لقد سُحر النبي ﷺ، ولكن لم يؤثر ذلك في تبليغه للشرع، وإنما أثر في جوارحه فقط، وقد أنكر بعض الطوائف ذلك بحجة أنه ينافي تبليغ الشرع، ولا حجة لهم في ذلك، ولأجل ذلك فقد شرع علاج السحر بالطرق الشرعية، وأما النشرة ففيها خلاف.
[ ٦ / ١ ]
أقوال أهل العلم في مسألة وقوع السحر على النبي ﷺ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: تكلمنا في السابق عن الاعتقادات الجاهلية التي خالفها النبي ﷺ، وجاء الشرع ببترها وبيان ضلالها وبطلانها، ومن ذلك وهي الاعتقاد في أفعال السحرة والكهان والعرافين على أنها من كرامات من الله جل في علاه، وأن لهم المكانة عند الله جل في علاه.
وبقي لنا في هذه المسألة الشائكة التي انتشرت انتشارًا عظيمًا في هذه الأوقات الكلام على سحر النبي ﷺ، وهل سحر النبي أم لم يسحر؟ لا سيما وأن بعض أهل السنة والجماعة بل من المحدثين الذين أتقنوا علم الحديث قد ردوا هذا الحديث، وسأبين من الذي مال إلى رد هذا الحديث من المحدثين.
ثم النقطة الثانية وهي: علاج السحر، يعالج السحر بالسحر وهي النشرة، سنفصله الآن بإذن الله.
وسنتكلم أولًا على المسألة المهمة وهي: مسألة هل سحر النبي ﷺ أم لم يسحر؟ ولو دققنا النظر سنراها متفرعة عن أصل أصلناه سابقًا، وهو: هل للسحر تأثير حقيقي أم لا؟ وقد بينا بأن العلماء اختلفوا في هذا على قولين: الأحناف يرون عدم التأثير، ويرون أن السحر لا حقيقة له، وهذا مخالف للواقع ولظاهر الآيات والأحاديث، وجمهور أهل العلم على أن للسحر حقيقة مؤثرة قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، فهم يضرون لكن بإذن الله جل في علاه.
فالسحر له حقيقة مؤثرة، فهل تأثر النبي ﷺ بالسحر؟ سأتكلم عن عدة نقاط في سحر النبي ﷺ: أولًا: إثبات أن النبي ﷺ قد سحر أثرًا ونظرًا.
ثانيًا: سأبين الشبه التي يعترض بها المعترضون على سحر النبي ﷺ.
ثالثًا: كيفية الرد على أهل البدع وشبههم التي ألقوها علينا لرد الحديث الذي في الصحاح.
[ ٦ / ٢ ]
إثبات أن النبي سُحر من قبل لبيد اليهودي
لقد ثبت سحر النبي ﷺ أثرًا ونظرًا، فأما من جهة الآثار: فالأحاديث التي أسانيدها كالشمس تؤكد ذلك، ففي الحديث المتفق عليه بين البخاري ومسلم (أن لبيد بن الأعصم اليهودي -عليه من الله ما يستحق- سحر النبي ﷺ، وألقى السحر في بئر ثروان)، وهذا الحديث صحيح بل هو في أعلى درجات الصحة.
وفي بعض الروايات: (أن ملكين جاءا إلى رسول الله ﷺ، فقام الأول عند رأسه والآخر عند رجله، فقال أحدهم: ما بال الرجل؟ قال الآخر: مطبوب -يعني مسحور-، قال: من سحره أو طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم)، ثم ذكروا كيف شفاء النبي ﷺ.
فهذه الآثار تدل على أن النبي ﷺ قد سحر، ولذلك قالت عائشة: (كان يخيل للنبي ﷺ أنه يأتي أهله ولا يأتيهم، وأنه فعل الشيء ولم يكن فعله)، وهذه الشبهة هي التي تعلق بها المفترون كما سنبين، والغرض المقصود هو أنه قد صحت الأخبار على أن الرسول ﷺ قد سحر وابتلي بالسحر بإذن الله جل في علاه.
إن العقل السديد لا بد أن يوافق هذا ولا يمكن أن يرده، ولا غرو ولا عجب أن النبي ﷺ يسحر ويبتلى بهذا البلاء العظيم، والعقل يقبله؛ لأن رسول الله خلق من ماء مهين، ولذلك قال: (ولدت من نكاح وليس من سفاح) بأبي هو وأمي، فرسول الله ﷺ بشر، وإذا قلت بأنه بشر فهي مقدمة لها نتيجة لا أحد يعترض عليها.
وقد وجد أناس يزعمون أن النبي ﷺ خلق من نور، وهذا أول حديث لهم، وأسانيده مهلهلة فهو حديث موضوع، وهذا الحديث فيه مسحة صوفية، وهو مثل حديث: (أن الله أحيا أم النبي ﷺ فدعاها النبي ﷺ إلى الإسلام)، وكلامهم هذا باطل، فليس عندهم دليل ثابت، وأما نحن فعندنا الأدلة الواضحة الجلية التي تثبت لنا أنه خلق من ماء مهين، وعندنا قاعدة وهي: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه
[ ٦ / ٣ ]
الأدلة على بشرية النبي ﷺ
أما أدلة الأثر على بشرية رسول الله فهي كالتالي: لقد أمر الله رسوله أن يقول بصريح العبارة أنه بشر فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف:١١٠]، فهل أمره أن يقول قل: إنما أنا ملك؟ حاش لله، وأيضًا قال الله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤]، (من قبلك) يعني: من مثلك، وأيضًا قال الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، ثم قال ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨]، أي: هم بشر يأكلون كما يأكل البشر، فليس لهم الخلد، وقول الله تعالى ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤].
فكل هذه الأدلة تثبت بشرية النبي ﷺ وأصرح هذه الأدلة أن الله أمره أن يقول ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف:١١٠]، وأيضًا لما قالوا ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام:٨ - ٩]، يعني: لا يمكن أن يكون هناك ملك بين البشر يدعوهم إلى الله، فمن حكمة الله أن يرسل إليهم بشرًا مثلهم، فرسول الله ﷺ بشر؛ لقول الله جل في علاه السابق، وقول النبي ﷺ (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون)، وقوله ﷺ: (ولدت من نكاح وليس من سفاح).
إذًا: فإذا كان رسول الله ﷺ بشر فإنه يعتريه ما يعتري البشر ويحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر، فإن رسول الله ينسى كما ينسى البشر، ويحتاج إلى الطعام لأنه بشر، ويحتاج إلى النوم لأنه بشر، ويحتاج إلى الجماع لأنه بشر، وتصيبه البلايا والرزايا بل قد يتعرض للقتل لأنه بشر، والبشر يقع عليهم السحر، ورسول الله ﷺ بشر فيقع عليه السحر، ومن خالف هذه الحقيقة فليأتنا بالدليل؟ لأننا لا يمكن أن ننحيه من البشرية فهو يعتريه ما يعتري البشر، فهذه أدلة الأثر والنظر، والعقل لا يرد أن يسحر النبي؛ لأنه من البشر، وهذا من البلايا والرزايا، فهو -أي السحر- من الأمراض كالأوجاع والصداع والحمى والألم والسم الذي أكله النبي ﷺ، فطالما أن هذه تعتري البشر، فهي تعتري أيضًا رسول الله ﷺ.
إذًا: فقد سحر النبي ﷺ سحر، وقد دل على ذلك الأثر والنظر، فنحن نعتقد أن رسول الله سحر من لبيد بن الأعصم عليه من الله ما يستحق، وبعد أن سحره لبيد كان رسول الله ﷺ يرى أنه أتى أهله -أي: وطئ أهله- ولم يأت أهله، ويرى أنه قد فعل الشيء ولم يفعل هذا الشيء، لكن العقول الخربة لم تستطع أن تقبل ذلك، وقالوا: إن هذا يقدح في رسالته، وهذا الاعتراض اعترض به أهل البدع والضلالة كالمعتزلة، ثم قالوا: حديث سحر النبي ﷺ باطل لأمرين اثنين: الأمر الأول: هو أننا لو قلنا بأن رسول الله ﷺ قد سحر فقد قدحنا في رسالته ونبوته؛ لأن الله جل وعلا كتب في كتابه أنه عصم رسوله، وإذا كان لبيد بن الأعصم الكافر يسلط على رسول الله إذا فهو غير معصوم، ولو قلنا بأن رسول الله ﷺ غير معصوم كذبنا القرآن؛ لقول الله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].
الأمر الثاني: قالوا: إذا فتحنا هذا الباب وقلنا بأن رسول الله ﷺ سحر إذًا فكل حديث يأتينا فسنقول عنه ليس من النبي وإنما من تسليط الجن عليه، فلعل الجني غلب على عقل النبي ﷺ فأوحى إليه هذا الكلام، ففتحنا الباب لكل أحد ليطعن ويرد حديث النبي.
هذا قول أهل البدعة والضلالة من المعتزلة وبعض المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة، وأما المتصدي لهؤلاء الأشرار المبتدعة الذين يردون أحاديث النبي ﷺ بلا مبرر ولا داعي، -والذي أعلمه- أن الفضائيات قاطبة تكلمت على هذه المسألة وردوا الحديث بدون علم وقالوا: لا يصح أن نقول سحر النبي ﷺ، وذكروا هذه الشبه.
فأقول: نحن أثبتنا بالأثر والنظر أن رسول الله ﷺ قد سحر؛ لأنه من البشر، ويعتريه ما يعتري البشر، فالشبهة الأولى التي قالوها: بأن الله عصم نبيه ولو قلتم بأنه سحر فليس بمعصوم، وهذا قدح تام وصريح وظاهر في نبوة رسول الله ﷺ.
قلنا لهم: لا، بل هذا فيه دلالة على جهلكم وضعف نظركم وعدم التمييز بين المتشابه، وأنتم قد أُدخل عليكم من باب العصمة؛ لأنكم لم تفهموا العصمة فهمًا دقيقًا لفهم العلماء الأسلاف الأكارم الأماجد.
[ ٦ / ٤ ]
أقسام العصمة
العصمة تنقسم إلى قسمين: عصمة في الوحي وعصمة في الظاهر، فعصمة الوحي، أي: في الباطن في العقل والقلب، وعصمة الظاهر، أي: في الجوارح، والدليل على هذا التقسيم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ [المائدة:٦٧]، في سياق التبليغ، أذًا: فالسياق والسياق من المفسرات والمقيدات ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٦٧]، فالله جل وعلا هنا أثبت العصمة في سياق التبليغ، وأما عصمة الجوارح، فإن الله جل وعلا لم يثبت هذه العصمة تصريحًا للرسول، قال الله تعالى ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]، فذكر أن الرسول قد يقتل كما قتل يحيى وزكريا، وفي هذا بيان من الله جل وعلا أنه لا يعصم رسوله من إيذاء البشر له، والنبي ﷺ في غزوة أحد كسرت رباعيته، وكاد يقتل ﷺ، وأصابه من الآلام والشدة ما لا يعلمه إلا الله جل في علاه، ولذلك لما ضُرب وألقيت عليه الحجارة وسال الدم من وجهه الشريف قال: (رحمة الله على أخي موسى قد صبر أكثر مما صبرت) فهو يبين أنه صبر على الشدة التي أصابته من أعداء الله جل في علاه.
إذًا: فالعصمة عصمتان: عصمة في التبليغ بالوحي، وهي عصمة باطنة في القلب والعقل، وهذه أثبتها الله ولا يمكن أن نردها؛ لأن الله قال ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] في سياق التبليغ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧].
وأما بالنسبة للعصمة للظاهر والجوارح فإن الله يسلط أعداءه على أوليائه، لحكمة عظيمة وهي زيادة ورفعة درجات هؤلاء الأخيار الأفذاذ، وعند هذا التقسيم تنجلي الشبهة وينتهي الأمر، فهم قالوا: هذا قدح في العصمة وكيف يسلط اليهودي على النبي ﷺ؟ فقلنا: هل سلط على الوحي والقلب والتبليغ أم سلط على الجوارح؟ وهل كان النبي يقول القول الباطل أو يقول القول الذي لا يفقهه؟
الجواب
لا، فإن لبيد بن الأعصم سلط على رسول الله حتى كان النبي ﷺ يتخيل أنه أتى الشيء ولم يأتيه، وهذه في البدن وليست في القلب ولا في الوحي.
[ ٦ / ٥ ]
الدليل على أن لبيدًا سلط على الجوارح لا على الوحي
هناك أدلة تثبت أن لبيد لم يسلط على الوحي وإنما سلط على الجوارح، منها: قول الله تعالى ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى:٦] أي: سنقرئك الوحي القرآن والسنة، فلا تنسى، ولو سلطنا عليك ألف لبيد فإنه لا يؤثر في الوحي الذي يأتيك؛ لأن الله حافظ دينه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وأيضًا قال الله تعالى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٨]، أي: اصبر فلن تنسى، وستبلغ ما أوحي إليك ولن يسلط عليك أحد.
وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص يوضح هذا توضيحًا جليًا، فقد كان دائما يجلس بجوار النبي ﷺ ويحرص على مجلس النبي، فكان أبو هريرة يحفظ في صدره ولا يكتب بيضاء في سوداء، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص ما من كلمة يتكلم بها رسول الله ﷺ إلا ويكتبها، فجاء الناس إليه فقالوا: تكتب عن رسول الله ﷺ كل شيء! فإن رسول الله بشر ينسى كما ينسى البشر، ويغضب كما يغضب البشر، فربما تكلم بكلام لم يوح إليه به، فذهب عبد الله بن عمرو إلى رسول الله ﷺ بالصحيفة فقال: يا رسول الله! إني أكتب خلفك كل كلمة تتكلم بها فقال لي الناس: كذا، فقال له النبي ﷺ: (اكتب والله ما يخرج إلا الحق)، يعني: الوحي من الكتاب أو السنة، فما يخرج إلا الحق الذي حفظ من كل سوء.
فهذه الأدلة الثابتة الراسخة كالجبال الرواسي تثبت أن لبيدًا لم يؤثر في الوحي ولم يسلط على الوحي، لكنه سلط على البدن.
وكيف نفقه بأن رسول الله ﷺ يرى أنه فعل الشيء ولم يفعله؟ أقول: هذا معقول في النظر، فلو أن زيدًا من الناس أراد أن يعمل في الخارج فسافر عن امرأته شهرين، وفي الشهر الثاني اشتاق إلى امرأته فاتصل بها بالتلفون وتكلم معها وتكلمت معه، فلما جاء الليل نام فرأى في منامه أنه يجامع أهله كما كان يجامع أهله في الحلال، فلما استيقظ فجرًا رأى أنه يحتاج إلى الغسل فاغتسل، فهذا الرجل جامع أهله لكن ليس حقيقة، فيمكن للإنسان أن يرى أنه فعل الشيء مع أنه لم يفعله.
فإن قال قائل: إن رسول الله كان يرى ذلك في اليقظة وليس في المنام.
ف
الجواب
العلم التربوي يقول: إن هناك أحلام في اليقظة، كأن يجلس الرجل مع زميله وهو يفكر فيما يريد أن يفعله، فجسمه عند زميله وعقله الباطن في مكان آخر.
وقد ذكر أن رجلًا من السلف كان فقيرًا وكان يشتاق شوقًا شديدًا للغنى، فقال: الغنى له أسباب، ومن الأسباب التجارة، والتجارة فيها تسعة أعشار الرزق، وأنا عندي شيء فيه سمن كثير، وهذا السمن إذا تاجرت به بعته بثلاثة دراهم، واشتريت آخر بدرهم، ثم بعته بثلاثة دراهم أخرى، حتى أكون غنيًا فأتزوج، وبعد أن أتزوج أنجب ولدًا، ثم بعده ولدًا، ثم بعده ولدًا، ثم بعد ذلك إذا كبر الولد ورأيت منه خلقًا لا يعجبني -ومعه العصا وسقاء السمن فوق رأسه- زجرته، فإن لم ينزجر ضربته بالعصا، فضرب السقاء بالعصا فوقع السمن على وجهه، فلا هو نال الغنى ولا هو أبقى سمنه.
فالمقصود أن هذه أحلام يقظة، فرسول الله ﷺ كان يخيل إليه أنه يأتي امرأته وهو لم يأتها، فهذه ليس فيها أي شيء، بل هي واقع نعيشه، ولا يؤثر في وحي النبي ﷺ.
وأما الشبهة الأخرى التي دندنوا حولها وهي: أننا لو قلنا إن رسول الله سحر لفتحنا الباب لكل أحد ليشكك في حديث رسول الله ثم يرده.
فالرد عليها هو في قول رسول الله لـ عبد الله بن عمرو: (اكتب والله ما يخرج فيه إلا الحق)، وأيضًا فإن الله قد جزم لنا جزمًا لا نحيد عنه أبدًا، فقال ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، والذكر هو الوحيان القرآن والسنة؛ لأن النبي ﷺ يقول: (ألا إني إنما أوتيت القرآن ومثله معه) ومثله هو السنة، والدليل على أن السنة قرينة القرآن قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٤] فآيات الله هي: القرآن، والحكمة هي: السنة.
فإذا بطلت هذه الشبه ثبت لنا أن رسول الله ﷺ سحر، وأنه لما سحر زاده الله بذلك رفعة ودرجة عنده؛ لأن أشد الناس بلاء في هذه الدنيا الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، ولا غرو ولا عجب فإن رسول الله ﷺ قد أكل الشاة المسمومة قبل أن تكلمه وقد مات بأثر هذه الشاة المسمومة.
[ ٦ / ٦ ]
أنواع علاج السحر
المسألة الثانية: علاج السحر، إن السحر منتشر بين الناس وخاصة العوام، وعلاجه على أنواع ثلاثة: أولًا: علاج السحر بالأدوية والعقاقير التي جربت فعلم من التجربة أنها تنفع، فهذه بالإجماع جائزة وليس فيها أي شيء، وإن لم تكن واجبة فهي مستحبة، لقول النبي: (تداووا عباد الله).
ثانيًا: علاج السحر بالرقية الشرعية.
[ ٦ / ٧ ]
شروط الرقية
الرقية الشرعية يشترط فيها شروط ثلاثة حتى يتم الشفاء بها من السحر بإذن الله: الشرط الأول: أن تكون بلسان العرب، وأن تكون بالآيات القرآنية والأذكار النبوية.
الشرط الثاني: عدم الاعتقاد في هذه الرقية بأنها هي التي تشفي، فإن بعض السفهاء إذا منَّ الله عليه بالشفاء من القراءة ظن أن القراءة هي التي شفته، ولذلك تراه يميل جدًا للراقي، ويميل جدًا للرقية، مع أن المسألة بيد الله جل في علاه، ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، وأيضًا لا يشفون أحدًا إلا بإذن الله جل في علاه، والاعتقاد في غير الله شرك.
الشرط الثالث: تقوى الراقي ويقين المرقي، وهذه مهمة جدًا وتكاد أن تكون منعدمة، فنرى كثيرًا من الإخوة يُقرأ عليه البقرة كلها بدون فائدة، ثم يختم عليه القرآن كله بدون فائدة لأمرين: إما أن الراقي ليس بتقي وليس بمتدبر لقول الله جل في علاه، وإما أن المرقي ليس مستيقنًا بالله جل في علاه، فهو يفعل ذلك من أجل أن يختبر ربه جل في علاه، فحتى تأتي هذه الرقية بثمارها لا بد أن يستيقن المرقي بأن الشفاء بيد الله، وأن الرقية سبب من الأسباب الصحيحة للشفاء ولا بد أن يكون الراقي تقيًا ورعًا، وهذا أمر تؤيده الآثار الصحيحة.
فـ ابن تيمية ﵁ وأرضاه أخذ رجلًا مسحورًا وقرأ عليه وقال للجني: اخرج فإنك ظالم، قال: أخرج كرامة لك، قال: لا أيها الخبيث! بل أخرج لأنك ظالم؛ طاعة لله جل في علاه، فقد أراد الجني أن يدخله في العجب والعياذ بالله.
وأحمد بن حنبل قيل له: إن شخصًا ما مسحور، فبعث إليه بنعليه وجاء الخادم بنعل أحمد، فلما علم الجني أن هذا نعل أحمد قال: أخرج، ولذلك يقال: لما مات أحمد رحمة الله عليه ورضي الله عنه رجع الجني إلى المسحور.
والمقصود أن تقوى الراقي سبب ناجح في تمام العلاج.
[ ٦ / ٨ ]
تعريف النشرة لغة واصطلاحًا
المسالة الثالثة: حل السحر بالسحر، وهذه تسمى النشرة.
والنشرة في اللغة: التفريق، وفي الاصطلاح: هو حل السحر بالسحر عن المسحور.
ومن صور النشرة: أن يأتي المسحور إلى الساحر أو الكاهن من ما يظن فيه خيرًا لكنه يستخدم ما يستخدمه السحرة، فيقول له: إني لا أستطيع أن أجامع امرأتي، فيأخذه الكاهن ويقرأ عليه بعض آيات القرآن تلبيسًا، ثم يتمتم بهذه الطلاسم ثم يقول له: أنت مسحور، وقد وضعوا لك شيئًا في المنطقة الفلانية، فخذه وأحرقه، أو يقول له: اجلس، فيجلسه ويستخدم معه التنويم فينام الرجل، فيتكلم بتلك الطلاسم ويستخدم الجن، ثم بعد ذلك يأمره بذبح أشياء لهذه الجن بمواصفات معينة؛ حتى يحل عنه السحر، هذه من الصور التي يحل بها السحر بالسحر.
الصورة الثانية -وهي المنتشرة الآن-: أن يأتيه فلا يقرأ عليه إلا القرآن ولا يتكلم معه إلا بالأذكار، ثم بعد ذلك يكتب له ورقة، وهذه الورقة فيها الأحجبة، ويقول له: لا تفتحها، وبعد أن يثق فيه المسحور يكتب له الطلاسم في ورقة؛ حتى لا يظهر له ما هو عليه من السوء، ثم يقول له: ضعها تحت السرير، أو تحت الوسادة، أو في مكان معين، وبعد ثلاثة أيام إن لم تجدها فالسحر قد انحل، فيذهب الرجل فلا يجدها فيعلم أن السحر قد انحل، فيشكر هذا الرجل ويعطيه العطايا الجزيلة، فهل تصح هذه الطريقة -وهي النشرة- أم لا؟
[ ٦ / ٩ ]
حكم النشرة
اختلف فيها أهل السنة والجماعة على قولين: القول الأول: أنها صحيحة، واستدلوا على ذلك بعمومات أدلة النفع للآخرين، كقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]، قالوا: وعلاج المريض من باب البر فهو يدخل تحت الآية، واستدلوا أيضًا بما صح عن النبي ﷺ أنه قال (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)، وهذا فيه نفع؛ لأنه سيحل عنه السحر، وسيحل عنه الربط عن زوجه، فإنه ينفعه بذلك، وقالوا: هذه هي فتوى أعلم التابعين على الإطلاق سعيد بن المسيب، وهو من فقهاء المدينة السبعة، وهم بحار العلم وأعلمهم هو سعيد بن المسيب، وأفضل التابعين هو أويس القرني وهو أعبدهم.
ولذلك قال: أحمد بن حنبل أعلم التابعين على الإطلاق سعيد بن المسيب، وقد سئل سعيد بن المسيب عن رجل مسحور ربط عن زوجه أنحل عنه السحر بالسحر؟ فقال: نعم افعلوا ذلك؛ فإني رأيت رسول الله ﷺ يقول (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)، وهذا من باب النفع، وقالوا هذا هو فعل الصحابة الأخيار، فهذه أفضل النساء على الإطلاق وأفقه الصحابيات على الإطلاق عائشة ﵂ وأرضاها سحرتها جارية، فلما سحرتها أعيت عائشة بذلك، فجاء رجل من الهند أو السند فسمع به ابن أخيها، فذهب إليه فقال له: عائشة مريضة، فقال: هي مسحورة سحرتها جارية لها، قالوا فـ عائشة بعثت بابن أخيها إلى الساحر، فقال: هي مسحورة سحرتها جارية وفي حجرها صبي ووصف السحر الذي سحرت به عائشة ﵂ وأرضاها فلو كان حرامًا ما فعلت ذلك ﵂ وأرضاها، هذا من ناحية الأثر.
وأما من ناحية النظر والعقل: فإن الله جل في علاه حرم أكل الميتة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٣]، فأحلت الميتة من أجل الضرورة، وهذا المسحور في ضرورة فيحل له السحر بالسحر من باب الضرورة؛ قياسًا على أكل الميتة.
القول الثاني: أنه حرام، ولا يجوز بحال من الأحوال وإن كان فيه نفع للناس، والأدلة على ذلك قول النبي ﷺ عندما سألوه: (أفنأتي الكهان قال: لا، لا تأتوا الكهان)، و(لا) هنا للتحريم؛ لأن الأصل في النهي التحريم.
وفي رواية أخرى قال النبي ﷺ (من أتى عرافا أو كاهنا فسأله لم تقبل منه صلاة أربعين يومًا)، فهذا حال من سأله فقط ولم يصدقه.
وقال النبي ﷺ كما في مسند أحمد (من أتى عرافًا أو كاهنًا فسأله فصدقه فقد كفر)، وهذا الكفر مخرج من الملة، ووجه إخراجه من الملة أنه صدق بأن الكاهن له صفة من صفات الربوبية؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا الله، وهو حين صدق الكاهن بأمور غيبية كأنه نحله صفة من صفات الربوبية.
وفي رواية الطبراني أو في غيره بسند ضعيف (من أتى عرافًا أو كاهنًا أو ساحرًا)، فصرح بالساحر، فهذه أدلة عامة تثبت حرمة إتيان الكهنة والسحرة.
وأما الأدلة الخاصة فهي كالتالي: قال النبي ﷺ عندما سئل عن النشرة التي هي حل السحر بالسحر: (لا إنما هي من عمل الشيطان)، وهذا أشد في الزجر وأشد في الحرمة.
أما من جهة النظر: أولًا: أننا إذا أبحنا للمرء أن يحل السحر بالسحر فقد أقررنا ضمنا بفعل الكهان والسحرة.
ثانيًا: أن حل السحر بالسحر ذريعة إلى الاعتقاد بالساحر والكاهن ما لا يعتقد إلا بالأخيار الأماجد، فإنهم سيعتقدون فيه غير ما هو عليه من السوء والمنكر.
ثالثًا: أنك ستذهب إليه فلا تنكر عليه ما هو فيه من المنكر والباطل من السحر والكهانة.
إذًا: فهذه أدلة صريحة صحيحة في حرمة إتيان الكهنة، وأيضًا حرمة حل السحر بالسحر، وهذا هو الذي اتفقت عليه كلمة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
[ ٦ / ١٠ ]
الرد على أدلة المجوزين للنشرة
وأما الرد على من اعترض بقول النبي ﷺ (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)، وقول سعيد، وقول عائشة، والقياس على الميتة، فالرد عليه كالتالي: أولا: قول النبي ﷺ (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)، هذا عام مخصوص بما شرع، يعني: من استطاع منكم أن ينفع أخاه بما شرعه الله فليفعل، وأما من استطاع أن ينفع أخاه بغير ما شرع الله فلا يفعل، والدليل على تخصيص قول النبي ﷺ (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)، وأن المراد به من استطاع أن ينفع أخاه بما شرعه الله فليفعل هو قوله ﵊ (تداووا عباد الله ولا تتداووا بحرام)، والنبي ﷺ قال عن النشرة: (لا هي حرام إنها من عمل الشيطان)، فالنشرة حرام فلا تدخل تحت عموم قول النبي ﷺ (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)، وقال ﷺ: (إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها).
إذًا: فحديث (من استطاع منكم أن ينفع أخاه)، مخصوص بما شرع، فلا حجة لكم فيه.
وقول سعيد بن المسيب عليه من وجهين: الوجه الأول: أن سعيد بن المسيب ﵁ وأرضاه قال ذلك اجتهادًا منه، ولا اجتهاد لأحد كائنًا من كان مع قول النبي ﷺ.
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه وسنرد عليكم بما قال ابن عباس ﵁: أوشكت السماء أن تمطر عليكم حجارة، أقول لكم: قال رسول الله وتقولون: قال سعيد بن المسيب، فقول رسول الله يقدم على كل أحد كائنا من كان.
الوجه الثاني: قول سعيد بن المسيب: نعم (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)، يحتمل أن المقصود بقوله نعم المراد به حل السحر بالرقية الشرعية؛ لأن العلاج يكون بثلاثة أمور: بالرقى، أو العقاقير، أو السحر بالسحر، فنحمل كلام سعيد بن المسيب على أحسن المحامل ونقول: أباح حل السحر بالرقية الشرعية، فهذا هو الظن في هذا العلاّمة الفاضل الكريم، فنحمل كلامه على أحسن المحامل، وهذه القاعدة لا بد لطالب العلم أن يتقنها في صدره، فإذا أتته فتوى من عالم أو من طالب علم متقن يرى أنها غير صواب فلا يطعن في العالم أو يتجرأ عليه، بل يحمل كلامه على أحسن المحامل.
وأما الرد على فعل عائشة فنقول: هذا في غير محل النزاع؛ لأن النزاع هو في أن يطلب المسحور من الساحر والكاهن أن يحل له السحر، وهذا غير موجود في القصة، فـ عائشة لم تطلب منه حل السحر، والرجل لم يرد في القصة أنه ساحر أو كاهن، فكأنه اشتهر بأنه طبيب، فجاء ابن أخيها إليه يصف مرض عائشة، فقال له الرجل: هي مسحورة، أي: هذا المرض ليس مرضا عضويًا وإنما هو سحر، فلا حجة لكم في هذا.
وإذا تنزلنا معكم وقلنا: بأن عائشة ﵂ وأرضاها طلبت ذلك -وحاشاها أن تفعل ذلك- فإنه لا حجة لكم بفعل عائشة أمام قول النبي ﷺ (لا إنما هي من عمل الشيطان)، فإذا خالفت عائشة قول النبي فإننا نقدم قول النبي، أما بلغكم نبأ عمار ﵁ وأرضاه عندما خرجت عائشة مع الزبير وطلحة بن عبيد الله ﵃ أجمعين يوم الجمل ثم قام رجل من فئة وطائفة علي بن أبي طالب فقال: عائشة كذا فسبها، قطع الله لسانه، وأذاقه ما أذاقه في قبره على ما فعل، فلما فعل ذلك ارتعدت فرائص عمار بن ياسر، وقال: والله إنها زوجة نبيكم في الجنة، ولكن الله اختبركم بها أتطيعون له أم تطيعون لها.
وإذا أردت أن تعرف محبة الله في قلبك فانظر إذا عارض قوله هواك، فلا قول لأحد مع قول رسول الله ﷺ، فبطلت الأدلة الأثرية التي استدلوا بها.
أما دليل القياس الذي استدلوا به فإننا نقول لهم: نوافقكم على القاعدة ولا نوافقكم على التطبيق في هذه المسألة، فإن القياس هنا قياس مع الفارق من وجهين.
الوجه الأول هو: أن الأكل من الميتة عند عدم وجود الطعام واجب، وأما التداوي فهو على قول الجماهير من أهل العلم ليس بواجب بل هو مستحب، بل اختلفوا أيهما أفضل للمريض أن يتداوى أم لا؟ وأصلح الأدلة على ذلك أنه عندما اشتد المرض على أبي بكر جاءوه فقالوا: نأتيك بالطبيب، قال: لا إن الطبيب رآني، قالوا: ماذا قال لك، قال: إني فعال لما أريد ولم ينكر عليه أحد ولو كان واجبًا لقالوا: له أثمت، فلابد أن تتداوى.
فجماهير أهل العلم يرون أن التداوي ليس بواجب وإنما هو مستحب، فهذا قياس مع الفارق.
الوجه الثاني وهو مهم جدًا هو: أن هناك بدائل عن هذا المحرم ولذلك منعه الشرع (تداووا عباد الله ولا تتداووا بحرام) فالبدائل هي الرقية الشرعية أو العقاقير أو الصبرْ، كما قال للمرأة: (اصبري ولك الجنة)، فهي لم تهلك بذلك.
الوجه الثالث: أن الشرع جاء بإباحة الميتة ولم يأت الشرع بإباحة النشرة بل جاء الشرع بعكس ذلك وقال: (لا هي حرام، إنها من عمل الشيطان) أو كما قال ﷺ، وهذا هو الرد على القياس.
إذًا فحرام على أي مسحور أو مريض أن يذهب إلى كاهن فيحل له السحر بالسحر، ومن فعل ذلك فقد أثم بل وقع في شراك الشرك.
نسأل الله جل في علاه أن يتم لنا التوحيد، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
[ ٦ / ١١ ]