مدخل
القضاء والقدر
لفظان يردان كثيرًا في الكتاب والسنة، وفي كتب العقائد، وفيما يلي معالم في هذين اللفظين.
[ ١٦٩ ]
أولًا: القضاء:
١_ تعريف القضاء لغة: القضاء في اللغة مصدر الفعل قضى يقضي قضاءًا.
قال ابن فارس ﵀ في مادة قضى: "القاف، والضاد، والحرف المعتل - أصل صحيح يدل على إحكام أمر، وإتقانه، وإنفاذه لجهته.
قال الله - تعالى _: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] .
أي أحكم خلقهن، ثم قال أبو ذؤيب الهذلي:
وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو نَسَجُ السوابغِ تُبَّعُ١
والقضاء: هو الحكم، والصنع، والحتم، والبيان.
وأصله القطع، والفصل، وقضاء الشيء، وإحكامه، وإمضاؤه، والفراغ منه؛ فيكون بمعنى الخلق٢.
٢_ إطلاقات القضاء في القرآن الكريم: يطلق لفظ القضاء في القرآن إطلاقات
_________________
(١) ١_ معجم مقاييس اللغة لابن فارس ٥/٩٩. ٢_ انظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص٤٤١_٤٤٢ وانظر المفردات لغريب القرآن للراغب الأصفهاني ص٤٢٣، وانظر لسان العرب لابن منظور ١٥/١٨٦، والقاموس للفيروز بادي ص١٧٠٨.
[ ١٦٩ ]
عديدة منها١:
أ_ الوصية والأمر: قال الله - تعالى _: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، أي أمر وأوصى.
ب_ الإخبار: قال - تعالى _: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤] .
ج_ الفراغ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] .
وقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ﴾ [النساء:١٠٣] .
د_ الفعل: قال - تعالى _: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] .
هـ_ الوجوب والحتم: قال - تعالى _: ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ .
وقال - تعالى _: ﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] .
و_ الكتابة: قال - تعالى _: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] .
ز_ الإتمام: قال - تعالى _: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ﴾ [القصص: ٢٩] .
وقال - تعالى _: ﴿أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ [القصص:٢٨] .
ح_ الفصل: قال - تعالى _: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩] .
ط_ الخلق: قال - تعالى _: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] .
ي_ القتل: قال - تعالى _: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] .
_________________
(١) ١_ انظر ياقوتة الصراط في تفسير غريب القرآن لأبي عمر محمد بن عبد الواحد البغدادي المعروف بغلام ثعلب ص٢٥٣، ص٣٠٦، ص٥٧٦، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص٤٤١_٤٤٢ ومعجم مقاييس اللغة ٥/٩٩، والمفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص٤٢٣_٤٢٤، ومعجم ألفاظ القرآن الكريم مجمع اللغة العربية ص٥٠٩_٥١١، والوجوه والنظائر د. سليمان القرعاوي ص٥٢٩_٥٣٦.
[ ١٧٠ ]
ثانيًا: القدر:
١_ القدر في اللغة: "مصدر الفعل قَدِرَ يقْدَرُ قدَرًَا، وقد تسكن دالُه"١.
قال ابن فارسرحمه الله في مادة قدر: "قدر: القاف، والدال، والراء، أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء وكنهه، ونهايته؛ فالقدْر مبلغ كل شيء، يقال: قَدْرُه كذا أي مبلغه، وكذلك القدَرُ، وقدَرْت الشيء أقدِره وأقدُره من التقدير"٢.
والقدَر محركة: القضاء، والحكم، وهو ما يقدِّره الله _عز وجل_ من القضاء، ويحكم به من الأمور.
والتقدير: التروية، والتفكير في التسوية أمر، والقَدَرُ كالقَدْر وجميعها جمعها: أقدار٣.
والفرق بين القدر والتقدير - كما يقول أبو هلال العسكري_ "أن التقدير يُستعمل في أفعال العباد ولا يُستعمل القدر إلا في أفعال الله - ﷿ _"٤.
٢_ إطلاقات القدر في القرآن الكريم: يطلق القدر في القرآن عدة إطلاقات منها٥:
أ_ التضييق: قال - تعالى _: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر:١٦] .
_________________
(١) ١_ النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٤/٢٢. ٢_ معجم مقاييس اللغة ٥/٦٢، وانظر ياقوتة الصراط ص٥٧٦، والنهاية ٤/٢٣. ٣_ انظر لسان العرب ٥/٧٢، والقاموس المحيط ص٥٩١. ٤_ الفروق في اللغة لأبي هلال العسكري ص٣٢٨. ٥_ انظر ياقوتة الصراط في تفسير غريب القرآن ص٥٧٦، والمفرادت في غريب القرآن ص٤١٠_٤١٣، ومعجم ألفاظ القرآن الكريم لمجمع اللغة العربية ص٤٩٥_٤٩٦.
[ ١٧١ ]
ب_ التعظيم: قال - تعالى _: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] .
ج_ الاستطاعة، والتغلب، والتمكن: قال - تعالى _: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ المائدة: ٣٤.
د_ التدبير: قال - تعالى _: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ المرسلات:٢٣، أي دبَّرنا الأمور، أو أردنا وقوعها بحسب تدبيرنا.
هـ_ تحديد المقدار، أو الزمان، أو المكان: قال - تعالى _: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ [سبأ:١٨] .
وقال: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت:١٠] .
و_ الإرادة: قال - تعالى _: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] أي دبِّر، وأريد وقوعه.
ز_ القضاء والإحكام: قال _تعالى_: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ﴾ [لواقعة:٦٠] أي قضينا، وحكمنا.
ح_ التمهل والتَّروي في الإنجاز: قال - تعالى _: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ [المدثر:١٨] أي تمهَّل، وتروَّى؛ ليتبين ما يقوله في القرآن.
وقال: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١] .
أي تمهلْ، وتروَّ في السرد؛ كي تحكمه.
ط_ الصنع بمقادير معينة: قال - تعالى _: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: ١٦] .
[ ١٧٢ ]
ثالثًا: العلاقة بين القضاء والقدر:
من خلال ما سبق من تعريف القضاء والقدر في اللغة وبيان إطلاقاتهما في القرآن يتبين مدى العلاقةِ بينهما، والعلاقةِ بين المدلول اللغوي والشرعي - كما سيأتي _.
فكلٌّ مِن القضاء والقدر يأتي بمعنى الآخر؛ فمعاني القضاء تؤول إلى إحكام الشيء، وإتقانه، ونحو ذلك من معاني القضاء.
ومعاني القدر تدور حول ذلك، وتعود إلى التقدير، والحكم، والخلق، والحتم، ونحو ذلك.
ولهذا سيكون التعريف الشرعي شاملًا للقضاء والقدر، ثم بعد ذلك يكون الحديث عن الفروق بينهما.
[ ١٧٣ ]
ثالثا: القضاء والقدر في الاصطلاح الشرعي
رابعًا: القضاء والقدر في الاصطلاح الشرعي:
هناك بعض ممن تطرق لتعريف القضاء والقدر يعرفه ببعض أفراده أو بعمومه دون تفصيل، أو إشارة إلى مراتبه وأركانه.
فهذا الجرجاني ﵀ يعرف القدر فيقول:
"القدر: خروج الممكنات من العدم إلى الوجود واحدًا بعد واحد مطابقًا للقضاء.
والقضاء في الأزل، والقدر فيما لا يزال"١.
وقال ﵀ في تعريف القضاء: "القضاء لغة: الحكم.
_________________
(١) ١_ التعريفات للجرجاني ص١٧٤.
[ ١٧٣ ]
وفي الاصطلاح: عبارة عن الحكم الكلي الإلهي في أعيان الموجودات على ما هي عليه من الأحوال الجارية في الأزل إلى الأبد١"٢.
وهذا التعريف صحيح، ولكن ينقصه الشمول، واستيعاب جميع الأفراد؛ وهي مراتب القدر الأربع.
ويمكن أن يعرف القضاء والقدر بأحد التعريفات التالية:
أ_ هو ما سبق به العلم، وجرى به القلم مما هو كائن إلى الأبد، وأنه _عز وجل_ قدر مقادير الخلائق، وما يكون من الأشياء قبل أن تقع في الأزل، وعلم - ﷾ - أنها ستقع في أوقات معلومة عنده _تعالى_ وعلى صفات مخصوصة؛ فهي تقع على حسب ما قدرها"٣.
ب_ وعُرِّف بأنه: تقدير الله للكائنات حسبما سبق به علمُه، واقتضته حكمته٤.
وهو تعريف مختصر لطيف.
ج_ هو تقدير الله - تعالى - للأشياء في القِدَم، وعلمه - سبحانه - أنها ستقع في أوقات معلومة وعلى صفات مخصوصة، وكتابته لذلك، ومشيئته له، ووقوعها
_________________
(١) ١_ الأزل: هو الشيء الذي لا بداية له، والأبد: هو الشيء الذي لا نهاية له. أو يقال: الأزل: هو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية من جانب الماضي، والأبد: هو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية من جانب المستقبل. انظر التعريفات للجرجاني ص٧. ٢_ التعريفات للجرجاني ص١٧٧. ٣_ هذا تعريف السفاريني × انظر لوامع الأنوار البهية ١/٣٤٨. ٤_ هذا تعريف الشيخ محمد بن عثيمين × انظر كتابه رسائل في العقيدة ص٣٧.
[ ١٧٤ ]
على حسب ما قدرها، وخلقه لها١.
وهذا التعريف من أجمع التعاريف، وأشملها.
د_ ويمكن أن يعرف القضاء والقدر تعريفًا مختصرًا فيقال:
هو علم الله بالأشياء، وكتابته، ومشيئته، وخلقه لها.
_________________
(١) ١_ هذا تعريف الشيخ د. عبد الرحمن المحمود، انظر كتابيه: القضاء والقدر ص٣٩ وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/١٣١٠.
[ ١٧٥ ]
رابعا: الفروق بين القضاء والقدر
خامسًا: الفروق بين القضاء والقدر:
اختلف العلماء في ذلك على أقوال، وفيما يلي ذكر لشيء من ذلك:
١_ قيل: "المراد بالقدر: التقدير، وبالقضاء: الخلق كقوله _تعالى_: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، أي خلقهن.
فالقضاء والقدر أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس وهو القدر، والآخر بمنزلة البناء وهو القضاء؛ فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه"٢.
وقال الراغب الأصفهاني ﵀: "والقضاء من الله أخص من القدر؛ لأنه الفصل بين التقدير؛ فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع.
وقد ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المُعَدِّ للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل"٣.
٢_ وقيل العكس؛ فالقضاءُ هو العلم السابق الذي حكم الله به في الأزل،
_________________
(١) ٢_ لسان العرب ٥/١٨٦، والنهاية ٤/٧٨، وانظر الفروق في اللغة لأبي هلال العسكري ص٣٢٨. ٣_ المفردات ص٤٢٣_٤٢٤.
[ ١٧٥ ]
والقدرُ هو وقوع الخلق على وزن الأمر المقضي السابق١.
قال الجرجاني ﵀: "والفرق بين القدر والقضاء هو أن القضاء وجود جميع الموجودات في اللوح المحفوظ مجتمعة، والقدر وجودها متفرقة في الأعيان بعد حصول شرائطها"٢.
وقال مثل ذلك عند تعريفه للقضاء والقدر - كما مر _.
٣_ أنه لا فرق بين القضاء والقدر؛ فكل واحد منهما بمعنى الآخر؛ فإذا أطلق التعريف على أحدهما شمل الآخر؛ ويعبر عن كل واحد منهما كما يعبر عن الآخر؛ فهما مترادفان من هذا الاعتبار، فيقال: هذا قدر الله، ويقال: هذا قضاء الله، ويقال: هذا قضاء الله وقدره٣.
ولعل الأقرب - والله أعلم - أنهما إذا اجتمعا افترقا؛ بحيث يصبح لكل واحد منهما مدلول بحسب ما سبق في الأقوال السابقة.
وإذا افترقا اجتمعا؛ بحيث إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر٤.
وبالجملة فالأمر يسير، والخلاف فيها لا يترتب عليه شيء.
_________________
(١) ١_ انظر القضاء والقدر د. عمر الأشقر ص٢٧. ٢_ التعريفات ص١٧٤. ٣_ انظر القضاء والقدر د. عبد الرحمن المحمود ص٤١. ٤_ انظر الدرر السنية، جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ١/٥١٢_٥١٣.
[ ١٧٦ ]