المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد لله الهاد لأركان الجبابرة الشداد، القامع لأهل الإلحاد، بسيوف السنة الحداد، وأشهد أن لا إله إلا الله المفضل ١ الهاد وأشهد أن سيدنا محمدا عبده [ورسوله ٢] الداعي لسائر العباد، إلى سبيل الرشاد، صلى الله عليه، وعلى آله الخيرة الأمجاد، وصحابته الأبطال الأنجاد، وسلم تسليما يغلب التعداد، ويبقى على مر الآباد.
وبعد: فهذه رسالة سميتها: "تحذير العباد من أهل العناد، ببدعة الاتحاد أنفذتها الى العباد في جميع البلاد، الراغبين في الاستعداد ليوم المعاد، بموالاة أهل الوداد، وملاواة ٣ الأشقياء الأضداد، الضالين بنحلة الاتحاد، أرجو أن تكون ضامنة للإسعاد يوم التناد، فقلت: اعلموا أيها الإخوان الذين هم على البر أعوان، حفظكم الله ورعاكم، وصانكم من كل سوء، وحماكم؛ أنه لا يقوم على الأمر بالمعروف [والنهي عن المنكر ٤] إلا من جعل نفسه هدفا للحتوف ٥ وتجرع من مر الكلام ما هو أمر من السهام، فإن الناهي عن المنكر، يعاني الهوان الأكبر، بمعاداة كل شيطان من الإنس والجان، يقوم عليه الجيلان، ويرشقه بسهام الأذى القبيلان، شياطين الإنس ظاهرا بالمقال والفعال، وشياطين [الجن ٦] باطنا بما يوحون إليهم من الضلال.
_________________
(١) ١ لعلها المضل، فهكذا وردت في أول رسالته الأولى. ٢، ٤، ٦ كلها ساقطة من الأصل، والسياق يوجبها. ٣ يقال: لاوت الحية الحية ملاواة: إذا التوت عليها. ٥ جمع حتف وهو الهلاك، وقيل: هي مصدر بمعنى الحتف، وهو قضاء الموت "أساس البلاغة للزمخشري".
[ ٢ / ٢٠٧ ]
آيات سلى الله بها نبيه:
ولصعوبة المقام، وما فيه من الأخطار والآلام، سلى الله نبيه ﷺ، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٧-٩٩] وقال الله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٨] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ، وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١١-١١٣] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ، أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ [٦٣] زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١-١٢٣] إلى غير ذلك من الآيات والدلالات الواضحات، ففي الأنبياء الذين هم أشرف الخلق عليهم أفضل الصلاة والسلام مسلاة لأتباعهم، واعتبار بأحوالهم، واعتصام، وما أتى أحد قط أحدا١ بمخالفة هواه إلا ساءه٢ وأذاه إلا من عصم الله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ
_________________
(١) ١ في الأصل: أحد بالرفع، وهو خطأ. ٢ في الأصل: ساه.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] وهؤلاء الذين اتسموا بسمة الاتحاد، وقد ألفهم الطغام١ من الأنام؛ لما غرروهم به من إظهار التصوف، ليأخذوهم من المأمن، وما دروا أن الصوفية أشد الناس تحذيرا منهم، وتنفيرا للعباد عنهم.
الرأي في سلف الصوفية:
فإن المحققين منهم والمحققين٢ بنوا طريقهم على الاقتداء بالكتاب والسنة٣، كما نقل القاضي عياض في أوائل القسم الثاني من الشفاء فيما يجب من حقوق المصطفى -ﷺ- عن الحسن٤ ﵀ أنه قال: "إن أقواما قالوا: يا رسول٥ الله، إنا نحب الله، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وعنه أنه قال: "عمل قليل في سنة خير من عمل كثير من بدعة" وعن أبي عثمان الحيري٦ أنه قال: "من أمر على نفسه السنة قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة"، وقال سهل بن عبد الله التستري٧: "أصول مذهبنا ثلاثة: الاقتداء بالنبي -ﷺ- في الأخلاق والأفعال، والأكل من الحلال، وإخلاص النية في جميع
_________________
(١) ١ الأوغاد من الناس، مفردة طغامة، وهو يتطغم على الناس: يتجاهل عليهم "أساس البلاغة". ٢ كذا بالأصل: ولعل الثانية زائدة، أو لعلها: المتحققين. ٣ كتب الصوفية سلفهم وخلفهم تشهد عليهم بنقيض هذه الدعوى الكذوب وقد سبق بيان هذا. ٤ يعني: البصري. ولم يك صوفيا. ٥ في الأصل: برسول. وهي كما أثبتها في الشفاء. ٦ هو سعيد بن إسماعيل بن منصور. توفي سنة ٢٩٨هـ. ٧ توفي سنة ٢٧٣هـ.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
الأعمال١" وفي كتب القوم كالرسالة والعوارف٢ من ذلك شيء كثير، والشهادة على من قال: الحقيقة خلاف الشريعة بالزندقة٣، وأن الطرق كلها مسدودة إلا على من اقتفى أثر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٤، قاله الجنيد٥، وقال أبو عثمان الحيري: خلاف السنة في الظاهر علامة رياء في الباطن، وقال النوري٦: من ادعى حالا يخرجه من حد العلم الشرعي، فلا تقربن منه، وقال الخراز: كل باطن يخالفه ظاهر، فهو باطل، وقال القشيري: حكم الوقت فيما ليس لله فيه أمر، إذ التضييع لما أمرت به والإحالة على التقدير، وعدم المبالاة بما يحصل من التقصير؛ خروج عن الدين٧، وقال السهروردي في قوم تسموا
_________________
(١) ١ انظر ص٧جـ٢ الشفاء، وإذا كان هذا صحيحا، فلم يوجبون الاقتداء بالشيوخ وحدهم؟ ولم يأكلون السحت من صناديق نذور الأصنام؟ ولم يقصدون بالصلاة في مساجدهم وجوه الهامدين في الأضرحة؟! ٢ الرسالة لعبد الكريم بن هوازن القشيري. ولد سنة ٣٧٦هـ وتوفي سنة ٤٦٥هـ. والعوارف لأبي حفص شهاب الدين عمر بن محمد بن عبد الله السهروردي ولد سنة ٥٣٩هـ وتوفي سنة ٦٣٢هـ. ٣ إن من يقسم الدين إلى حقيقة وشريعة لا يقترف هذا إلا وهو يتصور المغايرة بين الاثنين، ويؤمن بهذه الغيرية، وكتب القوم جميعها طافحة بهذا مفضلة الحقيقة على الشريعة، وإلا فما فائدة التقسيم عندهم؟. ٤ انظر ص١٩ من الرسالة للقشيري. ٥ يسمونه سيد الطائفة. توفي سنة ٢٩٧هـ وكما نقل عنه القشيري هذا، فقد نقل عنه أنه سئل عن العارف فقال: من نطق عن سرك، وأنت ساكت!! والله وحده هو الذي يعلم ما تكن الصدور. ٦ أحمد بن محمد أبو الحسين. مات سنة ٢٩٥هـ. ٧ ولكن اسمع للقشيري يقول في رسالته ص٣١: "الكيس من كان بحكم وقته. إن كان وقته الصحو فقيامه بالشريعة وإن كان وقته المحو فالغالب عليه أحكام الحقيقة" ألا ترى القشيري هنا يؤكد المغايرة بين الشريعة والحقيقة، وأن العارف في المحو ترفع عنه تكاليف الشريعة؟
[ ٢ / ٢١٠ ]
بالملامتية١: "إنهم -في غرور- يزعمون أن الارتسام بالشريعة رتبة العوام، وهذا عين الإلحاد، وكل حقيقة ردتها الشريعة فهي زندقة٢" وكذا قال الشيخ [٦٤] عبد القادر الكيلاني، وقال القشيري: "من كان سكره بحظ مشوبا كان صحوه بحظ [صحيح٣] مصحوبا، ومن كان محقا في حاله، كان محفوظا في سكره، والعبد٤ في [حال٥] سكره يشاهد الحال، وفي حال صحوه يشاهد٦ العلم، إلا أنه في حال سكره محفوظ، لا بتكلفه، وفي حال صحوه متحفظ بتصرفه، ومن شرط الولي أن يكون محفوظا، كما أن من شرط النبي أن يكون معصوما": وإنما نقلت هذه النبذة الماضية من الشفاء٧، ليعلم أن طريق
_________________
(١) ١ اقرأ عنهم كتاب الدكتور عفيفي: الملامتية. ٢ ص٥٧ عوارف المعارف للسهروردي. ٣، ٥ ساقطتان من الأصل، وأثبتهما عن الرسالة للقشيري. ٤ في الأصل: وهو. والتصحيح من رسالة القشيري. ٦ في الأصل: بشرط. والتصحيح من رسالة القشيري. ٧ نقل المؤلف هذه النصوص ليقيم الحجة على الصوفية بشهادة أئمتهم، ولكن ما ينبغي أن تغرنا بالحق هذه النصوص، فإنما هي وجه إسلامي لقلب مجوسي، يحتدم حنقا على الكتاب والسنة، فالقشيري الذي يتراءى بتمجيد السنة هو الذي زعم في رسالته أن قبر معروف الكرخي يستشفى به، ونقل قول الكرخي للسري للسقطي: "يا سري. إذا كانت لك حاجة إلى الله فأقسم عليه بي" ويكفي هذا لإخراج المرء من زمرة المسلمين. ويقول السهروردي في عوارفه ص١٥٨ "وقد تقرر أن الوحدة والعزلة ملاك الأمر، ومتمسك أرباب الصدق" فأين الجمعة والجماعة والجهاد في سبيل الله؟ ثم يدعو السهروردي دعوة ما نوية صرفة فينسب إلى الرسول زورا أنه أباح العزوبة لأمته بعد المائتين، ويقول: سمعنا عن الجيلي أن بعض الصالحين قال له: لم تزوجت؟ فقال: ما تزوجت حتى قال لي رسول الله، فقال له: الرسول يأمر بالرخص، وطريق القوم: التزم بالعزيمة" يلتزم طريق القوم، ولا يلتزم أمر الرسول!! فهل تشم نفحة من السنة؟ لا بل يحموم المانوية الصرفة الداعية إلى القضاء على النوع الإنساني، وإبادة الجنس البشرى كله. وهذا يؤكد لك قوة الصلة، بين مجوسية ماني وبين التصوف.
[ ٢ / ٢١١ ]
الفقهاء، هي طريق الصوفية١، هذا ما بنى عليه الصوفية أمرهم، وأما هؤلاء الذين تشبهوا بهم، ونبه العلماء -حتى الصوفية- على أنهم ليسوا منهم، ودلسوا على الناس، ولبسوا أحوالهم، ليقطعوا الطريق على أهل الله، وهم يظهرون أنهم منهم.
منابذة الصوفية للعقل والشرع:
فأول ما بنوا عليه أمرهم ترك العقل٢ الذي بنى الله أمر هذا الوجود على حكمه بشرط استناده إلى النقل الذي أنزل به كتبه: وأرسل به رسله عليهم الصلاة والسلام، لئلا يزل العقل بما يغلبه من الفتور والشهوات والحظوظ، وجعل العقل حاكما٣ لا يعزل بوجه من الوجوه في وقت من الأوقات في ملة من الملل وضموا إلى ذلك٤ الداهية الدهياء، وهي ترك ما عطر الله ورسوله -ﷺ- الكون بمدحه، وملأ الوجود بذكر مناقبه وفضائله، وهو العلم والشرع
_________________
(١) ١ شتان شتان ما طريق الصوفية، وطريق الفقهاء، والصوفية أنفسهم يقرون بهذا، ويزعمون أن طريقهم هو الحقيقة لا الشريعة، ومتمسك الفقهاء هي الشريعة، والصوفية يرون المستمسك بالشريعة محجوبا عن الحقيقة، ثم ما لابن حنبل يأبى أن يسير في جنازة الحارث المحاسبي؟! إنه اشتم من كلامه نتن رائحة التصوف؟! ٢ مقياس الحقيقة ومصدر المعرفة عند الصوفية هو الذوق، وهذا سر ترديدهم لأسطورتهم: من ذاق عرف، أما العقل فيكفرون به، ويرونه حجابا يستر الحقيقة، كل هذا ليغروا من حكم العقل عليهم بالأفن والضلال. ٣ ما للعقل أن يحكم على الحقائق الشرعية، والقيم الدينية إلا بحكم الكتاب والسنة، لا كما يزعم الفلاسفة وغيرهم من علماء الكلام والأصول: وهو أن العقل أصل النقل وحاكم عليه. ٤ أي: إلى تركهم للعقل.
[ ٢ / ٢١٢ ]
وحذروا من اتباع شيء من ذلك غاية التحذير، فكانوا كالأنعام، بل هم أضل سبيلا، وذلك بيّن جدا في فصوص ابن عربي، ونظم تائية ابن الفارض اللذين قصد بهما هدم الشريعة، وكل منهما١ ثابت عمن نسب إليه عند أهله ثبوتا رافعا للريب والتائية متصلة بابن الفارض بالآحاد والتواتر.
موقف العلماء من ابن عربي وابن الفارض:
وقد كفرهما العلماء بسبب ما نقل من حالهما، وما صدق ذلك من كلامهما. أما ابن عربي، فالمتكلمون فيه كثير جدا، وكان له علم كثير في فنون كثيرة، وله خداع كبير غر به خلقا، فأثنى عليه لأجل ذلك ناس من المؤرخين٢ ممن
_________________
(١) ١ يعني: الفصوص والتائية الكبرى. ٢ كم سجل الهوى في التاريخ البطولة للرعديد، والقدسية للداعر، والعدالة للطاغية، والجماعة الإنسانية التي تتعدد، وتتباين فيها المقاييس الدينية والخلقية والاجتماعية تختلف على نفسها في تقدير قيم الحقائق والأشياء، وبالتالي فيمن تنسب إليهم هذه القيم إثباتا أو نفيا، لذا أمر الله سبحانه أن يجعل المسلمون كتاب الله وسنة نبيه حكما بينهم، يحتكمون إليها كما شجر بينهم خلاف، حتى يقوموا حقائق الأشياء بالحق والعدل، ويحكموا في أقضيتهم بالحق والعدل، فلا يبدد الخلاف وحدتهم، ولا يذهب بهم الهوى شيعا وأحزابا. وقد حدد الكتاب والسنة مفهوم التوحيد والشرك، ومفهوم الإيمان والكفر، بل والخير والشر، وضرب الله سبحانه لنا أمثالا ممن حكم عليهم بواحد منها. فبجانب نوح ﵇ ذكر ابنه وبجانب إبراهيم ﵇ ذكر أباه آزر، وبجانب موسى وهارون ﵉ ذكر الله فرعون وهامان وقارون، وبجانب محمد -ﷺ- ذكر أبا لهب بالاسم، وغيره بالصفة، وبجانب مريم وامرأة فرعون ذكر امرأة نوح وامرأة لوط، ذكر الأولون في مقام الثناء عليهم، وإسباغ الرضى والرحمة، وذكر الآخرون في مقام الذم وصب الغضب واللعنة عليهم، مع ذكر أسباب الثناء وأسباب الذم، لتكون لنا بالصالحين نعم القدوة، فنسعى سعيهم ما استطعنا، وفي الطالحين العظة =
[ ٢ / ٢١٣ ]
خفي عليهم أمره، أطبق العلماء على تكفيره وصار أمرا إجماعيا، وأما ابن الفارض فأمره أسهل، وذلك أنه لم يوجد لأحد من أهل عصره الخبيرين بحاله ثناء عليه بعدالة، ولا ولاية، ولا ظهر عنه علم من العلوم الدينية، ولا مدح النبي -ﷺ- بقصيدة واحد ة على كثرة شعره، فدل ذلك على سوء طويته، ونقل القدح فيه نقلا قطعيا عن محبيه ومبغضيه، فقد قال شراح تائية التابعون لطريقته والمنتقدون عليه من أهل السنة: إن أهل زمانه كلهم من أهل الشريعة، وأرباب الطريقة رموه بالفسق والإباحة والزندقة [٦٥] على الإجمال.
المكفرون لابن الفارض:
وأما التفصيل والتعيين فقد رماه بالزندقة بشهادة الكتب الموثوق بها نحو من أربعين عالما، هم دعائم الدين من عصره إلى عصرنا، فمن أهل عصره سلطان العلماء عز الدين [ابن] عبد السلام الشافعي، والحافظ الفقيه الأصول تقي الدين ابن الصلاح الشافعي، والإمام الفقيه المحدث الصوفي قطب الدين القسطلاني الشافعي، والإمام نجم الدين أحمد بن حمدان الحنبلي١ وشرح التائية، وبين
_________________
(١) = والعبرة، فنحذر مما أركسوا فيه، وبسببه لعنهم الله وطردهم من رحمته وبهذه المقاييس القرآنية يجب أن نؤمن، وبها يجب أن نقيس كل ما يعرض علينا من أمور الدين والحياة، فلا نفهم في التوحيد إلا ما بينه الله سبحانه به، وكذلك الشرك وغيرهما. ولا يخدعنا عن الحق الجلي من كتاب الله كهان ولا أحبار، ولا رهبان، وعلى هداية الحق ننقد التصوف، دون أن نعير التفاتا إلى ثناء المثنين، أو ذم الذامين، ما دمنا نحمل المشعل الوهاج من القرآن يكشف لنا ما خفي من أمر التصوف. فما يهم بعده ثناء الملايين على ابن عربي وابن الفارض، وكيف، ونحن نعرف قصة فرعون وقصة الوثنية، ونعرف بم حكم الله على الجميع!؟ فكل من نجده في دينه منتسبا إلى الفرعونية أو الوثنية، حكمنا عليه بحكم الله، وإن ضج الملايين من الصوفية. ١ من أئمة الفقه والأصول، ولي نيابة القضاء بالقاهرة. ولد سنة ٦٠٣هـ وتوفي سنة ٦٩٥هـ.
[ ٢ / ٢١٤ ]
عواره فيها بيتا بيتا، وأبو علي عمر بن خليل السكوني المالكي، والشيخ جمال الدين بن الحاجب المالكي.
وممن يليهم قاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق العيد الصوفي الشافعي، وقاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز الشافعي، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة الشافعي، والشرف عيسى الزواوي المالكي، والسعد الحارثي الحنبلي، والإمام أبو حيان الشافعي، وأبو أمامة ابن النقاش الشافعي، والحافظ شمس الدين الموصلي الشافعي، وشيخ الإسلام تقي الدين السبكي الشافعي، وشيخ الفقهاء الزين١ الكتناني الشافعي، والشيخ تقي الدين ابن تيمية الحنبلي.
وممن يليهم الكمال جعفر الأدفوي٢ الشافعي -ونقل ذم التائية عن العلماء- والبرهان إبراهيم السفاقسي المالكي، والشهاب أحمد بن أبي جحلة الحنفي، والحافظ شمس الدين الذهبي الشافعي، والحافظ عماد الدين بن كثير الشافعي.
وممن يليهم العلامة شمس الدين محمد العيزري٣ الشافعي، وشيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني الشافعي، وعلامة زمانه علاء الدين محمد البخاري الحنفي الصوفي، وكفر بعض من قال بحضرته: إن ذلك يؤول٤ وما أنكر عليه أحد ممن كان حاضره من العلماء تكفيره له، ولا غيرهم من أهل زمانه من مذهب من المذاهب، وما وسع المكفر إلى البراءة من الاتحادية، ومذهبهم.
وممن يليهم قاضي القضاة ولي الدين العراقي، وقاضي القضاة حافظ عصره.
_________________
(١) ١ في الأصل: الدين. ٢ ولد سنة ٦٨٥هـ، أو سنة ٦٧٥هـ، وتوفي سنة ٧٤٨هـ. ٣ ولد بالقدس سنة ٧٢٤هـ، وتوفي سنة ٨٠٨هـ ومن شيوخه ابن قيم. ٤ من قال بهذا هو شمس الدين البساطي كما ذكر المؤلف من قبل.
[ ٢ / ٢١٥ ]
شهاب الدين أحمد بن حجر الشافعي، وقاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي وقاضي القضاة شمس الدين البساطي المالكي، وعلامة اليمن بدر الدين حسين ابن الأهدل الشريف الشافعي الصوفي، كما شهد بهذا النقل عنهم نحو عشرين كتابا من مصنفاتهم، ومصنفات غيرهم من العلماء، وهي شرح التائية لابن حمدان، وديباجة ديوان ابن الفارض، ولحن العوام لابن خليل، وتفسير أبي حيان البحر والنهر والفرقان لابن تيمية١، وقصيدة السفاقسي التي يقول فيها:
وكالششتري القونوي ابن فارض فلا برد الله ثراهم، ولا أسقى
والقونوي الذي ذكره صدر الدين [٦٦] صاحب ابن عربي، وكتاب ابن أبي حجلة، والميزان ولسانه لابن حجر، والتاريخ لابن كثير بخطه، وناصحة الموحدين للعلاء البخاري، والفتاوي المكية للعراقي، وتاريخ العيني وشرح التائية للبساطي، وكشف الغطاء لابن الأهدل. فهذه ستة عشر كتابا وقصيدة شهدت بكفره من بضع وعشرين عالما، هم أعيان كل عصر.
موقف شيوخ المذاهب من ابن الفارض:
وممن كفره قاضي القضاة سعد الدين الديري الحنفي، وقاضي القضاة محقق زمانه شمس الدين القاياتي، ونادرة وقته عز الدين بن عبد السلام القدسي الشافعي والعلامة علاء الدين القلقشندي الشافعي، والشيخ يحيى العجيسي المالكي والعلامة
_________________
(١) ١ لا يكاد يخلو كتاب من كتب ابن تيمية من نقد الصوفية، وبيان عوارهم ويلاحظ أن البقاعي لم ينقل عن ابن تيمية سوى النذر اليسير، بل الذي لا يكشف تمام الكشف عن العبقرية المحلقة للإمام الجليل في نقده للتصوف بالعقل والنقل، وهذا يثير الدهشة من جانب البقاعي، أما نحن فيسرنا هذا حتى لا توضع خصومة ابن تيمية للتصوف موضع التهمة من الصوفية في هذا الكتاب.
[ ٢ / ٢١٦ ]
شمس الدين البلاطنيسي الشافعي شيخ الشاميين في وقته، وشيخ الإسلام عبد الأول السمرقندي الحنفي ابن صاحب الهداية، والعلامة الصوفي كمال الدين ابن إمام الكاملية الشافعي، والعلامة شهاب الدين بن قر الشافعي، والعلامة أبو القاسم النويري المالكي، كما شهد بذلك الثقات من أصحابهم.
فهؤلاء أعيان العلماء في عصر ابن الفارض، وفي كل عصر أتى بعده طبقة بعد طبقة إلى وقتنا هذا؛ وقد اجتمع فيهم أهل المذاهب الأربعة التي هي عمدة الإسلام١، فشهادة هؤلاء العلماء الموثوق بهم حجة على من قال بكفره، أما من لم ندركه فبشهادة الكتب الموثوق بصحة نسبتها إلى قائليها. وأما من أدركناه فبشهادة الكتب في بعضهم، وشهادة الثقاة في باقيهم٢، هذا إلى ما شهدت به شروح التائية كما يأتي.
تواتر نسبة ابن الفارض إلى الكفر:
فقد صارت نسبة العلماء له إلى الكفر متواترة تواترا معنويا. وقد علم بهذا عذر من كفره، لو لم يكن له سند غير هذا، فكيف وقد تأيد هذا بما في كلامه وكلام ابن عربي من الطامات التي منها منابذة العقل والشرع كما مضى؟
_________________
(١) ١ يسير المؤلف مع القافلة الشرود فيرى في المذاهب الأربعة عمدة الإسلام، وينسى الكتاب والسنة اللذين أمرنا الله سبحانه أن نرد إليهما كل شيء، ولو رددنا أمر الصوفية إلى بعض شيوخ هذه المذاهب -لا الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم- لوجدناهم يصححون له زندقته، أما الكتاب الكريم فقد حكم الله فيه بالكفر على القائل، الله هو المسيح، وابن عربي يقول: الله عين كل شيء. ٢ إن من يقرأ نصف بيت من تائية ابن الفارض، كقوله مثلا: فبي دارت الأفلاك أو: وفي الصحو بعد المحو لم أك غيرها. أو: وما زلت إياها. من يقر شيئا من هذا لا يتردد في الحكم على ابن الفارض أنه رجل انسلخ عن الإسلام. يحكم بهذا المسلم، بل غير المسلم ممن يقارنون بين التوحيد في القرآن، وبين الوحدة عند ابن الفارض. فما بالك، وقد حكم عليه كل أولئك العلماء؟.
[ ٢ / ٢١٧ ]
الضلال عند الصوفية خير من الهدى:
أما ما في الفصوص من ذلك، فقد قال في الفص النوحي في أثناء تحريفه لسورة نوح ﵇، التحريف الذي يكفر الإنسان بأدنى شيء فيه١: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٤] أي: حيروهم في تعداد الواحد ﴿وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾ المصطفين الذين أورثوا الكتاب، فهم أول الثلاثة ﴿إِلَّا ضَلالًا﴾ إلا حيرة، فالحائر له الدور والحركة الدورية حول القطب، فلا يبرح منه، وصاحب الطريق المستطيل مائل خارج عن المقصود طالب ما هو فيه، صاحب خيال إليه غايته، وله "من" و"إلى" وما بينهما، وصاحب الحركة الدورية لا بدء له، فيلزمه "من" ولا غاية له، فيحكم عليه "إلى" فله الوجود الأتم، وهو المؤتى جوامع الكلم والحكم" وقال: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح: ٢٢] لأن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو؛ لأنه ما عدم من البداية، فيدعى إلى الغاية، ادعوا إلى الله، فهذا [٦٧] عين المكر٢.
رب ابن الفارض أنثى:
وأما ما في التائية من ذلك فقال فيها مخاطبا لله تعالى -كما أجمع عليه شراحه- بضمير المؤنث من أولها إلى آخرها وهي نحو سبعمائة٣ بيت، ولو خاطب أحد من أهل الزمان غيره بمثل ذلك٤ قاتله، لكن الناس لا يحلمون إلا عند حقوق مولاهم سبحانه، وأما في حقوقهم، فهم في غاية الحدة والمشاححة٥، والله الهادي.
_________________
(١) ١ في هامش الأصل: لعله: منه. ٢ سبق نقل هذا عن ابن عربي وتعليقي عليه. ٣ بل تقارب الثمانمائة. ٤ أي: بمثل غزله الماجن في الذات الإلهية. ٥ مثال ذلك حنق الصوفية على كل من يذود عن الكتاب والسنة، ومن =
[ ٢ / ٢١٨ ]
تفضيل الزنديق نفسه على الرسل
قال
وحزني ما يعقوب بث أقله وكل بلا أيوب بعض بليتي
فضله الشارع على من ذكر في البيت كما هو ظاهر العبارة وعلل ذلك بقوله لقوة استعداده فسار في خطوة واحدة مالا يستطيعه غيره إلا في أزمنة طوال
وقال القاضي عياض في أواخر الشفاء من قال صبرت كصبر أيوب إن دريء عنه القتل لم يسلم من عظيم النكال وأقول فكيف إذا فضل نفسه وكذب نحو قوله ﷺ أشد الناس بلاء الأنبياء
الخلاعة سنة ابن الفارض
قال
وخلع عذارى فيك فرضي وإن أبى اقترابي قومي والخلاعة سنتي
وليسوا بقومي ما استعابوا تهتكي فأبدوا قلى واستحسنوا فيك جفوتي
وأهلي في دين الهوى أهله وقد رضوا لي عاري واستطابوا فضيحتي
فمن شاء فليغضب سواك فلا أذى إذا رضيت عني كرام عشيرتي
[ ٢ / ٢١٩ ]
ذللت بها في الحي حتى وجدتني وأدنى منال عندهم فوق همتي
وأخملني وهنا خضوعي لهم، فلم يروني -هوانا١بي- محلا لخدمتي
ومن درجات العز أمسيت مخلدا إلى دركات الذل من بعد نخوتي
فلا باب لي يغشى، ولا جاه يرتجى ولا جار لي يحمى لفقد حميتي
كأن لم أكن فيهم خطيرا، ولم أزل لديهم حقيرا في رخائي وشدتي
فحالي بها حال٢ بعقل مدله٣ وصحة مجهود، وعز مذلة
أسرت مني وصلها النفس حيث لا رقيب حجا سرا لسرى وخصت
يغالط بعض عنه بعضي صيانة٤ وميني في إخفائه صدق لهجتي
أجمع شراح التائية على أن المراد بالأبيات التسعة الأولى، أن طريقه هتك أستار الحرمة، والخرق في بعض النواميس الإلهية، وتخليته الناس مع ربهم من غير أمر بمعروف، ولا نهي عن منكر، ورضاه بكل ما يقع منهم لشهوده الأفعال
_________________
(١) ١ في الأصل: هو أناتي. ٢ أي: متزين. ٣ في الأصل: لعقل مدلة، والتصويب من الديوان. ٤ في الأصل: صبابة، ويقصد ببعضه الأول: نفسه، وبالآخر: عقله.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
كلها الواحد١ الحقيقي الظاهر في صور الكثرات، وعدم الالتفات إلى المترسمين من الزهاد والعباد، وكسر نواميسهم٢، والرد عليهم وعدم التقييد بظواهر العلوم والاعتقادات، فحملهم ذلك على أن رموه بالفسق والبدعة والكفر والإباحة والزندقة والخروج عن طريقهم، فذل بين حي أهل الشريعة والطريقة وأجمعوا٣ على أن المراد من الثلاثة [٦٨] الأخرى أن نفسه أسرت تمني الوصل، وتحققها بحقيقته حتى غاب عنها رقيب العقل؛ خوفا من إطلاعه على ذلك، فيغلب عليه حكم التنزيه، فيقوم بالمنع والتشنيع، فيقول٤: ما للراب ورب الأرباب، وأنه بالغ في الإخفاء خوفا من أن يتنبه العقل٥، فيقوم يشنع وينكر، فصار كل واحد من الصفات يغالط الآخر، وكذبه في هذا صدق لهجته.
وقال بعد ذلك بكثير:
ولا استيقظت عين الرقيب، ولم تزل علي بها في الحب عيني رقيبتي
قال التلمساني: "يعني لما سكرت روحي، ونامت عين الرقيب -وهو الشرع والعقل- أقمت عيني رقيبة علي، لرعاية آداب حضرة المحبوبة".
ذمه للرسل وللشرائع:
وقال في ذم الشرع أيضا:
_________________
(١) ١ لعله سقط قبلها: من، أو: فعل، أو: صادرة عن. ٢ في الأصل: نواميسم. ٣ أي: شراح التائية. ٤ أي: العقل. ٥ هذا إقرار صريح بأن نتائج التصوف تجافي العقل، فإذا كان دينهم يجانب الشرع والعقل. فماذا بقي؟
[ ٢ / ٢٢١ ]
منحتك علما إن ترد كشفه فرد سبيلي، واشرع في اتباع شريعتي
فنبع صداء١ من شراب نقيعه٢ لدي، فدعني من سراب بقيعة
ودونك بحرا خضته، وقف الأولى بساحله صونا لموضع حرمتي
قال الشراح: "إن معنى ذلك أنه منح أتباعه علما كما صداء، وهو ماء يضرب به المثل في الغزارة والعذوبة، ونهى عن متابعة غيره من علماء الظاهر من الأصوليين والفلاسفة والفقهاء، وغيرهم من أهل العلوم الفكرية، فإنها تغر السامع، وهي كسراب بقيعة ليست شيئا، وأنه خاض بحر التوحيد، وأخرج منه ما لم ينله أحد من السابقين من الأنبياء والأولياء لوقوفهم في ساحل ذلك البحر لأجل حفظ حرمته٣" ثم خادعوا٤ بأن قالوا: "قال هذا على لسان الحضرة المحمدية٥؛ إذ كمال التوحيد مختص بمقام جمعه، والكمل والتابعين إياه" ا. هـ.
وقد وقع من شرحه بذلك -مع الحيدة عما لا محيد عنه- في الكفر من
_________________
(١) ١ في الديوان: صدا بالقصر لضرورة الشعر، وهي صداء بالمد وتشديد الدال. ٢ في الأصل: نقيعة. ٣ أي: حرمة ابن الفارض. ٤ أي: شراح التائية. ٥ ظن المؤلف أنهم يقصدون بالحضرة المحمدية محمدا ﷺ، وهذا غير صحيح، فالصوفية يريدون بالحضرة المحمدية الذات الإلهية مع التعين الأول، ومن باطنها يزعمون أنهم يستمدون الفيوضات الإلهية مباشرة، فمعنى قول الشراح إذا: أنه قال هذا على لسان الله سبحانه، والدليل قولهم: مختص بكمال جمعه: أي: إنه هو الذات الكاملة التي جمعت بين الحق والخلق في أكمل ماهية.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
جهة أخرى، وهي أنه يلزم منه تفضيل أتباع النبي ﷺ على الأنبياء الماضين عليهم السلام١.
يفضل أتباعه على الرسل، وزندقته على شرعة الله:
ومن نمطه -لكونه لا ينفك عن كفره- قوله عقبه:
وأصغر أتباعي على عين قلبه عرائس أبكار المعارف زفت
فإن سيل٢ عن معنى أتي بغرائب من الفهم جلت، أو عن الوهم دقت
فإنه لا يصح على لسانه، ولا لسان غيره٣.
ثم قال في ذم الشرع والعلم.
ولا تك ممن طيشته دروسه بحيث استقلت عقله واستفزت
فثم وراء النقل علم يدق عن مدارك غايات العقول السليمة
تلقيته مني، وعني أخذته ونفسي كانت من عطائي٤ ممدتي
_________________
(١) ١ بل تفضيل نفسه على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى فرض صحة زعمهم أنه يتكلم بلسان محمد ﷺ، فإنه يكون بهذا قد تعمد الكذب على رسول الله، فهو -ﷺ- ما قال هذا الشعر الصوفي، وجزاء متعمد الكذب على الرسول الكريم معروف. ٢ أي: سئل. ٣ أي. ولا لسان محمد ﷺ، ردا على زعمهم أنه يتكلم بلسان الحضرة المحمدية. ٤ في الأصل: بالعطاء. والتصويب من الديوان. وابن الفارض يختار كلمتي الإعطاء والإمداد عن عمد آثم يدلك على مبلغ اعتقاده في أنه هو الله. إذ الله سبحانه هو الذي يقول عن نفسه تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ .
[ ٢ / ٢٢٣ ]
قالوا في معناه: "لا يستخفنك كثرة دروس العلوم النقلية، فوراءها علم مكنون أخذت ظاهره من حسي، وباطنه من عقلي، وسره من روحي، ومكنونه من سري من حيث أن كل واحد منها عيني وذاتي. ولا وصف، ولا نعت زائد علي حاكم بمغايرتي، وغيريتي إياها، فكنت المعطي، وكنت المعطى، وكنت الممد، وكنت المستمد، والفاعل والقابل١".
هذا أمرهم [٦٩] في الانسلاح من العقل.
الصلة بين التصوف والنصرانية:
وقد شهد عليهم العلماء بذلك. قال العلامة قاضي القضاة شمس الدين البسطامي في أول كتاب له في أصول الدين في المسألة السادسة من الكتاب الثاني في أنه سبحانه ليس متحدا بشيء: "واعلم أن هذه الضلالة المستحيلة في العقول سرت في جماعة من المسلمين، نشئوا في الابتداء على الزهد والعبادة -إلى أن قال- ولهم في ذلك -أي: الاتحاد بالمعنى الذي قالته النصارى- كلمات يعسر تأويلها، بل منها ما لا يقبل التأويل، ولهم في التأويل خلط وخبط كلما أرادوا أن يقربوا من المعقول، ازدادوا بعدا، حتى إنهم استنبطوا قضية حلت لهم الراحة، وقنعوا في مغالطة الضرورة بها بالمغيب، وهي أن ما هم فيه، ويزعمونه وراء طور العقل، وأنه بالوجدان يحصل، ومن نازعهم محجوب مطرود عن الأسرار الإلهية" وهكذا قال الشيخ سعد الدين في شرح المقاصد، والشريف في شرح المواقف٢.
ادعاؤه الربوبية
ولما تمهد له في زعمه٣ ادعى أنه الله؛ عنادا لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ
_________________
(١) ١ لو قرأت بإزاء هذا قول الله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لحكمت على هذا الرجل بآية واحدة بأنه خارج عن الإسلام. ٢ سيق ذكر نص العضد والسعد. ٣ أي: في زعم ابن الفارض.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١] ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] ولأمر١ رسول الله -ﷺ- في قتاله لكل من سمى شيئا غير الله إلها، فقال شعر:
فبي دارت الأفلاك عجبا لقطبها الـ ـمحيط بها، والقطب٢ مركز نقطتي
_________________
(١) ١ معطوفة على قوله قبل: لقوله تعالى. ٢ زيادة على ما ذكرته قبل عن القطب عند الصوفية أقول هنا: القطب عندهم نوعان. قطب قديم أو معنوي، وقطب حادث أو حسي. فإن كان بالنسبة إلى ما في عالم الشهادة من الخلق، فهو القطب الحادث أو الحسى، وهذا يستخلف بدلا منه عند موته أقرب الأبدال منه، إذ كان هو قبل القطبية بدلا، ثم استخلفه القطب الذي كان قبله عند موته، وإن كان بالنسبة إلى ما في عالم الغيب والشهادة من تعينات الوجود المطلق، فهو القطب القديم، أو المعنوي، لا يستخلف عنه بدلا، ولا يقوم أحد من الخلائق مقامه، إذ هو قطب الأقطاب المتعاقبة في عالم الشهادة، فلا يسبقه قطب ولا يخلفه آخر، أي: ليس قبله قبل، ولا بعده بعد والقطب القديم هذا هو الروح المصطفوي، أو الحقيقة المحمدية، أو هو الله -وسبحان رب العالمين- حين عرف نفسه في أول صورة تعين فيها، وسماها الحقيقة المحمدية، ومن خصائص هذا القطب القديم وجود كل الأفلاك بوجوده، ودورانها به، وحوله، وإحاطة علمه وقدرته بأقطارها، وسمو رتبته وشرفه عن ذرى رتبتها وسنام شرفها. وهنا يزعم لبن الفارض أنه هو هذا القطب القديم، يعني قطب الأقطاب، يعنى أنه الله سبحانه!! يزعم أن علمه محيط بكل شيء، وأن قدرته تصرف لمشيئته كل شيء، وأنه فوق كل شيء بالشرف والرتبة، وأنت -ولا ريب- على ذكر من أن الله سبحانه هو وحده الذي يحيط علمه بكل ما في عالم الغيب والشهادة وغير هذا مما لا يوصف به إلا الله ﷾ وحده. وأنت -ولا ريب- مدرك من قول ابن الفارض أنه ينسب كل هذه الصفات الإلهية لنفسه، فهل يجوز أن يعتريك وهم في أن ابن الفارض يقرر أنه هو الله ذاتا وصفة وعلما وقدرة، أعني له الربوبية والإلهية "انظر ص١٠٣جـ٢ كشف الوجوه الغر، لعبد الرازق القاشاني المطبوع على هامش شرح ديوان ابن الفارض ط ١٣١٠هـ المطبعة الخيرية" فعنه بخاصة كتبت ما كتبت عن القطب، وإن كان لنا شيء فالأسلوب وحده. كل هذا لنقطع على الصوفية سبيل ادعاء أن ما نقول مفترى عليهم، فلا والله ما نأخذ ما نكتبه عنهم إلا من كتب آلهتهم!!
[ ٢ / ٢٢٥ ]
فمن قال، أو من طال، أو صال إنما يمن بإمدادي له برقيقة
وما سار فوق الماء، أو طار في الهوا أو اخترق النيران إلا بهمتي
وعني من أمددته برقيقة تصرف١ عن مجموعة في دقيقة
ومني لو قامت بميت لطيفة لردت إليه نفسه، وأعيدت
ولا تحسبن الأمر عني خارجا فما ساد إلا داخل في عبودتي
فلا حي إلا عن حياتي حياته وطوع مرادي كل نفس مريدة٢
[ولولاي لم يوجد وجود، ولم يكن شهود، ولم تعهد عهود بذمة] ٣
ولا قائل إلا بلفظي محدث ولا ناظر إلا بناظر مقلتي
هذا لا يصح كونه عنه، ولا عن الله٤!!
زعمه أن صفات الله عين صفاته:
ويقول أيضا أن الله يتحد به، بحيث يصير الذاتان ذاتا واحدة، فمن ذلك قوله:
ولا منصت إلا بسمعي؟؟ سامع ولا با طش إلا بأزلي وشدتي
ولا ناطق غير، ولا ناظر، ولا سميع سوائي٥ من جميع الخليقة
_________________
(١) ١ في الأصل: في. ٢ في الأصل: أبيه. والتصويب من الديوان. ٣ هذا البيت ساقط من الأصل، وأثبته عن الديوان. ٤ هذا رد على زعم شراح التائية أن ابن الفارض يتكلم بلسان الحضرة الإلهية. ٥ في الأصل: سواي. وهي في الديوان كما أثبتها.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
وهأنا أبدي في اتحادي مبدئي وأنهي انتهائي في تواضع رفعتي
جلت في تجليها الوجود لناظري ففي كل مرئي أراها برؤية
وأشهدت غيبي إذ بدت فوجدتني هنالك إياها بجلوة خلوتي
فوصفي -إذ لم تدع باثنين- وصفها وهيئتها -إذ واحد نحن- هيئتي١
_________________
(١) ١ زعم الزنديق قبل أنه قطب الأقطاب، وأن له وحده القدرة المهيمنة، والعلم المحيط بما في عالمي الغيب والشهادة، وفي هذه الأبيات يوغل أيضا في التزندق إيغالا فاجرا، فيزعم أنه السيد لكل سيد، وأنه مفيض الحياة والوجود، وأنه المهيمن على إرادة كل مريد، فلولاه ما وجد موجود، ولا خلق كائن، ولا أخذ العهد على الآدمية أن تعبد الله، ولا دعا إلى الله -بالحق- نبي أو رسول. لأنه الآخذ لهذا العهد على عبيده، المرسل للرسل المانح المعطي كل كائن وجوده وحياته، ولما كان ابن الفارض يدين بأن الله سبحانه هو عين خلقه، وأنه -أي: ابن الفارض- هو الله، فقد هوى هنا في هذه الأبيات مع الزندقة إلى غورها السحيق، إذ يزعم أن ما تلفظه الشفاه هو في الحقيقة ألفاظ الله، وأن ما تسمعه الآذان، وتراه العيون، عين ما يسمع الله ويرى، بل الآذان والعيون هي في حقيقتها آذان الله وعيونه، وتعالى الله عما يشركون، مشيرا في لآمة ماكرة إلى الحديث القدسي "كنت سمعه..إلخ" ملمحا بهذه الإشارة إلى أن السنة تؤيد بهتان مجوسيته. وقد سبق الرد على ما يدندن به الصوفية حول هذا الحديث.. كل هذا يهدف به مخبول الزندقة، ليؤكد لك عشرات المرات أنه هو الله، ورغم جلاء الكفر الآثم في شعره، فإنا ما زلنا نسمع من الأحبار أن ابن الفارض سلطان العاشقين، في حين أن كفر ابن الفارض أشد جحودا، وأخبث وسيلة وغاية من كفر الشيطان، فإبليس في لحظة تحدي العبودية الآبقة للربوبية المهيمنة، لم يذهله التحدي عن عزة الله، وأنه سبحانه هو الأعظم الأكبر، فلم يقسم بغير عزة الله ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] وإبليس في لحظة الجحود والعناد لم يزعم لنفسه القدرة الشاملة، ولا التصرف الكامل، فقال: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ وإبليس في لحظة التخايل بالكبر المقيت، لم يزعم لنفسه أنه غني عن الله، ولا أن حياته طوع إرادته هو، فدعا الله سبحانه دعاء المفتقر إلى من يؤمن بأنه غني أن ينظره الله إلى يوم البعث ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦] فتأمل في كفر إبليس وكفر ابن الفارض، وثمت تقول مع الحق: وأين من كفر الزنديق كفر إبليس؟!!
[ ٢ / ٢٢٧ ]
فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن منادى أجابت من دعاني، ولبت
[٧٠] وإن نطقت كنت المناجي، كذلك إن قصصت حديثا إنما هي قصت
فقد رفعت تاء المخاطب بيننا١ وفي رفعها عن فرقة الفرق٢ رفعتي
فإن لم يجوز رؤية اثنين واحدا حجاك، ولم يثبت لبعد تثبت
سأجلو إشارات عليك خفية بها، كعبارات لديك جلية
وأثبت بالبرهان قولي. ضاربا مثال محق، والحقيقة عمدتي
بمتبوعة ينبيك في الصرع غيرها على فمها في مسها حين جنت٣
ومن لغة تبدو بغير لسانها عليه براهين الأدلة صحت
وفي العلم حقا أن مبدي غريب ما سمعت سواها، وهي في الحس أبدت
_________________
(١) ١ الخطاب يستلزم الاثنينية، إذ يقتضي وجود مخاطب، ومخاطب، لذا ينفي ابن الفارض الخطاب، ليثبت من وراء نفيه، أنه ما ثم غيره حتى يخاطبه، وإنما هناك ذات واحدة، هي الذات الإلهية المتعينة في صورة ابن الفارض، أو لعله يريد أن تاء المخاطب -وهي مفتوحة- تحولت إلى تاء المتكلم وهي مضمومة، فبدل أن يقول: أنت خلقت، أصبح يقول: أنا خلقت. ٢ الفرق عند الصوفية: "شهود قيام الخلق بالحق، ورؤية الوحدة في الكثرة، والكثرة في الوحدة من غير احتجاب صاحبه بأحدهما عن الآخر" جامع الأصول في الأولياء. فالفرق لا يزال مشوبا بالغيرية، لذا يزعم ابن الفارض أنه تسامى عن هذه المرتبة التي يشعر فيها السالك أن ثمت بينه وبين الله سبحانه وجها ما من وجوه الغيرية، وأنه في أفق يوقن فيه وتحقق منه أنه هو عين الذات الإلهية. ٣ سبق هذا البيت وتعليقي عليه.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
قال الإمام شمس الدين البساطي في شرح هذه الآيات: "ومن ظن هذا برهانا، فجنونه أعظم من جنون المتبوعة" وقال قبل ذلك:
زعمه أن الله سبحانه يصلي له:
ولا غرو أن صلى الأنام إلي أن ثوت بفؤادي، وهي قبل قبلتي
لها صلواتي بالمقام أقيمها وأشهد فيها أنها لي صلت
كلانا مصل واحد ساجد إلى حقيقته بالجمع١ في كل سجدة
وما كان لي صلى سواي٢ ولم تكن صلاتي لغيري في أدا كل ركعة
ثم قال بعد ذلك:
وفارق ضلال الفرق فالجمع، منتج هدى فرقة بالاتحاد تحدث
_________________
(١) ١ الجمع عند الصوفية: "شهود الحق بلا خلق، أو الإشارة إلى حق بلا خلق، وهو ما يسمى: وحدة الشهود" غير أن ابن الفارض يعني به هنا ما هو أشد كفرا، إذ يزعم أنه حين يسجد، فالساجد والمسجود له حقيقة واحدة هي الحق في صورة خلق، يعني الإله باعتبار الإطلاق، والإله باعتبار التعين في صورة ابن الفارض. ٢ فيما قبله عبر بقوله: كلانا مصل وكلا. والضمير الذي بهما يشعران بأنه ثم اثنان يؤديان الصلاة- وإن كان قد عقبه بما ينفي الاثنينية المفهومة من "كلانا" وهو قوله "واحد ساجد". غير أنه لم يكتف بهذا في نفي الاثنينية، فنظم هذا البيت "وما كان لي صلى سواي.. إلخ" توكيدا لنفي ما نفاه من قبل، وتوكيدا لمعنى الوحدة بينه وبين الله سبحانه، ومعنى قوله: احذر أن تفهم أن المصلى غير من صلى له، فإنما هما حقيقة واحدة تخدع غير العارف بتجليها في مظهرين غيبي وشهودي، أو مصلى له ومصل، المصلي أنا، والمصلى له أنا!! غير أني أقول للزنديق وعبيده: ما زال ثم غير. هو مكان الصلاة، فلا يثبت لك نفي الغيرية والاثنينية.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
رب الصوفية في صور العاشقات:
وصرح بإطلاق الجمال، ولا تقل بتقييده ميلا لزخرف زينة
بها قيس لبني١هام، بل كل عاشق كمجنون ليلى٢، وكثير٣ عزة
فكل صبا منهم إلى وصف لبسها بصورة حسن لاح في حسن صورة
وما ذاك إلا أن بدت بمظاهر فظنوا سواها، وهي فيها٤ تجلت
ففي النشأة الأولى تراءت لآدم بمظهر حوا٥ قبل حكم الأمومة
فهام بها كيما يصير بها أبا ويظهر بالزوجين سر البنوة
انظر إلى هذا التجاسر مع الكفر على صفي الله آدم ﵇ في وصفه
_________________
(١) ١ في الأصل ليلى، وقيس المذكور هو ابن ذريح أحد مشاهير العشاق. ما زال يشبب بلبنى بنت الحباب الكعبية، ويسعى سعيه حتى تزوج بها، ثم طلقها ثم تزوجها وكان في أيام معاوية "عن تزيين الأسواق للأنطاكي". ٢ المجنون هو عامر بن ملوح بن مزاحم، وصاحبته ليلى بنت مهدي بن سعد سلبه عشق ليلى رشده. وكانا في أيام مروان ومن شعره فيها: أراني إذا صليت يممت نحوها بوجهي وإن كان المصلى ورائيا وما بي إشراك ولكن حبها وعظم الجوى أعيا الطبيب المداويا ٣ هو كثير بن عبد الرحمن بن أبي جمعة الأسود بن عامر كنيته أبو صخر الشاعر المشهور، كان رافضيا شديد التعصب لآل أبي طالب. توفي سنة ١٥٠هـ. وصاحبته عزة بن جميل بن حفص بن إياس، ومن شعره فيها: الله يعلم لو أردت زيادة في حب عزة ما وجدت مزيدا رهبان مدين والذين عهدتهم يبكون من حذر العذاب قعودا لو يسمعون كما سمعت حديثها خروا لعزة ركعا وسجودا والميت ينشر أن تمس عظامه مسا، ويخلد أن يراك خلودا ٤ في الأصل: فيهم، والتصويب من الديوان، فالضمير يعود على المظاهر. ٥ يفتري أن الذات الإلهية تعينت لآدم في صورة حواء.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
بالهيام بالذات الأقدمين١ كما لا يخفى ولم لا يخفى:
وما برحت تبدو وتخفى لعلة على حسب الأوقات في كل حقبة
وتظهر للعشاق في كل مظهر من اللبس في أشكال حسن بديعة
ففي مرة لبنى، وأخرى بثينة وآونة تدعى بعزة. عزت
ولسن سواها، لا ولا كن غيرها٢ وما إن لها في حسنها من شريكة
كذاك بحكم الاتحاد، لحسنها كما لي بدت في غيرها، وتزيت
بدوت لها في كل صب متيم بأي بديع حسنه، وبأيت
وليسوا بغيري في الهوى لتقدم علي بسبق في الليالي القديمة
وما القوم غيري في هواي، وإنما ظهرت بهم للبس في كل هيئة
_________________
(١) ١ في الكلام خلل فلعله سقط منه شيء، ويعجب المؤلف من جسارة ابن الفارض على آدم، وليس بعجيب هذا من رجل قال قبل ذلك: إن الله هو جسد حواء!! وسبحان الله رب العالمين. ٢ يفتري الزنديق أن لبنى وبثينة وعزة وليلى ما هن إلا الذات الإلهية تعينت في صور هؤلاء الغواني العاشقات، وأن قيسا وجميلا وكثيرا وعامرا عشاق أولئك النسوة، ما هم إلا الذات الإلهية تعينت في صور هؤلاء العشاق، فمن خصائص الإله الصوفي أنه يتجلى في صورة رجل عاشق، وفي صورة امرأة هلوك عاشقة، وأنه حين يعشق فإنما يعشق نفسه، فهو العاشق والعشق والمعشوق. وابن الفارض يختار لفظ العشق عن عمد تثيره الغريزة الملتهبة، فالعشق كما يعرفه صاحب القاموس "إفراط الحب، ويكون في عفاف وفي دعارة، أو عمي الحس عن إدراك عيوبه أو مرض وسواس يجلبه إلى نفسه بتسليط فكره على استحسان بعض الصور" والصوفية المعاصرة تعيب علينا الإيمان بصفات الله كما هي في الكتاب والسنة، وترجف بنا باغية في كل ناد أننا نجسم الله! ومعاذ الله أن ننسب إليه إلا ما نسب هو سبحانه إلى نفسه. ألا فلينظروا إلى ربهم الذي صنعته زندقة ابن الفارض، إنه يصوره شهوة عارمة النزوات، وبهذا لقبوه بسلطان العاشقين.
[ ٢ / ٢٣١ ]
ففي مرة قيسا، وأخرى كثيرا وآونة أبدو جميل بثينة١
[٧١] تجليت فيهم ظاهرا، واحتجبت با طنا بهم، فاعجب لكشف بسترة٢
وهن، وهم٣ -لا وهن وهم- مظاهر لنا٤ بتجلينا بحب، ونضرة
فكل فتى حب أنا هو، وهي حـ ـب كل فتى، والكل أسماء لبسة
أسام بها كنت المسمى حقيقة وكنت لي البادي بنفس تخفت
وما زلت إياها، وإياي لم تزل ولا فرق، بل ذاتي لذاتي أحبت٥
وليس معي فى الملك شيء سواي والمعية لم تخطر على ألمعيتي
_________________
(١) ١ تكنى أم عبد الملك، وصاحبها جميل بن عبد الله بن معمر بن صباح وكلاهما من بني عذرة، قبيلة اشتهرت بالجمال والحب والعفة فيه، حتى قيل: هوى عذري، وجميل مضرب المثل في صدق الصبابة وعفة الحب، وكان وصاحبته في عهد عبد الملك بن مروان. ٢ دائما يذكر ابن الفارض عن نفسه باعتباره أحد تعينات الذات الإلهية أنه يتجلى في صور رجال عاشقين، أما حين يتحدث عن الذات مطلقا فيزعم أنها تتجلى في صور نساء عاشقات وما من شك في أنه يريد بهذا تفضيل نفسه على كل تعينات الإله الصوفي، إذ الرجل قيم على المرأة. ٣ العشيقات والعشاق الذين ذكروا قبل، والذين هم رمز عن الوجود المتعين. ٤ أي: الذات الإلهية باعتبارها وجودا خاليا من التعين، ولها باعتبارها خلقا سمي بابن الفارض. ٥ هذا وما قبله يؤكد أن ابن الفارض ممن يدينون بوحدة الوجود، لا بالاتحاد، ألا تراه يؤكد أن مظاهر الوجود المختلفة هي عين الذات، وأن الذات منذ أحبت أن تتعين وهي تتجلى في صور الوجود، وأن هذه الحقيقة -حقيقة تعين الحق في صور الخلق- لا يطيف بها وهم من الأوهام؟!
[ ٢ / ٢٣٢ ]
فهذا ظاهر في إرادة الاتحاد١ بحيث إن الذاتين تكونان ذاتا واحدة، لا شبهة فيه أصلا.
ثباته على اعتقاد الوحدة:
ثم قال في إثباته٢، ونفي الحلول:
رجعت لأعمال العبادة عادة وأعددت أحوال الإرادة عدتي
وعذت بنسكي بعد هتكي، وعدت من خلاعة بسطي، لانقباض بعفتي
وصمت نهاري رغبة في مثوبة وأحييت ليلي رهبة من عقوبة
وعمرت أوقاتي بورد لوارد وصمت لسمت، واعتكاف لحرمة
وبنت عن الأوطان هجران قاطع مواصلة الأحباب، واخترت عزلتي
ودققت فكري في الحلال تورعا وراعيت في إصلاح قوتي، وقوتي
وأنفقت من يسر٣ القناعة راضيا من العيش في الدنيا بأيسر بلغة
وهذبت نفسي بالرياضة، ذاهبا إلى كشف ما حجب العوائد غطت
وجردت في التجريد عزمي تزهدا وآثرت في نسكي استجابة دعوتي
متى حلت عن قولي: أنا هي، أو أقل وحاشا لمثلي أنها في حلت
جميع هذه الأفعال التي هي محاسن الشريعة جعلها نقائض، ودعا على نفسه بها٤، إن ادعى الحلول، أو حال عن دعوى الاتحاد.
_________________
(١) ١ الصور اللفظية لابن الفارض تشعر بهذا، أما معانيه وشرحه في القصيدة لمعتقده فيؤكدان إيمانه بالوحدة. ٢ أي: في إثبات الاتحاد، والحق أنها وغيرها في إثبات الوحدة. ٣ في الأصل: سر، والتصويب من الديوان. ٤ يدعو ابن الفارض على نفسه بالعودة إلى مرتبة العبودية المصلية الصائمة الذاكرة، المنطوية على أحزانها في كهف الزهد وغيابة الحرمان، يدعو بهذا على نفسه إن تحول يوما عما يدين به، وهو أنه هو الله سبحانه، أو كما يقول: متى حلت عن قولي: أنا هي! وجواب "متى" يدل عليه ما سبق من أول قوله: رجعت لأعمال العبادة إلخ.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
استدلاله على زندقته:
ثم قال بعد هذا بكثير في أواخر القصيدة، دالا على مذهبه فيما زعم:
وجاء حديث في اتحادي ثابت روايته في النقل غير ضعيفة
يشير بحب الحق بعد١ تقرب إليه بنفل، أو أداء فريضة
وموضع تنبيه الإشارة ظاهر بكنت له سمعا كنور الظهيرة
قال شارحه: "إن الحب ميل باطني أثره رفع امتياز المحب والمحبوب، ورفع ما بينهما٢، والمحب عين الحضرة الإلهية، والمحبوب ظهور كماله الذاتي والأسمائي، ولن يصح لقبول هذا الظهور المحبوب منصة إلا الحقيقة الإنسانية صورة ومعنى؛ لكمال جمعيتها، وتتميمها دائرة الأزلية والأبدية، والحديث المشير بهذا الاتحاد: لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا ولسانا ورجلا٣ وعبارة التلمساني في مقدمة شرحه: نص
_________________
(١) ١ في الأصل: عند. وهي كما أثبتها في الديوان. ٢ أي: رفع كل ما بينهما من فروق ذاتية وصفاتية، حتى تصير الذاتان ذاتا واحدة هي الحق متلبسا. بصورة خلقية قال الجنيد: ويسمونه سيد الطائفة، ويزعم من لا يستبطن خبيئة التصوف: أن تصوف الجنيد أقباس من السنة، "سمعت السري السقطي يقول: لا تصلح المحبة بين اثنين حتى يقول الواحد للآخر: يا أنا" بهذا يؤمن الجنيد وخاله السري السقطي، والقشيري ناقل هذا في رسالته في باب الحب، فتأمل متى بدأ التصوف ينفث زندقته! فالجنيد والسقطي من رجال القرن الثالث الهجري. وكلاهما يؤمن أن غاية الحب صيرورة العبد ربا، حتى يقول الرب للعبد، والعبد للرب: يا أنا! ٣ روي الحديث باختصار مخل، وليس في الحديث ذكر كلمة: لسان. وقد =
[ ٢ / ٢٣٤ ]
في المراد، وهي: "فالسمع والبصر، وغيرهما من الصفات في أي موصوف كان هو الله حقيقة" وسيأتي كلام القشيري [٧٢] والسهروردي: أن هذا زندقة، وساق ابن الفارض بعد الأبيات الماضية ما زعم أنه يدل على دعواه الاتحاد وأنه إذا دل على ذلك انتفى الحلول، فقال:
ولست على غيب أحيلك لا، ولا على مستحيل موجب سلب حليتي
وكيف، وباسم الحق ظل تحققي تكون أراجيف الضلال مخيفتي؟
وها دحية١ وافى الأمين٢ نبينا بصورته في بدء وحي النبوة
_________________
(١) = سبق الحديث وبيان سنده والرد على ما استنبطه منه الزنادقة. وأنقل لك هنا طرفا مما شرح به ابن قيم الحديث لترى كيف يفهم المؤمنون، ويهرف بالزندقة الصوفيون "وخص في الحديث السمع والبصر واليد والرجل بالذكر، فإن هذه آلات الإدراك وآلات الفعل، والسمع والبصر يوردان على القلب الإرادة والكراهة، ويجلبان إليه الحب والبغض، فتستعمل اليد والرجل، فإذا كان سمع العبد بالله وبصره به كان محفوظا في آلات إدراكه، فكان محفوظا في حبه وبغضه، فحفظه في بطشه ومشيه، فمتى كان العبد بالله هانت عليه المشاق، وانقلبت المخاوف في حقه أمانا، فبالله يهون كل صعب، ويسهل كل عسير، ويقرب كل بعيد، وبالله تزول الأحزان والهموم والغموم، فلا هم مع الله، ولا غم مع الله، ولا حزن مع الله. ولما حصلت هذه الموافقة مع العبد لربه في محابه، حصلت موافقة الرب لعبده في حوائجه ومطالبه، فقال: "ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه" أي: كما وافقني في مرادي بامتثال أوامري والتقرب إلي بمحابي، فأنا أوافقه في رغبته ورهبته فيما يسألني أن أفعل به، ويستعيذني أن يناله مكروه" اقرأ الشرح كاملا في الجواب الكافي لابن قيم ط السنة المحمدية ص٢٠٢ وما بعدها. ١ هو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة، صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق، وقيل: أحد. كان مضرب المثل في حسن الصورة، حتى كان جبريل ينزل بصورته، عاش ﵁ إلى خلافة معاوية "أسد الغابة، الإصابة، الاستيعاب" ٢ جبريل ﵇.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
أجبريل قل لي: كان دحية إذ بدا لمهدي الهدى في هيئة بشرية
وفي علمه عن حاضريه مزية بماهية١ المرئي من غير مرية
يرى ملكا يوحي إليه، وغيره يرى رجلا يرعى لديه لصحبة
ولي من أصح الرؤيتين إشارة تنزه عن رأي الحلول عقيدتي
يدين بتلبس الله بصورة خلقه:
قالوا: "إن المراد -كما هو ظاهر جدا- أن جبريل ﵇ ظهر في صورة دحية من غير حلول فيه، ولأجل ظهوره كذلك ادعى أن الله تعالى تجلى بصورة الناظم، لم يدع حلوله٢ فيه".
_________________
(١) ١ ماهية الشيء: حقيقته التي تقال في جواب: ما هو؟ ٢ مع كفره البين بقياس شأن الله على شأن عبده جبريل، وحكمه بوقوع تلبس الخالق بصور الخلق، قياسا على ما وقع لجبريل، إذ تلبس بصورة دحية. أقول: مع كفره بهذا، فالحديث ناطق بالحق يهدم ما بنى ابن الفارض ومخانيثه عليه من باطل، فهو لا يثبت إلا ظهور جبريل بصورة دحية، فلم يكن ثم -إذا- ذاتان اتحدت إحداهما بالأخرى، أو صورتان لحقيقة واحدة، وإنما كان ثم غيران منفصلان تمام الانفصال، ليسا متحدين لا في ذات، ولا في صفة، ولا في فعل بل ولا في ماهية أو هوية، ولكل منهما خصائصه، ومقوماته وحياته التي لا تشبه الأخرى في أدنى شيء، أو تقاربها، كان ثم الحقيقة الملكية، وكان ثم الحقيقة الآدمية. وهذا نقيض ما يدين به ابن الفارض، إذ يدين بالوحدة التامة بينه وبين الله في الهوية والماهية والذات والصفة، يؤمن بأن هذه الكائنات التي لا تتناهى هي عين الذات الإلهية. وأنت -ولا ريب- قد آمنت بأن الحديث حجة عليه لا له. ثانيا: فصل الرسول ﷺوهو سيد العارفين، كما يوقنون- بحكمه عن بينة بين جبريل، وبين دحية، وهذا الفصل يقتضي أن ذات جبريل غير ذات دحية، أعني يستلزم الغيرية بالحقيقية. وابن الفارض يدين بعدم الغيرية، وينكرها بتاتا. ثالثا: حينما ظهر جبريل بصورة دحية كان ثم أغيار كثيرون حقيقيون غيره. هم الرسول -ﷺ- وأصحابه، وكان ثم المكان. =
[ ٢ / ٢٣٦ ]
قال البساطي: "لكن دعوى تجلي الله بصورة ما مكفر بها١ شرعا بإجماع المسلمين والكافرين من آمن به، وإن لم يكن حلولا".
ثم قال: دالا على أن ما قاله بزعمه في الكتاب والسنة:
وفي الذكر٢ ذكر اللبس ليس بمنكر ولم أعد عن حكمي كتاب وسنة
وشرحه الشراح كلهم بقوله تعالى في الكتاب العزيز: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص: ٣٠]
_________________
(١) = والصوفية يدينون بأنه ما ثم غير من الأغيار، وإنما الكل عندهم عين الذات. رابعا: حينما ظهرت الملائكة لإبراهيم الخليل ﵇ ظنهم رجالا -والعارف الحق عندهم من لا تخدعه الصورة عن الحقيقة- فقدم لهم طعاما، فلم ينالوا منه شيئا، وهذا دليل على أن الملائكة -رغم ظهورهم في صور بشرية- ظلت على خصائصها الملكية، ولم تنزل على حكم البشرية، فتأكل وتشرب، في حين يدين الصوفية بأن الله سبحانه عين الماهية والهوية من كل موجود، وله خصائصه الحيوانية، والإنسانية، أو الجمادية، فيأكل ويشرب ويتزوج وغير ذلك. قال الحافظ بن حجر في الفتح "والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه" لكن الصوفية -يعبر عنها ابن الفارض وابن عربي وغيرهما- تدين بأن ذات الحق عين الخلق فيجوز عليها كل ما يجوز عليهم، فهي حقيقة القاتل من فاعل القتل، وشارب الخمر من شاربها، فما من فاعل يأتي بشيء، وما من مجرم يقترف إثما إلا وهو الله حقيقة عند الصوفية، وتعالى الله الملك الحق عما يصفون!! ١ سبق ذكر هذا النص وتعليقي عليه. ٢ القرآن. ٣ يفتري الزنديق أن من كلم موسى هي الشجرة، وأنها كانت هي الله سبحانه متجليا في صورة شجرة، ثم يأخذ من هذا الإفك الأثيم دليلا على دعواه، وهو تعين الله في صورة خلقية، وتجليه في صورة ابن الفارض، ورغم هذا البهتان المجوسي، فالآية تدمغهم، فإنها تثبت وجود أغيار كثيرة غير الرب الذي ظنوه شجرة. تثبت وجود موسى، والشاطئ، والبقعة المباركة، وابن الفارض ومخانيثه يدينون بأنه ما ثم غير أبدا، فعندهم أن الله سبحانه عين كل شيء. وهم يزعمون هنا أن الشجرة وحدها كانت هي الله، فما استدلوا به يناقض ما يدينون به.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ١ [الأنفال: ١٧]
_________________
(١) ١ يتخذ الصوفية -كدأبهم في التلبيس الزنديقي- من هذه الآية دليلا على أن فعل العبد عين فعل الله، ليثبتوا من ورائه أن ذات العبد عين ذات الله سبحانه وإليك ما يرد به الإمام ابن تيمية بهتانهم" قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ لم يرد به أن فعل العبد هو فعل الله، كما تظنه طائفة من الغالطين فإن ذلك لو كان صحيحا، لكان ينبغي أن يقال لكل أحد حتى يقال للماشي: ما مشيت، ولكن الله مشى، ويقال مثل ذلك للآكل والشارب والصائم والمصلي ونحو ذلك، وطرد ذلك يستلزم أن يقال: وما كفرت إذ كفرت، ولكن الله كفر، ويقال للكاذب.. ومن قال هذا فهو ملحد خارج عن العقل والدين. ولكن معنى الآية: أن النبي -صلي الله عليه وسلم- يوم بدر رماهم، ولم يكن في قدرته أن يوصل الرمي إلى جميعهم، فإنه إذا رماهم بالتراب، وقال "شاهت الوجوه" ولم يكن في قدرته أن يوصل ذلك إليهم كلهم، فالله تعالى أوصل ذلك الرمي إليهم بقدرته يقول: وما أوصلت إذ حذفت ولكن الله أوصل، فالرمي الذي أثبته ليس هو الرمي الذي نفاه عنه، وهو الإيصال والتبليغ، وأثبت له الحذف والإلقاء" باختصار قليل جدا عن مجموعة الرسائل والمسائل ص٩٦ جـ١ وأقول: تثبت الآية وجود رام، وشيء رمي، وقوم أصيبوا بما رمي، فعلى فرض صحة إفكهم أن الرامي هو الله في صورة محمد، فمن هم أولئك الذين رماهم الله؟ وما ذلك الشيء الذي رماهم به، أهم عين الله، أم هم غيره؟ إن قيل بالأول لزمهم كون ربهم من عتاة الجاهلية عباد الصنم، وأنه غلب على أمره. وأصيب بما لم يملك له دفعا. وهذا هو إله الصوفية الذي تصنعه الأوهام والشهوات. وإن قيل بالثاني لزم وجود غير، بل أغيار كثيرة، وهذا نقيض ما يدعونه، وهو أن الله سبحانه عين كل شيء، وتعالى الله عما يصفون.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
وقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ١ [الفتح: ١٠] وفي السنة حديث الإتيان في الصورة التي تنكر يوم القيامة، ثم في الصورة التي تعرف٢. ثم قال٣: "فعلم أنه تعالى يتلبس بأي لباس صورة شاء مما يعرف، ومما ينكر من غير حلول، فكان ظهوره بصورتي جائزا من غير حلول، فصح بهذا دعوى اتحادي مع نفي الحلول" ا. هـ. وليس وراءه تصريح بالكفر. نسأل الله العافية. وقالوا في شرح البيت الثاني٤: "إن الحق من أسماء الذات، ومن اتصف بأسماء
_________________
(١) ١ يزعم الصوفية أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ تؤيد بهتانهم في الاتحاد والوحدة، وإليك رد الإمام ابن تيمية عليهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ لم يرد به أنك أنت الله، وإنما أراد به أنك أنت رسول الله ومبلغ أمره ونهيه، فمن بايعك، فقد بايع الله، كما أن من أطاعك فقد أطاع الله، ومن ظن في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾ الآية: أن المراد به أن فعلك هو فعل الله، أو المراد أن الله حال فيك ونحو ذلك فهو مع جهله وضلاله بل كفره وإلحاده قد سلب الرسول خاصيته، وجعله مثل غيره، وذلك أنه لو كان المراد به أني خالق لفعلك، لكان هنا قدر مشترك بينه وبين سائر الخلق، وكان من بايع أبا جهل فقد بايع الله، ومن بايع مسيلمة فقد بايع الله، ومن بايع قادة الأحزاب، فقد بايع الله، وعلى هذا التقدير؛ فالمبايع هو الله أيضا، فيكون الله قد بايع الله، إذ الله خالق لهذا ولهذا، وكذلك إذا قيل بمذهب أهل الحلول والوحدة والاتحاد، فإنه عام عندهم في هذا وهذا، فيكون الله قد بايع الله، وهذا يقوله كثير من شيوخ هؤلاء الحلولية، حتى إن أحدهم إذا أمر بقتال العدو، يقول: أأقاتل الله؟! " باختصار قليل جدا عن مجموعة الرسائل والمسائل ص٩٧جـ١. ٢ سبق ذكر الحديث والرد على استدلال الصوفية به على معتقدهم. ٣ أي: شارح التائية. ٤ هذا البيت هو: وكيف، وباسم الحق ظل تحققي تكون أراجيف الضلال مخيفتي
[ ٢ / ٢٣٩ ]
الذات أعلى ممن اتصف بأسماء الصفات، وقد أخبر عن اتصافه باسم الحق -وهو الثابت بذاته، المثبت لغيره١- فلا يمكن أن يتغير عما ذهب إليه".
رأي القشيري والسهروردي:
وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري في شرحه للأسماء الحسنى: "إن العبد لا يجوز أن يتصف بصفات ذات الحق كما زعم بعضهم: أن العبد يكون باقيا ببقاء الحق، سميعا بسمعه، بصيرا ببصره٢، وهذا خروج عن الدين، وانسلاخ عن الإسلام بالكلية، وهذه البدعة أشنع من قول النصارى: إن الكلمة القديمة اتحدت بذات عيسى ﵇، وهي توازي قول [٧٣] الحلولية".
وقال السهروردي في الباب الحادي والستين من عوارفه في الكلام على المحبة، ما حاصله: "إن المحبة: التخلق بأخلاق الله، ومن ظن من الوصول غير ما ذكرنا، أو تخايل له غير هذا القدر، فهو متعرض لمذهب النصارى في اللاهوت والناسوت٣" وقال: "علم البقاء والفناء يدور على إخلاص الوحدانية وصحة العبودية، وما كان غير هذا فهو من المغاليط والزندقة٤.
وحدة الأديان عند ابن الفارض:
وعلى هذا الأصل المخبث الخبيث -وهو الاتحاد بين جميع الكائنات،
_________________
(١) ١ من هذا الغير؟ إن كان خلقا، فقد أقروا بأن الحق غير الخلق، وهذا نقيض دعواهم، وإن كان هو الحق نفسه، فقد أثبتوا أن ربهم يغاير نفسه، محتاج إلى من يمنحه الثبوت والوجود، وهذا أيضا نقيض دعواهم، فهم ينكرون الغيرية، ويسمونه الوجود المطلق. ٢ يعني: ما يدين به الصوفية، وهو أن سمع الله وبصره عين سمع العبد وبصره، إذ الحق عندهم عين الخلق. ٣ انظر ص٣٥٣ عوارف المعارف ط العلامية، وقد سبق لنا بيان فرق النصارى. ٤ ص٣٦٢ عوارف المعارف.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
وأنه لا غير، ولا غيرية في شيء من الوجود- فرع صحة كل دين١؛ لأن الفاعل عنده إنما هو الله، فأبطل دين الإسلام القائل بأن كل ما عداه٢ باطل، فصار المحامي له٣ خاذلا لمن ينصره٤، فإن من كفر ابن الفارض ساع جهده في نصر دين الإسلام، وتأييد النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وأغلب المحامين له يعتقدون أن دين الإسلام -القائل بضلال ما عداه- هو الحق، ويسعون في نصر من يصوب كل ملة، ويصحح كل نحلة، وهم لا يشعرون أنه قال في تصويب جميع الأباطيل. شعر.
شعره في وحدة الأديان:
وإن عبد النار المجوس وما انطفت كما جاء في الأخبار من ألف حجة
فما عبدوا غيري، وإن كان قصدهم سواي، وإن لم يعقدوا عقد نيتي
رأوا ضوء نوري مرة، فتوهمو هـ نارا فضلوا في الهدى بالأشعة
وإن خر للأحجار في البد٥ عاكف فلا وجه٦ للإنكار بالعصبية
فقد عبد الدينار معنى منزه عن العار بالإشراك٧ بالوثنية
_________________
(١) ١ هذا قول حق، فالصوفية آمنوا بوحدة الأديان -سماويها ووضعيها- لإيمانهم بوحدة الوجود، فرب الصوفية عين المسلم وعين المشرك وعين المجوسي، ولذا قالوا: الإسلام عين الشرك عين المجوسية عين البهائية، ولذا أيضا قالوا بنفي العذاب في الآخرة، إذ الإله لا يمكن أن يعذب نفسه!!. ٢ في الأصل: عدا. ٣ أي: لابن الفارض. ٤ أي: لمن ينصر الإسلام. ٥ بهامش الأصل "البد": بيت الأصنام وهو صحيح. ٦ في الأصل: فلا تعد بالإنكار، وهي كما في الديوان. ٧ في الأصل: في الإشراك.
[ ٢ / ٢٤١ ]
وإن نار بالتنزيل محراب مسجد فما بار بالإنجيل هيكل بيعة
وأسفار توراة الكليم لقومه يناجي بها الأحبار في كل ليلة
وما احتار من للشمس عن غرة١ صبا وإشراقها من نور إسفار غرتي
وقد بلغ الإنذار عني٢ من بغى وقامت بي٣ الأعذار في كل فرقة
فما زاغت الأبصار من كل ملة ولا راغت الأفكار في كل نحلة
قال شراحه: "إنه مهد في هذه الأبيات أعذار كل فرقة، وأن كل صاحب ملة ونحلة -وإن بطل سعيه- على نصيب من الهدى، فعباد النار غير مؤاخذين من جميع الوجوه، بل من وجه دون وجه، ولا لوم على أحد، بل لكل واحد وجه، ومحمل خير يحمل عليه، فكل يعمل على شاكلته، وكذا عابد الأصنام. قالوا: لا تنكر عليه، فإن أنكرت، لم يكن إنكارك إلا تعصبا؛ لأنك لا تنكر على المقبل على الدنيا، مع أنه أقوى شركا من عابد الصنم، وقالوا: كما أن القرآن نور المساجد، فكذلك الإنجيل نور المعابد. وقالوا نحو هذا في التوراة، وفي عابد الشمس: أنه بإثباته عين الألوهية لم يكن ناقصا، فقام له عذر من وجه من الوجوه. وذلك كاف للكريم" ولا يقول بشيء من هذا مسلم٤.
معاندته للتوحيد الحق:
وقد عاند التوحيد الحق في قوله:
_________________
(١) ١ في الأصل: غيره. ٢، ٣ في الأصل: مني-ب. ٤ بل لا يقول به يهودي أو نصراني، والبهائية على خبث معتقدهم، ورغم أنهم امتداد للصوفية لا يقولون بهذا، وإنما القائل به في كل أمة هم الصوفية.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
ولو أنني وحدت ألحدت١ وانسلخـ ـت من آي جمعي مشركا بي صنعتي
قالوا في شرحه: "لو أنني أثبت وحدة الذات الحق المطلوب المحبوب، ونفيت كثرة نسبه عنه، كما أثبتت ونفت المنزهة٢، وبعض الفلاسفة، لكنت مائلا عن سنن الاستقامة؛ لأني أثبت لنفسي وغيري وجودا يقابل وجود الحق" وهذا عين الإلحاد والشرك، فليس وراء هذا كفر، فإن كان هذا مما يفهمه المنازع٣، كما يفهم الذاب عن الشارع، فقد علم منابذته لله، ولرسوله ﷺ، وإن كان لا يفهمه، ويدعي أن له معنى حسنا، فيكفيه أنه يخوض بالجهل فيما هو أخطر الأشياء، وهو أصول الدين الذي في الزلة فيه ذهاب الروح والدين، وهو معاند بمنازعته لقوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦]، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونٌَ﴾ [البقرة: ١٦٨، ١٦٩]، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا
_________________
(١) ١ يرى في التوحيد الحق الذي جاء به الرسل جميعا عن الله إنه إلحاد، وهذا هو دين الصوفية سلفهم وخلفهم، ألا تسمع عواء الصوفية تحت قباب الطواغيت، وهم يقيئون صلوات ابن بشيش التي يقول فيها: "زج بي في بحار الأحدية، وأنشلني من أوحال التوحيد، وأغرقني في عين بحر الوحدة حتى لا أرى ولا أسمع، ولا أجد، ولا أحس إلا بها" يرون توحيد الرسل أوحالا من الطين، ويدعون الله أن ينشلهم منها؟ ومتى يدعون، والليل لما يهتك كله السحر عن مهده!! هذا لأن التوحيد الحق يثبت لله وحده الربوبية والإلهية، أما الصوفية فيدعون أن يكون حتى الدراويش منهم أربابا وآلهة، وهذا معنى قولهم: "وأغرقني في عين بحر الوحدة" بلا يريدون أن يكونوا وجودا مطلقا "وزج بي في بحار الأحدية". ٢ الذين ينزهون الله سبحانه عن مشابهة خلقه، ويثبتون له سبحانه، ما أثبت لنفسه من صفات. ٣ أي: المنازع في كفر ابن الفارض.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الاعراف: ٣٣] ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] .
ويكون١ تابعا لمجرد العصبية، وحمية الجاهلية، مع أنك لا تجد من يحامي عنه إلا منهمكا في الفسوق والبغي والعقوق، أو قريبا منه، تبعا له في قوله:
دعوته إلى المجون
وينبيك عن شأني الولدي وإن نشأ بليدا بإلهام كوحي وفطنة
ويعرب عن حال السماع بحاله فيثبت للرقص انتفاء النقيصة
ولا تك باللاهي عن اللهو جملة فهزل الملاهي جد نفس مجدة
وإياك والإعراض عن كل صورة مموهة، أو حالة مستحيلة
قالوا في شرحه: "إن الطفل يبين بحاله من الإصغاء إلى المناغي عن حال أهل السماع والرقص، فيثبت بهذا انتفاء النقص خلافا لما قاله المحجوبون، ولما كان سماع الطفل ورقصه بريا عن الشهوة والرئاء٢ كان معربا عن صحة حال سماع الواجدين، ورقصهم٣ وهزل الملاهي جد نفس مجدة، فلا تكن غافلا.
_________________
(١) ١ أي: المنازع في كفر ابن الفارض، وهو معطوف على قوله قبل: يخوض بالجهل. ٢ في الأصل: الرئا. ٣ يدعو ابن الفارض -متوهج المجون- إلى إلهاب شهوات النفس، واستشارة غرائزها الجامحة بالرقص العربيد والغناء الطافح بالشهوة، ويلح في هذه الدعوة الآثمة، إذ الرقص في دينه معارج الروح إلى أفق رحموت ملكوت الأحدية!! بل يوقن أن الرقص والغناء فيض إلهي يجب أن تتلقاه أرواح العارفين بالبهجة والنشوة!! وأمس كان يدعو عبد المرأة والشهوات إلى مثل هذا فيستنكر منهم هذا الإثم بعض العلماء، وتثور بها بعض الجماعات الدينية، بل -واعجب معي بعض الصوفية، غير أنهم- إذا قيل لهم: إن ابن الفارض =
[ ٢ / ٢٤٤ ]
عنه، فإنه فائض من الأسماء الإلهية، وما يفيض من الحق إلا ما هو حق لا باطل.
الباطل إله الصوفية:
ولذلك قال ابن عربي "لا تنكر الباطل في طوره، فإنه بعض ظهوراته"١ فقد أفاد هذا أنهم يعتقدون: أن الباطل هو الله، ولو لم يكن في هذا إلا أنه٢ يدعو إلى البطالة والخلاعة والضلالة، لكان كافيا في استهجانه [٧٥] ومنابذته للدين.
وقد نقل شيخنا حافظ العصر ابن حجر في لسان الميزان أنه كان لهذا الناظم جوار في البهنسة موظفات للغناء والضرب بآلات الملاهي، وكلما ماتت واحدة منهن اشترى بدلها أخرى، وكان يذهب إليهم في بعض الأوقات، فيسمعهن، ويرقص على غنائهن، ويرجع٣.
المناضل عن ابن الفارض:
فالمناضل عنه مسارع إلى شكله، ومضارع لمن كان فعله كفعله، كما قال علي
_________________
(١) = شيطان هؤلاء، وداعيتهم إلى التلطخ بهذه الردغة، أقلقوا مضاجع الليل بالاستغفار أن ذكر سلطان العاشقين أمامهم بسوء!! في حين أن دعوته أدهى شرا ما يدعو إليه المجان عبيد الغواني، فهو يصور الرقص تنفث به المرأة سم الجريمة، والغناء تتجاوب معه أحط الغرائز، والعشق يرويه دم الأعراض، يصور كل هذه الموبقات على أنها سبحات الإشراق الأسمى، وفيض إلهي يصل العارف بالملأ الأعلى يجعل اقتراف ذلك الإثم مظاهر تبتل، ومحراب تأله وتعبد، على حين يصفها المجان بأنها علائم حضارة، ودلائل مدنية! فأي الدعوتين أطغى شرا، وأخبث كفرا؟! ١ أي: بعض تعينات الإله الصوفي. ٢ يعني: ابن الفارض. ٣ ذكر الحافظ في اللسان: أنه نقل هذا عن كتاب التوحيد للشيخ عبد القادر القوصي.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
﵁ بعد قدومه الكوفة بثلاثة أيام: "قد عرفنا خياركم من شراركم، قالوا: كيف؟ وما لك عندنا إلا ثلاثة أيام، قال: كان معنا خيار وشرار، فانضم خيارنا إلى خياركم، وشرارنا إلى شراركم" وحديث: "الأرواح جنود مجندة" ١ الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أعدل شاهد لذلك ويتعين على كل مسلم إنكار ما أنكره الشرع من مثل هذا.
قوله يوجب إراقة دمه:
وقد اعترف هو أن ما قاله موجب لإراقة الدم، وأنه قاله في الصحو والإفاقة لا في السكر والجذبة، فقال:
وثم أمور ثم لي كشف سترها بصحو مفيق عن سواي تغطت
بها لم يبح من لم يبح دمه وفي الإ شارة معنى ما العبارة حدت
قالوا في شرحه: "أي انكشفت لي أمور وأسرار بواسطة الصحو الذي حصل لي بعد السكر والإفاقة، وهي متغطية عن غيري من المحجوبين، ولم يظهر تلك الأسرار إلا من أباح دمه للمحجوبين٢، فإنهم يقتلون العارفين الذين باحوا بأسرار التوحيد٣" وقد صرح بأن ما يقوله حقيقة لا مجاز، فقال:
عليها مجازي سلامي، فإنما٤ حقيقته مني علي تحيتي
_________________
(١) ١ نص الحديث: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف" ولم يروه الشيخان -كما ذكر- عن أبي هريرة، وإنما رواه عنه مسلم وأبو داود، أما البخاري، فرواه عن عائشة ﵂. ٢ يعني: المعتصمين بكتاب الله، والمستمسكين بظواهر الشريعة المؤمنين بالله وحده ربا، وبالخلق عبيدا لله رب العالمين. ٣ أسرار التوحيد عندهم: اعتقاد أن الله سبحانه عين خلقه، وعن هذه المرتبة يقول الغزالي: إنها سر، وإفشاء سر الربوبية كفر. ٤ في الأصل: لإنما، وهي في الديوان كما أثبتها.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
قال الشراح: "أي: على حضرة المحبوبة سلامي في قولي: التحيات إلى آخره؛ مجاز لأنها عيني، لا غيري، فحقيقة السلام مني، وإلي" وقد مثلوا كون التشخص مجازيا، والإطلاق حقيقيا بأن الروح الكلي الذي هو الإله عندهم كالبحر، والأشخاص الناشئة عنه مثل البخار الصاعد من صورته البخارية ثم في صورة السحابية، ثم يرجع إلى الماء، ويختلط بالحبر، فيصير إياه، وهو بخار وسحاب حقيقة، وتلك الصورة العارضة مجاز١!!
فأين هذا الانهماك في اللذة قولا وفعلا، والانقياد للهوى عقدا وحلا، من رتبة الولاية التي يدعيها المتعصبون له، التي من شرطها الإعراض عن الانهماك في اللذات الدنيوية ومن رتبة الولاية التي يدعيها هو؟
_________________
(١) ١ مراده من هذا: إثبات أن المغايرة بين الحق والخلق مغايرة وهمية، أو اسمية، أو صورية، ويشبهها بالمغايرة بين الماء المطلق، وبينه في حال تعينه بصورة بخارية، أو سحابية. فالكل حقيقة واحدة، هي الماء، ولكنها تعينت مرة في صورة بخار، وأخرى في صورة سحاب، وكذلك الذات الإلهية عندهم، فإنها هي وذوات الخلق واحد في الحقيقة، كثير بالاعتبار، فهوية الحق قبل التعين تسمى وجودا مطلقا، أو حقا، ثم سميت خلقا بعد التعين، فهما واحد في الحقيقة، غيران بالنسب والإضافات. يقول التلمساني: البحر لا شك عندي في توحده وإن تعدد بالأمواج والزبد فلا يغرنك ما شاهدت من صور فالواحد الرب ساري العين في العدد وأقول: هذا المثل حجة على الصوفية، فالماء لا يصير بخارا من نفسه، بل بتأثير شيء آخر خارج عنه يخالفه في حقيقته: هو الحرارة، وكذلك في صيرورته سحابا، فالمؤثر في هذه الصيرورة شيء غير الماء يخالفه في الحقيقة، فالمثل إذا يثبت وجود غيرين هما غير الماء حقيقية وصورة. والصوفية ينكرون الغيرية والكثرة، والمثل كما رأيت يثبتهما، ويثبت أيضا أن الماء في صيروراته يخضع لمؤثر خارجي، وهذا يستلزم كون رب الصوفية يتأثر بغير حقيقي خارجي. فما ذلك المؤثر، أو من هو؟
[ ٢ / ٢٤٧ ]
ومن هنا تعلم أنهم١ لا أرضوه، ولا أرضوا الله ورسوله ﷺ، ولا أحدا من المؤمنين، فإنه هو لا يرضى إلا أن يكون خليعا، وهم يقولون: متقيد، وهو يقول: أن ما قاله مبيح للدم، وهم يقولون: لا يبيحه، وهو يقول: إنه عاقل صاح، وهم يقولون: مجنون [٧٦] سكران، وهو يقول: إن ما قاله: حقيقة، وهم يقولون: مجازا٢، ولا يقدرون على تخريجه على المجاز وهو لا يرضى إلا أن يكون هو الله، وينهى عن ذكره بغير.
لماذا يزجر عن تكنيته بكنية، أو تلقيبه بلقب
وألغ الكنى عني ولا تلغ أكلنا٣ بها، فهي من آثار صيغة صنعتي٤
وعن لقبي بالعارف ارجع فإن ترى التـ ـنابذ بالألقاب في الذكر تمقت
قال شراحها: "أي: أسقط الكنى عني، ولا تستعمل اللغو في إطلاقها على حال كونك عييا٥ عن الكلام في تعريف مقامي، فإنها من آثار مصنوعاتي، إذ الإنسان صاغها، وهو من جملة مصنوعاتي التي أوجدتها، وارجع عن إطلاقك علي اسم العارف؛ لاتحادي بذات من لا يطلق عليه هذا الاسم".
فلم يدع جهدا في زجرهم عن تسميته بالعارف، ولم يدع النبي -ﷺ- لبسا في أمرهم بتكفيره، وهم٦ يعصون كلا من الأمرين،
_________________
(١) ١ يعني: شارح التائية. ٢ الحق أن أكثر الشراح للتائية يدينون بأن قول ابن الفارض في الاتحاد والوحدة حقيقي، لا مجازي. والقائلون بالمجاز قلة من منافقي الصوفية خشية على السحت الذي يأكلون به مال اليتامى والأيامى. ٣ يقصد: الإنسان. ٤ لا تلغ: لا تكلم باللغو. والألكن: الثقيل اللسان في التكلم. ٥ في الأصل: عيبا. ٦ أي: اتباع ابن الفارض.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
ولا يرجعون عن شيء من المنهيين، فيا خسارتهم بما ضروا به أنفسهم فيما لا ينفعهم، كما قال تعالى فيمن يعبد الله على حرف: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ، يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١٢، ١٣] .
زعمة أنه عرج إلى السماء:
وادعى العروج إلى الله، والوصول إلى مقام: أو أدنى، ١ فقال:
ومن أنا إياها، إلى حيث لا إلى عرجت، وعطرت الوجود برجعتي
قالوا في شرحه: "عرجت من مقام: أنا إياها -وهو ابتداء الاتحاد- ومن قولهم: أنا الحق٢، ولا إله إلا أنا فاعبدني٣، إلى أن وصلت إلى مقام لا نهاية فيه، وعطر الوجود برجوعه، لاتصافه بصفات الرحمن٤، واتحاده. بذات الملك الديان".
_________________
(١) ١ يقرر المؤلف ما زعمه ابن الفارض من العروج إلى السماء، ووصوله إلى مقام "أو أدنى" المشار إليه بقوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ ويعني به ابن الفارض: الدنو من الله، لا من جبريل كما هو الحق. والكمشخانلي الصوفي يشرح هذا المقام في كتابه: جامع الأصول في الأولياء، فيقول: "هو مقام القرب الأسمائي باعتبار التقابل بين الأسماء في الأمر الإلهي، المسمى: بدائرة الوجود، كالإبداء والإعادة والعروج والفاعلية والقابلية، وهو الاتحاد بالحق مع بقاء التمييز والاثنينية الاعتبارية. هناك الفناء المحض، والطمس الكلي للرسوم كلها" ومن هنا تدرك لم ادعى ابن الفارض أنه وصل إلى هذا المقام ثم رجع منه، إذ لم يرتض حتى الاثنينية الاعتبارية، أو بقاء التمييز بينه وبين الله سبحانه بوجه ما. وكيف يرتضيه وهو يفتري أنه هو الله ذاتا وصفة وخلقا؟. ٢ كفر الحلاج. ٣ قول طيفور الشهير بالبسطامي عن نفسه. ٤ يزعم أنه عاد من مقام أو أدنى -وقد ذكرت مرادهم منه- رحمانا. =
[ ٢ / ٢٤٩ ]
والبيت الذي بعده أشد كفرا١، ثم قال:
ولي عن مفيض الجمع عند سلامه علي بأو أدنى إشارة نسبة
قالوا في شرحه: "إنه لما فني في النبي ﷺ، ثم بقي به حصة بمشاركته في قبول عين السلام من حيث عين ذلك المقام -وهو مقام: أو أدنى-
_________________
(١) = وقد اختاروا تسميته بهذا الاسم بالذات، لأن الرحمن عندهم: "اسم الحق باعتبار الجمعية الأسمائية التي في الحضرة الإلهية: الفائض منها الوجود وبقية الكمالات على جميع الممكنات" فهو مرادف للوجود المطلق، وقد سبق البيت الذي نقله المؤلف عن ابن عربي من الفصوص، والذي يقول فيه: فكن حقا، وكن خلقا تكن بالله رحمانا وهكذا يتغالى الصوفية في الزندقة حتى ليأبى الواحد منهم أن يقال عنه: إنه إله تعين في صورة خلقية، ولا يحب إلا أن يقال عنه: إنه هو الوجود المطلق، أو هوية الحق قبل أن تتعين في شيء ما، حتى في الحقيقة المحمدية. ١ هذا البيت هو. وعن أنا، إياي لباطن حكمة وظاهر أحكام أقيمت لدعوتي ويريد الزنديق بهذا: أنه نال كل مراتب التوحيد، حتى بلغ المرتبة الأخيرة منه فالأولى: فناء عين التفرقة وبقاء أثرها. وصاحب هذه المرتبة يقول: أنا الحق، أو أنا الله. ولكن هذه قضية ذت محمول وموضوع، والحمل يستلزم الاثنينية نعم هو حمل صوري لأن المحمول عين الموضوع. ولكن اختلاف لفظيهما يوهم الغيرية. لذا يرفض الزنديق هذه المرتبة. الثانية: فناء التفرقة عينا وأثرا. وصاحب هذه المرتبة يقول: أنا أنا. ولكن ما زال ثم قضية فيها محمول وموضوع ولذا يرفض الزنديق هذه المرتبة أيضا. الأخيرة: وهذه لا تسعف فيها العبارة، ولا تومئ إليها إشارة، وغاية ما يستطيع العارف عندهم هو أن يقول عن نفسه: أنا فحسب، غير مدرك بإدراك ما، ولا شاعر بشعور ما: أن هنالك ما يمكن أن يحمل عليه، أو يوضع له، إذ ما ثم غير ولا سوى. هذا هو مراد الزنديق. غير أنه يزعم أنه رضي وتنزل إلى مرتبة التعين في الخلق، ليبرز مكنون قدرته، وإمكانيات وجوده المطلق الأول.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
فإنه جل جناب هذا المقام من أن يطلع عليه إلا واحد بعد واحد، فالواحد السابق هو ﷺ، والواحد اللاحق به:١ أنا إن شاء الله تعالى من جهة غرقي في لجيته" ا. هـ.
وقال عياض في أواخر الشفاء: وكذلك -أي: يكفر- من ادعى مجالسة الله تعالى، والعروج إليه، ومكالمته، أو حلوله في أحد الأشخاص، كقول بعض المتصوفة٢.
لا شيء على من يكفر ابن الفارض:
وأما من أنكر عليه لأمثال ما رأيته من الألفاظ الصريحة بالنص في الكفر، فلا شيء عليه بإجماع المسلمين بقاعدة من كفر مسلما متأولا، فلا أضل ممن ترك طريقا مضمون السلامة، واتبع طريقا أخف أحواله أنه مظنون العطب والملامة [٧٧] ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح، على تقدير تسليم أن يكون لهم فيما هم فيه مصلحة، ولي فيه -والله- مصلحة بوجه، فقد اعترف كل من يحامي له أن ظاهر كلامه منابذ للكتاب والسنة، وإلا لما احتاجوا إلى ادعاء تأويله، مع أن الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الذي ما سلك فجا إلا سلك الشيطان فجا غير فجه٣، قد أنكر التأويل لغير كلام المعصوم٤، ومنع منه ﵁، وأرضاه، وأهلك كل
_________________
(١) ١ يعني: ابن الفارض لأنه يتكلم بلسانه. ٢ ص٢٩٨ جـ٢ الشفاء ط تركيا. ٣ إشارة إلى الحديث المتفق عليه بين البخاري ومسلم، وفيه: أن النبي -ﷺ- قال لعمر: "إيها يابن الخطاب! والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط إلا سلك فجا غير فجك" والفج: الطريق الواسع، أو المكان المتخرق بين الجبلين. ٤ بل ما ثبت عن عمر، ولا عن غيره من الصحابة والتابعين لهم بإحسان =
[ ٢ / ٢٥١ ]
من خالفه وأرداه، وبسيف الشرع قتله وأخزاه، فقال فيما رواه عنه البخاري في كتاب الشهادات من صحيحه: "إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر خيرا أمناه، وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء، والله يحاسبه في سريرته. ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه، ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة" وقد أخذ هذا الأثر الصوفية، وأصلوا عليه طريقهم. منهم صاحب العوارف استشهد به في عوارفه، وجعله من أعظم معارفه، فمن خالف الفاروق ﵁ كان أخف أحواله أن يكون رافضيا خبيثا، وأثقلها أن يكون كفارا عنيدا، وهذا الذي سماه الفاروق ﵁: ظاهرا هو الذي يعرف في لسان المتشرعة بالصريح، وهو ما قابل النص والكناية والتعريض، وقد تبع الفاروق ﵁ على ذلك -بعد الصوفية- سائر العلماء، لم يخالف منهم أحد كما نقله إمام الحرمين١ عن الأصوليين كافة، وتبعه الغزالي، وتبعهما الناس. وقال الحافظ زين الدين العراقي أنه أجمع عليه الأمة من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل الاجتهاد الصحيح، وكذا قال الإمام أبو عمرو ابن عبد البر٢ في التمهيد، وأصله إمامنا الشافعي رضي الله في كتاب
_________________
(١) = تأويلهم لشيء ما من كلام المعصوم، وإنما كان الجميع يفهمون ما جاءهم عن الله ورسوله بمعانيه التي هي له في لغة العرب، لا بما اصطلحت عليه الفلسفة أو التصوف أو الكلام. فما عرف شيء من هذه الضلالات، ولا في عهد أصحابه. وقريب من الذكر تلك الضربات الهادية الشافية التي أنزلها عمر على رأس من جاء يسأله عن معنى الذاريات، إذ استشعر من وراء السؤال فكرا يهمس فيه الشك. ١ هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف أبو المعالي الجويني من زعماء الأشاعرة. ولد سنة ٤١٩هـ ولقب بإمام الحرمين. لأنه جاور بمكة والمدينة أربع سنين يدرس ويفتي. توفي سنة ٤٧٨هـ. ٢ هو يوسف بن عبد البر بن محمد حافظ المغرب. قال عنه ابن حزم "لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله. ولد سنة ٣٦٨هـ وتوفي سنة ٤٦٣هـ".
[ ٢ / ٢٥٢ ]
الرسالة لقول النبي ﷺ: "إنكم تختصمون إلي، ولعل أحدكم أن يكون ألحن١ بحجته، فأقضي له" الحديث رواه الستة عن أم سلمة ﵂ في أمثال كثيرة، وقال الأصوليون: "كافة التأويل -إن كان لغير دليل- كان لعبا، وما ينسب إلى بعض المذاهب من تأويل ما هو ظاهر في الكفر فكذب أو غلط منشؤه سوء الفهم، كما بينت ذلك بيانا شافيا في غير هذه الرسالة، وإنما أولنا كلام المعصوم٢؛ لأنه لا يجوز عليه الخطأ، وأما غيره، فيجوز عليه الخطأ سهوا وعمدا.
المتوقف في تكفير الصوفية:
ولا يسع أحدا أن يقول: أنا واقف أو ساكت لا أثبت، ولا أنفي؛ لأن ذلك يقتضي الكفر؛ لأن الكافر من أنكر ما علم من الدين بالضرورة. ومن شك في كفر مثل هذا كفر [٧٨] ولهذا قال ابن المقري في مختصر الروضة: "من شك في اليهود والنصارى وطائفة [ابن٣] عربي فهو كافر".
وحكى القاضي عياض في الباب الثاني من القسم الرابع من الشفاء: "الإجماع على كفر من لم يكفر أحدا من النصارى واليهود، وكل من فارق
_________________
(١) ١ أي: أفطن لها، ونص الحديث: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو مما أسمع،، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء، فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار" فأين من هذا الهدى والحق ضلال الصوفية وباطلهم. إذ يزعمون أن حقائق الأشياء تنكشف لهم على ما هي عليه، وأنهم يتصرفون في البواطن، وأن شيوخهم يتكلمون عن سرائر دراويشهم وهم ساكتون؟ ٢ هذا على دين من يأخذون بالتأويل ممن يجعلون العقل حاكما على النقل، وقد سبق الرد على هذا. ٣ ليست بالأصل والسياق يوجبها.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
دين المسلمين، أو وقف في تكفيرهم، أو شك. قال القاضي أبو بكر: لأن التوقيف والإجماع [اتفقا١] على كفرهم، فمن وقف في ذلك، فقد كذب النص أو٢ التوقيف، أو شك [فيه٣] والتكذيب، أو الشك فيه لا يقع إلا من كافر٤" ا. هـ.
وقال الإمام حافظ الدين النسفي في كتابه العمدة في أصول الدين: "التوقف باطل؛ لاقتضائه الشك، والشك فيما يفترض اعتقاده كالإنكار" ومن العجب أنهم يعاندوننا، لأننا لا نؤول لمن يجوز عليه الزلل، وينصرون من يتعصبون له، وهو٥ لا يؤول المتشابه من كلام المعصوم، بل يجريه على ظاهره٦ خلافا لإجماع الأمة٧ مع تأدية ذلك إلى إبطال الشرع، ويدعون
_________________
(١) ١، ٣ ساقطتان من الأصل، وأثبتهما عن الشفاء. ٢ في الأصل: و. وهي في الشفاء كما أثبتها. ٤ ص٢٦٧جـ٢ الشفاء. ٥ يعني: ابن الفارض. ٦ كان واجبا أن يقول: بل يجريه على ما يشهد الحس له من مظاهر بالنسبة إلى الخلق، أو على ما يشاء الهوى الصوفي، فابن الفارض -ككل صوفي- لا يقترف هذا، فحسب، بل يجرد اللفظ من دلالته ومعناه في العربية، ويفتري له معنى يهدف به إلى مساندة زندقته، وأحيانا يفصل بعض أجزاء الكلام عن بعض كمن يفصل "لا إله" عن "إلا الله". وأحيانا يقيس شأن الخلاق الخبير على شأن خلقه، ويحكم على الرب بما يحكم به على العبد، ومثاله ما افتراه من أن الله سبحانه يتلبس بصورة الخلق قياسا على شأن جبريل حين ظهر بصورة دحية والأعرابي. هذا بعض ما يمسخ به الصوفية وجه الحق!! ٧ قوله هذا يجافي الحق، ويجانب الصواب، فالإجماع الذي يعتد به -إن كان لا بد مع النص إجماع- هو إجماع الصحابة والتابعين. وقد أجمع هؤلاء جميعا -ومن بعدهم الأئمة المهتدون- على إجراء ما تلقوه عن الله سبحانه ورسوله -ﷺ- على ظاهره، أي: على ما له من دلالة ومعنى في العربية، إذ لا يراد بالظاهر غير هذا، أما أن يراد بالظاهر كيفياته الحسية، فهذا ليس من دين أهل الحق، ولا من الحق في شيء. أقول هذا لأن البقاعي يعني بالمتشابه آيات الصفات وأحاديثها، وهذا رأي ساقط الاعتبار، لم يدن به إلا عبيد الفلسفة ومخانيث الكلام.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
الإسلام، فما أحقهم بقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا، وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٨، ٨٩] إلى هذا من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وكلام حملة١ شريعته من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ﵃ دعوتا ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٢٢] .
الرأي في شعر ابن الفارض:
وأما المحامون له، فإنهم داعون إلى شاعر لم يؤثر عنه قط شيء غير ديوان شعر لم يمدح النبي -ﷺ- فيه بقصيدة واحدة، بل هو كفر وضلالة وخلاعة وبطالة، وقد علم ذم الله، وذم رسوله -ﷺ- للشعر والشعراء إذا كان حالهم مثل هذا، كما قال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤-٢٢٧] وقال النبي -ﷺ- كما رواه الستة عن ابن عمر ﵄: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا [حتى يريه٢] خير من أن يمتلئ شعرا٣" وذلك إذا انفرد بالشعر
_________________
(١) ١ في الأصل: جملة، والسياق يوجب ما أثبته. ٢ يرى من الورى، وهو داء يفسد الجوف. وهذه الزيادة لم ترد في رواية أبي داود. وهي كذلك ساقطة من الأصل. ٣ لم يروه الستة عن بن عمر، وإنما رواه البخاري عنه، ورواه الشيخان =
[ ٢ / ٢٥٥ ]
كهذا الرجل، فإنه ليس شيء ينفع الدين أصلا، وليس له من الشعر إلا ما عادى به الإسلام، وأهله، وأذاهم غاية الأذى، وأوقع به بينهم١ العداوة والبغضاء؛ لأنه ملأه كفرا وخلاعة، وصدا عن الدين وشناعة، فقد حاد به الله ورسوله ﷺ، وقد قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [٧٩] وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] . فنحن في غاية السلامة، إن شاء الله تعالى، لما قدمت. وأما من يحامي عنه، فهو دائر بين اعتقاد ما تضمنه كلامه، وذلك هو الكفر الموجب للسيف في الدنيا، والخلود في النار في الأخرى، وبين الذب٢ عنه مع الجهل لما قال، وذلك موجب لموادة من حاد الله ورسوله -ﷺ- الموجبة لعداوتها الجارة إلى كل شقاء.
_________________
(١) = وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة. والمقصود والله أعلم: الشعر الذي يمجد الرذيلة، ويفسد الخلق والدين، وينابذ القيم الروحية، ويصرف النفس عن الحق من الكتاب والسنة. أما الشعر الذي يستلهم الإيمان والحكمة، ويصور المثل العليا، ويمجد قيم الحق والخير والمحبة، ويستحث النفوس على الجهاد في سبيل الحق. هذا الشعر من هواتف النفس المؤمنة، وليس بذي مذمة ولا مبغضة، ودليلي قول الرسول ﷺ: "إن من الشعر حكمة" رواه البخاري وأبو داود عن أبي بن كعب، ورواه الترمذي عن ابن مسعود، وأيضا ما روته عائشة ﵂ "أن رسول الله ﷺ، كان يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه قائما، ينافح عن رسول الله، ثم يقول: "إن الله يؤيد حسانا يروح القدس ما نافح -أو فاخر- عن رسول الله" أخرجه البخاري -واللفظ له- وأبو داود والترمذي، كلهم عن عائشة ﵂. ١ يعني: بين المسلمين. ٢ في الأصل: الذنب. والسياق يوجب ما أثبت.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
تواتر الخبر بتكفير العلماء له:
هذا مستندنا، وهو قطعي١ من جميع وجوهه، تواتر لنا تواترا معنويا نسبة العلماء له إلى الكفر، وتواترا حقيقيا أن التائية نظمه، ونحن على القطع بأنها صريحة في القول بالاتحاد بالذات والصفات، وما يتبع ذلك من تصويب جميع الملل والنحل إن لم يكن نصا فيه، وعلى القطع بأن ذلك كفر، والقائل به كافر، وقد انتقيت من التائية ما يقارب أربعمائة وخمسين بيتا شهد شراحها البررة والكفرة أن مراده منها صريح الاتحاد، وما تفرع عليه من تصويب جميع الأباطيل في مجلد سميته الفارض٢.
_________________
(١) ١ في الأصل: قطيعي. وهو خطأ في النحو. ٢ ورد بهامش الأصل ما يأتي: "قال المصنف ﵀ في كتابه: الفارض في تكفير ابن الفارض: ثم إنه لا ينبغي الاغترار بما قاله ابن بنته في ديباجة الديون فإنه رجل مجهول لا تقبل روايته، ولا سيما وهو شهد بحده، ولا سيما إذا كانت شهادته مخالفة بشهادة الأئمة بكفره، وعلى تقدير صحة ذلك لا يدل على صلاح إلا إن كان الجاري ذلك على يده متابعا للكتاب والسنة، فإن الخوارق ربما كانت لكفره امتحانا من الله لعباده، وينبغي لكل مسلم أن يجعل قصة الدجال نصب عينيه، فإنه يظهر على يديه من الخوارق شيء كثير مع علمنا بأنه أكفر الكفرة، فأي لبس بعد هذا؟ مع أنه قد كثر ضلال الضلالة بمن ظهر على يديه شبه خارقة، وقد علم أن ذلك قد يكون من الشياطين، وقد ضبط العلماء -ولله الحمد- أمر الخوارق وبينوا حقه من باطله، فمن ظهر على يده شيء من الخوارق. وكان عارفا بالله وصفاته مواظبا [على] الطاعات. مجتنبا للمعاصي. معرضا عن الانهماك في الـ[ملذات] والشهوات. فذلك ولي. والخارق كرامة. وما كان على يد مخالف للشرع فهو إهانة له بالاستدراج له، و[لا] يغتر به. هذا الدجال نشهد أنه أكفر الكفرة مع أنه تظـ[هر على] يده الخوارق العظيمة. منها مسير جبال الثريد معه وو.. الأرض كذلك. ومنها تمثل الشياطين بصور أقارب من أرا [د الله] فتنته يدعونهم إلى متابعته. ومنها. أنه يقول للشمس: قفي [فتقف] ويقول لها: سيري =
[ ٢ / ٢٥٧ ]
لا عبرة بقول حفيد ابن الفارض:
ولا مستند لمن ينابذنا إلا ما أثبته ابن بنته في ديباجة الديوان من الزور والبهتان، وهو نكرة لا يعرف، ولو أنه شهد على أحدهم بدينار لم تقبل شهادته حتى يعدله العدول الموثوق بهم، ولا معدل له، ولا لجده، ممن هو خبير بحالهما أصلا، فصار المحامون له لا مستند لهم إلا سند قريش في منابذة النبي -ﷺ- في التوحيد حين قالوا: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]، ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧]، ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]، ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠] .
وكل من هكذا يوشك أن يقول عند سؤال الملكين في قبره ما قال رسول الله -ﷺ- عن المنافق، أو المرتاب: "هاه [هاه] ١. لا أدري. سمعت
_________________
(١) = فتسير. ويقول للسماء: أمطري. فتمطر. وللأرض: أنبتي: فتنبت. إلى غير ذلك ممن يضل الله به من [يشاء من] عباده، وأعظمه إحياء ميت" انتهى من هامش الأصل: وما بين هذين [] ساقط من الأصل، ورأيت السياق يوجبه فأثبته. وأقول: حديثه عن الخوارق تظهر على يد الأولياء حديث القرون التي كانت تعيش تحت سطوة التهاويل، إنما الكرامة هي أن يكون الله مع عبده المؤمن نصرا وتأييدا وحفظا. ١ وردت مرة واحدة في الأصل، بيد أنها ذكرت مرتين في الحديث الذي رواه أبو داود عن البراء بن عازب "وهاه هاه" كلمة تقال في الضحك وفي الإيعاد، وللتوجع. وهو أليق بمعنى الحديث كما قال المنذري، وحديث السؤال في القبر أخرجه -غير أبي داود- الشيخان وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان وأبو حاتم.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
الناس يقولون شيئا، فقلته" على أنه لو ثبت ما في ديباجة الديوان لم يفد ولاية، فإن العلماء قسوا الخوارق إلى معجزة وكرامة، ومعونة وإهانة. وأشار إلى ذلك الإمام أبو حنيفة ﵁ في الفقه الأكبر، انظر إلى ما ورد للدجال من الخوارق١، وهو أكفر الكفرة.
بم يكون الإنسان وليا؟:
إنما يفيد الولاية بذل المجهود في متابعة النبي ﷺ، فمن بذل جهده في [٨٠] اتباع السنة، قلنا: إنه ولي، فإن خيل بعض المحلولين منهم أحدا ممن ظهر له الحق بقوله: التسليم أسلم!! فليقل له: هذا خلاف ما أمر به صاحب الشرع -ﷺ- في الكتاب والسنة: من جهاد أعداء الله، والبغض في الله، من ذلك حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ المتفق عليه في تسليته عن التخلف عن أصحابه بمكة: "ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون" على أن التسليم لأهل الشريعة وأهل الطريقة٢ المجمع عليهم الذين رموا هذا الرجل بالكفر، ورأسهم الفاروق ﵁ بمنعه من التأويل أجدر بإيجاب السلامة. وقد قال الإمامان أبو حنيفة والشافعي ﵄:
_________________
(١) ١ ما سيظهر على يد الدجال أخبرنا به المعصوم، وإنه لفتنة سيبتلي بها الله عباده ويميز بها بين المؤمن والكافر، أما ما يزعمه هؤلاء، فلم يروه إلا كذاب، أو منافق، أو صوفي، وإنها لشعبذة يقترفها أولئك ابتغاء سلب مال أيم، أو أرملة، أو يتيم! ولا ينخدع بها إلا النوكى مخابيل الأحلام. ٢ لا. بل الواجب هو الاعتصام بالكتاب والسنة، والتسليم لهما، وتأييد كل من يذود عنهما، ثم من أهل الطريقة؟! أليسوا هم أولئك الأدعياء الكذبة الذين ابتدعوا هذه البدع الصوفية كلها، تأييدا للمتآمرين على الإسلام من مجوس ويهود ونصارى؟!
[ ٢ / ٢٥٩ ]
"إن لم تكن الفقهاء أولياء لله، فليس لله ولي١" نقله عنهما النووي في تبيانه عن الخطيب البغدادي، ودليله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣] . فقد أرشد الله تعالى إلى أن الولي هو العالم، وأن العالم هو العامل بعلمه.
دفاع وادعاء:
وإن قالوا: أنت تبغض الصوفية، فقل: هذه مباهتة. إنما أبغض من كفره من أجمعنا على أنهم صوفية، مثل الجنيد، وسري٢ وأبي يزيد٣،
_________________
(١) ١ ما من شك في أن الإمامين الجليلين يقصدان بالفقيه: ذلك المؤمن العالم الذي يستمد فقهه من الكتاب والسنة، ويبذل الجهد في سبيل دعوة المسلمين إلى اتباع الكتاب والسنة، لا ذلك الذي تدفعه عصبية حمقاء إلى عبادة مذهب خاص، ودعوة الناس إلى الاقتداء بغير رسول الله، والتدين بكتاب غير كتاب الله سبحانه مثل هذا هو من يسميه الناس اليوم وقبل اليوم بالفقيه، وإنه لفقيه ضلالة، وداعية إلى اتخاذ عبيد الله أربابا من دون الله. ٢ هو سري بن المغلس السقطي، خال الجنيد. ومن قوله: "كل ما أنا فيه فمن بركات معروف الكرخي" توفي سنة ٢٥٧هـ، فهل قائل هذه الكلمة يعتبر مسلما؟. ٣ هو طيفور بن عيسى البسطامي المتوفى سنة ٢٦١هـ ومن قوله: "سبحاني ما أعظم شاني، تالله، إن لوائي أعظم من لواء محمد، ولأن تراني مرة خير لك من أن ترى ربك ألف مرة" انظر ترجمة المناوي لأبي يزيد ولطائف المنن والأخلاق جـ١ ص١٢٥، ١٢٦ وعجيب من المؤلف أن يستشهد بمثل هذا الزنديق على تكفير صوفي، وهو زعيمهم الذي ألهبهم جرأة وقحة على جلال الربوبية وكبرياء الإلهية، وهو القائل أيضا: "رفعني الله مرة بين يديه وقال: إن خلقي يحبون أن يروك، فقلت: زيني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وارفعني إلى أحديتك حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هناك" اللمع ص٣٨٢.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
وأبي سعيد الخراز، والأستاذ أبي القاسم القشيري، والشيخ عبد القادر الكيلاني والشيخ شهاب الدين عمر السهروردي صاحب العوارف، فإن بعضهم قال: طريقنا، مشبك بالكتاب والسنة، فمن خالفهما، فليس منا، وبعضهم جعل أثر عمر ﵁ أصلا، وبنى عليه طريقهم، وبعضهم قال: من قال: إن الشريعة خلاف الحقيقة فهو زنديق، ومن قال: إن المراد بمحبة الله تعالى، ووصوله إليه غير كمال المتابعة للكتاب والسنة، أو بمحبة الله غير إكرامه بحسن الثواب؛ فهو زنديق١، إلى غير ذلك مما حدوه، فتعداه من عاديتمونا بسببهم
_________________
(١) ١ الخبير بحال الصوفية -سلفهم وخلفهم- والمتأمل في كتبهم يوقن أن الصوفية منذ نشأت، وهي حرب دنيئة -خفية أو مستعلنة- على الإسلام. هذا القشيري الصوفي القديم "ولد سنة ٣٧٦هـ وتوفي سنة ٤٦٥هـ" هذا هو يقول في رسالته عنهم "ارتحل عن القلوب حرمة الشريعة، فعدوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة، ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام، ودانوا بترك الاحترام وطرح الاحتشام واستخفوا بأداء العبادات، واستهانوا بالصوم والصلاة. وركنوا إلى اتباع الشهوات. وادعوا أنهم تحروا عن رق الأغلال. وتحققوا بحقائق الوصال، وأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية، واختطفوا عنهم بالكلية، وزالت عنهم أحكام البشرية، وبقوا بعد فنائهم عنهم بأنوار الصمدانية" ص٢، ٣ الرسالة للقشيري. هذه شهادة عليهم في القرن الرابع الهجري من رجل يعدونه المثل الأعلى للصوفية العملية المعتدلة، وإنها لتدل على أن الصوفية من قديم تواصوا بالكيد للإسلام، وإنا لا تخدعنا هذه الشفوف من النفاق الصوفي، إذ هم السم الناقع يتراءى شهدا مذابا. فالقائلون بما هلل له البقاعي هم عين القائلين بما يخنقك منهم يحموم الزندقة، فالقشيري نفسه يقول في مقدمة رسالته عن أهل الطريقة: "جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه" يفضل الصوفية على السابقين من المهاجرين والأنصار، ثم يقول: "وجعل قلوبهم معادن أسراره، واختصهم من بين الأمة بطوالع أنواره، فهم الغياث للخلق" وماذا بقي لله إذا كان هؤلاء غياثا للخلق؟ وماذا للصحابة من طوالع الأنوار ومعادن الأسرار إذا كان هؤلاء وحدهم كذلك؟ ثم يقول: "ورقاهم إلى محال المشاهدات بما تجلى لهم من حقائق الأحدية =
[ ٢ / ٢٦١ ]
بل أنتم بعد بغضكم للصوفية نابذتم رسول الله -ﷺ- بموالاتكم من نابذ شريعته، ونحن نذب عنها وأنتم تناضلون عمن يهدمها من غير فائدة في ذلك، وتقولون: إنهم أرادوا بكلامهم الذي ظاهره قبيح غير ظاهره، ولو قال أحد من الناس لأحد منكم كلمة توهم نقصا "كالعلق" الذي قال أهل اللغة أن معناه: الشيء النفيس١؛ عاداه، وإن حلف له أنه ما قصد ذما، وإن كرر ذلك كانت القاصمة، فتحرر بذلك أن نابذتم أهل الدين من الفقهاء والصوفية٢ المجمع
_________________
(١) = وأشهدهم مجاري أحاكم الربوبية" إذا فهم عند القشيري أعظم مقاما من خليل الله إبراهيم، ومن محمد ﵊؟! فتأمل في الأستاذ القشيري، وفي قوله، وفيما خلفه في رسالته، ثم اسمع إليه ينقل في رسالته: "لا تصلح المحبة بين اثنين حتى يقول الواحد للآخر: يا أنا، المحبة سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه" انظر مقدمة الرسالة وص١٤٦منها. وهذه زمزمة قديمة بزندقة الاتحاد ووحدة الشهود. ١ في القاموس: "العلق: بالكسر" النفيس من الشيء. ٢ وضع الصوفية بجانب الفقهاء من المؤلف يوحي بأن هناك طريقان: طريق الفقهاء، وطريق الصوفية، ويوحي بأن الدين فقه وتصوف، وأن الطريقين مختلفان، وأن الفقه والتصوف متغايران. فما طريق الفقهاء، وما طريق الصوفية؟ وما الفقه، وما التصوف؟ إن كان أحدهما عين الآخر بطلت التسمية، وإن كان غيره، استلزم النقص في أحدهما، أعني استلزم أن يكون أحدهما لا يمثل الشريعة الإسلامية في كل أصولها وفروعها. والصوفية يزعمون أنهم يمثلون الجانب الروحي والحقائق الباطنة في الإسلام. ويدمغون الفقهاء بأنهم علماء الرسوم. في حين يقول الفقهاء عن الصوفية: إنهم يتحللون من تكاليف الشريعة بهذه الدعوى!! فأي الفريقين على بينة من قوله؟ لا بد من العودة إلى الكتاب والسنة لنحكم على قيم الأشياء بما حدد القرآن من مفاهيم لهذه القيم، وثمت نجد أمين الله جبريل يسأل الرسول: ما الإسلام؟ ثم: ما الإيمان؟ ثم: ما الإحسان؟ ونجد الرسول -ﷺ- يجيب إجابة واضحة صريحة لا لبس فيها ولا غموض، محددا هذه الحقائق العليا تحديدا جليا مشرقا، فلنجعل قلوبنا ونياتنا وأعمالنا مظهرا لها في صدق وإخلاص ولندع تلك التفريعات، والتقسيمات، والتسميات، لنستمد معارفنا عن الدين من الكتاب والسنة، فلا تستبد بنا حيرة، ولا يعصف بنا شك ولا يستعبدنا بعض خلق الله.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
عليهم بالتأويل في جانب الله تعالى، ومنعتم مثله في حقكم، فأف لهذا عقلا، فكيف بالنظر إلى [٨١] الدين؟
وجوب الكشف عن زندقة الصوفية وبيانها:
وإن قالوا: لا تجرب بالإنكار عليه في نفسك، فليقل: وإن تركت الإنكار عليه، كنت أيضا مجربا في نفسي بمنابذة رسول الله -ﷺ- في قوله -ﷺ- الذي رواه مسلم عنه عن أبي سعيد الخدري ﵁: "من رأى منكم منكرا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع، فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" وفي حديث آخر لمسلم عن ابن مسعود ﵁ "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل١" وقد صرح العلماء بأن من خاف
_________________
(١) ١ بات المنكر عند بعض الناس هو النهي عن المنكر، ولبعدهم عن الكتاب والسنة حالت في أذهانهم قيم الأشياء، فالدعوة إلى الحق عندهم رغاء بالباطل، والاعتصام بالكتاب والسنة جمود ينافي قانون التطور، والمحافظة على تراث الإسلام الروحي مادية صماء، والحكم بما أنزل الله رجوع إلى وحشية القرون الوسطى، وانتباذ لسماحة القانون الإنساني. هذا في ناحية قيم الخير، أما في ناحية الشر، فالإلحاد حرية فكرية، والعصبية المذهبية تقديس للأئمة، وعبادة القبور والجيف محبة لأولياء الله، والمجوسية قداسة روحانية، ومعارج ربانية، وهي الصوفية، والتبرج المتلطخ بدماء الأعراض مدنية حديثة، وأمس قبل ثورة الجيش على الطغيان كانت مساندة الطاغوت والسجود له ولاء واجب مقدس!! هذا فهم المسلمين لقيم الأشياء، يؤازرهم في هذا -ويا أسفاه- بعض العلماء، أو من يسميهم الناس بهذا. ثم تعال، وانظر إلى ما كان يحدث من قبل. حاولت بعض الحكومات في عهد الطاغية تعديل قانون الانتخاب!! فماذا حدث؟ قامت قيامة من يسمون أنفسهم بفقهاء القانون، وتنادوا بالويل والثبور!! في حين كان كل رئيس حكومة =
[ ٢ / ٢٦٣ ]
على أحد أنه يقع في هلكة يجب عليه إنذاره، ولو كان في الصلاة ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١] .
الجاهلية في الصوفية:
على أنهم تابعون في هذا التحريف سنة الجاهلية في قولهم لنوح ﵇ ما أجابهم عنه بما حكاه تعالى عنه في قوله: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] ثم قولهم لهود ﵇، وقوله لهم ما حكاه تعالى بقوله: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ، ِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤-٥٦] ثم قولهم لإبراهيم ﵇ كذلك: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ١ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ
_________________
(١) = يعتدي في كل لحظة على كتاب الله، وينتهك الحرمات في جرأة مستعلنة وقحة، ويستعبد عباد الله للطاغية الظلوم الغشوم، ويقدم للطاغوت قرابينه: فضيلة مذبوحة، أو رذيلة تغري بإثمها، أو عرضا كان يرف حياء، ويتألق قدسية. كان كل هذا يحدث وغيره. فما كنت ترى من الشيوخ والصوفية إلا ابتهالا إلى الله أن ينصر الطاغية، كانوا كلما استنجد بهم الطاغوت لمساندته هبوا سراعا هبوب الوثنية إلى هبل، يحلون له ما حرم الله، ويرتلون بين يديه طقوس العبادة، وعلى فمه تتلمظ الفواحش، وعلى أنيابه مزق من الأعراض. ويقولون له: حفظك الله ذخرا يا أمير المؤمنين!! فيا أبطال الثورة على الطاغوت: إن أسمى ما تحققون من خير هو الجهاد في سبيل أن يفهم الناس قيم الأشياء على حقيقتها، فيؤمنوا بالخير خيرا، وبالشر شرا، وثمت تجدون محكومين يتجاوبون مع الحاكمين في صدق ومحبة، وفي الكتاب والسنة الحق، وهدى الدين والدنيا. ١ ساقط من الأصل.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ، وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ، وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٠-٨٣]
وقال كفار قريش لزنيرة الرومية ﵂ لما أسلمت٢، فعميت: "ما أعماها إلا اللات والعزى فرد الله عليها بصرها، وقالت ثقيف: "والله لا يستطيع أحد أن يخرب اللات، فلما أخربوها، قالوا: والله ليغضبن الأساس" وقال اليهود لما مات أبو أمامة أسعد بن زرارة ﵁: "لو كان نبيا ما مات صاحبه" إلى أمثال هذه الترهات.
دفع اعتراض:
وإن قالوا، استخفافا لضعفاء العقول: إن هذا الرجل٣ له ما يزيد على مائتي سنة ميتا، فما للناس يقلقونه في قبره؟ تلك أمة قد خلت. فقل، بعد التأسي بفعل الله بفرعون وأضرابه: هذا الكلام [٨٢] لنا عليكم، فإنه
_________________
(١) ١ ساقط من الأصل. ٢ أسلمت في أول الإسلام، وعذبها المشركون عذابا شديدا، فاشتراها الصديق ثم أعتقها وقد عميت، فقال المشركون: أعمتها اللات والعزى لكفرها بهما فقالت: وما يدري اللات والعزى من يعبدهما، إنما هذا من السماء، وربي قادر على رد بصري، فأصبحت من الغد، وقد رد الله بصرها، فقالت قريش: هذا من سحر محمد. "عن الإصابة لابن حجر، وأسد الغابة لابن الأثير". ٣ يعني: ابن الفارض. ٤ يريد: أنه لو كان ذم الموتى مذموما مطلقا ما ذم الله في القرآن آزر أبا إبراهيم، وابن نوح، وامرأته، وامرأة لوط، وفرعون، وهامان، وقارون، =
[ ٢ / ٢٦٥ ]
لو كان حيا لظن أن الكلام فيه لعداوة، أو حظ من الحظوظ الدنيوية، وحيث انتفت التهم كلها، كان الكلام بسبب ما خلفه من كلامه الذي أقر الذابون عنه أن ظاهره خبيث حتى احتاجوا إلى تأويله، فلو تركوا كلامه، تركنا الكلام فيه، فمن غض منه، علمنا أنه ما غض -مع معاداة أكثر الناس- إلا ذبا عن حمى الشريعة خوفا على الضعفاء من الاغترار بهذه الظواهر، ومن حامى عنه، كان ذلك قرينة دالة على أنه يعتقد ما ظهر من كلامه، وإن قالوا: "لا تذكروا موتاكم إلا بخير" رواه النسائي عن عائشة ﵂ مرفوعا. قيل: حتى يكون من موتانا١، وإن قالوا: "لا تسبوا الأموات فإنهم أفضوا إلى ما قدموا" رواه البخاري عنها أيضا مرفوعا. قيل: هذا إذا كان في أمرهم شك بدليل ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ٢، ونحن لم نسبه، بل أخبرنا بما وصفه به العلماء الذي ثبتت ولايتهم تحذيرا من كلامه٣، واتباعا لحديث البخاري عن أنس
_________________
(١) = ممن حادوا الله ورسوله. أما وقد جاء في القرآن ذلك، فنعلم قطعا أنه يجب ذم الشرك، وكل مشرك. وبيان حاله حتى نأمن من الفتنة به على غير الخبير بحاله. وما مثل كفر ابن الفارض وابن عربي وأمثالهما من الصوفية كفر. وما مثل خطرهما على المسلمين خطر. فلا يمنع هلاكهما من بيان حالهما، وذم معتقدهما، والتحذير منهما، ومن أمثالهما. وإن كانوا في توابيت من فضة، وتحت قباب من ذهب، وكان لهم ملايين الدراويش!!. ١ أي: من المسلمين الذين لم نسمع منهم في صراحة قول الكفر. ولم نر منهم في جلاء فعل الكفر. ولم يخلفوا وراءهم كتبا تطفح بالوثنية والزندقة. كأمثال طواغيت الصوفية. فإن كان من هؤلاء وجب على كل مسلم بيان معتقده، وتحذير المسلمين منه، ودمغهم بما دمغ الله به كل فاجر كفار. ٢ يعني: لو كان ذم الموتى مطلقا غير جائز ما ذم الله في كتابه الحكيم: أبا لهب ونحن اليوم -وقد تقضت قرون كثيرة على هلاك أبي لهب- ما زلنا، وسنظل حتى قيام الساعة نقرأ قول الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ . ٣ أي: من كلام ابن الفارض، والمؤمن الحق ليس في حاجة إلى شهادة عالم يشهد على مثل ابن الفارض بالكفر، فشعر الصوفية وكتبهم تنزو بقيح الوثنية المجرمة، وتشهد عليهم أنهم فئة يبغضون الله ورسوله ويحبون القبور، ورمم القبور!! وبهذه الشهادة التي لا يمكن الطعن فيها، نحكم عليهم بما حكم الله به على إبليس وفرعون، وعباد العجل والأوثان، والمجرمين من قوم لوط.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
﵁رفعه- "مرو بجنازة فأثنوا عليها شرا، فقال: "وجبت" واتباعا لإجماع الأمة في جرح من يستحق الجرح. هذا من فوائد قولنا، فليذكر الخصم للدفع عنه فائدة واحدة لنفعه، أو لنفع الدين، أو أحد من المسلمين!! وإن قالوا: ما لأهل زمانه ما أنكروا عليه؟ قيل: قد أنكروا عليه، كما مضى بيانه، وإن قالوا: ما لهم ما قتلوه؟ قيل: منعهم اختلاف الأغراض، كما منع ذلك في الباجريقي، وكما ترى الآن من هذا التجاذب، على أن القتل أيضا لا يفيد قطع التعنت من المتعنتين، فقد أجمع أهل زمان الحلاج الذي هو رأس هذه الطائفة الاتحادية١ بعد فرعون، وهم أتباع طريقته على قتله على الزندقة، كما نقله القاضي عياض في آخر كتابه الشفاء الذي هو من أشهر الكتب وأعظمها، ونقل الأستاذ أبو القاسم القشيري رأس الصوفية في زمانه في الرسالة عن أحد مشياخنا عمرو٢ بن عثمان المكي تكفيره للحلاج وذلك في باب "حفظ قلوب المشايخ٣ وقتل بسيف الشرع، وأنت تجد الآن هذه الطائفة، وأتباعهم من
_________________
(١) ١ هو حلولي وليس اتحاديا. ٢ توفي سنة ٢٩١هـ. ٣ نص ما ذكره القشيري "ومن المشهور أن عمرو بن عثمان المكي رأى الحسين بن منصور الحلاج يكتب شيئا، فقال: ما هذا؟ فقال: هو ذا أعارض القرآن، فدعا عليه، وهجره. قال الشيوخ: إن ما حل به بعد طول المدة كان لدعاء ذلك الشيخ عليه" والقشيري لم يذكر هذا انتقاصا من مقام الحلاج، وإنما ذكره تأييدا لما يهدف إليه الصوفية، وهو استعباد قلوب أتباعهم لأهوائهم، ألا تراه يقرر أن الحلاج لم يحل به القتل إلا من دعاء شيخه عليه، لا لأنه كان يعارض القرآن، فغضب الله عليه! وألا تراه يرويه في باب "حفظ قلوب المشايخ"؟ =
[ ٢ / ٢٦٧ ]
العامة، يعتقدون فيه اعتقادا عظيما، وينابذون أهل الشريعة، وذلك يدل على أنهم إنما يقولون: تؤول تقية، وخوفا من السيوف المحمدية، وأنهم يعتقدون الكلام على ظاهره، فاستوى حينئذ القتل على الزندقة وعدمه ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٣٣] .
نصيحة:
ولا تهتموا أيها الأخوان بكثرة كلام أتباع الشيطان، وهجائهم لنا بالإثم والعدوان، فهم: إنما يقولون ذلك في الغيبة، ولهم عليه الإثم والخيبة، فإن الله تعالى قد ضمن النصرة، وإن كان مع المبطل الكثرة. روى [٨٣] الشيخان عن معاوية ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: "لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون، وحتى يقاتل بقيتهم الدجال" وفي رواية: "وهم بالشام"، وقال [تعالى]: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]
_________________
(١) = ولذا يقول في رسالته: "من رضي عنه شيخه لا يكافأ في حال حياته، لئلا يزول عن قلبه تعظيم ذلك الشيخ، فإذا مات الشيخ أظهر الله ﷿ عليه ما هو جزاء رضاه ومن تغير عليه قلب شيخه لا يكافأ في حال حياة ذلك الشيخ، لئلا يرق له، فإنهم مجبولون على الكرم، فإذا مات ذلك الشيخ، فحينئذ يجد المكافأة بعده" ويقول: "من خالف شيخه لم يبق على طريقته، ومن صحب شيخا من الشيوخ ثم اعترض عليه بقلبه، فقد نقض عهد الصحبة، ووجبت عليه التوبة! على أن الشيوخ قالوا: حقوق الأستاذين لا توبة عنها!! " انظر ص١٥٠، ١٥١ من الرسالة للقشيري في باب حفظ قلوب المشايخ. ولكن أرأيت إلى الأستاذ القشيري كيف يقرر وجوب التوبة حتى على من همس في قلبه اعتراض على شيخه، بل يقرر أن التوبة من هذا لا تقبل! ولذا يقول الشعراني" من أشرك بشيخه شيخا آخر فكأنما أشرك بالله" يريد الصوفية سلفا وخلفا أن يكون الناس عبيد أهوائهم ونزواتهم، ويخوفونهم بغضب العبيد، لا غضب رب العالمين، ويشرعون لهم، أن الغاية من الإيمان إرضاء هوى الشيوخ، لا إرضاء مالك الملك سبحانه!!
[ ٢ / ٢٦٨ ]
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١٠، ١١] إلى أن قال: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٢-١٤] .
وقد قلت في حالنا وحالهم.
نصرنا سنة المختار حقا فهاجينا لذاك١ الأكافر
وراموا نصر شاعرهم فخابوا وضلل سعيهم في نصر شاعر
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]، ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]، ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١، ٥٢]، ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ، فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ، وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ، أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ، فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ، وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ، وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٧١-١٨٢] .
قال منشؤها سيدنا الشيخ الإمام العالم العامل العلامة أبو الحسن برهان الدين إبراهيم البقاعي الشافعي نفع الله المسلمين بعلومه: إني فرغت [من] هذه الرسالة
_________________
(١) ١ لعلها: ذياك أو لذلكم. فبهذا يستقيم وزن البيت.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
في مقدار يوم، وكان فراغي منها ليلة الأحد ثامن عشرين شهر رجب الفرد الحرام سنة ثمان وسبعين وثمانمائة في مسجد "دلر رجمه العبد١" بالقاهرة والحمد الله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه أجمعين.
وفرغ من كتابتها الفقير إلى رحمة ربه، سليمان بن عبد الرحيم في شهر ربيع الآخر من شهور سنة سبع وأربعين وتسعمائة للهجرة النبوية.
[زاد الناسخ، أو غيره بعد هذا]:
وممن يقول بكفر ابن عربي غير مصنف هذه الرسالة أيضا من العلماء الشيخ إبراهيم بن داود الآمدي٢ والشيخ أبو بكر بن قاسم الكناني٣ والشيخ الفاضل سليمان بن يوسف الياسوفي٤ الدمشقي، والإمام الجليل علي بن عبد الله الأردبيلي٥، والعلامة محمد بن خليل عز الدين الحاضري الحلبي الحنفي الفاضل محمد بن علي الدكالي٦ ثم المصري، والشيخ الصالح موسى بن محمد الأنصاري ٧ الشافعي قاضي حلب، وكلهم ذكر الشيخ برهان الدين إبراهيم البقاعي عن شيخه شهاب الدين أحمد بن حجر في تراجمهم ما فيه الكفاية من فضلهم وحذقهم، وعلمهم وزهدهم وورعهم، وإنما أردت ذكر أسمائهم، ليعلم أن من قال بكفر
_________________
(١) ١ كذا بالأصل. ٢ أسلم على يد ابن تيمية، وكان دينا خيرا فاضلا. توفي سنة ٧٩٧هـ. ٣ ولد سنة ٦٦٦هـ قال عنه الذهبي: دين حسن المحاضرة. ٤ ولد سنة ٧٣٩هـ تقريبا، كان شافعيا، ثم حبب إليه الحديث، فأقبل عليه بكليته، وسلك طريق الاجتهاد. توفي سنة ٧٨٩هـ معتقلا بقلعة دمشق. ٥ ولد سنة ٦٦٧ قال عنه الذهبي: حصل جملة من كتب الحديث، وشغل في فنون وهو عالم كبير حسن الصيانة. مات بالقاهرة سنة ٧٤٦هـ. ٦ هو أبو أمامة ابن النقاش. وقد سبقت ترجمته. ٧ ولد سنة ٧٤٨هـ، ولي قضاء حلب عن الظاهر برقوق. وتوفي سنة ٨٠٣هـ
[ ٢ / ٢٧٠ ]
هذا الضال جماعة من العلماء غير واحد ليحذر من مذهبه من لا يعرفه تحقيقا، ويعلم أن جماعة من العلماء لا يتفقون على ضلالة، وهؤلاء من المتأخرين دون من لم يذكرهم من المتقدمين، كالشيخ عز الدين بن عبد السلام، وصاحب المواقف وغيرهما، وكذلك الشيخ الجليل أفضل المتأخرين علامة زمانه الشيخ علاء الدين البخاري، وقد عمل في الرد على ابن عربي غبي وبيان كفره رسالة شافعية مسماة: "بفاضحة الملحدين، وناصحة الموحدين"". ومن أراد البحث والرد على هذه الطائفة، فليطالعها، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين".
فرغت من نسخها وتحقيقها والتعليق عليها يوم الخميس ٤ من صفر سنة ١٣٧٢هـ الموافق ٢٣ من أكتوبر سنة ١٩٥٢م بمدينة القاهرة والحمد لله أولا وآخرا.
وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله ورسوله محمد خاتم النبيين، وسيد ولد آدم أجمعين.
عبد الرحمن الوكيل
عضو جماعة أنصار السنة المحمدية
وكان الفراغ من الطبع والتصحيح بمطبعة السنة المحمدية يوم الخميس ١٨ من رجب سنة ١٣٧٢هـ الموافق ٢ من إبريل سنة ١٩٥٣م.
وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله المصطفى، ورسوله المجتبى: محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٢ / ٢٧١ ]