرره في الحديث ثلاث مرات فالنبي ﵊ سوف يراه وكذلك غيره من المؤمنين.
وكذلك حديث انس حين جمع الرسول - ﷺ - الأنصار في قبة وقال لهم (اصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض) فقد ذكر اللقاء هو ما يقتضي الرؤية والمعاينة.
ثم أورد حديث ابن عباس في دعاء صلاة التهجد وفيه (أنت الحق وقول الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق) فاللقاء يتضمن الرؤية وهو شاهد البخاري في هذا الحديث.
ثم أورد حديث عدي بن حاتم: ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه).
فليس بين العبد وبين الرب ما يمنع رؤيته إذ المؤمن لا يحجب بعكس الكافر الذي قال فيه ﴿كلا انهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون﴾.
ثم حديث (وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهة في جنة عدن، ففيه قرب لقاء المؤمنين بربهم ورؤيتهم له وبينه وبينهم حجاب الكبرياء فإذا أذن لهم رفع رداء الكبرياء وعن وجهه كما هو ظاهر الحديث - والله أعلم.
وهكذا ساق بقية الأحاديث ﵀ بمثل هذه الشواهد. (١)
_________________
(١) انظر في الرؤية ومسائلها من المؤلفات المفردة - التصديق بالنظر الى الله في الآخرة للآجري تحقيق محمد منير الجمباز - رؤية الله ﵎ لابن النحاس تحقيق د. محفوظ السلفي - ضوء الساري الى معرفة رؤية الباري تحقيق د. أحمد الشريف - رؤية الله وتحقيق الكلام فيها د. أحمد الحمد جامعة أم القرى - دلالة القرآن والأثر على رؤية الله تعالى بالبصر د. عبد العزيز الرومي - بحث للعلامة حماد الأنصاري الأستاذ في الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية في مجلة الجامعة السلفية العدد الرابع ١٣٩٦ عن حديث الصورة -
[ ٢١٧ ]
الفصل الرابع: ما ورد في صفة الكلام
أخذت صفة الكلام وما يتبعها من مسألة خلق القرآن وغيرها حيزًا كبيرًا في الفكر الإسلامي
ولا نبالغ إذا قلنا من أنها من المسائل التي افترقت فيها أهل الفرق بين بعضها البعض في الفرقة الواحدة تجد الاختلاف الكبير، حتى أن (الايجي) يذكر أن علم الكلام إنما سمي بذلك للاختلاف في هذه الصفة. (١)
أما من ينكر هذه الصفة فهو من أنكر غيرها من صفات الله ﵎ وبنفس الحجج السابقة، فالجهمية والمعتزلة متفقون في نفي الكلام عن الله من أنه صفة له فالمعتزلة يقولون أنه متكلم حقيقة وحقيقة ذلك عندهم أنه خلق كلامًا في غيره. (٢)
والجهمية تارة يصرحون بنفي أن يكون متكلمًا حقيقة (٣) وتارة يقرون باللفظ ويقرونه بأنه خلق في غيره كلامًا.
قال شيخ الإسلام: والجهمية تارة يبوحون بحقيقة القول فيقولون: إن الله لم يكلم موسى تكليمًا ولا يتكلم وتارة لا يظهرون هذا اللفظ لما فيه من الشناعة والمخالفة لدين الإسلام
_________________
(١) المواقف للايجي ص ٩
(٢) شرح الطحاوية ص ١٧٣
(٣) الفرق بين الفِرق ص ٢١٢
[ ٢١٨ ]
واليهود والنصارى فيقرون باللفظ ولكن يقرونه بأنه خلق في غيره كلامًا (١)
وهنا نعلم أن الجهمية والمعتزلة متفقون على أن الكلام لا يقوم به تعالى وان ما يضاف إليه من كلام هو الحروف والأصوات التي يخلقها في غيره فالقرآن مفعول محدث إلا أن الجهمية ينفون أن يكون الله متكلمًا حقيقة رغم تصريحهم بذلك أحيانًا والمعتزلة يثبتون أنه متكلم حقيقة إذ كان خالق الكلام في غيره يسمى عندهم متكلمًا حقيقة
قال القاضي عبد الجبار (ولا خلاف بين جميع أهل العدل أن القرآن مخلوق محدث مفعول لم يكن ثم كان) (٢)
وهناك رأي آخر في هذه المسألة إذ لم يكن في ذلك الوقت غير أهل السنة ومخالفيهم من الجهمية والمعتزلة حتى جاء ابن كلاب فقال إن كلام الله قديم وأنه معنى واحد وأنه لا يتعلق بمشيئته الله وإرادته.
قال الإمام أبو نصر السجزي (فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل وهم لا يخبرون أصول السنة ولا ما كان السلف عليه ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك.
- إلى أن قال - قالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام وانما سمى ذلك كلامًا على المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه وحقيقة الكلام: معنى قائم بذات المتكلم. . .
قال: ثم خرجوا من هذه إلى أن إثبات الحرف والصوت في كلامه سبحانه تجسيم واثبات اللغة فيه تشبيه. (٣)
_________________
(١) الفتاوى - ١٢/ ٥٠٣، ٥٠٤
(٢) المغني ٧/ ٣
(٣) الرد على من أنكر الحرف والصوت للسجزي ص ٨١، ٨٢ بتصرف
[ ٢١٩ ]
ويريد ابن كلاب ومن وافقه إن الحروف والأصوات حكاية عن كلام الله خلقها الله لتدل على ذلك المعنى القائم بذاته تعالى وهو أربعة معان: الأمر والنهي والخبر والإستخبار إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا وان عبر عنه بالعبرية كان توراة، واصل كلامه قائم على نفيه للصفات الاختيارية هروبًا من القول بحلول الحوادث.
قال الإمام أبو الحسن الأشعري مفصلًا مذهبه: قال عبد الله بن كلاب إن الله لم يزل متكلمًا، وان كلام الله سبحانه صفة له قائمة به وأنه قديم بكلامه وان كلامه قائم به كما إن العلم قائم به والقدرة قائمة به وهو قديم بعلمه وقدرته وان الكلام ليس بحروف ولا صوت ولا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض وأنه معنى واحد بالله ﷿ وان الرسم هو الحروف المتغايرة، وقال ابن كلاب: إن معنى قوله تعالى ﴿فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ التوبة ٦ معناه: حتى يفهم كلام الله، قال الأشعري: (ويحتمل على مذهبه أن يكون معناه حتى يسمع التالين يتلونه) (١)
وأما السلف فهم يؤمنون أن الكلام صفة قائمة به سبحانه غير بائنة عنه، لا ابتداء لاتصافه بها ولا انتهاء يتكلم بها بمشيئته واختياره ولا يشبه كلام المخلوقين وكلامه احسن الكلام ويكلم به من شاء من خلقه: من ملائكته ورسله وسائر عباده بواسطة إن شاء أو بغيرها، ويسمعه على الحقيقة من شاء من ملائكته ورسله ويسمعه عباده في الدار الآخرة بصوت نفسه كما أنه كلم موسى بصوت، وكما أن كلامه لا يشبه كلام المخلوقين فان صوته لا يشبه أصواتهم وكلماته لا حصر ولا نهاية لها، وكلامه ينقسم ويتبعض ويتجزأ فالقرآن من كلامه والإنجيل من كلامه والقرآن غير التوراة والإنجيل والفاتحة بعض القرآن وآية الكرسي بعض
_________________
(١) مقالات الإسلاميين للأشعري (٥٨٤، ٥٨٥)
[ ٢٢٠ ]
سورة البقرة وكلامه يتفاضل فيكون بعضه افضل من بعض فآية الكرسي أفضل من غيرها من الآيات، وكلامه يتعاقب يتلو بعضه بعضًا، كل ذلك غير مخلوق بألفاظ وحروف ولا تشبه كلام المخلوقين وأصوات العباد وحركاتهم بالقرآن وورق المصحف وجلده ومداد الكتابة كل ذلك مصنوع مخلوق، والمؤلف من الحروف المنطوقة المسموعة المسطورة المحفوظة كلام الله تعالى غير مخلوق بحروفه ومعانية. (١)
هذا جملة ما فهمته من تبويب البخاري ﵀ لهذه المسائل مع النظر في كلام الإمام أحمد وأبى داود وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم من الأئمة ممن كتب في هذه المسألة ولهم على كل فقرة دليل وعلى كل شبهة ردّ والحمد لله ولطول هذه المسائل التي تحتمل رسالة خاصة، فاستقتصر على أهم الشبه التي تمسك بها المخالفون ثم التعرض لثلاث مسائل مهمة هي:
مسألة خلق القرآن، ومسألة اللفظ ومسألة أفعال العباد وهي ما أفرد لها البخاري كتابًا مستقلًا سآتي على أهم مسائله وهو (خلق أفعال العباد) وقد ألفه لهذه المسألة أعني الخلاف في مسألة الكلام.
(١) إثبات صفة الكلام:
أدلة أهل السنة على هذه الصفة كثيرة منها:
- قوله تعالى ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله﴾ التوبة ٢٥٣.
- قوله تعالى ﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾ النساء ١٦٤.
- قوله تعالى ﴿ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾ الأعراف ١٤٣.
_________________
(١) وانظر العقيدة السلفية في كلام رب البرية للجديع ص ٧٩ - ٨١ بتصرف
[ ٢٢١ ]
وقوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ التوبة ٦.
ومن السنة الشريفة
حديث أبي هريرة في احتجاج آدم وموسى فقال له آدم: (يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده). (١)
وحديث ابي هريرة قال: قال - ﷺ - (فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه. (٢)
ومن كلام الصحابة قول عائشة ﵂ في قصة الإفك (ووالله ما كنت أظن أن الله ينزل براءتي وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى). (٣)
وعن فروة بن نوفل الأشجعي (٤) قال: كنت جارًا لخباب فخرجنا يومًا من المسجد وهو آخذ بيدي فقال: " يا هناه، تقرب إلى الله ما استطعت فانك لن تقّرب إليه بشيء ٍ أحب إليه من كلامه - يعني القرآن - ". (٥)
إلى غير ذلك من آثار التابعين ﵏.
وأما باقي المسائل فستكون ضمن الموضوعات التي أشرت إليها آنفًا حيث سأكتفي بكلام الإمام البخاري ﵀.
_________________
(١) رواه البخاري
(٢) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (٢٨٧) واللالكائي رقم (٥٥٧) وله شاهد عند الترمذي رقم ٢٩٦٢ وهو حديث حسن
(٣) متفق عليه
(٤) فروة بن نوفل بن شريك الأشجعي، تابعي اعتزل الفتنة بعد التحكيم، (ت ٤١ هـ) الأعلام (٥/ ١٤٣).
(٥) اللالكائي رقم ٥٥٨
[ ٢٢٢ ]
أولًا: مسألة خلق القرآن:
أول ظهور لهذه المسألة وهذه الفتنة كان في أواخر عهد بني أمية على يد الجعد بن درهم وأخذها عنه الجهم بن صفوان فنسبت إليه، وفي أوائل العهد العباسي في بداية القرن الثالث أثار هذه المسألة بشر المريسي وأخذها عنه ابن أبي دؤاد (١) والذي كان قاضيًا للمأمون فاستغل السلطة السياسية التي أجبرت الناس على هذا القول، قال الذهبي - وكان المأمون يجل أهل الكلام ويتناظرون في مجلسه (٢) وقد خاض معركة شرسة مع أئمة السنة لجعل هذه المسألة عقيدة عامة المسلمين بل وتدرس في الكتاتيب ولا يخفى مقام الإمام أحمد في هذه المسألة وخلف المأمون المعتصم الذي زاد على أخيه بتعذيب الأئمة في ذلك ثم خلفه ابنه الواثق - الذي نهج نهج من سبقه ثم كشف الله الغمة بأخيه المتوكل وقطع داء هذه الفتنة واعز الله به أهل السنة وكان ذلك كله في حياة الإمام البخاري يشهده ويعاصره إذ بداية هذه المسألة كانت سنة ٢١٨ هـ حتى سنة ٢٣٣، وقد توفى البخاري ﵀ سنة ٢٥٦ هـ.
وقد انقسم الناس عند ظهور هذه الفتنة إلى أربعة أقسام:
١ - أهل الحق وأهل السنة والجماعة الذي قالوا: إن القرآن كلام الله غير مخلوق.
٢ - الجهمية والمعتزلة ومن سار على طريقتهم قالوا القرآن مخلوق.
٣ - الواقفة وهم فئة قالت: لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق.
٤ - اللفظية: الذين قالوا: كلام الله غير مخلوق وألفاظنا به مخلوقة.
_________________
(١) يذكر ابن الاثير: ان الجهم أخذ ذلك عن ابان ابن سمعان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم وكان يقول بخلق التوراة) الكامل في التاريخ ٧/ ٧٥ فهذه سلسلة يهود وضلال والله المستعان!
(٢) سير اعلام النبلاء ١٠/ ٢٨٥
[ ٢٢٣ ]
أما أهل السنة فأدلتهم أكثر من أن تحصر وقدمت شيئا منها. (١) وسأتعرض للمخالفين باختصار أما الجهمية والمعتزلة فانهم يقولون بان القرآن مخلوق وأدلتهم من مفهوم بعض الآيات كقوله تعالى ﴿الله خالق كل شيء﴾ الرعد ١٦ - والقرآن داخل في هذا العموم.
ويرد عليهم بأن عموم (كل) إنما هو بحسب الموضع الذي ترد فيه، فـ (بلقيس) (أوتيت من كل شيء) ولم تؤت ملك سليمان ولا غيره وقد قال الله أيضًا ﴿قل أي شيء اكبر شهادة قل الله﴾ الأنعام ١٩، فسمى الله نفسه شيئًا والمخلوق شيء عندهم والله هو الخالق وليس بمخلوق وصفاته تابعة لذاته والقرآن كلامه وكلامه صفته وصفته غير مخلوقة
وهنا يتضح خطأ المعتزلة في هذا الاستدلال خاصة أنه يناقض أصلهم في أن أفعال العباد عندهم غير مخلوقة فأخرجوها من عموم (كل) في دليلهم وادخلوا صفة الله فبان اضطرابهم.
ثم استدلوا بقوله تعالى ﴿إنا جعلناه قرآنا عربيًا﴾ الزخرف ٣، قالوا والجعل الخلق.
ويرد عليهم بان الجعل يأتي متعدٍ إلى مفعول وإلى مفعولين فهو يستعمل بمعنى خلق إذا تعدى إلى مفعول واحد كقوله تعالى ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ الأنعام ١.
وربما تعدى إلى مفعول واحد ولا يكون بمعنى خلق كقوله تعالى: ﴿وجعلوا لله شركاء﴾ الأنعام ١٠٠.
لكن إن تعدى إلى مفعولين فلا يكون بمعنى (خلق) بأي حال كقوله تعالى: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا﴾ الأنبياء ٧٣.
ومثله قوله تعالى وهذا استدلال المعتزلة ﴿إنا جعلناه قرآنًا عربيًا﴾ فالمفعول الأول الضمير والثاني) (قرآنًا) والمعنى قلناه قرآنًا عربيًا أو بيناه.
قال الإمام احمد في ذلك (فقد قال الله تعالى ﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾ أفخلقهم؟ (٢)
وقد أطال الأئمة في بيان كفر من قال بخلق القرآن، قال الإمام أحمد: من قال القرآن مخلوق فهو عندنا كافر.
وقال حين سئل عمن يقول القرآن مخلوق؟ فقال: كنت لا أكفرهم حتى قرأت آيات من القرآن ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾ البقرة ١٢٠ ﴿بعد الذي جاءك من العلم﴾ آل عمران ٦١، ﴿أنزله بعلمه﴾ النساء ١٦٦، فالقرآن من علم الله ومن زعم أن علم الله مخلوق فهو كافر (٣) وقد عقد الإمام الدارمي فصلا في الرد على الجهمية فقال: باب الاحتجاج في إكفار الجهمية. (٤)
وأما الواقفة: وهم الذين وقفوا فانهم لم يقولوا مخلوق لا غير مخلوق.
قال الدارمي: ومع وقوفهم لم يرضوا حتى نسبوا إلى البدعة من خالفهم سواء من قال القرآن مخلوق أو غير مخلوق (٥)
وأول ظهور هذه المسألة كان في زمن الإمام أحمد وكان إمامهم رجل من أهل العلم يقال له محمد بن شجاع الثلجي (٦) وهو من تلاميذ بشر المريسي وكانوا يسمونه (ترس الجهمية)
_________________
(١) انظر اللالكائي ٢/ ٢٤١ وما بعدها ورد الدارمي على بشر المريسي ص ١١٦ والشريعة للآجري ص ٧٥ والفتاوى لابن تيمية ١٢/ ٩٧
(٢) انظر أقوال المعتزلة في المغني للقاضي عبد الجبار ٧/ ٩٤، والاصول الخمسة ٥٧ ص ٥٢٨ - وللرد انظر الرد على الجهمية للامام أحمد ص ١٠٦ وشرح الطحاوية ١٧٨ وما بعدها ففيه التفصيل
(٣) طبقات الحنابلة ١/ ٤١٤
(٤) الرد على الجهمية ٣٤٦ - ٣٥٦
(٥) الرد على الجهمية ص ١٦٧
(٦) محمد بن شجاع الثلجي، من أصحاب أبي حنيفة كان يضع الحديث يُثلِّب على أهل السنة، فيه ميل إلى المعتزلة، (ت ٢٦٦ هـ) الأعلام (٦/ ١٥٧).
[ ٢٢٤ ]
ثم اظهر التوبة من صحبة المريسي ثم اظهر الوقف ولم يقبل منه الإمام أحمد هذه التوبة لأنه كان يشنع على أهل السنة ويضع عليهم الأحاديث وقد كذب على الإمام أحمد غير مره (١) ومذهبه في أن القرآن كلام الله وهو مُحَدث كان بعد أن لم يكن وبالله كان وهو الذي أحدثه وامتنع عن إطلاق القول بأنه مخلوق أو غير مخلوق (٢)، وقد شنع الأئمة على الواقفة وانهم شر من الجهمية وانهم شكاك يستترون بالوقف ويخدعون الناس فإنهم إذا يقفوا لم يعرف الناس مذهبهم فيستميلون العامة بهذا القول وأما الجهمية فقد بان أمرهم وعرفهم الناس فيجتنبونهم، وقد تصدى لهم الإمام أحمد وشدد عليهم وقال (من شك فقد كفر) (٣)، وقال أيضًا (هؤلاء شر من الجهمية إنما يريدون رأى جهم) وقال الإمام إسحاق بن راهوية فيمن يقف (هو عندي شر من الذي يقول مخلوق لأنه يقتدي به غيره). (٤)
وقد أطال النقاش معهم الدارمي في رده على الجهمية وفرق بين من كان من أهل الكلام والعناد وبين من لم يكن من أهل الكلام فأنه يعلم ويبصر ويقال له: القرآن كلام الله غير مخلوق فان امتنع فهو من الجهمية.
وقد سئل الإمام أحمد عن من وقف ولم يقل " غير مخلوق " قال: أنا أقول: القرآن كلام الله فقال: يقال له: إن العلماء يقولون غير مخلوق فان أبى؛ فهو جهمي. (٥)
_________________
(١) تاريخ بغداد ٥/ ٣٥٠ - ٣٥٢
(٢) مقالات الاسلاميين للاشعري ٢/ ٢٥٦
(٣) اللالكائي (٢/ ٣٢٣ - ٣٢٩) والابانة لابن بطه ١/ ٢٩١
(٤) الابانة لابن بطه ١/ ٣٠٩
(٥) السنة لعبد الله بن أحمد ١/ ١٧٩
[ ٢٢٥ ]
وقال: من كان منهم يحسن الكلام فهو جهمي (١) - وقال أبو داود ﵀ ورأيت الإمام أحمد سلم عليه رجل من أهل بغداد ممن وقف فيما بلغني فقال له: اغرب؛ لا أراك تجيء إلى بابي) في كلام غليظ ولم يرد ﵇ وقال: ما أحوجك إلى أن يصنع بكل كما صنع عمر بن الخطاب ﵁ بصبيغ ودخل بيته وردّ الباب. (٢)
قال ابن قتيبة مبينًا حال الاختلاف في وقته وكان معاصرًا لهذه المقولة (ولم أر في هذه الفرق ممن أمر بالسكوت والتجاهل بعد هذه الفتنة وإنما يجوز أن يؤمر بهذا قبل تفاقم الأمر ووقوع الشحناء وليس في غرائز الناس احتمال الامساك عن أمر في الدين قد انتشر هذا الانتشار، وظهر هذا الظهور. ولو امسك عقلائهم ما امسك جهلاؤهم، ولو أمسكت الألسنة ما أمسكت القلوب، ثم قال ﵀: وكل من ادعى شيئًا أو انتحل نحلة فهو يزعم أن الحق فيما ادعى وفيما انتحل خلا الواقف الشاك فأنه يقر على نفسه بالخطأ لأنه يعلم أن الحق في أحد الأمرين اللذين وقف بينهما (٣)، وهكذا عد الأئمة الواقفة من الجهمية ومن أهل البدعة.
ولعظم هذه المسألة أطال الإمام اللالكائي في عدّ من تكلم من السلف في هذه المسألة فأطال وافاد ﵀ (٤)
وأما اللفظية: فان مسألة اللفظ بالقرآن من المسائل الدقيقة خاصة إنها حصلت بين جماعة من أهل السنة وأفاضل العلماء كما قال شيخ الإسلام (ومسألة اللفظ بالقرآن قد
_________________
(١) نفس المصدر والصفحة
(٢) الشريعة للآجري ص ٨٨
(٣) الاختلاف في اللفظ لابن قتيبة ٦١، ٦٢ بتصرف
(٤) شرح اصول اعتقاد اهل السنة ٢/ ٣٥٧/٣٦٣ والرد على الجهمية للدارمي ٣٤٢ وما بعدها
[ ٢٢٦ ]
اضطرب فيها أقوام لهم علم وفضل ودين وعقل وجرت بسببها مخاصمات ومهاجرات بين أهل الحديث والسنة). (١)
وإلا فالأصل في هذه المسألة إنها ليست من مأثور صحابة رسول الله - ﷺ - ولا تابعيهم كما قال الإمام الطبري " وأما القول في ألفاظ العباد بالقرآن فلا أثر فيه نعلمه عن صحابي مضى ولا تابعي قضى ". (٢) فمن أين جاءت هذه المسألة الحادثة ومتى بدأت؟
أول من عرف عنه هذه المسألة أبو علي الحسين بن علي الكرابيسي فقيه معاصر للإمام أحمد كان مشتغلًا بالعلم وصحب الإمام الشافعي وهو أول من قال " لفظي بالقرآن مخلوق " فبلغ قوله الإمام أحمد فأنكره وقال: بدعة ثم قال الإمام أحمد: إنما بلاؤهم من هذه الكتب التي وضعوها وتركوا الآثار. (٣)
وهذه المسألة دقيقة بين العلماء فهمًا وقولًا ولذلك قال ابن قتيبة " وإنما اختلفوا في فرع لم يفهموه لغموضه ولطف معناه فتعلق كل فريق منهم بشعبة منه. (٤)
ولما قال الكرابيسي لفظنا بالقرآن مخلوق أراد بعض أهل السنة أن يردوا عليه فقال ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة فردوا البدعة ببدعة.
ولبيان حقيقة هذه المسألة العظيمة وأن منشأ النزاع فيها الذي - كما يصفه ابن تيمية - لا يكاد ينضبط أنه يعود إلى أصلين:
أحدهما: أن أفعال العباد مخلوقة.
_________________
(١) الفتاوى ١٢/ ٣٣٣
(٢) شرح السنة لللالكائي ٢/ ٣٥٥
(٣) السير ١٢/ ٨٢
(٤) الاختلاف في اللفظ ص ٥٧
[ ٢٢٧ ]
والثاني: مسألة تلاوة القرآن وقراءته واللفظ به هل يقال مخلوق أو غير مخلوق؟ وقد نص الإمام أحمد على رد المقالتين هو وسائر أئمة السنة من المتقدمين والمتأخرين. (١)
ثم انقسم الناس بعد ذلك في هذه المسألة إلى ثلاثة أقسام:
١ - اللفظية النافية:
وهم الذين يقولون إن ألفاظنا بالقرآن مخلوقة والتلاوة غير المتلو والقراءة غير المقروء ونسب هذا القول إلى غير واحد من المعروفين بالسنة والحديث:
كالحسين الكرابيسي ونعيم بن حماد، والبويطي (٢)، والحارث الحاسبي.
٢ - اللفظية المثبتين: وهم الذين يقولون إن ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة والتلاوة هي المتلو والقراءة هي المقرئ ونسب هذا القول إلى غير واحد من المنتسبين إلى السنة والحديث، منهم: الإمام الذهلي، وأبو حاتم الرازي وأبو عبد الله بن منده وأبو نصر السجزي وغيرهم.
٣ - الذين لا يقولون بكل ذلك بل القرآن كلام الله غير مخلوق ولا التلاوة هي المتلو مطلقًا ولا غير المتلو مطلقًا.
وقالوا: من قال لفظي بالقرآن وتلاوتي أو قراءتي مخلوقة فهو جهمي ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع. (٣)
وقد نسب زورًا إلى الإمام البخاري أنه قال: لفظي بالقرآن مخلوق وقد قدمنا في ترجمته براءته من ذلك من قوله هو، وابين كلامه هنا في هذه المسألة من كتابة الجامع الصحيح
_________________
(١) الفتاوى ١٢/ ٤٣١ - ٤٣٢
(٢) يوسف بن يحيى القرشي، صاحب الشافعي، مات في السجن لإمتناعه عن القول بخلق القرآن، (ت ٢٣١ هـ) الأعلام (٨/ ٢٥٧).
(٣) الفتاوى ١٢/ ٢٠٦، ٢١٠، ٣٧٣ بتصرف يسير
[ ٢٢٨ ]
ومابوب به لأجل هذه المسألة أثناء هذا البحث إن شاء الله فليس هناك اختلاف بينه وبين الإمام أحمد. .
ونشير هنا إلى أن الإمام أحمد ابتلى باللفظية النافية وردّ عليهم أكثر من غيرهم لوجهين: أحدهما أن قولهم يفضي إلى زيادة التعطيل والنفي.
وجانب النفي - أبدا - شر من جانب الإثبات؛ فان الرسل جاءوا بالإثبات المفصل في صفات الله وبالنفي المجمل فوصفوه بالعلم والرحمة والقدرة والحكمة والكلام والعلو وغير ذلك من الصفات، وفي النص ﴿ليس كمثله شيء﴾ ﴿ولم يكن له كفوًا أحد﴾ وأما الخارجون عن حقيقة الرسالة: من الصابئة - الفلاسفة والمشركين وغيرهم ومن تجهم من إتباع الأنبياء فطريقتهم (النفي المفصل) ليس كذا، ليس كذا. وفي الإثبات أمر مجمل ولهذا يقال: المعطل أعمى والمشبه أعشى فأهل التشبيه مع ضلالهم خير من أهل التعطيل
(والوجه الآخر) أن الإمام أحمد ابتلى بالجهمية المعطلة فهم خصومه فكان همه منصرفًا إلى رد مقالاتهم دون أهل الإثبات فان لم يكن في ذلك الوقت والمكان من هو داع إلى زيادة في الإثبات كما ظهر من كان يدعو إلى زيادة في النفي والإنكار يقع بحسب الحاجة
والبخاري لما ابتلى (باللفظية المثبتة) ظهر إنكاره عليهم كما ظهر لنا من تراجم كتاب التوحيد وكما في خلق أفعال العباد. (١)
وقد أجمل الإمام الذهبي خلاف هذه المسألة فقال فيمن قال لفظي بالقرآن مخلوق " أن قال: لفظي وعني به بالقرآن فنعم وان قال لفظي قصد به تلفظي وصوتي وفعلي أنه مخلوق فهذا مصيب فالله تعالى خالقنا وخالق أفعالنا وأدواتنا لكن الكف عن هذا هو السنة ويكفي المرء
_________________
(١) من كلام شيخ الاسلام الفتاوى ١٢/ ٤٣٢ بتصرف
[ ٢٢٩ ]
أن يؤمن بان القرآن العظيم كلام الله ووحيه وتنزيله على قلب نبيه - ﷺ - وأنه غير مخلوق ومعلوم عند كل ذي ذهن سليم إن الجماعة إذا قرؤوا السورة انهم جميعًا قرؤوا شيئًا واحدًا وان أصواتهم وقراءتهم وحناجرهم أشياء مختلفة، فالمقروء كلام ربهم وقراءتهم وتلفظهم ونغماتهم متباينة ومن لم يتصور الفرق بين التلفظ والملفوظ فدعه وأعرض عنه. (١)
وهنا سنبين موقف البخاري لصفة الكلام وما يلحق بها عرض لأبواب البخاري في هذه المسائل:
١ - القرآن كلام الله حقيقة.
وبوب له بقوله (باب قول الله تعالى، يريدون أن يبدلوا كلام الله وقوله ﴿أنه لقول فصل﴾ ثم ينوع ﵀ في بيان كلامه تعالى فيورد الأحاديث القدسية النزول وقوله قال الله أنفق أنفق عليك. ومثله حديث النزول وفيه: يقول الله
٢ - ثم يبين ان كلامه قديم ويتكلم متى شاء سبحانه فقال باب ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين﴾ وبين في حديث أبي هريرة (إن رسول الله - ﷺ - قال: (لما قضى الله الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي) فبين أن كلمة الله سبقت وجود الرسل والمرسل إليهم فهي قبل الخلق وهذا ما أشار إليه البخاري (في خلق أفعال العباد) فقال (إنما قولنا لشيء إذا أردناه آن نقول له كن فيكون) قال: فاخبر أن أول خلق خلقه بقوله فاخبر أن كلامه قبل خلقه. (٢)
_________________
(١) سير اعلام النبلاء ١٢/ ٧٧٠ وللتفصيل ١٣/ ١٠٠
(٢) خلق افعال العباد للبخاري ٤٤، ٤٥
[ ٢٣٠ ]
٣ - وباب " وكلم الله موسى تكليمًا " وفيه أحاديث اثبات لفظ التكلم من الله خاصة حديث الإسراء الطويل وكلام النبي - ﷺ - مع الله ثم بين ﵀ أن القرآن منزل غير مخلوق لان القرآن من علم الله وعلم الله غير مخلوق وهذا استدلال لطيف منه فقال (باب قوله ﴿أنزله بعلمه والملائكة يشهدون﴾ وفيه أحاديث منها (آمنت بكتابك الذي أنزلت) ومنها (اللهم منزل الكتاب) وغيرها.
٤ - وبين: أن كلامه متى شاء ومع من شاء.
فبوب بكلامه مع الملائكة ومع الأنبياء فقال: باب في المشيئة والإرادة ثم أورد الأحاديث الكثيرة الدالة على مشيئة الله وبوب بـ: كلام الرب مع جبريل ونداء الله الملائكة.
واورد قول معمر ﴿وانك لتلقى القرآن﴾ النمل ٦٠ أي: يلقى عليك وتلقاه انت أي تأخذه عنهم ومثله ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾ البقرة ٣٧.
وحديث (إن الله إذا احب عبدًا نادى جبريل) وغيره من كلام الله مع ملائكته متى شاء وان كلامه في الآخرة يوم القيامة يقع مع الأنبياء وغيرهم فقال: باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم وساق ﵀ أحاديث الشفاعة وفيه (يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع) وحديث (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان).
ثم ينوع ﵀ فيأتي بكلامه أيضًا مع أهل الجنة ويبوب لذلك ويورد حديث (إن الله يقول لاهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك وسعديك. . الحديث).
٥ - ويأتي ﵀ إلى مسألة مهمة وهي أن كلام الله بحرف وصوت.
[ ٢٣١ ]
وقوله هذا هو قول أهل السنة من قبله أن كلام الله بحرف وصوت وان صوته لا يشبه صوت المخلوقين وقد فصل البخاري هذه المسألة بالتبويب والأحاديث اجمل تفصيل.
وأسوق قبل ذلك كلام الأئمة في هذه المسألة، قال عبد الله بن احمد قلت لأبي: إن هاهنا من يقول: إن الله لا يتكلم بصوت فقال: يا بنى هؤلاء الجهمية زنادقة إنما يدورون على التعطيل (١)
وقال: سألت ابي عن قوم يقولون لمّا كلم الله موسى لم يتكلم بصوت؛ فقال أبي: بلى إن ربك ﷿ تكلم بصوت، هذه الأحاديث نرويها كما جاءت. (٢)
وقال الإمام السجزي (وليس في وجود الصوت من الله تعالى تشبيه بمن يوجد الصوت منه من الخلق كما لم يكن في إثبات الكلام له تشبيه بمن له كلام من خلقه. (٣)
وأكد مثل ذلك الإمام عبد القادر الجيلاني ﵀ قال: فالأخبار تدل على أن كلام الله صوت ولا كصوت الآدميين (٤) وقد فصل الحافظ ابن حجر ﵀ في هذه المسألة ونظر إلى تأويل البيهقي وغيره بعين الإنصاف خاصة من تضعيف حديث البخاري في إثبات الصوت وقال " إذا اثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان به". (٥)
قال الإمام البخاري، باب قوله تعالى ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾ سبأ ٢٣، قال
_________________
(١) الفتاوى ١٢/ ٣٦٨
(٢) السنة لعبد الله بن احمد رقم ٥٣٣
(٣) للإمام السجزي كتاب خاص في هذه المسألة وانظر درء التعارض ٢/ ٩٣
(٤) الغنية لطالبي الحق ص ٦٠ بواسطة موسوعة أهل السنة لدمشقية ص ٣٠٠
(٥) الفتح ١٣/ ٤٦٦ وذكر أنه بعد الايمان به إما التأويل أو التفويض!؟ وهي من مواطن مخالفته للبخاري رحمهما الله
[ ٢٣٢ ]
البخاري ولم يقل: ماذا خلق ربكم ثم أورد شاهدًا للآية من كلام ابن سعود " فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت وعرفوا أنه الحق ".
ثم بين ﵀ إن صوته لا يشبه أصوات خلقه وهو ما نص عليه في (خلق أفعال العباد) فقال بعد حديث الباب وهو (يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب).
قال البخاري: وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق لان صوت الله جل ذكره يسمع من بعد كما يسمع من قرب؛ وان الملائكة يصعقون من صوته فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا وقال الله ﷿ ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾ البقرة ٢٢.
فليس لصفة الله ند، ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين. (١)
ولاجل كلامه السابق هذا نعلم سبب إدخاله باب ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾ بعد أن ساق أبواب الكلام والصوت واللفظ وغيرها فرحمه الله من إمام حصيف أراد التنبيه على ذلك حيث صرح هو بذلك في (خلق أفعال العباد).
٦ - ويفرد الإمام البخاري عدة أبواب لينبه على مسألة مهمة كانت معاصرة له وهي مسألة من يقول إن القرآن حكاية عن كلام الله وهل ينتقل من مكان إلى مكان وهل هو عبارة واحدة بسيطة.
وهذا ردّ منه ﵀ على الكلابية ومن تبعهم الذين يرون ان القرآن العربي ليس هو كلام الله وإنما كلامه المعنى القائم بذاته والقرآن العربي خلق ليدل على ذلك المعنى وأيضًا الرد على الكرامية الذين يقولون أنه تكلم بالقرآن بعد أن لم يكن متكلمًا.
_________________
(١) خلق افعال العباد ص ٩٨
[ ٢٣٣ ]
فقال: باب قوله تعالى ﴿يريدون ان يبدلوا كلام الله﴾ الفتح ١٥، ثم اتبعه بأبواب كلام الله مع الأنبياء يوم القيامة مع الملائكة ومع جبريل ومع غيرهم تدل على انتقال كلامه وهذا رد على الكلابية بخلاف قول المعتزلة الذين يرون انتقاله لكن على مذهبهم أنه مخلوق
وقال: باب قوله ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين﴾ الصافات ١٧١، فكلامه قبل خلقه فأنه يخلق بالأمر كن فهو متكلم وليس كما قالت الكرامية أنه تكلم بعد أن لم يكن متكلم.
٧ - وأما موقف البخاري من مسألة اللفظ في كتاب التوحيد فأنه أطال فيها النفس ونوع فيها الأدلة لكي يبين موقفه ﵀ بالأدلة الصريحة.
وهنا انقل كلامًا نفيسًا كمقدمة لكلام البخاري وهو ما قاله الإمام ابن قيم الجوزية قال: الحق ما عليه أئمة الإسلام كالإمام أحمد والبخاري واهل الحديث: إن الصوت صوت القاري والكلام كلام الباري وقد اختلف الناس هل التلاوة غير المتلو أو هي المتلو؟ على قولين، والذين قالوا التلاوة هي المتلو فليست حركات الإنسان عنهم هي التلاوة وإنما أظهرت التلاوة وكان سببًا لظهورها وإلاّ فالتلاوة عندهم هي نفس الحروف والأصوات هي القديمة، والذين قالوا: التلاوة غير المتلو طائفتان:
إحداهما: قالت: التلاوة هي هذه الحروف والأصوات المسموعة وهي مخلوقة والمتلو هو المعنى القائم بالنفس وهو قديم وهذا قول الاشعري. (١)
والطائفة الثانية: قالوا: التلاوة هي قراءتنا وتلفظنا بالقرآن والمتلو هو القرآن العزيز المسموع بالآذان بالآداء من (في) رسول الله - ﷺ - وهذا قول السلف وأئمة السنة والحديث
_________________
(١) وهو أصلًا قول ابن كلاب: الصواعق المرسلة ص ٤١٠، ٤١١
[ ٢٣٤ ]
فان قيل: فإذا كان الأمر كما قررتم فكيف أنكر الإمام أحمد على من قال: لفظي بالقرآن مخلوق وبدّعة ونسبه إلى التجهم، وهل كانت محنة ابي عبد الله البخاري إلاّ على ذلك حتى هجره أهل الحديث ونسبوه إلى القول بخلق القرآن.
قيل: معاذ الله أن يظن بأئمة الإسلام هذا الظن الفاسد، فقد صرح البخاري في كتابه (خلق أفعال العباد) (١) وفي آخر الجامع بان القرآن كلام الله غير مخلوق.
فخفي تفريق البخاري وتمييزه على جماعة من أهل السنة والحديث ولم يفهم بعضهم مراده (٢)، وهذا هو عين ما أشار إليه البخاري ﵀ حاكيًا ما نقل عنه أنه لم يفهم فقال: " ونحن على قول عمر حيث يقول: اني قائل مقالة قدر لي أن أقولها فمن عقلها ورعاها فليحدث بها حتى تنتهي به راحلته ومن خشي ألا يعيها فاني لا أحل له أن يكذب عليّ (٣)؛ والبخاري ميز في هذه المسألة وأشبعها ﵀ وفرق بين ما قام بالرب وبين ما قام بالعبد وأوقع المخلوق على تلفظ العباد وأصواتهم وحركاتهم وإكسابهم ونفى اسم الخلق عن الملفوظ وهو القرآن الذي سمعه جبريل من الله وسمعه محمد - ﷺ - من جبريل. (٤)
وسأعرض لتبويبه واستشهاده ﵀ في هذه المسألة ووجه الاستشهاد والله المستعان.
فقال: باب قوله تعالى ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾ البقرة ٢٢ وقوله ﴿ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لان أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من المشركين﴾ الزمر ٦٥.
_________________
(١) انظره في مواضع من كتابه فقد ألفه لهذه المسألة خاصة
(٢) مختصر الصواعق ص ٤٢١ بتصرف
(٣) خلق افعال العباد ص ٧٧
(٤) مختصر الصواعق للموصلي ص ٤٢٢
[ ٢٣٥ ]
قال الحافظ: وغرضه هنا الرد على من لم يفرق بين التلاوة والمتلو وقال: باب ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ القيامة ١٦، وفعل النبي - ﷺ - حيث ينزل الوحي وذكر حديث ابن عباس كان يعالج من شدة التنزيل وكان يحرك شفتيه: فانزل الله ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرأنه﴾ قال: جمعه في صدرك ثم تقرؤه فإذا قرأناه فاتبع قرأنه
قال الحافظ: " وهذا من أوضح الأدلة على أن القرآن يطلق ويراد به القراءة فان المراد بقوله ﴿قرأنه﴾ في الآيتين القراءة لا نفس القرآن.
وقال: باب ﴿واسروا قولكم أو اجهروا به﴾ الملك ١٣، وفيه نزل قوله ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ الإسراء ١١٠، أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن - الحديث.
قال ابن المنير: إنما قصد البخاري الإشارة إلى النكتة التي كانت سبب محنته بمسألة اللفظ فأشار بالترجمة إلى أن تلاوة الخلق تتصف بالسر والجهر وذلك يستدعي كونها مخلوقه (١) ومثل ذلك في الباب الذي يليه، باب قول النبي - ﷺ - (رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار ورجل يقول لو أتيت مثل ما أوتى هذا فعلت مثل ما يفعل.
قال البخاري: فبين أن قيامه بالكتاب فعله (٢) ثم قال وقال تعالى: ﴿ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم والوانكم﴾ الروم ٢٢، قال البخاري بعد هذه الآية في خلق أفعال العباد: فمنها العربي ومنها العجمي فذكر اختلاف الألسنة والألوان وهو كلام العباد (٣) وهكذا في جملة أبواب يبين فيها كلها إن القراءة فعل القاري ومتصفة بما تتصف الأفعال به ومتعلقة بالظروف المكانية والزمانية أسوة بالأفعال كلها، وقد ختم ﵀ صحيحه
_________________
(١) المتوارى على تراجم ابواب البخاري لابن المنير ص ٤٢٨
(٢) وبنفس هذا نص في خلق افعال العباد ص ١١٨
(٣) المرجع السابق ص ١١٨
[ ٢٣٦ ]
بالحديث العظيم كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان وبوب لها بقوله: باب قول الله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط﴾ الأنبياء ٤٧ وقال: وان أعمال بني آدم وقولهم يوزن؛ قال ابن القيم: مراد ابي عبد الله بهذا الاستدلال أن النقل في الميزان والخفة على اللسان متعلق بفعل العبد وكسبه وهو صوته وتلفظه لا يعود إلى ما قام بالرب تعالى من كلامه وصفاته؛ ثم قال: والبخاري اعلم بهذه المسألة وأولى بالصواب فيها من جميع من خالفه وكلامه أوضح وامتن من كلام ابي عبد الله، فان الإمام أحمد سد الذريعة حيث منع إطلاق لفظ المخلوق نفيًا وإثباتًا على اللفظ - فالذي قصده احمد - إن اللفظ يراد به أمران، أحدهما الملفوظ نفسه وهو غير مقدور للعبد ولا فعل له (والثاني) التلفظ به والآداء له وفعل العبد فإطلاق الخلق على اللفظ قد يوهم المعنى الأول وهو خطأ واطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الثاني وهو خطأ فمنع الإطلاقين (١)؛ وأما البخاري ﵀ فقد فصل وبين واشبع الكلام دفاعًا عما اتهم به ونصحًا للمسلمين من الاختلاف وتبديع بعضهم لبعض
قال ﵀: وحرم الله ﷿ أهل الأهواء كلهم ان يجدوا عند أشياعهم أو بأسانيدهم حكمًا من أحكام الرسول - ﷺ - أو فرضًا أو سنة من سنن المرسلين إلاّ ما يعتلون بأهل الحديث اذ بدالهم كالذين جعلوا القرآن عضين فآمنوا ببعض وكفروا ببعض فمن ردّ بعض السنن مما نقله أهل العلم فيلزمه أن يرد باقي السنن حتى يتخلى عن السنن والكتاب وأمر الإسلام اجمع والبيان في هذا كثير (٢)
_________________
(١) مختصر الصواعق للموصلي ٤٢٣، ٤٢٤ بتصرف
(٢) خلق أفعال العباد ص ٧٧
[ ٢٣٧ ]
الفصل الخامس: ما ورد في أفعال العباد
تكلم الإمام البخاري في مسألة أفعال العباد وأنها مخلوقة لله وان العبد له مشيئة وليس مسلوبًا لها وأطال في هذه المسألة وألف لها كتابًا خاصًا، ولأنها داخلة من وجه في مسألة اللفظ سأقتصر على أهم الأقوال فيها خاصة حين يعرضها الإمام البخاري بنفسه فيقول: اختلفت الناس في الفاعل والمفعول والفعل:
فقالت القدرية: الأفاعيل من البشر ليست من الله.
وقالت الجبرية: الأفاعيل كلها من الله.
وقالت الجهمية: الفعل والمفعول واحد لذلك قالوا: لكن مخلوق.
وقال أهل العلم: التخليق فعل الله وأفاعيلنا مخلوقة لله لقوله تعالى ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به أنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق﴾ الملك ١٤.
- ثم يضيف موضحًا - يعني السر والجهر من القول. ففعل الله صفة الله والمفعول غيره من الخلق ويقال: لمن زعم اني لا أقول: القرآن مكتوب في المصحف ولكن القرآن بعينه في المصحف يلزمك أن تقول: ان من ذكر الله في القرآن من الجن والإنس والملائكة والمدائن ومكة والمدينة وغيرهما، وإبليس وفرعون وهامان وجنودهما والجنة والنار عاينتهم بأعيانهم في المصحف لان فرعون مكتوب فيه كما أن القرآن مكتوب ويلزمك أكثر من هذا حيث يقول في المصحف وهذا أمرٌ بين لأنك تضع يدك على الآية وتراها بعينيك ﴿الله لا اله إلا هو الحي القيوم﴾ البقرة ٢٥٥ فلا يشك عاقل بان الله هو المعبود وقوله ﴿الله لا اله إلا هو الحي القيوم﴾ هو قرآن.
[ ٢٣٨ ]
وكذلك جميع القرآن هو قوله والقول صفة القائل موصوف به فالقرآن قول الله والقراءة والكتابة والحفظ للقرآن هو فعل الخلق لقوله ﴿فاقرأوا ما تيسر منه﴾ (١) المزمل ٢٠، وهنا نرى الإمام البخاري ناقش هذه المسألة تبعًا لمسألة اللفظ؛ كما بوب لذلك بقوله" باب قوله تعالى: ﴿واسروا قولكم أو اجهروا به أنه عليم بذات الصدور﴾
وأراد بهذه الآية أن أفعال الله وأوصافه لا تشتبه بأفعال العباد وأوصافهم، فان أقوال العباد الموصوفة بأنهم يجهرون بها أو يسرونها هي أقوالهم وأعمالهم. أما كلامه وفعله فلا يكون وصفًا للعباد بأنه قولٌ لهم أو فعل لهم.
وقد قال الإمام أحمد أفاعيل العباد مخلوقة وأفاعيل العباد بقضاء وقدر.
وقال: الاستطاعة لله والقوة ما شاء الله كان من ذلك وما لم يشأ لم يكن ليس كما يقول هؤلاء - يعني المعتزلة - الاستطاعة إليهم. (٢)
وسأله حنبل مرة: أفاعيل العباد مخلوقة قال: نعم مقدرة عليهم بالشقاء والسعادة، فأهل السنة يخالفون الجهمية الجبرية والمعتزلة القدرية ويعتقدون أن الله خالق أفعال العباد ولا خالق
_________________
(١) خلق أفعال العباد ١١٤، ١١٥ بتصرف
(٢) طبقات الحنابلة لابي يعلى ١/ ١٤٥
[ ٢٣٩ ]
سواه وليس بوسع المخلوق أن يخلق فعله - وهنا تنبيه - وهو أننا إذ قلنا إن الله خالق أفعال العباد فليس معنى هذا أنه يجوز أن يتصف بها أو تعود أحكامها إليه، لكنها تعود للإنسان الذي فعلها وقامت به وصارت فعلًا له، لان من لم يفرق بين فعل الله حقيقة وفعل العبد حقيقة يلزمه أحد محذورين.
الأول: أن يصف الله بأفعال عباده ومعلوم ما فيها من ظلم وكذب.
الثاني: أن ينفي عن الله ما أثبته لنفسه من أنه خالق كل شيء.
وهذان أمران عظيمان فالله لا يوصف بشيء من مخلوقاته بل صفاته قائمة بذاته
وقد أكثر البخاري ﵀ من الاستدلال أن أهل العلم يفرقون بين الخلق والمخلوق، فقد تدرج ﵀ في هذه المسألة فقال (باب ما جاء في قوله ﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾ الأعراف ٥٦، فبين أن الرحمة صفة ذات له كقوله تعالى ﴿وربك الغني ذو الرحمة﴾ ١٣٢ الأنعام؛ وتكون مفعولًا له مخلوقًا ثم أورد حديث في بعض طرقه (هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده) ومراده بيان أن الرحمة تطلق على المخلوق فتكون مخلوقة لله مفعولاُ له ومثله باب قول الله تعالى ﴿إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا﴾ فاطر ٤١، فاثبت فيه جنس الفعل في قوله ﴿يمسك﴾ وهذا مدخل لطيف على أنه فعال لما يريد ونبه عليه ردًا على المعتزلة وغيرهم، وعلق بقوله في خلق أفعال العباد (إلاّ المعتزلة: فإنهم ادعوا أن فعل الله مخلوق وان أفعال العباد غير مخلوقة وهذا خلاف علم المسلمين. (١)
_________________
(١) خلق افعال العباد ص ٧٥
[ ٢٤٠ ]
ثم صرح ﵀ في باب - ما جاء في تخليق السموات والأرض وغيرها من الخلائق وهو فعل الرب ﵎ - وأمره - فالرب بصفاته وفعله وأمره (وكلامه) (١) هو الخالق المكون غير مخلوق وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون
فبين ﵀ أوضح بيان أن التخليق فعل الله والمخلوقات وقعت بفعل الله والمخلوق ليس هو فعل الله وإنما مفعوله؛ ووضح ذلك في خلق أفعال العباد فقال: وأما الفعل من المفعول فالفعل إنما هو أحداث الشيء والمفعول هو الحدث لقوله ﴿خلق السموات والأرض﴾ الأنعام ٧٣، فالسموات والأرض مفعولة وكل شيء سوى الله بقضائه فهو مفعول فتخليق السموات فعله لأنه لا يمكن أن تقوم سماء بنفسها من غير فعل الفاعل وإنما تنسب السماء إليه لحال فعله ففعله من ربوبيته حيث يقول كن فيكون ولكن من صنعته وهو الموصوف به كذلك قال: رب السموات ورب الأشياء وقال النبي - ﷺ - " رب كل شيء ومليكه ". (٢) قال ابن القيم معلقًا على كلام البخاري في تبويبه: وهذه الترجمة من أدّل شيء علي دقة علمه ورسوخه وهي فصل في مسألة الفعل والمفعول وقيام أفعال الرب ﷿ وانها غير مخلوقة وان المخلوق هو المنفصل عنه الكائن بفعله وأمره وتكوينه. وفرق بين ما يقوم بالرب وما لا يقوم به وبيّن أن أفعاله كصفاته داخلة في مسمى اسمه ليست منفصلة خارجة مكونة بل بها يقع التكوين (٣)
وقد اكتفيت في بيان مراد البخاري من كلامه هو ان كان بعيدًا عن أقوال الشراح ولا يخفى أهمية ذلك حتى قال الحافظ في مثل هذه المسألة " ثم وجدت بيان مراده في كتابه الذي
_________________
(١) ما بين الاقواس في بعض نسخ الصحيح وهي رواية ابي ذر كما في الفتح ١٣/ ٤٤٨
(٢) خلق افعال العباد ص ١١٣
(٣) اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص ٢٤٠
[ ٢٤١ ]
أفرده في خلق أفعال العباد " (١) وبعد ذكره لتأويل ابن بطال لكلام البخاري في هذه المسألة قال الحافظ " ولم يعرج على ما أشار إليه البخاري فله الحمد على ما انعم. (٢)
وبهذا اختم هذا المبحث واسأل الله التوفيق والسداد.
_________________
(١) الفتح ١٣/ ٤٤٨
(٢) المصدر السابق ١٣/ ٤٤٩
[ ٢٤٢ ]