مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - حكم صرف الدعاء لغير الله
دعاء الله ﷿ هو العبادة، وهو الدين كله، وقد أمر الله عباده أن يدعوه وأن يفردوه بالدعاء وحده دون من سواه؛ إذ إنه عليه مدار التوحيد، فلا يمكن أن يكون الإنسان موحدًا إلا إذا أفرد الله تعالى بالدعاء، وأما دعاء غيره سبحانه فهو شرك؛ لذلك كان جديرًا بالمسلم أن يوحد الله تعالى بالدعاء خوفًا على نفسه من الوقوع في الشرك.
[ ٤ / ١ ]
حال أهل الجاهلية قبل الإسلام
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: أيها الإخوة الكرام! إن المشركين كانوا في جاهلية جهلاء عمياء، فقد كانوا يقلبون الحقائق فيجعلون التوحيد شركًا، والشرك توحيدًا، ويجعلون الحق باطلًا والباطل حقًا، فصرفوا صنوف وألوان العبادات لغير الله جل في علاه، مع الله جل في علاه قد أمرهم بعبادته، وبعث إليهم الرسل من أجل أن يصرفوا هذه العبادات له وحده لا شريك له سبحانه جل في علاه.
فقد كانوا يعبدون الله، ويقرون بربوبيته وأنه الخالق الرازق المدبر الآمر الناهي السيد المطاع، ومع ذلك كانوا يتعبدون لله بالشرك، وهذا من أقبح ما تقدموا به بين يدي عبادتهم، فكانوا يصرفون العبادات من الدعاء والنذر والذبح لغير الله جل في علاه، وإذا سئلوا عن ذلك قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] زعموا ذلك، وقد أبطل الله هذا الزعم؛ ولذلك أرسل الله رسوله على فترة من الرسل ليبدد هذه الأباطيل، وليبين الحجة الدامغة على هؤلاء، وأمره إن لم يطيعوه ويسمعوا له أن يقاتلهم فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣].
[ ٤ / ٢ ]
غلو أهل الجاهلية في الصالحين
لقد كان أهل الجاهلية يصرفون العبادة أكثر ما يصرفونها للصالحين، ويعتقدون بأن الصالحين لهم مكانة ووجاهة عند الله، ولهم كلمة على الله حاشا لله، أو لهم حق على الله أنه ولا بد أن يعطيهم هذا الحق، ولذلك فإن الله جل في علاه بين لنا بيانًا واضحًا كيف أنهم كانوا يصرفون العبادات لغير الله جل في علاه، فأخبر تعالى عنهم أنهم كانوا يعبدون المسيح ﵇، ويصرفون العبادة له ولـ عزير، وللملائكة، ويصفون الملائكة بأنهم إناث الرحمن جل في علاه حاشا لله ذلك! قال الله تعالى مبينًا لنا ما كان عليه أهل الجاهلية من صرف العبادات لغير الله جل في علاه، ويزعمون حماقة وسخفًا أنهم يتعبدون لله بذلك، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧] فهنا يبين لهم الله جل في علاه أن الذين يدعونهم يبتغون إلى الله الوسيلة.
قال ابن مسعود ﵁: كان نفر من الإنس يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم نفر الجن وما زال الإنس يعبدونهم من دون الله جل في علاه.
فالله جل في علاه بين الحقائق للجن، فاتبعوا رسوله واتبعوا هداه ووحدوه، وأهل الكفر من البشر ما زالوا على الكفر، وما زالوا على الإلحاد: «أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ» أي: أولئك النفر من الجن الذين يدعونهم من دون الله جل في علاه هم الآن يوحدون الله حق توحيده، ويبتغون إليه الوسيلة، وهؤلاء الإنس ما زالوا على جهلهم وكفرهم وإلحادهم: «أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ».
قال ابن عباس ﵁: كانوا يدعون عيسى من دون الله جل في علاه، وكانوا يدعون عزيرًا من دون الله جل في علاه، فقال الله تعالى: «أُوْلَئِكَ» يعني: عيسى وعزيرًا والجن الصالحين، «أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ».
وأيضًا كانوا يدعون الملائكة ويصفونهم بأنهم إناث الرحمن، ويقولون عنهم: إنهم سيشفعون لنا عند ربنا، وذلك جريًا منهم على القاعدة التي قعدوها وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] لأنهم كانوا يعتقدون اعتقادًا صحيحًا في الله، وهو أنه هو الرب الخالق الرازق، ولا يعتقدون أن الملائكة تخلق وترزق، ولا يعتقدون في الأولياء الصالحين مثل عيسى وموسى أو غيرهم من الأنبياء والصالحين أنهم يمتلكون شيئًا في الكون، فلا يعتقدون هذا الاعتقاد، بل كانوا يعتقدون أن الله هو المدبر، ومع ذلك يصرفون العبادة لغير الله، فقعدوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فهم يدعون الملائكة ليشفعوا لهم عند الله جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء:١١٧]، فهم يدعون الملائكة الإناث، ويقولون: هؤلاء الملائكة سيشفعون لنا عند الله بتقربنا بهم إلى الله جل في علاه.
وأيضًا كانوا يعبدون اللات والعزى، ويعتقدون بأن اللات والعزى ستشفع لهم عند الله جل في علاه.
فهذا النضر بن الحارث كان من أشد الكفار عداوة لرسول الله ﷺ، وكان إذا سئل لم تعبد اللات والعزى؟ فيقول: إن اللات ستشفع لي عند الله، والعزى سيشفع لي عند الله، ولذلك قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠].
بل لو نظرنا نظرًا بعيدًا إلى قوم نوح فإننا نجد أن الصلحاء في قوم نوح صور لهم الجهال التصاوير بعد موتهم، ومثلوا لهم التماثيل، وبنوا على قبورهم زاعمين أنهم إذا نظروا إلى هذه القبور وهذه التصاوير اجتهدوا اجتهادًا كبيرًا في عبادة الله جل في علاه، فلما اندثر العلم جاء الشيطان فأغوى الأغرار والأغمار الذين لا يعلمون عن دين الله شيئًا، فقالوا: والله إن أسلافنا كانوا يعبدون هؤلاء، ويتقربون بهم إلى الله جل في علاه، فعبدوهم من دون الله جل في علاه.
فهذه هي أفعال أهل الجاهلية الشركية، وما نبع ذلك إلا من الجهل العميق.
[ ٤ / ٣ ]
الأمر بالتوحيد والرد على شبه المشركين
لقد بعث الله نبيه ﷺ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وينور لهم بصائرهم بالحق، والتوحيد الخالص.
فلما جاء النبي ﷺ فإن أول ما قدم بين يدي دعوته أن أبطل الحجة التي أقاموها، كما أبطلها الله جل في علاه، فقال لهم: أنتم اتخذتم هؤلاء وسائط بينكم وبين الله، فإذا كنتم تعتقدون بأن هؤلاء سيشفعون لكم عند الله جل في علاه فإن هذه الحجة منفية، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤]، فلا أحد يشفع عند الله، وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨].
ثم أبطل حجتهم الثانية وهي: اعتقادهم الباطل بأن هؤلاء الأولياء أو الصالحين لهم تحكم في هذا الكون، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٨]، وفي سورة سبأ قطع الله سبل التعلق بغيره من حجر أو شجر أو أو نبي، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢]، أي: لا معين ولا نصير لله جل في علاه؛ فقطع أولًا أن يكون لأحد شركًا مع الله جل في علاه في هذا الكون المدبر من الله جل في علاه.
ثم قطع ثانيًا أن يكون لهم وجاهة أو شفاعة عند الله جل في علاه، وأخبر أنهم ليس لهم كلمة، وليس لهم ملك، وليس لهم شفاعة عند الله جل في علاه، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨].
ثم بعدما قعد هذه القاعدة أبطل حجة المشركين، وأمر نبيه أن يبطل هذه الحجج الباطلة، وإن زعموا أنهم إنما يعبدونهم ليقربوهم إلى الله زلفى، فأبطل ذلك وأخبرهم أنهم لا يقربونهم بل يبعدونهم عن الله جل في علاه، فأمرهم بالتخلية ثم تالتحلية، ولا بد من انتهاج هذا المبدأ: التخلية ثم التحلية، فأبطل كل الحجج، ثم بعد ذلك جاء بالتوحيد الناصع الخالص، فجاء أمره بالتوحيد بألا تعبدوا إلا الله ولا تشربوا هذه العبادة بشرك، قال الله تعالى: ﴿َاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] بل إن من السنة التي ماتت ولا بد للإنسان أن يحييها أنه عندما يريد أن ينام أن يقرأ سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، فإذا أخذ مضجعه فليقرأ هذه السورة، وهي تعدل ربع القرآن، كما بين النبي ﷺ ذلك فقال: (فإذا أخذ أحدكم مضجعه فليقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]) وذلك لأن فيها التوحيد المحض والبراءة من كل شرك، فهذا أيضًا مما أمر الله فيه عباده بالتوحيد الخالص والابتعاد عن الشرك.
ولو أن رجلًا جاء الآن فعبد عيسى، أو عبد موسى، أو عبد محمدًا ﷺ، وذهب إلى قبورهم يدعوهم لتفريج الكربات أو لرفع الزلات أو لإعطاء الحسنات، فلو فعل ذلك لقلنا له: أنت وأبو جهل سواء؛ لأنه صرف عبادة لا يستحقها إلا الله لغير الله، فأفعال الجاهلية التي جاء الشرع بنبذها هي: صرف ألوان الدعاء لغير الله؛ لأنه قد ثبت بالشرع أن الدعاء عبادة، فصرفه لله توحيد، وصرفه لغير الله شرك.
وقد كانوا -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - يذهبون إلى القبور يستسقون بها، ويستغيثون بأصحابها، ويتبركون بترابها، ويسألون كشف الكربات ويرفعون الحاجات إليهم؛ حتى تسد هذه الحاجات، كما يذهبون إلى قبر الجيلاني وقبر البدوي وقبر أبي العباس وأبي الدرداء والحسن والحسين، فيسألونهم من دون الله جل في علاه، فشابهوا وضاهوا أهل الكفر في أفعالهم.
[ ٤ / ٤ ]
الأدلة على أن الدعاء عبادة
لقد جاء النبي ﷺ يقرر بأن الدعاء عبادة، فلا يجوز لأحد أن يدعو غير الله، أو يصرف هذه العبادة لغير الله، فذلك من أفعال الجاهلية، وقد جاء النبي ﷺ ليخرج أهل الجاهلية من الجهالة العمياء ومن الظلمات إلى النور، فمن وقع فيها الآن فلا بد من أن نخرجه من هذه الظلمات إلى النور، وذلك كالآتي: أولًا: نثبت له بأن الدعاء عبادة، والأدلة من الكتاب والسنة التي تدل على أن الدعاء عبادة هي: أولًا من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف:٢٩]، فهذه الآية يستدل بها العلماء على أن الدعاء عبادة، ووجه الدلالة من الآية على أن الدعاء عبادة من ثلاثة أوجه: الأول: أن الله لا يأمر إلا بما يحب، وما يحبه الله يقع تحت مسمى العبادة؛ لأن العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، فإذًا لا يأمر الله إلا بما يحب، فإذا أمر الله بما يحب فأقل ما يقال فيه: إنه على وجه الاستحباب، فهو عبادة.
ثانيًا: أنه أمر بالإخلاص فيه، والإخلاص لا بد من أن يكون في العبادات؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، فالدعاء إذا أخلص فيه العبد فهو عبادة؛ لأن الأمر بالإخلاص يكون على العبادات.
ثالثًا: أن الله سماه الدين، فكأن الدين كله دعاء، وهذا صحيح؛ لأن النبي ﷺ قال: (الدعاء هو العبادة).
الآية الثانية: قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠]، فجعل الدعاء مكان العبادة، وسمى الدعاء عبادة.
وقال النبي ﷺ كما صح عنه في السنن: (الدعاء هو العبادة)، وهذا أسلوب حصر، فكأن العبادة كلها اجتمعت في الدعاء، وهذا صحيح، إذ الدعاء قسمان: دعاء مسألة، ودعاء عبادة وهو الثناء، فدعاء المسألة بجلب نفع أو دفع ضر، ودعاء الثناء: هو العبادات كلها من صيام وصلاة وجهاد وزكاة، فكل هذا يدخل في مسمى دعاء العبادة، وهو الثناء على الله جل في علاه بما هو أهل له، سواء بالذكر بالقلب أو باللسان أو بالجوارح.
فأهل الجاهلية ما حاربهم النبي ﷺ وجاء يقطع دابرهم، وأشعل نار الحرب بينه وبينهم إلا بسبب هذا الدعاء، فذهب إلى أهل الجاهلية فقال لهم: أنتم تدعون اللات والعزى، وتدعون عيسى، وتدعون عزيرًا، وتدعون أناسًا خلقهم الله جل في علاه، وتدعون الملائكة والشمس والقمر، وتدعون مخلوقات، وهذا الدعاء عبادة، إذا صرفتموه لغير الله فقد أشركتم، فجاءهم يحاربهم على ذلك، ويقول: لا تدعوا غير الله، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥]، ثم قالوا له: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ فهم يذهبون إلى اللات يطلبون منها تفريج الكربات، ويسألونها الحاجات ورفع الزلات، مع إعطاء الحسنات لللات والعزى، ولذلك قال النضر بن الحارث لما استدلوا عليه بأن النبي ﷺ يقول: إن هذا كفر، وإن الله أوحى إلى نبيه ألا يدعو أحدًا إلا هو، قال: إن هؤلاء شفعاء لنا عند الله أي: إن اللات ستشفع لي عند الله جل في علاه، فصرفوها لغير الله فوقعوا في الشرك.
أما أهل التوحيد -اللهم اجعلنا جميعًا من أهل التوحيد- فقد علموا أن الدعاء عبادة، وأن العبد يتقرب إلى الله بهذه العبادة، فأذلوا أنفسهم لله، وصرفوا هذه العبادة لله، فأصبحوا موحدين؛ ولذلك فإن الله جل في علاه يحب من أهل التوحيد بل ويحب من خاصة أهل التوحيد أن يتذللوا ويتضرعوا بالدعاء له جل في علاه، ليتبين مكمن الإخلاص والتذلل والتضرع في الدعاء لله جل في علاه، كما جاء في الترمذي بسند صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من لم يسأل الله يغضب عليه) أي: أنه يستوجب غضب الله، لعدم التعبد له وتوحيده بهذه العبادة، وهي الدعاء.
وهذا فيه دلالة واضحة جدًا على أن العبد إذا صرف هذا الدعاء لله فإنه يكون توحيدًا خالصًا متقربًا به إلى الله جل في علاه.
[ ٤ / ٥ ]
أفعال أهل الجاهلية المعاصرة
نقارن الآن أفعال أهل الجاهلية بأفعال أهل التوحيد، فقد ذكر مصطفى المنفلوطي رسالة عريضة جدًا كانت أرسلت لـ عبد القادر الجيلاني يقول فيها صاحبها: إني عبد مظلوم، إني مكروب وأريد أن ترفع عني هذه الكربات! وأن تقضي لي الحاجات، فإنك أنت المعين الناصر.
وذهبت امرأة لم تحمل إلى البدوي فقالت: إني امرأة عقيم فهلا فعلت لي شيئًا؟ إني أريد أن ألد وهي تعتقد فيه اعتقادًا لا يعتقد إلا في الله جل في علاه.
وبعضهم يذهب بالأوراق التي تكتب لرسول الله ﷺ، وفيها: يا رسول الله! أغثني، واجعل ابنتي تحمل، يا رسول الله! دين علي قد ركبني، وأريد أن تقضيه عني، وكل هذا طلب من المخلوق الميت فرسول الله ﷺ قد مات، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، والبدوي قد مات، وعبد القادر الجيلاني قد مات، والحسن قد مات فهم لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، وهؤلاء القبوريون الذين يعتقدون في الأولياء اعتقادًا خاطئًا يصرفون هذه العبادة التي لا تكون إلا لله لغير الله، فيسألون البدوي، ويسألون عبد القادر الجيلاني، ومنهم من يسأل الأولياء خفية، ويعتقد بأن الولي أعطاه الله قوة أن يحيي الجنين في بطن الأم.
[ ٤ / ٦ ]
أدلة المجوزين لدعاء غير الله باسم التوسل
فهؤلاء الذين ضارعوا أهل الكفر في أفعالهم ما قالوا تبجحًا كما قال أهل الجاهلية من قبل: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، بل لبسوا الأمر، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام:١٢١] فقالوا: نحن نتوسل بهم إلى الله، فغيروا الاسم والمعنى باقٍ لم يتغير وقد كشف رسول الله ﷺ زيفهم، فقال: (يأتي زمان على أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها) وقد يأخذون الرشوة فيسمونها إكرامية أو قهوة، فهو قالب واحد وقد أصل لنا النبي ﷺ تأصيلًا عامًا، وهو: إن تغيير الأسماء لا يغير حقائق المسميات، فإن قال المجوزون للتوسل: نحن نتوسل بهم ولا نعبدهم، قلنا: لا، أنتم تعبدونهم ليقربوكم إلى الله زلفى، فإن قالوا: لا إنما نتوسل بهم، وعندنا الأدلة على ذلك، قلنا: ما أدلتكم؟ قالوا: أولًا: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ [المائدة:٣٥]، فوجه الدلالة من هذه الآية قوله: «اتَّقُوا اللَّهَ» [المائدة:٣٥] والتقوى معناها: فعل المأمور وترك المحظور وهذه بالفعال.
الثانية: «وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ» أي: بالذوات؛ لأن الأصل في اللغة العربية أن الكلام لا يكرر، فالأصل التأسيس لا التأكيد، فقالوا: أسس أولًا: التوسل بالفعال بالتقوى، بفعل المأمور وترك المحظور، ثم أسس أصلًا ثانيًا وهو التوسل بالذوات، وصرح وقال: «وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ»، ثم قال: «وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ».
والآية الثانية قالوا: قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤].
فالله جل في علاه يأمر أمرًا حاسمًا على عباده، والأصل في الأمر الوجوب، «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ»، وما منا من أحد إلا ويظلم نفسه، فإن العبد خطاء، فقالوا في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ أن (جاءوك) هنا على العموم فتكون جاءوك حيًا أو ميتًا، فسواءٌ جاءوك حيًا فاستغفرت لهم، أو جاءوك ميتًا وأنت تسمع كلامهم ودعاءهم، وتعلم ما هم فيه، فاستغفروا الله وطلبوا منك الاستغفار فإن الله سيغفر لهم.
وأما الدليل من السنة.
فحديث عثمان بن حنيف ﵁ وأرضاه: (أن رجلًا أعمى جاء إلى رسول صلى، فقال له: يا رسول الله! ادع الله أن يرد علي بصري.
فقال له النبي ﷺ: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت لك، فذهب الرجل، فنصحه النبي ﷺ قال: اذهب فتوضأ، ثم استقبل القبلة، فقل: اللهم إني أسألك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد يا نبي الرحمة إني أسأل الله بك، اللهم شفعه في، وشفعني فيه).
فدعا الله جل في علاه بهذا الدعاء، فرد الله عليه بصره، قالوا: فهذا الرجل قد توسل بالنبي.
ووجه الشاهد قوله: أسألك بنبيك.
أي: بذات نبيك، فإن هذا هو الأصل، والقاعدة عندنا وعندكم: أن الأصل في اللفظ يبقى على ظاهره حتى تأتي قرينة تصرفه من الظاهر إلى المؤول.
إن أهل الجاهلية صرفوا الدعاء الذي هو عبادة لغير الله وقالوا: نحن نعبدهم، ولكن ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فقلنا لهم: إن النبي ﷺ وضح بأن هذا من الكفر.
أما أهل جاهلية العصر فقد فعلوا ما فعل أهل الجاهلية لكنهم اختبئوا وقالوا: نحن لا نعبد إلا الله، لكنا نتخذ وسائلًا، كما أمرنا الله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥]، نتقرب بها إلى الله جل في علاه، وعندنا أدلة على ذلك.
[ ٤ / ٧ ]
الرد على المجوزين لدعاء الأولياء باسم التوسل
فيرد عليهم من وجوه: الأول: في هذه الآية نحن نوافقكم على التقعيد الذي قعدتموه في هذه الآية، ودائمًا أهل البدع -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - لهم رونق في الكلام، فيؤثرون على الناس بحلو الكلام، وأيضًا لهم تقعيدات علمية.
فقد قعدوا قاعدة نحن نتفق عليها معهم، وهي: أن الأصل في الكلام التأسيس لا التأكيد، فنقول لهم: هذه القاعدة نحن نوافقكم عليها، لكن لا نوافقكم على التطبيق، فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:٢٧٨] فالتقوى تأتي منفردة وتأتي مجتمعة، فإذا أتت منفردة فلها معنى، وإذا أتت مجتمعة مع الأمر بالطاعات فلها معنى آخر.
فإذا جاءت منفردة فهي: ترك المحظور وفعل المأمور، أما إذا جاءت مجتمعة مع الأمر بالطاعات فيكون الأمر بالطاعات مستقلًا بذاته، والتقوى: ترك المحظور.
فالتقوى في هذه الآية جاءت مجتمعة مع الأمر بالطاعات، والدليل قوله تعالى بعدها: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥]، فيكون المعنى: انتهوا عن المحظور وافعلوا الطاعات، والذي يدل على ذلك هو التأكيد على فرد من أفراد العموم، وهو قوله تعالى: «وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ»، فهذا فرد من أفراد العموم، فإن من أفعال الطاعات الصلاة والزكاة والجهاد في سبيل الله وقيام الليل وغيرها.
فنرى هنا أن هذه الآية ذكرت فيها التقوى مقترنة مع الطاعة، فيكون معناها: ترك المحظور فقط، ولا نوافقكم على ما قلتم من أن معناها: ترك المحظور وفعل المأمور.
هذا الوجه الأول من الرد على استدلالهم بهذه الآية، فلا دليل فيها على مسألة التوسل بالذات.
الوجه الثاني في الرد عليهم: أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ، ثم قرئت على الصحابة، فلو كان الفهم الذي فهمتموه قد فهمه رسول الله ﷺ لبين لنا هذا التفسير، وإلا فقد قصر رسول الله ﷺ عن البيان، فإن الله جل في علاه أمره أمرًا حازمًا بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، فلو كان الأمر على ما فهمتم لكان لزامًا وواجبًا وحتمًا على رسول الله أن يبين لنا هذا الأمر، فيقول: قول الله تعالى: «وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ» أي: بالذات، لكن النبي ﷺ لم يقل ذلك.
وأيضًا لو فهم الصحابة هذا الفهم كحبر الأمة ابن عباس أو علي بن أبي طالب الفقيه أو عمر بن الخطاب أو أبو بكر ﵃ لنقل عن واحد منهم ولو بسند ضعيف أنه قال هذا القول، أو فهم هذا الفهم، فنقعد هنا قاعدة وهي: أنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه، فيكون إذًا هذا الفهم فهمًا خلفيًا لا يمكن أن نأخذ به دون الفهم السلفي، وأما الفهم السلفي فهو أن نتوسل لله بالدعاء كما بين النبي ﷺ، أو أن نتوسل بالله، أي: بذاته أو أسمائه الحسنى أو صفاته العلى أو بفعاله.
الوجه الثالث من الرد عليهم: إن الله جل في علاه قد أمر رسوله بالتوحيد، وأمرنا بحفظ جناب التوحيد، وقد حذر النبي ﷺ أمته أيما تحذير من أساليب الشرك وأسبابه، وحسم كل هذه المواد، حتى إنه سمع رجلًا يقول: (من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى)، فغضب النبي ﷺ من أجل جناب التوحيد، وقال: (بئس خطيب القوم أنت، أجعلتني لله ندًا؟) يعني: في الذكر، وهو ما جعل النبي ﷺ ندًا، وإنما جمعهما في ضمير واحد فقط لما قال: ومن يعصهما، فقال: (بئس خطيب الأمة أنت أجعلتني لله ندًا؟!) حفظًا لجناب التوحيد.
ولما جاء إلى القوم وقالوا له: (أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، قال ﷺ: قولوا بقولكم أو ببعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان)، وقال ﷺ: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) كل ذلك حفظًا لجناب التوحيد.
فنقول: هذا فعل النبي ﷺ، وهذا وحي الله جل في علاه بين أيدينا لنحفظ جناب التوحيد، فإذا قلنا بقولكم لم نحفظ جناب التوحيد؛ لأنه من اللوازم الباطلة لهذا التفسير: أننا سنتخذ وسائل ووسائط بيننا وبين الله جل في علاه، فنجعل هذا الميت وسيطًا بيننا وبين الله، فنذهب إليه ونقول: يا بدوي! استغفر لي، ويا بدوي! ادع الله أن يرزقني، يا بدوي! ادع الله أن يكشف عني الغمة والكربة، فهذا لازم تفسيركم، فلو أن الرجل ذهب إلى البدوي اليوم وغدًا وبعد الغد فإنه سيعتقد في البدوي ما لا يُعتقد إلا في الله، فيعتقد أن البدوي هو الذي يكشف عنه الكربات لا سيما إذا أراد الله به فتنة، اللهم اعصمنا من كل الفتن، فإن كثيرًا ممن يختبرهم الله من العباد ممن يذهب يدعو عند الميت يستجيب الله لهم الدعاء عند الميت؛ استدراجًا منه جل في علاه، فيستهويه الشيطان حتى يعتقد بأن البدوي هو الذي يكشف الكربة، وأن البدوي هو الذي يرزق، ثم بعد ذلك يسجد للبدوي دون الله جل في علاه، فأصبح لهذا التفسير لوازم باطلة، وهو ذريعة إلى الشرك بالله جل في علاه، فيبطل بذلك الاستدلال بهذه الآية على ذلك.
الدليل الثاني الذي استدلوا به: قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤].
فنقول: هذه الآية لها سبب نزول، وهو: أن الله جل في علاه تكلم عن المنافقين فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء:٦٠].
فالمنافقون هم الذين أنزل الله فيهم هذه الآية.
فإذا قال المخالف: نعم لها سبب نزول ولكن القاعدة الأصولية تقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قلنا: نعم، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
فإذا قال: إذًا أنا آخذ بهذا العموم «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا» فهي تعم المنافقين وغير المنافقين الذين يأتون إلى النبي فيقولون: يا رسول الله! استغفر لنا ربك، فيستغفر لهم فيغفر الله لهم.
قلنا: الرد على هذا من خمسة وجوه، ونلخصها في ثلاثة: أولًا: إن (إذ) إذ ظرف زمان للماضي، فلا دليل لكم فيه؛ فحيث كانت ظرف زمان للماضي فلا يجوز لكم أن تذهبوا إلا في حياة النبي ﷺ ليستغفر لكم.
الوجه الثاني: صحيح أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن القاعدة الثانية وهي أهم تقول: إن السياق من المفسرات والمقيدات، فسياق الآية وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠]، فمقدمة الآية عن المنافقين، ومؤخرة الآية قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء:٦٣] تتحدث عن المنافقين، فهذا السياق في المقدمة والمؤخرة يبين أن كل هذا الكلام عن المنافقين الذين نافقوا في عصر النبي ﷺ، فالسياق يقيد هذا العموم ويخصصه؛ لأن السياق حاكم، بل إن بعض العلماء ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية يقولون: إن السياق أقوى في الدلالة من اللفظ نفسه، فالسياق ابتدئ بالكلام عن المنافقين، وانتهى الكلام عن المنافقين، فدل ذلك على أن هذه الآية تختص بهؤلاء المنافقين، وأنهم لو جاءوا في حياة النبي ﷺ واستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا.
الوجه الثالث في الرد عليهم: فهم الصحابة، فلو كان ما فهمتوه خيرًا لسبقونا إليه.
الوجه الرابع: أننا لو فسرنا الآية بتفسيركم هذا للزم من ذلك لوازم باطلة، بل من أبطل الباطل، منها: أن الله يأمر بما نهى عنه النبي ﷺ، فيقول: تعالوا إلى الرسول وهو ميت ليستغفر لكم، والنبي ﷺ قال: (لا تجعلوا قبري وثنًا يعبد) وهذا محال؛ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ﴾ [النجم:٤]، فالقرآن والسنة صنوان، قال ﷺ: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، ويقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، فلا يمكن أن يأمر بأمر ثم يأتي بالمضاد على لسان نبيه ﷺ.
واللازم الثاني من اللوازم الباطلة: أنه يهدم جناب التوحيد؛ لأننا لو قلنا بقولكم فإن الإنسان إذا حج أو اعتمر يجوز له أن يذهب إلى قبر النبي ﷺ فيقول: السلام عليك يا رسول الله! السلام عليك يا أبا بكر! السلام عليك يا عمر! ثم يرجع إلى النبي ﷺ فيقول: يا رسول الله! استغفر لي ربي، وافعل كذا وكذا؛ فأنت من النور مخلوق وأنت وأنت ثم يتذكر قول القائل: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم فيكون لا حاجة لله؛ لأن كل شيء للنبي ﷺ، فيتذكر ذلك فيقع في الغلو في رسول الله ﷺ، ويقع في هدم جناب التوحيد، وفي النهي الذي نهاه النبي صلى بقوله: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم).
وأما الرد على الحديث: فلو قالوا: إن قولهم هذا هو ما فهمه الصحابة، وهو أن: عثمان بن عفان في خلافته جاءه رجل أعمى
[ ٤ / ٨ ]