تميز الإمام البخاري -﵀- في بيانه لمسائل العقيدة ورده على المخالفين بمميزات تجمعه مع أئمة السلف الكبار الذين يقتدى بهم، ذلك ما فهمته من كتاب التوحيد وما نص عليه في (خلق أفعال العباد)، فمن ذلك:
أولًا: تعظيمه للآثار
١ - ويتمثل ذلك باحتجاجه بالكتاب الكريم والسنة المطهرة، فالآية الصريحة يبوب بها لكي يتضح مراده منها، لا يأولها ولا يحرفها، فيورد آيات الصفات مرتبة ويتبعها بالأحاديث الصريحة لا يفرق بين ما كان منه متواترًا أو أحادًا، إذ الجميع عنده بمنزلة واحدة إذا كانت صحيحة، وأن كان في عرضه لمسائل العقيدة يتحرز من أولئك الذين لا يقبلون خبر الواحد، فيبوب بآيات غالبًا ليوحي أن هذه المسألة ثابتة بالقرآن أصلًا.
٢ - الاحتكام إلى هذه الآثار في حالة الإختلاف، ولذلك كثيرًا ما يورد قوله تعالى ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ النساء ٥٩، وقوله ﵊ (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ)، وكان يقول: فافترقوا على أنواع جهلًا بلا حجة أو ذكر إسناد وكله من عند غير الله.
[ ٢٤٣ ]
٣ - الرجوع في هذه الآثار إلى تفسير السلف فهو ينقل عن الصحابة في التفسير وعن تابعيهم كما في الإستواء عن أبي العالية وعن مسروق (١) وقبلهما عن ابن عباس وغيره من السلف.
٤ - بيانه للأدلة غير الصريحة والرد عليها بإيراده للآيات والأحاديث الصحيحة مقابلة للآراء البشرية والفهم المخالف، فالآية التي يفهمونها على غير وجهها يتبعها بالحديث الذي يوضحها كقوله ﴿إلى ربها ناظرة﴾ اتبعها بقوله - ﷺ - (إنكم سترون ربكم) وهكذا في أمثلة كثيرة.
ثانيًا: الاحتكام إلى اللغة العربية
ولذلك تجده -﵀- كثيرا ما يورد كلام أئمة اللغة خاصة اكثاره عن ثلاثة منهم: ابن الأعرابي والفراء وأبي عبدالقاسم بن سلام في مواضع كثيرة من صحيحه.
قال: وإن لم يعلم هذا المعترض اللغة فليسأل أهل العلم من أصناف الناس.
وقال: وما تحملنا على كثرة الإيضاح والشرح إلاّ معرفتنا بعجمة كثير من الناس، ثم نقل قول الحسن: إنما أهلكتكم العجمة.
وقال البخاري أيضًا: إن أ: ثر مغاليط الناس من هذه الأوجه، الذين لم يعرفوا المجاز من التحقيق، ولا الفعل من المفعول، ولا الوصف من الصفة.
_________________
(١) مسروق بن الأجدع، تابعي ثقة، قدم المدينة في ايام أبي بكر كان عالمًا بالفتيا، (ت ٦٣ هـ) الأعلام (٧/ ٢١٥).
[ ٢٤٤ ]
ثالثًا: التمسك بالألفاظ الشرعية وبيان مراد المتكلم
فالبخاري مثل السلف لا يقولون بشيء لم يرد، وإذا تكلم متكلم يستوضحون منه مراده، فقد بوب -﵀- لمسألة من يقول القرآن غير الله، وهي مسألة حادثة، فقال: باب قوله تعالى ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ الفتح ١٥.
وقال -﵀-: وأما قوله فهل يرجع إلى الله إلاّ باللفظ الذي تلفظ به، فإن كان الذي تلفظ به قرآنًا فهو كلام الله، قيل له: ما قولك تلفظ به؟ فإن اللفظ غير الذي تلفظ به لأنك تلفظت بالله وليس الله هو لفظك.
والبخاري ماهر في شرح المصطلحات الشرعية موضح لها، حتى يفهم المتلقي، فيقول: باب ذكر الله بالأمر. وذكر العباد بالدعاء والتضرع والرسالة والبلاغ، ثم يدلك لكل ذلك. ويقول في موضع آخر: فقوله تعالى ﴿فاذكروا الله كذكركم آباءكم﴾ البقرة ٢٠٠، يشرح أن ذكر العبد ربه غير ذكر الله عبده؛ لأن ذكر العبد الدعاء والتضرع، وذكر الله الإجابة، كما قال الله ﷿ وقال النبي - ﷺ -: (إني لا أقول إلاّ ما في القرآن).
رابعًا: الإيجاز في عرض الشبهة وجوابها
[ ٢٤٥ ]
وغرضه حتى لا تستقر في قلوب الضعفاء، وقد استعمل هذا في عدة مواضع من كتاب التوحيد فقال: " باب قوله ﴿كل يوم هو في شأن﴾ الرحمن ٢٩، وقوله ﴿وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ الأنبياء ٢، وقوله ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ الطلاق ١، وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى ١١، فقد بيّن بأوجز عبارة وأوضح دليل مسألة قيام الحوادث وأنه يكفي في دفعها رفع تصور المشابهة بين الخالق والمخلوق.
وما كان -﵀- يذكر الشبهة بل ربما حذر منها ومن عدم حكايتها تهويلًا لها واشفاقًا من سماعها، فكان ينقل قول ابن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية.
وقال البخاري محذرًا منهم: ما أبالي صليت خلف الجهمي والرافضي أم صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يسلم عليهم، ولا يعادون، ولا يناكحون، ولا يشهدون، ولا تؤكل ذبائحهم.
خامسًا: الاحتجاج بموافقة العقل الصريح للنص الصحيح
ولم يغفل البخاري الاستنباط العقلي والحوار الجدلي الواقف على أرضية الكتاب والسنة، فالبخاري كثيرًا ما يعرض بقياس الشاهد على الغائب، ويؤكد على قياس الأولى فيقول:
- وإن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين.
- ويقول قال تعالى ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾ البقرة ٢٢، وما ذكر في خلق أفعال العباد واكسابهم.
[ ٢٤٦ ]
- ويقول ذكر الله غير ذكر العباد، ذكر الله بالأمر، وذكر العباد بالدعاء.
ويستنبط البخاري من النصوص أدلة عقلية على مقصوده، فيقول [ماذا قال ربكم قالوا الحق] قال البخاري: ولم يقل ماذا خلق ربكم؟
وتراه في إثبات صفة العلو يورد آيات عروج الملائكة، وصعود الكلم الطيب ونزول الملائكة.
وقال: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله﴾ الأنعام ١٩.
قال البخاري فسمى نفسه شيئًا وسمى النبي - ﷺ - القرآن شيئًا وهو صفة من صفاته.
وكذلك في إثبات صفة العزة لله، أورد أحاديث الحلف بالعزة، كقول أيوب (وعزتك) أراد البخاري أن الحلف بالعزة والصفات، وأن ذلك من أحكام الصفات؛ لأن لها أحكام الذات.
وهكذا فالبخاري -﵀- من مجتهدي سلف الأمة أثبت لله صفاته من غير تأويل ولا تحريف وآمن باسمائه وأحكامها، ونفى عن الله النقص، وأثبت خلق الله لافعال عباده وأن العباد لهم تصرف في أفعالهم مع عدم خروجهم عن قدر الله، كل ذلك باسلوب عميق وفهم دقيق ومنهج غير متباين من أول الكتاب إلى آخره.
يقول د. علي سامي النشار: وللبخاري منهج في الاستدلال في غاية الدقة، وذلك أن يورد النصوص من القرآن والسنة. وما هذا المنهج إلاّ منهج استقرائي شديد التتبع للنصوص وفحصها والاستنتاج منها بكل حذر ودقة واحتياط، ولم نر لأحد من المؤلفين هذه الدقة المنهجية التي سار عليها البخاري. (١)
_________________
(١) مقدمة عقائد السلف.
[ ٢٤٧ ]