مدخل
مدخل
مصطلح الفلسفة والفلاسفة مصطلح يرد كثيرًا في كتب العقائد، وفيما يلي نبذة عن الفلسفة والفلاسفة، وذلك من خلال ما يلي:
[ ٩٤ ]
أولًا: مفهوم الفلسفة:
١_ منشأ هذه الكلمة: الفلسفة كلمة معرَّبة عن اليونانية، فهي لفظ يوناني نشأ أول ما نشأ في بلاد اليونان١.
٢_ أصلها الوضعي، وسبب تسميتها بذلك: لفظ "الفلسفة" مركب من كلمتين يونانيتين هما:
١_ فيلو، أو فيلا ومعناهما: المحبة، أو الإيثار.
٢_ سوفيس، أو سوفيا ومعناهما: الحكمة فهذا هو أصل الكلمة وسبب تسميتها بذلك٢.
٣_ تعريف الفلسفة الوضعي الأصلي: من خلال ما مضى يتبين لنا أن الفلسفة باعتبار الوضع الأصلي تعرف بـ: "محبة الحكمة، أو إيثار الحكمة".
ويعرَّفُ الفيلسوف بأنه: محب الحكمة، أو المؤثر للحكمة٣.
_________________
(١) ١_ ٢_ ٣_ انظر المدرسة الفلسفية في الإسلام بين المشائية والإشراقيه. أ. د محمد إبراهيم الفيومي ضمن أبحاث ندوة نحو فلسفة إسلامية معاصرة ص٧٥، والموسوعة الميسرة في الأديان أو الأحزاب والمذاهب المعاصرة ٢/ ١١٠٨ - ١١٠٩.
[ ٩٤ ]
٤_ تطور دلالة كلمة الفلسفة: مر مصطلح الفلسفة بعدة أطوار وعلى هذا فإن تعريف الفلسفة يختلف باختلاف الأطوار كما أنه يختلف باختلاف الفلاسفة الذين وضعوا لها حدودًا وتعريفات.
٥_ نماذج من تعريفات الفلسفة عند الفلاسفة:
للفلسفة عند الفلاسفة تعريفات عديدة وقد تكون في مجملها متقاربة فمن تلك التعريفات ما يلي:
١ـ البحث عن الحقيقة.
٢ـ حب المعرفة.
٣ـ وعرفها الكندي بقوله: هي علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان١.
٤ـ وعرفها في موضع آخر بقوله: هي علم الحق الأول الذي هو علة كل حق٢.
٥ـ وعرفها الفارابي بقوله: إنها العلم بالموجودات بما هي موجودة ٣.
٦ـ وعرفها - أيضًا - بقوله: علم بمقدار الطاقة الإنسية٤.
٧ـ وعرفها - كذلك - بالعلم الوحيد الجامع الذي يضع أمامنا صورة شاملة للكون٥.
٨ـ وعرفها _أيضًا_ بقوله: هي العلم الذي يعطي الموجودات معقولية ببراهين عقلية٦.
_________________
(١) ٢ - انظر المدرسة الفلسفية في الإسلام ص١٢٤.
(٢) ٤ - ٥ - ٦ـ المرجع السابق ص١٢٦.
[ ٩٥ ]
٩ـ وعرفها ابن سينا بقوله: الحكمة: استكمال النفس الإنسانية بتصور الأمور والتصديق بالحقائق النظرية والعلمية على قدر الطاقة الإنسانية١.
٦_ تعريف الفلسفة عند الإطلاق، وفي الاصطلاح العام: كما مر من أن الفلسفة مرت بأطوار، ولعل آخر أطوارها هو ما استقر عليه أمر الفلسفة؛ حيث صارت تطلق على آراء محددة، ونظرات خاصة للكون، والوحي، والنبوات، والإلهيات، ونحو ذلك.
وصارت تعنى بالعقل، وتقدمه على النقل، بل أصبح العقل عند الفلاسفة إلهًا ومصدرًا للتلقي.
وعلى هذا فإنه يمكن تعريف الفلسفة - عند الإطلاق - فيقال: "هي النظر العقلي المتحرر من كل قيد وسلطة تفرض عليه من الخارج، بحيث يكون العقل حاكمًا على الوحي، والعرف، ونحو ذلك"٢.
_________________
(١) المرجع السابق ١٢٥.
(٢) انظر الموسوعة الميسرة ٢/١١٠٩.
[ ٩٦ ]
ثانيًا: نشأة الفلسفة ودخولها في ديار الإسلام:
أولًا: نشأة الفلسفة: نشأت الفلسفة واشتهرت في بلاد اليونان، بل وأصبحت مقترنة بها على الرغم من وجود الفلسفات في الحضارات المصرية، والهندية، والفارسية القديمة.
وما ذلك إلا لاهتمام فلاسفة اليونان بنقلها من تراث الشعوب الوثنية، وبقايا الديانات السماوية مستفيدين من صحف إبراهيم وموسى ﵉ بعد انتصار اليونانيين على العبرانيين بعد السبي البابلي١.
_________________
(١) ١_ السبي البابلي: هي المأساة التي يتذكرها اليهود بحسرة ومرارة، وهي ما حصل لهم عام ٦٠٣ قبل الميلاد، وقيل ٦٠٥ على يد عدد من الملوك البابليين. وقد أُثير حول هذه المأساة جدل كبير، ونُسجت فيه خرافات وأساطير، ولا تزال الدراسات عنها إلى يومنا هذا. ولهذا صار العراق أحد مواطن الفجيعة والحزن لدى اليهود؛ فمنه انطلقت القوات التي قضت على دولة إسرائيل في العهد القديم عهد الملك الكلداني البابلي نبوخذ نصر، وانتهت حربه بواحدة من أكبر الفواجع في التاريخ اليهودي، وهي ما أطلق عليه مأساة السبي البابلي. ففي عام ٦٠٣ أو ٦٠٥ قبل الميلاد تولى نبوخذ نصر العرش الكلداني البابلي في العراق، وفي عهده بلغت الدولة أوجها، وحالف الملك اليهودي يواقيم إلا أن العلاقات بينهما تدهورت عندما حاول يواقيم التخلص من الحلف مع جاره القوي؛ فجرد نبوخذ نصر حملة عسكرية حاصر فيها القدس، وفتحها، واقتاد الملك الجديد يهويا كين، وحاشيته، وأركان حكمه، وأشراف دولته إلى بابل عام ٥٨٦ قبل الميلاد. وتشير بعض الروايات التاريخية إلى سبي بابلي لاحق بعد محاولة صدقيا ملك يهودا التمرد على الحكم الكلداني مما أدى إلى تجريد حملة بابلية أخرى انتهت عام ٥٨٦ قبل الميلاد بحرق هيكل سليمان بن داود - ﵇ - والقضاء على الدولة العبرية، وسبي حوالي ٥٠ ألف يهودي إلى العراق هم أغلبية ما تبقى في القدس، وقد ساقهم الكلدانيون مكبلين بالحديد والأصفاد إلى أراضي العراق.
[ ٩٧ ]
وربما استفادوا من حكمة لقمان ﵇ فجاءت فلسفتهم خليطًا بين نزعات شتى.
وقد استوى ساق الفلسفة على يد أفلاطون ومن بعده أرسطو وغيرهما١.
ثانيًا: دخول الفلسفة في ديار الإسلام: دخلت الفلسفة ديار الإسلام في القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي وذلك في عهد الخليفة العباسي المأمون.
ولقد سبق العرب فلاسفة الغرب بالاتصال بالفلسفة اليونانية؛ إذ إنها لم تصل إلى الغرب إلا في القرنين الميلاديين الثاني عشر والثالث عشر معتمدين على ما خلَّفه الفلاسفة المنتسبون إلى الإسلام الذين تخصصوا في دراستها أوفي نقلها من النص السرياني، أو اليوناني إلى اللسان العربي، ثم نقلت إلى لسان الغرب٢.
_________________
(١) وقد اختُلف كثيرًا في هذا السبي - كما مر - واختُلف في مدة وقوعه؛ فقيل استمر ٧٠ سنة، وقيل ١٤٠ سنة. وتحتفل الأدبيات اليهودية بالكثير من البكائيات، والذكريات المريرة عن هذه المحنة. ولهذا يشعر اليهود أن امتلاك العراق لأي قوة فائقة يمكن أن يهدد أمن إسرائيل، وربما يؤدي إلى تكرار محنة السبي البابلي من جديد. ولعل ما يؤكد ذلك ما قاله مناحيم بيغن رئيس الوزراء الإسرائيلي عام ١٩٨١م بعد الغارة على المفاعل النووي العراقي؛ حيث أعلن أنه لو لم يدمر المفاعل النووي العراقي لحدثت محرقة جديدة في تاريخ الشعب اليهودي. ولعل هذا يفسر سر الهجمة على العراق، ومحاولة تفكيكه، وإضعافه.
(٢) انظر المدرسة الفلسفية في الإسلام بين المشائية والإشراقية ص٧٥ـ٧٩، والموسوعة الميسرة ٢/١١٠٩.
(٣) انظر المرجع السابق.
[ ٩٨ ]
ثالثا: أشهر المنتسبين إلى الإسلام
ثالثًا: أشهر الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام:
١ـ الكندي: وهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق الكندي المتوفى سنة ٢٦٠هـ ويطلق عليه فيلسوف العرب.
٢ـ الفارابي: المتوفى سنة ٣٣٩هـ ويطلق عليه المعلم الثاني بعد المعلم الأول وهو أرسطو وستأتي ترجمته عند الحديث عن معتقده.
٣ـ ابن سينا: ويطلق عليه الشيخ الرئيس المتوفى سنة ٤٢٨هـ، وستأتي ترجمته عند الحديث عن معتقده؛ فهؤلاء الثلاثة لم يربط بينهم تاريخ واحد في فترة زمنية محددة، وإنما ربط بينهم مدرستهم الفلسفية، واهتمامهم البالغ بفتح نافذة على تراث الشرق والإغريق.
وهم على تتابعهم التاريخي حملوا مسؤولية الترجمة، والشرح، والتأليف في الفلسفة وطرح القضايا الجديدة على العقل الإسلامي١.
_________________
(١) انظر المدرسة الفلسفية في الإسلام ص٧٥ـ٧٩.
[ ٩٩ ]
رابعا: غاية الفلسفة وموضوعاتها واقسامها
رابعًا: غاية الفلسفة، وموضوعها، وأقسامها:
١_ غاية الفلسفة: كانت غاية الفلسفة في بداية أمرها محبة الحكمة، ثم تصرف فيها بعض الفلاسفة؛ فصار الغاية منها الجدل لذات الجدل.
ومن الفلاسفة - كالفارابي - من يرى أن الفلسفة على الحقيقة إنما معناها وثمرتها، والغرض المقصود من تعلُّمها ليس شيئًا غير إصلاح النفس.١
٢_ موضوع الفلسفة: تكاد موضوعات الفلسفة تنحصر بما يأتي:
١ـ العلوم الرياضية. ٢ـ العلوم الطبيعية.
٣ـ العلوم الإلهية. ٤ـ العلوم المنطقية.
٣_ أقسام الفلاسفة: الفلاسفة منهم الطبيعيون أو الطبائعيون، ومنهم الإلهيون، ومنهم الدهريون، ومنهم الرياضيون.
٤_ أقسام الفلسفة: تختلف الفلسفة بحسب موضوعاتها ويمكن أن تقسم كما يلي:
أـ الفلسفة الحسية: وهي تتحصل بالحواس وموضوعها عالم الطبيعة.
ب - الفلسفة النظرية العقلية: وهي تتم بالاستدلال البرهاني، أو النظر الاستنباطي.
وتسمى هذه الفلسفة أو المدرسة: الفلسفة المشائية.٢
_________________
(١) انظر المدرسة الفلسفية في الإسلام ص ٧٥، و١٤١، و١٥١ـ١٥٢.
(٢) سميت بالمشَّائية نسبة إلى رائدها أرسطو المقدوني الذي يعد أبرز تلامذة أفلاطون، وكان مولده سنة ٣٨٤ قبل الميلاد، وتوفي سنة ٣٢٢ قبل الميلاد عن ٦٣ سنة، وسميت فلسفته بالمشائية لأنه كان يعلم أتباعه وتلاميذه، ويلقي عليهم الدروس وهو يمشي.
[ ١٠٠ ]
٣ـ الفلسفة الإشراقية: وتسمى المشرقية، من الإشراق - أي إشراق النفس واستعدادها _.
وهذه تنال بالحدس، والإلهام، وموضوعها العلوم الإلهية.
[ ١٠١ ]
خامسًا: نبذة عن افتراق الفلاسفة:
الفلسفة تقوم على الأوهام، والخيال، والظن؛ لأنها لا ترتكز على وحي معصوم، وإنما تقوم على نتاج العقولِ، والعقول مهما بلغت فلن تستقل بمعرفة الشرائع، وحقائق الكون، وصحة النظر بكل حال.
ولهذا فإن الاختلاف، والافتراق، والاضطراب دأب الفلاسفة.
ومن الأمور التي يتضح من خلالها افتراق الفلاسفة ما يلي:
١ـ أن آراء الفلاسفة فردية ليس لها معيار ثابت: فهي تختلف باختلاف الفيلسوف، وبيئته، وثقافته، ورؤيته وزاوية بحثه؛ فالمادي يبحث في الحقيقة المادية، والفيلسوف الميتافيزيقي يبحث في الحقيقة الميتافيزيقية، وهكذا
٢ـ أن الحقيقة في أدوار الفلسفة غير ثابتة: فلكل فيلسوف وجهته، وكل فيلسوف يناقض غيره.
ثم إن ثقافة الفيلسوف، وبيئته، وأستاذه، وتيارات مجتمعه كل أولئك لهم تأثيرهم في رؤية الفيلسوف وصنع عقليته.
٣ـ كثرة اضطراب الفلاسفة وشكهم: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض حديث له عن الفلاسفة والمتكلمين: "أنك تجدهم أعظم الناس شكًا واضطرابًا، وأضعف الناس علمًا وبيانًا، وهذا أمر يجدونه في أنفسهم، ويشهده الناس منهم، وشواهد ذلك أعظم من أن نذكرها.
وإنما فضيلة أحدهم باقتداره على الاعتراض، والقدح، والجدل.
ومن المعلوم أن الاعتراض والقدح ليس بعلم ولا فيه منفعة.
وأحسن أحوال صاحبه أن يكون بمنزلة العامي، وإنما العلم في جواب السؤال، ولهذا تجد غالب حججهم تتكافأ؛ إذ كل منهم يقدح في أدلة الآخر"١.
_________________
(١) نقض المنطق لابن تيمية ص٢٥.
[ ١٠٢ ]
سادسًا: مذهب متقدمي الفلاسفة في الإلهيات والشرائع:
الفلاسفة المتقدمين كأرسطو وغيره أجهل الناس في الشرائع والأمور الإلهية، وأكثرهم اضطرابًا وتناقضًا، وأكثر كلامهم فيها خبط عشواء؛ لأنهم لم يستضيئوا بأنوار الرسالة، ولا كانت عندهم شريعة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "للمتفلسفة في الطبيعيات خوض وتفصيل تميزوا به بخلاف الإلهيات؛ فإنهم من أجهل الناس بها، وأبعدهم عن معرفة الحق فيها.
وكلام أرسطو معلمهم فيها قليل كثير الخطأ فهو لحم جمل غثٍّ على رأس جبل وعرٍ؛ لا سهل فيرتقى، ولا سمين فيقلى"١.
وقال ﵀ في معرض حديث له عن الفلاسفة وأهل الكلام: "لكن من المعلوم من حيث الجملة أن الفلاسفة والمتكلمين من أعظم بني آدم حشوًا وقولًا للباطل، وتكذيبًا للحق في مسائلهم ودلائلهم، لا يكاد - والله أعلم - تخلو لهم مسألة واحدة عن ذلك"٢.
وإليك فيما يلي نماذجَ من ضلالات الفلاسفة على سبيل الإجمال:
١ـ يقولون بقدم العالم.
٢ـ يقولون: بأن الله يعلم الكليات دون الجزئيات.
٣ـ يقولون: بأن منزلة الفيلسوف كمنزلة النبي، وربما فضل بعضهم الفيلسوف على النبي.
_________________
(١) مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية ١/١٨٦.
(٢) نقض المنطق لابن تيمية ص٢٤.
[ ١٠٣ ]
٤ـ يقولون: بحشر الأرواح دون الأجساد.
٥ـ يقولون: بأن الجنة والنار أمثال مضروبة وخيالات؛ لتفهيم العوام، وضبطهم دون أن يكون لها حقيقة في الخارج.
٦ـ يرون: أن العقل مقدم على الوحي.
هذا وسيأتي مزيد بيان لهذا عند الحديث عن معتقد الفارابي وابن سينا.
[ ١٠٤ ]
سابعًا: معتقد الفارابي وابن سينا:
١_ تعريف بالفارابي: هو أبو نصر محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان ولد سنة ٢٥٩هـ في فاراب وهي مدينة من بلاد الترك من أرض خراسان، وكان أبوه قائد جيش، وهو فارسي المنسب، وكان ببغداد مدة ثم انتقل إلى الشام، وأقام بها إلى حين وفاته.
كان متقنًا للفلسفة، بارعًا في العلوم الرياضية، وكانت له قوة في صناعة الطب ولم يباشر أعمالها.
وكان قوي الذكاء، ذا زهد وبعد عن الدنيا.
ويذكر أنه كان في أول أمره قاضيًا، فلما شعر بالمعارف نبذ ذلك، وأقبل بكليته على تعلمها.
ويذكر أنه صنع آلة غريبة يستمع منها ألحانًا يحرك بها الانفعالات.
ويذكر أن سبب قراءته للفلسفة أن رجلًا أودع عنده جملة من كتب أرسطو طاليس؛ فاتفق أن نظر فيها؛ فوافقت منه قبولًا، فتحرى قراءتها، ولم يزل حتى أتقن فهمها، وصار فيلسوفًا من كبار الفلاسفة.
وقال الفارابي عن نفسه: إنه تعلم الفلسفة من يوحنا بن جيلان إلى آخر كتاب البرهان.
وكان يحسن عدة لغات غير العربية: منها التركية، والفارسية، ويلم بالسريانية.
[ ١٠٥ ]
أما وفاته فكانت في رجب سنة ٣٣٩هـ عند سيف الدولة علي بن حمدان في خلافة الراضي، وصلى عليه سيف الدولة في دمشق في خمسة عشر رجلًا من خاصته١.
٢_ تعريف بابن سينا: هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن علي بن سينا الفيلسوف المشهور المعروف بابن سينا الملقب بالشيخ الرئيس.
يقول عن نفسه: إن أبي كان رجلًا من أهل بلخ، وانتقل منها إلى بخارى في أيام نوح بن منصور، واشتغل بالتصوف، وتولى العمل في أثناء أيامه بقرية يقال لها: خرميثن٢ من ضياع بخارى، وهي من أمهات القرى، وبقربها قرية يقال لها: أفشفة، وتزوج أبي منها بوالدتي، وقطن بها وسكن وَوُلِدْتُ بها، ثم وُلِدَ أخي، ثم انتقلنا إلى بخارى، وأحضرت معلم القرآن ومعلم الآداب، وأكملت العشر من العمر، وقد أتيت على القرآن، وعلى كثير من الآداب حتى كان يقضي مني العجب.
وكان أبي ممن أجاب داعي المصريين، ويعد من الإسماعيلية٣.
وتعد حياة ابن سينا حياةً غريبة صاخبة مليئة بالمتناقضات.
فقد كان مكبًا على التحصيل والاطلاع، والتأليف والتصنيف.
وكان معايشًا للحياة السياسية في عصره، وكان من أكبر أطباء العصر والبلاط.
_________________
(١) انظر المدرسة الفلسفية في الإسلام ص٨٤ـ٨٥.
(٢) انظر معجم البلدان لياقوت الحموي ٣/٢٢٧.
(٣) انظر المدرسة الفلسفية في الإسلام ص١٠١ـ١١٠.
[ ١٠٦ ]
وعاش حياته الاجتماعية وما فيها من لهو، ولذات، وشرب خمر، وغناء، ونساء؛ فكان نهاره مع الأمير والسياسة، وليله مع التأليف، والتحصيل، والشرب، والغناء.
وكان إذا تحير في مسألة ابتهل إلى مبدع الكل كما يقول، وإذا غلبه النوم عدل إلى شرب قدح من الشراب.
وإليك بعض نصوص من سيرته الخاصة تصور لك الحياة المتناقضة والعجيبة، يقول ابن سينا حكاية عن حاله:
ـ وكلما كنت أتحير في مسألة، ولم أكن أظفر بالحد الأوسط في قياس ترددت إلى الجامع، وصليت، وابتهلت إلى مبدع الكل، حتى فتح لي المنغلق، وتيسر لي المنعسر.
ـ وكنت أرجع بالليل إلى داري، وأضع السراج بين يدي، وأشتغل بالقراءة والكتابة؛ فمهما غلبني النوم، أو شعرت بضعف عدلت إلى شرب قدح من الشراب ريثما تعود إلي قوتي، ثم أرجع إلى القراءة.
ومهما أخذني أدنى نومٍ أحلم بتلك المسائل بأعيانها، حتى إن كثيرًا من المسائل اتضح لي وجوهُها في المنام.
ـ فإذا أفرغنا حضر المغنون على اختلاف طبقاتهم، وهُيِّئ مجلس الشراب بالآنية، وكنا نشتغل به.
ـ فاستقبلنا أصدقاء الشيخ، وندماء الأمير علاء الدولة وخواصه، وحمل إليه الثياب، والمراكب الخاصة، وأنزل في محله، وفيها الآلات، والفرش، وما يحتاج إليه.
[ ١٠٧ ]
ـ وصلينا العشاء، وقدم الشمع، وأمر بإحضار الشراب، وأجلسني وأخاه، وأمر بتناول الشراب١.
فهذه نبذة من أقواله التي تبين بعض معالم شخصيته.
أما مؤلفاته فكثيرة تبلغ العشرات في شتى الفنون، ومنها:
١ـ المجموع مجلدة. ٢ـ الحاصل والمحصول عشرون مجلدة.
٣ـ الإنسان مجلدة. ٤ـ البر والإثم مجلدتان.
٥ـ الشفاء ثمان عشرة مجلدة. ٦ـ القانون أربع عشرة مجلدة.
٧ـ الأدوية القلبية مجلدة. ٨ـ بعض الحكمة المشرقية مجلدة.
وخلاصة الحديث عن ابن سينا: أنه كان من الأذكياء، ووالده كان إسماعيليًا، وكان منهومًا بالقراءة والاطلاع، والتأليف، وكانت حياته غريبة صاخبة مليئة بالمتناقضات.
٣_ معتقد الفارابي وابن سينا: معتقدهم هو معتقد الفلاسفة الأوائل؛ فهم يسلكون في تقرير العقيدة، وبحث الأمور الإلهية مسلك قدماء الفلاسفة؛ فالمنهج الذي يسيرون عليه في ذلك منهج عقلي لا يرجعون فيه إلى ما جاء به الرسول ﷺ ولا يعرفون من العلوم الكلية، ولا العلوم الإلهية إلا ما يعرفه الفلاسفة المتقدمون مع زيادات تلقوها عن بعض أهل الكلام، أو أهل الملة٢.
_________________
(١) انظر المرجع السابق.
(٢) انظر باعث النهضة الإسلامية - ابن تيمية السلفي - نقد لمسالك المتكلمين، والفلاسفة في الإلهيات للشيخ د. محمد خليل هراس ص ٣٩_٤٠.
[ ١٠٨ ]
ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الفارابي، وابن سينا، وغيرهم من الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام - أنهم وإن كانوا قد توسعوا في مباحث الفلسفة، وتكلموا في الإلهيات والنبوات والمعاد بما لا يوجد عند الفلاسفة المتقدمين، وكان كلامهم أجود وأقرب إلى الحق من كلام سلفهم إلا أنهم مزجوا الحق الذي أخذوه من الدين بالباطل الذي بنوه على أصولهم الفلسفية الفاسدة، وحاولوا التوفيق بين الدين والفلسفة، ولكن على حساب الدين؛ فهم يعمدون إلى النصوص، فيؤولونها بتأويلات بعيدة ومتكلفة حتى تتلاءم مع قواعدهم الفلسفية.
فيقولون مثلًا: إن صفات الله التي جاء بها القرآن، ونطقت بها السنة ليست إلا تعبيرات عن ذات واحدة.
ويقولون: إن العرش هو الفلك التاسع، والكرسي هو الفلك الثامن، والملائكة هي النفوس والقوى التي في الأجسام، وما يحدث من العالم من خوارق العادات حتى معجزات الأنبياء إنما سببه عندهم قوة فلكية، أو طبيعية، أو نفسانية إلى غير ذلك من الأمور التي وجدوها في الفلسفة فتمحَّلوا لها نصوصًا من الدين١.
_________________
(١) انظر المرجع السابق، ومنهاج السنة لابن تيمية ١/٩٦، وتفسير سورة الإخلاص لابن تيمية ص٨٤.
[ ١٠٩ ]
ثامنًا: بيانُ علماءِ الإسلامِ ضلالَ الفلاسفة، وانحرافهم عن سواء الصراط:
هذا وقد بين علماء الإسلام ضلال الفلاسفة، وانحرافهم عن سواء الصراط:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:"حدثني ابن الشيخ الخضيري١ عن والده الشيخ الخضيري شيخ الحنفية في زمنه - قال: كان فقهاء بخارى يقولون: إن ابن سينا كان كافرًا ذكيًا"٢.
وقال ابن القيم رحمه اللهعن ابن سينا: "فالرجل معطل مشرك جاحد للنبوات والمعاد، ولا مبدأ عنده ولا معاد، ولا رسول ولا كتاب"٣.
وقال الذهبي ﵀ عن ابن سينا: "وما أعلم روى شيئًا من العلم، ولو روى لما حلت الرواية عنه لأنه فلسفي النحلة ضال"٤.
وقال عنه ابن كثير ﵀: "وقد حصر الغزالي كلامه في مقاصد الفلاسفة ثم رد عليه في تهافت الفلاسفة في عشرين مجلسًا، وكفره في ثلاث منها، وهي قوله بقدم العالم، وعدم المعاد الجثماني، وأن الله لا يعلم الجزئيات، وبدّعه في البواقي"٥.
هذا وسيأتي مزيد بيان عن ضلال الفلاسفة في الفقرة التالية - إن شاء الله ـ.
_________________
(١) قال الشيخ البحاثة سليمان الصنيع ﵀ في حاشية كتاب نقض المنطق ص١٨١:"الصواب الحصيري بالحاء والصاد نسبة إلى محلة يعمل فيها الحصير".
(٢) نقض المنطق ص١٨١.
(٣) إغاثة اللهفان ص٦٢٠.
(٤) ميزان الاعتدال ١/٥٣٩.
(٥) البداية والنهاية ١٢/٤٦.
[ ١١٠ ]
تاسعًا: الأدلة على الاستغناء بما جاءت به الرسل عن أفكار الفلاسفة
ما جاءت به الرسل الكرام - عليهم الصلاة والسلام - يغني عن أفكار الفلاسفة، والأدلة على ذلك كثيرة جدًّا، وإليك طرفًا من ذلك على سبيل الإجمال:
١ـ أن الرسل جاءوا بالوحي المعصوم: الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
أما ما جاءت به الفلاسفة فخيالات وظنون، وهوس وضلال.
فمصدر ما جاءت به الرسل هو الوحي، ومصدر ما جاءت به الفلاسفة هو العقل.
٢ـ أن ما جاءت به الرسل من أصول الدين متفق مؤتلف: فهو مثانٍ متشابهٌ يصدِّق بعضه بعضًا، ويدل بعضه على بعض.
بخلاف ما جاءت به الفلاسفة فهو - في أغلبه - متناقض متهافت.
٣ـ أن ما جاءت به الرسل يتلاءم مع الفطرة، بخلاف كلام الفلسفة فهو يعمي الفطر، ويبلد الإحساس.
٤ـ أن ما جاءت به الرسل واضح جلي: يفهمه العالم والعامي، ويدركه العربي والعجمي، والصغير والكبير.
بخلاف كلام الفلاسفة؛ فهو أشبه ما يكون - في أغلبه - بالطلاسم، والرموز.
[ ١١١ ]
٥ـ أن ما جاءت به الرسل حق كله: بل لا سبيل إلى الحق إلا عن طريقهم بخلاف ما جاءت به الفلاسفة؛ فهو - في أغلبه - باطل، وما فيه من حق إنما هو ما أخذ من طريق الرسل أو أتباعهم.
٦ـ أن السعادة في الدنيا والآخرة إنما تكون باتباع ما جاءت به الرسل: وأن الشقاء في الدنيا والآخرة إنما يكون بالإعراض عما جاءوا به، ويوم القيامة لن يقال:"ماذا أجبتم الفلاسفة"، وإنما سيقال: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ﴾ .
٧ـ أن اتِّباع الرسل خير وبركة واجتماع: وأما اتباع الفلاسفة فشكٌ، وحيرة، وعمى، واضطراب، وافتراق.
٨_ أن أتْباع الرسل هم أسعد الناس، وأعلم الناس، وأزكى الناس، وأعلاهم رتبة في كل فضيلة: فهذه الأمور تعظم وتزداد بحسب الاتباع، وكل من اتبع الرسل فله نصيب من ذلك بحسبه.
بخلاف أتباع الفلاسفة فهم - وإن أوتوا عقولًا، وفهومًا - فإنهم يعيشون في قلق، وضيق، وضنك.
قال - تعالى ـ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ﴾ [طه:١٢٤] .
هذه بعض الأمور التي تؤيد ما ذكر سابقًا، والأدلة النقلية، والعقلية، والفطرية، والواقعية تدل على ذلك.
وسيأتي مزيد بيان لهذه الفقرة في الفقرة التالية.
[ ١١٢ ]
عاشرًا: من أقوال بعض العلماء في ذم الفلسفة، وتعظيم ما جاءت به الرسل
لقد تصدى علماء الإسلام ﵏ للفلسفة، وبينوا عوارها وزيفها، وبينوا في الوقت نفسه عظم ما جاءت به الرسل من الحق، والهدى، والسعادة.
ويأتي على رأس هؤلاء العلماء شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
فهو ممن خَبرَ الفلسفة، وسبر غورها، ورد على الفلاسفة، وبين بطلان ما هم عليه بالدليل النقلي والعقلي.
بل إنه ﵀ استطاع أن يعكس الأمر على خصومه، ويشككهم في معقولاتهم، واستطاع أن يقوم بنفس الدور الذي قام به الفلاسفة حينما كانوا يجرُّون النصوص إلى الفلسفة، فأخذ هو يجرُّ العقل إلى خدمة النقل.
وفي سبيل ذلك اضطر إلى أن يهدم كثيرًا من قضايا العقل التي يظنها الناس ضرورية، وأن يقيم مكانها أخرى تتلاءم مع نصوص الشرع الصريحة بحيث لا يُحتاج بإزاء هذه النصوص إلى إنكار أو تأويل.
وقد ألف كتبًا في هذا السياق، ومنها: "نقض المنطق"، و"درء تعارض العقل والنقل"، وغيرها.
وقد استطاع أن يوفق بين العقل والنقل، وأن يزيل ما عساه يُتَوهم بينهما من تعارض، وأن يثبت أن المعقولات الصريحة لا تتنافى بأية حال مع المنقولات الصحيحة، وأن كل ما يُتحدث به عن اختلاف بينهما فسببه أحد أمرين:
إما اختلاط في العقل، وإما جهل بالنص١.
_________________
(١) انظر إلى باعث النهضة الإسلامية - ابن تيمية السلفي ص٥٢.
[ ١١٣ ]
فإليك بعض النقول من كلام ذلك الإمام، وبعد ذلك نَقْلٌ من كلام ابن القيم - رحمهما الله - ومن خلالها يستبين لنا أن ما جاءت به الرسل هو الحق الذي لا مرية فيه، وأن كلام الفلاسفة باطل من أساسه.
كما يتبين من خلال ذلك عظم رسالة نبينا محمد ﷺ وبركتها، وبركة أتباعها.
فإلى تلك النُّقول.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
١ـ "فقد تبين أن أصل السعادة وأصل النجاة من العذاب هو توحيد الله وحده لا شريك له، والإيمان برسله واليوم الآخر، والعمل الصالح"١.
٢ـ وقال:"من المعلوم أن المعظمين للفلسفة والكلام المعتقدين لمضمونها هم أبعد الناس عن معرفة الحديث، وأبعد عن اتِّباعه من هؤلاء.
هذا أمرٌ محسوس، بل إذا كشفت أحوالهم وجدتهم من أجهل الناس بأقواله " وأحواله، وبواطن أموره وظواهرها، حتى لتجد كثيرًا من العامة أعلم بذلك منهم، ولتجدهم لا يميزون بين ما قاله الرسول وما لم يقله، بل قد لا يفرقون بين حديث متواتر عنه، وحديث مكذوب موضوع عليه، وإنما يعتمدون في موافقته على ما يوافق قولهم، سواء كان موضوعًا أو غير موضوع"٢.
٣ـ وقال:"وما يوجد من إقرار أئمة الكلام والفلسفة وشهادتهم على أنفسهم وعلى بني جنسهم بالضلال، ومن شهادة أئمة الكلام والفلسفة بعضهم على
_________________
(١) نقض المنطق ص١٧٦.
(٢) المصدر السابق ص٨١_٨٢
[ ١١٤ ]
بعض كذلك - فأكثر من أن يحتمله هذا الموضع، وكذلك ما يوجد من رجوع أئمتهم إلى مذهب عموم أهل السنة وعجائزهم كثير، وأئمة السنة والحديث لا يرجع منهم أحد؛ لأن "الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد"، وكذلك ما يوجد من شهادتهم لأهل الحديث بالسلامة والخلاص من أنواع الضلال، وهم لا يشهدون لأهل البدع إلا بالضلال، وهذا باب واسع كما قدمناه"١.
٤ـ وقال:"وإذا كانت سعادة الدنيا والآخرة هي باتِّباع المرسلين - فمن المعلوم أن أحق الناس بذلك: هم أعلمهم بآثار المرسلين وأتبعهم لذلك؛ فالعالمون بأقوالهم وأفعالهم المتبعون لها هم أهل السعادة في كل زمان ومكان، وهم الطائفة الناجية من أهل كل ملة، وهم أهل السنة والحديث من هذه الأمة؛ فإنهم يشاركون سائر الأمة فيما عندهم من أمور الرسالة، ويمتازون عنهم بما اختصوا به من العلم الموروث عن الرسول ﷺ: "مما يجهله غيرهم أو يكذب به" ٢.
٥ـ وقال:"والمقصود: أن ما عند عوام المؤمنين وعلمائهم - أهل السنة والجماعة - من المعرفة والطمأنينة، والجزم الحق والقول الثابت، والقطع بما هم عليه، أمر لا ينازع فيه إلا من سلبه الله العقل والدين"٣.
٦ـ وقال:"وبالجملة؛ فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة؛ بل المتفلسف أعظم اضطرابًا
_________________
(١) نقض المنطق ص٢١.
(٢) نقض المنطق ص٢٤.
(٣) نقض المنطق ص٤٣.
[ ١١٥ ]
وحيرة في أمره من المتكلم؛ لأن عند المتكلم من الحق الذي تلقاه عن الأنبياء ما ليس عند المتفلسف، ولهذا تجد مثل أبي الحسين البصري وأمثاله أثبت من مثل ابن سينا وأمثاله.
وأيضًا تجد أهل الفلسفة والكلام أعظم الناس افتراقًا واختلافًا، مع دعوى كل منهم أن الذي يقوله حق مقطوع به قام عليه البرهان.
وأهل السنة والحديث أعظم الناس اتفاقًا وائتلافًا، وكل من كان من الطوائف إليهم أقرب كان إلى الاتفاق والائتلاف أقرب؛ فالمعتزلة أكثر اتفاقًا وائتلافًا من المتفلسفة؛ إذ للفلاسفة في الإلهيات والمعاد والنبوات، بل وفي الطبيعيات والرياضات، وصفات الأفلاك: من الأقوال - يعني المتفرقة - ما لايحصيه إلا ذو الجلال"١.
٧ـ وقال:"من المعلوم أن أهل الحديث يشاركون كل طائفة فيما يتحلون به من صفات الكمال، ويمتازون عنهم بما ليس عندهم؛ فإن المنازع لهم لابد أن يذكر فيما يخالفهم فيه طريقًا أخرى، مثل المعقول، والقياس، والرأي، والكلام، والنظر والاستدلال، والمحاجة، والمجادلة، والمكاشفة، والمخاطبة، والوجد والذوق، ونحو ذلك، وكل هذه الطرق لأهل الحديث صفوتُها وخلاصتها؛ فهم أكمل الناس عقلًا، وأعدلهم قياسًا، وأصوبهم رأيًا، وأسدُّهم كلامًا، وأصحهم نظرًا، وأهداهم استدلالًا، وأقومهم جدلًا، وأتمهم فراسة، وأصدقهم إلهامًا، وأحدُّهم بصرًا ومكاشفة، وأصوبهم سمعًا ومخاطبة، وأعظمهم وأحسنهم وجدًا وذوقًا.
_________________
(١) نقض المنطق ص٤٣.
[ ١١٦ ]
وهذا هو للمسلمين بالنسبة إلى سائر الأمم، ولأهل السنة والحديث بالنسبة إلى سائر الملل.
فكل من استقرأ أحوال العالم وجد المسلمين أحدُّ وأسد عقلًا، وأنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال، وكذلك أهل السنة والحديث تجدهم كذلك ممتعين؛ وذلك لأن اعتقاد الحق الثابت يقوي الإدراك ويصححه، قال - تعالى ـ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد:١٧]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا، وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا، وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ٦٨﴾ [النساء] ١.
٨ـ وقال في اقتضاء الصراط المستقيم: "فهدى الله الناس ببركة نبوة محمد "وبما جاء به من البينات والهدى، هداية جلَّت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته المؤمنين عمومًا، ولأهل العلم منهم خصوصًا من العلم النافع، والعمل الصالح، والأخلاق العظيمة، والسنن المستقيمة ما لو جمعت حكمة سائر الأمم علمًا وعملًا الخالصة من كل شوب إلى الحكمة التي بعث بها لتفاوتا تفاوتًا يمنع معرفة قدر النسبة بينهما، فلله الحمد كما يحب ربنا ويرضى، ودلائل هذا وشواهده ليس هذا موضعها"٢.
٩_ وقال ابن القيم: "فلو قيس ما عند جميع الأمم من معرفة وعلم وبصيرة إلى ماعندهم لم يظهر له نسبة إليه بوجه ما، وإن كان غيرهم من الأمم أعلم
_________________
(١) نقض المنطق ص ٧،٨.
(٢) الاقتضاء ١/٦٤.
[ ١١٧ ]
بالحساب والهندسة، والكمَّ المتصل والكمَّ المنفصل، والنبض والقارورة، والبول والقسطة، ووزن آلاتها، ونقوش الحيطان، ووضع الآلات العجيبة، وصناعة الكيمياء، وعلم الفلاحة، وعلم الهيئة وتسيير الكواكب، وعلم الموسيقى والألحان، وغير ذلك من العلوم التي هي ما بين علم لا ينفع وبين ظنون كاذبة، وبين علم نَفْعُه في العاجلة، وليس من زاد المعاد"١.
١٠ـ وقال ابن القيم ﵀:"ولهذا رام فلاسفة الإسلام الجمع بين الشريعة والفلسفة كما فعل ابن سينا والفارابي وأضرابهما، وآل الأمر بهم إلى أن تكلموا في خوارق العادات والمعجزات على طريق الفلاسفة المشائين، وجعلوا لها أسبابًا ثلاثة: أحدها: القوى الفلكية، والثاني: القوى النفسية، والثالث: القوى الطبيعية، وجعلوا جنس الخوارق جنسًا واحدًا، وأدخلوا ما للسحرة، وأرباب الرياضة والكهنة وغيرهم مع ما للأنبياء والرسل في ذلك، وجعلوا سبب ذلك كله واحدًا، وإن اختلفت بالغايات، والنبي قصده الخير، والساحر قصده الشر!.
وهذا المذهب من أفسد مذاهب العالم، وأخبثها، وهو مبني على إنكار الفاعل المختار، وأنه - تعالى - لا يعلم الجزئيات، ولا يقدر على تغيير العالم، ولا يخلق شيئًا بمشيئته وقدرته، وعلى إنكار الجن، والملائكة، ومعاد الأجسام.
وبالجملة فهو مبني على الكفر بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر"٢.
_________________
(١) هداية الحيارى ص٢٣٤، وانظر ما بعدها إلى ص٢٤٩ ففيها كلام عظيم حول هذا المعنى.
(٢) مفتاح دار السعادة ص١١٩، وانظر ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان لابن الوزير.
[ ١١٨ ]