مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - التطير والتشاؤم
من العادات الجاهلية التي كانت منتشرة بين الناس: التطير والتشاؤم، فقد كان الناس يتطيرون ببعض الطيور كالغراب والبوم، ويتشاءمون بالأسماء والأيام والحيوان والأشخاص، وهذا كله يقدح في عقيدة المرء لمخالفته لصدق التوكل على الله واعتقاد أن النفع والضر لا يأتي إلا من قبله ﷾، والفأل نقيض للتشاؤم، وهو مندوب ومحمود لما فيه من إدخال السرور على النفس مع حسن الظن بالله ﷾.
[ ٨ / ١ ]
حقيقة التطير والتشاؤم عند أهل الجاهلية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إن أشرف ما في الوجود أن يتعبد المرء لربه جل في علاه، عاملًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وأرفع المقامات هو مقام العبودية، وقد بينا فيما مضى بأن أهل الجاهلية كان لهم اعتقادات باطلة؛ ولذلك أرسل الله رسله، وضرب الصراط بين الجنة والنار، وشرع الجهاد من أجل توحيد الإلهية، ومن أجل أن يبطل الاعتقادات الباطلة التي كان يعتقدها أهل الجاهلية، وبينا أن أهل الجاهلية كانوا يتعبدون لله جل في علاه بالشرك، فهم جمعوا بين النقيضين، عبادة الله وعبادة الأصنام.
من الاعتقادات الباطلة التي جاء النبي ﷺ لإبطالها الطيرة، وهي من الاعتقادات الجاهلية التي جاء النبي ﷺ فوجد أهل الجاهلية ومشركي العرب يتعبدون لله بها.
والطيرة: مصدر من تطير وهو التشاؤم، وهذه الطيرة مأخوذة أصلًا من الطير، حيث كان أهل الجاهلية يعتقدون في الطير، فكان الواحد منهم إذا أراد الزواج أو أراد التجارة أو أراد الرحلة في السفر لأمر ما كان ينظر في الطير وهو يطير، فإن ذهب الطير يمينًا تيمن، وقال: هذا من البركة فرحل أو مضى على ما أراد، وإن ذهب الطير شمالًا تشاءم، وقال: هذا من الشؤم بمكان فأوقفه.
إذًاً: فالطيرة هنا هي ما رده وأمضاه، فإن وجد اليمين قال: يمن وبركة فأمضى ما يريد، وإن وجد الشمال تشاءم، وقال: نقف؛ لأن السوء سيأتي من هذا، هذا أصل الطيرة عند أهل الجاهلية، ثم عمموا المسألة وما وقفوا عند مسألة الطير فقط، بل تشاءموا بالأشخاص والأفراد والأشجار والأحجار بل والأيام والشهور والسنين والجمادات، فكانوا يتطيرون بالغراب وبالبوم وبعض الطيور الأخرى ويتطيرون أيضًا بالثعالب، فإذا رأى أحدهم ثعلبًا لم يذهب إلى ما أراده من تجارة أو من زواج، وأعجب من ذلك أنهم تطيروا بالصالحين وتشاءموا بهم!! وهذا عكس ما جاء به النبي ﷺ وعكس ما شرعه الله جل في علاه، إذ البركة مع أهل الطاعة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦] فسبب البركات هو الإيمان، ولذلك ترى الفاجر الفاسق عنده آلاف من الدراهم ومع ذلك لا يدري فيما أنفقت، بينما الرجل الصالح ترى عنده مائة درهم ومع إنفاقه منها لم تنته؛ لأن فيها البركة، وهذا مصداقٌ لقول الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢] فالرزق مع الصالحين؛ ولذلك قال العلماء: إن المرأة الصالحة بركة في البيت، والمرأة الطالحة شؤم في البيت.
فإذًا: المقصود أن هؤلاء الجاهلين كانوا يتطيرون بأهل الصلاح، وهذا ترسم منهم لسنن الأمم السابقة حذو القذة بالقذة، فإن اليهود والنصارى كانوا يتشاءمون ويتطيرون بأنبيائهم ورسلهم، فقوم صالح قالوا: إنا تطيرنا بكم، وأيضًا قوم موسى تطيروا بموسى ومن معه، وأيضًا تطيروا بنبينا محمد ﷺ، قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨] كأنهم يقولون: يا محمد بسبب شؤمك وشؤم ما أتيت به -حاشا لله وحاشا لرسوله ﷺ من ذلك- حدث لنا من القحط والجدب وعدم الرزق ما حدث، ويرد الله عليهم بقوله: إنما ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس:١٩] يعني: شؤمكم بفعلكم، وبقوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] يعني: من فعلك ومن ذنوبك وبسبب تفريطك، فإن الله جل في علاه يصيب الأمم بسبب الذنوب والمعاصي، ويعفو عن كثير سبحانه جل في علاه، قال ﷿: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥] يعني: أن الفتنة قد تعم، فهؤلاء الجاهليون كانوا يتطيرون بأهل الصلاح، وكانت هذه الجاهلية الجهلاء العمياء قبل مبعث النبي ﷺ، فبعث الله النبي ﷺ ليبطل هذه الاعتقادات الباطلة، فما بالنا نرى اعتقادات أهل الجاهلية قد عادت في زماننا وفي عصرنا، فهناك أناس يتطيرون بالصالحين كما كان أهل الجاهلية يتطيرون بالصالحين، وأيضًا يتشاءمون بالطيور وبغيرها كما كان يفعل أهل الجاهلية، أما رأيت أخي الكريم أن بعض أهل الكتاب يتشاءمون بالألقاب وبالطيور، بل وبالأشكال وبالبشر، وكذلك بالأرقام فبعض أهل الكتاب يتطيرون بالرقم ثلاثة عشر، وبعضهم يتطيرون بالرقم عشرة، وأهل البادية يتطيرون بالرقم سبعة، ومنهم من يتطير بالبشر ذوي العاهات، فإذا رأى رجلًا أعور قال: هذا عوار في حرفتي ومهنتي، لا أذهب إليها اليوم، وإذا رأى امرأة عجوزًا يقول: هذه عجوز نحس لا يمكن أن أذهب إلى العمل هذا اليوم، بل تفوقت جاهلية هذا العصر على جاهلية مشركي العرب بأنهم إذا ضحكوا كثيرًا قالوا: اللهم اجعله خيرًا، مع أن الضحك الكثير يعمق في قلبك التوحيد والإيمان؛ لأن الذي أودع في قلبك هذا الضحك وأدخل عليك السرور هو الله، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم:٤٣] كذلك إذا علمت بأن الله هو الذي سبب لك هذه الأسباب لإدخال السرور عليك علمت أن المنة من الله، فتعبدت لله بشكر هذه المنة وهذه النعمة، لكن هؤلاء إذا ضحكوا كثيرًا قالوا: اللهم اجعله خيرًا، هذا الضحك الكثير لن يأتي بالخير، ويتشاءمون أيضًا بحركة العين، فيقول أحدهم: عيني تتحرك، فهناك مصيبة ستقع، وهذه من اعتقادات الجاهلية الظاهرة الآن بين أيدينا، كذلك هناك من يتشاءم بيوم الأربعاء أو يوم الثلاثاء، بل ويتشاءمون ببعض أفعال الأولاد الصغار، فإذا وجدوا ولدًا أخذ مقصًا ففتحه وأغلقه فإن هذه الفتحة وهذه الإغلاقة عندهم مؤذنة بحدوث مصيبة في البيت، كأنْ يشب حريق في هذا البيت، فهذه كلها من الاعتقادات الباطلة التي شابه بها أهل الإسلام أهل الجاهلية.
[ ٨ / ٢ ]
الأحاديث النبوية الدالة على تحريم الطيرة والتشاؤم
إن الله جل في علاه لم يرسل رسوله إلا ليبطل الاعتقادات الباطلة، فحري بأمثالنا أن نعلم كيف أبطل رسول الله ﷺ هذه الاعتقادات، فنبطلها في عصورنا كما أبطلها، ومعلوم أن الشرع جاء بإبطال هذه الاعتقادات وأنكرها أيما إنكار، فقد روى البخاري في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: (الطيرة شرك) وفي رواية في المسند: (الطيرة شرك الطيرة شرك) وعن ابن مسعود ﵁ وأرضاه في سنن أبي داود أو في غيره: (الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل) ويقول النبي ﷺ: (لا عدوى ولا طيرة) وهذا نفي بمعنى النهي، فقول النبي ﷺ (لا عدوى ولا طيرة) يعني: أن تتطيروا وأن تتشاءموا فهذا التشاؤم وهذا التطير حرام عليكم، والأصل في النهي التحريم، وهذا من إبطال النبي ﷺ لهذه الاعتقادات الباطلة، وقول النبي ﷺ: (من ردته الطيرة فقد أشرك) وهذا حديث متكلم فيه لكن يستأنس به، فقوله: (من ردته الطيرة فقد أشرك) يعني: من ردته الطيرة عن إمضاء عمله أو زواجه أو سفره فقد وقع في لون من ألوان الشرك.
إذًا: جاء الشرع بإبطال هذه العقيدة الباطلة والفاسدة التي كانت في الجاهلية، وشابه فيها أهل الإسلام أهل الجاهلية، وبهذا يكون التشاؤم حرام لا يجوز بحال من الأحوال.
[ ٨ / ٣ ]
أنواع التطير وحكم كل نوع
والتطير له حكمان، الحكم الأول: شرك أصغر، والحكم الثاني: شرك أكبر، فالتشاؤم شركان: شرك أكبر، وشرك أصغر، أما الشرك الأصغر بالنسبة للتشاؤم فهو منبثق من قول النبي ﷺ: (الطيرة شرك) ثم أكد ذلك فقال: (الطيرة شرك الطيرة شرك الطيرة شرك) وقال النبي ﷺ: (من ردته الطيرة فقد أشرك) فهذا تصريح بالشرك.
والأصل في التشاؤم أنه من الشرك الأصغر حتى تأتي القرائن التي تثبت أنه من الشرك الأكبر؛ لأن الأحاديث التي صرحت بأن التشاؤم من الشرك كلها ذكرت الشرك نكرة، ولم تذكره معرفًا وقد قعدت في هذا المجلس في أكثر من موضع وبيَّنت أن الشرك أو الكفر إذا ذكر في الحديث أو ذكر في الآية نكرة دل على الشرك الأصغر، وإذا ذكر معرفًا دل على الشرك الأكبر، فمن أمثلة الشرك الأكبر والشرك الأصغر: قول النبي ﷺ: (ثنتان في أمتي هما بهم كفر ومنها: النياحة على الميت) فقوله هنا: (كفر) نكرة والنكرة تدل على أنه من الشرك والكفر الأصغر، وهو الكفر العملي لا الكفر الاعتقادي، يعني: لا يخرج صاحبه من الملة، والدليل على أن النياحة على الميت أو لطم الخدود أو شق الجيوب لا يخرج من الملة الاستقراء والإجماع، أما بالنسبة للتعريف فهناك فرق، كقول النبي ﷺ: (بين المرء وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة) وهنا يظهر أن ترك الصلاة كفر أكبر؛ لأن النبي ﷺ ذكره في الحديث معرفًا، ففرق بين المعرف وبين النكرة.
إذًا: فقول النبي ﷺ: (الطيرة شرك) هناك دلالات تدل على أنها شرك أصغر: الأولى: أن النبي ﷺ ذكره نكرة ولم يذكره معرفًا.
الحالة الثانية: أن النبي ﷺ جعل له كفارة؛ لأن النبي ﷺ لمَّا سئل عن الطيرة، قال: (الطيرة شرك، ثم قال: وأحسنها الفأل، قالوا: يا رسول الله فما كفارة ذلك؟) فجعل لها كفارة ﵊، والقاعدة عند العلماء في التفريق بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر الكفارة، فإن كان له كفارة فهو من الكفر الأصغر والشرك الأصغر، وإن لم يكن له كفارة إلا التوبة فهو من الكفر الأكبر والشرك الأكبر، دلالة ذلك الحلف بغير الله، قال النبي ﷺ: (من حلف بغير الله فقد أشرك) وهذا شرك أصغر؛ لأن النبي ﷺ جعل له كفارة، قال: (من أقسم باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله) فجعل له كفارة، فالذي له كفارة يدل على أنه كفر أصغر، (فقالوا: يا رسول الله! فما كفارة ذلك؟ فقال النبي ﷺ: قولوا: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يذهب بالسيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك) فجعل للمتطير كفارة وهذا يدل على أنه شرك أصغر.
فمن تطير أو تشاءم أو رأى رجلًا وقال: إن هذا الرجل شؤم، فلن أذهب إلى العمل اليوم، فإن كفارته وعلاجه أن يقول: (اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يذهب بالسيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك) فقد جعله النبي ﷺ كفارة، ودل ذلك على أنه من الشرك الأصغر.
الحالة الثالثة: أنه وسيلة للشرك الأكبر وليس شركًا أكبر؛ لأنه يعتقد اعتقادًا تامًا في الله جل في علاه، فأنت لما تسأل الرجل الذي ينظر إلى عجوز ويقول: هذه المرأة العجوز ما رأيتها مرة إلا وضاع مالي، وما رأيتها مرة إلا وفشل زواجي، وما رأيتها مرة إلا وحدث كذا وكذا في العمل، فهو كلما نظر إلى هذه المرأة تشاءم منها، فهذا الرجل الذي يتشاءم من هذه المرأة لو أننا سألناه: هل المرأة تنفعك أو تضرك؟ لقال: لا والله، النافع والضار هو الله، فهذا الرجل اعتقد اعتقادًا صحيحًا في ربه، وقال: إن النافع والضار هو الله، ولا أحد يتحكم في الكون إلا الله جل في علاه لكن هذه المرأة سبب في الشؤم الذي يأتيني، فإنني كلما أراها تحدث لي المصائب.
[ ٨ / ٤ ]
بعض القواعد المهمة في مسائل العقيدة
هناك قواعد مهمة في مسائل العقيدة: القاعدة الأولى: أن صرف العبادة لله توحيد وصرفها لغير الله شرك.
القاعدة الثانية: وهي الأهم: من اتخذ سببًا لم يشرعه الله سببًا لا شرعًا ولا كونًا فهو شرك أصغر، ومن اعتقد به فهو شرك أكبر.
ومعنى قوله: (لا شرعًا ولا كونًا) تدل على أنه قد أشرك شركًا أصغر، فكأنه يقول: هذه المرأة بلاءٌ، وأنا لو قلت: إن سبب البلاء الذنوب لَماَ أخطأت؛ لأن الله جل وعلا ربط البلاء بالذنب، قال بعض السلف: (ما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة).
إذًا: في الشرع أن سبب البلاء هو الذنب، لكن كونه يقول: إن سبب البلاء هي المرأة السوداء أو العجوز، فهذا ليس من شرع الله، فمن ادعى على الله وقال: إن سبب المصيبة التي حدثت لي هي المرأة السوداء أو العجوز فقد ادعى على الله زورًا وبهتانًا، وقد اتخذ سببًا لم يشرعه الله سببًا، فوقع في الشرك الأصغر؛ لقول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] فنقول: من اتخذ سببًا لم يشرعه الله سببًا شرعًا ولا كونًا فقد أشرك.
[ ٨ / ٥ ]
الأسباب الشرعية والأسباب الكونية وحكم العمل بها
هذه أمثلة تبين الأسباب الشرعية والأسباب الكونية، فمن الأسباب الشرعية: استعمال العسل في التداوي به والاستشفاء، والله جل وعلا قال: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩] فهذا سبب شرعي صحيح، وكذلك ماء زمزم من الأسباب الشرعية، فرجل عنده ثقب في المعدة وشرب ماء زمزم فشفي، وامرأة كانت مريضة جدًا فقيل لها: اشربي ماء زمزم، ولكن اعتقدي في ربك بأنه هو المسبب وأن ماء زمزم سبب في شفائك، فاعتقدت في حديث النبي ﷺ: (ماء زمزم لما شرب له) وأروع ما يضرب في ذلك مثلًا الذهبي فقد كان له زمزمية كان يشرب فيها ماء زمزم، وكان الحافظ ابن حجر يرى أن قوة حفظ الذهبي من ذلك، فقال: تذكرت حفظ الذهبي وشربه لماء زمزم، فقلت: أشرب ماء زمزم حتى أصل إلى ما وصل إليه الذهبي في الحفظ، قال: فما زلت أشرب ماء زمزم وأدعو الله أن أصل إلى حفظ الذهبي حتى تعديت حفظ الذهبي، فقد كان الحافظ ابن حجر آية في الحفظ، كان يجلس ويملي من حفظه وحين ينتهي تقوم زوجته وتملي من حفظها، فشربه لماء زمزم سبب شرعي؛ لأن النبي ﷺ قال: (ماء زمزم لما شرب له).
فالله ﷾ ربط النتائج بهذه الأسباب.
أما الأسباب الكونية فهذا ظاهر في الأدوية التجريبية التي لا نعاتب عليه شرعًا، ومنها: (البندول) (فالبندول) سبب كوني، فقد جربه العلماء والأطباء فوجدوا أنه علاج للصداع، فهذا يُعَدُّ سببًا كونيًا بالتجريب، فإن الله جل في علاه جعل الشفاء مع استخدام هذا (البندول)، لكن لو جاء رجل إلى رجل آخر مريض بالصداع فقال له: عندي لك دواء من أفضل الأدوية، فقال: ما هو؟ قال: أن تربط الصوفة على رأسك ليلًا فإن هذا الصداع سيذهب، فقال له المريض: متأكد؟ قال: نعم، فأخذ المريض الرباط وربطه على رأسه، فجاء الفقيه -المعتقد في ربه اعتقادًا صحيحًا، الذي تعلم علم التوحيد وعمل به ثم علمه للناس- إلى المريض فقال: لماذا تربط هذه الصوفة قال: عندي صداع، قال: هل تعتقد أن هذه الصوفة تشفي؟ قال: لا والله، فقال الفقيه: الحمد لله قد خرجت من الشرك الأكبر؛ لأنك اعتقدت أن الشافي هو الله، واعتقدت أن هذه الصوفة سبب في الشفاء، لكن لو ذهبنا إلى الطبيب وقلنا له: يا طبيب هل هذه الصوفة قد جربتها في المرضى وشفوا بها؟ قال: لا، والله ما رأينا ذلك في الطب، ثم ذهبنا إلى العجائز وسألناهن: هل جربتن هذه الصوفة فوجدتن فيها شفاء؟ قُلْنَ: لا ما وجدنا فيها شفاء، فقال الفقيه: إذًا: أنت وقعت في الشرك الأصغر؛ لأنك اتخذت سببًا لم يشرعه الله سببًا لا شرعًا ولا كونًا، فقال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١].
إذًا: من اعتقد اعتقادًا جازمًا صحيحًا في ربه أنه النافع والضار واتخذ سببًا لم يشأ الله أن يجعله سببًا، فقد وقع في الشرك الأصغر.
[ ٨ / ٦ ]
كيفية الارتقاء من الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر في التشاؤم
الأصل أن التشاؤم شرك أصغر، وهو نادر الارتقاء من الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر، لكن كيف يرتقي المرء من الشرك الأصغر بالاعتقاد الفاسد إلى الشرك الأكبر؟! أقول: الشرك الأكبر خطر عظيم؛ لأن المرء بهذا الاعتقاد الفاسد سيخلد في نار جهنم، إلا أن تتداركه رحمة الله جل في علاه فيخرج من هذا الشرك إلى التوحيد.
نقول: يرتقي المرء من الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر إذا اتخذ سببًا لم يشرعه الله سببًا، واعتقد في هذا السبب أنه ينفع ويضر، فهذا قد خرج من الملة وأشرك شركًا أكبر؛ لأنه اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، وهذه القاعدة قعدها شيخ الإسلام ابن تيمية، فلو سمع رجل بامرأة هي من الجمال بمكان ومن الدين بمكان، وأراد الزواج منها، فقال: سأجعل الطير يطير، فإن ذهب يمينًا ذهبت وتزوجتها، وإن ذهب يسارًا فلن أذهب ولن أتزوجها، فسئل عن ذلك، فقال: هذا الطير هو الذي يمتلك إساءتي في هذه المرأة أو سعادتي فيها، فهذا يرتقي إلى الشرك الأكبر.
أو رجل ربط صوفة بسبب التعب أو المرض الذي أصابه في يده، فقلنا له: لم ربطت هذه الصوفة؟ قال: هي تنفعني في مرضي وتشفيني ولم يقل: بإذن الله، فاعتقد فيها اعتقادًا باطلًا، فمن اعتقد في غير الله من شجر أو حجر أو بشر ما لا يعتقد إلا في الله فقد أشرك شركًا أكبر؛ لأن النافع والضار والمحيي والمميت والمبدئ والمعيد هو الله، فمن اعتقد في أن هناك من البشر من يحيي ويميت، ومن يبدئ ويعيد، ومن يرزق ويمنع الرزق، ومن يرفع ويخفض، فقد خرج من الملة؛ لأنه أنزل المخلوق منزلة الخالق، فجعل لله ندًا في الربوبية وفي التصرف في هذا الكون؛ ولذلك لما سئل النبي ﷺ: (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك).
إذًاَ: الشرك شركان: شرك أكبر، وشرك أصغر، الشرك الأكبر أن يعتقد في هذا السبب، فإن لم يعتقد في هذا السبب فنقول: هذا من الشرك الأصغر وله حكم الطيرة.
[ ٨ / ٧ ]
حكم الفأل
هناك مسألة أخرى تتعلق بالطيرة ألا وهي: الفأل، فهناك فأل حسن، وللمرء أن يتفاءل، وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (يعجبني الفأل)، وقال: (الطيرة شرك وأحسنها الفأل)، وكان النبي ﷺ يسأل عن أمير الجيش أو أمير السرية فإن وجد اسمه رابح أو ناجح أو فائز استبشر وتفاءل، وأيضًا عندما رأى النبي ﷺ في صلح الحديبية سهيل بن عمرو قال: (سهل الله عليكم أمركم)، وقد كان ذلك حقًا بعقد الصلح مع سهيل بن عمرو.
إذًا: المقصود أن الفأل من الشرع وهو عكس الطيرة، فالطيرة تشاؤم، والتفاؤل: هو أن يتحرك المرء لفعل شيء بكلام حسن قد سمعه، أو إشارة حسنة قد رآها، كأن يكون مثلًا تاجرًا يريد السفر ليتاجر بتجارة، فيسمع رجلًا يقول: بضاعتك رابحة تجارتك فائزة أنت ناجح أنت رابح أنت فائز فيدخل عليه السرور فيستبشر خيرًا ويمضي قدمًا في تجارته، فهذا هو الفأل، فالفأل له أصل شرعي من قول النبي ﷺ ومن فعله.
[ ٨ / ٨ ]
العلاقة بين الفأل والطيرة والفرق بينهما
هناك علاقة بين الفأل وبين الطيرة، فهما يتفقان ويفترقان، فيتفقان في الهمة بالتحريك والدفع، فالطيرة تدفع والفأل كذلك يدفع، لكن الفأل مأمور به محثوث عليه والطيرة لا، فهذا الاتفاق بينهما أنه يمضي المرء أو يرد المرء بالفأل وبالطيرة، والافتراق في أمور كثيرة، منها: الأمر الأول: أن الفأل الحسن مأمور به شرعًا، قال النبي ﷺ (يعجبني الفأل)، وأما الطيرة فقد نهى النبي ﷺ عنها، ونحن ندور مع الشرع حيث دار، فأنت مربوب لربك، وعابد لله جل في علاه، تقول: سمعت وأطعت واستسلمت لأوامر الله، والله مدح إبراهيم باستسلامه التام لأوامر الله، قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١] كأن الله جل وعلا قال لإبراهيم: استسلم لأوامري، فقال استسلمت، فمدحه الله جل في علاه لذلك.
إذًا: فمحض العبودية أن تستسلم استسلامًا تامًا لله جل في علاه، فتعلم أن الشرع قد أباح الفأل، فتقول: آمنت بالفأل سببًا وأعتقد اعتقادًا جازمًا في ربي.
ونهى الشرع عن الطيرة فتقول: قد حرمت الطيرة على نفسي؛ لأن الشرع قد حرمها.
الأمر الثاني: أن الفأل من باب حسن الظن بالله، وحسن الظن بالله أمر الله جل في علاه به، وأمر به رسوله ﷺ، فقد صح عن نبينا ﷺ أنه قال (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه)، وفي مسند أحمد بسند صحيح عن النبي ﷺ أن الله ﷿ قال: (أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظن خيرًا فله) فحسن الظن بالله من أتم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى الله جل في علاه.
أما الطيرة فهي سوء ظن بالله، وسوء الظن بالله إن لم يصل إلى الشرك الأكبر فهو من أكبر الكبائر، قال الله تعالى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦] وقال: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤] وقال النبي ﷺ قال الله ﷿: (فمن ظن بي خيرًا فله ومن ظن بي شرًا فله) يعني: عليه ذلك الظن.
إذًا: حسن الظن بالله جل في علاه من باب الفأل، والطيرة من باب سوء الظن بالله جل في علاه.
الأمر الثالث: أن الفأل وسيلة إلى التوحيد الكامل لله جل في علاه فهو وسيلة إلى كمال التوحيد؛ لأنه وسيلة إلى تمام التوكل على الله جل في علاه والاطمئنان إليه سبحانه، كما قال الحسن البصري: علمت أن رزقي بيد ربي ولن يذهب لغيري، فاطمأن قلبي.
يعني: علم أن ربه هو الذي يدبر شئونه وأموره، فاطمأن قلبه لله جل في علاه.
إذًا: هو وسيلة إلى كمال التوحيد.
أما الطيرة فهي وسيلة إلى الشرك؛ لأن بها ضعفَ التوكل على الله جل في علاه، وبها يتسخط المرء على أقدار الله جل في علاه، وبها يصل المرء إلى الشرك الأكبر والعياذ بالله.
الأمر الرابع: أن الفأل يدخل السرور على المرء وهذا أصل شرعي، والأصل منبثق من حديث النبي ﷺ (من أفضل العبادات سرور تدخله على مسلم) بأن تقضي له حاجته أو دينه، أو تنفس له كربته، فهذه من أفضل الطاعات التي تتقرب بها إلى الله جل في علاه.
إذًا: الفأل فيه إدخال السرور على المسلم وهذا أمرٌ محسوس، أما الطيرة ففيها إدخال الهم والحزن على المرء، فيصل بالمرء إلى التسخط على أقدار الله جل في علاه، وهو منبوذ شرعًا؛ ولذلك فإن النبي ﷺ كان يستعيذ منه ويقول: (أعوذ بك من الهم والحزن).
[ ٨ / ٩ ]
علاج التطير
ما من أحد إلا ويحدث له التطير، بل إنني قد أسمع كلمة من رجل فأجد في قلبي انقباضًا من هذه الكلمة، ثم أرجع وأقول: أعوذ بالله من الجاهلية التي نحن فيها، وأقول: اللهم لا خير إلا خيرك، فما من أحد إلا ويأتي له هذا الهاجس وهذه الوساوس التي من الشيطان، وقد حدث ذلك مع من هو خير منا، فقد حدث مع الصحابة، بل يقول ابن القطان حديثيًا: بل حدث مع النبي ﷺ، لكن هذا مختلف فيه في مسألة الإدراج كما سنبين، أقول: إذا تطير المرء أو جاء الشيطان وجثم على قلبه وصدره، فوسوس له بهذه العقيدة الفاسدة أو بهذا التشاؤم فلا بد أن يعالج هذا الأمر، ولا بد أن نفرق أولًا في المسألة بين العمل بالطيرة وبين تحديث النفس، فالمرء يؤاخذ بالعمل ويحاسب عليه، ولا يؤاخذ المرء بتحديث النفس، ودليل ذلك حديث النبي ﷺ حيث قال: (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم) ولذلك نقول: الوسوسة والخاطرة التي تأتي في القلب بالتشاؤم هذا لا يحاسب عليه المرء حتى يترجم ذلك إلى عمل، والدليل على ذلك الحديث الذي فيه شيءٌ من الضعف، لكن يستأنس به وهو قول النبي ﷺ: (الطيرة ما أمضاك أو ردك).
إذًا: الطيرة مقياسها أن تُحدث في نفسك التشاؤم أو التفاؤل، فتمضي قدمًا أو تتراجع، فما حدث المرء به نفسه فعليه أن يزيله، فيعالجه بثلاثة أمور: أولًا: صدق التوكل على الله جل في علاه، وهو أن يعتقد المرء اعتقادًا جازمًا بأن خزائن السماوات والأرض بيد الله جل في علاه، وبأن الله هو النافع والضار لا أحد غيره، فمن توكل على الله حق التوكل فقلبه معلق بمن فوق العرش الذي يدبر شئون الدنيا بأسرها، كذلك من وثق بالله تمام الثقة مع صدق الاعتماد على الله جل في علاه بجلب المنفعة ودفع المضرة فإنه لا يعتمد لا على طير ولا بشر ولا شجر ولا حجر وهذا أول علاج، ودليل ذلك حديث ابن مسعود في سنن أبي داود وفي غيرها من السنن بسند صحيح قال ابن مسعود: قال النبي ﷺ: (الطيرة شرك الطيرة شرك -أكد ثم قال-: وما منا من أحد إلا -يعني: تسقط في قلبه هذه الوساوس-ولكن يذهبه الله بالتوكل).
فلم يذكر الداء إلا وذكر معه الدواء، وهذا باب واسع جدًا في هذا الشرع الحنيف، قال النبي ﷺ: (ما أنزل الله داء إلا وأنزل له دواء) وهذا يبين أن هذا الدين متكامل في كل شيء؛ فهو ما ذكر ترهيبًا إلا وذكر ترغيبًا، وما ذكر نارًا إلا وذكر جنة، وما ذكر داءً إلا وذكر دواء، وما أغلق باب شر إلا وفتح باب خير، مثال ذلك: (لما جاء بلال بتمر جنيب -أي: تمر جيد- إلى النبي ﷺ قال له النبي ﷺ: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا يا رسول الله إنا نأخذ الصاع من هذا بصاعين من ذلك) فلما قال للنبي ﷺ هذا الكلام تأوه منه، وهذا يبين أن الصحابة قد يقعون في الخطأ، لعدم علمهم، فيعذرون بجهلهم، ثم يتعلمون فيتداركون الأمر، فقال له النبي ﷺ: (أوه، هذا عين الربا لا تفعل هذا) يعني: إن فتح باب الربا يفتح بابًا من أبواب النار، فالنبي ﷺ أغلق عليه باب المبادلة، مع أنهم يحتاجون إلى أكل التمر الطيب، لكنه فتح لهم بابًا آخر أباحه الشرع الحنيف فقال (يا بلال بع الجمع -الرديء- بالدراهم واشتر بالدراهم جنيبًا) والآن تجد المرأة تذهب إلى سوق الذهب لتبديل الخاتم أو الإسورة المتكسرة، أو يأخذها زوجها ويقوم بتبديل المتكسر من الذهب بالسليم مع دفع الفارق، وبفعله هذا يقع في الربا وهو لا يدري، فنقول له: لا تبدل ذهبًا بذهب مع الفرق؛ لأن هذا عين الربا، وإذا علمت المرأة بأنه ربا صرخت في زوجها وقالت: ماذا أفعل؟ فقال لها: أسأل أهل العلم، فسأل أهل العلم، فقالوا له: هذا عين الربا، لكن بع المكسر بالدراهم واشترِ بالدراهم الذهب الجديد.
فالنبي ﷺ يعلمنا ويبين لنا أن الدين الحنيف إذا أغلق بابًا من الشر فتح لنا بابًا آخر من الخير.
السبب الثاني في العلاج: أن تقول: (اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك) وهذا الدعاء لا بد أن يلتزمه المرء إذا طرأ على قلبه هذه الوسوسة.
[ ٨ / ١٠ ]
الخلاف في نسبة قوله: (ما منا إلا) في حديث الطيرة إلى النبي ﷺ
وقد اختلف العلماء في قوله: (ما منا إلا) هل هو من قول النبي ﷺ أم من قول ابن مسعود؟ يقول ابن القطان: الأصل في الحديث أنه موصول، وأن هذا الكلام أصله من كلام رسول الله ﷺ.
يعني: إذا كان النبي ﷺ تكلم به أولًا فآخره من كلام النبي ﷺ، إلا أن تأتي قرينة تثبت أنه ليس من كلام النبي ﷺ، وجمهور المحدثين متفقون على أن قوله: (وما منا إلا) مدرج من قول ابن مسعود، ولكن ليس هناك قرينة تبين ذلك، فيكون النبي ﷺ هو الذي قال: (الطيرة شرك وما منا إلا) يعني: يقع في قلبه الوسوسة بالطيرة (وما منا إلا، ولكن يذهبه الله بالتوكل).
لكن هناك قرينة قوية ذكرها بعض الإخوة وهي حظ الشيطان الذي أُخِذَ من قلب رسول الله ﷺ، وكذلك إسلام قرينه، قال ﷺ: (فأعانني عليه أو فأعنت عليه فأسلم) ومن هنا نعلم أن النبي ﷺ هو أتم الناس توحيدًا وأنظف الناس قلبًا وأعمق الناس توكلًا على الله، وهذه قرينة كافية تبين لنا أن قول: (ما منا إلا) هو من قول ابن مسعود نفسه وليس من قول رسول الله ﷺ.
[ ٨ / ١١ ]
وسائل علاج الطيرة والتشاؤم
إذًا: أول ما يعالج به المرء الطيرة التوكل، ثم الدعاء: (اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك) كأنه يقول: أعتقد اعتقادًا جازمًا أنه لا تحول من الشر إلى الخير إلا بقوة الله، ولا تحول من الخير إلى الشر إلا بقوة الله وبقضاء الله وقدرة الله جل في علاه، وأيضًا هناك دعاء آخر: (اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك) يعني: أنت الذي تملك الطير كله، سواء التشاؤم أو الطير المحسوس الذي نراه أمامنا؛ لأن الطير لا يملك شيئًا ولا يملك رزقًا ولا يملك أن يمنع الرزق.
وقوله: (اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك) كأني أقول: أتممت توحيد الإلهية واعتقدت اعتقادًا جازمًا بأن النافع والضار هو الله، ولم أتخذ سببًا لم يشرعه الله؛ لأن اتخاذ السبب الذي لم يشرعه الله جل في علاه والعياذ بالله من الشرك.
والعلاج الثالث: الإمضاء، يعني: أن يمضي المرء إذا أراد أن يسافر أو يتزوج أو يتاجر، فلا يكون ممن إذا وجد امرأة قال: إن هذه المرأة امرأة سوء، أو هذه تجارة كاسدة، فنقول لمثل هذا: اتق الله فإنك ستقع في الشرك بسبب ذلك، لكن اذهب وامض إلى تجارتك معتمدًا متوكلًا موافقًا مصدقًا بأن الأمر كله بيد الله جل في علاه، وقل اللهم لا حول ولا قوة إلا بك، فإذا أتممت توكلك على الله جل في علاه وأحسنت الظن بربك فسيأتيك حسن ظنك بربك وفق ما قاله رسول الله ﷺ عن الله ﷿: (أنا عند ظن عبدي بي فمن ظن بي خيرًا فله) وهذا آخر الكلام على مسألة الطيرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
[ ٨ / ١٢ ]