مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - النذر وأحكامه
النذر عبادة من العبادات التي لا تجوز إلا لله تعالى، وصرفها لغير الله شرك.
وقد أثنى الله ومدح الموفين بالنذر، فمن نذر نذر طاعة فيجب عليه الوفاء به، ومن نذر نذر معصية فلا وفاء فيه، وكفارته كفارة يمين.
[ ١١ / ١ ]
النذر في اعتقاد أهل الجاهلية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فما زلنا مع أهل الجاهلية وضلالاتهم التي نبذها الشرع، وجاء النبي ﷺ بإبطالها وبيان عوارها وخبثها.
ومن هذه المعتقدات والتعبدات التي كان يتعبد بها أهل الجاهلية: النذر لغير الله جل في علاه، فقد كانوا ينذرون لآلهتهم وأصنامهم من الأشجار والأحجار إذا يسر عليهم من أمرهم: من سفر أو تجارة أو مال أو ربح أو عافية في البدن، ثم يوفون بهذا النذر، لكنهم كانوا إذا قصرت بهم النفقة ينزلون عن هذا النذر، فجاء الشرع بإبطال ما يفعلونه، وبين أن النذر عبادة لا بد أن يفرد بها الله جل في علاه، قال الله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ [المائدة:١٠٣]؛ رفضًا وبيانًا وإنكارًا لما كان يفعله أهل الجاهلية، وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام:١٣٦]، فأنكر الله عليهم ذلك.
وفي السنن قال النبي ﷺ عن النذر: (لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله).
فأما عن أهل الجاهلية فلا عتب ولا ملامة عليهم؛ إذ لم يأتهم الرسل، وأما أهل الإسلام الذين أتاهم رسول الله ﷺ، وأظهر الله على يديه الشرع الحنيف، ونقل لنا صحابته هذا الدين القويم، ثم من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين إلى يومنا هذا، فالعلم ينتشر بين الناس، فالعتب كل العتب على من يتمثل بمعتقدات أهل الجاهلية ويتعبد كما تعبد أهل الجاهلية، فالعتب عليهم كيف ينحرفون عن دين الله جل في علاه؟! وكيف ينحرفون عن هذا الصراط المستقيم؟! فجاهلية اليوم أشد من جاهلية الأمس، فتراهم ينذرون الآن للحسين وللبدوي ولـ فاطمة الزهراء ولغيرها، ويقولون: إن شُفي مريضي، أو إن حملت أمي أو ابنتي، أو إن أتاني الله بهذا الربح فعلي لفلان كذا فينذرون لغير الله ويوفون بهذا النذر، ومنهم من يرتقي فينذر للجن لا لصنم ولا لحجر؛ خوفًا منهم، فينذرون بمثل الديك الأحمر والعصفور الأخضر -كما هو مشهور بين العامة-، وينذرون هذه النذور لغير الله جل في علاه، ويوفون بها.
[ ١١ / ٢ ]
أحكام النذر
وسنذكر هنا النذر، وأحكامه، ومباحثه، وحكم الوفاء به.
[ ١١ / ٣ ]
تعريف النذر وصيغه
النذر لغة: الالتزام بشيء ما مطلقًا.
وأما شرعًا فهو: إلزام المرء نفسه بطاعة لم يوجبها عليه الشرع.
وصيغة النذر أن يقول: لله علي نذر أن أصوم يومين إن شفى الله مريضي، أو يقول: علي نذر لله جل في علاه أن أصلي مائة ركعة، دون أن يجعلها مشروطة معلقة.
[ ١١ / ٤ ]
حكم النذر المعلق وغير المعلق
أما حكم النذر: فالعلماء اختلفوا في ذلك على أقوال ثلاثة: فمنهم من أباحه، ومنهم من منعه، ومنهم من قال بجوازه على الكراهة.
وجماهير أهل العلم يرون أن النذر جائز مع الكراهة، ومعنى الكراهة: أنه لا يأثم فاعله ولكن يثاب تاركه، والكراهة هنا كراهة تنزيهية لا كراهة تحريمية، ويستدلون على ذلك بالأثر والنظر.
فأما الأثر: فإنهم يستدلون بحديث ابن عمر ﵁ وأرضاه: أن النبي ﷺ قال: (إنه لا يأتي بخير -يعني: النذر- وإنما يستخرج به من البخيل)، فقالوا: إن كان لا يأتي بخير فهو مكروه، ويستخرج به من البخيل، وهذا من لوازمه المذمة للذي نذر.
وأما النظر: فلعل الذي ينذر نذرًا لا يستطيع أن يوفي به، والنبي ﷺ يقول: (اكلفوا من الأعمال ما تطيقون)، وعملًا بقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وهذه العلة تجعلنا نقول بالكراهة.
والذين قالوا بالإباحة قالوا: نحن نقول: إن النذر المطلق على الإباحة، فلو قال: لله علي أن أصوم شهرًا، أو لله علي أن أصلي مائة ركعة، فهذا على الإباحة، وأما إذا جعله معلقًا بشروط، كأن يقول: إن شفى الله ابني فله علي أن أصوم يومين أو ثلاثة، فهذا المكروه.
والقول الثالث هو قول المحققين من أتباع المذاهب، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم: أنه على التحريم، وهذا الذي وصل إليه القرطبي في المفهم، واستحسنه ابن حجر، وذلك لأدلة من الأثر ومن النظر: فأما من الأثر: فاستدلوا بحديث ابن عمر السابق، وأول الحديث فيه: (نهانا النبي ﷺ عن النذر)، والأصل في النهي التحريم.
وقال: (إنه لا يأتي بخير)، والذي لا يأتي بخير محرم.
وقال: (إنما يستخرج به من البخيل)، وفي رواية أخرى قال عنها الهيثمي: رجالها رجال الصحيح، وهي في المسند عن ابن عمر أنه قال: (نهانا رسول الله ﷺ عن النذر، وأمرنا بالوفاء).
ويجمع بين هذه الأقوال: بأن النهي هنا نهي عن النذر ابتداء، لكن لا بد بعد النذر من أن توفي به، ولذلك مدح الله الذين يوفون بالنذر، لكن في الأصل هو منهي عنه.
وأما من النظر: فقالوا: القاعدة عند العلماء: أن الوسائل لها أحكام المقاصد، ولو نظرنا في النذر لوجدنا أن هناك أناسًا ينذرون ولا يوفون بهذا النذر، فيلتزمون بأمر يشق عليهم، فيذَمُّون عند الله بعدم الوفاء، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة:٧٥ - ٧٦]، فكان الجزاء على هذا التقاعس أن الله عاقبهم بنفاق في قلوبهم ولحقتهم المذمة.
فقالوا: الوسائل لها أحكام المقاصد، فإن كان النذر هو الذي تسبب في إلحاق المذمة والنفاق في قلوبهم فيحرم، والنفاق مذموم، ويحرم أن يستخدم الإنسان الطريق الذي يصل به إلى مذمة الله، فالنذر الذي وصل بهم إلى مذمة الله حرام، والوسائل لها أحكام المقاصد.
ولعل أرجح هذه الأقوال هو القول الثالث، فإذا نذر الإنسان نذرًا معلقًا أو غير معلق فإنه محرم، أو يتردد بين الكراهة والحرمة وهو إلى الحرمة أقرب، وهذا هو قول المحققين من أهل العلم.
[ ١١ / ٥ ]
أقسام النذر
وإذا قلنا بأنه حرام فلا بد أن نبين ونفصل أقسام النذر حتى يكون الإنسان على علم بها، ونبين ما له وما عليه في أمر العقيدة.
[ ١١ / ٦ ]
نذر الطاعة
وهو قسمان: نذر مطلق، ونذر معلق مشروط.
نذر الطاعة: هو الذي ينذر فيه المرء أن يطيع الله جل في علاه.
القسم الأول: نذر مطلق، مثاله أن يقول: لله علي أن أصوم شهرًا متتابعًا، أو لله علي أن أصلي مائة ركعة، أو لله علي أن أحج بيت الله نافلة -كان نافلة فأوجبه على نفسه-، فهذا نذر مطلق، وهذا يتردد بين الكراهة والحرمة، ونحن نقول: إن كان على الكراهة فهو قريب، وإن كان على الحرمة فهو قريب، والمقصود: لا نرجح طالما هو نذر، وهو يتأرجح بين الكراهة والحرمة للعلل السابقة.
القسم الثاني: نذر معلق، وهو يجري بين صاحبه وبين الله معاوضة -والعياذ بالله-، وهذا سوء أدب مع الله، فيقول: لئن شفى الله مريضي لأصومن ثلاثة أيام، وهذا إلى الحرمة أقرب منه إلى الكراهة كما رجح ذلك ابن حجر وغيره؛ لعلل: الأولى: كأن هذا العبد يعتقد بأن الله فيه بخل حاشا لله، أو أن الله لا يعطيه ما يريد حتى يقدم له الطاعة سبحانه جل في علاه، ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر:٢]، فيده سحاء بالليل والنهار سبحانه جل في علاه، (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي شيئًا)، فهذا فيه سوء أدب، وكأنه يعتقد في داخله أن الله لا يعطيه ما يريد حتى يقدم له هذه الطاعة.
وهذا الاعتقاد اعتقاد جاهلي لا يجوز، ولذلك قلنا بحرمته.
العلة الثانية: أنه لا يعتقد بأن الله يكافئه -المعاوضة-، بل يعتقد أن النذر يؤثر في القضاء والقدر ويغير في المكتوب في اللوح المحفوظ، وهذا أيضًا إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان؛ لأن قدر الله إذا كتبه وفرغ لا يتغير، كما قال النبي ﷺ: (ولو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف)، فانتهى الأمر، ولا مؤثر في قضاء الله جل في علاه.
ودليل نذر الطاعة حديث النبي ﷺ عن عائشة في الصحيح قال: (من نذر أن يطع الله فليطعه)، فهذا نذر الطاعة، وهو القسم الأول من أقسام النذر.
[ ١١ / ٧ ]
نذر المعصية
وهذا كمن نذر أن يشرب الخمر، أو أن يزني، أو أن يقطع رحمه، فهذا نذر معصية لا يجوز، وفيه مع الحرمة سوء الأدب مع الله، وأقبح منه أن يكافئ الإحسان بالإساءة، فيقول: لله عليَّ نذر لئن نجح ابني لأشربن الخمر والعياذ بالله! هذا أقبح من الأول؛ لأنه يقابل إحسان الله بهذه الإساءة، وهذا محرم أيضًا بالإجماع، ولا يجوز الوفاء به.
فمن نذر نذرًا وقع في المحرم ويجب عليه الوفاء إجماعًا.
يعني: من قال: إن شفى الله مريضي لأصومن ثلاثة أيام.
يجب عليه الوفاء بهذا النذر، وصيام ثلاثة أيام، أما نذر المعصية فبالإجماع لا يجوز الوفاء به.
[ ١١ / ٨ ]
حكم عدم الوفاء بالنذر
اختلف العلماء: فيما لو قلنا: لا يف به، هل يكفر عنه أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: وهو قول جماهير أهل العلم: أن الوفاء في المعصية لا يجوز؛ لقول النبي ﷺ: (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، فالجماهير قالوا: لا كفارة عليه، لدلالة الأثر والنظر، فأما الأثر: (فقد رأى النبي ﷺ رجلًا واقفًا نصفه في الشمس ونصفه في الظل وهو صامت لا يريد أن يتكلم، فنظر إليه النبي ﷺ وقال: ما له؟ قالوا: يا رسول الله! نذر ألا يستظل، ويسكت ولا يتكلم، ويقوم ولا يقعد، ويصوم، فقال له النبي ﷺ: مروه فليقعد وليتكلم، وليتمنّ صومه).
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ اندهش مما فعله أبو إسرائيل.
ويستدل الجمهور أيضًا على أنه لا كفارة فيه بحديث أن النبي ﷺ قال: (من نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، وقال: (لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يطيق ابن آدم).
ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يذكر الكفارة هنا في نذر المعصية.
وأيضًا استدلوا بحديث عقبة بن عامر ﵁ وأرضاه: أن أخته نذرت أن تحج لله ماشية، فلما نذرت هذا النذر تعبت في وسط الطريق وما استطاعت، فذهب أخوها يسأل رسول الله ﷺ: (إن أختي نذرت أن تحج ماشية، فقال له النبي ﷺ: إن الله غني عن إهلاك هذه المرأة لنفسها، مرها فلتمش ولتركب).
وجه الدلالة أنه قال: مرها تمشي وتركب وما قال تكفر عن نذرها.
أما من النظر فقالوا: هذا اليمين أصالة لم ينعقد، فإذا قلنا بأن هذا اليمين لم ينعقد فتوابعه لم تنعقد؛ لأن لازمه أن يكفر وهو لم ينعقد أصلًا، فلا كفارة له، وهذا القول وجيه جدًا.
القول الثاني وهو ما رجحه الحنابلة وبعض الشافعية: أن عليه كفارة يمين.
واستدلوا على ذلك بحديث في السنن عن النبي ﷺ قال: (من نذر أن يعصي الله فلا يعصه، وكفارته كفارة يمين)، وهذا تصريح من النبي ﷺ.
وهذان القولان من القوة بمكان، فعندنا دليل قولي من النبي ﷺ، والدليل الثاني دليل تقريري، لكن الدليل التقريري فيه قوة؛ لأنه وقت بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ومن قال: بأن كفارة اليمين على الذي نذر نذر معصية على الاستحباب ما أبعد، وكان هذا من أوجه الأقوال؛ لأن القاعدة عند العلماء: أن الخروج من الخلاف مستحب، فكأن النبي ﷺ قال له: وعليه كفارة يمين استحبابًا، احتياطًا لنفسه، لكن الصحيح والأفضل: أنه لا يكفر عن يمينه.
[ ١١ / ٩ ]
نذر اللجاج
سمي نذر اللجاج بهذا الاسم لأنه لا يكون إلا في الغضب، فاللجاج هو الغضب، مثل أن يكلم رجل رجلًا ويقول له: إن أباك كان يفعل كذا وكذا وكذا، فيقول له الآخر: لو كان أبي يفعل ما قلت فنذر علي لله لأصومن شهرًا.
فهو يبين تصديق أو تكذيب القائل، أو الحث أو التحضيض على شيء معين، فنذر اللجاج ينزل هنا منزلة اليمين تمامًا، وله أحكام اليمين، فإن وفى فله، وإن لم يوف فعليه وجوبًا كفارة يمين.
والفرق بينه وبين الذي قبله أنه ينزل منزلة اليمين، فكأنه يقول لامرأته: علي نذر لو ذهبت إلى أمك لأصومن ثلاثة أيام، فنقول: لا تذهب حتى لا يقع فيه، لكن لو ذهبت وجب عليه أن يصومها، ولو لم يصم فعليه كفارة يمين.
ومن الفوارق: أنه يجب عليه بلا خلاف أن يكفر عن يمينه ويطعم عشرة مساكين، فينتقل إلى الحكم المعلوم في كفارة اليمين.
[ ١١ / ١٠ ]
النذر المباح
النذر المباح: كأن ينذر أن يأكل أكلًا مباحًا، أو يلبس لبسًا مباحًا، وهذا له أن يوفي به وله ألا يوفي به، وإن لم يوف به فإن الأولى والأحرى به أن يكفر عن ذلك كفارة يمين؛ لقول النبي ﷺ: (من حلف على يمين ورأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه).
[ ١١ / ١١ ]
النذر المكروه
أما النذر المكروه كأن ينذر لله أن يفعل شيئًا هو مبغوض عند الله، مثل: الطلاق، فينذر أن يطلق امرأته، والطلاق مبغوض عند الله جل في علاه، لحديث: (أبغض الحلال عند الله الطلاق)، وهو حديث ضعيف.
تنبيه: إذا لم يشف الله مريضه فليس عليه أن يوفي، لكنه آثم لأنه علقه على ذلك، وفيه سوء الأدب مع الله جل في علاه، ويحرم عليه أن ينذر هذا النذر، وليس عليه أن يوف به لأنه علقه؛ فإن شفى الله مريضه وجب عليه أن يوفي به.
[ ١١ / ١٢ ]
النذر عبادة
القاعدة عند العلماء في العبادات: أن ما ثبت في الشرع أنه عبادة فصرفه لله توحيد، وصرفه لغير الله شرك.
وحتى نبين هذه المسألة المهمة أقول: النذر عبادة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩]، (وليوفوا) فعل أمر، وظاهر الأمر الوجوب، والله لا يأمر إلا بما يحب، وما أحبه الله كان من العبادة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه.
أيضًا: قول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧]، ووجه الدلالة من هذه الآية على أن النذر عبادة: أن فيها مدحًا للوفاء، والله لا يمدح إلا ما يحب.
فلا بد للإنسان إذا قال: النذر عبادة أن يكون معه دليل، وإذا قال: الطواف عبادة لا بد أن يكون معه دليل؛ حتى لا يدخل عليه أحد ويقول له: لا، بل هذا من المباح أو من المستحبات، فنحن نأصل أصولًا لو أتقنت لما استطاع مبتدع أن يقف أمامك.
ونحن نعايش هذا، وكثير من المصريين يعلمون ذلك، بل ربما أن ثلاثة أرباع المصريين ينذرون لغير الله جل في علاه، فصندوق البدوي فيه الملايين، والسيدة زينب والحسين فيها الملايين من النذور، وهذا لا يمكن لأحد أن ينكره، وليس لصاحب عقل سديد أن ينكره، فلذا لا بد أن يتأصل لدينا علمًا لنرد على هؤلاء الذين يلبسون الحق بالباطل.
قال الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧]، يقول العلماء: في هذه الآية دلالة على أن النذر عبادة؛ لأن الله لا يمدح إلا ما يحب، وما أحبه كان عبادة، لذا قال قبلها: ﴿عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٦]، فسماهم الله عبادًا؛ لأنهم يوفون بالنذر.
إذًا: فالوفاء بالنذر يدل على أنه العبادة، فهم عباد لله جل وعلا بوفائهم للنذر، ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧].
والخوف من عقاب الله أيضًا سمة وصفة عباد الله جل في علاه، فهذه أدلة تدل على أن النذر عبادة.
وأيضًا قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة:٢٧٠]، فاستدلوا بهذه الآية أيضًا على أنه عبادة، وهذه الآية فيها دلالة من وجهين: الأول: دلالة الاقتران؛ وإن كانت ضعيفة لكن السياق محكم ويبين هذا، فالله جل وعلا قرنها في كتابه مع النفقة، والنفقة عبادة، فإذا كانت النفقة عبادة فقرينتها في الكتاب تكون عبادة باللزوم.
الوجه الثاني: قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة:٢٧٠]، وهذا هو محل الشاهد؛ لأن علم الله يدل على المحاسبة: إما مكافئة أو عقاب، فننظر فيما قال، قال: (نذر) وقال: (نفقة)، فهذه فيها ثواب، فإذا كانت محل المحاسبة دل ذلك على أنها عبادة؛ لأن الله يحاسب عباده على العبادة إما ثوابًا إذا أحسنوا وإما عقابًا إذا أساءوا، إذًا: فهذه الدلالات من هذه الآيات تثبت أن النذر عبادة.
[ ١١ / ١٣ ]
أقسام الناس في النذر
إذا قلنا بأن النذر عبادة وأثبتنا ذلك بالدليل، فصرفه لله توحيد، وصرفه لغير الله شرك، كصرفه لـ علي بن أبي طالب وللحسين، والناس في ذلك على أربعة أقسام: القسم الأول: رجل يقول: نذرت لله أن أصوم شهرًا إذا ولدت امرأتي ولدًا.
القسم الثاني: رجل يقول: إنه نذر للبدوي أو لـ علي أو لـ فاطمة الزهراء بدفتين شمع إذا نجح الولد.
القسم الثالث: رجل نذر للحسين إذا نجح الله ولده أن يذبح ذبيحة.
هذه أقسام النذر، فتعال نطبق القاعدة في هذه الأقسام: القسم الأول: نذر لله إن ولدت امرأته ولدًا أن يصوم شهرًا، فهذا النذر توحيد لكن صاحبه آثم وعليه الوفاء؛ فهو آثم لأنه تجرأ على شيء وكلف نفسه أمرًا قد لا يستطيعه فيعقبه نفاقًا في قلبه، أو هو مكروه -على القولين كما بينا، فهو يتردد بين الكراهة والحرمة- لكن يجب عليه الوفاء به إن ولدت امرأته ولدًا، يعني: إن حدث المعلق فلا بد أن يأتي بما علق عليه.
القسم الثاني: صاحبه كافر، ولا نعني بذلك رجلًا بعينه؛ لأننا فرقنا وقلنا: تكفير العين جرأة ما بعدها جرأة، ولا يتجرأ عليه إلا جاهل جريء، لكن نحن نقول: القول كفر، والفعل كفر، لكن القائل والفاعل ليس بكافر حتى تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة، ففرق بين تكفير النوع وبين تكفير العين، فهذا كفر من حيث الربوبية ومن حيث الإلهية؛ لأنه نذر لـ فاطمة الزهراء إن نجح ابنه إلخ.
إذًا: فقد اعتقد في فاطمة ما لا يعتقد إلا في الله جل في علاه، فهذا شرك وكفر بالربوبية؛ لأنه جعل فاطمة التي هي في قبرها تحيي الموتى، وتنجح البليد، وتعطي المرأة الولد فهذا شرك في الربوبية، وأيضًا هو شرك في الألوهية؛ لأنه صرف عبادة لغير الله.
القسم الثالث: كفر وشرك أيضًا؛ لأنه نذر للحسين إذا نجح الله ولده، فهذا الفارق بينه وبين الثاني.
ولتعلموا عظيم الخطر في هذا: فقد جلست وناقشت بعض طلبة العلم فقال: لا عذر في هذه المسائل، فقلت له: تعني أن ثلاثة أرباع المصريين كفرة خارجون من الدين، فقال: أي أحد يفعل ذلك فهو كافر؛ لأنه صرف عبادة لغير الله جل في علاه، فقلت له: لو تترك النقاش في أمور العقيدة أفضل لك، أردت أن أشدد عليه حتى لا يكفر الناس بهذه الطريقة، فنحن نقول: نعم، هم صرفوا عبادة مختصة بالله لغير الله، لكن الجهل وعدم العلم يجعلنا نعذرهم، رغم أن الشيخ ابن باز في بعض الأحيان يقول لا يعذر في أصول الإيمان أحد بجهله، لكن في فتاوى أخرى للشيخ ابن باز تبين أنه يعذر بحسب المناطق، أي: أن المنطقة التي استفاض فيها العلم لا يعذر فيها، والمناطق التي لم يستفض فيها العلم يعذر فيها بالجهل.
فنقول: هذا النذر نذر شرك، وهو شرك أكبر في الألوهية؛ لأن النذر محض عبادة، فلا يجوز بحال من الأحوال صرفها لغير الله، فمحض العبادة إذا صرفت لغير الله فهي شرك، فلو نذر للبدوي أو للحسين أو لـ علي، بل لو نذر لرسول الله ﷺ أو لعيسى أو لموسى أو لنوح ﵈ فهذا النذر شرك في الألوهية؛ لأنها عبادة صرفها لغير الله جل في علاه، فهي شرك في الألوهية، لكن من لوازمها أن تكون شركًا في الربوبية وليس بصريح، لكن من باب اللازم؛ تفريقًا بين النذر وبين اليمين؛ لأن بعض النذر ينزل منزلة اليمين، وهو نذر اللجاج.
ولقائل أن يقول: أنتم قلتم أن النذر ينزل منزلة اليمين، فاجعلوا حكم النذر حكم اليمين، فاليمين ينقسم إلى قسمين: شرك أكبر وشرك أصغر، فلو حلف الرجل بالنبي فهذا شرك أصغر إلا أن يعتقد أن النبي يستطيع أن يعاقبه إن لم يفعل ما أقسم به، فهو يعتقد به ما يعتقد في الله جل في علاه، فيقولون: أنزلوه منزلة اليمين، قلنا: لا؛ لأن الشرك الأصغر جاءت الأدلة المفرقة بينه وبين النذر، الشرك الأصغر هو لغو لسان، يقول: والنبي، ورحمة أمه، وشرف أبيه، وتربة الذين أنجبوه، فهذا خطأ باللسان، فنقول: هذا شرك أصغر بنص حديث النبي ﷺ، وأما النذر فلما ثبت بالشرع أنه عبادة، فلا شرك أصغر فيه، ولا دليل على التفريق، بل هو عبادة صرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك.
إذًا: فليحذر امرؤ يتق الله ربه، وليعلم أن العبادة المحضة لا بد أن تصرف لله جل في علاه، وأنها لو صرفت لغير الله وقع صاحبها في الشرك.
[ ١١ / ١٤ ]
حكم تغيير النذر
لو نذر رجل نذرًا هل له أن يغيره أم لا؟ نقول: تغيير النذر لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يغير النذر إلى ما هو أفضل وأرقى وأعلى.
الحالة الثانية: أن يغير النذر إلى ما هو أدنى.
مثلًا: رجل نذر لله أن يذبح شاة مطلقًا، فلم يجد شاة ووجد ديكًا فذبحه، فهذا من الحالة الثانية، ولو نذر أن يذبح شاة فلم يجد الشاة فذبح بقرة فهذا من الحالة الأولى.
ففي الحالة الأولى يصح أن يغير إلى ما هو أفضل منه، ولا يجوز تغييره إلى الأدنى، والدليل على ذلك الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: (أن رجلًا سأله فقال: يا رسول الله! إني نذرت أن أصلي في بيت المقدس، فقال له النبي ﷺ: صل هنا -أي: في مسجد المدينة-) فالصلاة في المسجد النبوي أفضل من الصلاة في المسجد الأقصى، فلما كانت الصلاة في المسجد النبوي خير من الصلاة في المسجد الأقصى قال له النبي ﷺ: وف بنذرك هنا، وبذلك يوفر على نفسه النفقة؛ لأن الصلاة في مسجده خير من الصلاة في المسجد الأقصى.
ولذلك نقول: من قال: لله علي أن أذبح شاة وذبح بعيرًا أو بقرة فله ذلك، وقد وفى بنذره، وأما أن يغير النذر للذي هو أدنى فهذا لا يجوز، لأن الأصل عدم التغيير، وجاءنا الدليل بالإقرار على التغيير في الذي هو فوق، ولم يأتنا الدليل بالتغيير إلى ما هو أدنى، فيبقى ذلك على الأصل وهو عدم التغيير.
[ ١١ / ١٥ ]
محاسبة الكافر على نذره
هل يحاسب الكافر على نذره؟ هذا أمر يقول به من يقول بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، فلو نذر الكافر نذرًا فإنه يؤمر بالوفاء به، لكن لو وفى به في حال شركه فلا يقبل منه، وإذا أسلم فإنه يؤمر بالوفاء به، والدليل على ذلك: أن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه -قبل إسلامه- نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال للنبي ﷺ: نذرت نذرًا -يعني: في الجاهلية-، فقال له النبي ﷺ: (أوف بنذرك)، فدل ذلك على أنه مخاطب بهذا النذر، ولا بد أن يوفيه في الإسلام حتى ولو وفاه في الكفر؛ لأنه في الكفر غير معتبر.
هذا آخر المباحث التي نتكلم عنها في باب النذر، نسأل الله جل في علاه أن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا.
[ ١١ / ١٦ ]