مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - طاعة أولي الأمر وأهمية اتخاذ الأمراء
لقد حث الشرع على طاعة ولي الأمر؛ لما في ذلك من اجتماع الشمل، والقوة والهيبة، وما يلحقه من الأمن والأمان والاستقرار.
وأما الخروج على الحكام لظلمهم وفسقهم فإنه يؤدي إلى الفوضى وضياع الأمن والاستقرار، وليس معنى طاعة ولي الأمر أن يطاع في المعصية؛ بل يطاع في طاعة الله، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة.
[ ١٨ / ١ ]
الأصل في المشركين وأهل الكتاب: أنهم لا يطيعون أمراءهم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: إخوتي الكرام! فإننا اليوم بإذن الله سوف نختم كتاب (مسائل خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية)، ثم بإذن الله سنشرع في شرح كتاب (مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول)، وأصل الكتاب هو: الصارم المسلول لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا المختصر هو من أجود الاختصارات، وقد أشرف على تحقيقه الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله، وهناك مختصر آخر للدكتور صلاح الصاوي.
فأقول: إن هذا الدين لا يؤخذ بالهوى ولا بالعاطفة، ولا بالأذهان الباردة ولا بالآراء الفاسدة، إن دين الله جل في علاه وحي يوحى، وهو يؤخذ من كتاب الله ومن سنة النبي ﷺ، وهو شرع تحيا به البلاد والعباد، وشرع يصل به العبد إلى ربه جل في علاه.
[ ١٨ / ٢ ]
صور من حياة الجاهلية تبين عدم طاعة الجاهليين لأمرائهم
إن أهل الجاهلية كانوا يأخذون دينهم من آرائهم وأهوائهم، فقد كانوا متشرذمين لا يدينون ولا ينظمون تحت راية أحد، ولا يأتمرون بأمر أحد، بل هم كسنن الذين من قبلهم يقاتلون من أجل الإمارة ويقتلون أميرهم، وما حرب البسوس منا ببعيد، هذه الحرب التي حدثت فيها المقتلة العظيمة بين أبناء العمومة، فقد كان وائل بن ربيعة وهو كليب أميرًا عليهم بعد أن قتل ملك اليمن، ثم جاءت البسوس هذه بكيد منها حتى أوقعت الشحناء بين أبناء العمومة، فقتل جساس بن مرة كليبًا، ثم حدثت الحرب العظيمة بين أبناء العمومة حتى أوشكوا على الفناء في تلك المعركة، فمع أنهم ملكوه إلا أنهم لم يسمعوا له ولم يطيعوا ولم يأتمروا بأمره، وهذا دأب أهل الجاهلية، وسنن الذين من قلبهم، فاليهود والنصارى جعل لهم الله جل في علاه الأنبياء والرسل حتى يسوسوهم فلم يوافقوا ولم يسمعوا ولم يطيعوا لأنبيائهم، والله جل في علاه صور لنا هذه الأخلاقيات الفاسدة عند بني إسرائيل في كتابه في أبدع صورة حينما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة:٢٤٧]، ثم بعدما بين لهم الأسباب وأن الله زاده بسطة في العلم والجسم نهاهم عن الشرب من النهر، فأبوا إلا أن يشقوا عصا الطاعة، وشرب أغلبهم من النهر أو كلهم إلا من رحم الله جل في علاه! وكان أهل الجاهلية كذلك، فقد تشرذموا وتقطعوا ولم يأتمروا بأمير، حتى جاء النبي ﷺ ليؤسس صرحًا عظيمًا، ويقعد قاعدة وركنًا ركينًا، ويبين أن من تمسك بذلك فقد ارتقى ووقي وكفي وهدي وسما وعلا، وأن من لم يتمسك بذلك فكأنما تخطفته الطير أو هوت به الريح في مكان سحيق.
وهذا التأسيس والتأصيل هو الذي أصله رسول الله ﷺ حينما خرجت قريش عليهم، وقد كان يعلم أنهم لا ينضوون تحت راية أحد، ولا يسمعون لأحد، وأروع ما يضرب في ذلك هو عتبة بن ربيعة في غزوة بدر، وذلك يوم أن هرب أبو سفيان بالعير، فسمع به عتبة بن ربيعة، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ: (لو أطاعوه لفازوا)، فلأنهم لما لم يأتمروا بأمير ولم ينضووا تحت راية أمير تشرذموا وفشلوا وذهبت ريحهم، قال النبي ﷺ: (لو أخذوا بقول صاحب الجمل الأحمر لنجوا)، وصاحب الجمل الأحمر هو عتبة، وقد قال لهم عتبة: أيها الناس! إنكم ما خرجتم إلا للعير، وقد أنقذت العير، فاعصبوها برأسي، وقولوا: جبن عتبة، يعني: أن الأمر والمسبة كلها ليست إليكم، بل اجعلوها علي بدلًا من أن يقتل الأخ أخاه والأب ابنه والابن أباه، وكان رجلًا ذا فصاحة وذكاء، فلما قال لهم ذلك جاء العربيد الفاجر أبو جهل وقال: لا والله! بل نشرب الخمر، وندق الطبول حتى تسمع بنا العرب أنا قد خرجنا لقتال محمد، فحدثت هذه المقتلة.
والغرض المقصود: أنهم لم ينضووا تحت راية أمير، ولم يأتمروا بقول أمير أو بقول رسول الله ﷺ، فلما علم ذلك منهم بين أن التأسيس الذي سيأتي لا بد من التمسك به وأن يعض المرء عليه بالنواجذ، فكان النبي ﷺ يخالف أهل الجاهلية ويخالف قريشًا لما رأى منهم ذلك، وكأنه يقول: ماذا ترون طاعتي فيكم؟ فقالوا: طاعتك من طاعة الله، بمعنى: أن من أطاع رسول الله فقد أطاع الله، وقد قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، جل في علاه! فكان النبي ﷺ يقول: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)، ولذلك أسس النبي ﷺ من هنا هذا الأساس وهذا الأصل وهذا الركن الركين الذي لا بد أن نتمسك به ونعقله ونعرف فقهه حتى نعمل به فنرتقي كما ارتقوا.
فرسول الله ﷺ ما بعث سرية ولا جيشًا قط إلا وأمر أميرًا عليهم، وأمره بتقوى الله في ذات نفسه ومن معه، وأمر جنده بالسمع والطاعة، حتى إنه قال: (إن كنتم ثلاثة في سفر فلتأمروا أحدكم).
[ ١٨ / ٣ ]
صور مشرقة من طاعة الصحابة لأمرائهم
وواقع السيرة يثبت ذلك، فإن النبي ﷺ عندما بعث عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه غازيًا في غزوة ذات السلاسل استعصى عليه النصر، فبعث عمرو بن العاص -وكان يحتاط لنفسه- إلى رسول الله ﷺ يطلب المدد، فجيش النبي ﷺ جيشًا وأتاه بالمدد وكان فيهم أبو بكر وعمر بن الخطاب ﵄ وأرضاهما، وأمر عليهم أيضًا أبا عبيدة بن الجراح؛ تبيينًا أنه ما من عصابة أو جماعة إلا ولا بد أن يكون لهم أمير يلتفون حوله، فيسير بهم إلى رضا الله جل في علاه، فانظروا إلى هذا التأسيس وهذا التأصيل وكيف يكون حال الذين يعضون على فقه رسول الله ﷺ وأوامره بالنواجذ! فذهبوا إلى عمرو بن العاص، فنظر عمرو بن العاص إلى أبي عبيدة فقال له: أنا الأمير، فقال أبو عبيدة: أنا الأمير، وكان أبو عبيدة بن الجراح أفضل من عمرو بن العاص باتفاق الأمة، فتذكر قول النبي ﷺ وهو يقول له: (تطاوعا ولا تختلفا)، وانظروا إلى التطبيق الجلي من صحابة رسول الله لكلامه ﷺ، فهم يعلمون أن السير على هذا النهج السديد هو الذي يصل إلى رب العباد جل في علاه.
فقال له: نعم، أنت الأمير، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تطاوعا ولا تختلفا)، فنزل تحت راية عمرو بن العاص، ولذلك اندهش عمرو بن العاص لما رأى ذلك، وقال: أنا خير الناس، أنا أحب الناس إلى رسول الله ﷺ، ثم بعد أن فتح الله عليه ذهب قاصدًا رسول الله ﷺ وقال له: يا رسول الله! من أحب الناس إليك؟ وهو يعتقد أنه سيقول له: أنت؛ لأنه أمره في هذه الغزوة على جيش المسلمين، فقال له: (من أحب الناس إليك؟ فقال: عائشة، فقال: لست أسأل عن النساء بل أسأل عن الرجال؟ فقال: أبوها، فقال: ثم من يا رسول الله؟ قال: عمر.
قال: ثم من؟ قال: عثمان) قال: فسكت، لأنه يعلم أنه سيكون في آخر الذيل، إذًا: فالإمارة ليست دليلًا على الأفضلية، والمقصود: هو بيان تمسكهم بكلام النبي ﷺ وائتمارهم بأمر عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه.
وبعث النبي ﷺ في السنة التاسعة أبا بكر أميرًا على الحج، ثم أردف بـ علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه؛ ليقرأ على الناس آيات البراءة في سورة التوبة؛ وليقول للناس: (ألا يطوف بالبيت عريان، وألا يحج بعد اليوم مشرك)، فالشاهد أنه لما جاء علي بن أبي طالب أبا بكر وهو مرسل من الرسول ﷺ قام أبو بكر وهو يعلم أن المسألة مسألة إمارة فقال له: أمير أم مأمور؟ فقال له علي بن أبي طالب: بل جئتك مأمورًا.
لذلك فسبب الانفلات والفساد والتشرذم والتفكك هو عدم تنصيب الأمير الذي يسوق الأمة إلى رضا الله جل في علاه.
[ ١٨ / ٤ ]
واجب المحكومين هو السمع والطاعة للحكام وعدم شق عصا طاعتهم
لما أسس النبي ﷺ هذا الأساس بين حق الراعي وحق الرعية، وحق الأمير وحق المأمور، وحق الحاكم وحق المحكوم، فالدين ليس بالهوى أو العاطفة، وليس بالموتورين أو المتحمسين، وإنما هو شرع الله جل في علاه، فإذا قال الله، قلنا: سمعنا وأطعنا، وإذا لم يقل الله قلنا: لا قول لأحد علينا إلا بقال الله وقال رسول الله ﷺ.
فنصب النبي ﷺ هذا التقعيد وهذا التقسيم ليكون إلى آخر الدنيا، ففيه الانتصار والوفاء، وفيه أن نجتمع جميعًا وننضوي تحت راية أمير وحاكم.
ثم جعل له حقوقًا وجعل للمحكوم حقوقًا، وبين الرسول ﷺ أنه يحب على المحكوم حتى ولو أخذت حقوقه أن يؤدي الذي عليه ويسأل الله ما له، وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في قوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، وهذه آية صريحة في تنصيب الولاة والسمع والطاعة لهم، وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، ويسرنا وعسرنا، وعلى أثرة علينا)، يعني: ولو حدث من الحكام أو الأمراء ما يضر بالمحكومين فليس لهم إلا أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، ويسألوا الله ما لهم، ولا يلجئوا إلى أن يشقوا عصا الطاعة، فهذا هو ديننا وهذا هو شرع الله جل في علاه الذي شرعه على لسان نبيه ﷺ، حيث قال الراوي: (السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، ويسرنا وعسرنا وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله)، ثم قال: (إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان)، وسيأتي تفصيل هذا.
والحديث الثاني أيضًا في الصحيح عن النبي ﷺ قال: (عليكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة).
فقوله: (كأن رأسه زبيبة): فيه دلالة على أنه يسمع ويطاع للحاكم حتى وإن كان وضيعًا غير نسيب أو حسيب، فما عليك إلا أن تقول: سمعت وأطعت، فمن أطاع الأمير فقد أطاع رسول الله، ومن أطاع رسول الله فقد أطاع الله جل في علاه، ومكمن هذه الطاعة: أن تعلم أنك لا تسمع أو تطيع من أجل الشخص نفسه أو من أجل الحاكم نفسه لا والله! فأنت لا تسمع أو تطيع إلا من أجل رضا الله جل في علاه، فإن الملائكة سجدوا لآدم مع أن السجود هو غاية الذل والخضوع ائتمارًا بأمر الله تعالى لا سواه، فكذلك أنت لا تسمع أو تطيع لأجل فلان من البشر بل من أجل الله جل في علاه، فهو الذي قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، وظاهر الأمر يفيد الوجوب، وفي الرواية الأخرى عن النبي ﷺ في المسند: (عليكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي)، كما أسلفنا الذكر.
وفي حديث آخر عن وائل بن حجر في مسلم قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت أمراءنا يأخذون ويطلبون ما لهم -يعني: يأخذون حقوقهم، ويطلبون ما لهم- ولا يعطوننا ما لنا، ماذا نفعل معهم؟ فسكت النبي ﷺ وأعرض عنه، فجاءه في الثانية، فقال: يا رسول الله! أرأيت أمراءنا يأخذون ما لهم ولا يعطونا ما لنا، فأعرض عنه النبي ﷺ، ثم قال له في الثالثة: (عليك بالسمع والطاعة)، أو قال: (اسمعوا وأطيعوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم)، فسيسألهم ربهم على كل فلس ودرهم، وسيسألهم ربهم عن كل صغيرة وكبيرة، وعن كل دقيقة وجليلة.
وهذا الذي أقلق مضجع عمر بن الخطاب حتى إنه عند موته يوم أن سقوه اللبن وخرج من معدته دخل عليه شاب مسبل الإزار، فنظر إلى عمر فأخذ يبكي ويقول: أبشر يا أمير المؤمنين! والله لقد كنت خير صاحب لرسول الله ﷺ، ثم مات رسول الله ﷺ فكنت خير صاحب لخليفته أبي بكر ﵁ وأرضاه، وكنت في إمارتك كذا وكذا وكذا، وفتح الله على يدك مشارق الأرض ومغاربها، قال: تقول ذلك عند ربك إذا سألك؟ قال: نعم، أقول ذلك، قال: وتشهد بهذا؟ قال: أشهد بهذا، ثم بكى عمر بن الخطاب وقال: يا ليتها كانت كفافًا لا لي ولا علي؛ لأنه علم أن المسألة ليست بالهينة، فسيسأل عن كل فرد، وعن كل جنين، وعن كل امرأة، وعن كل رجل، ولذلك كان ابن عباس أحب الناس إلى عمر مع صغر سنه؛ لقوة علمه وعارضته، وكان ابن عباس يحب عمر جدًا، فلما مات عمر قال: دعوت الله عامًا كاملًا أن أرى عمر في رؤيا، فرآه في المنام يتصبب عرقًا بعد عام، فقال له: يا أمير المؤمنين! أو قال له: يا عمر! ما فعل الله بك؟ قال: الآن انتهيت من السؤال والحساب.
ولذلك نصح النبي ﷺ أمته فقال: (اسمعوا وأطيعوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم)، وفي رواية أخرى: (سل الله ما لك، وأعط ما عليك) أي: ما عليك من السمع والطاعة.
وقال بعضهم: إن الله طلب منكم الاستقامة والنفس تطلب الكرامة، فانشغلوا بالاستقامة تأتكم الكرامة، وهو قول مستقى من حديث النبي ﷺ، ووجه المطابقة والمقارنة بين هذا الكلام وبين حديث النبي ﷺ: أنكم خلقتم لأمر، وأمركم الله بأمر، فانشغلوا بما أمركم الله جل في علاه ولا تنشغلوا بطلب أنفسكم؛ لأنكم لا تريدون منهم إلا حقكم أنتم.
ولذلك قال الذي استقى من مشكاة النبوة: إن الله أمر بالاستقامة والنفس تطلب الكرامة، فمن انشغل بالاستقامة أتته الكرامة لزامًا، فكأن النبي ﷺ يقول: التزموا السمع والطاعة فعليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم، فأنتم تسألون عن الأمر الذي عليكم وهو السمع والطاعة، وهم سيسألون على ما يؤدونه لكم، وسيأتيكم ما تريدونه.
[ ١٨ / ٥ ]
المراد بالصلاة في قول النبي: يصلون عليكم وتصلون عليهم
أيضًا من الأحاديث التي أمر النبي ﷺ فيها بالسمع والطاعة قوله: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم).
وقد يقال: كيف يصلون عليهم وهم قد ماتوا وصلي عليهم أصلًا؟
و
الجواب
أن الصلاة في هذا الحديث معناها: الدعاء، ومنه قوله ﷺ: (اللهم صل على آل أبي أوفى).
وتمام الحديث: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تلعنونهم ويلعنونكم، فقالوا: يا رسول الله! أفلا ننابذهم بالسيف؟ أو قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال لا، ما صلوا)، وفي رواية قال: (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة).
إذًا: فالله جل وعلا يأمر بالسمع والطاعة، والنبي ﷺ يأمر بالسمع والطاعة، ويبين أن هذا هو الشرع المتين الذي من أخذ به فاز وارتقى إلى رضوان الله جل في علاه.
لكن هل هذه الطاعة مطلقة أم هي مقيدة؟ والصحيح الراجح: أنها ليست مطلقة، بل هي طاعة مقيدة، فقد أشار الله جل في علاه إلى ذلك، وصرح بذلك النبي ﷺ.
فأما الإشارة في كلام الله فهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم، بل قال: «وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ» [النساء:٥٩]، فجعل طاعة أولياء الأمور من طاعة الرسول ﷺ أو من طاعة الله جل في علاه، وهذا التفسير هو تفسير أبي هريرة ﵁ وأرضاه.
وأما التصريح فقد جاء في مسند أحمد بسند صحيح عنه ﷺ: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، فاسمع وأطع إلا في المعصية.
وفي الصحيح أيضًا عن ابن عمر مرفوعًا قال: (إنما الطاعة في المعروف)، وأيضًا في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (على المرء السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة).
إذًا: فهذه الطاعة طاعة مقيدة بطاعة الله وطاعة الرسول، فإن لم تكن هناك طاعة لله تعالى ولرسوله ﷺ فلا سمع ولا طاعة، لكن بدون تشهير ولا تنقص من قدرهم في المحافل والمنابر وغيرها، فلا سمع ولا طاعة لكن دون الخروج عليهم، بل لا بد من التناصح، وهذا هو دأب الصالحين من أمراء الأمة.
فلما تولى أبو بكر ﵁ وأرضاه الخلافة قام خطيبًا في الناس فقال: لي عليكم السمع والطاعة، ثم قال: أطيعوني ما أطعت الله فيكم.
ومفهوم المخالفة: إن لم أطع الله فيكم فلا طاعة لي عليكم.
وقال عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: لي عليكم السمع والطاعة ما لم أعص الله ورسوله ﷺ.
فالغرض المقصود: أن النبي ﷺ قد أصل هذه الطاعة لاجتماع الأمة على كلمة رجل واحد بر أو فاجر، فقد أمرنا بالصلاة وبالقتال خلف البر والفاجر.
[ ١٨ / ٦ ]
حال الصحابة مع الحكام والظلمة والفسقة
السؤال الثاني: فإن قلنا: إنها مقيدة، فكيف إذا ظهر منه الفسق والمعصية؟
و
الجواب
أنه يطاع وإن أعلن الفسق والمعاصي، فهذا هدي نبينا ﷺ؛ لأن النبي ﷺ بيّن أنكم ستعرفون وتنكرون، وأنهم سيأتون بالمعاصي، فقالوا: يا رسول الله! ماذا نفعل؟ قال: (من أنكر فقد سلم، ومن كره فقد برئ)، أو قال العكس ومعناهما واحد: وهو الإنكار بلطف ولين كما سنبين في كيفية الإنكار.
فالمقصود: أن من فعل ذلك فقد برئ وسلم أمام الله جل في علاه، فلا يشق عصا الطاعة بحال من الأحوال؛ لأن الفساد سيستشري بشق هذه العصا كما سنبين بعد ذلك.
ومن الصور التي تجسد هذا المعنى: أن خالد بن الوليد كان أميرًا على جيش فلما انتصر عليهم أخذ السبي وقتلهم، وكان عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه تحت رايته مأمورًا، فقال له: لم تقتل أسرى قالوا: لا إله إلا الله ودخلوا في الإسلام؟ وكان خالد يجتهد فيهم وأنهم ما قالوا ذلك إلا تعوذًا، فلم يسمع له عمرو بن العاص ولم يطع، وفي نفس الوقت لم يشق عصا الطاعة؛ لأنه رأى أن هذه معصية وإن كانت اجتهادًا، فلما رآها معصية لم يسمع له ولم يطع، ولكنه لم يشق عصا الطاعة، ومع ذلك لما بلغ رسول الله ﷺ ما فعل خالد قال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)، ومع ذلك لم يعزله؛ لأنه رآه مجتهدًا متأولًا.
وقد كان كثير من الصحابة والتابعين تحت راية الفساق والظلمة، ومع ذلك لم يخرجوا عليهم بحال من الأحوال، وما شقوا لهم عصا الطاعة، فهذا عقبة بن أبي معيط كان قريبًا لـ عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، وكان واليًا عليهم في الكوفة، وكان من معه أخير منه وأفضل كترجمان القرآن ابن مسعود ﵁ وأرضاه، وكان هذا الأمير يشرب الخمر، فصلى بهم ذات مرة الفجر أربعًا، ثم استدار وقال لهم: أزيدكم؟ فقال: عبد الله بن مسعود: ما زلنا معك في زيادة، يعني: لعل الله يذهبك عنا! وقد جلده عثمان بن عفان الحد، وأمر عليًا أن يجلده، ومع ذلك لم يشقوا عصا طاعته؛ لأنهم علموا أن التفرق والتشتت يكون بعدم السمع والطاعة، والجهل هو الذي يضع الناس في هذه الظلمات، وهو الذي يجرئ الناس الذين يحبون الإسلام على الخروج على شرع الله؛ لأنهم يهرفون بما لا يعرفون.
إذًا: ولو كان فاسقًا فلا بد من السمع والطاعة، ثم له علينا النصيحة فحسب.
وأقول في الختام: إن كل من يريد العمل للإسلام لن ينجح في المنشط والمكره، وفي المسرة والبلاء، إلا بالتمسك والعض بالنواجذ على هذه التأصيلات الدينية التي أصلها رسول الله ﷺ، ومن ذلك: السمع والطاعة لولاة الأمور، وأن تؤدي ما عليك وتسأل الله ما لك؛ ولذلك نهى النبي ﷺ نهيًا شديدًا وزجر زجرًا كبيرًا في مسألة الخروج على الحكام، وبين هذه المسألة تفصيليًا بالحكم والعلل والآثار.
[ ١٨ / ٧ ]
الحكم المستفادة من أمر النبي للمحكومين بالسمع والطاعة
أما الحكم المستفادة من أمر النبي ﷺ للمحكومين بالسمع والطاعة لولاة الأمور فهي كالتالي: أولًا: الالتفاف حول رجل يقيم الله به الدين، وقد علمنا واقعًا وأثرًا أن الله ينصر هذا الدين بالرجل البر والفاجر، فلا بد من الالتفاف حوله.
ثانيًا: أن الله جل في علاه إذا سلط عليك من يظلمك فإنما يريد بك الخير، فلعل ذلك تكفير لسيئاتك، أو رفع لدرجاتك، ثم يختبر صبرك على هذا الابتلاء هل تصبر عند المكاره أم لا، وليميز الخبيث من الطيب، والذي يعمل من أجله ممن لا يعمل من أجله سبحانه.
ثالثًا: عدم الخروج عليه بعد ذلك إلا إذا حصل منه كفر بواح، كما قال ﷺ: (إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان)، ولا يجوز لأي أحد أن يكفِّر كما هو الحال في زماننا إلا من كان عالمًا مجتهدًا، فإنه يحق له أن يقول في هذا الشيء: إنه كفر، أو يقول طالب العلم الذي يعلم كتاب الله وسنة النبي ﷺ في آية أو حديث: إنها من الأشياء التي لا عذر بالتأويل فيها.
وهنا
السؤال
لماذا نهى النبي ﷺ عن الخروج على الحكام؟
و
الجواب
لأنه يعلم أن ذلك سبب رئيس في حصول الشر والفساد والبلاء الذي لا يمكن رفعه؛ لأن الخروج على الحكام يجعل صاحبه يتبنى هذا المذهب الفاسد، ويرجو أن يحقق مصلحته، زاعمًا أنه يريد تطبيق شريعة الله جل في علاه، وقد تعقب هذه المصلحة مفاسد عظمى، مما يؤدي ذلك في النهاية إلى استباحة بيضة الإسلام بسبب اعوجاج فكر هذا الرجل الذي يريد بزعمه إقامة دين الله جل في علاه.
والصور التاريخية والوقائع تدل على ذلك: فقد كان عثمان بن عفان ﵁ من أعدل الناس وأفضلهم على الإطلاق، إلا أن شرذمة من المعوجين خرجوا عليه زاعمين أنه يحابي أهله! ويعطي المال لأهله وذويه وليس من الصلاح بمكان، حتى قتلوه في النهاية صابرًا محتسبًا ﵁، فقام الفقيه الذي قال لـ عمر بن الخطاب: ما لك ولها! إنه حذيفة ﵁ صاحب سر النبي ﷺ، والذي قال له عمر ﵁ يومًا: حدثنا عن الفتن التي تموج كموج البحار، فقال: ما لك ولها يا أمير المؤمنين! فإن بينك وبينها بابًا، قال: وهل يفتح الباب أم يكسر؟ وهذا من كمال فقه عمر ﵁ قال: بل يكسر، قال: إذًا: لا يقام مرة ثانية.
فإذا كسر الباب عمت الفتنة في هذه الأمة.
والشاهد: أن حذيفة ﵁ قال: لو كان قتل عثمان خيرًا لهذه الأمة لحلبت بعده لبنًا، يشير بذلك إلى استقرار الأمر في عهده، وشيوع الدين والصلاح في وقته، قال: لو كان في قتل عثمان خير لهذه الأمة لحلبت بعده لبنًا، وإن كان في قتل عثمان شر لهذه الأمة لحلبت بعده دمًا.
أقول: قد حلبت بعده دماء كثيرة، فما زالت هذه الأمراض تستشري في الذين التزموا بدين الله جل في علاه، والذين زعموا رفع راية الله جل في علاه بدون ضابط أو علم، ولكنه الجهل الذي أوقعهم في ذلك.
وهناك صورة أخرى يحكيها التاريخ لنا: ففي عهد الحجاج بن يوسف الثقفي أظلم الناس وأفسقهم، وقد سطر فيه الإمام الذهبي كلمات من ذهب فيقول فيها: نتقرب إلى الله تعالى ببعض هذا الرجل، فقد بلغ به الجور والظلم مبلغه، حتى إنه أذاق الصحابة في عصره الويلات، فقد قتل ابن عمر ﵄، وأهان أنس بن مالك ﵁ وأرضاه، ومع ذلك فلم يشق ابن عمر أو أنس عصا الطاعة الواجبة عليهم تجاه ولي أمرهم الحجاج آنذاك، ولم يخرج عليه كذلك من كبار التابعين أحد إلا ابن الأشعث، فقد خرج على الحجاج الظالم ابتغاء صلاح حال الدين والناس، لكن لعدم مراعاة المصالح والمفاسد حدثت الكارثة العظمى، وذلك حين تغلب الحجاج عليهم، وقتل منهم خلقًا لا يحصون، ومنهم سيد التابعين آنذاك سعيد بن جبير؛ ولذلك كان الإمام أحمد بن حنبل يتكلم عن مقتله بأسى ولوعة وحزن! ويقول: قتل ابن جبير والأمة أحوج ما تكون لعلم سعيد بن جبير، وما ذلك إلا بسبب هذه الفتنة الدهماء التي تنشر الفساد المستطير في هذا الأمة.
والحقيقة: أن أصحاب هذه الأفكار الهدامة، والذين لا يفرقون بين المصالح والمفاسد، هم الذين يسرعون بعمل هذه الخروجات، ولم يعلموا أنهم بذلك يخالفون تأصيل النبي ﷺ الذي أصله من وجوب الطاعة لهم، فقد تجد الواحد من هؤلاء لا يحفظ الفاتحة جيدًا، ولا يعرف الفقه، ومع ذلك يتجرأ على التكفير ومن ثم على الخروج على الحكام، فهؤلاء لم يتعلموا ولم يتفقهوا وأرادوا رفعة هذا الدين فأسقطوا كل أهل الدين بسبب فعلتهم.
[ ١٨ / ٨ ]
صور معاصرة في الخروج على الحكام، وكيف كانت نهايتها
أما أول هذه الأفكار التي تشابه أفكار أهل الجاهلية فهي فكر الإباضية: وهم الذين يكفرون بالمعصية، ويرون وجوب الخروج على الأئمة، ومن هؤلاء أيضًا فرقة التكفير والهجرة: وهؤلاء هم أتباع مصطفى شكري في مصر، وقد كان من الإخوان المسلمين ثم انشق عنهم، ثم بعد ذلك أتى بهذه الأفكار الهدامة، فأصبح يكفر بالمعصية، ويرى وجوب الخروج على أئمة المسلمين، وقد حدث بسببه وبسبب أعوانه أصحاب التكفير والهجرة وأصحاب التوقف والتبين قتل للأبرياء، والذين ليس لهم في أفكارهم ناقة ولا جمل، ثم بعد ذلك زعموا أنهم يريدون الإصلاح في الأرض، فحدث أن تهدمت الدعوة على رءوس كل الدعاة؛ وهذه المصائب كلها تحصل لعدم تقدير المصلحة والمفسدة، فلا يمكن لهذه الأفكار الهدامة أن تصل إلى الله جل في علاه.
وانظروا إلى ما حصل بعد ذلك في الجزائر، وذلك بنفس السبب، فقد حدث أن الدعاة لم يصبروا على الظلم الذي وقع بهم حينئذ، فاجتمعوا وألبوا الناس على الحكام، وابتدأ من هنا الفكر الهدام، فابتدأت الثورة وابتدأ الحماس من على المنبر، ويجب أن نعلم بأن الدين ليس بالحماسات أو العاطفة، بل الدين قال الله وقال رسوله ﷺ، ثم بعد ذلك خرجت فئات لا تعلم عن دين الله شيئًا تنادي بكفر الحاكم، وأنه لا بد من عزله، وأنه لا يجوز لكافر أن يحكم المسلمين، في تنطع وتجرؤ عجيب، ونسي هؤلاء أنهم يقتحمون النار على بصيرة، ونسوا قول النبي ﷺ: (من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما؛ فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه)، وقد غضب النبي ﷺ واشتد زجره على أسامة عندما قال له: (أقتلته بعدما قالها)، أي: أنه قال: لا إله إلا الله وقتلته، ثم قال له: (وكيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة)، ثم بعد ذلك تحدث المفسدة العظيمة.
وانظروا إلى الواقع الآن في الجزائر، فآلام وآهات يموت منها المرء كمدًا وحزنًا؛ لأن الشباب هم حصون هذه الأمة، فنسأل الله جل وعلا أن يهدينا وإياهم إلى سواء السبيل، وهذه نصيحة لي ولإخواني أن نرجع إلى العلماء الراسخين، وإلى الدليل، حتى إذا مات أحد من الشباب فيكون قد مات على بصيرة دون أن يقتحم النار على جهل، فإن الله سائله عن حياته التي ضاعت بالجهل، وسائله عمن قتله بجهله، وقد خرج بعضهم في بلاد الحرمين مؤخرًا، لأسباب: أولها: فقد العلم، ثانيها: التسرع دون وجود ضوابط تضبط عملهم، ثالثها: عدم رجوعهم إلى العلماء الراسخين، بل ذموا العلماء وتجرؤا عليهم، وهذه نتائج الفساد المستطير، فقد أصبح الإسلام مجرد إرهاب وقتل وخروج على الحكام، وكأنهم يقولون: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]، فأصبحت المفسدة أعظم بأضعاف مضاعفة من المصلحة المرجوة، وأي مصلحة مرجوة في قتل الأبرياء المسلمين؟! وأي مصلحة مرجوة في قتل مستأمن؟ فإن كان قد أتى بما يحل أمانه فلا بد أن ترده إلى العلماء الراسخين، ثم هم يردونه بدورهم إلى ولاة الأمور بالمناصحة السرية، واتخاذ القرار الصحيح في شأنه؛ لأنك إذا قتلته من نفسك فقد أتيت بالشر العظيم، وهذا واقع مشاهد من أيام عثمان ﵁ وأرضاه إلى يومنا هذا.
فعلى الإخوة أن يعلموا أن دين الله جل في علاه ليس بالحماسات أو العواطف، بل لا بد عليهم من السمع والطاعة قدر إمكانهم وقدر استطاعتهم، وهذا التقييد هو الذي قيده العلماء: أن السمع والطاعة تكون قدر الاستطاعة، وإن السمع والطاعة تكون في المعروف لا في المعصية، وأما إذا أُظهرت المعصية فلا سمع ولا طاعة ولا تأليب ولا تنقيص، بل لا بد من المناصحة لولاة الأمور، وفي هذه تكملة لهذه العبادة التي تتعبد بها الله جل في علاه.
وقد أختتمت هذا الحديث بهذه المسألة لأن الشيخ ابتدأها، فقال: أهل الجاهلية كانوا لا ينضوون تحت راية أحد، ولا يأتمرون بأمر الأمير، ثم قال: إن الإسلام عطل هذا الأصل، فلا بد من ولي أمر، ولا بد من السمع والطاعة قدر الاستطاعة، فلا يجوز أن تشق عصا الطاعة أو تنزع منها يدًا، فإن أمرت بالمعصية فلا سمع ولا طاعة، ولا تأليب ولا تشويش ولا ثورة عليهم؛ لأنك ستفسد أكثر مما تصلح.
وأختم بأن هذه العبادة تكمل بالنصح لولاة الأمور؛ لأن النبي ﷺ قال: (ثلاث خصال أو خلال: أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وأن يلزموا جماعة المؤمني، والنصح لولاة الأمور)، وفي الصحيح أيضًا عن تميم عن النبي ﷺ أنه قال: (الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة! قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم).
وقال النبي ﷺ: (ثلاث لا يغل عليهن قلب امرء مسلم: الإخلاص لله، ولزوم جماعة المسلمين، والنصح لولاة الأمور).
فأما النصح لولاة الأمور: فإما أن تكون قادرًا على ذلك: فإن رأيت منكرًا فاذهب بأدب جم ولين جانب ورفق لتنصح في الله جل في علاه، يقول الله تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه:٤٤]، ويقول النبي ﷺ: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه)، فإن لم تستطع أنت بذاتك فإن استطعت الاتصال فاتصل، فهذا أمر واجب عليك، ولن تبرأ ذمتك إلا بذلك، فإن لم تستطع فابحث عن رجل ثقة أمين تعلم أنه سيوصل هذه الرسالة إلى المسئول، فتكتب له في الرسالة من الكلام الطيب والمهذب ما يجعله يغير هذا المنكر الذي حصل وطرأ، وهذا هو دأب علمائنا في القديم والحديث، فإن لم تستطع إلى ذلك سبيلًا فإذا كرهت بقلبك فقد برئت وسلمت.
وكما ذكرنا مسبقًا فإن هذه من أصول أسلافنا: أحمد بن حنبل والفضيل بن عياض ويحيى بن معين وابن المديني.
وقد افتتن أحمد في مسألة القرآن من المأمون، فجلده وحبسه عامًا، فقام الناس يضجون بـ أحمد، وقد سئل يحيى بن معين عنه فقال: تسألوني عن أحمد؟! أحمد إمام أهل السنة والجماعة.
وذهبوا إليه بثورة فقالوا له: نخرج عليه؛ لأنه ظلمك، وهو في هذه اللحظة يملك أن يصبح أمير المجاهدين في وقته، فله أن يحفزهم لتكسير السجن والخروج على الخليفة الظالم، ولكن انظروا إلى دين الله، وانظروا كيف أن الرجل يعلم اليقين بأن التمكين سيكون لدين الله في النهاية، فقالوا له: نخرج عليه، قال: لا والله، إنه أميركم، وله عليكم السمع والطاعة، ثم قال: والذي نفسي بيده لو كانت لي دعوة مستجابة لخبأتها لولي الأمر؛ لأنه يعلم أن صلاح الأمة في صلاح ولي الأمر، وأن فسادها من فساده.
ولذلك يجب عليك أن تنصح ولاة الأمور، وأن تدعو لهم على المنابر، والدعاء لولاة الأمر سنة متبعة عن السلف، والأخلص والأصوب والأفضل أن تدعو لهم سحرًا بإخلاص ويقين بالإجابة: أن الله يصلحهم ويجعلهم نصرًا لدينه، فتكون بذلك فائزًا عند ربك، ولعلك أن تكون من الصالحين المخلصين فيتقبل الله منك دعوة مستجابة، فيصلح الله جل وعلا هذه الأمة بدعوتك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيرًا.
[ ١٨ / ٩ ]