مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - أهمية اتباع السنة
سنة النبي ﷺ هي الموضحة والشارحة والمبينة لكتاب الله، فقد بعث الله سبحانه نبيه ليبين للناس ما نزل إليهم، ولا يتحقق إيمان العبد إلا بحب الله سبحانه، ولا برهان على حب الله إلا باتباع سنة نبيه ﷺ.
فكتاب الله وسنة رسوله هما المرجع عند الاختلاف والتنازع، وقد كان الصحابة الكرام والتابعون من بعدهم وأصحاب المذاهب المشهورة لا يقدمون على قول رسول الله ﷺ قول أحد.
[ ١٦ / ١ ]
اتباع النبي دليل محبة الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن من الصفات التي كان يتصف بها أهل الجاهلية وجاء الإسلام بإقرار القليل منها وإنكار الكثير منها: أنهم كانوا يزعمون -على ما هم فيه من فساد وشرك وفسق وفجور- أنهم أحب إلى الله من غيرهم، وأن لهم الكرامة عند الله جل في علاه في الدنيا والآخرة، وقد بين الله جل وعلا ذلك جليًا في كتابه، وأنهم ترسموا خطى أهل الكتاب من قبلهم، حيث صرح أهل الكتاب بذلك بقولهم كما ذكر الله تعالى عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، فكذبهم الله في هذا الزعم، وقال: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة:١٨].
فكثير من أهل الجاهلية كان يزعم أنه قريب من الله جل في علاه، وأن له الكرامة عند الله، كذلك الرجل الذي قال: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف:٣٦]، وفي الآية الأخرى قال: ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت:٥٠]، وصور الله سبحانه هذه الجرأة العجيبة فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم:٧٧].
ولما زعم أهل الجاهلية أن لهم الكرامة عند الله جل في علاه، وأنهم أقرب إلى الله من غيرهم، أراد الله أن يمتحنهم بعدما أبطل الله هذا الزعم، وبين كذبهم في هذا الزعم، فذكر لهم أن حبه جل في علاه له برهان، وما من أحد يزعم زعمًا إلا ولا بد أن يبرهن على هذا الزعم، فامتحنهم الله جل وعلا ومحصهم تمحيصًا شديدًا وقال لهم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١].
هذه الصفة الجاهلية موجودة في عصورنا هذه، فكثير منا يزعم زعمًا كاذبًا والعملة الزائفة لا تروج على الله جل في علاه، فليس حب النبي ﷺ أو حب الله ﷿ بإنشاء السرادقات، ولا توزيع المطعومات والمشروبات وغير ذلك من الأفعال التي يفعلها من يزعم أنه يحب الله ويحب رسوله ﷺ.
إذًا: من وجد في نفسه أنه يتصف بهذه الصفة فلا بد أن يسارع إلى الله جل في علاه، ويبتهل إليه حتى يزيل الله عنه هذه الصفة، ومن وجد أن الله حفظه من هذه الصفة السيئة فليحمد الله على ذلك؛ فإن الله امتحن القوم الذين زعموا محبته فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران:٣١] فبرهان ذلك «فَاتَّبِعُونِي» فاتباع النبي ﷺ علامة على صدق من زعم أنه يحب الله جل في علاه.
وليعلم الناس أنه لا أحد يتقدم بين يدي الله وبين يدي رسوله ﷺ، فالآيات متوافرة ومتضافرة وكلها تبين أن مناط القبول عند الله لا يكون إلا باتباع رسوله ﷺ، حيث يقول الله جل في علاه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، فجعل طاعة الرسول ﷺ هي طاعة الله، وقد أناط الله فيها الإيمان بمتابعة النبي ﷺ فقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
[ ١٦ / ٢ ]
الأمور التي يناط بها الإيمان
لقد أناط الله جل في علاه صدق الإيمان بأمور ثلاثة: الأمر الأول: بتحكيم رسول الله وسنته عند الخلاف، قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء:٦٥]، فكل تنازع وشجار وخلاف لا يمكن أن تصل به إلى رضا الله حتى ترده إلى رسول الله ﷺ، فكل تنازع لا بد فيه من حكمه ﷺ.
الأمر الثاني: عدم الخروج من حكم رسول الله ﷺ، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ [النساء:٦٥] أي: أنك لا تجد في نفسك حرجًا من حكم رسول الله ﷺ، ولا تجد فيه أي غضاضة؛ فإن الكثير من الناس إذا قلت لهم: هذا قول رسول الله ﷺ تشمئز قلوبهم، ولو قلت: قال مالك، أو قال الشافعي، أو قال أبو حنيفة فإنه يسر لذلك، ولا يسمع منك قال رسول الله ﷺ، مع أن هؤلاء الأئمة العظام الأماجد الأكارم قد قدموا رسول الله على أنفسهم، بل وقدموه على الدنيا بأسرها.
الأمر الثالث: التسليم لحكم رسول الله ﷺ، قال الله تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، ولو انتفت الثالثة انتفت الباقيات، فهي محض الإسلام والاستسلام لله جل في علاه، ومحض الانقياد والإذعان لأمره ﷿.
[ ١٦ / ٣ ]
الأدلة على اتباع النبي والتمسك بسنته
[ ١٦ / ٤ ]
أولًا: الأدلة من الكتاب
﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
وقال الله مادحًا إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١]، ما من صاحب علم وحكمه تأتيه المسألة أو يعن له الخلاف ثم يقال له: قال فيها رسول الله كذا.
إلا قال: سمعت وأطعت وسلمت لرسول الله ﷺ، وهذا مناط تمحيص الإيمان في قلب العبد ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، ولا يجد في نفسه جرجًا، ولا يجد من نفسه إلا الانقياد والاستسلام، هذا هو الذي آمن إيمانًا كاملًا بالله وبرسوله ﷺ.
وأيضًا قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فلا اختيار مع أمر الله ورسوله ﷺ، فإن جاءك الأمر من أمر رسول الله ﷺ فما لك إلا أن تقول: سمعت وأطعت، ولذلك كان النبي ﷺ يقول: (لا ألفين أحدكم على أريكته شبعان يأتيه الأمر من أمري فيقول: نعرضه على كتاب الله، فإن وجدناه فيه أخذنا به، وإلا لم نأخذ به، ألا وإن ما أحل رسول الله كما أحل الله، وما حرم رسول الله كما حرم الله).
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩]، فجعل الحسْن كل الحسْن أن ترد المتنازع فيه لله ولرسوله ﷺ، ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، فهذه الآيات المتضافرة تبين أن مناط محبة الله جل في علاه هو اتباع رسول الله ﷺ، وبالتالي فإن كمال الإيمان بل وأصله هو اتباع المرء لرسول الله ﷺ، وأما المتهمين للمتمسكين بالسنن ويسمونهم بالتشدد والتطرف؛ بسبب التزامهم بتقصير الثوب، أو بالمحافظة على السواك، فيقال لهم: هذه هي سنة النبي ﷺ، ولا غرو ولا عجب أن يتمسك المسلم بها، وقد أناط الله الإيمان بالتمسك بهذه السنن.
[ ١٦ / ٥ ]
ثانيًا: الأدلة من السنة
أما الأحاديث فكثيرة جدًا، ويظهر منها جليًا تطبيق الصحابة والتابعين والفقهاء الأربعة وأصحابهم لهذه القضية العظيمة الجليلة، وهي: أن محض الإيمان هو محض الاتباع للنبي ﷺ، ففي مسند أحمد عن العرباض بن سارية قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال النبي ﷺ: عليكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي -ثم قال ﷺ-: فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي)، فكأن سائلًا يسأل: وماذا نفعل يا رسول الله! إذا وجدنا هذا الاختلاف الكثير، فقال ﷺ: (فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور)، إلى آخر الحديث.
والشاهد قوله ﷺ: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور).
وعن النبي ﷺ كما عند ابن أبي عاصم والمستدرك للحاكم بسند صحيح: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي)، والسنة هي من كتاب الله جل في علاه، وكثير من السلف كانوا يقولون: السنة قاضية على كتاب الله.
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، قال الشافعي: آيات الله الكتاب، وأما الحكمة فهي سنة النبي ﷺ، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، قوله: (وما آتاكم الرسول) أي: من كتاب أو سنة، فهما وحيان من الله، فالكتاب لفظه من الله جل في علاه، والسنة معناها من الله ولفظها من رسول الله ﷺ.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (كل أمتي يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)، فكيف يصبو امرؤ إلى سب وانتقاص من يتمسك بسنة النبي ﷺ، ويهون من شأنها، ويقول: الدين قشر ولباب؟ إن ذلك تجاسُر وجرءة على سنة النبي ﷺ، ولن ينجو العبد عند ربه إلا باتباع النبي ﷺ، فقد أغلق الله كل باب إلا باب رسول الله ﷺ، ولذلك قال النبي ﷺ: (فمن رغب عن سنتي فليس مني)، وهذا الحديث أشد ما يكون زجرًا لهؤلاء، ففي يوم القيامة يرد الناس على حوض النبي ﷺ، فمنهم من يذاد عن حوضه؛ لأنهم ليسوا من أمته، ثم يرد عليه أناس يعرفهم الرسول الله ﷺ ليشربوا من حوضه، لكنهم يذادون أيضًا من بين يدي رسول الله ﷺ: فيقول: (أصحابي أصحابي، فيقال له: يا محمد! إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، أي: لم يأخذوا بسنتك، ولم يقتفوا أثرك، فيقول النبي ﷺ زيادة في النكاية بهم: (سحقًا سحقًا بعدًا بعدًا لمن بدل بعدي)، نعوذ بالله أن نكون من هؤلاء.
ففي يوم القيامة يكون الكرب شديدًا، فالشمس تقترب فيه مقدار ميل من الرءوس، ويحتاج المرء فيه إلى شربة ماء تروي ظمأه، وعندما يأخذ الإناء ليشرب يقال له: (سحقًا سحقًا بعدًا بعدًا لمن بدل بعدي).
[ ١٦ / ٦ ]
ثالثًا: الأدلة من الآثار السلفية
أما الآثار الدالة على اتباع السنة فكثيرة جدًا، فعن عمر بن عبد العزيز أنه بعث إليه رجل فقال: اعلم أخي المسلم أن النجاة في السنة، والتزم السنة تعصم.
أي: أن العصمة بالتزام السنة.
وكان سفيان الثوري يبعث ويقول: أعزوا أهل السنة فإنهم غرباء.
ويقول البخاري: رحمة بأهل السنة فإنهم إلى قل، أي: هم قليل.
وأبو بكر بن عياش ﵀ ورضي الله عنه وأرضاه كان يقول: غربة أهل السنة في أهل الإسلام كغربة أهل الإسلام بين الأديان.
وقال ابن القيم: ليست الغربة التي يجدها المرء المسلم بين أهل الأديان، لكن الغربة كل الغربة التي يجدها الذي يتمسك بسنة النبي ﷺ بين أهل الإسلام.
ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتمسكون بسنة النبي ﷺ، ويعضون عليها بالنواجذ، وما أتتهم الرفعة والعزة إلا بتطبيقهم لهذه الآية العظيمة، والبرهنة الواضحة الجلية على حب الله جل في علاه ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١].
قال الحسن البصري زعم أناس محبة الله فامتحنهم الله باتباع سنة النبي ﷺ.
لقد كان أبو بكر ﵁ الله أعظم الناس قدرًا، وأرفع الناس شرفًا، وأحسنهم مكانة عند رسول الله ﷺ، وما اعتلى عرش هذه المكانة إلا بشدة تحريه لسنة النبي ﷺ، فعندما مات رسول الله ﷺكما قال أبو هريرة -؛ وارتد من العرب من ارتد، جهز أبو بكر جيشًا وأمر عليه أسامة، وكان هذا الجيش قد أعده النبي ﷺ، وكان يوصي به قبل أن يموت، فكانت وصية النبي ﷺ بين عيني أبي بكر ﵁ وأرضاه، وقد ظهرت الردة في كل مكان ولا يمكن أن ينفذ هذا الجيش؛ لأن هؤلاء المرتدين قد يدخلون المدينة فيقتلون الخيار من صحابة رسول الله ﷺ، فقام مجلس الشورى يعارضون أبا بكر وأولهم عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، ويقول: كيف تنقذ هذا الجيش وأنت تعلم أن العرب قد ارتدت ورمت الإسلام عن قوس واحدة؟ فقال أبو بكر مبينًا أن التمسك بأمور النبي ﷺ وبوصاياه فيها العزة، فقال: والله لأنفذن جيش أسامة، ولأفعلن ما أمر به رسول الله ﷺ.
فلما وجد عمر ذلك التصميم من أبي بكر عرف أن الحق مع أبي بكر، ثم عارضه مرة أخرى فقال: كيف تؤمر أسامة على جيش وفيه الأشياخ من المهاجرين والأنصار؟ وكان وأسامة لم يبلغ العشرين من العمر، فقال عمر: أمر غيره.
فقال: لا والله لا أنزع أميرًا أمره رسول الله ﷺ.
فالشاهد من هذا: معرفة شدة تحري أبي بكر ﵁ وأرضاه وتتبعه لخطى النبي ﷺ، فذلك هو الذي كتب له الفوز من هذه المخاطرات، ومن هذه الضوائق والبليات التي نزلت عليهم، فلما نفذ وصية رسول الله ﷺ أُرعبت الأمم التي ارتدت ورجعت إلى جحورها ولم تهاجم المدينة، وقال ﵁ كلمته المشهورة: والذي نفسي بيده! لو جرت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين لأنفذن جيش أسامة.
أي: لن أرد وصية الرسول الله ﷺ التي أوصى بها.
وقد ظهر تمسك أبي بكر بسنة النبي ﷺ على الصحابة بأسرهم، ففي صلح الحديبية عندما لم يطق عمر بن الخطاب بندًا من بنود هذا الصلح، وهو: لا بد من رد أهل الإسلام إلى الكفار، وإذا كفر منهم أحد لا يردوه إليهم، والنبي ﷺ يذعن لهذه الشروط، لكن أبا بكر كان موفقًا مسددًا من قبل الله جل في علاه، فقد كان يقتفي أثر النبي ﷺ ويتحرى سنته، فجاء عمر بن الخطاب يستنفر أبا بكر لعله يقنع رسول الله، فيقول: يا أبا بكر! ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ فقال: بلى، قال: ولم نعط الدنية في ديننا؟ أي: اذهب واستنفر رسول الله ﷺ، فقال له أبو بكر كلمات تحفر على الصدور بماء الذهب، ويظهر منها شدة تحري وتمسك أبو بكر ﵁ وأرضاه بسنة النبي ﷺ، قال: هو رسول الله فالزم غرزه، يعني: تمسك بسنة رسول الله ﷺ، فإن جاءك الأمر ولم تستطع فهمه فلا بد أن تقبله، وإن لم تستطع تطبيقه فقل قبلته، ولعل الله جل وعلا يقويني على تطبيقه، لكن لا ترد أمر رسول الله ﷺ، فإنا نخشى عليك الفتنة، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
والفتنة تستلزم الشرك أو الكفر أو النفاق أو البدعة أو العذاب أليم.
فقال: هو رسول الله، يعني: أنصحك نصيحة يا عمر! عليك بسنة النبي ﷺ فعض عليها بالنواجذ، قال: هو رسول الله ﷺ ولن يضيعه الله، فكانت الغلبة والقوة والعظمة مع تحري أبي بكر ﵁ وأرضاه في تمسكه بسنة النبي ﷺ.
كما ظهر تمسكه ذلك في المسائل الخلافية الفروعية والأصولية، كما يقول أهل التفريق بين الأصول والفروع، مع أن الدين كله متكامل لا فرق بين أصل وفرع، فقد جاءت الجدة إلى أبي بكر تسأل ميراثها بعدما مات عنها حفيدها، تقول: مات عني ابني فمالي من الميراث؟ قال: لا أعلم في كتاب الله لك من ميراث، ثم عقد جلسة لأصحاب رسول الله ﷺ فسألهم: هل جعل رسول الله ﷺ لها قسطًا أم لا؟ فقال محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة: (جعل النبي ﷺ لها السدس)، فأمضى لها السدس تمسكًا بسنة النبي ﷺ.
يا للروعة! ويا لعظم هؤلاء الأخيار الأماجد! فحق لنا أن نفتخر بهؤلاء؛ لأنهم ما ارتفعوا وما ارتقوا إلا بتمسكهم بسنة النبي ﷺ؛ برهنة على حب الله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١].
وهذا عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه وهو الوزير الثاني لرسول الله ﷺ يضرب لنا أروع الأمثلة في تمسكه بالسنة، وأنه لا يقدم قول أحد على قول رسول الله ﷺ.
فقد كان الأشياخ من المهاجرين والأنصار يجلسون في مجلس التحديث والمذاكرة، فذكروا مسألة وهي: إذا جامع الرجل امرأته ولم ينزل فماذا عليه؟ فاختلف الصحابة على قولين، القول الأول: إذا لم ينزل فلا غسل عليه؛ لقول النبي ﷺ: (إنما الماء من الماء)، أي: إنما الغسل من إنزال المني.
والقول الثاني: عليه الغسل، والدليل على ذلك قوله ﷺ: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل)، أي: إذا داعب الرجل امرأته فلامس ذكره فرجها ومس ختانه ختانها فقد وجب عليهما غسل الجنابة، وهذا ما ذهب إليه عثمان ﵁ وجمهور الصحابة.
فلما نظر عمر قال: لا بد من رد المسألة إلى رسول الله عملًا بقول الله تعالى: «فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ» [النساء:٥٩]، فبعث إلى عائشة ﵂ وأرضاها وأخبرها بهذه المسألة، فقالت: (كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك ويغتسل)، ثم ذكرت حديث النبي ﷺ: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل).
وحديث: (إنما الماء من الماء) كما قال ابن عباس: ليس منسوخًا، ولكنه في الاحتلام، أي: أن الرجل إذا رأى في منامه أنه يجامع امرأة وأحس بشهوة ثم قام فلم يجد بللًا فليس عليه غسل، وقد صرح بذلك النبي ﷺ كما في سنن أبي داود: (أن الرجل إذا استيقظ فوجد في ثيابه بللًا كان من احتلام فعليه الغسل، وإن لم يجد البلل فليس عليه غسل).
والمقصود أن عمر بن الخطاب رد التنازع إلى رسول الله ﷺ؛ ليبين لنا أن أي مسألة مهما يكن فيها من خلاف لا بد من ردها إلى الله ورسوله، لا إلى أبي بكر أو عمر أو إلى الشافعي أو أبي حنيفة: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، وقال ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١].
وهذا عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه يبين لنا شدة تحريه لسنة النبي ﷺ حتى في طريقة الوضوء، فقد روي أنه أوتي بوضوء، ثم غسل يديه ثلاثًا، ثم توضأ كما توضأ رسول الله ﷺ حذو القذة بالقذة.
وهذا ليس تنطعًا ولا تطرفًا، بل هو التماس لسنة النبي ﷺ، فتوضأ كما توضأ النبي وقال: لقد توضأ رسول الله ﷺ نحو وضوئي هذا وقال: (من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه).
فهذا الثواب العظيم لمن يتحرى سنة النبي ﷺ.
وكان عثمان بن عفان ﵁ ينهى عن المتعة في الحج ويقول بحج الإفراد والقر
[ ١٦ / ٧ ]
ما جاء عن الأئمة الأربعة في شدة تمسكهم بالسنة
إن الكثير من الناس اليوم قلدوا المذاهب على جهل، وارتبطوا بقول الشافعي أو أبي حنيفة أو مالك وليس هذا انتقاص منهم، فلابد أن نجل هذه المذاهب وأصحابها؛ لأن الله جل في علاه يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، ولكن كل عالم من هؤلاء الأعلام قال: فخذوا بقول رسول الله ﷺ واضربوا بقولي عرض الحائط.
وقد قال الشافعي ﵀: أجمعت الأمة على أن من استبانت له سنة النبي ﷺ ليس له أن يدعها لقول أحد كائنًا من كان.
وكان مالك ﵁ وأرضاه من شدة تعظيمه للنبي ﷺ يمشي في المدينة حافيًا احترامًا وتقديرًا لصاحب القبر، ثم يقول: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر.
فـ الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد أصلوا لمذاهبهم، فجاء الأصحاب يأخذون بتأصيلهم، ولكن المقلدة الذين لا يعقلون عن الله ولا عن رسوله ﷺ، بل ولا عن أئمتهم شيئًا قدموا أقوال الأئمة على أقوال رسول الله ﷺ، فـ مالك ﵀ لشدة تحريه وتمسكه بسنة النبي ﷺ ما كان يفتي إلا بقال الله قال رسول الله، وإذا غابت عنه سنة قال: لا أعلم، ولذلك جاءه رجل ضرب أكباد الإبل من المغرب إلى المدينة ليسأل عن مسألة فقال: ليس لي فيها سنة ائتني بعد أيام، فأتاه بعد أيام ثم فقال ما تبين لي فيها شيء، فقال الرجل: ضربت أكباد الإبل لأسأل مالكًا أعلم أهل المدينة، ويقول لي: لا أعلم فيها شيئًا، فقال: ارجع إلى من بعثك فقل له ذلك، فرجع إلى المغرب وقال لهم ما قاله الإمام مالك، فانتحل أهل المغرب مذهب مالك؛ لتعظيمه سنة النبي ﷺ.
وجاءه رجل وقال: سأحرم من قبل ذي الحليفة -أي: قبل الميقات- فقال له: لا تفعل، قال: ولم؟ قال: يا بني! كيف تفعل أمرًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ يا بني! إني أخشى عليك أن ترى أنك فعلت أمرًا قد قصر عنه رسول الله ﷺ فتكون عليك فتنة، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
وكان الإمام الشافعي جالسًا مع بعض أصحابه فدخل رجل فسأله فقال أحد تلامذة الإمام الشافعي: هذه المسألة سئل فيها رسول الله وقال فيها كذا، فقال الرجل وكان من الجهلة: يا شافعي! أتقول بقول هذا الرجل؟ وهذا من الجهل، فإن كثيرًا من الناس لا يسمع إلا للمشهورين مع أنهم قد يخالفون حديث النبي ﷺ، وقد جاء في السنن بسند صحيح قال النبي ﷺ: (لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد هدي، ومن أشير إليه بالبنان فلا تعدوه)، وفي هذه العصور نرى تطبيقًا لما قاله النبي ﷺ.
قال له الشافعي ﵀: وما لي لا أقول بقول رسول الله ﷺ، أرأيتني خرجت من كنيسة؟! أرأيت في وسطي زنارًا؟! وفي هذا تأسيس وتأصيل للطلبة وللمستفتي أن المسألة قال الله قال رسوله، لا يمكن أن تتقدم بين يدي رسول الله ﷺ.
وأيضًا فإن أبا حنيفة الذي يقال عنه: إنه صاحب الرأي والقياس، وإنه يلقي بالأحاديث خلفه، كان من أشد الناس تحريًا للسنة، لكنه كان يعيش في زمان كثر فيه الوضاعون والكذابون فما كان يأخذ منهم الأحاديث، ولا يثق بهم، فلهذا كان يقيس، لكن إذا استبانت السنة عض عليها بالنواجذ، ولذلك كان يقول: بأن الرجل إذا نكح في الحج صح نكاحه، ويستند إلى ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵁ وأرضاه أنه قال: (تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم)، ولكن ذلك كان وهمًا من ابن عباس ﵁، كما قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس، ما تزوج النبي ﷺ ميمونة إلا وهو حلال، لكن هذا دليل على أن أبا حنيفة كان يتمسك بسنة النبي ﷺ، ويقدمها على أقوال الآخرين.
وأحمد بن حنبل ﵀ كان يقول: لا تأخذوا عني ولا عن الثوري، وخذوا من حيث أخذنا، يعني: من رسول الله ﷺ.
وقد نقل عنه بالتواتر أنه قال: الحديث الضعيف أولى عندي من القياس.
تأويل ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: كان في عرف المتقدمين أن الحديث ينقسم إلى قسمين: صحيح وضعيف، والضعيف يأتي فيه ما هو محتج به وما ليس بمحتج به، والمحتج به هو الذي ارتقى إلى درجة الحسن وهو ما بين الصحيح والضعيف، والغير محتج به هو الضعيف إذًا: معنى قول الإمام أحمد بن حنبل أن الحديث الحسن الذي فيه راوٍ خفيف الضبط هو الذي يقدمه على القياس، فكان يأخذ بقول النبي ﷺ، ثم بقول الصحابة، ثم بقول الشافعي إن لم يجد، أو يأخذ بالقياس في أضيق الأحوال.
إن أصحاب المذاهب رفعوا الأئمة إلى أعظم المكانات لكنهم لم يقلدوهم كما قلدهم الكثير من الناس، فالإمام مالك ﵀ كان يرى المسح في السفر دون الحضر، لكن أصبغ وهو من أتباع الإمام مالك قال: وقد ثبتت سنة النبي ﷺ بالمسح في الحضر والسفر، وهي أحب إلينا من قول مالك.
فأصحاب مالك وهم الذين يدونون مذهب مالك وينصرونه، عندما يسمعون قول النبي ﷺ لا يقدمون عليه قول أحد، وهذه هي وصية مالك حيث قال: (كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، يعني: قبر النبي ﷺ).
وذكر ابن العربي المالكي أن مالكًا قال: لا صلاة على الغائب، وأنها خاصة بالنبي ﷺ، فقال ابن العربي المالكي ﵀: وقال مالك ذلك والسنة أحب إلينا؛ إذ الأصل عدم الخصوصية، فقد عمل بها النبي ﷺ فلتعمل بها الأمة، والدليل على ذلك أن الله تعالى يقول: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:١]، فالخطاب للنبي هو خطاب للأمة بأسرها، وعمل النبي ﷺ عمل للأمة بأسرها.
وأيضًا فقد كان مالك ﵀ لا يرى التتريب في غسل الإناء من ولوغ الكلب، فقال القرافي: لا يرى مالك التتريب، والسنة أحب إلينا من قول مالك.
ويقول الإمام الشافعي ﵀: إذا قلت قولًا خالف قول رسول الله ﷺ فاضربوا بقولي عرض الحائط، ثم قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
ولذلك جمع البيهقي كتابًا كاملًا سماه معرفة السنن والآثار، يقول فيه: وهذا مذهب الشافعي، مع أن ذلك لم يقله الشافعي لا في كتابه الأم ولا في غيره، وليس ذلك لا في الجديد ولا في القديم، ومع ذلك ينسبه البيهقي إلى الشافعي ويقول: علق الشافعي الحكم على صحة الحديث وقد صح الحديث، وهو (أن النبي ﷺ قبل إحدى نسائه وذهب للصلاة من غير وضوء) ومذهب الشافعي أن لمس المرأة بشهوة أو بغير شهوة ينقض الوضوء.
ثم قيل له: حديث عروة (أن النبي ﷺ قبل بعض نسائه وذهب وصلى ولم يتوضأ)، فقال الشافعي: إن صح الحديث أقول به، فقال البيهقي: وقد صح الحديث فهو مذهب للشافعي.
وأيضًا كان الشافعي يرى في قول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] أن الصلاة الوسطى هي: الفجر، وأتى بأدلة على ذلك، قال الماوردي: إن الشافعي قال إذا ثبت الحديث فهو مذهبي، وقد ثبت الحديث في البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: (حبسونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)، فالصلاة الوسطى في مذهب الشافعي هي صلاة العصر تمسكًا بسنة النبي ﷺ.
وقد عرف عن النووي أنه لا يمكن أن يخرج عن مذهب الشافعية قيد أنملة إلا إذا جره الدليل القوي، وفي شرح مسلم قال: واختلف العلماء في الوضوء من لحم الإبل على أقوال: فقال الشافعي والجمهور: إنه لا وضوء مما مست النار سواء كان لحم إبل أو غنم، قال: والحجة في الدليل، والدليل مع من يقول بالوضوء من أكل لحوم الإبل.
فخرج عن الشافعية وذهب إلى ما ذهب إليه الحنابلة؛ لأن الحديث هو مذهب كل مسلم.
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول الفقيه إن هذه الصفة والسمة التي كان يتصف بها أهل الجاهلية وهي زعمهم محبة الله جل في علاه ولا يبرهنون على هذا الزعم قد فشت فينا، فزعمنا حب الله وتركنا سنة النبي ﷺ، فبرهان هذا الزعم أن نعض على سنة النبي ﷺ بالنواجذ، وكذلك سنة أصحابه الكرام الأماجد.
[ ١٦ / ٨ ]