مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - التبرك [٢]
ينقسم التبرك إلى قسمين: تبرك مشروع، وتبرك ممنوع، فالتبرك المشروع مثل: التبرك بآثار الأنبياء وذواتهم حال حياتهم، أو بآثارهم بعد مماتهم إن ثبت وجودها.
وأما التبرك بآثار غيرهم من الصالحين والأولياء فيجوز التبرك بأفعالهم ودعائهم، وأما التبرك بغير ذلك فلا يجوز؛ وذلك لأن الصحابة والتابعين لم يتبركوا بذوات كبار الصحابة ولا بآثارهم، فلما لم يفعلوا ذلك مع وجود المقتضي وانتفاء المانع، دل ذلك على أنه غير مشروع.
[ ١٤ / ١ ]
أحكام التبرك
[ ١٤ / ٢ ]
معنى التبرك
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي النبي ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
بينا في الدرس الماضي معنى التبرك وأصل التبرك، وأن التبرك عبادة، وجماع التبرك هو طلب البركة، وإذا قلنا بأن جماع التبرك هو طلب البركة أو زيادة الخير، فالطلب إذًا لا يكون إلا ممن يملك هذه البركة، ولا أحد يملك هذه البركة إلا الله جل في علاه.
وطلب البركة يتعلق بها أمران: الأول: ألا يكون الطلب إلا من الله، فمن طلب من غير الله جل في علاه فقد وقع في الشرك؛ لأن الطلب دعاء والدعاء عبادة، ومن صرف العبادة لغير لله فقد وقع في الشرك، فمن صلى لغير الله فقد أشرك، وأيضًا من دعا غير الله لجلب منفعة أو دفع مضرة فقد أشرك.
الأمر الثاني: من اعتقد بأن البركة بيد أحد غير الله فقد اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، ومن اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله فقد وقع في الشرك.
فهناك قاعدة تقول: من عبد الله واعتقد في الله حق الاعتقاد ثم اتخذ سببًا لم يشرعه الله جل في علاه فقد وقع في الشرك الأصغر؛ لقول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧].
في هذا الدرس سنبين التبرك الممنوع، وقد ابتدأنا به من باب قول الشاعر: عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لم يعرف الخير من الشر يقع فيه فنحن نبين للناس الشركيات التي لا بد أن يتجنبوها وحتى يسلم توحيد المرء.
[ ١٤ / ٣ ]
حكم التبرك بالأمكنة والأشجار
من التبرك الممنوع: التبرك بالكعبة، والتبرك بمقام إبراهيم، والتبرك بجدران بيت المقدس، أو بجدران المسجد النبوي، فكل ذلك لا يجوز، وأيضًا التبرك بالأشجار كما بينا في حديث: (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، قال: الله أكبر إنها السنن، فقد قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨])، ورجحنا أن هذه المسألة من الشرك الأصغر وليست شركًا أكبر، وهو من باب التغليظ والزجر الشديد؛ حتى يسلم أهل التوحيد من الشرك الأصغر فضلًا عن الشرك الأكبر.
[ ١٤ / ٤ ]
حكم التبرك بالأزمنة
أيضًا من التبرك الممنوع: التبرك بالأزمنة، وقد قلنا: إذا اعتقدنا اعتقادًا جازمًا صحيحًا بأن البركة من الله جل في علاه، فإن هذه البركة لها أسباب، وهذه الأسباب من اتخذها جعل الله له البركة، فقد شرعها سبحانه لحصول البركة، ومن اخترع أو ابتدع أو شرع أسبابًا لم يشرعها الله جل في علاه فقد أشرك.
فإذا قال امرؤ: أن البركة نزلت في أزمنة معينة، فإن لم يأت عليها بدليل من كتاب الله ولا من سنة النبي ﷺ فقد افترى على الله وعلى رسوله ﷺ؛ لأن الله جل في علاه علام الغيوب، وهو الذي يملك البركة وهو الذي أنزل البركة، فهو يعلم أين تكون البركة، وما السبب الذي إذا أخذ به المرء حصلت له البركة، فإن قال الله لنا: إن زمان كذا ومكان كذا فيها البركة في أعمالكم وفي أرزاقكم، أخذنا بهذه الأسباب، وإن لم يذكر الله جل في علاه فليس لأحد أن يتقدم بين يدي الله ورسوله ويقول: هذا زمان تتنزل فيه البركات، وتكثر فيه الرحمات، وترفع فيه الدرجات، وتغفر فيه السيئات.
[ ١٤ / ٥ ]
نماذج من التبرك الممنوع ببعض الأزمنة
من قال: بأن الاحتفال بالمولد النبوي مثلًا فيه بركات، وهذا زمن مبارك لا بد أن نتبرك بالاجتماع فيه، وإظهار السرور، وتوزيع الطعام، والاحتفال فيه؛ لأنه زمن مبارك على الله وعلى رسوله.
أو يقول مثلًا: ليلة النصف من شعبان ليلة مباركة، فنفعل فيها كذا وكذا، أو الأعياد المخترعة: كعيد الحب، وعيد الشجرة، فكل هذا لا يصح؛ لأن الله جل في علاه لم يذكر في كتابه أن هذه الأيام أيام مباركات، فيتبرك بها المرء.
إن رسول الله ﷺ ما ترك طائرًا يقلب جناحيه في السماء إلا وأخبرنا خبره، ولم يقصر في البلاغ؛ والله جل في علاه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] فلو كانت هذه الأزمنة من المولد النبوي أو ليلة الإسراء والمعراج أو ليلة بدر أو غيرها أزمنة مباركة تتنزل فيها البركات لبينها النبي ﷺ، فلما لم يبين النبي ﷺ أن هذه الأزمنة من الأزمنة المباركات، لزم من يقول ببركتها الآتي: أولًا: أن رسول الله ﷺ قصر في البيان، وحاشاه ﷺ، فقد شهد الله أنه بلغ وأتم البلاغ.
ثانيًا: أنكم مفترون ومتقدمون بين يدي الله ورسوله، فلا نقبل قولكم.
إذًا: فهؤلاء قد افتروا على الله وعلى رسوله بأن ابتدعوا أزمنةً وقالوا: إن هذه الأزمنة تتنزل فيها البركات، وهذا من باب الشرك الأصغر لا الشرك الأكبر؛ لأنهم لم يعتقدوا في غير الله ولم يطلبوا البركة من غير الله جل في علاه، لكنهم اتخذوا سببًا لم يشرعه الله جل في علاه للبركة، وقد بينا أن البركة عبادة، والأصل في العبادات التوقيف.
وختامًا نقول: ليس معنى كلامنا أننا نغلق على الناس هذا الباب ونقول لهم: لا بركة في أي شيء، لا، فإن ديننا السمح وشريعتنا الغراء إذا أغلقت بابًا فتحت أبوابًا للناس، ففتحت أبواب الرجاء والخير للناس، فهناك التبرك المشروع، فإنا نرجو من الله جل في علاه أن يبارك لنا فيما رزقنا، وأن البركة أفضل بكثير من الكثرة.
[ ١٤ / ٦ ]
شروط البركة المشروعة وأنواعها
هذه البركة لها شروط: الأول: الاعتقاد الصحيح بأن البركة بيد الله جل في علاه.
الثاني: لا تطلب البركة من غير الله.
الثالث: اتخاذ الأسباب الصحيحة التي بها نحصل على البركة.
وهذه البركة أنواع: فهي أقوال وأفعال وهيئات وأمكنة وأزمنة.
[ ١٤ / ٧ ]
البركة في الأقوال
هناك أقوال فيها بركة، ومن هذه الأقوال: تلاوة القرآن، فإن الله جل في علاه قد وصف كتابه بأنه كتاب مبارك، والبركة في القرآن هي بتلاوته وتدبره وبتطبيق حدوده وأحكامه، فقال الله تعالى مبينًا لنا كيف تكون البركة في هذا الكتاب كما في سورة المزمل: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠] ولذلك ترجم النبي ﷺ هذه البركة فقال: (اقرءوا القرآن فإن لكم بكل حرف حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، لا أقول: (آلم) حرف، ولكن (ألف) حرف و(لام) حرف و(ميم) حرف) فبهذه الآيات المباركات تتحصل البركات بمضاعفة الحسنات، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فهذه من بركة هذا الكتاب.
وقد رد في الأثر: (أنه لا يعبد الله بخير مما خرج منه) وهو القرآن، ويقول عثمان بن عفان كما في (الشُّعَب) بسند صحيح: لو طهرت قلوبنا لما شبعنا من كتاب الله.
فالبركة الحسية: هي مضاعفة الحسنات، وأما البركة المعنوية: فهي حلاوة الإيمان، والتلذذ بكلام الله جل في علاه، فترى الشخص يهجر كل كلام، ولا يريد أن يتكلم بشيء إلا بكتاب الله، فهو مع كتاب الله نائمًا ومستيقظًا، جالسًا وقاعدًا، قائمًا وماشيًا، ويدور في خلده وعلى لسانه كلام الله جل في علاه، فهذه هي البركة التي تشع نورًا في قلب العبد، فيحلو بها الإيمان، ويتلذذ المرء بتلاوة كلام الله جل في علاه، ولقد قال النبي ﷺ ناصحًا للرجل الكبير الشيخ الهرم: (لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله جل في علاه) وأدنى من ذلك منزلة ذكر الله، فالذكر أيضًا يأتي للمرء بالبركات، فإن المرء إذا قال: لا إله إلا الله مائة مرة صباحًا ومائة مرة مساءً فإن البركة تأتيه من كل حدب وصوب، وهذه بركة معنوية.
وأما الحسية: فإن الله جل في علاه يحفظه من الشيطان، والله جل في علاه يكتب له أجر عتق عشر رقاب، وأيضًا يكتب الله له حرزًا وحفظًا وحصنًا من الشيطان الرجيم، فلا يستطيع إليه سبيلًا.
وأيضًا الصلاة على النبي ﷺ تأتي بالبركة حسيًا ومعنويًا، فكثرة الصلاة على النبي ﷺ تزيد البركة، بل من بركة الصلاة على النبي ﷺ أن الله يكفيك همك، ويغفر ذنب، فمن بركة الصلاة على النبي ﷺ أن الله يكفيك الهم والحزن، ويبارك لك في رزقك.
وأيضًا كثرة الاستغفار تأتي بالبركة في الدنيا والآخرة معنويًا وحسيًا، يقول النبي ﷺ: (من أراد أن تسره صحيفته يوم القيامة فليكثر من الاستغفار) يعني: يرى في صحيفته يوم القيامة كثرة الاستغفار، فبالاستغفار تتنزل الرحمات، وينزل الغيث من السماء، ويكون الولد، وتكثر الأموال.
فإذا استيقن المرء وعلم أن البركة بيد الله، وطلبها من الله مع الأخذ بالسبب الصحيح الشرعي من تلاوة قرآن وكثرة ذكر الله جل في علاه، فإن البركة ستحل به من كل جانب.
[ ١٤ / ٨ ]
البركة في الأفعال
كذلك من أعلى وأرقى الأفعال الجالبة للبركة طلب العلم، فطلب العلم كله بركة، ويا خسارة من ترك طلب العلم وقد من الله عليه بهذا الطلب ويسره عليه، فمثل هذا ضاعت منه البركة؛ لأن البركة كل البركة مع طالب العلم، وبركة طالب العلم في الحل والترحال حسيًا ومعنويًا، قال الرسول ﷺ: (مامن شيء إلا ويستغفر لطالب العلم) فهذه بركة معنوية، فحتى الحيتان في البحر تستغفر لطالب العلم، وحتى النمل في الجحر تستغفر لطالب العلم.
ومجلس طلب العلم تحفه الملائكة، وتنزل فيه الرحمة، وتغشاه السكينة، فمن بركة مجالس العلم أن الجاهل الذي يأتي لمصلحة دنيوية حين يجلس في مجلس العلم، وتأتي الملائكة لتكتب الأسماء، فتقول: يا رب إن معهم فلانًا ما جاء إلا لحاجة دنيوية، فيقول الله جل في علاه: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم.
وأيضًا من بركة طلب العلم أن الملائكة دائمًا تحف طالب العلم، وتضع أجنحتها رضًا بما يفعل طالب العلم، فهنيئًا لطالب العلم البركة الحسية والمعنوية، وقد ورد في الحديث: (أن رجلًا فقيرًا جلس يسمع حديث النبي ﷺ ويكتب الحديث، فجاء أخوه الذي يرعاء ويسعى عليه ويكد ويتعب له، فقال: يا رسول الله إني أكد من أجل فلان ويتركني ويأتيك، فقال له النبي ﷺ: دعه لعلك ترزق به) يعني: أن الرزق الذي يأتيك لو كان درهمًا واحدًا فببركة طلب علم أخيك ستأتيك آلاف الدراهم.
فهذه البركة فاتت على كثير من الناس، وضاعت عن أذهان كثير من الناس، وما فاز بها إلا من حباه الله أن يسلك طريق طلب العلم.
وأيضًا من البركات في الأفعال: الاجتماع، يقول النبي ﷺ (يد الله مع الجماعة) فالاجتماع دائمًا يأتي بالبركة الحسية والمعنوية، فإذا كان الله معك وهو ناصرك فمن يستطيع أن يغلبك؟! وإذا كان الله معك رازقك فمن يمنع عنك الرزق؟! وإذا كان الله معك غافرًا لذنبك فمن يأخذك بهذا الذنب؟! وإذا كان الله معك رافعًا إياك دراجات فمن يذمك؟! فالممدوح بحق من مدحه الله، ولما دخل الأعرابي على النبي ﷺ وقال: (أعطني؛ فإن مدحي زين وذمي شين، قال ﷺ ذاك الله) يعني: أن المدح بحق من الله والذم بحق من الله.
وأما حسيًا فمثل: الاجتماع على الطعام، فطعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة، وطعام الثلاثة يكفي الأربعة، والنبي ﷺ ينصحنا ويحث الأمة على هذه البركة والتمسك بها فيقول: (اجتمعوا على طعامكم، واذكروا الله عليه؛ يبارك لهم فيه)، فالبركة في الطعام تأتي بالاجتماع، وتأتي بتسمية الله جل في علاه عليه.
وأيضًا من أجل الأسباب مع طلب العلم للحصول على البركة: التقوى، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ﴾ [الأعراف:٩٦] وما قال: كثرنا، قال: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]، وقال سبحانه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢].
وأيضًا من الأطعمة والأشربة التي هي مباركة: ماء زمزم، فماء زمزم كله بركة، كما صح عن نبينا ﷺ أنه قال: (ماء زمزم لما شرب له) وفي رواية صحيحة قال: (إنه طعام طعم، وشفاء سقم).
وبقي أبو ذر ﵁ وأرضاه أربعين يومًا وليلة لا يأكل شيئًا غير ماء زمزم.
وأيضًا: الزيتون مبارك، قال الله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [النور:٣٥]،والنبي ﷺ قال: (كلوا من هذا الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة).
وأيضًا: الحبة السوداء، فالحبة السوداء فيها بركة، وكثير من الناس يغفل عنها مع أن النبي ﷺ يقول: (الحبة السوداء دواء من كل داء إلا الموت).
وأيضًا: عسل النحل فيه بركة، فعجبًا لهؤلاء القوم الذين يذهبون يتمسحون بالأولياء وتراب الأولياء ويتركون هذه البركات الحسية والمعنوية التي نراها في عسل النحل، قال الله عنه: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩].
وفي الحديث عن النبي ﷺ: (أنه جاءه رجل يشتكي بطن أخيه، فقال: أسقه عسلًا، فازداد الأمر عليه، قال: اسقه عسلًا، فازداد الأمر عليه، قال: اسقه عسلًا، فازداد الأمر عليه، فقال النبي ﷺ: صدق الله وكذبت بطن أخيك، اسقه عسلًا، فشفي الرجل بعدما شرب العسل)، فالعسل فيه بركة.
[ ١٤ / ٩ ]
الأماكن التي تحل فيها البركة وحقيقة هذه البركة
هناك أماكن مباركة تحل فيها البركة، لكن هذه الأماكن ليست مباركة بجدرانها ولا بترابها، فلا تذهب تتمسح بالجدار ولا بالترب، وإنما البركة تحل فيها بالأعمال الصالحة.
وأول هذه الأماكن: مكة، فمكة حرم الله المبارك، وقد حرمها إبراهيم ﵇، وفيها البيت مبارك، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران:٩٦].
والمدينة أيضًا مباركة، وقد حرمها رسول الله ﷺ، وفيها المسجد النبوي.
وأيضًا: بيت المقدس مبارك، كما قال النبي ﷺ مبينًا بركة هذه البقاع الثلاث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الأقصى، والمسجد الحرام) ثم فسر النبي ﷺ بركة هذه البقاع بقوله: (إن الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة، والصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة)، وقد جاء في الأثر وإن كان يضعفه بعضهم: (أن الصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة)، لكن يستأنس به، وله شواهد تدل على مضاعفة الأجر بالصلاة في بيت المقدس.
إذًا: فالتبرك بهذه الأماكن ليس بترابها ولا بجدرانها، بل بالأعمال فيها.
وأيضًا: أرض الشام كلها مباركة، ولذلك لما سئل النبي ﷺ عن سبب تفضيل هذه الأرض عن غيرها، قال النبي ﷺ: (إن الملائكة باسطةً أجنحتها على أرض الشام) فهذه من بركة أرض الشام، وكذلك جاء في الحديث: (اللهم بارك لنا في شامنا).
إذًا: فأرض الشام بين النبي ﷺ أنها أرض مباركة.
وكذلك المدينة فضلها النبي ﷺ فقال: (من استطاع منكم أن يموت في المدينة فليمت، فإني شفيع لمن مات في المدينة).
فعلى المرء أن يلتمس البركة في هذه الأراضي ليس في جدرانها ولا بترابها، وعندما نقول: هذه الأراضي مباركة لا نعني أن الناس الذين فيها مباركون؛ لأنك قد تجد في هذه الأراضي المباركة أفسق وأفجر أهل الأرض، فالناس لا يقاسون بالأراضي، ولو قيس الناس بالأراضي لكان أرفع الناس أبا جهل، مع أنه أكفر الناس.
إذًا: فالناس لا يقاسون بالأراضي، وإنما الأمر كما قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] يعني: أن ميزان الأشخاص ومقياسهم عند ربهم هي القلوب التي عمرت بالإيمان.
[ ١٤ / ١٠ ]
أقسام التبرك بالنبي ﷺ وحكمها
نختم بالكلام على مسألة نظرية في عصرنا ألا وهي: التبرك بالنبي ﷺ.
وقلت: مسألة نظرية؛ لأنه لا يوجد أي أثر من آثار النبي ﷺ الآن، فنحن نتعلمه علمًا نظريًا حتى نستدل به على من يدعي غير ذلك.
فنقول: التبرك بالنبي ﷺ ينقسم إلى قسمين: الأول: تبرك بذات النبي ﷺ.
والثاني: تبرك بآثار النبي ﷺ.
[ ١٤ / ١١ ]
التبرك بذات النبي ﷺ وآثاره
إن الله جل في علاه خلق الخلق أجمعين وفرق بينهم، وأكرم الخلق على الله جل في علاه هو رسول الله ﷺ، وكفى ببركة النبي ﷺ عند ولادته أن أشرقت الدنيا بأسرها بشمس الإسلام، وأخرج الناس من ظلمات الشرك إلى أنوار التوحيد، وكفى بها بركة.
وهذا الذي فقهه أبو بكر ﵁ وأرضاه وذلك عندما هاجر معه، فقد كان ﵁ يتقدم أمامه ويتأخر خلفه، ويأتي عن يمينه ويأتي عن يساره، فسأله النبي ﷺ عن سبب فعله، فقال: أتذكر الطلب فأكون في الخلف، وأتذكر العدو من الأمام فأكون في الأمام وعن يمينك وعن يسارك، ثم قال: إن أنا مت فلا أعدو نفسي، وأما إذا قتل رسول الله ﷺ فإن الرسالة لن تبلغ للناس.
إذًا: فالبركة كل البركة مع رسول الله ﷺ في رسالته، وفي كلامه، وفي أفعاله، بل وفي نومه وفي استيقاظه ﷺ بأبي هو وأمي، فالصحابة رضوان الله عليهم، تبركوا بكل شيء يمس النبي ﷺ: بذاته، وأفعاله، وأقواله، كما ورد في الصحيح في صلح الحديبية: (ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة فوقعت في يد أحدهم إلا دلك بها وجهه وجسده؛ تبركًا بأثر النبي ﷺ، وما توضأ النبي ﷺ وضوءًا إلا تزاحموا عليه؛ تبركًا بفضل وضوء النبي ﷺ).
وفي صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ دخل على أم سليم فنام عندها فعرق، فأخذت الوسادة التي نام عليها النبي ﷺ فعصرتها، ففزع النبي ﷺ وقال: ما تفعلين؟ قالت: أتبرك بعرقك يا رسول) فأقرها على ذلك.
والقول الراجح في تفسير هذا الحديث ما ذكره النووي من أن أم سليم كانت من المحارم للنبي ﷺ من الرضاع، ولذلك كان النبي ﷺ يدخل عليها، فلما نام وعرق أخذت عرق النبي ﷺ تتبرك به، فالنبي ﷺ مدحها لذلك، وأخذ أنس ابنها منها من هذا العرق وكان يتبرك به، وجعل منه حنوطًا له عند موته، وأعطى أنس ثابت البناني من هذا العرق، فأخذ هذا العرق وجعله حنوطًا له، وأخذ أيوب من ثابت من هذا العرق؛ ليتبرك به.
وأيضًا من الأدلة على التبرك بآثار النبي ﷺ: أن النساء كن يأتين بالأطفال إلى الرسول ﷺ، فيأخذ التمرة ويمضغها ويضعها في فم الطفل ويحنكه، ويدعو له بالبركة، وكل ذلك تبركًا بآثار النبي ﷺ.
فإذا وجدنا أثرًا من آثار النبي ﷺ فإن لنا أن نتبرك به، وتحل علينا البركة بوجوده، ولذلك كان أحمد بن حنبل يحتفظ بشعرة من شعرات النبي ﷺ بأبي هو وأمي، وكان يضعها عند عينه.
إذًا: فقد كان الصحابة يتبركون بذات النبي ﷺ، وبأثر النبي ﷺ، وبدعاء النبي ﷺ، وبعرق النبي ﷺ، وكانوا يتبركون بثياب النبي ﷺ، فقد جاء في الحديث: (أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ ببردة منسوجة، فقالت: نسجتها بيدي لأكسوكها، فأخذها النبي ﷺ محتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنها لإزاره، فقال فلان: اكسنيها ما أحسنها! فقال: نعم، فجلس النبي ﷺ في المجلس ثم رجع فطواها وأرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، لبسها النبي ﷺ محتاجًا إليها ثم سألته وعلمت أنه لا يرد سائلًا! فقال: إني والله ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني، قال: فكانت كفنه) فهذا أراد أن يتبرك بتلك البردة.
وكذلك قصة ذلك الصحابي الذي طلب القصاص من النبي ﷺ، فقال ﷺ: (القصاص، فرفع عن ثوبه، فاحتضن ذلك الصحابي النبي ﷺ وقبل بطنه، فقال: ما حملك على ذلك؟ قال: يا رسول الله قد استوى الصفان وما أعلم متى سيكون موتي في هذه اللحظة أو في غيرها، فأردت أن يكون آخر عهد لي في هذه الدنيا أن أمس بطنك)، فما أفقه هذا الصحابي ﵁ وأرضاه! وأيضًا من الأدلة على التبرك بآثار النبي ﷺ: (أن النبي ﷺ أعطى أبا هريرة تمرات في وعاء أو جراب، وقال: يا أبا هريرة كل من هذه التمرات، لكن لا تحصها -يعني: لا تعدها- وكان الجراب معه في وسطه، فيقول: أبو هريرة ما جعت مرة إلا وأخذت الجراب فوضعت يدي فأخذت التمر وأكلت) يعني: بقي معه مليئًا بالتمر من أيام النبي ﷺ إلى خلافة عثمان، وما انتهى في خلافة عثمان، لكن ضاع منه ذلك الجراب، ولو بقي معه إلى ما أحياه الله جل في علاه لم ينفد.
وهذه عائشة ﵂ تقول: كان عندي شعير وكنت آخذ منه للأكل مرة بعد مرة ولم ينفد، تقول: فقلت إن هذا الشعير لا ينتهي! لأكيلن هذا الشعير، فلما كالت الشعير وأحصت هذا الشعير أحصي عليها، ونفد.
فهذه الأدلة كلها تدل على التبرك بآثار النبي ﷺ، وبأفعال النبي ﷺ.
[ ١٤ / ١٢ ]
حكم التبرك بغير النبي ﷺ
مسألة: هل يتعدى الأمر إلى غيره من الصالحين أم لا؟ هذه المسألة بإنصاف خلاف بين أهل السنة والجماعة، وهذا يعني: أنه لا يجوز النكير على من قال بالتبرك بغير النبي ﷺ، لكن لا بد أن نبين أن هذا ليس بصحيح، وهو مرجوح؛ لأن التبرك بغير النبي ﷺ ذريعة إلى الشرك، ولا بد أن نمنعه منعًا باتًا، لكن مازلت أقول: لا إنكار في هذه المسألة.
[ ١٤ / ١٣ ]
صور التبرك بالصالحين
[ ١٤ / ١٤ ]
التبرك بأفعالهم ودعائهم
إن التبرك بالصالحين على صورتين: الصورة الأولى: التبرك بأفعالهم ودعائهم، وهذا جائز باتفاق أهل السنة والجماعة، فيجوز للمرء أن يتبرك بأفعال الصالحين ودعائهم، فإذا رأيت وليًا صالحًاَ عابدًا تقيًا ورعًا زاهدًا فإن لك أن تتبرك بأفعاله وبدعائه وبعلمه.
وتتبرك بأفعاله فتأتي به في بيتك وتجلس معه مجلسًا فيه علم وتذكير بالله جل في علاه، وبرسول الله ﷺ، فهذا مجلس فيه بركة، ومن بركة الصالح أنه دائمًا يذكرك بالله، ويسمع أذنك بالآيات والأحاديث، ويحرك قلبك بالإيمان بالله جل في علاه، فهذا تبرك بأفعاله.
وأيضًا تتبرك بدعائه، والدليل على ذلك حديث عكاشة بن محصن ﵁ وأرضاه، أن النبي ﷺ قال: (يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب ولا عذاب، فقال عكاشة بن محصن: يا رسول الله! ادعو الله أن أكون منهم، قال: أنت منهم) فهذا يدل على أن للمرء أن يتبرك بدعاء الصالحين، وهناك حديث ظاهر جلي على ذلك وهو أن النبي ﷺ ذكر أن أويس القرني أفضل التابعين، وأمر من يلقاه أن يطلب منه أن يستغفر له، فجاء عمر بن الخطاب وقال: أنت أويس القرني؟ قال: نعم.
قال: من مراد؟ قال: نعم، قال وكان بك برص ثم شفيت منه إلا موضع الدرهم؟ قال: نعم.
قال: استغفر لي، فعجب أويس كيف أستغفر لأمير المؤمنين؟! قال عمر: سمعت رسول لله ﷺ يقول كذا وكذا.
فهذه بركة بدعاء الصالحين.
[ ١٤ / ١٥ ]
التبرك بذوات الصالحين وآثارهم
أما التبرك بذات الصالح نفسه فهناك خلاف بين أهل السنة والجماعة في جوازه، فقال بجوازه النووي وابن حجر وهما من هما في حفظ ونصر السنة، وهذا القول منهما خطأ يغتفر في بحر حسناتهما، ويرجح ذلك الشوكاني وهو من المتأخرين، والقاضي عياض.
[ ١٤ / ١٦ ]
أدلة المجيزين التبرك بآثار الصالحين
إن الذين قالوا بالتبرك بآثار الصالحين استدلوا على ذلك بأدلة من الأثر ومن النظر: فأما من الأثر: فاستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢٤٨]، قالوا: أي أنهم يتبركون بآثار موسى وهارون.
وأما دليلهم من النظر فقالوا: إن النبي ﷺ كان يحمل الطفل إليه فيحنكه ويدعو له بالبركة، وهذه دلالة على أن الصالح الذي ارتقى مرتقى النبي ﷺ وتوظف بوظيفته من تبليغ العلم أنه ينزل منزلة النبي ﷺ.
واستدلوا أيضًا بحديث عتبان بن مالك: (أنه طلب من النبي ﷺ أن يصلي عنده في مكان يتخذه مسجدًا) تبركًا بأثر فعل النبي ﷺ، وأنه كان مع النبي ﷺ من خيار الصحابة الذين ثبتت الأدلة على فضلهم وورعهم، فهذا تبرك بأثر النبي وأثر الصالحين من صحابة رسول الله ﷺ، فيستدلون بذلك على أنه يمكن التبرك بآثار الصالحين.
[ ١٤ / ١٧ ]
أجوبة المانعين من التبرك بآثار الصالحين على أدلة لمجيزين
أما الذين قالوا: لا يجوز التبرك بأي صالح، فقالوا: إن كل الأدلة التي فيها التبرك كلها خاصة برسول الله ﷺ.
وأما استدلالكم بقوله تعالى: «إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ» فهذا في أثر موسى وهارون، ونحن نتفق معكم على أن التبرك بآثار الأنبياء صحيح.
وأيضًا نقول لهم: لو كان التبرك هذا خيرًا لسبقونا إليه، فإن أبا بكر، وعمر، وعثمان وعليًا بالاتفاق هم أفضل الأمة على الإطلاق بعد موت النبي ﷺ، فلم يأت أحد من الأمة ليتبرك بوضوء أبي بكر، ولا وضوء عمر، ولا وضوء عثمان، ولا وضوء علي لا من الصحابة ولا من التابعين، ولو أن هذا انتشر بينهم على أنه سنة لفعلوا ذلك، فلما لما يفعلوا ذلك مع وجود المقتضي وانتفاء المانع، دل ذلك على أنه لم يشرع! فهذا الضابط من أقوى الضوابط التي تمنعكم من البدع.
[ ١٤ / ١٨ ]
الراجح من الأقوال في مسألة التبرك بآثار الصالحين، وأدلة ذلك
القول الراجح والصحيح من هذه الأقوال هو القول الثاني وهو: أنه لا يشرع التبرك بآثار الصالحين، لكن قد يعترض علينا بأن أبا بكر ورد في فضله وبركته أن أسيد بن حضير عندما نزلت آية التيمم قال: (ليس هذا بأول بركتكم يا آل أبي بكر) الراجح -كما ذكرت- هو القول الثاني: وهو أنه لا يجوز التبرك بآثار الصالحين؛ لأمور عدة أهمها وأقواها: سدّ الذريعة؛ لأننا لو أبحنا التبرك بآثار الصالحين فسيحدث الغلو في الصالحين، والغلو في الصالحين يرتقي بالمرء إلى أن يشرك بالله جل في علاه، والغلو في الصالحين مشاهد، فمنهم من يقدم الولي على النبي، ومنهم من يقول: إن الولي يتحكم في الكون، ومنهم من يقول: إن الله أعطى للولي قوة لم يعطها لأحد؛ لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، بل إن الولي يرتقي مرتقى صعبًا، كيف ذلك؟ يقولون: إن الولي عندما يصفو قلبه ويصل لدرجة اليقين فليفعل ما شاء من شرب الخمر والدخان والزنا؛ لأن القلم قد رفع عنه، فإذا بلغ درجة اليقين سقطت عنه التكاليف، ويستدلون بقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩].
فالغلو ذريعة أيضًا للاعتقاد في الأموات وسؤالهم من دون الله جل في علاه، فهذا أقوى الأدلة على المنع من التبرك بغير النبي ﷺ.
والدليل الثاني: أن أصحاب رسول ﷺ لم يفعلوا ذلك، فلم يفعله أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا ابن عمر ولا ابن عباس ولا أفاضل الصحابة ﵃ وأرضاهم، ولما لم يفعلوه دل ذلك على أحد أمرين: الأمر الأول: أنهم علموه وتقاعسوا عن الخير، وحاشاهم فهم أسبق الناس للخير، وأحرص الناس على الخير.
الأمر الثاني: أنهم لم يعلموه، أو أنهم علموا أنه ممنوع، فإن قلنا: لم يعلموه فهذا بعيد؛ لأن النبي ﷺ علمهم كل شيء، إذًاَ فيبقى أنهم علموا أنه ممنوع، فيسعنا ما وسعهم، فنعمل ما عملوا ونكف عما كفوا، ولا خير في ابتداع من خلف، والخير كل الخير في اتباع من سلف.
إذًا: فالراجح الصحيح سدًا للذريعة أن نقول: بأن التبرك بآثار الصالحين مرجوح ولا يصح أن يباح لأحد غير النبي ﷺ.
والتحنيك تبرك بالنبي ﷺ، قال النووي: وهذا دليل على أنه يتبرك بالصالحين في تحنيك الطفل، يعني: يجوز أن يذهب الشخص بطفله إلى الصالحين والأولياء والأبرار ليحنكوه.
فنقول: لا يجوز التبرك بآثار الصالحين؛ لأنه إن كان سنة ولم يفعله أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا ابن عباس ولا ابن عمر ولا الزبير ولا عبد الله بن الزبير ولا الأفاضل الأخيار من الصحابة، فإما أن تتهم الصحابة بالتقاعس عن السنة، وإما أن تقول: هم لم يفعلوه إذًا فليس بسنة.
فإن قالوا: عدم النقل ليس نقلًا للعدم، فنقول: إن كان التحنيك تبركًا فهو خاص بالنبي ﷺ؛ لأن التبرك لا يتعدى إلى غيره، وإن كان من أجل الطب فهو جائز، وهذا هو الذي رجحه ابن القيم، وهو أن الحلو إذا دخل في المعدة ففيه فوائد جمة للقلب وللمعدة ولغيرهما من الأجهزة، ويمكن لنا أن نخرج قولًا آخر وهو أن التحنيك نفسه سنة فعلية، لكن التبرك خاص بالنبي ﷺ.
إذًا: لا تبرك بآثار الصالحين، والتحنيك سنة، والتبرك خاص بالنبي ﷺ، فمن فعل ذلك على أنه سنة وطب فله ذلك، ومن فعله معتقدًا البركة في الأولياء والصالحين فلا يجوز له ذلك؛ لأن الراجح أن التبرك بآثار الصالحين لا يصح بحال من الأحوال.
[ ١٤ / ١٩ ]