مدخل
معاني الكلام: الخبر والإنشاء
والمقصود بمعاني الكلام ههنا: أقسامه من حيث كونه خبرًا أو إنشاءًا.
وهذا المبحث يتناوله علماء اللغة، والمعاني، والأصول، والكلام، وغيرهم.
ويَرِد كثيرًا في كتب العقائد.
ويرى بعض الباحثين أن الكلام حول مفهوم الخبر والإنشاء قد نشأ مع نشأة الجدل في عصر المأمون حول فتنة القول بخلق القرآن؛ حيث بنى المعتزلة قولهم بخلق القرآن على أساس أن ما تضمنه لا يخرج عن واحد من ثلاثة: أمر، ونهي، وخبر.
وذلك مما ينفي عنه صفة القدم - بزعمهم _١.
والحديث الآتي سيدور حول إعطاء صورة عامة ميسرة عن مفهوم الخبر والإنشاء الذي يسمى أحيانًا بالطلب.
_________________
(١) ١_ انظر علم المعاني د. عبد العزيز عتيق ص٤٣.
[ ١٦٠ ]
أولًا: الخبر:
أ_ تعريفه: عرف الخبر بأنه: ما يحتمل الصدق والكذب لذاته.
وقيل: الخبر ما يصح أن يقال لقائله: إنه صادق فيه أو كاذب؛ فإن كان مطابقًا للواقع كان قائله صادقًا، وإن كان غير مطابق للواقع كان قائله كاذبًا٢.
وقال ابن فارس ﵀: "أما أهل اللغة فلا يقولون في الخبر أكثر من أنه: إعلام، تقول: أخبرته، أُخْبِره، والخبر هو العلم.
وأهل النظر يقولون: الخبر ما جاز تصديق قائله أو تكذيبه.
_________________
(١) ٢_ انظر علم المعاني ص٤٨.
[ ١٦٠ ]
وهو إفادة المخاطب أمرًا في ماض من زمان، أو مستقبل، أو دائم نحو: قام زيد، ويقوم زيد، وقائم زيد.
ثم يكون واجبًا وجائزًا، وممتنعًا؛ فالواجب قولنا: النار محرقة، والجائز قولنا: لقي زيد عمرًا، والممتنع قولنا: حَمَلَتْ الجَبَلُ"١.
ب_ كون الخبر مثبتًا أو منفيًا: الخبر الذي يحتمل الصدق أو الكذب لذاته إما أن يكون مثبتًا مثل: قام زيد، أو منفيًا مثل: ما قام زيد.
فكل واحد من المثالين يصح أن يقال لمن قاله: صدقت، أو كذبت.
وهكذا بقية المعاني تدور بين الإثبات والنفي.
ج_ معنى كون الخبر يحتمل الصدق والكذب لذاته: يقول البلاغيون: إن احتمال الخبر للصدق والكذب إنما يكون بالنظر إلى مفهوم الكلام الخبريِّ ذاته دون النظر إلى المُخبر أو الواقع؛ إذ لو نظرنا عند الحكم على الخبر بالصدق أو الكذب إلى المُخبر أو الواقع لوجدنا أن من الأخبار ما هو مقطوع بصدقه لا يحتمل كذبًا، وما هو مقطوع بكذبه لا يحتمل صدقًا.
فمن الأخبار المقطوع بصحتها، ولا تحتمل الكذب ألبتة: أخبار الله _عز وجل_ أي كل ما يخبر الله به، وكذلك أخبار رُسله - عليهم الصلاة والسلام _.
ومما يقطع بصحته البديهيات المألوفة مثل: السماء فوقنا، والأرض تحتنا، وماء البحر مالح، وماء النهر عذب.
ومن الأخبار المقطوع بكذبها، ولا تحتمل الصدق: الأخبار المناقضة
_________________
(١) ١_ الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها لأحمد بن فارس ص١٣٣.
[ ١٦١ ]
للبديهيات نحو: الجزء أكبر من الكل، والأسبوع خمسة أيام.
وكذلك الأخبار التي تتضمن حقائق معكوسة نحو: الأمانة رذيلة، والخيانة فضيلة.
ولكن هذه الأخبار المقطوع بصحتها، أو المقطوع بكذبها إذا نظرنا إليها ذاتها دون النظر إلى قائلها، أو إلى الواقع كانت محتملة للصدق والكذب شأنها في ذلك شأن سائر الأخبار١.
د_ المعاني التي يحتملها لفظ الخبر: قد يرد الكلام بلفظ الخبر، ويراد منه معانٍ أخرى.
قال ابن فارس ﵀: "والمعاني التي يحتملها لفظ الخبر كثيرة: فمنها التعجب نحو: ما أحسن زيدًا، والتمني نحو: ودِدتُك عندنا، والإنكار: ما له عليَّ حق، والنفي: لا بأسَ عليك، والأمر نحو قوله - جل ثناؤه _: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] والنهي نحو قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] والتعظيم نحو: سبحان الله، والدعاء نحو: عفا الله عنه، والوعد نحو قوله - جل وعز _: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ [فصلت: ٥٣] والوعيد نحو قوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] والإنكار والتبكيت نحو قوله - جل ثناؤه _: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] .
وربما كان اللفظ خبرًا والمعنى شرطٌ وجزاء، نحو قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] .
_________________
(١) ١_ انظر علم المعاني ص٤٩.
[ ١٦٢ ]
فظاهره خبر، والمعنى: إنا إن نكشف عنكم العذاب تعودوا.
ومثله ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩] المعنى: مَنْ طلقَ امرأته مرتين فليمسكها بعدهما بمعروف أو يسرحها بإحسان.
والذي ذكرنا في قوله - جل ثناؤه _: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ فهو تبكيت، وقد جاء في الشعر مثله، قال شاعر يهجو جريرًا:
أبلغْ جريرًا وأبلغ مَنْ يُبلغُه أني الأغرُّ وأني زهرةُ اليَمَنِ
فقال جرير مبكتًا له:
ألم تكن في وُسُوم قد وَسَمْتَ بها من حَانَ موعظةٌ يا زهرة اليمنِ؟
ويكون اللفظ خبرًا، والمعنى دعاء وطلب، وقد مر في الجملة.
ونحوه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] معناه: فأعنا على عبادتك.
ويقول القائل: "أستغفر الله"، والمعنى: اغْفِر.
قال الله - جل ثناؤه _: ﴿لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ [يوسف:٩٢] .
ويقول الشاعر:
أستغفر الله ذنبًا لستُ مُحْصِيَهُ ربَّ العبادِ إليه الوجهُ والعملُ"١
_________________
(١) ١_ الصاحبي ص١٣٣_١٣٤.
[ ١٦٣ ]
ثانيًا: الإنشاء:
الإنشاء هو قسيم الخبر، وقد يعبر عنه أحيانًا بالطلبِ، والحديثُ عنه سيتناول ما يلي:
[ ١٦٣ ]
أ_ تعريفه: قيل: هو الكلام الذي لا يحتمل الصدق والكذب لذاته.
وعلى حد تعبير البلاغيين: هو ما يستدعي مطلوبًا غير حاصل في وقت الطلب.
أو - كما يقولون بعبارة أخرى _: هو ما يتأخر وجود معناه عن وجود لفظه١.
ب_ أمثلة للإنشاء: ١_ قال أحد الحكماء لابنه: "يا بني تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الحديث".
٢_ قال ابن عباس - ﵄ - يوصي رجلًا: "لا تتلكم بما لا يعنيك، ودع الكلام في كثير مما يعنيك حتى تجد له موضعًا"٢.
ج_ ما سبب كون الإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب لذاته؟: لأنه ليس لمدلول لفظه قبل النطق واقع خارجي يمكن أن يقارن به؛ فإن طابقه قيل: إنه صادق، وإن خالفه قيل: إنه كاذب.
ولمزيد من التوضيح يمكننا النظر إلى المثالين الماضيين في فقرة ب.
ففي المثال الأول نداء وأمر، وفي المثال الثاني نهي وأمر.
وأنت لا تستطيع أن تقول لمن ينادي شخصًا، ويأمره، وينهاه: إنك صادق أو كاذب؛ لأنه لا يُعلمنا بحصول شيء أو عدم حصوله.
إن من ينادي أو يأمر أو ينهى ليس لندائه، أو أمره، أو نهيه وجود خارجي قبل حصول النداء أو الأمر أو النهي؛ فكيف يحتمل كلامه الصدق أو الكذب، وذلك لا يكون إلا بمطابقة الواقع، أو عدم المطابقة.
_________________
(١) ١_ انظر علم المعاني ص٨٠. ٢_ انظر معجم البلاغة العربية د. بدوي طبانة ص٦٦٥.
[ ١٦٤ ]
وفي مثل هذه الأساليب لا واقع تعرض عليه مدلولاتها وتقارن به.
ومثل هذا القول ينطبق على سائر أساليب وأنواع الإنشاء الأخرى من استفهام، وتمنٍّ، وغيرها.
وعدم احتمال الأسلوب الإنشائي للصدق والكذب إنما هو بالنظر إلى ذات الأسلوب بغض النظر عما يستلزمه.
وإلا فإنه يستلزم خبرًا يحتمل الصدق والكذب؛ فقول القائل: "يا بني تعلم" يستلزم خبرًا هو: أنا طالب منك التعلم، وقول القائل: "لا تتكلم" يستلزم خبرًا هو: أنا طالب منك عدم التكلم، وهكذا
ولكن ما تستلزمه الصيغة الإنشائية من الخبر ليس مقصودًا ولا منظورًا إليه.
إنما المقصود والمنظور إليه هو ذات الصيغة الإنشائية.
وبذلك يكون عدم احتمال الإنشاء للصدق والكذب إنما هو بالنظر إلى ذات الإنشاء١.
د_ أقسام الإنشاء: ينقسم الإنشاء إلى قسمين: طلبي وغير الطلبي.
- الإنشاء الطلبي: وهو الذي يستدعي مطلوبًا غير حاصل وقت الطلب.
وهو خمسة أنواع:
١_ الأمر: وهو طلب الفعل على وجه الاستعلاء والإلزام نحو قوله - تعالى _: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] .
وللأمر أربع صيغ تنوب كل منها مناب الأخرى في طلب أي فعل من الأفعال
_________________
(١) ١_ انظر البلاغة العربية ص٦٦٥، وعلم المعاني ص٧٤_٧٥.
[ ١٦٥ ]
على وجه الاستعلاء والإلزام، وهي:
أ_ فعل الأمر: كما في المثال الماضي، وكما في قوله - تعالى _: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] .
ب_ المضارع المقرون بلام الأمر: كما في قوله - تعالى _: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: ٣] .
ج_ اسم فعل الأمر: كما في قوله - تعالى _: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] .
د_ المصدر النائب عن فعل الأمر كما في قوله - تعالى _: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣] .
وقوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] .
٢_ النهي: وهو طلب الكف عن الفعل، أو الامتناع عنه على وجه الاستعلاء والإلزام.
وللنهي صيغة واحدة وهي المضارع المقرون بـ: لا الناهية الجازمة، نحو قوله _تعالى_: ﴿وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] .
٣_ الاستفهام: وهو طلب العلم بشيء لم يكن معلومًا من قبل بأداة خاصة.
وأدوات الاستفهام كثيرة منها الهمزة، وهل، نحو قوله - تعالى _: ﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠] .
وقوله: ﴿هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] .
٤_ التمني: وهو طلب أمر محبوب لا يرجى حصوله إما لكونه مستحيلًا
[ ١٦٦ ]
_والإنسان كثيرًا ما يحب المستحيل ويطلبه_ وإما لكونه ممكنًا غير مطموع في نيله.
فمثال الأول قول الشاعر:
ألا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب
ومثال الثاني قوله - تعالى _: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص] .
٥_ النداء: وهو طلب إقبال المدعو على الداعي بأحد حروف النداء.
وهذه الحروف ينوب كل حرف منها مناب الفعل أدعو.
وهي: الهمزة، وأي، ويا، وأيا، وهيا، وآ، وآي، ووا، نحو قوله _تعالى_: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣] .
هذه هي أنواع الإنشاء الطلبي على سبيل الإجمال، ولها في كتب اللغة والبلاغة وعلم المعاني على وجه التحديد تفصيلات يطول ذكرها ١.
-الإنشاء غير الطلبي: وهو ما لا يستدعي مطلوبًا.
وله أساليب وصيغ كثيرة منها: ١_ صيغ المدح والذم، مثل: نعم وبئس، وحبذا ولا حبذا.
٢_ وصيغ العقود نحو: بعت، واشتريت، ووهبت، وأعتقت.
٣_ القسم: بالواو، أو بالباء، أو بالتاء.
٤_ التعجب، نحو: ما أكرمه، وأكرم به.
٥_ الرجاء بـ: عسى، أو اخلولق، وحرى مثل: ﴿فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ
_________________
(١) ١_ انظر الصاحبي ص١٣٤_١٤١، وعلم المعاني ص٧٥_١٢٩.
[ ١٦٧ ]
أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ [المائدة: ٥٢] .
ولا يبحث علماء البلاغة في الإنشاء غير الطلبي؛ لأن أكثر صيغه في الأصل أخبار نقلت إلى الإنشاء ١.
_________________
(١) ١_ انظر البلاغة العربية ص٤٨٠_٤٨١.
[ ١٦٨ ]