الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ وَالْإِحْسَانُ:
هَذَا فَصْلٌ يَجْمَعُ مَعْنَى حَدِيثِ جِبْرِيلَ فِي تَعْلِيمِنَا الدِّينَ، وَأَنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ وَالْإِحْسَانُ، وَبَيَانُ كُلٍّ مِنْهَا.
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ مُهِمٌّ جِدًّا، جَامِعٌ لِأُصُولِ الدِّينِ وَشَرَائِعِهِ وَمَرَاتِبِهِ وَشُعَبِهِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ، وَهُوَ مَعْنَى حَدِيثِ جِبْرِيلَ فِي سُؤَالِهِ النَّبِيَّ -ﷺ- وَجَوَابِهِ إِيَّاهُ، وَهُوَ حَدِيثٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ جَلِيلٌ، كَبِيرٌ جَامِعٌ نَافِعٌ، سَمَّى النَّبِيُّ -ﷺ- مَا احْتَوَى عَلَيْهِ "الدِّينَ" فَقَالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ" ١. وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْهُمْ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو ذَرٍّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ وَغَيْرُهُمْ ﵃.
وَهَا نَحْنُ نَذْكُرُ أَحَادِيثَهُمْ بِأَلْفَاظِهَا مَعَ بَيَانِ مُخْرِجِيهَا مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ نَتَكَلَّمُ عَلَى الْخِصَالِ الَّتِي فِيهَا عِنْدَ مَوَاضِعِهَا مِنْ هَذَا الْمَتْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
حَدِيثُ جِبْرِيلَ، الْحَدِيثُ بِهِ عَنْ عُمَرَ:
فَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي أَوَّلِ جَامِعِهِ:
_________________
(١) ١ طرف الحديث المراد شرحه، وستأتي بعد قليل رواياته وتمامه.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
حَدَّثَنِي أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ كَهْمَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ وَهَذَا حَدِيثُهُ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا كَهْمَسٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ قَالَ: كَانَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِىُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنَ -أَوْ مُعْتَمِرَيْنَ- فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ فَظَنَنْتُ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قبلنا ناس يقرءون الْقُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ، وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ. قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁- قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كفيه على فخذيه وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْإِسْلَامُ أَنَّ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا" قَالَ: صَدَقْتَ، فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ" قَالَ: صَدَقْتَ، فَأَخْبَرَنِي عَنِ الْإِحْسَانِ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ قَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ" قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا قَالَ: "أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ" قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ لِي: "يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ "؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: "فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ" ١.
_________________
(١) ١ مسلم "١/ ٣٦-٣٨/ ح٨" في الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله ﷾، "رقم ١" في كتاب الإيمان.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ قَالَ: لَمَّا تَكَلَّمَ مَعْبَدٌ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ فِي شَأْنِ الْقَدَرِ، أَنْكَرْنَا ذَلِكَ. قَالَ: فَحَجَجْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَجَّةً، وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ كَهْمَسٍ وَإِسْنَادِهِ، وَفِيهِ بَعْضُ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانِ أَحْرُفٍ١.
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَا: لَقِينَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ -﵄- فَذَكَرْنَا الْقَدَرَ وَمَا يَقُولُونَ فِيهِ، فَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ كَنَحْوِ حَدِيثِهِمْ عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِيهِ شَيْءٌ مِنْ زيادة، وقد أنقص مِنْهُ شَيْئًا٢.
وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ٣.
هَذِهِ طُرُقُهُ في مسلم بكمالها، وَلَمْ يُخْرِجْهُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ كَهْمَسٍ فَقَالَ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ مِنْ سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ فَذَكَرَهُ، وَفِيهِ: لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا نَعْرِفُهُ، وَفِيهِ: فَلَبِثْتُ ثَلَاثًا٤.
وَمِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، وَفِيهِ: فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَزَادَ: قَالَ: وَسَأَلَهُ رَجُلٌ
_________________
(١) ١ مسلم "١/ ٣٨/ ح٨" في الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، رقم "٢" في كتاب الإيمان. ٢ مسلم "١/ ٣٨/ ح٨" في الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، رقم "٣" في كتاب الإيمان. ٣ مسلم "١/ ٣٨/ ح٨" في الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، رقم "٤" في كتاب الإيمان. ٤ أبو داود "٤/ ٢٢٣، ٢٢٤/ ح٤٦٩٥" في السنة، باب في القدر.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
مِنْ مُزَيْنَةَ أَوْ جُهَيْنَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِيمَ نَعْمَلُ، أَفِي شَيْءٍ قَدْ خَلَا أَوْ مَضَى أَوْ شَيْءٍ يُسْتَأْنَفُ الْآنَ؟ قَالَ: "فِي شَيْءٍ قَدْ خَلَا وَمَضَى" فَقَالَ الرَّجُلُ أَوْ بَعْضُ الْقَوْمِ: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ قَالَ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ"١.
وَمِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنِ ابْنِ يَعْمُرَ بِهَذَا الْحَدِيثِ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ: قَالَ: فَمَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: "إِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَحَجُّ الْبَيْتِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَالِاغْتِسَالُ مِنَ الْجَنَابَةِ"٢.
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَشَرَائِعِهِ مِنْ مُجْتَبَى سُنَنِهِ فَقَالَ: بَابُ نَعْتِ الْإِيمَانِ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ، فَذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَلَفْظِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ حُمَيْدًا وَلَمْ يَذْكُرْ كَلَامَ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ وَلَا كَلَامَ ابْنِ عُمَرَ قَبْلَهُ٣.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي أَبْوَابِ الْإِيمَانِ فَقَالَ: بَابُ مَا وَصَفَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ الْخُزَاعِيُّ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ كَهْمَسِ بْنِ الْحَسَنِ فَذَكَرَ بِمَعْنَى لَفْظِ مُسْلِمٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَأَلْزَقَ رُكْبَتَيْهِ بِرُكْبَتَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا الْإِيمَانُ؟ ثُمَّ قَالَ: فَمَا الْإِسْلَامُ؟ ثُمَّ قَالَ: فَمَا الْإِحْسَانُ؟ وَفِيهِ كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَتَعَجَّبْنَا مِنْهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَمَتَى السَّاعَةُ؟ وَقَالَ: فَمَا أَمَارَاتُهَا؟ وَفِي آخِرِهِ: فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثٍ فَقَالَ: "يَا عُمَرُ هَلْ تَدْرِي مَنِ السَّائِلُ "؟ "ذَاكَ جِبْرِيلُ، أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ" وَفِي نُسْخَةٍ: "مَعَالِمَ دِينِكُمْ".
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.
_________________
(١) ١ أبو داود "٤/ ٢٢٤/ ح٤٦٩٦" في السنة، باب في القدر. ٢ أبو داود "٤/ ٢٢٤/ ح٤٦٩٧" في السنة، باب في القدر. ٣ النسائي "٨/ ٩٧" في الإيمان، باب نعت الإسلام.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ كَهْمَسٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ نَحْوُ هَذَا. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- والصحيح هو عن ابن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي بَابِ الْإِيمَانِ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ كَهْمَسِ بْنِ الْحَسَنِ فَذَكَرَهُ كَلَفْظِ التِّرْمِذِيَّ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ حُمَيْدًا وَلَا نَفْسَ الْقِصَّةِ وَلَا كَلَامَ ابْنِ عُمَرَ قَبْلَ الْحَدِيثِ، وَفِيهِ: قَالَ وَكِيعٌ فِي قَوْلِهِ "أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا": يَعْنِي تَلِدُ الْعَجَمُ الْعَرَبَ٢.
وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ ابن الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ، الْحَدِيثَ٣.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ رَاوِيَهُ عَنْ عُمَرَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعَنْهُ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ وَحُمَيْدٌ الْحِمْيَرِيُّ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ طَرْخَانَ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ كَهْمَسٌ وَمَطَرٌ الْوَرَّاقُ وَعُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، وَعَنْ كَهْمَسٍ وَكِيعٌ وَمُعَاذٌ الْعَنْبَرِيُّ وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، ثُمَّ اشْتُهِرَ عن كل من هَؤُلَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ بِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ:
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -﵄- فَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ وَقَدْ
_________________
(١) ١ الترمذي "٥/ ٦، ٧/ ح٢٦١٠" في الإيمان، باب ما جاء في وصف جبريل للنبي -ﷺ- الإيمان والإسلام. ٢ ابن ماجه "١/ ٢٤، ٢٥/ ح٦٣" في المقدمة، باب في الإيمان. ٣ أحمد في مسنده "١/ ٥١، ٥٢".
[ ٢ / ٥٧٩ ]
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ ﵄: إِنَّا نُسَافِرُ فِي الْآفَاقِ فَنَلْقَى قَوْمًا يَقُولُونَ: لَا قَدَرَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَأَخْبِرُوهُمْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَأَنَّهُمْ مِنْهُ بُرَآءُ "ثَلَاثًا" ثُمَّ إِنَّهُ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَ رَجُلٌ فَذَكَرَ مِنْ هَيْئَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ادْنُهْ" فَدَنَا فَقَالَ: "ادْنُهْ" فَدَنَا فَقَالَ: "ادْنُهْ" فَدَنَا حَتَّى كَادَتْ رُكْبَتَاهُ تَمَسَّانِ رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبَرَنِي مَا الْإِيمَانُ أَوْ عَنِ الْإِيمَانِ قَالَ: "تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ" قَالَ سُفْيَانُ: أَرَاهُ قَالَ: خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ: فَمَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: "إِقَامَةُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَحَجُّ الْبَيْتِ وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ وَغُسْلٌ مِنَ الْجَنَابَةِ" كُلُّ ذَلِكَ قَالَ: صَدَقْتَ، صَدَقْتَ، قَالَ الْقَوْمُ: مَا رَأَيْنَا رَجُلًا أَشَدَّ تَوْقِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ هَذَا، كَأَنَّهُ يُعَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبَرَنِي عَنِ الْإِحْسَانِ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ أَوْ تَعْبُدَهُ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِلَّا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" كُلُّ ذَلِكَ نَقُولُ: مَا رَأَيْنَا رَجُلًا أَشَدَّ تَوْقِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذَا، فَيَقُولُ: صَدَقْتَ صَدَقْتَ. قَالَ: أَخْبَرَنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عنها بأعلم بها مِنَ السَّائِلِ" قَالَ: فَقَالَ: صَدَقْتَ قَالَ ذَلِكَ مِرَارًا: مَا رَأَيْنَا رَجُلًا أَشَدَّ تَوْقِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذَا، ثُمَّ وَلَّى. قَالَ سُفْيَانُ: فَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْتَمِسُوهُ" فَلَمْ يَجِدُوهُ، قَالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ، مَا أَتَانَا فِي صُورَةٍ إِلَّا عَرَفْتُهُ غَيْرَ هَذِهِ الصُّورَةِ" وَإِسْنَادُهُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ إِلَخْ١.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ عِنْدَنَا رِجَالًا يَزْعُمُونَ أَنَّ الْأَمْرَ بِأَيْدِيهِمْ فَإِنْ شَاءُوا عَمِلُوا وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يَعْمَلُوا فَقَالَ: أَخْبِرْهُمْ أَنِّي مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَأَنَّهُمْ مِنَّا بُرَآءُ، ثُمَّ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا الْإِسْلَامُ؟ فَقَالَ: "تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ وَتَحُجُّ الْبَيْتَ" قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَنَا مُسْلِمٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ" قَالَ: صَدَقْتَ قَالَ: فَمَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ:
_________________
(١) ١ أحمد "١/ ٥٢، ٥٣" وقد خالفهم فيه سليمان بن بريدة بروايته عن ابن عمر في مسنده.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
"تَخْشَى اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَا تَكُ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَنَا مُحْسِنٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ" قَالَ: صَدَقْتَ قَالَ: فَمَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: "تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْبَعْثِ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْقَدَرِ كُلِّهِ" قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَنَا مُؤْمِنٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ" قَالَ: صَدَقْتَ"١.
زَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَكَانَ جِبْرِيلُ يَأْتِي النَّبِيَّ -ﷺ- فِي صُورَةِ دِحْيَةَ، وَسَنَدُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ إِلَخْ٢.
وَفِي أُخْرَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: "مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ" فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ ﵇: صَدَقْتَ قَالَ: فَتَعَجَّبْنَا مِنْهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فقال النبي ﷺ: "ذلك جِبْرِيلُ، أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ مَعَالِمَ دِينِكُمْ" وَسَنَدُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ إِلَخْ٣.
وَرِوَايَةٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ: لَقِينَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، فَذَكَرْنَا الْقَدَرَ وَمَا يَقُولُونَ فِيهِ فَقَالَ لَنَا: إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ فَقُولُوا لَهُمْ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ مِنْكُمْ بَرِيءٌ وَأَنْتُمْ مِنْهُ بُرَآءُ "ثَلَاثَ مِرَارٍ" ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ جُلُوسٌ أَوْ قُعُودٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، جَاءَهُ رَجُلٌ يَمْشِي، حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الشَّعْرِ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ، فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ: مَا نَعْرِفُ هَذَا وَمَا هَذَا بِصَاحِبِ سَفَرٍ. ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ آتِيكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ" فَجَاءَ فَوَضَعَ رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ رُكْبَتَيْهِ ويديه على فخذيه وَسَاقَ
_________________
(١) ١ أحمد "٢/ ١٠٧" وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وفيه ما فيه "ضعيف الحديث" وهو مخالف في سنده لما مر بوصفه في مسند ابن عمر ﵄. ٢ أحمد "٢/ ١٠٧" وليس سندها هذا المذكور بل هي من طريق إسحاق بن سويد عن يحيى، والسند هذا لما قبلها. ٣ أحمد "١/ ٢٨".
[ ٢ / ٥٨١ ]
الْحَدِيثَ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحِ والسنن، وزاد في آخِرَهُ سُؤَالَ الرَّجُلِ مِنْ جُهَيْنَةَ أَوْ مُزَيْنَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ١.
الْحَدِيثُ بِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: "الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ" قَالَ: مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: "الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ" قَالَ: مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الْإِبِلِ الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى" ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ ﷺ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: "رُدُّوهُ" فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا فَقَالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسُ دِينَهُمْ" ٢. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الْإِيمَانِ وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ: باب سؤال جبريل النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانِ وَعِلْمِ السَّاعَةِ، وَبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ. ثُمَّ قَالَ: "جَاءَ جِبْرِيلُ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ" فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا٣.
وَأَخْرَجَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمَانَ فَقَالَ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي حَيَّانَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ يَمْشِي فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْإِيمَانُ؟ وَفِيهِ: قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا كَانَ الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ رُءُوسَ النَّاسِ فَذَاكَ مِنْ
_________________
(١) ١ أحمد "١/ ٢٧". ٢، ٣ البخاري "١/ ١١٤" في الإيمان، باب سؤال جبريل
[ ٢ / ٥٨٢ ]
أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ " ثُمَّ انْصَرَفَ الرَّجُلُ فَقَالَ: "ردوا علي" فأخدوا لِيَرُدُّوا فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا فَقَالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ" ١.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ الْحَدِيثَ وَزَادَ: "وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الْبُهْمِ فِي الْبُنْيَانِ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ" ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ إِلَخْ٢.
وَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ: "إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ بَعْلَهَا" يَعْنِي: السراري٣.
وقال: حدثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ وَهُوَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سَلُونِي" فَهَابُوهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَجَلَسَ عِنْدَ رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: "لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ" قَالَ: صَدَقْتَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكِتَابِهِ وَلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ" قَالَ: صَدَقْتَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تَخْشَى اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إِلَّا تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" قَالَ: صَدَقْتَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا رَأَيْتَ الْأَمَةَ تَلِدُ رَبَّهَا فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ مُلُوكَ الْأَرْضِ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ رِعَاءَ الْبُهْمِ
_________________
(١) ١ البخاري "٨/ ٥١٣" في التفسير، باب "إن الله عنده علم الساعة". ٢ مسلم "١/ ٣٩/ ح٩" في الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان/ رقمه "٥" في الكتاب. ٣ مسلم "١/ ٣٩/ ح٩" في الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان/ رقمه "٦" في الكتاب.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
يتطاولون فِي الْبُنْيَانِ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ" ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ قَالَ: ثُمَّ قَامَ الرَّجُلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "رُدُّوهُ عَلَيَّ" فَالْتُمِسَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَذَا جِبْرِيلُ أَرَادَ أَنْ تَعْلَّمُوا؛ إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا" ١.
وَأَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ٢. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادِ مُسْلِمٍ وَلَفْظِهِ إِلَى آخَرِ الْآيَةِ٣. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عُمَرَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ إِلَخْ وَفِيهِ: "وَإِذَا كَانَتِ الْعُرَاةُ الْحُفَاةُ الْجُفَاةُ"٤.
الْحَدِيثُ بِهِ عَنْهُ وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ:
وَأَمَّا حَدِيثُهُ مَعَ أَبِي ذَرٍّ ﵄ فَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ مُجْتَبَى سُنَنِهِ: صِفَةُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي فَرْوَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي ذَرٍّ ﵄ قَالَا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْلِسُ بَيْنَ ظَهَرَانَيْ أَصْحَابِهِ فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ فَلَا يَدْرِي أَيُّهُمْ هُوَ حَتَّى يَسْأَلَ، فَطَلَبْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَجْعَلَ لَهُ مَجْلِسًا يَعْرِفُهُ الْغَرِيبُ إِذَا أَتَاهُ، فَبَنَيْنَا لَهُ دُكَّانًا مِنْ طِينٍ كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، وَإِنَّا لَجُلُوسٌ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَجْلِسِهِ، إِذْ أَقْبَلَ رِجْلٌ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَطْيَبَ النَّاسِ رِيحًا كَأَنَّ ثِيَابَهُ لَمْ يَمَسَّهَا دَنَسٌ حَتَّى سَلَّمَ فِي طَرَفِ الْبِسَاطِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ فَرَدَّ ﵇ قَالَ: أَدْنُو يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: ادْنُهْ فَمَا زَالَ يَقُولُ أَدْنُو مِرَارًا وَيَقُولُ لَهُ ادْنُ حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: "الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ".
_________________
(١) ١ مسلم "١/ ٤٠/ ح٩" في الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان/ رقمه "٧" في الكتاب. ٢ الترمذي "٥/ ٧". ٣ ابن ماجه "١/ ٢٥/ ح٦٤" في المقدمة، باب في الإيمان. ٤ أحمد "٢/ ٤٢٦" وإسناده إسناد البخاري ومسلم.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
قَالَ: إِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَقَدْ أَسْلَمْتُ؟ قَالَ: "نَعَمْ" قَالَ: صَدَقْتَ، فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ الرَّجُلِ "صَدَقْتَ" أَنْكَرْنَا قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: "الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَتُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ" قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَقَدْ آمَنَتُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "نَعَمْ" قَالَ: صَدَقْتَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي مَا الْإِحْسَانُ؟ فَقَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" قَالَ صَدَقْتَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: فَنَكَّسَ فَلَمْ يُجِبْهُ شَيْئًا ثُمَّ أَعَادَ فَلَمْ يُجِبْهُ شَيْئًا ثُمَّ أَعَادَ فَلَمْ يُجِبْهُ شَيْئًا وَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكِنْ لَهَا عَلَامَاتٌ تُعْرَفَ بِهَا: إِذَا رَأَيْتَ الرِّعَاءَ الْبُهْمَ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ، وَرَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ مُلُوكَ الْأَرْضِ، وَرَأَيْتَ الْأَمَةَ تَلِدُ رَبَّهَا فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ " ثُمَّ قَالَ: "لَا وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ هَادِيًا وَبَشِيرًا مَا كُنْتُ بِأَعْلَمَ بِهِ مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ، وَإِنَّهُ لَجِبْرِيلُ نَزَلَ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ ﵁" ١.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي بَابِ الْقَدَرِ، مِنْ كِتَابِ السُّنَّةِ مِنْ سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ فَرْوَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عُمَرَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَبَنَيْنَا لَهُ دُكَّانًا مِنْ طِينٍ فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَكُنَّا نَجْلِسُ بِجَنْبَتَيْهِ وَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الْخَبَرِ فَأَقْبَلَ رَجُلٌ، فَذَكَرَ هَيْئَتَهُ حَتَّى سَلَّمَ مِنْ طَرَفِ السِّمَاطِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ: فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٢.
فَحَاصِلُ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحْدَهُ وَمَعَ أَبِي ذَرٍّ ﵄ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْهُ أَبُو حَيَّانَ وَأَبُو فَرْوَةَ وَعُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، وَعَنْ أَبِي حَيَّانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُلَيَّةَ وَجَرِيرٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ مُسَدَّدٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَعَنْ جَرِيرٍ إِسْحَاقُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بشر بن مُحَمَّدُ بْنُ
_________________
(١) ١ النسائي "٨/ ١٠١" في الإيمان، باب صفة الإيمان والإسلام. ٢ أبو داود "٤/ ٢٢٥/ ح٤٦٩٨" في السنة، باب في القدر.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
نُمَيْرٍ، وَعَنْ كُلٍّ مِنْ عُمَارَةَ وَأَبِي فَرْوَةَ جَرِيرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ بِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضِرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ حَدَّثَنَا شَهْرٌ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَجْلِسًا فَجَاءَ جِبْرِيلُ -﵇- فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى رُكْبَتَيِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنِي مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْإِسْلَامُ أَنْ تُسْلِمَ وَجْهَكَ لِلَّهِ وَتَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ" قَالَ: إِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَنَا مُسْلِمٌ؟ قَالَ: "إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ أَسْلَمْتَ" قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَحَدِّثْنِي مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: "الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكُتُبِ وَالنَّبِيِّينَ وَتُؤْمِنَ بِالْمَوْتِ وَبِالْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَتُؤْمِنَ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْحِسَابِ وَالْمِيزَانِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ" قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَقَدْ آمَنْتُ؟ قَالَ: "إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ آمَنْتَ" قَالَ: يَا رَسُولَ الله حدثني ما الْإِحْسَانِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إن لم تره فَإِنَّهُ يَرَاكَ" قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَحَدِّثْنِي مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سُبْحَانَ اللَّهِ، فِي خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ وَلَكِنْ إِنْ شِئْتَ حَدَّثْتُكَ بِمَعَالِمَ لَهَا دُونَ ذَلِكَ" قَالَ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَحَدِّثْنِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا رَأَيْتَ الْأَمَةَ وَلَدَتْ رَبَّتَهَا أَوْ رَبَّهَا وَرَأَيْتَ أَصْحَابَ الشَّاءِ تَطَاوَلُوا بِالْبُنْيَانِ وَرَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْجِيَاعَ الْعَالَةَ كَانُوا رُءُوسَ النَّاسِ، فَذَلِكَ مِنْ مَعَالِمِ السَّاعَةِ وَأَشْرَاطِهَا" قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ أَصْحَابُ الشَّاءِ وَالْحُفَاةُ الْجِيَاعُ الْعَالَةُ؟ قَالَ: "الْعَرَبُ" ١ وَحَسَّنَهُ الْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ.
_________________
(١) ١ أحمد "١/ ٣١٨، ٣١٩" وفيه شهر بن حوشب وهو كثير الأوهام، كما قال الحافظ في التقريب، وحسنه في الفتح "١/ ١١٦".
[ ٢ / ٥٨٦ ]
الْحَدِيثُ بِهِ عَنْ أَبِي عَامِرٍ:
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي عَامِرٍ فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حُسَيْنٍ حَدَّثَنَا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ عَامِرٍ أَوْ أَبِي عَامِرٍ أَوْ أَبِي مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَصْحَابُهُ جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ فِي غَيْرِ صُورَتِهِ، يَحْسَبُهُ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ ﵇، ثُمَّ وَضَعَ جِبْرِيلُ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتَيِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَفِيهِ: فَلَمَّا وَلَّى أَيِ: السَّائِلُ، فَلَمَّا لَمْ نَرَ طَرِيقَهُ بَعْدُ قَالَ أَيِ النَّبِيُّ ﷺ: "سُبْحَانَ اللَّهِ -ثَلَاثًا- هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ" ١. وَحَسَّنَهُ الْحَافِظُ أَيْضًا وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي قَبْلَهُ فَقَدْ خَرَّجَهَا غَيْرُ مَنْ ذَكَرْنَا وَإِنَّمَا اقْتَصَرْنَا عَلَى رِوَايَاتِ الْأُمَّهَاتِ لِشُهْرَتِهَا وَفِي الْبَابِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرُ مَنْ ذُكِرَ، مِنْهُمْ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ٢ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ٣ وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ٤ ﵃، وَسَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا تَيَسَّرَ مِنَ النُّصُوصِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِهِ عِنْدَ ذِكْرِهَا فِي الْمَتْنِ، فَنَقُولُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ:
اعْلَمْ بِأَنَّ الدِّينَ قَوْلٌ وَعَمَلْ فَاحْفَظْهُ وَافْهَمْ مَا عَلَيْهِ ذَا اشْتَمَلْ
"اعْلَمْ" يَا أَخِي وَفَّقَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكَ وَالْمُسْلِمِينَ "بِأَنَّ الدِّينَ" الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ ورضيه لأهل سمواته وَأَرْضِهِ، وَأَمَرَ أَنْ لَا يُعْبَدَ إِلَّا بِهِ وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ سِوَاهُ، وَلَا يَرْغَبُ عَنْهُ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ، وَلَا أَحْسَنَ دِينًا مِمَّنِ
_________________
(١) ١ أحمد "٤/ ١٢٩" وفيه شهر كالمتقدم، وحسنه الحافظ في الفتح "١/ ١١٦". ٢ ذكره الترمذي في حديث ابن عمر ﵄ "٥/ ٨/ ح٢٦١٠" في الإيمان، باب ما جاء في وصف جبريل للنبي ﷺ الإيمان والإسلام. ٣ رواه البخاري في خلق أفعال العباد "١٩١" والبزار "كشف الأستار ١/ ٢٠، ٢١" وفيه الضحاك بن نبراس وهو لين الحديث، ومع ذلك قال الحافظ في الفتح: إسناده حسن. ٤ أخرجه أبو عوانة في صحيحه وفيه خالد بن يزيد العمري، ولا يصلح للصحيح "الفتح ١/ ١١٦".
[ ٢ / ٥٨٧ ]
الْتَزَمَهُ وَاتَّبَعَهُ هُوَ "قَوْلٌ" أَيْ: بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ "وَعَمَلٌ" أَيْ: بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ جَامِعَةٌ لِأُمُورِ دِينِ الْإِسْلَامِ:
الْأَوَّلُ: قَوْلُ الْقَلْبِ وَهُوَ تَصْدِيقُهُ وَإِيقَانُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ، لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزُّمَرِ: ٣٣، ٣٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الْحُجُرَاتِ: ١٥] صَدَّقُوا ثُمَّ لَمْ يَشُكُّوا. وَفِي حديث الدرجات العلا: "بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ" ١. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٣٦] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشُّورَى: ١٥] وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَفِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً" ٢ الْحَدِيثَ.
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ بُرَّةٍ أَوْ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، ثُمَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، ثُمَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ" ٣.
_________________
(١) ١ البخاري "٦/ ٣٢٠" في بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، ومسلم "٤/ ٢١٧٧/ ح٢٨٣١" في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف كما يرى الكوكب في السماء. ٢ البخاري "١٣/ ٣٩٢" في التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ومسلم "١/ ١٧٧، ١٧٨/ ح١٩١" في الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها. ٣ البخاري "١٣/ ٤٧٣، ٤٧٤" في التوحيد، باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء، ومسلم "١/ ١٨٢-١٨٤/ ح١٩٣" في الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
وَقَالَ تَعَالَى فِي الْمُكَذِّبِينَ: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ١٠] وَقَالَ تَعَالَى فِي الْمُرْتَابِينَ الشَّاكِّينَ: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٦٧] وَقَالَ فِيهِمْ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤١] وَقَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ١] أَيْ: فِي قَوْلِهِمْ نَشْهَدُ -أَيْ: كَذَبُوا- إِنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ بِقُلُوبِهِمْ، إِنَّمَا هُوَ بِأَلْسِنَتِهِمْ تَقِيَّةً وَنِفَاقًا وَمُخَادَعَةً.
الثَّانِي: قَوْلُ اللِّسَانِ وَهُوَ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَالْإِقْرَارُ بِلَوَازِمِهَا، قَالَ اللَّهُ: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٣٦] ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ﴾ [الْقَصَصِ: ٥٣] ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشُّورَى: ١٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٨٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ١٣] وَقَالَ ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ" ١ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا سَنَذْكُرُ وَمَا لَا نَذْكُرُ.
الثَّالِثُ: عَمَلُ الْقَلْبِ، وَهُوَ النِّيَّةُ وَالْإِخْلَاصُ وَالْمَحَبَّةُ وَالِانْقِيَادُ وَالْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ ﷿ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ وَلَوَازِمُ ذَلِكَ وَتَوَابِعُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٢] ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [اللَّيْلِ: ٢٠] ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٩] ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الْحَجِّ: ٣٥] ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٦٠] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ
_________________
(١) ١ البخاري "١/ ٧٥" في الإيمان، باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاة﴾ ومسلم "١/ ٥٣/ ح٢٢" في الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النِّسَاءِ: ١٢٥] ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لُقْمَانَ: ٢٢] ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الْحَجِّ: ٣٤] ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ٦٥] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى؛ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" ١.
وَقَالَ ﷺ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ" ٢.
وَقَدْ تَقَدَّمَ جُمْلَةٌ مِنْ نُصُوصِ الْإِخْلَاصِ فِي الْكَلَامِ عَلَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ بَيَانُهُ وَمَا يُنَافِيهِ مِنَ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ وَمَا يُنَافِي كَمَالَهُ مِنَ الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ، وَقَالَ ﷺ: "أَحِبُّوا اللَّهَ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ"٣.
_________________
(١) ١ رواه البخاري "١/ ٩" في بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ؟ وغيرها، ومسلم "٣/ ١٥١٥/ ح١٩٠٧" في الإمارة، باب قوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنية". ٢ رواه مسلم "٤/ ٢٢٨٩/ ح٢٩٨٥" في الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله. ٣ تقدم في المجلد الأول تخريجه، وأن إسناده منقطع مرسل ضعيف.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
وَقَالَ ﷺ: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا " ١ الْحَدِيثَ، وَقَالَ ﷺ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" ٢.
وَكَانَ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكُ وَحُبَّ كُلِّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ" ٣.
وَقَالَ ﷺ: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ" ٤.
وَقَالَ ﷺ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ"٥ وَهَذَا غَايَةُ الِانْقِيَادِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ هَوًى غَيْرُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ النُّصُوصُ فِي التَّوَكُّلِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالْخَشْيَةِ وَالْخُضُوعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ.
الرَّابِعُ: عَمَلُ اللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ، فَعَمَلُ اللِّسَانِ مَا لَا يُؤَدَّى إِلَّا بِهِ كَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وعمل الجوارح ما لَا يُؤَدَّى إِلَّا بِهَا مِثْلُ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْمَشْيِ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ كَنَقْلِ الخطا إلى المساجد وإلى الْحَجِّ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْمَلُهُ حَدِيثُ
_________________
(١) ١ رواه البخاري "١/ ٦٠" في الإيمان، باب حلاوة الإيمان، ومسلم "١/ ٦٦/ ح٤٣" في الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان. ٢ رواه البخاري "١/ ٥٨" في الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان، ومسلم "١/ ٦٧/ ح٤٤" في الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله ﷺ. ٣ رواه الترمذي "٥/ ٥٢٢/ ح٣٤٩٠" في الدعوات، باب ٧٣ وقال: هذا حديث حسن غريب، وأبو نعيم في الحلية "١/ ٢٢٦" من حديث أبي الدرداء، قلت: وفي سنده عبد الله بن ربيعة بن يزيد الدمشقي وقيل: ابن يزيد بن ربيعة، وهو مجهول، كما قال الحافظ في التقريب. وأخرجه الحاكم "١/ ٥٢٧" من حديث ثوبان بزيادة فيه وقال: صحيح على شرط البخاري وسكت الذهبي، وفي تصحيحه نظر. ٤ رواه أحمد "٣/ ٤٢٤" والبزار "كشف الأستار ٢/ ٣٢٩" قال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح "مجمع الزوائد ٦/ ١٢٤، ١٢٥" قلت: فيه عبيد بن رفاعة الزرقي، أخرج له البخاري في أدب المفرد والأربعة فقط، وهو ثقة. ٥ تقدم تخريجه في المجلد الأول وأن إسناده ضعيف؛ إذ مداره على نعيم بن حماد.
[ ٢ / ٥٩١ ]
شُعَبِ الْإِيمَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٢] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الْكَهْفِ: ٢٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٤١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢٠٥] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١١١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الْكَهْفِ: ٤٦] وَهِيَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ" ١، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٥] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ٢٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٩١] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الْحَجِّ: ٧٧، ٧٨] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٦٣، ٦٤] الْآيَاتِ، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ
_________________
(١) ١ رواه مالك في الموطأ "١/ ٢١٠" مرسلا من طريق ابن المسيب، وأخرجه أحمد في المسند "٥١٣، نسخة أبي الأشبال" وإسناده صحيح من حديث عثمان بن عفان ﵁.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١، ١١٢] .
وَالْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهَا، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ تَقْرِيرُ هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، فَإِذَا حَقَّقْتَ هَذِهِ الْأُمُورَ الْأَرْبَعَةَ تَحْقِيقًا بَالِغًا وَعَرَفْتَ مَا يُرَادُ بِهَا مَعْرِفَةً تَامَّةً وَفَهِمْتَ فَهْمًا وَاضِحًا ثُمَّ أَمْعَنْتَ النَّظَرَ فِي أَضْدَادِهَا وَنَوَاقِضِهَا، تبين لك أن أَنْوَاعُ الْكُفْرِ لَا تَخْرُجُ عَنْ أَرْبَعَةٍ:
كُفْرُ جَهْلٍ وَتَكْذِيبٍ.
وَكَفْرُ جُحُودٍ.
وَكُفْرُ عِنَادٍ وَاسْتِكْبَارٍ.
وَكُفْرُ نِفَاقٍ.
فَأَحَدُهَا يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنِ اجْتَمَعَتْ فِي شَخْصٍ فَظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا إِمَّا أَنْ تَنْتَفِيَ هَذِهِ الْأُمُورُ كُلُّهَا -قَوْلُ الْقَلْبِ وَعَمَلُهُ، وَقَوْلُ اللِّسَانِ، وَعَمَلُ الْجَوَارِحِ- أَوْ يَنْتَفِيَ بَعْضُهَا، فَإِنِ انْتَفَتْ كُلُّهَا اجْتَمَعَ أَنْوَاعُ الْكُفْرِ غَيْرُ النِّفَاقِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٦، ٧] .
وَإِنِ انْتَفَى تَصْدِيقُ الْقَلْبِ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْحَقِّ فَكُفْرُ الْجَهْلِ وَالتَّكْذِيبِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يُونُسَ: ٣٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النَّمْلِ: ٨٤] وَإِنْ كَتَمَ الْحَقَّ مَعَ الْعِلْمِ بِصِدْقِهِ فَكُفْرُ الْجُحُودِ وَالْكِتْمَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النَّمْلِ: ١٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى
[ ٢ / ٥٩٣ ]
الْكَافِرِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٨٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٦، ١٤٧] .
وَإِنِ انْتَفَى عَمَلُ الْقَلْبِ مِنَ النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْإِذْعَانِ مَعَ انْقِيَادِ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ، فَكُفْرُ نِفَاقٍ، سَوَاءٌ وُجِدَ التَّصْدِيقُ الْمُطْلَقُ أَوِ انْتَفَى، وَسَوَاءٌ انْتَفَى بِتَكْذِيبٍ أَوْ شَكٍّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٨-٢٠] .
وَإِنِ انْتَفَى عَمَلُ الْقَلْبِ وَعَمَلُ الْجَوَارِحِ مَعَ الْمَعْرِفَةِ بِالْقَلْبِ وَالِاعْتِرَافِ بِاللِّسَانِ، فَكُفْرُ عِنَادٍ وَاسْتِكْبَارٍ، كَكُفْرِ إِبْلِيسَ وَكُفْرِ غَالِبِ الْيَهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَلَمْ يَتَّبِعُوهُ أَمْثَالِ: حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَكَعْبِ بن الأشرف وغيرهما، وَكَفْرِ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عِنَادًا وَاسْتِكْبَارًا، وَمُحَالٌ أَنْ يَنْتَفِيَ انْقِيَادُ الْجَوَارِحِ بِالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ مَعَ ثُبُوتِ عَمَلِ الْقَلْبِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ" ١.
وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ لَكَ أَنَّ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْإِيمَانِ: هُوَ التَّصْدِيقُ عَلَى ظَاهِرِ اللُّغَةِ، أَنَّهُمْ إِنَّمَا عَنَوُا التَّصْدِيقَ الْإِذْعَانِيَّ الْمُسْتَلْزِمَ لِلِانْقِيَادِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بِلَا شَكٍّ، لَمْ يَعْنُوا مُجَرَّدَ التَّصْدِيقِ فَإِنَّ إِبْلِيسَ لَمْ يُكَذِّبْ فِي أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِالسُّجُودِ وَإِنَّمَا أَبَى عَنْ الِانْقِيَادِ كُفْرًا وَاسْتِكْبَارًا، وَالْيَهُودُ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ صِدْقَ الرَّسُولِ ﷺ وَلَمْ يَتَّبِعُوهُ، وَفِرْعَوْنُ كَانَ يَعْتَقِدُ صِدْقَ مُوسَى وَلَمْ يَنْقَدْ، بَلْ جَحَدَ بِآيَاتِ اللَّهِ ظُلْمًا وَعُلُوًّا، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ تَصْدِيقِ مَنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٣٣] الْآيَاتِ؟! وَأَيْنَ تَصْدِيقُ مَنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، ﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
_________________
(١) ١ رواه البخاري "١/ ١٢٦" في الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، ومسلم "٣/ ١٢١٩-١٢٢١/ ح١٠٧" في المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٧٦] مِنْ تَصْدِيقِ مَنْ قَالُوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٥]؟! وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
كَفَاكَ مَا قَدْ قَالَهُ الرَّسُولُ إِذْ جَاءَهُ يَسْأَلُهُ جِبْرِيلُ
عَلَى مَرَاتِبٍ ثَلَاثٍ فَصَّلَهْ جَاءَتْ عَلَى جَمِيعِهِ مُشْتَمِلَهْ
الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ وَالْكُلُّ مَبْنِيٌّ عَلَى أَرْكَانِ
"كَفَاكَ" أَيُّهَا الطَّالِبُ الْحَقَّ "مَا قَدْ قَالَ الرَّسُولُ" مُحَمَّدٌ ﷺ "إِذْ" حِينَ "جَاءَهُ يَسْأَلُهُ" عَنْ مَرَاتِبِ الدِّينِ وَشَرَائِعِهِ "جِبْرِيلُ" ﵇ كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ "عَلَى مَرَاتِبٍ ثَلَاثٍ فَصَّلَهْ" فِي تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ الصَّرِيحَةِ "جَاءَتْ" أَيِ: الثَّلَاثُ الْمَرَاتِبُ "عَلَى جَمِيعِهِ" أَيْ: عَلَى جَمِيعِ الدِّينِ "مُشْتَمِلَهْ" وَلِهَذَا سَمَّى النَّبِيُّ -ﷺ- تِلْكَ الْأُمُورَ "الدِّينَ" فَقَالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ"١.
[مَرْتَبَةُ الْإِسْلَامِ]:
"الْإِسْلَامِ" بِالْخَفْضِ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِنْ مُجْمَلِ مَرَاتِبَ، وَيُقَالُ لَهُ: بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، وَمَا بَعْدَهُ مَعْطُوفَانِ عَلَيْهِ. هَذِهِ هِيَ الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى فِي حَدِيثِ عُمَرَ وَمَا وَافَقَ لَفْظَهُ.
وَالْإِسْلَامُ لُغَةً: الِانْقِيَادُ وَالْإِذْعَانُ، وَأَمَّا فِي الشَّرِيعَةِ فَلِإِطْلَاقِهِ حَالَتَانِ:
"الْحَالَةُ الْأُولَى" أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الْإِفْرَادِ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِذِكْرِ الْإِيمَانِ، فَهُوَ حِينَئِذٍ يُرَادُ بِهِ الدِّينُ كُلُّهُ أُصُولُهُ وفروعه من اعتقاداته وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٩] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣] وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٨٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾
_________________
(١) ١ طرف من حديث تقدم تخريجه وطرقه، والباب معقود عليه.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
[الْبَقَرَةِ: ٢٠٨] أَيْ: فِي كَافَّةِ شَرَائِعِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَكَقَوْلِهِ ﷺ لَمَّا سَأَلَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَيْدَةَ: مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: "أَنْ تَقُولَ: أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَتَخَلَّيْتُ" ١ الْحَدِيثَ، وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: "أَنْ يَسْلَمَ قَلْبُكَ لِلَّهِ ﷿، وَأَنْ يَسْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِكَ وَيَدِكَ" قَالَ: فَأَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الْإِيمَانُ" قَالَ: وَمَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: "تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ" ٢ فَجَعَلَ ﷺ الْإِيمَانَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَهُوَ أَفْضَلُهُ، وَقَوْلِهِ ﷺ: "إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ حَسَنَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا، وَمُحِيَتْ عَنْهُ كُلُّ سَيِّئَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا" ٣ الْحَدِيثَ. فَإِنَّ الِانْقِيَادَ ظَاهِرًا بِدُونِ إِيمَانٍ لَا يَكُونُ حُسْنَ إِسْلَامٍ بَلْ هُوَ النِّفَاقُ، فَكَيْفَ تُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٌ أَوْ تُمْحَى عَنْهُ سَيِّئَاتٌ؟! وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
"الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ" أَنْ يُطْلَقَ مُقْتَرِنًا بِالِاعْتِقَادِ، فَهُوَ حِينَئِذٍ يُرَادُ بِهِ الْأَعْمَالُ وَالْأَقْوَالُ الظَّاهِرَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الْحُجُرَاتِ: ١٤] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ ﷺ لَمَّا قَالَ لَهُ سَعِيدٌ ﵁: مالك عَنْ فُلَانٍ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ ﷺ: "أَوْ مُسْلِمٌ" ٤ يَعْنِي أَنَّكَ لَمْ تَطَّلِعْ عَلَى إِيمَانِهِ وَإِنَّمَا اطَّلَعْتَ عَلَى إِسْلَامِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ. وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: "لَا تَقُلْ: مُؤْمِنٌ وَقُلْ: مُسْلِمٌ" ٥ وَكَحَدِيثٍ عُمَرَ هَذَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ.
_________________
(١) ١ رواه أحمد "٥/ ٤ و٥" والنسائي "٥/ ٤، و٥" في الزكاة، باب وجوب الزكاة و"٥/ ٨٢، ٨٣" فيه، باب من سأل بوجه الله ﷿، وابن ماجه "٢/ ٨٤٨/ ح٢٥٣٧" في الحدود، باب المرتد عن دينه، مختصرا، وسنده صحيح. ٢ رواه أحمد "٤/ ١١٤" والطبراني في الكبير "المجمع ١/ ٦٤" قال الهيثمي: ورجاله ثقات. ٣ رواه النسائي "٨/ ١٠٥، ١٠٦" في الإيمان، باب حسن إسلام المرء. قال الخطيب: حديث ثابت. وقد ذكره البخاري تعليقا "١/ ٩٨" من حديث أبي سعيد، وانظر تغليق التعليق "٢/ ٤٤". ٤ رواه البخاري "١/ ٧٩" في الإيمان، باب إذا لم يكن على الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل، ومسلم "١/ ١٣٢/ ح١٥٠" في الإيمان، باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه. ٥ رواه النسائي "٨/ ١٠٣، ١٠٤" في الإيمان، باب تأويل قوله ﷿: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ .
[ ٢ / ٥٩٦ ]
[مَرْتَبَةُ الْإِيمَانِ]:
"وَالْإِيمَانِ" هَذِهِ الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَالْإِيمَانُ لُغَةً: التَّصْدِيقُ، قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ لِأَبِيهِمْ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يُوسُفَ: ١٧] يَقُولُ: بِمُصَدِّقٍ، وَأَمَّا فِي الشَّرِيعَةِ فَلِإِطْلَاقِهِ حَالَتَانِ:
"الْحَالَةُ الْأُولَى" أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الْإِفْرَادِ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِذِكْرِ الْإِسْلَامِ، فَحِينَئِذٍ يُرَادُ بِهِ الدِّينُ كُلُّهُ، كَقَوْلِهِ ﷿: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٧] وَقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٦٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الْحَدِيدِ: ١٦] وَقَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ١١] ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٢٣] وَقَوْلِهِ ﷺ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ" ١؛ وَلِهَذَا حَصَرَ اللَّهُ الْإِيمَانَ فِيمَنِ الْتَزَمَ الدِّينَ كُلَّهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٢-٤] وَقَوْلِهِ ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [النُّورِ: ٦٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ، تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٥-١٧] وَفَسَّرَهُمْ بِمَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ كُلِّهِ فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿الم
_________________
(١) ١ رواه النسائي "٥/ ٢٣٣، ٢٣٤" في الحج، باب قوله ﷿: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد﴾ بهذا اللفظ، وهو قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري "١/ ٤٧٧" في الصلاة، باب ما يستر من العورة، و"٣/ ٤٨٣" في الحج، باب لا يطوف بالبيت عريان، وغيرهما، ومسلم "٢/ ٩٨٢/ ح١٣٤٧" في الحج، باب لا يحج البيت مشرك.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١-٥] وَفِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٣-١٣٦] وَفِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٦، ١٥٧] وَفِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١-١١] وَفِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ، هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [النَّمْلِ: ١-٣] وَغَيْرَهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَقَدْ فَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى
[ ٢ / ٥٩٨ ]
"الْإِيمَانَ" بِذَلِكَ كُلِّهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٧] .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ: مَا الْإِيمَانُ؟ فَتَلَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٧] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. ثُمَّ سَأَلَهُ أَيْضًا فَتَلَاهَا عَلَيْهِ ثُمَّ سَأَلَهُ فَقَالَ: "إِذَا عَمِلْتَ حَسَنَةً أَحَبَّهَا قَلْبُكَ، وَإِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً أَبْغَضَهَا قَلْبُكَ"١ رَوَاهُ الْمَسْعُودِيُّ بِنَحْوِهِ، وَفَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ كُلِّهِ فِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فَقَالَ: "آمُرُكُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ" قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ "؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: "شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصِيَامُ رَمَضَانَ وَأَنْ تُؤَدُّوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمْسَ" ٢، وَقَدْ جَعَلَ ﷺ صِيَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا مِنَ الْإِيمَانِ، وَكَذَا قِيَامَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَكَذَا أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَكَذَا الْجِهَادَ وَالْحَجَّ وَاتِّبَاعَ الْجَنَائِزِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَعْلَاهَا: قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ" ٣ وَهَذِهِ الشُّعَبُ الْمَذْكُورَةُ قَدْ جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي مَوَاضِعَ
_________________
(١) ١ رواه ابن أبي حاتم وصححه "الدر المنثور ١/ ٤١٠" قلت: إسناده منقطع، فهو من رواية مجاهد عن أبي ذر ولم يدركه "ابن كثير ١/ ٢١٣" وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده وعبد بن حميد وابن مردويه عن القاسم بن عبد الرحمن قال: "جاء رجل إلى أبي ذر فقال: ما الإيمان؟ فتلا عليه هذه الآية "الدر المنثور ١/ ٤١١" وهو منقطع كذلك، ومن طريقه "القاسم" أخرجها المسعودي "ابن كثير ١/ ٢١٣". ٢ رواه البخاري "٨/ ٨٤، ٨٥" في المغازي، باب وفد عبد القيس، وغيرها، ومسلم "١/ ٤٦/ ح١٧" في الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ وشرائع الدين. ٣ رواه البخاري "١/ ٥١" في الإيمان، باب أمور الإيمان، ومسلم "١/ ٦٣/ ح٣٥" في الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
مُتَفَرِّقَةٍ، مِنْهَا مَا هُوَ مِنْ قَوْلِ الْقَلْبِ وَعَمَلِهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مِنْ قَوْلِ اللِّسَانِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مِنْ عَمَلِ الْجَوَارِحِ.
وَلَمَّا كَانَتِ الصَّلَاةُ جَامِعَةً لِقَوْلِ الْقَلْبِ وَعَمَلِهِ وَقَوْلِ اللِّسَانِ وَعَمَلِهِ وَعَمَلِ الْجَوَارِحِ، سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى إِيمَانًا فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] يَعْنِي: صَلَاتَكُمْ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَذَكَرْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- وَمَا سَبَقُونَا بِهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ أَمْرَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- كَانَ بَيِّنًا لِمَنْ رَآهُ، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا آمَنَ أَحَدٌ قَطُّ إِيمَانًا أَفْضَلَ مِنْ إِيمَانٍ بِالْغَيْبِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١-٥] ١. وَالْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَإِنَّمَا أَشَرْنَا إِلَى طَرَفٍ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى مَا وَرَاءَهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي قَصَدَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ بِقَوْلِهِمْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الْإِيمَانَ اعْتِقَادٌ وَقَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَإِنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ. وَحَكَى الشَّافِعِيُّ عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ أَدْرَكَهُمْ.
وَأَنْكَرَ السَّلَفُ عَلَى مَنْ أَخْرَجَ الْأَعْمَالَ عَنِ الْإِيمَانِ إِنْكَارًا شَدِيدًا، وَمِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى قَائِلِهِ وَجَعَلَهُ قَوْلًا مُحْدَثًا، مِمَّنْ سُمِّيَ لَنَا: سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَقَتَادَةُ وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرُهُمْ٢. قَالَ الثَّوْرِيُّ: هُوَ رَأْيٌ مُحْدَثٌ، أَدْرَكْنَا النَّاسَ عَلَى غَيْرِهِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: كَانَ مَنْ مَضَى مِنَ السَّلَفِ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالْإِيمَانِ. وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الْأَمْصَارِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ فَرَائِضُ وَشَرَائِعُ، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ
_________________
(١) ١ رواه سفيان بن عيينة وسعيد بن منصور وأحمد بن منيع في مسنده وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن الحارث بن قيس أنه قال لابن مسعود الحديث "الدر المنثور ١/ ٦٥". وأخرجه الحاكم "٢/ ٢٦٠" وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وسنده عند سعيد بن منصور سنده "ابن كثير ١/ ٤٣". ٢ انظر الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ١. وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي أَرَادَ الْبُخَارِيُّ إِثْبَاتَهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَعَلَيْهِ بَوَّبَ أَبْوَابَهُ كُلَّهَا، فَقَالَ: "بَابُ أُمُورِ الْإِيمَانِ" وَ"بَابُ الصَّلَاةِ مِنَ الْإِيمَانِ" وَ"بَابُ الزَّكَاةِ مِنَ الْإِيمَانِ" وَ"بَابُ الْجِهَادِ مِنَ الْإِيمَانِ" وَ"بَابُ حُبِّ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الْإِيمَانِ" وَ"بَابُ الْحَيَاءِ مِنَ الْإِيمَانِ" وَ"بَابُ صَوْمِ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الْإِيمَانِ" وَ"بَابُ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ مِنَ الْإِيمَانِ" وَ"بَابُ أَدَاءِ الْخُمْسِ مِنَ الْإِيمَانِ" وَسَائِرَ أَبْوَابِهِ. وَكَذَلِكَ صَنَعَ النَّسَائِيُّ فِي الْمُجْتَبَى، وَبَوَّبَ التِّرْمِذِيُّ عَلَى حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ "بَابُ مَا جَاءَ فِي إِضَافَةِ الْفَرَائِضِ إِلَى الْإِيمَانِ" وَكَلَامُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَتَرَاجِمُهُمْ فِي كُتُبِهِمْ يَطُولُ ذِكْرُهُ وَهُوَ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ، وَمِمَّا قَصَدُوهُ بِذَلِكَ الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ البدع ممن قالوا: هُوَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ فَقَطْ؛ كَابْنِ الرَّاوَنْدِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، إِذْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ الْيَهُودُ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَاسْتَيْقَنُوهَا وَلَمْ يَتَّبِعُوهُ مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وَقَدْ نَفَى اللَّهُ الْإِيمَانَ عَنْهُمْ.
وَقَالَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَأَتْبَاعُهُ: هُوَ الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ فَقَطْ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَافِرٌ بِالْكُلِّيَّةِ، إذ لا يجهل الْخَالِقَ سُبْحَانَهُ أَحَدٌ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي نُونِيَّتِهِ الْكَافِيَةِ الشَّافِيَةِ:
قَالُوا: وَإِقْرَارُ الْعِبَادِ بِأَنَّهُ خَلَّاقُهُمْ هُوَ مُنْتَهَى الْإِيمَانِ
وَالنَّاسُ مِنَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ وَاحِدٌ كَالْمُشْطِ عِنْدَ تَمَاثُلِ الْأَسْنَانِ
فَاسْأَلْ أَبَا جَهْلٍ وَشِيعَتَهُ وَمَنْ وَالَاهُمُو مِنْ عَابِدِي الْأَوْثَانِ
وَسَلِ الْيَهُودَ وَكُلَّ أَقْلَفَ مُشْرِكٍ عَبَدَ الْمَسِيحَ مُقَبِّلَ الصُّلْبَانِ
وَاسْأَلْ ثَمُودَ وَعَادَ بَلْ سَلْ قَبْلَهُمْ أَعْدَاءَ نُوحٍ أُمَّةَ الطُّوفَانِ
وَاسْأَلْ أَبَا الْجِنِّ اللَّعِينَ أَتَعْرِفُ الْـ ـخَلَّاقَ أَمْ أَصْبَحْتَ ذَا نُكْرَانِ
وَاسْأَلْ شِرَارَ الْخَلْقِ واَقْبَحَ أُمَّةٍ لُوطِيَّةٍ هُمْ نَاكِحُو الذُّكْرَانِ
وَاسْأَلْ كَذَاكَ إِمَامَ كُلِّ مُعَطِّلٍ فِرْعَوْنَ مَعْ قَارُونَ مَعْ هَامَانِ
_________________
(١) ١ رواه البخاري "١/ ٤٥" في الإيمان، باب قول النبي ﷺ: "بني الإسلام على خمس " تعليقا، ووصله أحمد في الإيمان "الفتح ١/ ٤٧" وابن أبي شيبة في الإيمان "ص٤٥/ ح١٣٥" وسنده صحيح.
[ ٢ / ٦٠١ ]
هَلْ كَانَ فِيهِمْ مُنْكِرٌ لِلْخَالِقِ الْـ ـرَبِّ الْعَظِيمِ مُكَوِّنِ الْأَكْوَانِ
فليبشروا ما فيهمو مِنْ كَافِرٍ هُمْ عِنْدَ جَهْمٍ كَامِلُو الْإِيمَانِ١
وَقَالَتِ الْمُرْجِئَةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ: الْإِيمَانُ هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ دُونَ عَقْدِ الْقَلْبِ، فَيَكُونُ الْمُنَافِقُونَ عَلَى هَذَا مُؤْمِنِينَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَهُمْ قَدْ نَطَقُوا بِالشَّهَادَتَيْنِ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَقَطْ وَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ -﷿- فِي دَعْوَاهُمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: التَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ وَالْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ. وَهَذَا الْقَوْلُ مُخْرِجٌ لِأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ.
وَذَهَبَ الْخَوَارِجُ وَالْعَلَّافُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ إِلَى أَنَّهُ الطَّاعَةُ بِأَسْرِهَا فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا، وَهَذَا الْقَوْلُ مُصَادِمٌ لِتَعْلِيمِ النَّبِيِّ -ﷺ- لِوُفُودِ الْعَرَبِ السَّائِلِينَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ. وَكُلَّ مَا يَقُولُ لَهُ السَّائِلُ فِي فَرِيضَةٍ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا" ٢.
وَذَهَبَ الْجُبَّائِيُّ وَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ الْبَصْرِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ الطَّاعَاتُ الْمَفْرُوضَةُ مِنَ الْأَفْعَالِ وَالتُّرُوكِ دُونَ النَّوَافِلِ، وَهَذَا أَيْضًا يُدْخِلُ الْمُنَافِقِينَ فِي الْإِيمَانِ وَقَدْ نَفَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقَالَ الْبَاقُونَ مِنْهُمْ: الْعَمَلُ وَالنُّطْقُ وَالِاعْتِقَادُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ أَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَجْعَلُوا كُلَّ الْأَعْمَالِ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ، بَلْ جَعَلُوا كَثِيرًا مِنْهَا شَرْطًا فِي الْكَمَالِ، كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيهَا: مَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ٣، وَالْمُعْتَزِلَةُ جَعَلُوهَا كُلَّهَا شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) ١ هي النونية وهي الشوكة في عيون أهل البدع وحلوقهم، وقد شرحت عدة مرات مطبوعة. ٢ رواه البخاري "١/ ١٠٦" في الإيمان، باب الزكاة من الإسلام، وغيرها. ومسلم "١/ ٤٠، ٤١/ ح١١" في الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام. ٣ تقدم ذكره.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
"والحالة الثَّانِيَةُ" أَنَّ يُطْلَقَ الْإِيمَانُ مَقْرُونًا بِالْإِسْلَامِ، وَحِينَئِذٍ يُفَسَّرُ بِالِاعْتِقَادَاتِ الْبَاطِنَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ هَذَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَكَمَا فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء: ٥٧] في غيرما مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ، وَكَمَا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي دُعَاءِ الْجِنَازَةِ: "اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفِّهِ عَلَى الْإِيمَانِ" ١، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالْجَوَارِحِ وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْهَا فِي الْحَيَاةِ، فَأَمَّا عِنْدُ الْمَوْتِ فَلَا يَبْقَى غَيْرُ قَوْلِ الْقَلْبِ وَعَمَلِهِ. وَكَحَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْإِسْلَامُ عَلَانِيَةٌ، وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ" ٢.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إِذَا أُفْرِدَ كُلٌّ مِنَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ بِالذِّكْرِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ، بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ يَشْمَلُ الدِّينَ كُلَّهُ، وَإِنْ فُرِّقَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ كَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْجَلِيلِ. وَالْمَجْمُوعُ مَعَ الْإِحْسَانِ هُوَ الدِّينُ كَمَا سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا تَفْسِيرُ الْإِيمَانِ بِالْإِسْلَامِ وَالْإِسْلَامِ بِالْإِيمَانِ، وَبِذَلِكَ جمع بينه وبينها أَهْلُ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: وَأَمَّا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ النُّصُوصِ وَبَيْنَ حَدِيثِ سُؤَالِ جِبْرِيلَ ﵇ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَتَفْرِيقِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَهُمَا وَإِدْخَالِهِ الْأَعْمَالَ فِي مُسَمَّى الْإِسْلَامِ دُونَ الْإِيمَانِ، فَإِنَّهُ يَتَّضِحُ بِتَقْرِيرِ أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ مِنَ الْأَسْمَاءِ مَا يَكُونُ شَامِلًا لِمُسَمَّيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ عِنْدَ إِفْرَادِهِ وَإِطْلَاقِهِ، فَإِذَا قُرِنَ ذَلِكَ
_________________
(١) ١ رواه أبو داود "٣/ ٢١١/ ح٣٢٠١" في الجنائز، باب الدعاء للميت، والترمذي "٣/ ٣٤٣/ ح١٠٢٤" في الجنائز، باب ما يقول في الصلاة على الميت، وابن ماجه "١/ ٤٨٠/ ح١٤٩٨" في الجنائز، باب ما جاء في الدعاء في الصلاة على الجنازة، وأحمد "٢/ ٣٦٨" و"٤/ ١٧٠/ و٣٠٨"، وابن حبان "الإحسان ٥/ ٢٩" والحاكم "١/ ٣٥٨" وقال: "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. ٢ رواه أحمد "٣/ ١٣٥، ١٣٦" وأبو يعلى بتمامه "المجمع ١/ ٥٧" والبزار مختصرا "كشف الأستار ١/ ١٩" وابن أبي شيبة في الإيمان "ص٥/ ح٦" قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح ما خلا علي بن مسعدة، وقد وثقه ابن حبان وأبو داود الطيالسي وأبو حاتم وابن معين وضعفه آخرون "المجمع ١/ ٥٧" وعلي هذا قال الحافظ في التقريب: صدوق له أوهام.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
الِاسْمُ بِغَيْرِهِ صَارَ دَالًّا على بعض تلك الْمُسَمَّيَاتِ، وَالِاسْمُ الْمَقْرُونُ بِهِ دَالًّا عَلَى بَاقِيهَا، وَهَذَا كَاسْمِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ فَإِذَا أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا دَخَلَ فِيهِ كُلُّ مَنْ هُوَ مُحْتَاجٌ، فَإِذَا قُرِنَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ دَلَّ أَحَدُ الِاسْمَيْنِ عَلَى بَعْضِ أَنْوَاعِ ذَوِي الْحَاجَاتِ وَالْآخَرُ عَلَى بَاقِيهَا، فَهَكَذَا اسْمُ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ إِذَا أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا دَخَلَ فِيهِ الْآخَرُ وَدَلَّ بِانْفِرَادِهِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْآخَرُ بِانْفِرَادِهِ، فَإِذَا قُرِنَ بَيْنَهُمَا دَلَّ أَحَدُهُمَا عَلَى بَعْضِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِانْفِرَادِهِ وَدَلَّ الْآخَرُ عَلَى الْبَاقِي. قَالَ: وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا الْمَعْنَى جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى أَهْلِ الْجَبَلِ: قَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: إِنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَالْإِسْلَامُ فِعْلُ مَا فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَهُ، إِذَا ذُكِرَ كُلُّ اسْمٍ عَلَى حِدَتِهِ مَضْمُومًا إِلَى الْآخَرِ فَقِيلَ: الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا مُفْرَدَيْنَ أُرِيدُ بِأَحَدِهِمَا مَعْنًى لَمْ يُرَدْ بِهِ الْآخَرُ، وَإِذَا ذُكِرَ أَحَدُ الِاسْمَيْنِ شَمِلَ الْكُلَّ وَعَمَّهُمْ.
وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا الْخَطَّابِيُّ فِي كِتَابِهِ مَعَالِمُ السُّنَنِ، وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ بَعْدِهِ١.
قُلْتُ: كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ رَجَبٍ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَطَّابِيُّ الْبَسْتِيُّ الْفَقِيهُ الْأَدِيبُ الشَّافِعِيُّ الْمُحَقِّقُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فِي كِتَابِهِ مَعَالِمُ السُّنَنِ: مَا أَكْثَرَ مَا يَغْلَطُ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَأَمَّا الزُّهْرِيُّ فَقَالَ: الْإِسْلَامُ الْكَلِمَةُ وَالْإِيمَانُ الْعَمَلُ، وَاحْتَجَّ بِالْآيَةِ يَعْنِي: قَوْلَهُ ﷿: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الْحُجُرَاتِ: ١٤] . وَذَهَبَ غَيْرُهُ إِلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٣٥، ٣٦] قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ رَجُلَانِ مِنْ كُبَرَاءِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى قَوْلٍ مِنْ هَذَيْنِ، وَرَدَّ الْآخَرُ مِنْهُمَا عَلَى الْمُتَقَدِّمِ وَصَنَّفَ كِتَابًا يَبْلُغُ عَدَدُ أَوْرَاقِهِ الْمِئِينَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَالصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُقَيَّدَ الْكَلَامُ فِي هَذَا
_________________
(١) ١ جامع العلوم والحكم لابن رجب "ص٣٤".
[ ٢ / ٦٠٤ ]
وَلَا يُطْلَقُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ يَكُونُ مُؤْمِنًا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا فِي بَعْضِهَا، وَالْمُؤْمِنُ مُسْلِمٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، فَكُلُّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنًا. وَإِذَا حَمَلْتَ الْأَمْرَ عَلَى هَذَا اسْتَقَامَ لَكَ تَأْوِيلُ الْآيَاتِ وَاعْتَدَلَ الْقَوْلُ فِيهَا، وَلَمْ يَخْتَلِفْ شَيْءٌ مِنْهَا.
وَأَصْلُ الْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ، وَأَصْلُ الْإِسْلَامِ الِاسْتِسْلَامُ وَالِانْقِيَادُ، فَقَدْ يَكُونُ الْمَرْءُ مُسْتَسْلِمًا فِي الظَّاهِرِ غَيْرَ مُنْقَادٍ فِي الْبَاطِنِ، وَقَدْ يَكُونُ مُصَدِّقًا فِي الْبَاطِنِ غَيْرَ مُنْقَادٍ فِي الظَّاهِرِ١.
قُلْتُ: مَا رَوَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْإِسْلَامُ الْكَلِمَةُ وَالْإِيمَانُ الْعَمَلُ، هَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ قَيِّمِ الْمَبْنَى وَلَا وَاضِحُ الْمَعْنَى، وَالزَّهْرِيُّ إِمَامٌ عَظِيمٌ مِنْ كِبَارِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ لَا يَجْهَلُ مِثْلَ هَذَا وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ مَحْفُوظَةً عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ، فَإِنْ صَحَّ النَّقْلُ عَنْهُ فَفِي الْكَلَامِ تَصْحِيفٌ وَإِسْقَاطٌ لَعَلَّ الصَّوَابَ فِيهِ هَكَذَا: الْإِسْلَامُ: الْكَلِمَةُ وَالْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ، فَسَقَطَتِ الْوَاوُ الْعَاطِفَةُ لِلْعَمَلِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَهَذَا مُتَعَيِّنٌ لِمُوَافَقَتِهِ قَوْلَ أَهْلِ السُّنَّةِ قَاطِبَةً: أَنَّ الْإِيمَانَ اعْتِقَادٌ وَقَوْلٌ وَعَمَلٌ. وَالزُّهْرِيُّ مِنْ أَكْبَرِ أَئِمَّتِهِمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ مَعَهُمْ فِيمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْهُمْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَيَكُونُ عَنَى بِالْإِسْلَامِ الدِّينَ كُلَّهُ كَمَا عَنَى غَيْرَهُ بِالْإِيمَانِ الدِّينَ كُلَّهُ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ اسْتِدْلَالُهُ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا عَلَى هَذَا وَلَا يَسْتَقِيمُ عَلَى مَعْنَى الْأَوَّلِ؛ لِإِهْمَالِ الِاعْتِقَادِ فِيهِ الْمَوْجُودِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الْحُجُرَاتِ: ١٤] الْآيَةَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَذَهَبَ غَيْرُهُ إِلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَهَذَا إِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ الْغَيْرِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فَهُمْ لَمْ يَجْعَلُوهُمَا شَيْئًا وَاحِدًا إِلَّا عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَعَدَمِ الِاقْتِرَانِ لِشُمُولِ أَحَدِهِمَا مَعْنَى الْآخَرِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَمَّا عِنْدُ اقْتِرَانِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِمَا فرق به الرسول -ﷺ- فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ ﵇. وَإِنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ فَإِطْلَاقُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا وَالِاتِّحَادِ فِي كُلِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ هُوَ رَأْيُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَهُمُ الْمُحْتَجُّونَ عَلَى ذَلِكَ بِآيَتَيِ الذَّارِيَاتِ وَهُوَ احْتِجَاجٌ ضَعِيفٌ جِدًّا،
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي "١/ ١٤٤، ١٤٥".
[ ٢ / ٦٠٥ ]
لِأَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا قَوْمًا مُؤْمِنِينَ وَعِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ وَلَا يَنْعَكِسُ، فاتفق الاسمان ههنا لِخُصُوصِيَّةِ الْحَالِ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي كُلِّ حَالٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ ﵀ أَيْضًا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً " ١: فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ الْإِيمَانَ الشَّرْعِيَّ اسْمٌ لِمَعْنًى ذِي شُعَبٍ وَأَجْزَاءٍ، لَهُ أَعْلَى وَأَدْنَى، والاسم يتعلق ببعضها كَمَا يَتَعَلَّقُ بِكُلِّهَا، وَالْحَقِيقَةُ تَقْتَضِي جَمِيعَ شُعَبِهِ وَتَسْتَوْفِي جُمْلَةَ أَجْزَائِهِ؛ كَالصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ لَهَا شُعَبٌ وَأَجْزَاءٌ والاسم يتعلق ببعضها، وَالْحَقِيقَةُ تقتضي جميع أجزائها وَتَسْتَوْفِيهَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: "الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ" ٢ وفيه إثبات التفاضل فِي الْإِيمَانِ وَتَبَايُنِ الْمُؤْمِنِينَ في درجاته٣. ا. هـ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الْبَغَوِيُّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَمَّا ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﷿ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣] الْآيَاتِ، قَالَ: فَالنَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ الْإِسْلَامَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْمًا لِمَا ظَهَرَ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَالْإِيمَانَ اسْمًا لِمَا بَطَنَ مِنْ الِاعْتِقَادِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنَ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقَ بِالْقَلْبِ لَيْسَ مِنَ الْإِسْلَامِ، بَلْ ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لِجُمْلَةٍ هِيَ كُلُّهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَجُمَّاعُهَا الدِّينُ، وَلِذَلِكَ قَالَ: "ذَاكَ جِبْرِيلُ، أَتَاكُمْ يعلمكم دينكم" ا. هـ٤. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ ﷺ: "الْإِسْلَامُ أَنَّ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَالْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ" قَالَ: هَذَا بَيَانٌ لِأَصْلِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ الْبَاطِنُ وَبَيَانٌ لِأَصْلِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ الِاسْتِسْلَامُ وَالِانْقِيَادُ الظَّاهِرُ، وَحُكْمُ الْإِسْلَامِ فِي الظَّاهِرِ يَثْبُتُ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَإِنَّمَا أَضَافَ إِلَيْهِمَا الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصَّوْمَ
_________________
(١) ١ رواه البخاري "١/ ٥١" في الإيمان، باب أمور الإيمان، ومسلم "١/ ٦٣/ ح٣٥" فيه، باب بيان عدد شعب الإيمان. ٢ قطعة من الحديث الذي قبله. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي "١/ ١٤٥". ٤ معالم التنزيل "١/ ٣٧" وفي المطبوع هذا من قول الفراء، نقله البغوي.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
وَالْحَجَّ لِكَوْنِهَا أَظْهَرَ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَأَعْظَمَهَا، وَبِقِيَامِهَا بِهِ يَتِمُّ اسْتِسْلَامُهُ، وَتَرْكُهُ لَهَا يُشْعِرُ بِانْحِلَالِ قَيْدِ انْقِيَادِهِ أَوِ اخْتِلَالِهِ. ثُمَّ إِنَّ اسْمَ الْإِيمَانِ يَتَنَاوَلُ مَا فُسِّرَ بِهِ الْإِسْلَامُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَسَائِرُ الطَّاعَاتِ لِكَوْنِهَا ثَمَرَاتِ التَّصْدِيقِ الْبَاطِنِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْإِيمَانِ وَمُقَوِّيَاتٍ وَمُتَمِّمَاتٍ وَحَافِظَاتٍ؛ وَلِهَذَا فَسَّرَ ﷺ الْإِيمَانَ فِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَإِعْطَاءِ الْخُمْسِ مِنَ الْمَغْنَمِ؛ وَلِهَذَا لَا يَقَعُ اسْمُ الْمُؤْمِنِ الْمُطْلَقُ عَلَى مَنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً أَوْ تَرَكَ فَرِيضَةً لِأَنَّ اسْمَ الشَّيْءِ مُطْلَقًا يَقَعُ عَلَى الكل منه، ولا يستعمل فِي النَّاقِصِ ظَاهِرًا إِلَّا بِقَيْدٍ؛ وَلِذَلِكَ جَازَ إِطْلَاقُ نَفْيِهِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ ﷺ: "لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ" ١، وَاسْمُ الْإِسْلَامِ يَتَنَاوَلُ أَيْضًا مَا هُوَ أَصْلُ الْإِيمَانِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ الْبَاطِنُ، وَيَتَنَاوَلُ أَصْلَ الطَّاعَاتِ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ اسْتِسْلَامٌ، قَالَ: فَخَرَجَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَحَقَّقْنَاهُ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ يَجْتَمِعَانِ وَيَفْتَرِقَانِ، وَأَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنًا. قَالَ: وَهَذَا تَحْقِيقٌ وَافٍ بِالتَّوْفِيقِ بَيْنَ مُتَفَرِّقَاتِ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ الَّتِي طَالَمَا غَلِطَ فِيهَا الْخَائِضُونَ، وَمَا حَقَّقْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ أَهْلِ الحديث وغيرهم٢. ا. هـ.
وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَعْمَالَ تَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْإِسْلَامِ وَمُسَمَّى الْإِيمَانِ أَيْضًا، وَذَكَرْنَا مَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ، وَيَدْخُلُ فِي مُسَمَّاهَا أَيْضًا أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ الْبَاطِنَةُ فَيَدْخُلُ فِي أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ إِخْلَاصُ الدِّينِ لِلَّهِ تَعَالَى وَالنُّصْحُ لَهُ وَلِعِبَادِهِ وَسَلَامَةُ الْقَلْبِ لَهُمْ مِنَ الْغِشِّ وَالْحَسَدِ وَالْحِقْدِ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَذَى، وَيَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ وَجَلُ الْقُلُوبِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﷿، وَخُشُوعُهَا عِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِهِ وَكِتَابِهِ، وَزِيَادَةُ الْإِيمَانِ بِذَلِكَ وَتَحْقِيقُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ ﷿ وَخَوْفُ اللَّهِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَالرِّضَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ -ﷺ- رَسُولًا، وَاخْتِيَارُ تَلَفِ النُّفُوسِ بِأَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْآلَامِ عَلَى الْكُفْرِ، وَاسْتِشْعَارُ قُرْبِ اللَّهِ مِنَ
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٥/ ١١٩" في المظالم، باب النهبى بغير إذن صاحبه، ومسلم "١/ ٧٦/ ح٥٧" في الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي. ٢ من مسلم بشرح النووي "١/ ١٤٧، ١٤٨".
[ ٢ / ٦٠٧ ]
الْعَبْدِ وَدَوَامُ اسْتِحْضَارِهِ، وَإِيثَارُ مُحِبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى مَحَبَّةِ مَا سِوَاهُمَا، وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِيهِ وَالْعَطَاءُ لَهُ وَالْمَنْعُ لَهُ، وَأَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ لَهُ، وَسَمَاحَةُ النُّفُوسِ بِالطَّاعَةِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ وَالِاسْتِبْشَارُ بِعَمَلِ الْحَسَنَاتِ وَالْفَرَحُ بِهَا وَالْمَسَاءَةُ بِعَمَلِ السَّيِّئَاتِ وَالْحُزْنُ عَلَيْهَا، وَإِيثَارُ الْمُؤْمِنِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَكَثْرَةُ الْحَيَاءِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ، وَمَحَبَّةُ مَا يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ لِإِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَمُوَاسَاةُ الْمُؤْمِنِينَ خُصُوصًا الْجِيرَانَ وَمُعَاضَدَةُ الْمُؤْمِنِينَ وَمُنَاصَرَتُهُمْ وَالْحُزْنُ بِمَا يُحْزِنُهُمْ. ثُمَّ سَاقَ مِنَ النُّصُوصِ فِي ذَلِكَ جُمْلَةً وَافِيَةً، قَالَ: وَالرِّضَا بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى تَتَضَمَّنُ الرِّضَا بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالرِّضَا بِتَدْبِيرِهِ لِلْعَبْدِ وَاخْتِيَارِهِ لَهُ، وَالرِّضَا بِالْإِسْلَامِ دِينًا يَتَضَمَّنُ اخْتِيَارَهُ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ، وَالرِّضَا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ رَسُولًا يَتَضَمَّنُ الرِّضَا بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَقَبُولَ ذَلِكَ بِالتَّسْلِيمِ وَالِانْشِرَاحِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ا. هـ١. وَنُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالُ أَئِمَّةِ الدِّينِ -سَلَفًا وَخَلَفًا- فِي هَذَا الْبَابِ يَطُولُ ذِكْرُهَا.
ثُمَّ اعْلَمْ يَا أَخِي أَرْشَدَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ الْتِزَامَ الدِّينِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ النَّجَاةُ مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ وَبِهِ يَفُوزُ الْعَبْدُ بِالْجَنَّةِ وَيُزَحْزَحُ عَنِ النَّارِ، إِنَّمَا هُوَ مَا كَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي كُلِّ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ مَا يُنَاقِضُهُ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ فِي الدُّنْيَا وَوُكِّلَتْ سَرِيرَتُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١] وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ وَغَيْرَهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُسَامَةَ فِي قَتْلِهِ الْجُهَنِيَّ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ"؟! قَالَ: قَلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ، قَالَ: "أَفَلَا شَقَقْتَ
_________________
(١) ١ جامع العلوم والحكم لابن رجب "ص٣٨".
[ ٢ / ٦٠٨ ]
عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا" ١، الْحَدِيثُ بِطُولِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طُرُقٍ بِأَلْفَاظٍ، وَفِي بَعْضِهَا: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي قَالَ: "وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "؟! ٢. وَلَمَّا أَنِ اسْتَأْذَنَهُ عُمَرُ ﵁ فِي قَتْلِ الرَّجُلِ الَّذِي انْتَقَدَ عَلَيْهِ حُكْمَهُ -ﷺ- فِي قِسْمَةِ الذُّهَيْبَةِ قَالَ: "مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي" ٣، وَقَالَ لَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ -﵁- فِيهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: "لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي" قَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ" ٤ الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ طُرُقٍ بِأَلْفَاظٍ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ﷿" ٥. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَنَسٍ نَفْسِهِ وَلَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ، بَلْ قَدْ رَفَعَهُ النَّسَائِيُّ كَمَا سَيَأْتِي: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَصَلَّى صَلَاتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ الْمُسْلِمُ، لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ" ٦، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْجِهَادِ بِلَفْظِ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنْ يَسْتَقْبِلُوا قِبْلَتَنَا وَأَنْ يَأْكُلُوا ذَبِيحَتَنَا
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٧/ ٥١٧" في المغازي، باب بعث النبي -ﷺ- أسامة بن زيد إلى الحرمات من جهينة، ومسلم "١/ ٩٦، ٩٧/ ح٩٦" في الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله. ٢ رواه مسلم بهذا اللفظ "١/ ٩٧، ٩٨/ ح٩٧" في الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله. ٣ أخرجه البخاري "٨/ ٦٤٨" في تفسير سورة "المنافقون" باب قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ومسلم "٤/ ١٩٩٨، ١٩٩٩/ ح٢٥٨٤" في البر والصلة والآداب، باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما. ٤ رواه مسلم بهذا اللفظ "٢/ ٧٤١، ٧٤٢/ ح١٠٦٤" في الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم. ٥ البخاري "١/ ٤٩٦، ٤٩٧" في الصلاة، باب فضل استقبال القبلة. ٦ رواه البخاري موقوفا عن أنس "١/ ٤٩٧" ومرفوعا "١/ ٤٩٦ و٤٩٧" قريبا من لفظه، والنسائي "٨/ ١٠٩" في الإيمان، باب على ما يقاتل الناس و"٧/ ٧٥ و٧٦".
[ ٢ / ٦٠٩ ]
وَأَنْ يُصَلُّوا صَلَاتَنَا، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ" ١. وَفِي رِوَايَةٍ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ" ٢ بِمَعْنَاهُ.
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي تَحْرِيمِ الدَّمِ وَلَفْظُهُ: قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا شَهِدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا وَأَكَلُوا ذَبِيحَتَنَا وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ" ٣. وَفِيهِ قَوْلُ مَيْمُونِ بْنِ سِيَاهٍ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا يُحَرِّمُ دَمَ الْمُسْلِمِ وَمَالَهُ؟ فَقَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَصَلَّى صَلَاتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ مُسْلِمٌ، لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ٤. وَرَفَعَهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَذَلِكُمُ الْمُسْلِمُ" ٥ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵃: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ﷿" ٦.
_________________
(١) ١ أبو داود "٣/ ٤٤/ ح٢٦٤١" في الجهاد، باب على ما يقاتل المشركون. ٢ أبو داود "٢٣/ ٤٤/ ح٢٦٤٢" في الجهاد، باب على ما يقاتل المشركون. ٣ رواه النسائي "٧/ ٧٥، ٧٦" في تحريم الدم، وهو حديث الصحيح المتقدم قبل قليل. ٤ رواه النسائي "٧/ ٧٦" في تحريم الدم، وهو حديث الصحيح الموقوف المتقدم قبل قليل. ٥ رواه النسائي "٨/ ١٠٩" في الإيمان، باب على ما يقاتل المشركون، والترمذي "٥/ ٤/ ح٢٦٠٨" في الإيمان، باب ما جاء في قول النبي ﷺ: "أمرت بقتالهم حتى يقولوا: لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة" ورفعه البخاري كذلك في الصلاة، باب فضل استقبال القبلة "١/ ٤٩٦/ ح٣٩١". ٦ حديث ابن عمر رواه البخاري "١/ ٧٥" في الإيمان، باب "فإن تابوا وأقاموا الصلاة" ومسلم "١/ ٥٣/ ح٢٢" في الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله. وحديث أبي هريرة رواه البخاري "٣/ ٢٦٢" في أول الزكاة وغيره، ورواه مسلم "١/ ٥٢/ ح٢١" في الإيمان.
[ ٢ / ٦١٠ ]
وَفِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ وَمُسْنَدِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ فِي مَجْلِسٍ فَسَارَّهُ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَجَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ "؟ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا شَهَادَةَ لَهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ "؟ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "أَلَيْسَ يُصَلِّي"؟ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا صَلَاةَ لَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِمْ" ١.
وَفِي الْبَابِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَحَادِيثُ مِنَ الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ. وَأَمَرَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﷺ فِي الْقُرْآنِ بِالْإِعْرَاضِ عَنِ المنافقين في غيرما مَوْضِعٍ مَعَ إِخْبَارِهِ بِصِفَاتِهِمْ وَتَعْرِيفِهِ بِسِيمَاهُمْ وَعَلَامَاتِهِمْ، وَلَمْ يَقْتُلِ النَّبِيُّ -ﷺ- أَحَدًا مِنْهُمْ، وَأَجْرَى عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ الظَّاهِرَةَ، وَكَانُوا يَخْرُجُونَ مَعَهُ لِلْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيُقِيمُ الْحُدُودَ عَلَيْهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَرْتَبَةُ الْإِحْسَانِ]:
"وَالْإِحْسَانِ" هَذِهِ الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ مَرَاتِبِ الدِّينِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وَالْإِحْسَانُ لُغَةً: إِجَادَةُ الْعَمَلِ وَإِتْقَانُهُ وَإِخْلَاصُهُ، وَفِي الشَّرِيعَةِ هُوَ مَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- بِقَوْلِهِ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَحْثُهُ، وَالنُّصُوصُ فِيهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ فِي آخِرِ هَذَا الْفَصْلِ.
_________________
(١) ١ رواه مالك في الموطأ "١/ ١٧١/ ح٨٤" في قصر الصلاة في السفر، باب جامع الصلاة. قال ابن عبد البر: هكذا رواه سائر رواة الموطأ مرسلا وعبيد الله لم يدرك النبي ﷺ. ورواه أحمد "٥/ ٤٣٢، ٤٣٣" وعبيد الله قتل أبوه ببدر، وكان هو في الفتح مميزا فعد في الصحابة لذلك، وهو غلط كما قال الحافظ في الإصابة "٣/ ٧٤". وعده العجلي وغيره في ثقات كبار التابعين، مات في آخر خلافة الوليد بن عبد الملك، وأخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي كما في التقريب، فهو تابعي ثقة.
[ ٢ / ٦١١ ]
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ -ﷺ- فَسَّرَ الْإِسْلَامَ هُنَا بِالْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ، وَفَسَّرَ الْإِيمَانَ بِالْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ، وَالْإِحْسَانُ هُوَ تَحْسِينُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ هُوَ الدِّينُ، وَالْكُلُّ مِنْ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ "مَبْنِيٌّ عَلَى أَرْكَانٍ" لَا قِوَامَ لَهُ إِلَّا بِقِيَامِهَا، وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا، وَنُحِيلُ مَا قُدِّمَ بَيَانُهُ مِنْهَا عَلَى مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
[ ٢ / ٦١٢ ]
[أَرْكَانُ الْإِسْلَامِ الْخَمْسَةُ]:
فَقَدْ أَتَى الْإِسْلَامُ مَبْنِيًّا عَلَى خَمْسٍ فَحَقِّقْ وَادْرِ مَا قَدْ نُقِلَا
أَوَّلُهَا الرُّكْنُ الْأَسَاسُ الْأَعْظَمُ وَهْوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الْأَقْوَمُ
رُكْنُ الشَّهَادَتَيْنِ فَاثْبُتْ وَاعْتَصِمْ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى الَّتِي لَا تَنْفَصِمْ
وَثَانِيًا إِقَامَةُ الصَّلَاةِ وَثَالِثًا تَأْدِيَةُ الزَّكَاةِ
وَالرَّابِعُ الصِّيَامُ فَاسْمَعْ وَاتَّبِعْ وَالْخَامِسُ الْحَجُّ على من يستطع
وَهَذِهِ أَرْكَانُ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى مَرْتَبَةِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ: قَوْلِيَّةٍ وَعَمَلِيَّةٍ.
فَالْقَوْلِيَّةُ: الشَّهَادَتَانِ، وَالْعَمَلِيَّةُ: الْبَاقِي. وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
بَدَنِيَّةٌ وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ، وَمَالِيَّةٌ وَهِيَ الزَّكَاةُ، وَبَدَنِيَّةٌ مَالِيَّةٌ وَهُوَ الْحَجُّ. وَقَوْلُ الْقَلْبِ وَعَمَلُهُ شَرْطٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالنُّصُوصُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الْخَمْسَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَهِيَ عَلَى نَوْعَيْنِ: قِسْمٌ شَامِلٌ لِجَمِيعِهَا، وَقِسْمٌ يَخُصُّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِنْهَا.
فَلْنَبْدَأْ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ عَلَى حِدَتِهِ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي مَعَ حَلِّ أَلْفَاظِ الْمَتْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ جِبْرِيلَ السَّابِقُ ذِكْرُهُ عَنِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَمِنْهَا حَدِيثُ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا، وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ
[ ٢ / ٦١٣ ]
رَمَضَانَ" فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْجِهَادُ حَسَنٌ. هَكَذَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١.
وَمِنْهَا حَدِيثُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجِّ الْبَيْتِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ" ٢ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: كُنَّا نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلُهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَكَ، قَالَ ﷺ: "صَدَقَ" قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: "اللَّهُ" قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: "اللَّهُ" قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: "اللَّهُ" قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَخَلَقَ الْأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ ﷺ: "نَعَمْ" قَالَ: فَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا قَالَ ﷺ: "صَدَقَ" قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ" قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي سَنَتِنَا، قَالَ ﷺ: "نَعَمْ صَدَقَ" قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ ﷺ: "نَعَمْ" قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قَالَ ﷺ: "صَدَقَ" قَالَ: ثُمَّ وَلَّى فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا، لَا أَزْيَدُ عَلَيْهِنَّ شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ" رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَهَذَا لَفْظُ أَحْمَدَ٣. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: أَمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، قَالَ: وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعِيدِ بْنِ بَكْرٍ٤.
_________________
(١) ١ رواه البخاري "١/ ٤٩" في الإيمان، باب: دعاؤكم إيمانكم، ومسلم "١/ ٤٥/ ح١٦" في الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام. ٢ رواه أحمد "٤/ ٣٦٣ و٣٦٤" ورواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄. ٣ رواه البخاري "١/ ١٤٨، ١٤٩" في العلم، باب ما جاء في العلم، ومسلم واللفظ له "١/ ٤١، ٤٢/ ح١٢" في الإيمان، باب السؤال عن أركان الإسلام، وأحمد "٣/ ١٤٣ و١٩٣". ٤ عند البخاري "١/ ١٤٨" في العلم، باب ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ .
[ ٢ / ٦١٤ ]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ "أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ثَائِرَ الرَّأْسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: "الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا" فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقَالَ: "شَهْرَ رَمَضَانَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا" فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ قَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ. قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ" هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ١. وَلَهُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ "أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ؟ قَالَ: "مَا لَهُ مَا لَهُ".
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَرِبَ مَا لَهُ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ" وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ٢.
وَلَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ "أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: "تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ" قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَنْ سَرَّهُ أَنَّ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا" ٣.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الْمُنْتَفِقِ ﵁ فِي وِفَادَتِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: "قُلْتُ: ثِنْتَانِ أَسْأَلُكَ عَنْهُمَا: مَا يُنَجِّينِي مِنَ النَّارِ وَمَا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ؟ قَالَ: فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ نَكَّسَ رَأْسَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ بِوَجْهِهِ قَالَ: "لَئِنْ كُنْتَ أَوْجَزْتَ فِي الْمَسْأَلَةِ لَقَدْ أَعْظَمْتَ وَأَطْوَلْتَ، فَاعْقِلْ عَنِّي إِذًا: اعْبُدِ اللَّهَ لَا تُشْرِكْ بِهِ
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٤/ ١٠٢" في الصوم، باب وجوب الصوم، وغيرها، ومسلم "١/ ٤٠، ٤١/ ح١١" في الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام. ٢ رواه البخاري "٣/ ٢٦١" في الزكاة، باب وجوب الزكاة، ومسلم "١/ ٤٢، ٤٣/ ح١٣" في الإيمان، باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة. ٣ رواه البخاري"٣/ ٢٦١" في الزكاة، باب وجوب الزكاة، ومسلم "١/ ٤٤/ ح١٤" في الإيمان، باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة.
[ ٢ / ٦١٥ ]
شَيْئًا وَأَقِمِ الصَّلَاةَ وَأَدِّ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَصُمْ رَمَضَانَ، وَمَا تُحِبُّ أَنْ يَفْعَلَهُ بِكَ النَّاسُ فَافْعَلْ بِهِمْ وَمَا تَكْرَهُ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيْكَ النَّاسُ فَذَرِ النَّاسَ مِنْهُ" رَوَاهُ أَحْمَدُ١. وَفِي رِوَايَةٍ: "لَئِنْ كُنْتَ قَصَّرْتَ فِي الْخُطْبَةِ لَقَدْ أَبْلَغْتَ فِي الْمَسْأَلَةِ: اتَّقِ اللَّهَ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ وَتَحُجُّ الْبَيْتَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ" ٢.
وَلَعَلَّ ابْنَ الْمُنْتَفِقِ هَذَا هُوَ الرَّجُلُ الْمُبْهَمُ فِي رِوَايَةِ أَبِي أَيُّوبَ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الصَّحِيحِ، فَإِنَّ فِي مُسْلِمٍ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ أَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ بِزِمَامِهَا، وَفِي آخِرِهَا: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: "دَعِ النَّاقَةَ" بَعْدَ أَنْ عَلَّمَهُ. وَابْنُ الْمُنْتَفِقِ قَالَ: فَأَخَذْتُ بِخِطَامٍ رَاحِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَوْ قَالَ: زِمَامَهَا، وَفِي آخِرِهِ: قَالَ ﷺ: "خَلِّ سَبِيلَ الرَّاحِلَةِ". وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: "خَلِّ طَرِيقَ الرِّكَابِ" فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ صَاحِبَ الْقِصَّةِ وَقَدْ حَفِظَ الصَّوْمَ وَالْحَجَّ زِيَادَةً عَلَى مَا فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ٣، وَهُوَ السَّائِلُ أَعْلَمُ بِجَوَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَوْعَى لَهُ وَأَحْفَظُ لَهُ وَأَضْبَطُ مِنْ غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ ﵁ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَلِجُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِخَادِمِهِ: "اخْرُجِي إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُحْسِنُ الِاسْتِئْذَانَ فَقُولِي لَهُ: فَلْيَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ "؟ قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ قَالَ: فَأَذِنَ لِي أَوْ قَالَ: فَدَخَلْتُ فَقُلْتُ: بِمَ أَتَيْتَنَا بِهِ؟ قَالَ: "لَمْ آتِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، أَتَيْتُكُمْ بِأَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ" قَالَ شُعْبَةُ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنْ تَدَعُوا اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَأَنْ تُصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ وَأَنْ تَصُومُوا مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا وَأَنْ تَحُجُّوا الْبَيْتَ وَأَنْ تَأْخُذُوا مِنْ مال أغنيائكم فتردوه عَلَى فُقَرَائِكُمْ. قَالَ: فَقَالَ: فَهَلْ بَقِيَ مِنَ الْعِلْمِ شيء لا تعلمه؟ قَالَ: "قَدْ عَلَّمَنِي اللَّهُ ﷿ خَيْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي
_________________
(١) ١ رواه أحمد "٦/ ٣٨٣" وفي سنده عبد الله بن أبي عقيل، ليس بالمشهور. والحديث يشهد له الذي قبله. ٢ رواه أحمد "٦/ ٣٨٣، ٣٨٤" وهو كالذي قبله. ٣ انظر الفتح "٣/ ٢٦٣، ٢٦٤" في المسألة، وكلام ابن حجر في الرجل المبهم.
[ ٢ / ٦١٦ ]
الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لُقْمَانَ: ٣٤] " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ أَئِمَّةٌ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ طَرَفًا مِنْهُ١.
وَعَنِ السَّدُوسِيِّ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لِأُبَايِعَهُ، فَاشْتَرَطَ عَلَيَّ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنْ أُقِيمَ الصَّلَاةَ وَأَنْ أُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ وَأَنْ أَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَأَنْ أَصُومَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَأَنْ أُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَّا اثْنَتَانِ فَوَاللَّهِ مَا أُطِيقُهُمَا: الْجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ، فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ مَنْ وَلَّى الدُّبُرَ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، فَأَخَافُ إِنْ حَضَرْتُ تِلْكَ جَشِعَتْ نَفْسِي وَكَرِهَتِ الْمَوْتَ، وَالصَّدَقَةُ، فَوَاللَّهِ مَا لِي إلا غنيمة وعشرة ذَوْدٍ هُنَّ رِسْلُ أَهْلِي وَحُمُولَتِهِمْ، قَالَ: فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ ثُمَّ حَرَّكَ يَدَهُ ثُمَّ قَالَ: "فَلَا جِهَادَ وَلَا صَدَقَةَ، فَلِمَ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِذًا "؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أنا أبيعك قَالَ: فَبَايَعْتُ عَلَيْهِنَّ كُلِّهِنَّ٢.
وَعَنْ زِيَادِ بْنِ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَرْبَعٌ فَرَضَهُنَّ اللَّهُ فِي الْإِسْلَامِ، فَمَنْ جَاءَ بِثَلَاثٍ لَمْ يُغْنِينَ عَنْهُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِيَ بِهِنَّ جَمِيعًا: الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ وَحَجُّ الْبَيْتِ"٣ رَوَاهُ أَحْمَدُ مُرْسَلًا وفي الْآيَاتِ الصَّرِيحَةِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ لَا يَخْفَى.
وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا بَرَزْنَا من المدينة إذ رَاكِبٌ يُوضِعُ نَحْوَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَأَنَّ هَذَا الرَّاكِبَ إِيَّاكُمْ يُرِيدُ" قَالَ: فَانْتَهَى الرَّجُلُ إِلَيْنَا فَسَلَّمَ فَرَدَدْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ"؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِي وَوَلَدِي وَعَشِيرَتِي قَالَ: "فَأَيْنَ تُرِيدُ"؟ قَالَ: أُرِيدُ
_________________
(١) ١ رواه أحمد "٥/ ٣٦٨، ٣٦٩" وأبو داود "٤/ ٢٤٥/ ح٥١٧٧ و٥١٧٨ و٥١٧٩" في الأدب، باب كيف الاستئذان؟ والنسائي في عمل اليوم والليلة "ص٢٨٠/ ح٣١٦" باب كيف يستأذن؟. ٢ رواه أحمد "٥/ ٢٢٤" والطبراني في الكبير "٢/ ٤٤/ ح١٢٣٣" والأوسط "المجمع ١/ ٤٧" وقال الهيثمي: رجال أحمد موثوقون، ورواه الحاكم "٢/ ٧٩، ٨٠" وصححه ووافقه الذهبي. ٣ رواه أحمد "٤/ ٢٠٠، ٢٠١" وفي إسناده ابن لهيعة وزياد بن نعيم هذا عده بعضهم في الصحابة، وهو مختلف فيه والأقرب أنه تابعي، فالحديث سنده ضعيف لعلتيه.
[ ٢ / ٦١٧ ]
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: "فَقَدْ أَصَبْتَهُ" قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: "تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ وَتَحُجُّ الْبَيْتَ" قَالَ: قَدْ أَقْرَرْتُ قَالَ: ثُمَّ إِنَّ بَعِيرَهُ دَخَلَتْ يَدُهُ فِي شَبَكَةِ جُرْذَانٍ فَهَوَى بَعِيرُهُ وَهَوَى الرَّجُلِ فَوَقَعَ عَلَى هَامَتِهِ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "عَلَيَّ بِالرَّجُلِ" فَوَثَبَ إِلَيْهِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَحُذَيْفَةُ فَأَقْعَدَاهُ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُبِضَ الرَّجُلُ قَالَ: فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا رَأَيْتُمَا إِعْرَاضِي عَنِ الرَّجُلِ، فَإِنِّي رَأَيْتُ مَلَكَيْنِ يَدُسَّانِ فِي فِيهِ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ مَاتَ جَائِعًا" ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَذَا وَاللَّهِ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٨٢] " ثُمَّ قَالَ ﷺ: "دُونَكُمْ أَخَاكُمْ" قَالَ: فَاحْتَمَلْنَاهُ إِلَى الْمَاءِ فَغَسَّلْنَاهُ وَحَنَّطْنَاهُ وَكَفَّنَّاهُ وَحَمَلْنَاهُ إِلَى الْقَبْرِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو جَنَابٍ، مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْمَتْنُ صَحِيحٌ١. وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ يَطُولُ اسْتِقْصَاؤُهَا، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ.
_________________
(١) ١ رواه أحمد ٤/ ٣٥٩" وفي إسناده أبو جناب، قال ابن حجر: ضعفوه لكثرة تدليسه "التقريب "٢/ ٣٤٦" وقد عنعن هنا، ورواه الطبراني في الكبير "ح٢٣٢٩" "٢/ ٣١٩" وفيه أبو اليقظان وحمزة الثمالي، وكلاهما ضعيف.
[ ٢ / ٦١٨ ]
الأول الشهادتان
[الشَّهَادَتَانِ]:
"أَوَّلُهَا" أَوْ أَوَّلُ هَذِهِ الْأَرْكَانِ "الرُّكْنُ الْأَسَاسُ الْأَعْظَمُ".
الرُّكْنُ فِي اللُّغَةِ: الْجَانِبُ الْأَقْوَى وَهُوَ بِحَسَبِ مَا يُطْلَقُ فِيهِ كَرُكْنِ الْبِنَاءِ وَرُكْنِ الْقَوْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَمِنَ الْأَرْكَانِ مَا لَا يَتِمُّ الْبِنَاءُ إِلَّا بِهِ وَمِنْهَا مَا لَا يَقُومُ بِالْكُلِّيَّةِ إِلَّا بِهِ. وَإِنَّمَا قِيلَ لِهَذِهِ الْخَمْسَةِ الْأُمُورِ: أَرْكَانٌ وَدَعَائِمُ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: "بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ " فَشَبَّهَهُ بِالْبُنْيَانِ الْمُرَكَّبِ عَلَى خَمْسِ دَعَائِمَ، وَهَذَا الرُّكْنُ هُوَ أَصْلُ الْأَرْكَانِ الْبَاقِيَةِ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا "الْأَسَاسُ" الَّذِي لَا يَقُومُ الْبِنَاءُ إِلَّا عَلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ إِلَّا بِهِ وَلَا يَحْصُلُ بِدُونِهِ "الْأَعْظَمُ" هَذِهِ الصِّيغَةُ مُشْعِرَةٌ بِتَعْظِيمِ بَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ وَإِنَّمَا هَذَا أَعْظَمُهَا؛ فَإِنَّهَا كُلَّهَا تَابِعَةٌ لَهُ، وَلَا يَدْخُلُ الْعَبْدُ فِي شَيْءٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ إِلَّا بِهِ.
"وَهُوَ الصِّرَاطُ" الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ "الْمُسْتَقِيمُ" الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا غُبَارَ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ مُعْتَدِلٌ جَلِيٌّ نَيِّرٌ "الْأَقْوَمُ" أَيِ: الْأَعْدَلُ، مَنْ سَلَكَهُ أَوْصَلَهُ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَمَنِ انْحَرَفَ عَنْهُ هَوَى فِي قَعْرِ الْجَحِيمِ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَثْبُتْ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَذَلِكَ الرُّكْنُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ هُوَ "رُكْنُ الشَّهَادَتَيْنِ" هَذَا مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ أَيِ: الرُّكْنِ الَّذِي هُوَ الشَّهَادَتَانِ، وَهُمَا: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَلَا يَدْخُلُ الْعَبْدُ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا بِهِمَا وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا بِمُنَاقَضَتِهِمَا إِمَّا بِجُحُودٍ لِمَا دَلَّتَا عَلَيْهِ أَوْ بِاسْتِكْبَارٍ عَمَّا اسْتَلْزَمَتَاهُ. وَلِهَذَا لَمْ يَدْعُ الرَّسُولُ -ﷺ- إِلَى شَيْءٍ قَبْلَهُمَا وَلَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا دُونَهُمَا، فَبِالشَّهَادَةِ الْأُولَى يَعْرِفُ الْمَعْبُودَ وَمَا يَجِبُ لَهُ، وَبِالثَّانِيَةِ يَعْرِفُ كَيْفَ يَعْبُدُهُ وَبِأَيِّ طَرِيقٍ يَصِلُ إِلَيْهِ، وَكَيْفَ يُؤْمِنُ بِالْعِبَادَةِ أَحَدٌ قَبْلَ تَعْرِيفِهِ بِالْمَعْبُودِ، وَكَيْفَ يُؤَدِّيهَا مَنْ لَمْ يَعْرِفْ كَيْفَ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُعْبَدَ؟
فَفِي الشَّهَادَةِ الْأُولَى تَوْحِيدُ الْمَعْبُودِ الَّذِي مَا خَلَقَ الْخَلْقَ إِلَّا لِيَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَفِي الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ تَوْحِيدُ الطَّرِيقِ الَّذِي لَا يُوصَلُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا
[ ٢ / ٦١٩ ]
مِنْهُ، وَلَا يَقْبَلُ دِينًا مِمَّنِ ابْتَغَى غَيْرَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ، فَإِنَّ عِبَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي خَلَقَ الْخَلْقَ لَهَا وَقَضَى عَلَيْهِمْ إِفْرَادَهُ تَعَالَى بِهَا هِيَ أَمْرٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ تَعَالَى وَيَرْضَاهُ، اعْتِقَادًا وَقَوْلًا وَعَمَلًا، وَمَعْرِفَةُ مَحَابِّهِ تَعَالَى وَمَرْضَاتِهِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ رَسُولَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كِتَابَهُ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٣١] . وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ أَنْوَاعِ التَّوْحِيدِ تَحْقِيقَ الشَّهَادَتَيْنِ وَبَيَانَ تَلَازُمِهِمَا وَتَوْضِيحَ نَوَاقِضِهِمَا، وَبَسَطْنَا الْكَلَامَ هُنَاكَ وَحَرَّرْنَا مِنَ الْأَدِلَّةِ مَا يُغْنِي عَنِ الْإِعَادَةِ هُنَا.
"فَاثْبُتْ" أَيُّهَا الْعَبْدُ الْمُرِيدُ نَجَاةَ نَفْسِهِ مِنَ النَّارِ وَالْفَوْزَ بِالْجَنَّةِ عَلَى هَذَا الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ النَّيِّرِ الْوَاضِحِ الْجَلِيِّ، وَلَا تَسْتَوْحِشْ مِنْ قِلَّةِ السَّالِكِينَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَنْحَرِفَ عَنْهُ فَتَهْلِكَ مَعَ الْهَالِكِينَ، فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: "يَا آدَمُ" فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: "أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ" فَيَقُولُ: مِنْ كَمْ؟ فَيَقُولُ: "مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ" فَالنَّاجِي حِينَئِذٍ وَاحِدٌ مِنْ أَلْفٍ١، فَاغْتَنِمْ أَنْ تَكُونَ مِنْ تِلْكَ الْآحَادِ، وَاحْذَرْ أَنْ تَغْتَرَّ بِجُمُوعِ الضَّلَالَةِ فَتَكُونَ مِنْ حَطَبِ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ.
"وَاعْتَصِمْ" أَيِ: اسْتَمْسِكْ "بِالْعُرْوَةِ" أَيْ: بِالْعَقْدِ الْأَوْثَقِ فِي الدِّينِ وَالسَّبَبِ الْمُوَصِّلِ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ "الْوُثْقَى" تَأْنِيثُ الْأَوْثَقِ "الَّتِي لَا تَنْفَصِمُ" أَيْ: لَا تَنْقَطِعُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَنَّهَا هِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، وَذَلِكَ وَاضِحٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٦] وَتَقَدَّمَ أَنَّ شَهَادَةَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَالْإِيمَانَ بِهِ هُوَ شَرْطٌ فِي الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَمَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ فِي الشَّهَادَةِ الْأُولَى فَهُوَ شَرْطٌ فِي الثَّانِيَةِ.
_________________
(١) ١ يومئ إلى حديث رواه البخاري "١١/ ٣٨٨" في الرقاق، باب قوله ﷿: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ وفي الحج والتوحيد والأنبياء، ومسلم "١/ ٢٠١/ ح٢٢٢" في الإيمان، باب قوله: "يقول الله لآدم: "أخرج بعث النار، من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين".
[ ٢ / ٦٢٠ ]
الثاني إقامة الصلاة
[الصَّلَاةُ]:
"وَثَانِيًا" مِنَ الْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ "إِقَامَةُ الصَّلَاةِ" بِجَمِيعِ حُقُوقِهَا وَلَوَازِمِهَا "وَثَالِثًا تَأْدِيَةُ الزَّكَاةِ" إِعْطَاؤُهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ اقْتِرَانُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ بِالتَّوْحِيدِ وَتَقْدِيمُهُمَا بَعْدَهُ عَلَى غَيْرِهِمَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَمْرًا وَخَبَرًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢، ٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٧٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النُّورِ: ٥٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [الْبَيِّنَةِ: ٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥] وَفِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁- لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: "إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ" وَفِي رِوَايَةٍ: "فَلْيَكُنْ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةَ اللَّهِ ﷿، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ تَعَالَى فَأَخْبِرْهُمْ " الْحَدِيثَ.
_________________
(١) ١، ٢ رواه البخاري "٣/ ٣٥٧" في الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد على الفقراء حيث كانوا، وفي المغازي والمظالم والتوحيد. ومسلم "١/ ٥٠، ٥١/ ح١٩" في الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام.
[ ٢ / ٦٢١ ]
وَلْنَذْكُرْ طَرَفًا مِنَ النُّصُوصِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالصَّلَاةِ عَلَى انْفِرَادِهَا، ثُمَّ نَذْكُرُ مَا تَيَسَّرَ مِنْ نُصُوصِ الزَّكَاةِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
[فَضْلُ الصَّلَاةِ]:
اعْلَمْ هَدَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى جُلِّ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ مِنَ الِاعْتِقَادِ بِالْقَلْبِ وَالِانْقِيَادِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَالْمُرَاقَبَةِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ ﷿ وَإِسْلَامِ الْوَجْهِ لَهُ وَالصُّمُودِ إِلَيْهِ وَالِاطِّرَاحِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَلَى أَقْوَالِ اللِّسَانِ وَأَعْمَالِهِ مِنَ الشَّهَادَتَيْنِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّقْدِيسِ وَالتَّمْجِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالْأَدْعِيَةِ وَالتَّعَوُّذِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالِاسْتِغَاثَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ وَالِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالِاعْتِذَارِ مِنَ الذَّنْبِ إِلَيْهِ وَالْإِقْرَارِ بِالنِّعَمِ لَهُ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الذِّكْرِ، وَعَلَى عَمَلِ الْجَوَارِحِ مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ وَالِاعْتِدَالِ وَالْخَفْضِ وَالرَّفْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، هَذَا مَعَ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الشَّرَائِطِ وَالْفَضَائِلِ -مِنْهَا الطَّهَارَةُ الْحِسِّيَّةُ مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالْأَنْجَاسِ الْحِسِّيَّةِ، وَالْمَعْنَوِيَّةُ مِنَ الْإِشْرَاكِ وَالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكِرِ وَسَائِرِ الْأَرْجَاسِ- وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَنَقْلُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَجْتَمِعُ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ" ١ وَلِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَعَانِي الْإِيمَانِ سَمَّاهَا اللَّهُ إِيمَانًا فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] .
وَهِيَ ثَانِيَةُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ فِي الْفَرْضِيَّةِ، فَإِنَّهَا فُرِضَتْ فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ بَعْدَ عَشْرٍ مِنَ الْبِعْثَةِ لَمْ يَدْعُ الرَّسُولُ -ﷺ- قَبْلَهَا إِلَى شَيْءٍ غَيْرِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ، فَفُرِضَتْ خَمْسِينَ ثُمَّ خَفَّفَهَا اللَّهُ ﷿ إِلَى خَمْسٍ كَمَا تَوَاتَرَتِ النُّصُوصُ بِذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَهِيَ ثَانِيَةٌ فِي الذِّكْرِ فَمَا ذُكِرَتْ
_________________
(١) ١ رواه أحمد "٣/ ١٢٨ و١٩٩ و٢٨٥" والنسائي "٧/ ٦١" في عشرة النساء، باب حب النساء، والحاكم "٢/ ١٦٠" وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي من حديث أنس.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ فِي آيَةٍ مِنَ الْآيَاتِ أَوْ حَدِيثٍ مِنَ السُّنَّةِ إِلَّا وَبُدِئَ بِهَا بَعْدَ التَّوْحِيدِ، قَبْلَ غَيْرِهَا كَمَا فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ، وَكَمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ وَحَدِيثِ "بُنِيَ الْإِسْلَامُ" وَحَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ وَحَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَحَدِيثِ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ " ١ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا يُحْصَى.
وَهِيَ ثَانِيَةٌ فِي آيَاتِ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ وَفِي آيَاتِ وَعِيدِ الْكُفَّارِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٤٦-٤٩] .
وَهِيَ ثَانِيَةٌ فِي مَدْحِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١، ٢] وَفِي ذَمِّ الْكُفَّارِ بِتَرْكِهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الِانْشِقَاقِ: ٢٠، ٢١] وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى، وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الْقِيَامَةِ: ٣١، ٣٢] وَكَذَا فِي ذَمِّ الْمُنَافِقِينَ بِعَدَمِ اهْتِمَامِهِمْ لَهَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٤٢] .
وَهِيَ ثَانِيَةٌ فِي حِسَابِ الْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ: "أَوَّلُ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ تُقُبِّلَتْ مِنْهُ تُقُبِّلَ مِنْهُ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ رُدَّ عَلَيْهِ سَائِرُ عَمَلِهِ" ٢ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: "أَوَّلُ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ" أَيْ: بَعْدَ التَّوْحِيدِ.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجها جميعا. ٢ رواه الترمذي "٢/ ٣٦٩/ ح٤١٣" في الصلاة، باب ما جاء أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، والنسائي "١/ ٢٣٢" في الصلاة، باب المحاسبة على الصلاة، وأحمد "٥/ ٧٢ و٣٧٧" والحاكم "١/ ٢٦٣" من حديث أبي هريرة، وهو حديث صحيح وله شاهد من حديث تميم الداري.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
وَهِيَ ثَانِيَةٌ فِيمَا يُذْكَرُ الْمُجْرِمُونَ أَنَّهُمْ عُوقِبُوا بِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ، عَنِ الْمُجْرِمِينَ، مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ٤٠-٤٣] الْآيَاتِ. وَالنُّصُوصُ فِي شَأْنِهَا كَثِيرَةٌ لَا تُحْصَى وَهِيَ مُتَنَوِّعَةٌ، فَمِنْهَا مَا فِيهِ الْأَمْرِ بِهَا كَقَوْلِهِ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٨] وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٤٥] وَقَوْلِهِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧٨] وَمَا فِي مَعْنَاهَا.
وَمِنْهَا مَا فِيهِ بَيَانُ مَحَلِّهَا مِنَ الدِّينِ، كَالنُّصُوصِ السَّابِقَةِ وَكَقَوْلِهِ ﷺ لِمُعَاذٍ: "رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ وَذِرْوَةُ سِنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله " ١.
ومنها ما فِي ثَوَابِ أَهْلِهَا، كَقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩-١١] .
وَمِنْهَا مَا فِيهِ ذِكْرُ نَجَاتِهِمْ مِنَ النَّارِ، كَقَوْلِهِ ﷺ فِي عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ: "فَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، تَأْكُلُ النَّارُ مِنَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودٍ" ٢.
وَمِنْهَا مَا فِي عِقَابِ تَارِكِهَا، كَقَوْلِهِ ﷿: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الْمَاعُونِ: ٤، ٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا، إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مَرْيَمَ: ٥٩،
_________________
(١) ١ رواه أحمد "٥/ ٢٣١ و٢٣٧" والترمذي "٥/ ١١، ١٢/ ح٢٦١٦" في الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه "٢/ ١٣١٤/ ح٣٩٧٣" في الفتن، باب كف اللسان عن الفتنة من حديث معاذ. ٢ رواه البخاري "١٣/ ٤١٩" في التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ومسلم "١/ ١٦٣/ ح١٨٢" في الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
٦٠] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ، خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [الْقَلَمِ: ٤٢، ٤٣] .
وَمِنْهَا مَا فِيهِ تَكْفِيرُ تَارِكِهَا وَنَفْيُ الْإِيمَانِ عَنْهُ وَإِلْحَاقُهُ بِإِبْلِيسَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا، إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مَرْيَمَ: ٥٩، ٦٠] فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُضَيِّعُ الصَّلَاةِ مُؤْمِنًا لَمْ يُشْتَرَطْ فِي تَوْبَتِهِ الْإِيمَانُ، وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١] فَعَلَّقَ أُخُوَّتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلُوا لَمْ يَكُونُوا إِخْوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣٤] .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ -وَفِي رِوَايَةٍ: يَا وَيْلِي- أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ" ١.
وَفِيهِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ" ٢ ورواه التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ" ٣ قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ ﵁
_________________
(١) ١ رواه مسلم "١/ ٨٧/ ح٨١" في الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة. ٢ رواه مسلم "١/ ٨٨/ ح٨٢" في الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، والترمذي "٥/ ١٣/ ح٢٦١٨ و٢٦١٩ و٢٦٢٠" في الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة، وأبو داود "٤/ ٢١٩/ ح٤٦٧٨" في السنة، باب في رد الإرجاء، وابن ماجه "١/ ٣٤٢/ ح١٠٧٨" في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في ترك الصلاة. ٣ رواه الترمذي "٥/ ١٣، ١٤/ ح٢٦٢١" في الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة، والنسائي =
[ ٢ / ٦٢٥ ]
وَابْنِ عَبَّاسٍ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ الْأَسْلَمِيِّ "أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَأُذِّنَ بِالصَّلَاةِ فَقَامَ النَّبِيُّ -ﷺ- ثُمَّ رَجَعَ وَمِحْجَنٌ فِي مَجْلِسِهِ، فَقَالَ لَهُ: "مَا مَنْعُكَ أَنْ تُصَلِّي، أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ"؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي فَقَالَ لَهُ: "إِذَا جِئْتَ فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ" ١ فَجَعَلَ الْفَارِقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ الصَّلَاةَ، وَلَفَظُ الْحَدِيثِ يَتَضَمَّنُ أَنَّكَ لَوْ كُنْتَ مُسْلِمًا لَصَلَّيْتَ.
وَفِي الْمُسْنَدِ وَالْأَرْبَعِ السُّنَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ: "مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهَانٌ وَلَا نَجَاةٌ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ" ٢ وَرِجَالُ أَحْمَدَ ثِقَاتٌ.
وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ فِي صِفَةِ الْمُسْلِمِ: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَصَلَّى صَلَاتَنَا" ٣ الْحَدِيثَ.
[حُكْمُ تَارِكِ الصَّلَاةِ]:
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ ﵀: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنِ الْجَرِيرِيِّ
_________________
(١) = "١/ ٢٣١ و٢٣٢" في الصلاة، باب الحكم في تارك الصلاة، وابن ماجه "١/ ٣٤٢/ ح١٠٧٩" في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في ترك الصلاة، وأحمد "٥/ ٣٤٦" وابن حبان "٣/ ٨" والحاكم "١/ ٦، ٧". ١ رواه أحمد "٤/ ٣٣٨" و"٥/ ٣١" والنسائي "٢/ ١١٢" في الإمامة، باب إعادة الصلاة مع الجماعة بعد صلاة الرجل لنفسه. ٢ رواه أحمد "٢/ ١٦٩" والدارمي "٢/ ٣٠١، ٣٠٢" في الرقاق، باب المحافظة على الصلاة، والطبراني في الكبير "المجمع ١/ ٢٩٧" والأوسط "٢/ ٤٥٦". قلت: وقول المصنف: وفي "المسند والأربع السنن" وهم منه، فما رواه أحد من الأربعة بل هو من الزوائد. ورواه ابن حبان "٣/ ١٤" في "الإحسان" وسنده صحيح. ٣ طرف حديث تقدم تخريجه.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ١.
وَمِنْهَا مَا فِيهِ التَّصْرِيحُ بِوُجُوبِ قَتْلِهِ، كَقَوْلِهِ ﷿: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ" ٢ الْحَدِيثَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ.
وَأَمَّا الْآثَارُ فِي شَأْنِهَا عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ كُفْرًا إِذَا كَانَ تَرْكُهُ الصَّلَاةَ عَنْ جُحُودٍ لِفَرْضِيَّتِهَا أَوِ اسْتِكْبَارٍ عَنْهَا وَإِنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ، وَلِدُخُولِهِ فِي التَّارِكِ لِدِينِهِ الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ، وَفِي قَوْلِهِ ﷺ: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" ٣، فَإِنَّهُ بِذَلِكَ يَكُونُ مُرْتَدًّا مُبَدِّلًا لِدِينِهِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ تَرْكُهُ لَهَا لَا لِجُحُودٍ وَلَا لِاسْتِكْبَارٍ بَلْ لِنَوْعِ تَكَاسُلٍ وَتَهَاوُنٍ كَمَا هُوَ حَالُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ؛ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَالْجَمَاهِيرُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ، بَلْ يَفْسُقُ وَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ حَدًّا كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَلَكِنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ يَكْفُرُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، وَهِيَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵀ وَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ وَلَا يُقْتَلُ، بَلْ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ. قَالَ ﵀: وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِكُفْرِهِ بِظَاهِرِ حَدِيثِ جَابِرٍ: "إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ
_________________
(١) ١ رواه الترمذي "٥/ ١٤/ ح٢٦٢٢" في الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة، والنسائي "١/ ٢٣١، ٢٣٢" في الصلاة، باب حكم تارك الصلاة، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وهو صحيح. ٢ تقدم تخريجه وذكره. ٣ رواه البخاري "١٢/ ٢٦٧" في استتابة المرتدين، باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهما، وفي الجهاد، باب لا يعذب بعذاب الله.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ" ١ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ.
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: لَا يُقْتَلُ بِحَدِيثِ: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ" ٢ وَلَيْسَ فِيهِ الصَّلَاةُ. وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاءِ: ٤٨] وَبِقَوْلِهِ ﷺ: "مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَلْقَى اللَّهَ عَبْدٌ بِهِمَا غَيْرَ شَاكٍّ فَيُحْجَبُ عَنِ الْجَنَّةِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" ٣ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَاحْتَجُّوا عَلَى قَتْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥] وَقَوْلِهِ ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ" ٤ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ ﷺ: "بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ" ٥ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ عُقُوبَةَ الْكَافِرِ وَهِيَ الْقَتْلُ، أَوْ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ، أَوْ عَلَى أنه قد يئول بِهِ إِلَى الْكُفْرِ، أَوْ أَنَّ فِعْلَهُ فِعْلُ الْكُفَّارِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي شُرُوطٍ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي بَيَانِ مَرَاتِبِ الدِّينِ وَفِي بَيَانِ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ مَا فِيهِ غِنْيَةٌ، وَذَكَرْنَا هُنَا مَا تَيَسَّرَ مِنَ النُّصُوصِ فِي شَأْنِهَا. وَقَدْ بَسَطَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَسْطًا حَسَنًا، فَلْيُرَاجَعْ.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ رواه البخاري "١٢/ ٢٠١" في الديات، باب قول الله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْن﴾، ومسلم "٣/ ١٣٠٢"/ ح١٦٧٦" في القسامة، باب ما يباح به دم المسلم. ٣ تقدم ذكرها جميعا. ٤ تقدم تخريجه وذكره. ٥ تقدم تخريجه وذكره.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
الثالث الزكاة
[الزَّكَاةُ]:
وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي نُصُوصِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا عَلَى انْفِرَادِهَا قَوْلُهُ ﷿: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣] وَقَوْلُهُ فِي صِفَاتِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٤] وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي ذَمِّ الْكُفَّارِ وَوَعِيدِهِمْ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٦، ٧] وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي زَكَاةِ النُّفُوسِ فَهِيَ عَامَّةٌ لِزَكَاةِ الْأَمْوَالِ أَيْضًا وَقَدْ فُسِّرَتْ بِهَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي وَعِيدِ مَانِعِيهَا مُطْلَقًا: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٤، ٣٥] يُوَضِّحُ ذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ: "مَا أُدِّيَتْ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ" ١ وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْإِبِلُ؟ قَالَ: "وَلَا صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِنْ حَقِّهَا حَلْبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فصيلا واحدا تطؤه بِأَخْفَافِهَا
_________________
(١) ١ رواه أبو داود "٢/ ٩٥/ ح١٥٦٤" في الزكاة، باب الكنز ما هو؟ وزكاة الحلي، وفي سنده مقال وله شواهد يرتقي بها إلى الاحتجاج "انظر السلسلة الصحيحة للعلامة الألباني ح٥٥٩" ولفظ الحديث مقارب وليس هو هو.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا أُعِيدَ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ" وَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: "وَلَا صَاحِبِ بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا لَيْسَ فِيهَا عَفْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ وَلَا عَضْبَاءُ تنطحه بقرونها، وتطؤه بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ" ١ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ.
وَفِيهِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا أُقْعِدُ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بقاع قرقر تطؤه ذَاتُ الظِّلْفِ بِظِلْفِهَا وَتَنْطَحُهُ ذَاتُ الْقَرْنِ بِقَرْنِهَا، لَيْسَ فِيهَا يَوْمَئِذٍ جَمَّاءُ وَلَا مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ" الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: "وَلَا مِنْ صَاحِبِ مَالٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ إِلَّا تُحُوِّلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَتْبَعُ صَاحِبَهُ حَيْثُمَا ذَهَبَ وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ، وَيُقَالُ: هَذَا مَالُكُ الَّذِي كُنْتَ تَبْخَلُ بِهِ، فَإِذَا رَأَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي فِيهِ، فَجَعَلَ يَقْضِمُهَا كَمَا يَقْضِمُ الْفَحْلُ" ٢.
وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "وَلَا يَأْتِي أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ بَلَّغْتُ، وَلَا يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِبَعِيرٍ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاءٌ فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ" ٣. وَفِيهِ عَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلَهْزَمَتَيْهِ -يَعْنِي شِدْقَيْهِ- ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ" ثُمَّ تَلَا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [النساء: ٣] ٤ الْآيَةَ.
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٣/ ٢٦٧" في الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، ومسلم "٢/ ٦٨٠/ ح٩٨٧" في الزكاة، باب إثم مانع الزكاة. ٢ رواه مسلم "٢/ ٦٨٤/ ح٩٨٨" في الزكاة، باب إثم مانع الزكاة. ٣ رواه البخاري "٣/ ٣/ ٢٦٧" في الزكاة، باب إثم مانع الزكاة. قال مؤلفه: وهذا وإن كان واردا في الغلول وعقوبته، فهو في الزكاة كذلك؛ إذ الجزاء من جنس العمل، والله تعالى أعلم. ٤ رواه البخاري "٨/ ٢٣٠" في تفسير آل عمران، باب ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ .
[ ٢ / ٦٣٠ ]
وَفِيهِ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٤] قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنَزَّلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى طُهْرَةً لِلْأَمْوَالِ١.
وَقَدْ ثَبَتَتِ الْبَيْعَةُ عَلَيْهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى "بَابُ الْبَيْعَةِ عَلَى إِيتَاءِ الزَّكَاةِ" ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١]: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ٢. وَالنُّصُوصُ فيها كثيرة وفيما تَقَدَّمَ كِفَايَةٌ.
[حُكْمُ مَانِعِ الزَّكَاةِ]:
وَأَمَّا حُكْمُ تَارِكِهَا فَإِنْ كَانَ مَنْعُهُ إِنْكَارًا لِوُجُوبِهَا فَكَافِرٌ بِالْإِجْمَاعِ بَعْدَ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا بِوُجُوبِهَا وَكَانُوا جَمَاعَةً وَلَهُمْ شَوْكَةٌ قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ فَقَالَ عُمَرُ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ ﷿"؟ فَقَالَ: وَاللَّهُ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَلَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا، قَالَ عُمَرُ ﵁: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٣/ ٢٧١" في الزكاة، باب ما أدى زكاته فليس بكنز. ٢ رواه البخاري "٣/ ٢٦٧" في الزكاة، باب البيعة على إيتاء الزكاة، ومسلم "١/ ٧٥/ ح٥٦" في الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة.
[ ٢ / ٦٣١ ]
الْحَقُّ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ١.
وَهَذَا الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي مَنْطُوقِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَرْفُوعَةِ، كَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ﷿" ٢ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
وَقَدْ جَهَّزَ النَّبِيُّ -ﷺ- خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ لِغَزْوِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّهُمْ مَنَعُوا الزَّكَاةَ وَلَمْ يَكُنْ مَا بَلَغَهُ عَنْهُمْ حَقًّا، فَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ دِينَارٍ حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ الْحَارِثَ بْنَ ضِرَارٍ الْخُزَاعِيَّ ﵁ يَقُولُ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَدَعَانِي إِلَى الْإِسْلَامِ فَدَخَلْتُ فِيهِ وَأَقْرَرْتُ بِهِ، وَدَعَانِي إِلَى الزَّكَاةِ فَأَقْرَرْتُ بِهَا، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فَأَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، فَمَنِ اسْتَجَابَ لِي جَمَعْتُ زَكَاتَهُ، وَتُرْسِلُ إِلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَسُولًا إِبَّانَ كَذَا وَكَذَا لِيَأْتِيَكَ بِمَا جَمَعْتُ مِنَ الزَّكَاةِ، فَلَمَّا جَمَعَ الْحَارِثُ الزَّكَاةَ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لَهُ وَبَلَغَ الْإِبَّانُ الَّذِي أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ احْتَبَسَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ وَلَمْ يَأْتِهِ، وَظَنَّ الْحَارِثُ أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ فِيهِ سَخْطَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَدَعَا بِسَرَوَاتِ قَوْمِهِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ وَقَّتَ لِي وَقْتًا يُرْسِلُ إِلَيَّ رَسُولَهُ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدِي مِنَ الزَّكَاةِ وَلَيْسَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخُلْفُ، وَلَا أَرَى حَبْسَ رَسُولِهِ إِلَّا مِنْ سَخْطَةٍ، فَانْطَلِقُوا نَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إِلَى الْحَارِثِ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِمَّا جَمَعَ مِنَ الزَّكَاةِ، فَلَمَّا أَنَّ سَارَ الْوَلِيدُ حَتَّى بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقِ فَرَقَ -أَيْ خَافَ- فَرَجَعَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْحَارِثَ قَدْ مَنَعَنِي
_________________
(١) ١ رواه البخاري "١٣/ ٢٥٠" في الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ، ومسلم "١/ ٥١/ ح٢٠" في الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ٢ رواه البخاري "١/ ٧٥" في الإيمان، باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ ومسلم "١/ ٥٣/ ح٢٢" فيه، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
الزَّكَاةَ وَأَرَادَ قَتْلِي، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَبَعَثَ الْبَعْثَ إِلَى الْحَارِثِ ﵁ وَأَقْبَلَ الْحَارِثُ بِأَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا اسْتَقْبَلَ الْبَعْثُ وَفَصَلَ عَنِ الْمَدِينَةِ لَقِيَهُمُ الْحَارِثُ فَقَالُوا: هَذَا الْحَارِثُ فَلَمَّا غَشِيَهُمْ قَالَ لَهُمْ: إِلَى مَنْ بُعِثْتُمْ؟ قَالُوا: إِلَيْكَ قَالَ: وَلِمَ؟ قَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إِلَيْكَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، فَزَعَمَ أَنَّكَ مَنَعْتَهُ الزَّكَاةَ وَأَرَدْتَ قَتْلَهُ، قَالَ ﵁: لَا وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ، مَا رَأَيْتُهُ بَتَّةً وَلَا أَتَانِي. فَلَمَّا دَخَلَ الْحَارِثُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنَعْتَ الزَّكَاةَ وَأَرَدْتَ قَتْلَ رَسُولِي" قَالَ ﵁: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا رَأَيْتُهُ وَلَا أَتَانِي وَلَا أَقْبَلْتُ إِلَّا حِينَ احْتُبِسَ عَلَيَّ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ كَانَتْ سَخْطَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ، قَالَ: فَنَزَلَتِ الْحُجُرَاتُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿نَادِمِينَ﴾ [الْحُجُرَاتِ: ٦] وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ شَاذَانَ التَّمَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَابِقٍ بِهِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ سَابِقٍ بِهِ١.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ ثَابِتٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا فِي صَدَقَاتِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ بَعْدَ الْوَقِيعَةِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ الْقَوْمُ فَتَلَقَّوْهُ يُعَظِّمُونَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: فَحَدَّثَهُ الشَّيْطَانُ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ قَالَتْ: فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ قَدْ مَنَعُونِي صَدَقَاتِهِمْ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ قَالَتْ: فَبَلَغَ الْقَوْمَ رُجُوعُهُ فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَصَفُّوا لَهُ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ فَقَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَسَخَطِ رَسُولِهِ، بَعَثْتَ إِلَيْنَا رَجُلًا مُصَدِّقًا فسررنا بذلك وقررت بِهِ أَعْيُنُنَا، ثُمَّ إِنَّهُ رَجَعَ مِنْ بَعْضِ الطَّرِيقِ فَخَشِينَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ غَضَبًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ رَسُولِهِ ﷺ، فَلَمْ يَزَالُوا يُكَلِّمُونَهُ حَتَّى جَاءَ بِلَالٌ فَأَذَّنَ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ، قَالَتْ: وَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ
_________________
(١) ١ رواه أحمد "٤/ ٢٧٩" وسنده صحيح، والطبراني "٢/ ٢٧٤/ ٣٣٩٥" ورواه ابن أبي حاتم "ابن كثير ٤/ ٢٢٥" وابن منده وابن مردويه "الدر المنثور ٧/ ٥٥٥" وسماه الطبراني الحارث بن سرار، وسماه الحافظ في الإصابة الحارث بن أبي ضرار.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الْحُجُرَاتِ: ٦] ١.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ لِيَأْخُذَ مِنْهُمُ الصَّدَقَاتِ، وَأَنَّهُمْ لَمَّا أَتَاهُمُ الْخَبَرُ وفرحوا وَخَرَجُوا يَتَلَقَّوْنَهُ رَجَعَ الْوَلِيدُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فقال رسول اللَّهِ ﷺ: "إِنِّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ قَدْ مَنَعُوا الصَّدَقَةَ" فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ أَنْ يَغْزُوَهُمْ إِذْ أَتَاهُ الْوَفْدُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا حُدِّثْنَا أَنَّ رَسُولَكَ رَجَعَ مِنْ نِصْفِ الطَّرِيقِ وإنا خشينا أن ما رَدَّهُ كِتَابٌ جَاءَ مِنْكَ لِغَضَبٍ غَضِبْتَهُ عَلَيْنَا، وَإِنَّا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ اسْتَغْشَّهُمْ وَعَمَّ بِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ عُذْرَهُمْ فِي الْكِتَابِ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ٢ [الْحُجُرَاتِ: ٦] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ لِيُصْدِقَهُمْ، فَتَلَقَّوْهُ بِالصَّدَقَةِ فَرَجَعَ فَقَالَ: إِنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ قَدْ جَمَعَتْ لَكَ لِتُقَاتِلَكَ -زَادَ قَتَادَةُ: وَأَنَّهُمْ قَدِ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ- فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ﵁ إِلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَثَبَّتَ وَلَا يَعْجَلَ، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَاهُمْ لَيْلًا فَبَعَثَ عُيُونَهُ فَلَمَّا جَاءُوا أَخْبَرُوا خَالِدًا ﵁ أَنَّهُمْ مُسْتَمْسِكُونَ بِالْإِسْلَامِ وَسَمِعُوا أَذَانَهُمْ وَصَلَاتَهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَتَاهُمْ خَالِدٌ ﵁ فَرَأَى الَّذِي يُعْجِبُهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هذه الآية٣ ا. هـ. مِنْ تَفْسِيرِ الْحُجُرَاتِ لِابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
_________________
(١) ١ رواه ابن جرير "١٣/ ١٢٣" والطبراني "٢٣/ ٤٠١/ ح٩٦٠" وأخرجه ابن راهويه وابن مردويه "الدر المنثور ٧/ ٥٥٦" وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف ويشهد له الذي قبله. ٢ رواه ابن جرير "١٣/ ١٢٣، ١٢٤" والبيهقي "٩/ ٥٤، ٥٥". وأخرجه ابن مردويه وابن عساكر "الدر المنثور ٧/ ٥٥٦" وسنده ضعيف جدا مسلسل بالضعفاء، من محمد بن سعد العوفي إلى جده عطية. ويشهد له الذي مر. ٣ تفسير ابن كثير "٤/ ٢٢٤".
[ ٢ / ٦٣٤ ]
وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهَمَّ أَنْ يَغْزُوَهُمْ فَبَلَغَ الْقَوْمَ رُجُوعُهُ فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْنَا بِرَسُولِكَ فَخَرَجْنَا نَتَلَقَّاهُ وَنُكْرِمُهُ وَنُؤَدِّي إِلَيْهِ مَا قَبِلْنَاهُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَبَدَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ فَخَشِينَا أَنَّهُ إِنَّمَا رَدَّهُ مِنَ الطَّرِيقِ كِتَابٌ جَاءَهُ مِنْكَ لِغَضَبٍ غَضِبْتَهُ عَلَيْنَا، وَإِنَّا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ، فَاتَّهَمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَيْهِمْ خُفْيَةً فِي عَسْكَرٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُخْفِيَ عَلَيْهِمْ قُدُومَ قَوْمِهِ، وَقَالَ لَهُ: انْظُرْ فَإِنْ رَأَيْتَ مِنْهُمْ مَا يَدُلُّ عَلَى إِيمَانِهِمْ فَخُذْ مِنْهُمْ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ وَإِنْ لَمْ تَرَ ذَلِكَ فَاسْتَعْمِلْ فِيهِمْ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْكُفَّارِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ خَالِدٌ وَوَافَاهُمْ فَسَمِعَ مِنْهُمْ أَذَانَ صَلَاتَيِ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ فَأَخَذَ مِنْهُمْ صَدَقَاتِهِمْ وَلَمْ يَرَ مِنْهُمْ إِلَّا الطَّاعَةَ وَالْخَيْرَ، فَانْصَرَفَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الْحُجُرَاتِ: ٦] ١ الْآيَةَ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُمْتَنِعُ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ فَرْدًا مِنَ الْأَفْرَادِ فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ قَهْرًا، وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ:
إِحْدَاهَا: هَلْ يَكْفُرُ أَمْ لَا؟
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَرَوْنَ مِنَ الْأَعْمَالِ شَيْئًا تَرْكُهُ كُفْرٌ إِلَّا الصَّلَاةَ. وَقَالَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ: تَرْكُ الصَّلَاةِ كُفْرٌ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ. وَذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَحَكَى إِسْحَاقُ: عَلَيْهَا إِجْمَاعَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ: هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أهل الحديث، وذهبت طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ أركان الإسلام الخمسة عَمْدًا، أَنَّهُ كَافِرٌ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَنَافِعٍ وَالْحَكَمِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَخَرَّجَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْحَجُّ فِي كُلِّ عَامٍ؟ قَالَ: "لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَ عَلَيْكُمْ
_________________
(١) ١ معالم التنزيل للبغوي "٥/ ١٩٩، ٢٠٠".
[ ٢ / ٦٣٥ ]
وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْكُمْ مَا أَطَقْتُمُوهُ، وَلَوْ تَرَكْتُمُوهُ لَكَفَرْتُمْ"١. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ تَارِكَ الزَّكَاةِ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ: أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ كُفْرٌ دُونَ الصِّيَامِ وَالْحَجِّ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الْمُرْجِئَةُ سَمَّوْا تَرْكَ الْفَرَائِضِ ذَنْبًا بِمَنْزِلَةِ رُكُوبِ الْمَحَارِمِ وَلَيْسَ سَوَاءً؛ لِأَنَّ رُكُوبَ الْمَحَارِمِ مُتَعَمِّدًا مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَالٍ مَعْصِيَةٌ، وَتَرْكَ الْفَرَائِضِ مِنْ غَيْرِ جَهْلٍ وَلَا عُذْرٍ كُفْرٌ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي أَمْرِ إِبْلِيسَ، وَعُلَمَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِبَعْثِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِلِسَانِهِمْ وَلَمْ يَعْمَلُوا بِشَرَائِعِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ: يُقْتَلُ أَمْ لَا؟
الْأَوَّلُ: هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" ٢ الْحَدِيثَ.
وَالثَّانِي: لَا يُقْتَلُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. وَرَوَى اللَّالَكَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُؤَمَّلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ الْبَكْرِيِّ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا أَحْسَبُهُ إِلَّا رفعه قال: "عرا الْإِسْلَامِ وقواعد الدين ثلاث عَلَيْهِنَّ أُسِّسَ الْإِسْلَامُ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَالصَّلَاةُ وَصَوْمُ رَمَضَانَ، مَنْ تَرَكَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً فَهُوَ بِهَا كَافِرٌ وَيَحِلُّ دَمُهُ" وَتَجِدُهُ كَثِيرَ الْمَالِ لَمْ يَحُجَّ فَلَا يَزَالُ بِذَلِكَ كَافِرًا وَلَا يَحِلُّ بِذَلِكَ دَمُهُ، وَتَجِدُهُ كَثِيرَ الْمَالِ وَلَا يُزَكِّي فَلَا يَزَالُ بِذَلِكَ كَافِرًا وَلَا يَحِلُّ دَمُهُ. وَرَوَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا مُخْتَصَرًا وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ أَخُو حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَرْفُوعًا، وَقَالَ: مَنْ تَرَكَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً -يَعْنِي الثَّلَاثَ الْأُوَلَ- فَهُوَ بِاللَّهِ كَافِرٌ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ وَقَدْ حَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ٣.
_________________
(١) ١ الدارقطني في سننه "٢/ ٢٨٢" وابن جرير "٥/ ٨٢" وسنده ضعيف فيه إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف، وروي من حديث ابن عباس بسند ضعيف جدا، ومن حديث أبي أمامة بسند ضعيف. وفي الصحيح غنية عن هذا اللفظ "لكفرتم". ٢ تقدم تخريجه. ٣ رواه أبو يعلى "المجمع ١/ ٥٣ والمطالب العالية ح٢٨٦٣" والطبراني في الكبير "١٢/ ١٧٤/ ح١٢٨٠٠" واللالكائي "ح١٥٧٦". قال الهيثمي: وإسناده حسن "المجمع ١/ ٥٣". وقوله: وتجده كثير المال هو من كلام ابن عباس.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ لِمَنْ لَمْ يَرَ قَتْلَهُ: هَلْ يُنَكَّلُ بِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ مَعَ الزَّكَاةِ؟
وَقَدْ رُوِيَ فِي خُصُوصِ الْمَسْأَلَةِ حَدِيثُ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فِي كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، لَا تُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا بِهَا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لَا يَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ١، وَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ بِهِ عَلَى ثُبُوتِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَلَوْ ثَبَتَ لَقُلْنَا بِهِ٢.
وَالرَّابِعُ الصِّيَامُ فَاسْمَعْ وَاتَّبِعْ وَالْخَامِسُ الْحَجُّ عَلَى مَنْ يَسْتَطِعْ
_________________
(١) ١ رواه أحمد "٥/ ٢ و٤" وأبو داود "٢/ ١٠١/ ح١٥٧٥" في الزكاة، باب في زكاة السائمة، والنسائي "٥/ ٢٥" فيه، باب سقوط الزكاة عن الإبل إذا كانت رسلا لأهلها ولحمولتهم، والحاكم "١/ ٣٩٨" وصححه وقال الذهبي: صحيح وهو كذلك. ٢ ذكره البيهقي في السنن "٤/ ١٠٥" وقد تقدم صحة الحديث، وقد قال به الشافعي قديما وقال به أحمد ﵀ "المجموع ٥/ ٣٣٧".
[ ٢ / ٦٣٧ ]
الرابع الصيام
[الصِّيَامُ]:
الرُّكْنُ الرَّابِعُ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الصِّيَامُ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ:
الْإِمْسَاكُ، وَفِي الشَّرْعِ: إِمْسَاكٌ مَخْصُوصٌ فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ، بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ.
وَكَانَ فَرْضُ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ هُوَ وَالزَّكَاةُ قَبْلَ بَدْرٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هَدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٣-١٨٥] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْأَحَادِيثُ فِيهِ.
وَقَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ كُفْرُ مَنْ جَحَدَ فَرَضِيَّتَهُ، وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ بِقَتْلِ تَارِكِهِ مَعَ الْإِقْرَارِ وَالِاعْتِرَافِ بِوُجُوبِهِ، وَقَوْلُهُ: "فَاسْمَعْ وَاتَّبِعْ" مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزُّمَرِ: ١٨] .
[ ٢ / ٦٣٨ ]
[الْحَجُّ]:
الرُّكْنُ الْخَامِسُ الْحَجُّ:
"وَهُوَ "عَلَى مَنْ يَسْتَطِعْ" أَيْ: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٧] قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى تَفْصِيلَهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩٦] .
وَاشْتِرَاطُ الِاسْتِطَاعَةِ فِيهِ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْآيَةِ وَفِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ وَغَيْرِهَا، وَفَسَّرَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ١.
وَلَا خِلَافَ فِي كُفْرِ مَنْ جَحَدَ فَرَضِيَّتَهُ، وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي كُفْرِ تَارِكِهِ مَعَ الْإِقْرَارِ بِفَرْضِيَّتِهِ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَعَجَّلُوا الْحَجَّ -يَعْنِي الْفَرِيضَةَ- فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ" ٢. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: "مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ" ٣.
وَرَوَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ
_________________
(١) ١ قال ابن المنذر: لا يثبت الحديث الذي فيه الزاد والراحلة، والآية الكريمة عامة ليست مجملة فلا تفتقر إلى بيان وكأنه كلف كل مستطيع قدره بمال أو بدن "الفتح ٣/ ٣٠٠". انظر تفصيل ذلك في إرواء الغليل للعلامة الألباني "ح٩٨٨". ٢ رواه أحمد "١/ ٣١٤" وأخرجه أيضا "١/ ٢١٤ و٣٢٣ و٣٥٥" وابن ماجه "٢/ ٩٦٢/ ح٢٨٨٣" في المناسك، باب الخروج إلى الحج بلفظ: "من أراد الحج فليتعجل؛ فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة". وهو حسن بالذي بعده. ٣ رواه أبو داود "٢/ ١٤١/ ح١٧٣٢" في المناسك، باب التجارة في الحج، والدارمي "٢/ ١٢" والحاكم "١/ ٤٤٨" وأحمد "١/ ٢٢٥" وهو حسن بالذي قبله.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: مَنْ أَطَاقَ الْحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ، فَسَوَاءٌ عَلَيْهِ مَاتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا١.
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَبْعَثَ رِجَالًا إِلَى هَذِهِ الْأَمْصَارِ فَيَنْظُرُوا إِلَى كُلِّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ جِدَةٌ فَلَمْ يَحُجَّ فَيَضْرِبُوا عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ، مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ٢.
وَرَوَى الْبَغَوِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ لَمْ تَحْبِسْهُ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا"٣.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ فَحُجُّوا" فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ" ثُمَّ قَالَ: "ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أنبيائهم، وإذا أمرتكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا استطعتم، وإذا نهيتكم عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ" ٤ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ" فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فَقَالَ: "لَوْ قُلْتُهَا
_________________
(١) ١ أبو بكر الإسماعيلي "ابن كثير ١/ ٣٩٤" وإسناده صحيح إلى عمر ﵁، وقد تصحف إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر إلى عبد الله فلينظر. ٢ سعيد بن منصور "ابن كثير ١/ ٣٩٤، ٣٩٥" وإسناده ضعيف فهو من رواية الحسن البصري عن عمر ولم يدركه وهو مدلس. وجدة: أي مال قادر على الحج. ٣ رواه البغوي "١/ ٥١٤" وسنده فيه ضعف، فيه ليث بن أبي سليم وشريك القاضي، وكلاهما مضعف. ٤ رواه مسلم "٢/ ٩٧٥/ ح١٣٣٧" في الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، والنسائي "٥/ ١١٠، ١١١" فيه، باب وجوب الحج، وأحمد "٢/ ٥٠٨".
[ ٢ / ٦٤٠ ]
لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ يَعْمَلُوا بِهَا، وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا، والحج مَرَّةٌ فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ" ١.
_________________
(١) ١ رواه أحمد "١/ ٢٥٥ و٢٩٠ و٣٠٣ و٣٥٢ و٣٧٠ و٣٧١" وأبو داود "٢/ ١٣٩/ ح١٧٢١" في المناسك، باب فرض الحج، والنسائي "٥/ ١١١" فيه، باب وجوب الحج، وابن ماجه "٢/ ٩٦٣/ ح٢٨٨٦" فيه، باب فرض الحج، والحاكم "١/ ٤٤٠ و٤٧٠" والدارمي "٢/ ٢٩".
[ ٢ / ٦٤١ ]
ذِكْرُ أُمُورٍ تَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالْمَنَاهِي وَالْأَخْبَارِ:
قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٣-١٣٦] الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [الْقَصَصِ: ٥٢-٥٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ
[ ٢ / ٦٤٢ ]
﴿مَتَابًا وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٦٣-٧٦] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١-١١٢] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [الْمَعَارِجِ: ١٩-٣٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْوَارِثُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١ ١٠] الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ
[ ٢ / ٦٤٣ ]
يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٥٧-٦٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ١٥-١٩] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٣٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [التوبة: ٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ
[ ٢ / ٦٤٤ ]
سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الْحَشْرِ: ٩-١٠] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الْحَشْرِ: ١٨] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الْمُمْتَحِنَةِ: ١] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الْحُجُرَاتِ: ١] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النِّسَاءِ: ٣٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٠] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥١-١٥٣] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي
[ ٢ / ٦٤٥ ]
صَغِيرًا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٣-٣٩] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٩٠-٩١] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الْحَشْرِ: ٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّبِعُوا مَا
[ ٢ / ٦٤٦ ]
حديث الإسلام بضع وسبعون شعبة
أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٣١] الْآيَتَيْنِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٠] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الْكَهْفِ: ١١] .
وَآيَاتُ الْقُرْآنِ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ وَشَهِيرَةٌ لَا تَخْفَى، بَلِ الْقُرْآنُ كُلُّهُ فِي تَقْرِيرِ الدِّينِ مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ: دَعْوَةً وَبِشَارَةً وَنِذَارَةً، وَأَمْرًا وَنَهْيًا وَخَبَرًا، كُلُّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ شَأْنِ الدِّينِ: إِمَّا دَعْوَةً إِلَيْهِ أَوْ بِشَارَةً لِمَنِ اتَّبَعَهُ بِرِضَاءِ اللَّهِ وَالْجَنَّةِ أَوْ نِذَارَةً لِمَنْ أَبَى عَنْهُ مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الآخرة أو أمر بِشَرَائِعِهِ: أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا وَآدَابِهَا وَأَحْكَامِ كُلٍّ منها أو نهي عَنْ نَوَاقِضِهِ جَمِيعِهِ أَوْ نَوَاقِضِ شَيْءٍ مِنْهَا أَوْ مَا يُوجِبُ أَدْنَى خَلَلٍ فِيهِ أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْ شرائعه أو خبر عَنْ نَصْرِ مَنْ جَاءَ بِهِ وَصَدَّقَ بِهِ وَحِفْظِهِ وَتَأْيِيدِهِ فِي الدنيا أو خبر عَمَّا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْفَوْزِ وَالنَّعِيمِ وَالنَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ الجحيم أو خبر عَنْ إِهْلَاكِ مَنِ اسْتَكْبَرَ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا وَمَا أَحَلَّهُ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ غَضَبِهِ عَاجِلًا مِنَ الْخَسْفِ وَالْمَسْخِ وَالْقَذْفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا أَعَدَّهُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعِقَابِ، وَمَا فَاتَهُمْ وَحُرِمُوهُ مِنَ الثَّوَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ: "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَعْلَاهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ" ١.
وَقَوْلُهُ ﷺ: "بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي
_________________
(١) ١ رواه البخاري "١/ ٥١" في الإيمان، باب أمور الإيمان، ومسلم "١/ ٦٣/ ح٣٥" فيه، باب بيان عدد شعب الإيمان.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ" قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ١.
وَقَوْلُهُ ﷺ: "مَنْ يُبَايِعُنِي على هذه الثلاث الْآيَاتِ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥١] الْآيَاتِ"٢.
وَقَوْلُهُ ﷺ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ لَمَّا قَالَ لَهُ: مَا الَّذِي بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ؟ قَالَ: "الْإِسْلَامُ" قُلْتُ: وَمَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: "أَنَّ تُسْلِمَ قَلْبَكَ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَنْ تُوَجِّهَ وَجْهَكَ لِلَّهِ وَأَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ" ٣. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: وَمَا آيَةُ الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: "أَنْ تَقُولَ: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَتَخَلَّيْتُ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَكُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ" ٤.
وَقَوْلُهُ ﷺ: "ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تحيط من وراءهم" ٥ وَقَوْلُهُ ﷺ فِي جَوَابِ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ" ٦.
_________________
(١) ١ رواه البخاري "١/ ٦٤" في الإيمان، باب علامة الإيمان حب الأنصار، ومسلم "٣/ ١٣٣٣/ ح١٧٠٩" في الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها. ٢ رواه الحاكم "٢/ ٣١٨" وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه "الدر المنثور ٣/ ٣٨١". ٣ رواه أحمد "٥/ ٤، ٥" والنسائي "٥/ ٤، ٥" في الزكاة، باب وجوب الزكاة و"٥/ ٨٢، ٨٣" فيه، باب من سأل بوجه الله ﷿، وابن ماجه "٢/ ٨٤٨/ ح٢٥٣٧" في الحدود، باب المرتد عن دينه، وسنده صحيح. ٤ رواه أحمد "٥/ ٤، ٥" والنسائي "٥/ ٨٢، ٨٣" في الزكاة، باب من سأل بوجه الله ﷿، وهو كالذي قبله. ٥ رواه أحمد "٥/ ١٨٣" والدارمي "١/ ٧٥" وابن حبان "الإحسان ٢/ ٣٥" من حديث زيد بن ثابت، وإسناده صحيح. وله شواهد من حديث ابن مسعود وأبي سعيد الخدري وأبي الدرداء والنعمان بن بشير وغيرهم. ٦ رواه مسلم "١/ ٦٥/ ح٤٠" في الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
وَقَوْلُهُ ﷺ: "لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يحقره، التقوى ههنا -وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثًا- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ" ١.
وَقَوْلُهُ ﷺ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ" ٢.
وَقَوْلُهُ ﷺ فِي جَوَابِ مَنْ قَالَ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "أَنْ تُطْعِمَ الطَّعَامَ وَتَقْرَأَ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ" ٣.
وَقَوْلُهُ ﷺ: "مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ" ٤.
وَقَوْلُهُ ﷺ فِي جَوَابِ مَنْ سَأَلَهُ: قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ، قَالَ: "قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ" ٥.
وَقَوْلُهُ ﷺ: "ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ -ﷺ- نَبِيًّا وَرَسُولًا" ٦.
_________________
(١) ١ رواه مسلم "٤/ ١٩٨٦/ ح٢٥٦٤" في البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، من حديث أبي هريرة ﵁. ٢ رواه البخاري "١/ ٥٣" في الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، من حديث عبد الله بن عمرو. ٣ رواه البخاري "١/ ٥٥" في الإيمان، باب إطعام الطعام من الإسلام، ومسلم "١/ ٦٥/ ح٣٩" فيه، باب بيان تفاضل الإسلام، وأي أموره أفضل. من حديث عبد الله بن عمرو ﵄. ٤ رواه الترمذي "٤/ ٥٥٨/ ح٢٣١٧" في الزهد، باب "١١" وابن ماجه "٢/ ١٣١٥/ ح٣٩٧٦" في الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، وفي سنده قرة بن عبد الرحمن بن صوئيل، وفيه مقال وروي عند مالك في الموطأ "٢/ ٩٠٣" والترمذي "ح٢٣١٨" مرسلا من حديث علي بن الحسين، والحديث حسن بطرقه إن شاء الله تعالى. ٥ رواه مسلم "١/ ٦٥/ ح٣٨" في الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي. ٦ رواه مسلم "١/ ٦٢/ ح٣٤" في الإيمان، باب الدليل على أن من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد -ﷺ- رسولا، فهو مؤمن. من حديث العباس ﵁.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
وَقَوْلُهُ ﷺ: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ" ١.
وَقَوْلُهُ ﷺ: "لَا يُؤْمَنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"٢ وَفِي رِوَايَةٍ: "مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ" ٣.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ تَحْتَرِقَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَأَنْ تُحِبَّ غَيْرَ ذِي نَسَبٍ لَا تُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ. فَإِذَا كُنْتَ كَذَلِكَ فَقَدْ دَخَلَ حُبُّ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِكَ كَمَا دَخَلَ حُبُّ الْمَاءِ لِلظَّمْآنِ فِي الْيَوْمِ الْقَائِظِ" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ لِي بِأَنْ أَعْلَمَ أَنِّي مُؤْمِنٌ؟ قَالَ: "مَا مِنْ أُمَّتِي -أَوْ قَالَ هَذِهِ الْأُمَّةِ- عَبْدٌ يَعْمَلُ حَسَنَةً فَيَعْلَمُ أَنَّهَا حَسَنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ مُجَازِيهِ بِهَا خَيْرًا، وَلَا يَعْمَلُ سَيِّئَةً فَيَعْلَمُ أَنَّهَا سَيِّئَةٌ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهَا وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُهَا إِلَّا اللَّهُ، إِلَّا وَهُوَ مُؤْمِنٌ" ٤.
وَقَوْلُهُ ﷺ: "مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَاتُهُ، وَسَاءَتْهُ سَيِّئَاتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ" ٥.
وَقَوْلُهُ ﷺ: "صَرِيحُ الْإِيمَانِ إِذَا أَسَأْتَ أَوْ ظَلَمْتَ عَبْدَكَ أَوْ أَمَتَكَ أَوْ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ صُمْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ، وَإِذَا أَحْسَنْتَ اسْتَبْشَرْتَ" ٦.
_________________
(١) ١ رواه البخاري "١/ ٦٠" في الإيمان، باب حلاوة الإيمان، ومسلم "١/ ٦٦/ ح٤٣" فيه، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، من حديث أنس ﵁. ٢ رواه البخاري "١/ ٥٨" في الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان، ومسلم "١/ ٦٧/ ح٤٤" فيه، باب وجوب محبة رسول الله ﷺ، من حديث أنس ﵁. ٣ رواه النسائي "٨/ ١١٤ و١١٥" في الإيمان، باب علامة الإيمان. ٤ رواه أحمد "٤/ ١١" وفي سنده سليمان بن موسى وحديثه مقارب للحسن، وألفاظ الحديث لها شواهد في الصحيح. ٥ رواه أحمد في المسند رقم "١١٤ و١٧٧ نسخة أحمد شاكر" والترمذي "٤/ ٤٦٥/ ح٢١٦٥" في الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة، وسنده صحيح من حديث عمر ﵁. وله شاهد من حديث أبي موسى وأبي أمامة عند الحاكم "١/ ١٣ و١٤" بأسانيد صحيحة. ٦ لم أجده بهذا اللفظ.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
وَقَوْلُهُ ﷺ: "الْمُؤْمِنُونَ فِي الدُّنْيَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ: الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي يَأْمَنُهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ الَّذِي إِذَا أَشْرَفَ عَلَى طَمَعٍ تَرَكَهُ لِلَّهِ ﷿"١.
وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: "طِيبُ الْكَلَامِ وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ" فَقُلْتُ: مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: "الصَّبْرُ وَالسَّمَاحَةُ" قُلْتُ: أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ" قُلْتُ: أَيُّ الْإِيمَانِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "خُلُقٌ حَسَنٌ"٢.
وَقَوْلُهُ ﷺ: "أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا" ٣. وَقَوْلُهُ ﷺ: "ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الْإِيمَانِ: مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ فِي كُلِّ عَامٍ" ٤ الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ: فَقَالَ رَجُلٌ: فَمَا تَزْكِيَةُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَهُ حَيْثُمَا كَانَ" ٥.
وَقَوْلُهُ ﷺ: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ" ٦. وَفِي رِوَايَةٍ: "الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، إِذَا اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ" ٧.
_________________
(١) ١ رواه أحمد "٣/ ٨" وفيه دراج "أبو السمح" وهو مضعف في حديثه عن أبي الهيثم وهو كذلك هنا. ٢ رواه أحمد "٤/ ٣٨٥" وفي سنده شهر ومحمد بن ذكوان الجهضمي، وكلاهما مضعف. ٣ رواه الترمذي "٣/ ٤٦٦/ ح١١٦٢" في الرضاع، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها، وقال: حسن صحيح، وأبو داود "٤/ ٢٢٠/ ح٤٦٨٢" في السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، وأحمد "٢/ ٥٠ و٤٧٢ و٥٢٧" من حديث أبي هريرة ﵁، وإسناده صحيح. ٤، ٥ رواه البيهقي "٤/ ٩٦" ورواه الطبراني، قال ابن حجر: إسناده جيد. ورواه أبو داود دون اللفظ الأخير بإسناد منقطع. "انظر تلخيص الحبير ٢/ ١٥٥" وهو من حديث عبد الله بن معاوية ﵁. ٦ رواه البخاري "١٠/ ٤٣٨" في الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، ومسلم "٤/ ١٩٩٩/ ح٢٥٨٦" في البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، من حديث النعمان بن بشير ﵁. ٧ رواه مسلم "٤/ ٢٠٠٠/ ح٢٥٨٦" في البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، من حديثه ﵁.
[ ٢ / ٦٥١ ]
وَقَوْلُهُ ﷺ: "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا" وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ١.
وَقَوْلُهُ ﷺ: "الْمُؤْمِنُ فِي أَهْلِ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، يَأْلَمُ الْمُؤْمِنُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ كَمَا يَأْلَمُ الْجَسَدُ لِمَا فِي الرَّأْسِ"٢، وَقَوْلُهُ ﷺ: "الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، أَخُو الْمُؤْمِنِ، يَكُفُّ عَنْهُ ضَيْعَتَهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ" ٣، وَقَوْلُهُ ﷺ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" ٤، وَقَوْلُهُ ﷺ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ" ٥. وَقَوْلُهُ ﷺ: "وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ" قَالُوا: مَنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ" ٦، وَقَوْلُهُ ﷺ: "لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ" ٧.
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٥/ ٩٩" في المظالم، باب نصر المظلوم، ومسلم "٤/ ١٩٩٩/ ح٢٥٨٥" في البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. ٢ رواه أحمد "٥/ ٣٤٠" وأبو نعيم في الحلية "٨/ ١٩٠" والطبراني في الكبير "ح٥٧٤٣" والقضاعي في الشهاب "ح١٣٦" من حديث سهيل قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح. قلت: بل فيه مصعب بن ثابت لم يرويا له، بل هو لين الحديث كما قال ابن حجر. والحديث له شاهد ضعيف من حديث أبي هريرة، رواه عبد الله في زوائد الزهد "٣٦٧" فيه زهير بن محمد وعنه الوليد بن مسلم. والحديث يشهد له الذي قبله فصح به. ٣ رواه أبو داود "٤/ ٢٨٠/ ح٤٩١٨" في الأدب، باب في النصيحة والحياطة، وابن وهب في الجامع "ص٣٧" والبخاري في الأدب المفرد "١/ ٣٢٧/ ح٢٣٩، فضل الله الصمد" من حديث أبي هريرة وإسناده حسن، والطبراني في الأوسط "٣/ ٧١/ ح٢١٣٥" والبزار "ح٣٢٩٧" والقضاعي في مسند الشهاب "ح١٢٤ و١٢٥" بإسناد حسن من حديث أنس، فالحديث صحيح إن شاء الله تعالى. ٤ رواه البخاري "١/ ٥٦" في الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ومسلم "١/ ٦٧/ ح٤٥" فيه، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير. ٥ رواه البخاري "١٠/ ٤٤٥" في الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومسلم "١/ ٦٨/ ح٤٧" في الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلا عن الخير. ٦ رواه البخاري "١٠/ ٤٤٣" في الأدب، باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه. ٧ رواه البخاري في الأدب المفرد "١/ ١٩٤/ ح١١٢ "فضل الله الصمد"" والطبراني في الكبير "ح١٢٧٤١" والحاكم "٤/ ١٦٧" من حديث ابن عباس وصححه ووافقه الذهبي. قلت: في سنده عبيد الله بن المساور وهو مجهول. وله شاهد من حديث أنس، رواه الطبراني "ح٧٥١" والبزار "المجمع ٨/ ١٧٠" قال الهيثمي: إسناد البزار حسن، وكذلك قال المنذري "٣/ ٣٥٨". فالحديث حسن إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
وَقَوْلُهُ ﷺ: "مَنْ أَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ وَأَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ إِيمَانَهُ" ١، وَسُئِلَ ﷺ عَنْ أَفْضَلِ الْإِيمَانِ فَقَالَ: "أَنْ تُحِبَّ لِلَّهِ وَتُبْغِضَ لِلَّهِ وَتُعْمِلَ لِسَانَكَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ" فَقَالَ: وَمَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَتَكْرَهَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ"٢، وَفِي رِوَايَةٍ: "وَأَنْ تَقُولَ خَيْرًا أَوْ تَصْمُتَ"٣، وَقَوْلُهُ ﷺ: "لَا يَسْتَحِقُّ الْعَبْدُ صَرِيحَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ لِلَّهِ وَيُبْغِضَ لِلَّهِ، فَإِذَا أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَحَقَّ الْوِلَايَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى"٤، وقوله ﷺ: "أوثق عرا الْإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللَّهِ، وَتُبْغِضَ فِي اللَّهِ" ٥.
وَقَوْلُهُ ﷺ لِمُعَاذٍ بَعْدَ مَا أَخْبَرَهُ بِأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ قَالَ: "أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ" ثُمَّ تَلَا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٦] ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ؟ رَأَسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ
_________________
(١) ١ رواه أحمد "٣/ ٤٤٠" والترمذي "٤/ ٦٧٠/ ح٢٥٢١" في صفة القيامة، باب "٦٠" وقال: هذا حديث حسن، من حديث معاذ بن أنس ورواه الحاكم "٢/ ١٦٤" وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. قلت: فيه عبد الرحيم بن ميمون "أبو مرحوم" لم يخرجا له، وسهل بن معاذ لم يرو له مسلم، وروى له البخاري في الأدب فقط، فالحديث حسن فقط. ٢، ٣ رواه أحمد "٥/ ٢٤٧" من حديث معاذ بن جبل وفيه رشدين بن سعد وهو ضعيف، وفي الثاني ابن لهيعة وهو كذلك، والحديث له شواهد كالذي تقدم والآتي بعده والذي بعده. تنبيه: وقع في المطبوع من مجمع الزوائد عزو الحديث لمعاذ بن أنس، وهو خطأ فليس هو في مسنده، بل في مسند ابن جبل. ٤ رواه أحمد "٤/ ٤٣٠" قال الهيثمي: وفيه رشدين بن سعد وهو منقطع ضعيف "المجمع ١/ ٩٤" وأخرجه الطبراني في الكبير من حديث عمرو بن الحمق "المجمع ١/ ٩٤" وفيه رشدين أيضا. ٥ رواه أحمد "٤/ ٢٨٦" وابن أبي شيبة في الإيمان "ح١١٠" من حديث البراء، وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. وله شواهد من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وأبي ذر يرتقي بها لدرجة الحسن إن شاء الله تعالى، مع ما تقدم من شواهد.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
فِي سَبِيلِ اللَّهِ" ثُمَّ قَالَ لَهُ: "أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ"؟ فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ وَقَالَ: "كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا" ١.
_________________
(١) ١ رواه أحمد "٥/ ٢٣١ و٢٣٧" والترمذي "٥/ ١١/ ح٢٦١٦" في الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه "٢/ ١٣١٥/ ح٣٩٧٣" في الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، من حديث معاذ وإسناده حسن.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
شرح هذا الحديث
شَرْحُ حَدِيثِ شُعَبِ الْإِيمَانِ وَيُنَاسِبُ هُنَا أَنْ نَنْقُلَ شَرْحَ حَدِيثِ شُعَبِ الْإِيمَانِ وَكَلَامَ الْعُلَمَاءِ فِي إِحْصَائِهَا مِنْ فَتْحِ الْبَارِي.
فَتِلْكَ خَمْسَةٌ وَلِلْإِيمَانِ سِتَّةُ أَرْكَانٍ بِلَا نُكْرَانِ
إِيمَانُنَا بِاللَّهِ ذِي الْجَلَالِ وَمَا لَهُ مِنْ صِفَةِ الْكَمَالِ
وَبِالْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَهْ وَكُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ الْمُطَهَّرَةْ
وَرُسُلِهِ الْهُدَاةِ لِلْأَنَامِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ وَلَا إِيهَامِ
(فَتِلْكَ) الْأَرْكَانُ الْمُتَقَدِّمَةُ الَّتِي هِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَحَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (خَمْسَةٌ) فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَا الْإِسْلَامَ فَاعْلَمْهَا وَاحْتَفِظْ بِهَا وَاعْمَلْهَا وَعَلِّمْهَا، فَسَوْفَ تُسْأَلُ عَنْهَا وَتُحَاسَبُ عَلَيْهَا، فَأَعْدِدْ لِلسُّؤَالِ جَوَابًا، وَإِيَّاكَ أَنْ تُخِلَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ.
[أَرْكَانُ الْإِيمَانِ]:
"وَلِلْإِيمَانِ سِتَّةُ أَرْكَانٍ" فَسَّرَهُ بِهَا النَّبِيُّ -ﷺ- فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ وَغَيْرِهِ "بِلَا نُكْرَانٍ" لِلنَّقْلِ وَلَا تَكْذِيبٍ لِلْخَبَرِ وَلَا شَكَّ فِي الِاعْتِقَادِ وَلَا اسْتِكْبَارَ عَنِ الِانْقِيَادِ.
[الْإِيمَانُ بِاللَّهِ]:
الْأَوَّلُ مِنْهَا "إِيمَانُنَا بِاللَّهِ": بِإِلَهِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الْمُلْكِ وَلَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، وَاحِدٌ أَحَدٌ فَرْدٌ صمد لم يتخذ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا وَلَا
[ ٢ / ٦٥٥ ]
يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا، وَلَا ضِدَّ لَهُ وَلَا نِدَّ، وَلَمْ يَكُنْ له كفوا أحدا "ذِي الْجَلَالِ" ذِي الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ الَّذِي هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُجَلَّ؛ فَلَا يُعْصَى، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرُ، وَيُوَحَّدَ فَلَا يُشْرَكُ مَعَهُ غَيْرُهُ، وَلَا يُوَالَى إِلَّا هُوَ ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦٤] ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤] ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١١٤] ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٤] ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٠٢، ١٠٣] .
"وَ" الْإِيمَانُ بِـ "مَا لَهُ" تَعَالَى "مِنْ صِفَةِ الْكَمَالِ" مِمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ -ﷺ- مِنَ الْأَسْمَاءِ الحسنى والصفات العلا وَإِمْرَارُهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ وَلَا تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَأَنَّ كُلَّ مَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى وَوَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ -ﷺ- الْكُلُّ حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ عَلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ وَأَرَادَ رَسُولُهُ، وَعَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٧] .
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ تَقْرِيرِ الْكَلَامِ فِي تَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ وَالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَأَنْوَاعِ الشِّرْكِ الْمُضَادَّةِ لَهُ، فَلْيُرَاجَعْ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[الْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ]:
"وَ" الثَّانِي الْإِيمَانُ "بِالْمَلَائِكَةِ" الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ اللَّهِ الْمُكْرَمُونَ وَالسَّفَرَةُ بَيْنَهُ تَعَالَى وَبَيْنَ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ "الْكِرَامُ" خَلْقًا وَخُلُقًا وَالْكِرَامُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى "الْبَرَرَةُ" الطَّاهِرِينَ ذَاتًا وَصِفَةً وَأَفْعَالًا، الْمُطِيعِينَ لِلَّهِ ﷿ وَهُمْ عِبَادٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ ﷿، خَلَقَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ النُّورِ لِعِبَادَتِهِ، لَيْسُوا بَنَاتًا لِلَّهِ ﷿ وَلَا أَوْلَادًا وَلَا شُرَكَاءَ مَعَهُ وَلَا أَنْدَادًا، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ وَالْجَاحِدُونَ وَالْمُلْحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا
[ ٢ / ٦٥٦ ]
خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٦-٢٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٥١-١٦٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٥-١٩] الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٧٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٩، ٢٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فَاطِرٍ: ١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٢٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢٠٦] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ
[ ٢ / ٦٥٧ ]
منهم الموكل بالوحي
كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٤٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٩٨] وَالْآيَاتُ فِي ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ.
[أَقْسَامُ الْمَلَائِكَةِ وَخَصَائِصُهُمْ]:
ثُمَّ هُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هَيَّأَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَوَكَّلَهُمْ بِهِ عَلَى أَقْسَامٍ:
فَمِنْهُمُ الْمُوَكَّلُ بِالْوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهُوَ الرُّوحُ الْأَمِينُ جِبْرِيلُ ﵇، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٩٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٩٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النَّجْمِ: ٤-٩] وَهَذَا فِي رُؤْيَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- لَهُ فِي الْأَبْطَحِ حِينَ تَجَلَّى لَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ عَظْمُ خَلْقِهِ الْأُفُقَ، ثُمَّ رَآهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ أَيْضًا فِي السَّمَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النَّجْمِ: ١٣-١٥] .
وَلَمْ يَرَهُ ﷺ فِي صُورَتِهِ إِلَّا هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، وَبَقِيَّةَ الْأَوْقَاتِ فِي صُورَةِ رَجُلٍ، وَغَالِبًا فِي صُورَةِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ١.
وَقَالَ تَعَالَى فِيهِ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١٩-٢٣] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا
_________________
(١) ١ قال ابن عمر ﵄: كان جبريل يأتي النبي -ﷺ- في صورة دحية الكلبي. رواه أحمد "٢/ ١٠٧" بإسناد صحيح.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
ومنهم الموكل بالغيث وتصاريفه
ومنهم الموكل بالصور والموكل بقبض الأرواح
مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سَبَأٍ: ٢٣] تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ. وَفِيهِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ، فَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ، ثُمَّ يَمُرُّ جِبْرِيلُ بِأَهْلِ السَّمَاوَاتِ كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَهُ مَلَائِكَتُهَا: مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَيَقُولُ جِبْرِيلُ ﵇: قَالَ الْحَقَّ وَهُوَ العلي الكبير" فيقولون كُلُّهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ جِبْرِيلُ. ثُمَّ يَنْتَهِي جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ ﷿ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ١.
وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ مِنَ الْفَصْلِ الْآتِي.
وَمِنْهُمُ الْمُوَكَّلُ بِالْقَطْرِ وَتَصَارِيفِهِ إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ ﷿، وَهُوَ مِيكَائِيلُ ﵇، وَهُوَ ذُو مَكَانَةٍ عَلِيَّةٍ وَمَنْزِلَةٍ رَفِيعَةٍ وَشَرَفٍ عِنْدَ رَبِّهِ ﷿، وَلَهُ أَعْوَانٌ يَفْعَلُونَ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ بِأَمْرِ رَبِّهِ، وَيُصَرِّفُونَ الرِّيَاحَ وَالسَّحَابَ كَمَا يَشَاءُ اللَّهُ ﷿.
وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ: مَا مِنْ قَطْرَةٍ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَّا وَمَعَهَا مَلَكٌ يُقَرِّرُهَا فِي مَوْضِعِهَا مِنَ الْأَرْضِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِجِبْرِيلَ: "عَلَى أَيِّ شَيْءٍ مِيكَائِيلُ "؟ قَالَ: عَلَى النَّبَاتِ وَالْقَطْرِ٢ وَلِأَحْمَدَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ لِجِبْرِيلَ ﵇: "مَا لِي لَمْ أَرَ مِيكَائِيلَ ضَاحِكًا قَطُّ "؟ فَقَالَ ﵇: مَا ضَحِكَ مِيكَائِيلُ مُنْذُ خُلِقَتِ النَّارُ٣ عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْهَا.
وَمِنْهُمُ الْمُوَكَّلُ بِالصُّورِ، وَهُوَ إِسْرَافِيلُ ﵇، يَنْفُخُ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَخَاتٍ
_________________
(١) ١ تقدم وهو في البخاري "٨/ ٥٣٧" في تفسير سورة سبأ، باب حتى إذا فزع عن قلوبهم. وفي تفسير سورة الحجر من حديث أبي هريرة. وبغير هذا اللفظ رواه مسلم من حديث عبد الله بن عباس عن رجل من الأنصار "٤/ ١٧٥٠/ ح٢٢٢٩" في السلام، باب تحريم الكهانة. ٢ رواه الطبراني "١١/ ٣٧٩/ ح١٢٠٦١" قال الهيثمي: وفيه محمد بن أبي ليلى، وقد وثقه جماعة ولكنه سيئ الحفظ وبقية رجاله ثقات "المجمع ٩/ ٢٢" قلت: بل فيه كذلك محمد بن عمران الراوي عنه مجهول، لم يوثقه إلا ابن حبان. ٣ رواه أحمد "٣/ ٢٢٤" وسنده ضعيف، فيه إسماعيل بن عياش عن عمارة بن غزية. وإسماعيل روايته =
[ ٢ / ٦٥٩ ]
بِأَمْرِ رَبِّهِ ﷿: الْأُولَى: نَفْخَةُ الْفَزَعِ، وَالثَّانِيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ، وَالثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَسْطُهُ فِي مَوْضِعِهِ.
وَلِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ وَانْتَظَرَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ "؟! قَالُوا: كَيْفَ نَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا" ١.
وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ هُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي دُعَائِهِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ: "اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" ٢.
وَمِنْهُمُ الْمُوَكَّلُ بِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ وَهُوَ مَلَكُ الْمَوْتِ وَأَعْوَانُهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ تَسْمِيَتُهُ عِزْرَائِيلَ٣، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٥٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا
_________________
(١) = عن غير الشاميين ضعيف، وعمارة مدني قال عنه الحافظ: لا بأس به. وفيه حميد بن عبيد، لا يدرى من هو. ١ رواه أحمد "٣/ ٧" والترمذي "٤/ ٦٢٠/ ح٢٤٣١" في صفة القيامة، باب ما جاء في شأن الصور، وقال: هذا حديث حسن، قلت: فيه عطية وهو ضعيف، وللحديث شواهد عدة انظرها في السلسلة الصحيحة "١٠٧٩" والفتح "١١/ ٣٦٨". ٢ رواه مسلم "١/ ٥٣٤/ ح٧٧٠" في صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، وقد تقدم. ٣ ليس في المرفوع ما يثبت هذا الاسم، بل ذكره من كلام التابعين.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
والموكل بحفظ العبد في كل حالاته
الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٢٨-٣٢] وَغَيْرُهَا مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّ أَعْوَانَهُ يَأْتُونَ الْعَبْدَ بِحَسَبِ عَمَلِهِ، إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَفِي أَحْسَنِ هَيْئَةٍ وَأَجْمَلِ صُورَةٍ بِأَعْظَمِ بِشَارَةٍ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَفِي أَشْنَعِ هَيْئَةٍ وَأَفْظَعِ مَنْظَرٍ بِأَغْلَظِ وَعِيدٍ، ثُمَّ يَسُوقُونَ الرُّوحَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قَبَضَهَا مَلَكُ الْمَوْتِ فَلَا يَدْعُونَهَا فِي يَدِهِ بَلْ يَضَعُونَهَا فِي أَكْفَانٍ وَحَنُوطٍ يَلِيقُ بِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٨٣-٩٦] سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ، نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
وَمِنْهُمُ الْمُوَكَّلُ بِحِفْظِ الْعَبْدِ فِي حِلِّهِ وَارْتِحَالِهِ وَفِي نَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ وَفِي كُلِّ حَالَاتِهِ، وَهُمُ الْمُعَقِّبَاتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرَّعْدِ: ١٠، ١١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٤٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٨] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -﵄- فِي الْآيَةِ الْأُولَى ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرَّعْدِ: ١١]: وَالْمُعَقِّبَاتُ مِنَ اللَّهِ هم الملائكة يحفظونه مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، فَإِذَا جَاءَ قَدَرُ اللَّهِ تَعَالَى خَلَّوْا عَنْهُ١.
_________________
(١) ١ انظر ابن كثير "٢/ ٥٢٢" من رواية عكرمة، وعلي عنه.
[ ٢ / ٦٦١ ]
والموكل بحفظ الأعمال من خير وشر
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا لَهُ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِحِفْظِهِ فِي نَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْهَوَامِّ، فَمَا مِنْهَا شَيْءٌ يَأْتِيهِ إِلَّا قَالَ لَهُ الْمَلَكُ: وَرَاءَكَ، إِلَّا شَيْءٌ أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ فَيُصِيبُهُ١. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٤٢] قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أَيْ بَدَلُ الرَّحْمَنِ، يَمْتَنُّ ﷾ بِنِعْمَتِهِ عَلَى عَبِيدِهِ وَحِفْظِهِ لَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَكِلَاءَتِهِ وَحِرَاسَتِهِ لَهُمْ بِعَيْنِهِ الَّتِي لا تنام٢. ا. هـ.
وَمِنْهُمُ الْمُوَكَّلُ بِحِفْظِ عَمَلِ الْعَبْدِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَهُمُ الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ، وَهَؤُلَاءِ يَشْمَلُهُمْ مَعَ مَا قَبْلَهُمْ قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦١] وَقَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٨٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧، ١٨] فَالَّذِي عَنِ الْيَمِينِ يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ، وَالَّذِي عَنِ الشِّمَالِ يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الِانْفِطَارِ: ١٠] .
عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ -﷿- لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ" فَكَانَ عَلْقَمَةُ يَقُولُ: كَمْ مِنْ كَلَامٍ قَدْ مَنَعَنِيهِ حَدِيثُ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ٣.
_________________
(١) ١ ابن كثير "٢/ ٥٢٢". ٢ ابن كثير "٣/ ١٨٨". ٣ رواه أحمد "٣/ ٤٦٩" ومالك في الموطأ "٢/ ٩٨٥" في الكلام، باب ما يؤمر به من التحفظ في الكلام، والترمذي "٤/ ٥٥٩/ ح٢٣١٩" في الزهد، باب في قلة الكلام، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجه "٢/ ١٣١٣/ ح٣٩٦٩" في الفتن، باب كف اللسان في الفتنة. والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف "٢/ ٥٥٥" وهو صحيح، وهو في البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
وَرَوَى الْبَغَوِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَاتِبُ الْحَسَنَاتِ عَلَى يَمِينِ الرَّجُلِ، وَكَاتِبُ السَّيِّئَاتِ عَلَى يَسَارِ الرَّجُلِ، وَكَاتِبُ الْحَسَنَاتِ أَمِيرٌ عَلَى كَاتِبِ السَّيِّئَاتِ، فَإِذَا عَمِلَ حَسَنَةً كَتَبَهَا صَاحِبُ الْيَمِينِ عَشْرًا، وَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً قَالَ صَاحِبُ الْيَمِينِ لِصَاحِبِ الشِّمَالِ: دَعْهُ سَبْعَ سَاعَاتٍ؛ لَعَلَّهُ يُسَبِّحُ أَوْ يَسْتَغْفِرُ"١.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ" وَفِي رِوَايَةٍ: "مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تُكَلِّمْ بِهِ" ٢ وَفِيهِ عَنْهُ ﵁، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَالَ اللَّهُ ﷿: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً. وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْرًا" ٣ وَفِي رِوَايَةٍ: "قَالَ اللَّهُ ﷿: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبْتُهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ أَكْتُبْهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً" ٤. وَفِي أُخْرَى: "قَالَ اللَّهُ ﷿: إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَعْمَلْ، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا. وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا" ٥. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: رَبِّ ذَاكَ
_________________
(١) ١ معالم التنزيل "٥/ ٢١٤" وسنده ضعيف جدا فيه جعفر بن الزبير الحنفي وهو متروك، والقاسم أبو عبد الرحمن صدوق يغرب كثيرا. وفي سنده من لم أجد لهم ترجمة. ٢ رواه البخاري "١١/ ٥٤٨" في الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسيا في الأيمان، ومسلم "١/ ١١٦/ ح١٢٧" في الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر. ٣ رواه البخاري "١٣/ ٤٦٥" في التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ رواه مسلم "١/ ١١٧/ ح١٢٨" في الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب، واللفظ لمسلم. ٤ رواه البخاري "١٣/ ٤٦٥" في التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾، ومسلم "١/ ١١٧/ ح١٢٨" في الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب. ٥ رواه مسلم "١/ ١١٧/ ح١٢٩" في الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً -وَهُوَ تَعَالَى أَبْصَرُ بِهِ- فَقَالَ: ارْقُبُوهُ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ" ١.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ ﷿" ٢. وَفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ ﷿ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ ﵎ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ ﷿ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ. وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً -زَادَ فِي رِوَايَةٍ: أَوْ مَحَاهَا اللَّهُ- وَلَا يَهْلَكُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا هَالِكٌ" ٣.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]: يابن آدَمَ بُسِطَتْ لَكَ صَحِيفَةٌ، وَوُكِّلَ بِكَ مَلَكَانِ كَرِيمَانِ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِكَ وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِكَ، فَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَمِينِكَ فَيَحْفَظُ حَسَنَاتِكَ وَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَسَارِكَ فَيَحْفَظُ سَيِّئَاتِكَ، فَاعْمَلْ مَا شِئْتَ أَقْلِلْ أَوْ أَكْثِرْ، حَتَّى إِذَا مِتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ وَجُعِلَتْ فِي عُنُقِكَ مَعَكَ فِي قَبْرِكَ حَتَّى تَخْرُجَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٤] ثُمَّ يَقُولُ: عَدَلَ وَاللَّهِ فِيكَ مَنْ جَعَلَكَ حسيب نفسك٤. ا. هـ.
وَيُنَاسِبُ ذِكْرَ الْمُعَقِّبَاتِ وَالْحَفَظَةِ مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي "بَابِ
_________________
(١) ١، ٢ تقدم ذكره. ٣ رواه البخاري "١١/ ٣٢٣" في الرقاق، باب من هم بحسنة أو بسيئة، ومسلم "١/ ١١٨/ ح١٣١" في الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب. ٤ ذكره ابن كثير في تفسيره "٤/ ٢٣٩، ٢٤٠".
[ ٢ / ٦٦٤ ]
والموكلون بفتنة القبر والمبشرون للمؤمنين وخزنة جهنم
قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ فَيَقُولُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ" ١ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا. وَفِيهِمَا عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أن ينام، يحفظ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ" ٢ الْحَدِيثُ تَقَدَّمَ فِي الْعُلُوِّ. وَالْأَحَادِيثُ فِي ذِكْرِ الْحَفَظَةِ كَثِيرَةٌ.
وَمِنْهُمُ الْمُوَكَّلُونَ بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَهُمْ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُ النُّصُوصِ فِي ذَلِكَ قَرِيبًا، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الثَّبَاتَ وَالتَّوْفِيقَ.
وَمِنْهُمْ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ، ومقدمهم رضوان ﵇، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٣] .
وَمِنْهُمُ الْمُبَشِّرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ وَفَيَاتِهِمْ وَفِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٢/ ٣٣" في مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر، ورواه مسلم "١/ ٤٣٩/ ح٦٣٢" في المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما. ٢ رواه مسلم "١/ ١٦١/ ح١٧٩" في الإيمان، باب في قوله ﵇: "إن الله لا ينام" ولم يروه البخاري وقد تقدم ذكر ذلك، فإنه من مفاريد مسلم.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
والموكلون بالنطفة في الرحم
رَحِيمٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٠، ٣١] وَقَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠٣] .
وَمِنْهُمْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ -عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْهَا- وَهُمُ الزَّبَانِيَةُ، وَرُؤَسَاؤُهُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ، ومقدمهم مالك ﵇. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزُّمَرِ: ٧١] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غَافِرٍ: ٤٩، ٥٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [الْعَلَقِ: ١٧، ١٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ٢٧-٣١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: "يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، كُلُّ زِمَامٍ فِي يَدِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا" ١.
وَمِنْهُمُ الْمُوَكَّلُونَ بِالنُّطْفَةِ فِي الرَّحِمِ، كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: "حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ أَنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: يَكْتُبُ رِزْقَهُ
_________________
(١) ١ رواه مسلم "٤/ ٢١٨٤/ ح٢٨٤٢" في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
ومنهم حملة العرش والكروبيون
وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ" ١ الْحَدِيثَ. وَفِي بَابِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ كَثِيرٌ، وَفِيهَا "أَنَّ الْمَلَكَ يَقُولُ: يَا رَبِّ مُخَلَّقَةٌ أَوْ غَيْرُ مخلقة؟ أو توءم؟ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ مَا الرِّزْقُ وَمَا الْأَجَلُ؟ فَيَقْضِي اللَّهُ تَعَالَى مَا يَشَاءُ، فَيَكْتُبُ الْمَلَكُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ﷿ فَلَا يُغَيَّرُ وَلَا يُبَدَّلُ" ٢.
وَمِنْهُمْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ وَالْكَرُوبِيُّونَ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غَافِرٍ: ٧] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٧] وَمَفْهُومُ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أَنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لَيْسُوا الْيَوْمَ ثَمَانِيَةً، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "صَدَقَ أُمَيَّةُ بْنُ الصَّلْتِ فِي شَيْءٍ مِنْ شِعْرِهِ، فَقَالَ:
رَجُلٌ وَثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ وَالنَّسْرُ لِلْأُخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصَدُ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "صَدَقَ" فَقَالَ:
وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلَّ آخَرِ لَيْلَةٍ حَمْرَاءَ يُصْبِحُ لَوْنُهَا يَتَوَرَّدُ
تَأْبَى فَمَا تَطَلُعْ لَنَا فِي رِسْلِهَا إِلَّا مُعَذَّبَةً وَإِلَّا تُجْلَدُ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "صَدَقَ" ٣ وَهَذَا إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، لَكِنْ قَدْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا أَيْضًا ثَمَانِيَةٌ، وَهُوَ حَدِيثُ الْعِنَانِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ وَقَدْ
_________________
(١) ١ رواه البخاري "١١/ ٤٧٧" في القدر، باب في القدر، ومسلم "٤/ ٢٠٣٦/ ح٢٦٤٣" فيه، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه. ٢ البخاري "١١/ ٤٧٧" في القدر، باب في القدر، ومسلم "٤/ ٢٠٣٨/ ح٢٦٤٦" فيه، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، من حديث أنس بن مالك. ٣ رواه أحمد "١/ ٢٥٦" وأبو يعلى "المجمع ٨/ ١٣٠" والطبراني "١١/ ٢٣٣/ ح١١٥٩١" قلت: وقول المصنف: إسناده جيد ليس بجيد؛ ففيه محمد بن إسحاق وهو مدلس، وقد عنعن وبقية رجاله ثقات. وقوله: إسناده جيد هو من كلام ابن كثير في تفسيره "٤/ ٧٨".
[ ٢ / ٦٦٧ ]
تَقَدَّمَ فِي الْعُلُوِّ وَفِيهِ: "ثُمَّ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ بَيْنَ أَظْلَافِهِنَّ وَرُكَبِهِنَّ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ عَلَى ظُهُورِهِنَّ الْعَرْشُ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ اللَّهُ ﵎ فَوْقَ ذَلِكَ"١. وَلَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ أَنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ" ٢، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَابْنُ جُرَيْجٍ: ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ٣. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْكَرُوبِيُّونَ ثَمَانِيَةُ أَجْزَاءٍ، كُلُّ جُزْءٍ مِنْهُمْ بِعِدَّةِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالْمَلَائِكَةِ٤.
وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَأَرْجِعُ فَأَقِفُ مَعَ النَّاسِ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ وُقُوفٌ إِذْ سَمِعْنَا مِنَ السَّمَاءِ حِسًّا شَدِيدًا فَهَالَنَا، فَيَنْزِلُ أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِمِثْلَيْ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنَ الْأَرْضِ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِهِمْ وَأَخَذُوا مَصَافَّهُمْ وَقُلْنَا لَهُمْ: أَفِيكُمْ رَبُّنَا؟ قَالُوا: لَا وَهُوَ آتٍ ثُمَّ يَنْزِلُ أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ بِمِثْلَيْ مَنْ نَزَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَبِمِثْلَيْ مَنْ فِيهَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنَ الْأَرْضِ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِهِمْ وَأَخَذُوا مَصَافَّهُمْ وَقُلْنَا لَهُمْ: أَفِيكُمْ رَبُّنَا؟ فَيَقُولُونَ: لَا وَهُوَ آتٍ ثُمَّ يَنْزِلُونَ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّضْعِيفِ حَتَّى يَنْزِلَ الْجَبَّارُ ﷿ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ، فَيَحْمِلُ عَرْشَهُ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ وَهُمُ الْيَوْمَ أَرْبَعَةٌ، أَقْدَامُهُمْ فِي تُخُومِ الْأَرْضِ السُّفْلَى وَالْأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ إِلَى حُجَزِهِمْ وَالْعَرْشُ عَلَى مَنَاكِبِهِمْ، لَهُمْ زَجَلٌ فِي تَسْبِيحِهِمْ يَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ سُبْحَانَ الَّذِي يُمِيتُ الْخَلَائِقَ وَلَا يَمُوتُ. سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، سُبْحَانَ رَبِّنَا الْأَعْلَى رَبِّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه في العلو، وأن إسناده ضعيف. ٢ أبو داود "٤/ ٢٣٢/ ح٤٧٢٧" في الرد على الجهمية، وإسناده صحيح. ٣، ٤ ابن كثير "٤/ ٤٤٢".
[ ٢ / ٦٦٨ ]
ومنهم ملائكة سياحون، يتبعون مجالس الذكر
ومنهم الموكل بالجبال وزوار البيت المعمور وملائكة صفوف وقيام وركع وسجد
سُبْحَانَ رَبِّنَا الْأَعْلَى الَّذِي يُمِيتُ الْخَلَائِقَ وَلَا يَمُوتُ" ١ الْحَدِيثُ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَالْطَبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا.
وَمِنْهُمْ مَلَائِكَةٌ سَيَّاحُونَ يَتَّبِعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ ﷿ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ ﷿ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْهُمْ: "مَا يَقُولُ عِبَادِي"؟ قَالُوا: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ٢ الْحَدِيثُ تَقَدَّمَ فِي الْعُلُوِّ، وَقَالَ ﷺ: "وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السِّكِّينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وذكرهم الله فيمن عِنْدَهُ" ٣ الْحَدِيثُ بِطُولِهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَمِنْهُمُ الْمُوَكَّلُ بِالْجِبَالِ، وَقَدْ ثَبَتَ ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ خُرُوجِ النَّبِيِّ -ﷺ- إِلَى بَنِي عَبْدِ يَالِيلَ وَعَوْدِهِ مِنْهُمْ، وَفِيهِ قَوْلُ جِبْرِيلَ لَهُ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوهُ عَلَيْكَ، وَفِيهِ قَوْلُ مَلَكِ الْجِبَالِ: إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ ﷺ: "بَلِ اسْتَأْنِ بِهِمْ؛ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا" ٤.
وَفِيهِمْ زُوَّارُ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الَّذِي أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي كِتَابِهِ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ، وَهُوَ بَيْتٌ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ فِي الْأَرْضِ لَوْ سَقَطَ لَوَقَعَ عَلَيْهَا، حُرْمَتُهُ فِي السَّمَاءِ كَحُرْمَةِ الْكَعْبَةِ فِي الْأَرْضِ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ٥، يَعْنِي: لَا تُحَوَّلُ نَوْبَتُهُمْ لِكَثَرَتِهِمْ. وَالْحَدِيثُ بِأَلْفَاظِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
_________________
(١) ١ سيأتي بتمامه وكلام الأئمة عليه، وأن ألفاظه محفوظة بأحاديث صحيحة. ٢ رواه البخاري "١١/ ٢٠٨" في الدعوات، باب فضل ذكر الله ﷿، ومسلم "٤/ ٢٠٦٩/ ح٢٦٨٩" في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل مجالس الذكر، من حديث أبي هريرة. ٣ رواه مسلم "٤/ ٢٠٧٤/ ح٢٦٩٩" في الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر. ٤ رواه البخاري "٦/ ٣١٣" في بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين. ومسلم "٣/ ١٤٢٠/ ح١٧٩٥" في الجهاد والسير، باب اشتداد غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ. ٥ رواه البخاري "٦/ ٣٠٢، ٣٠٣" في بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، ومسلم "١/ ١٤٥-١٤٧/ ح ١٦٢" في الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات وفرض الصلوات.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
وَمِنْهُمْ مَلَائِكَةٌ صفوف لا يفتون، وَقِيَامٌ لَا يَرْكَعُونَ، وَرُكَّعٌ وَسُجَّدٌ لَا يَرْفَعُونَ، وَمِنْهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ٣١] .
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ. أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ. لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصَّعَدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى" فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ وَيُرْوَى عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَوْقُوفًا قُلْتُ: وَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، وَمِنْ أَيْنَ لِأَبِي ذَرٍّ ﵁ مِثْلُ هَذَا إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ١.
وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ قَالَ لَهُمْ: "هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ "؟ قَالُوا: مَا نَسْمَعُ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَسْمَعُ أَطِيطَ السَّمَاءِ وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ" ٢.
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَوْضِعٌ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ، وَذَلِكَ قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ " ٣.
وَعَنِ الْعَلَاءِ بْنِ سَعْدٍ وَقَدْ شَهِدَ الْفَتْحَ وَمَا بَعْدَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ يَوْمًا لِجُلَسَائِهِ:
_________________
(١) ١ رواه أحمد "٥/ ١٧٣" والترمذي "٤/ ٥٥٦/ ح٢٣١٢" في الزهد، باب قول النبي ﷺ: "لو تعلمون ما أعلم" وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه "٢/ ١٤٠٢/ ح٤١٩٠" في الزهد، باب الحزن والبكاء، والحاكم في المستدرك "٢/ ٥١٠" وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وسكت عليه الذهبي. وقلت: والحديث حسن إن شاء الله تعالى. ٢ أخرجه ابن نصر في الصلاة "ابن كثير ٤/ ٤٧٤" والسلسلة الصحيحة "ح١٠٦٠" بإسناد صحيح. ٣ أخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة "ابن كثير ٤/ ٤٧٤ والسلسلة الصحيحة ح١٠٥٩" وابن جرير "٢٢/ ١١٢" وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه "الدر المنثور ٧/ ١٣٥" وإسناده صالح للمتابعات ويشهد له الذي قبله.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
الركن الثالث الإيمان بكتب الله المنزلة
"هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ "؟ قَالُوا: وَمَا تَسْمَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، إِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ " ١.
وَعَنْ رَجُلٍ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَائِكَةً تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمْ مِنْ خِيفَتِهِ، ما مِنْهُمْ مَلَكٌ تَقْطُرُ مِنْهُ دمعة من عينه إِلَّا وَقَعَتْ عَلَى مَلَكٍ يُصَلِّي، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَلَائِكَةً سُجُودًا مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ وَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَلَائِكَةً رُكُوعًا لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ نَظَرُوا إِلَى وَجْهِ اللَّهِ ﷿ فَقَالُوا: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ" ٢. وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَهُوَ وَالَّذِي قَبْلَهُ أَخْرَجَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا "؟ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: "يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ" ٣. وَفِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورِ الْعَرْشِ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ" ٤.
[الْإِيمَانُ بِالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ]:
"وَ" الثَّالِثُ: الْإِيمَانُ "بِكُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ" عَلَى رُسُلِهِ "الْمُطَهَّرَةِ" مِنَ الْكَذِبِ وَالزُّورِ وَمِنْ كُلِّ بَاطِلٍ وَمِنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ
_________________
(١) ١ أخرجه محمد بن نصر المروزي في الصلاة "ابن كثير ٤/ ٤٧٥" وابن الأثير "أسد الغابة ٣/ ٥٧٣" وابن عساكر "الدر المنثور ٧/ ١٣٥" وابن منده وأبو نعيم، قال ابن كثير: إسناده غريب جدا. قلت: متنه يشهد له ما قبله. ٢ أخرجه ابن نصر المروزي "ابن كثير ٤/ ٤٧٥" وفيه عدي بن أرطأة قال ابن حجر: مقبول "إذا توبع، وإلا فلين". قلت: وثقه ابن حبان والدارقطني وروى عن عدة فإسناده حسن. وقوله: إسناده لا بأس به، هو قول ابن كثير في تفسيره "٤/ ٤٧٥". ٣ رواه مسلم "١/ ٣٢٢/ ح٤٣٠" في الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة. ٤ رواه مسلم "٤/ ٢٢٩٤/ ح٢٩٩٦" في الزهد والرقائق، باب في أحاديث متفرقة.
[ ٢ / ٦٧١ ]
﴿إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٣٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٨٤] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٣٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشُّورَى: ١٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التَّغَابُنِ: ٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غَافِرٍ: ٧٠] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٥] . وَمَعْنَى الْإِيمَانِ بِالْكُتُبِ التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ بِأَنَّ كُلَّهَا مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﷿ عَلَى رُسُلِهِ إِلَى عِبَادِهِ بِالْحَقِّ الْمُبِينِ وَالْهُدَى الْمُسْتَبِينِ، وَأَنَّهَا كَلَامُ اللَّهِ ﷿ لَا كَلَامَ غَيْرِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَكَلَّمَ بِهَا حَقِيقَةً كَمَا شَاءَ وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَرَادَ، فَمِنْهَا الْمَسْمُوعُ مِنْهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ بِدُونِ وَاسِطَةٍ، وَمِنْهَا مَا يَسْمَعُهُ الرَّسُولُ الْمَلَكِيُّ وَيَأْمُرُهُ بِتَبْلِيغِهِ مِنْهُ إِلَى الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشُّورَى: ٥١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٦٤]، ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٣]، ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٤]، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النَّجْمِ: ١٠]، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشُّورَى: ٥٢]، ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النَّحْلِ: ٢]، ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ وَمِنْهَا مَا خَطَّهُ بِيَدِهِ ﷿.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
الإيمان بكل ما فيها من الشرائع
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٥] .
وَالْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنَ الشَّرَائِعِ وَأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْأُمَمِ الَّذِينَ نَزَلَتْ إِلَيْهِمُ الصُّحُفُ الْأُولَى الِانْقِيَادُ لَهَا وَالْحُكْمُ بِمَا فِيهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٤-٤٩] .
وَإِنَّ جَمِيعَهَا يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا لَا يُكَذِّبُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْإِنْجِيلِ: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٦] وَقَالَ فِي الْقُرْآنِ: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٨] .
وَإِنَّ كُلَّ مَنْ كَذَّبَ بِشَيْءٍ مِنْهَا أَوْ أَبَى عَنِ الِانْقِيَادِ لَهَا مَعَ تَعَلُّقِ خِطَابِهِ بِهِ، يَكْفُرُ بِذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٤٠] .
وَأَنَّ نَسْخَ الْكُتُبِ الْأُولَى بَعْضِهَا بِبَعْضٍ حَقٌّ، كَمَا نُسِخَ بَعْضُ شَرَائِعِ التَّوْرَاةِ
[ ٢ / ٦٧٣ ]
بِالْإِنْجِيلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي عيسى ﵇: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٤٨-٥٠]، وَكَمَا نُسِخَ كَثِيرٌ مِنْ شَرَائِعِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٦-١٥٨] الْآيَةَ.
وَأَنَّ نَسْخَ الْقُرْآنِ بَعْضَ آيَاتِهِ بِبَعْضِ حَقٌّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٠٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١٠١] الْآيَاتِ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٦٦]، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الْأَنْفَالِ: ٦٥] . وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ آيَاتٌ مَشْهُورَاتٌ مَذْكُورَاتٌ فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَغَيْرِهَا.
وَأَنَّهُ لَا يَأْتِي كِتَابٌ بَعْدَهُ وَلَا مُغَيِّرَ وَلَا مُبَدِّلَ لِشَيْءٍ مِنْ شَرَائِعِهِ بَعْدَهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ الْخُرُوجُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِهِ وَأَنَّ مَنْ كَذَّبَ بِشَيْءٍ مِنْهُ مِنَ الْأُمَمِ الْأُولَى
[ ٢ / ٦٧٤ ]
الركن الرابع الإيمان برسل الله
فَقَدْ كَذَّبَ بِكِتَابِهِ، كَمَا أَنَّ مَنْ كَذَّبَ بِمَا أَخْبَرَ عَنْهُ الْقُرْآنُ مِنَ الْكُتُبِ فَقَدْ كَذَّبَ بِهِ، وَأَنَّ مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِ وَلَمْ يَقْتَفِ أَثَرَهُ ضَلَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١-٣] .
ثُمَّ الْإِيمَانُ بِكُتُبِ اللَّهِ ﷿ يَجِبُ إِجْمَالًا فِيمَا أَجْمَلَ وَتَفْصِيلًا فِيمَا فَصَّلَ، فَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى مِنْ كُتُبِهِ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَالْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى وَالزَّبُورَ عَلَى دَاوُدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٦٣] وَالْقُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَذَكَرَ صُحُفَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ التَّنْزِيلِ عَلَى رُسُلِهِ مُجْمَلًا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النِّسَاءِ: ١٣٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٣٦] وَقَالَ: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشُّورَى: ١٥] فَنَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا رَبُّنَا ﷿: آمَنَّا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَمَا أَرْسَلَ مِنْ رَسُولٍ، وَقَالَ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الْحَشْرِ: ٧]، ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٧] .
فَلَا بُدَّ فِي الْإِيمَانِ بِهِ مِنَ امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ مَنَاهِيهِ وَتَحْلِيلِ حَلَالِهِ وَتَحْرِيمِ حَرَامِهِ وَالِاعْتِبَارِ بِأَمْثَالِهِ وَالِاتِّعَاظِ بِقَصَصِهِ وَالْعَمَلِ بِمُحْكَمِهِ وَالتَّسْلِيمِ لِمُتَشَابِهِهِ وَالْوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِهِ وَتِلَاوَتِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالذَّبِّ عَنْهُ لِتَحْرِيفِ الغالين وانتحال المبطلين وَالنَّصِيحَةِ لَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بِجَمِيعِ مَعَانِيهَا، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا كُلَّ ذَلِكَ وَيُوَفِّقَنَا لَهُ وَيُعِينَنَا عَلَيْهِ وَيُثَبِّتَنَا بِهِ وَجَمِيعَ إِخْوَانِنَا الْمُسْلِمِينَ إِنَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.
[الْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ]:
"وَ" الرَّابِعُ الْإِيمَانُ "بِرُسُلِهِ" وَهُمْ كُلُّ مَنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ وَأُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ، أَمَّا مَنْ
[ ٢ / ٦٧٥ ]
أُوحِيَ إِلَيْهِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّبْلِيغِ فَهُوَ نَبِيٌّ فَقَطْ وَلَيْسَ بِرَسُولٍ، فَكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ وَلَا كُلُّ نَبِيٍّ رَسُولٌ.
"الْهُدَاةُ" جَمْعُ هَادٍ وَالْمُرَادُ بِهِ: هِدَايَةُ الدَّعْوَةِ وَالدَّلَالَةِ وَالْإِرْشَادِ إِلَى سَبِيلِ الْهُدَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرَّعْدِ: ٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشُّورَى: ٥٢، ٥٣] .
وَأَمَّا هِدَايَةُ التَّوْفِيقِ وَالتَّسْدِيدِ وَالتَّثْبِيتِ فَلَيْسَتْ إِلَّا بِيَدِ اللَّهِ ﷿، هُوَ مُقَلِّبُ الْقُلُوبِ وَمُصَرِّفُ الْأُمُورِ، لَيْسَ لِمَلَكٍ مقرب ولا لنبي مُرْسَلٍ تَصْرِيفٌ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا فَضْلًا عَمَّنْ دُونَهُمَا؛ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٧٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الْقَصَصِ: ٥٦] .
وَالْإِيمَانُ بِرُسُلِ اللَّهِ ﷿ مُتَلَازِمٌ، مَنْ كَفَرَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَبِجَمِيعِ الرُّسُلِ ﵈، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٥٠-١٥٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٣٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٩١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا
[ ٢ / ٦٧٦ ]
بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الصَّفِّ: ٧، ٦] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٨١، ٨٢] .
وَمَعْنَى الْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ هُوَ التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَالْكُفْرُ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ، وَأَنَّ جَمِيعَهُمْ صَادِقُونَ مُصَدِّقُونَ بَارُّونَ رَاشِدُونَ كِرَامٌ بَرَرَةٌ أَتْقِيَاءُ أُمَنَاءُ هُدَاةٌ مُهْتَدُونَ، وَبِالْبَرَاهِينِ الظَّاهِرَةِ وَالْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ مِنْ رَبِّهِمْ مُؤَيِّدُونَ، وَأَنَّهُمْ بَلَّغُوا جَمِيعَ مَا أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ، لَمْ يَكْتُمُوا مِنْهُ حَرْفًا وَلَمْ يُغَيِّرُوهُ وَلَمْ يَزِيدُوا فِيهِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ حَرْفًا وَلَمْ يَنْقُصُوهُ، فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ.
وَأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ وَالْهُدَى الْمُسْتَبِينِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَاتَّخَذَ مُحَمَّدًا -ﷺ- خَلِيلًا، وَكَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَرَفَعَ إِدْرِيسَ مَكَانًا عَلِيًّا، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَضَّلَ بَعْضَهُمْ على بعض ورفع بعضهم عَلَى بَعْضٍ دَرَجَاتٍ.
وَقَدِ اتَّفَقَتْ دَعْوَتُهُمْ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ فِي أَصْلِ الدِّينِ وَهُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ ﷿، بِإِلَهِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَنَفْيُ مَا يُضَادُّ ذَلِكَ أَوْ يُنَافِي كَمَالَهُ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي تَقْرِيرِ تَوْحِيدِ الطَّلَبِ وَالْقَصْدِ. وَأَمَّا فُرُوعُ الشَّرَائِعِ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَقَدْ تَخْتَلِفُ فَيَفْرِضُ عَلَى هَؤُلَاءِ مَا لَا يَفْرِضُ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَيُخَفِّفُ عَلَى هَؤُلَاءِ مَا شَدَّدَ عَلَى أُولَئِكَ، وَيُحَرِّمُ عَلَى أُمَّةٍ مَا يُحِلُّ لِلْأُخْرَى، وَبِالْعَكْسِ لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ وَغَايَةٍ مَحْمُودَةٍ قَضَاهَا رَبُّنَا ﷿؛ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ .
[ ٢ / ٦٧٧ ]
وأول رسل الله نوح وخاتمهم محمد ﷺ
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مِنْهُمْ آدَمَ وَنُوحًا وَإِدْرِيسَ وَهُودًا وَصَالِحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَيُوسُفَ وَلُوطًا وَشُعَيْبًا وَيُونُسَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَإِلْيَاسَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ، وَذَكَرَ الْأَسْبَاطَ جُمْلَةً، وَعِيسَى وَمُحَمَّدًا، وَقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَنْبَائِهِمْ وَنَبَّأَنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَعِبْرَةٌ وَمَوْعِظَةٌ، إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا ثُمَّ قَالَ: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٦٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غَافِرٍ: ٧٨] فَنُؤْمِنُ بِجَمِيعِهِمْ تَفْصِيلًا فِيمَا فَصَّلَ، وَإِجْمَالًا فِيمَا أَجْمَلَ.
أَوَّلُهُمْ نُوحٌ بِلَا شَكٍّ كَمَا أَنَّ مُحَمَّدًا لَهُمْ قَدْ خَتَمَا
"أَوَّلُهُمْ" يَعْنِي: أَوَّلَ الرُّسُلِ ﵈ "نُوحٌ بِلَا شَكٍّ" وَهُوَ نُوحُ بْنُ لَامَكَ بْنِ مَتُّوشَلَخَ بْنِ أَخْنُوخَ بْنِ يَرْدَ بْنِ مَهْلَايِيلَ بْنِ قَايِنَ بْنِ أَنُوشَ بْنِ شِيثِ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ١. وَالْمَعْنَى: أَنَّ نُوحًا أَوَّلُ الرُّسُلِ وَالنَّبِيِّينَ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النِّسَاءِ: ١٦٣] لِأَنَّ أُمَّتَهُ أَوَّلُ مَنِ اخْتَلَفَ وَغَيَّرَ وَبَدَّلَ وَكَذَّبَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [غَافِرٍ: ٥] وَإِلَّا فَآدَمُ قَبْلَهُ كَانَ نَبِيًّا رَسُولًا، وَكَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً عَلَى دِينِهِ وَدِينِ وَصِيَّةِ شِيثٍ ﵇ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمْ ﵃ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١٣] الْآيَةَ، قَالُوا: كَانَ بَيْنَ نُوحٍ وَآدَمَ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْحَقِّ، فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ٢ "كَمَا أَنَّ مُحَمَّدًا" ﷺ "لَهُمْ" أَيْ لِلرُّسُلِ "قَدْ خَتَمَا" فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ
_________________
(١) ١ الله أعلم بصحة هذا، فلا نقل له من طريق صحيح يعتد بها. ٢ أخرجه البزار "كشف الأستار ٣/ ٤١" وابن جرير "٢/ ٣٣٤" والحاكم في المستدرك "٢/ ٤٤٢" وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم "الدر المنثور ١/ ٥٨٢" وقد تقدم.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
وخمسة منهم من أولي العزم
النَّبِيِّينَ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٤٠] وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْمَتْنِ.
وَخَمْسَةٌ مِنْهُمْ أولو العزم الألى فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ وَالشُّورَى تَلَا
"وَخَمْسَةٌ مِنْهُمْ" أَيْ: مِنَ الرُّسُلِ "أُولُو" أَيْ: أَصْحَابِ "الْعَزْمِ" يَعْنِي: الْجَزْمَ وَالْجِدَّ وَالصَّبْرَ وَكَمَالَ الْعَقْلِ، وَلَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ رَسُولٍ إِلَّا وَهَذِهِ الصِّفَاتُ فِيهِ مُجْتَمِعَةٌ، غَيْرَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةَ أَصْحَابُ الشَّرَائِعِ الْمَشْهُورَةِ كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ فِيهِمْ أَكْمَلَ وَأَعْظَمَ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ لِذَا خُصُّوا بِالذِّكْرِ "فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ" يَعْنِي: قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٧] فَذَكَرَ تَعَالَى أَخْذَهُ الْمِيثَاقَ عَلَى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ جُمْلَةً، وَنَصَّ مِنْهُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ: مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُوَ خَاتَمُهُمْ، وَنُوحٍ وَهُوَ فَاتِحُهُمْ، وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَهُمْ بَيْنَهُمَا "وَ" كَذَا ذَكَرَهُمْ عَلَى وَجْهِ التَّخْصِيصِ فِي سُورَةِ "الشُّورَى" إِذْ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشُّورَى: ١٣] .
وَهَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ هُمُ الَّذِينَ يَتَرَاجَعُونَ الشَّفَاعَةَ بَعْدَ أَبِيهِمْ آدَمَ ﵇ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ -ﷺ- فَيَقُولُ: "أَنَا لَهَا" كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٧] الْآيَةَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "كُنْتُ أَوَّلَ النَّبِيِّينَ فِي الْخَلْقِ، وَآخِرَهُمْ فِي الْبَعْثِ، فَبَدَأَ بِي قَبْلَهُمْ"١ وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَيُرْوَى مُرْسَلًا وَمَوْقُوفًا عَلَى قَتَادَةَ، وَلِلْبَزَّارِ عَنْهُ ﵁ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ قَالَ: "خِيَارُ وَلَدِ آدَمَ خَمْسَةٌ: نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ" ٢ ﷺ
_________________
(١) ١ ابن أبي حاتم "ابن كثير ٣/ ٤٧٨" وأبو نعيم في الدلائل "ح٣" والديلمي "الفردوس ح٤٨٥٠" وأخرجه الحسن بن سفيان وابن مردويه وابن عساكر "الدر المنثور ٦/ ٥٧٠" وإسناده ضعيف، فيه عنعنة الحسن البصري وسعيد بن بشير وهو ضعيف، ورواية الإرسال عند ابن سعد "١/ ١٤٩". ٢ رواه البزار "كشف الأستار ٣/ ١١٤". قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح "المجمع ٨/ ٢٥٨". قلت: هو كما قال، وفيه حمزة الزيات ربما وهم.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَخَيْرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ أُولِي الْعَزْمِ هُمْ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَمَنْ وَافَقَهُمَا وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالْجِهَادِ وَأَظْهَرُوا الْمُكَاشَفَةَ مَعَ أَعْدَاءِ الدِّينِ، وَقِيلَ: هُمْ سِتَّةٌ: نُوحٌ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَلُوطٌ وَشُعَيْبٌ وَمُوسَى ﵈، وَهُمُ الْمَذْكُورُونَ عَلَى النَّسَقِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَهُودٍ وَالشُّعَرَاءِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُمْ سِتَّةٌ: نُوحٌ صَبَرَ عَلَى أَذَى قَوْمِهِ وَإِبْرَاهِيمُ صَبَرَ على النار وإسحاق صَبَرَ عَلَى الذَّبْحِ وَيَعْقُوبُ صَبَرَ عَلَى فَقْدِ وَلَدِهِ وَذَهَابِ بَصَرِهِ وَيُوسُفُ صَبَرَ عَلَى الْبِئْرِ وَالسِّجْنِ وَأَيُّوبُ صَبَرَ عَلَى الضُّرِّ.
قُلْتُ: وَقَوْلُهُ: إِسْحَاقُ صَبَرَ عَلَى الذَّبْحِ هُوَ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ أَوْ مَرْدُودٌ، وَإِنَّمَا كَانَ الذَّبِيحُ إِسْمَاعِيلَ ﵇، كما في سورتي الصَّافَّاتِ وَهُودٍ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كُلُّ الرُّسُلِ كَانُوا أُولِي عَزْمٍ، لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا كَانَ ذا عزم وجزم وَرَأْيٍ وَكَمَالِ عَقْلٍ، وَإِنَّمَا أُدْخِلَتْ مِنْ لِلتَّجْنِيسِ لَا لِلتَّبْعِيضِ كَمَا يُقَالُ: اشْتَرَيْتُ أَكْسِيَةً مِنَ الْخَزِّ وَأَرْدِيَةً مِنَ الْبَزِّ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُمْ نُجَبَاءُ الرُّسُلِ الْمَذْكُورُونَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٠] .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: ظَلَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَائِمًا ثُمَّ طَوَاهُ ثُمَّ ظَلَّ صَائِمًا ثُمَّ طَوَاهُ ثُمَّ ظَلَّ صَائِمًا ثُمَّ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ إِنَّ الدُّنْيَا لَا تَنْبَغِي لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ. يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَكْرُوهِهَا وَالصَّبْرِ عَلَى مَحْبُوبِهَا، ثُمَّ لَمْ يَرْضَ مِنِّي أَنْ يُكَلِّفَنِي مَا كَلَّفَهُمْ فَقَالَ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٣٥] وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَصْبِرَنَّ كَمَا صَبَرُوا جُهْدِي، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ"١.
_________________
(١) ١ ابن أبي حاتم "ابن كثير ٤/ ١٨٥" والديلمي "ح٨٦٢٨" وسنده ضعيف فيه مجالد بن سعيد، ليس بالقوي وتغير بأخرة. والسري بن حيان ترجمه ابن أبي حاتم وسكت عنه.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
[الْإِيمَانُ بِالْمَعَادِ وَقِيَامِ السَّاعَةِ]:
وَبِالْمَعَادِ أَيْقَنَ بِلَا تَرَدُّدٍ وَلَا ادِّعَا عِلْمٍ بِوَقْتِ الْمَوْعِدِ
لَكِنَّنَا نُؤْمِنُ مِنْ غَيْرِ امْتِرَا بِكُلِّ مَا قَدْ صَحَّ عَنْ خَيْرِ الْوَرَى
مِنْ ذِكْرِ آيَاتٍ تَكُونُ قَبْلَهَا وَهِيَ عَلَامَاتٌ وَأَشْرَاطٌ لَهَا
"وَبِالْمَعَادِ" وَهُوَ الْمَرَدُّ إِلَى اللَّهِ ﷿ وَالْإِيَابُ إِلَيْهِ "أَيْقَنَ" اسْتَيْقَنَ بِذَلِكَ يَقِينًا جَازِمًا "بِلَا تَرَدُّدٍ" هَذَا هُوَ الرُّكْنُ الْخَامِسُ مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ الْإِيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا يَدْخُلُ فِيهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٧] الْآيَةَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٦٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٧-٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [النِّسَاءِ: ٣٨، ٣٩] الْآيَاتَ.
[ ٢ / ٦٨١ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النِّسَاءِ: ٨٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشُّورَى: ٢٠] الْآيَةَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النَّمْلِ: ٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الْحِجْرِ: ٨٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه: ١٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الْحَجِّ: ٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النَّمْلِ: ٧١-٧٢] وَقَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٣٠] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ٢٨، ٢٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هُودٍ: ١٠٣، ١٠٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لُقْمَانَ: ٣٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فَاطِرٍ: ٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٣٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النَّحْلِ: ١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [غَافِرٍ: ٥٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ
[ ٢ / ٦٨٢ ]
بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [الْمَعَارِجِ: ٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٨٣] الْآيَاتِ، وَقَالَ: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ١] إِلَخْ السُّورَةِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٧] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ١-٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٧-١٥] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ وَالَّتِي تَلِيهَا وَالَّتِي تَلِيهَا وَالَّتِي تَلِيهَا وَالَّتِي تَلِيهَا وَالَّتِي تَلِيهَا وَالَّتِي تَلِيهَا والتي تليها وَالَّتِي تَلِيهَا وَغَيْرِهَا مِنَ الْآيَاتِ بَلْ وَغَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَزِيدُ نُصُوصٍ فِي اللِّقَاءِ وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ.
"وَ" بِـ "لَا ادِّعَا" بِالْقَصْرِ لِلْوَزْنِ، وَهُوَ مَصْدَرُ: ادَّعَى يَدَّعِي ادِّعَاءً "عَلِمَ" بِوَقْتِ الْمَوْعِدِ مَتَى هُوَ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ مَفَاتِحِ الْغَيْبِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ ﷿، قال الله تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] الْآيَةَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٨٧] وَالَّتِي بَعْدَهَا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٤٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لُقْمَانَ: ٣٤] الْآيَةَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٧] الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ
[ ٢ / ٦٨٣ ]
يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٣٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٦٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشُّورَى: ١٧، ١٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الملك: ٢٥-٢٧] وقال الله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النَّازِعَاتِ: ٤٢-٤٦] وَغَيْرِهَا مِنَ الآيات.
وتقدم في حَدِيثُ جِبْرِيلَ الْمَشْهُورِ قَوْلُهُ ﵇ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ؟ قال: "ما المسئول عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ" ١ الْحَدِيثَ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ ﷿: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" ٢.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ٣.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَنَادَاهُ بِصَوْتٍ جَهُورِيٍّ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَاؤُمُ" عَلَى نَحْوِ مَا صَوْتُهُ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَتَى
_________________
(١) ١ تقدم ذكره. ٢ رواه أحمد "٥/ ٣٥٣" والبزار "كشف الأستار ٣/ ٦٥" وأخرجه ابن مردويه والروياني والضياء بسند صحيح "الدر المنثور ٦/ ٥٣١" وهو في البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة. ٣ رواه البخاري "٨/ ٥١٣" في تفسير سورة لقمان، باب ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ .
[ ٢ / ٦٨٤ ]
السَّاعَةُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَيْحَكَ إِنَّ السَّاعَةَ آتِيةٌ فَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا"؟ قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" فَمَا فَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بشيء فرحهم بهدا الْحَدِيثِ١. فَفِيهِ أَنَّهُ ﵊ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ هَذَا الَّذِي لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى عِلْمِهِ أَرْشَدَهُمْ إِلَى مَا هُوَ الْأَهَمُّ فِي حَقِّهِمْ وَهُوَ الِاسْتِعْدَادُ لِوُقُوعِ ذَلِكَ وَالتَّهَيُّؤُ لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا تَعْيِينَ وَقْتِهِ.
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتِ الْأَعْرَابُ إِذَا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- سَأَلُوهُ عَنِ السَّاعَةِ مَتَى السَّاعَةُ، فَيَنْظُرُ إِلَى أَحْدَثِ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ فَيَقُولُ: "إِنْ يَعِشْ هَذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ" ٢، يَعْنِي بِذَلِكَ مَوْتَهُمِ الَّذِي يُفْضِي بِهِمْ إِلَى الْحُصُولِ فِي بَرْزَخِ الدَّارِ الْآخِرَةِ.
وَلَهُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ السَّاعَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنْ يَعِشْ هَذَا الْغُلَامُ فَعَسَى أَنْ لَا يُدْرِكَهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ" ٣. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُنَيْهَةً، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى غُلَامٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مَنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ فَقَالَ: "إِنَّ عُمَرَ هَذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ" قَالَ أَنَسٌ: ذَلِكَ الْغُلَامُ مِنْ أَتْرَابِي٤. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ غُلَامٌ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَكَانَ مِنْ أَتْرَابِي فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
_________________
(١) ١ رواه أحمد "٤/ ٢٣٩" والترمذي "٥/ ٥٤٥، ٥٤٦/ ح٣٥٣٥ و٣٥٣٦" في الدعوات، باب فضل التوبة والاستغفار. والنسائي "١/ ٨٣ و٨٤" في الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين للمسافر. وأخرجه ابن ماجه مختصرا "١/ ٨٢/ ح٢٢٦" في المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم. وابن خزيمة "١/ ٩٧/ ح١٩٣" وابن حبان "موارد، ح١٨٦" وأخرجه الشافعي والدارقطني والبيهقي كلهم من حديث صفوان بن عسال ﵁، وهو صحيح. قلت: قول المصنف "وفي الصحيحين" وهم منه ﵀، فما أخرجاه ولا أحدهما، والذي في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري ﵄ قوله ﷺ: "المرء مع من أحب" فقط دون ذكر القصة. ٢ رواه البخاري "١١/ ٣٦١" في الرقاق، باب سكرات الموت، ومسلم "٤/ ٢٢٦٩/ ح٢٩٥٢" في الفتن وأشراط الساعة، باب قرب الساعة. ٣ رواه مسلم "٤/ ٢٢٦٩/ ح٢٩٥٣" في الفتن وأشراط الساعة، باب قرب الساعة. ٤ رواه مسلم "٤/ ٢٢٧٠/ ح٢٩٥٣" في الفتن وأشراط الساعة، باب قرب الساعة.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
"إِنْ يُؤَخَّرْ هَذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ" ١.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ قَائِمَةٌ؟ قَالَ: "وَيْلَكَ وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا"؟ قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ: "إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ" فَقُلْنَا: وَنَحْنُ كَذَلِكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ" فَفَرِحْنَا يَوْمَئِذٍ فَرَحًا شَدِيدًا فَمَرَّ غُلَامٌ لِلْمُغِيرَةِ وَكَانَ مِنْ أَقْرَانِي فَقَالَ: "إِنْ أُخِّرَ هَذَا فَلَنْ يُدْرِكَهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ" ٢. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَذَا الْإِطْلَاقُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مَحْمُولٌ عَلَى التَّقْيِيدِ بِسَاعَتِكُمْ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا٣. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ: "تَسْأَلُونَ عَنِ السَّاعَةِ وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَأَقْسَمَ بِاللَّهِ مَا عَلَى وَجْهِ ظَهْرِ الْأَرْضِ الْيَوْمَ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ" ٤ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَإِنَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- انْخِرَامَ ذَلِكَ الْقَرْنِ٥.
وَرَوَى أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَقِيتُ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِي إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى، فتذاكروا أَمْرَ السَّاعَةِ قَالَ: فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهَا، فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهَا، فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى عِيسَى فَقَالَ عِيسَى: أَمَّا وَجْبَتُهَا فَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ ﷿، وَفِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي ﷿ أَنَّ الدَّجَّالَ خَارِجٌ، قَالَ: وَمَعِي قَضِيبَانِ، فَإِذَا رَآنِي ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ، وَقَالَ: فَيُهْلِكُهُ اللَّهُ ﷿ ثُمَّ
_________________
(١) ١ رواه مسلم "٤/ ٢٢٧٠/ ح٢٩٥٣" في الفتن وأشراط الساعة، باب قرب الساعة. ٢ رواه البخاري "١٠/ ٥٥٣" في الأدب، باب ما جاء في قول الرجل: "ويلك". ٣ ابن كثير في تفسيره "٢/ ١٠٦". ٤ رواه مسلم "٤/ ١٩٦٦/ ح٢٥٣٨" في فضائل الصحابة، باب قوله ﷺ: "لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم". ٥ رواه البخاري "١/ ٢١١" في العلم، باب السمر في العلم، ومسلم "٤/ ١٩٦٥/ ح٢٥٣٧" في فضائل الصحابة، باب قوله ﷺ: "لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم".
[ ٢ / ٦٨٦ ]
يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَى بِلَادِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ يَخْرُجُ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فَيَطَئُونَ بِلَادَهُمْ لَا يَأْتُونَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا أَهْلَكُوهُ، وَلَا يَمُرُّونَ عَلَى مَاءٍ إِلَّا شَرِبُوهُ قَالَ: ثُمَّ يَرْجِعُ النَّاسُ إلي فيشكونهم، فأدعو الله ﷿ عَلَيْهِمْ فَيُهْلِكُهُمْ وَيُمِيتُهُمْ، حَتَّى تَجْوَى الْأَرْضُ مِنْ نَتَنِ رِيحِهِمْ أَيْ: تُنْتِنُ، قَالَ: فَيُنَزِّلُ اللَّهُ ﷿ الْمَطَرَ فَيَجْتَرِفُ أَجْسَادَهُمْ حَتَّى يَقْذِفَهُمْ فِي الْبَحْرِ" قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: "ثُمَّ تَنْسِفُ الْجِبَالَ وَتُمَدُّ الْأَرْضُ مَدَّ الْأَدِيمِ" ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ هُشَيْمٍ قَالَ: "فَفِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي ﷿ أَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّ السَّاعَةَ كَالْحَامِلِ الْمُتِمِّ لَا يَدْرِي أهلها متى تفجؤهم بِوِلَادَتِهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا" ١ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِنَحْوِهِ. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَؤُلَاءِ أَكَابِرُ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ لَيْسَ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ بِوَقْتِ السَّاعَةِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَإِنَّمَا رَدُّوا الْأَمْرَ إِلَى عِيسَى ﵇ فَتَكَلَّمَ عَلَى أَشْرَاطِهَا؛ لِأَنَّهُ يَنْزِلُ فِي آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُنَفِّذًا لأحكام رسول الله ﷺ، ويقتل المسيح الدجال ويجعل الله هلاك يأجوج ومأجوج بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ، فَأَخْبَرَ بِمَا أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ٢.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ السَّاعَةِ فَقَالَ: "عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ، وَلَكِنْ سَأُخْبِرُكُمْ بِمَشَارِيطِهَا وَمَا يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهَا: إِنَّ بَيْنَ يَدَيْهَا فِتْنَةً وَهَرَجًا" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْفِتْنَةُ قَدْ عَرَفْنَاهَا فَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: "الْقَتْلُ -قَالَ- وَيُلْقَى بَيْنَ النَّاسِ التَّنَاكُرُ فَلَا يَكَادُ أَحَدُهُمْ يَعْرِفُ أَحَدًا" ٣.
وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَزَالُ يَذْكُرُ مِنْ
_________________
(١) ١ رواه أحمد "١/ ٣٧٥" وابن ماجه "٢/ ١٣٦٥/ ح٤٠٨١" وقال الهيثمي: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، مؤثر بن مفازة ذكره ابن حبان في الثقات وباقي رجال الإسناد ثقات، ورواه الحاكم في المستدرك "٤/ ٤٨٨، ٤٨٩" وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. قال الحاكم: مؤثر بن مفازة روى عن جماعة من التابعين، فحديثه حسن إن شاء الله تعالى. ٢ في تفسيره "٢/ ٢٨٤". ٣ رواه أحمد "٥/ ٣٨٩" قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح "المجمع ٧/ ٣١٢". قلت: رجال مسلم إذ عبيد الله بن إياد وأبوه لم يرو لهما البخاري إلا في الأدب المفرد.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
شَأْنِ السَّاعَةِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النَّازِعَاتِ: ٤٢] الْآيَةَ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ١. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَهَذَا النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ سَيِّدُ الرُّسُلِ وَخَاتَمُهُمْ مُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ وَالْعَاقِبُ وَالْمُقَفَّى وَالْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيْهِ مَعَ قَوْلِهِ فِيمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ، مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَسُهَيْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ" وَقَرَنَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ: السَّبَّابَةِ وَالَّتِي تَلِيهَا٢. وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ قَدْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَرُدَّ عِلْمَ وَقْتِ الساعة إليه، إذ سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ. . . وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] ا. هـ.
[الْإِيمَانُ بِأَمَارَاتِ السَّاعَةِ]:
"وَلَكِنَّنَا نُؤْمِنُ" وَنُصَدِّقُ "مِنْ غَيْرِ امْتِرَا" مِنْ غَيْرِ شَكِّ "بِكُلِّ مَا قَدْ صَحَّ" سَنَدُهُ وَصَرُحَ لَفْظُهُ "عَنْ خَيْرِ الْوَرَى" نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ -ﷺ- الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يوحى "من ذكر آيات" أَمَارَاتٍ "تَكُونُ" تَقَعُ "قَبْلَهَا" قَبْلَ السَّاعَةِ "وَهِيَ" أَيْ: تِلْكَ الْأَمَارَاتُ "عَلَامَاتٌ" لِمَجِيءِ السَّاعَةِ وَقُرْبِهَا وَدُنُوِّهَا "وَأَشْرَاطٌ لَهَا" أَيْ: لِاقْتِرَابِهَا.
وَقَدْ أَشَارَ الْقُرْآنُ إِلَى قُرْبِهَا وَدُنُوِّهَا وَكَثِيرٌ مِنْ عَلَامَاتِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النَّحْلِ: ١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١] الْآيَاتِ.
_________________
(١) ١ رواه النسائي في الكبرى عن أحمد بن سليمان، عن مؤمل بن الفضل، عن عيسى بن يونس، عن إسماعيل عنه به "تحفة الأشراف ٤/ ٢٠٨" وطارق بن شهاب رأى النبي -ﷺ- ولم يسمع منه. قال ابن كثير: إسناده جيد قوي. ٢ رواه البخاري "١١/ ٣٤٧" في الرقاق، باب قول النبي ﷺ: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، ومسلم "٤/ ٢٢٦٨/ ح٢٩٠١" في الفتن وأشراط الساعة، باب قرب الساعة. وقول ابن كثير هذا في تفسيره "٢/ ٢٨٤".
[ ٢ / ٦٨٨ ]
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أن بعثه نبينا -ﷺ- مِنْ أَشْرَاطِهَا، كَمَا قَالَ ﷿: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى أَزِفَتِ الْآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النَّجْمِ: ٥٦، ٥٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [الْقَمَرِ: ١] الْآيَاتِ.
وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ مِنْ مُعْجِزَاتِ نَبِيِّنَا بِمَكَّةَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَذَكَرَ تَعَالَى مِنْ كِبَارِ أَشْرَاطِهَا الدُّخَانَ وَنُزُولَ عِيسَى لِقَتْلِ الدَّجَّالِ وَخُرُوجَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَخُرُوجَ دَابَّةِ الْأَرْضِ وَغَيْرَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدُّخَانِ: ١٠] الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِ عِيسَى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٥٨، ١٥٩] .
وَقَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الْكَهْفِ: ٩٢-٩٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٦] الْآيَاتِ.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النَّمْلِ: ٨٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨] .
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَكَثِيرَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَى اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ وَتَبَايُنِ طُرُقِهِ ذِكْرُهُ ﷺ مِنْ أَمَارَاتِهَا: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﷺ: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ" وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى١. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَقَامًا مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ٢.
وَفِيهِ عَنْ أَبِي زَيْدٍ عَمْرِو بْنِ أَخْطَبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: "صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظَّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرُبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ فَأَعْلَمَنَا أَحَفَظَنَا"٣.
وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ، يَقْتَتِلُ النَّاسُ عَلَيْهِ فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، ويقول كل
_________________
(١) ١ تقدم ذكره قبل قليل. ٢ رواه البخاري "١١/ ٤٩٤" في القدر، باب ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، ومسلم "٤/ ٢٢١٥/ ح٢٨٩١" في الفتن، باب إخبار النبي ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة. ٣ رواه مسلم "٤/ ٢٢١٦/ ح٢٨٩٢" في الفتن، باب إخبار النبي ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
رَجُلٍ مِنْهُمْ لَعَلِّي أَكُونُ أَنَا الَّذِي أَنْجُو ". وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا " ١. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ - أَوْ بِدَابَقَ - فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتِ الرُّومُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَيَّبُوا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ، فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لَا وَاللَّهِ لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا فَيُقَاتِلُونَهُمْ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَيُقْتَلُ ثُلُثٌ هُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ، وَيَفْتَتِحُ الثُّلْثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ إِذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ ٢ قَدْ خَلَّفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ، فَيَخْرُجُونَ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ فَإِذَا جَاءُوا الشَّامَ خَرَجَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ فَيَأُمُّهُمْ فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ فَلَوْ تَرَكَهُ لَانْذَابَ حَتَّى يَهْلَكَ، وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ " ٣. وَالْأَعْمَاقُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: بَلَدٌ بَيْنَ حَلَبَ وَأَنْطَاكِيَةَ مَصَبُّ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ لَا تَجِفُّ إِلَّا صَيْفًا وَهُوَ الْعُمْقُ جَمْعٌ بِأَجْزَائِهِ ٤ اهـ. وَقَالَ أَيْضًا: دَابَقُ كَصَاحَبَ وَهَاجَرَ قَرْيَةٌ بِحَلَبَ، وَفِي الْأَصْلِ اسْمُ نَهْرٍ، وَدُوَيْبِقٌ قَرْيَةٌ بِقُرْبِهَا ٥.
وَفِيهِ عَنْ يُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: هَاجَتْ رِيحٌ حَمْرَاءُ بِالْكُوفَةِ فَجَاءَ رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ هِجِّيرِيٌّ إِلَّا " يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ جَاءَتِ السَّاعَةُ " قَالَ فَقَعَدَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى لَا يُقْسَمَ مِيرَاثٌ وَلَا يُفْرَحَ بِغَنِيمَةٍ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَنَحَّاهَا نَحْوَ الشَّامِ فَقَالَ: عَدُوٌّ يَجْمَعُونَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ وَيَجْمَعُ لَهُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ. قُلْتُ:
_________________
(١) ١ رواه البخاري (١٣ / ٧٨) في الفتن، باب خروج النار، ومسلم (٤ / ٢٢٢٠ / ح ٢٨٩٤) في الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب. ٢ أي الدجال. ٣ رواه مسلم (٤ / ٢٢٢٥ / ح ٢٨٧٩) في الفتن، باب فتح قسطنطينية ونزول عيسى بن مريم ٤ القاموس المحيط باب القاف. فصل العين. ٥ هو عند الجوهري، وانظر شرح النووي على مسلم (١٨ / ٢١)
[ ٢ / ٦٩١ ]
الرُّومَ تَعْنِي؟ قَالَ: نَعَمْ وَتَكُونُ عِنْدَ ذَاكُمُ الْقِتَالِ رِدَّةٌ شَدِيدَةٌ فَيَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يَحْجِزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، ثُمَّ يَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يَحْجِزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ وَكُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، ثُمَّ يَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يُمْسُوا فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، فَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ نَهَدَ إِلَيْهِمْ بَقِيَّةُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَيَجْعَلُ اللَّهُ الدَّبَرَةَ عَلَيْهِمْ فَيُقْتَلُونَ مَقْتَلَةً، إِمَّا قَالَ: لَا يُرَى مِثْلُهَا وَإِمَّا قَالَ: لَمْ يُرَ مِثْلُهَا حَتَّى إِنَّ الطَّائِرَ لَيَمُرُّ بِجَنْبَاتِهِمْ فَمَا يُخَلِّفُهُمْ حَتَّى يَخِرَّ مَيِّتًا، فَيَتَعَادُّ بَنُو الْأَبِ كَانُوا مِائَةً فَلَا يَجِدُونَهُ بَقِيَ مِنْهُمْ إِلَّا الرَّجُلُ الْوَاحِدُ فَبِأَيِّ غَنِيمَةٍ يَفْرَحُ أَوْ أَيِّ مِيرَاثٍ يُقَاسِمُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعُوا بِبَأْسٍ هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ فَجَاءَهُمُ الصَّرِيخُ أَنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَلَّفَهُمْ فِي ذَرَارِيهِمْ، فَيَرْفُضُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَيَقْبَلُونَ فَيَبْعَثُونَ عَشَرَةَ فَوَارِسَ طَلِيعَةً، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي لَأَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ وَأَلْوَانَ خُيُولِهِمْ، هُمْ خَيْرُ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، أَوْ مِنْ خَيْرِ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ" ١.
وَفِيهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ الْغِفَارِيِّ ﵁ قَالَ: طَلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ فَقَالَ: "مَا تُذَاكِرُونَ"؟ قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ قَالَ: "إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ" فَذَكَرَ الدُّخَانَ وَالدَّجَّالَ وَالدَّابَّةَ وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَنُزُولَ عِيسَى ابن مريم ﵇ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ٢، وَفِي رِوَايَةٍ: "وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرَةِ عَدَنٍ تَرْحَلُ
_________________
(١) ١ رواه مسلم "٤/ ٢٢٣٠/ ح٢٨٩٩" في الفتن، باب إقبال الروم في كثرة القتل عند خروج الدجال. والهجيرى: أي شأنه ودأبه. والشرطة الطائفة من الجيش. ونهد إليهم: أي نهض وتقدم. والدبرة: هي الدائرة تدور على الأعداء. ٢ رواه مسلم "٤/ ٢٢٣٥/ ح٢٩٠١" في الفتن، باب ما يكون من فتوحات المسلمين قبل الدجال. وقعرة عدن معناه: من أقصى أرض اليمن. وترحل الناس: أي تأخذهم بالرحيل وتزعجهم.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
النَّاسَ" ١ زَادَ فِي أُخْرَى: "تَنْزِلُ مَعَهُمْ إِذَا نَزَلُوا، وَتُقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا" ٢.
وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوِ الدُّخَانَ أَوِ الدَّجَّالَ أَوِ الدَّابَّةَ أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ" وَفِي رِوَايَةٍ: "الدَّجَّالَ والدخان ودابة أورض وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَأَمْرَ الْعَامَّةِ وَخُوَيْصَّةَ أَحَدِكُمْ" ٣.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بَابُ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا عِمَارَةُ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا، فَذَاكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسَا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ" ٤.
وَقَالَ أَيْضًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الْفِتَنِ: "حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعَلَمُ وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ -وَهُوَ الْقَتْلُ- وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضُ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولُ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي بِهِ، وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ، وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ، وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا.
_________________
(١) ١، ٢ تقدم ذكره في الذي مثله. ٣ رواه مسلم "٤/ ٢٢٦٧/ ح٢٩٤٧" في الفتن، باب بقية من أحاديث الدجال. ٤ رواه البخاري في التفسير، باب لا ينفع نفسا إيمانها "٨/ ٢٩٧" وفي "١١/ ٣٥٢" في الرقاق، باب قول النبي ﷺ: "بعثت أنا والساعة كهاتين" وغيره. ومسلم "١/ ١٣٧/ ح١٥٧" في الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
وَلَتَقُوَمَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا" ١.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- لِأَبِي ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: "أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ"؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَسْتَأْذِنُ فَيُؤْذِنُ لَهَا، وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا وَتَسْتَأْذِنَ فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا يُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ٢ [يس: ٣٨] ".
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا لَمْ أَنْسَهُ بَعْدُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا" ٣.
وَفِيهِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ -وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ ﵂- قَالَتْ: سَمِعْتُ نِدَاءَ الْمُنَادِي -مُنَادَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- يُنَادِي: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكُنْتُ فِي صَفِّ النِّسَاءِ الَّتِي تَلِي ظُهُورَ الْقَوْمِ. فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقَالَ: "لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّاهُ" ثُمَّ قَالَ: "أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ"؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: "إِنِّي وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ
_________________
(١) ١ رواه البخاري "١٣/ ٨١، ٨٢" في الفتن، باب خروج النار، ومسلم "١/ ١٣٧/ ح١٥٧" في الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان. ٢ رواه البخاري مختصرا دون قوله: "فتستأذن فيؤذن " "٨/ ٥٤١" في تفسير سورة يس، باب ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ وتاما في "٦/ ٢٩٧" في بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر ومسلم "١/ ١٣٨/ ح١٥٩" في الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان، بغير ألفاظه هذه بل قريبا منها. ٣ رواه مسلم "٤/ ٢٢٦٠/ ح٢٩٤١" في الفتن، باب خروج الدجال ومكثه في الأرض.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
لِأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أحدثكم عن المسيح الدَّجَّالِ، حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامٍ فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ شَهْرًا فِي البحر ثم أرفئوا إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ حَتَّى مَغْرِبِ الشَّمْسِ فَجَلَسُوا فِي أَقْرَبِ السَّفِينَةِ فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْهُمْ دابة أهلب كثيرة الشَّعَرِ لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقَالُوا: وَيْلَكَ مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ قَالُوا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتْ: أَيُّهَا الْقَوْمُ انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ قَالَ: لَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلًا فَرِقْنَا١ مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً قَالَ: فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ مَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى كَعْبَيْهِ بِالْحَدِيدِ قُلْنَا: وَيْلَكَ مَا أَنْتَ؟ قَالَ: قَدْ قَدَرْتُمْ عَلَى خَبَرِي فَأَخْبِرُونِي مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ رَكِبْنَا فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ فَصَادَفْنَا الْبَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ٢ فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْرًا ثُمَّ أَرْفَأْنَا إِلَى جَزِيرَتِكَ هَذِهِ فَجَلَسْنَا فِي أَقْرَبِهَا فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرَةُ الشَّعْرِ لَا يُدْرَى مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعْرِ فَقُلْنَا: وَيْلَكِ ما أنت؟ فقلت: أَنَا الْجَسَّاسَةُ قُلْنَا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتِ: اعْمَدُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا وَفَزِعْنَا مِنْهَا وَلَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً فَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ٣. قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: أَسْأَلُكُمْ عَنْ نَخْلِهَا هَلْ يُثْمِرُ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ لَا يُثْمِرَ قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ٤. قَالُوا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِيهَا مَاءٌ؟ قَالُوا: هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ قَالَ: أَمَّا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ٥. قَالُوا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِيهَا مَاءٌ وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ مَائِهَا قَالَ: أَخْبَرُونِي عَنْ نَبِيِّ الْأُمِّيِّينَ مَا فَعَلَ؟ قَالُوا: قَدْ خَرَجَ مِنْ
_________________
(١) ١ الفرق: الخوف. ٢ اغتلم: هاج. ٣، ٤ منطقتان في فلسطين. ٥ بلدة في الجانب القبلي من الشام.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثْرِبَ قَالَ: أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ وَأَطَاعُوهُ قَالَ لَهُمْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي، إِنِّي أَنَا الْمَسِيحُ وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ فَأَخْرُجَ فَأَسِيرَ فِي الْأَرْضِ فَلَا أَدَعَ قَرْيَةً إِلَّا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً غَيْرَ مَكَّةَ وَطِيبَةَ، فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمَا اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا يَصُدُّنِي عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَائِكَةً يَحْرُسُونَهَا" قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ فِي الْمِنْبَرِ: "هَذِهِ طِيبَةُ هَذِهِ طِيبَةُ هَذِهِ طِيبَةُ -يَعْنِي الْمَدِينَةَ- أَلَا هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذَلِكَ"؟ فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ قَالَ: "فَإِنَّهُ أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ وَعَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ إِلَّا أَنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّامِ أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ لَا بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ" وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ قَالَتْ: فَحَفِظْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١. قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْأَهْلَبُ الْغَلِيظُ الشَّعْرِ كَثِيرُهُ، وَسُمِّيَتِ الْجَسَّاسَةَ لِتَجَسُّسِهَا الْأَخْبَارَ لِلدَّجَّالِ٢. وَجَاءَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهَا دَابَّةُ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةُ فِي الْقُرْآنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ٣.
وَفِيهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سفيان أخبرتها أن زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَزِعًا مُحْمَرًّا وَجْهُهُ يَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ" وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: "نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ" ٤.
_________________
(١) ١ رواه مسلم "٤/ ٢٢٦١/ ح٢٩٤٢" في الفتن، باب قصة الجساسة. ٢ شرح النووي على مسلم "١٨/ ٨١". ٣ انظر القرطبي "٣/ ٢٣٥" ولكن فيه عبد الله بن عمر وليس عمرو. ٤ رواه البخاري "٦/ ٢٧٤" في أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾، ومسلم "٤/ ٢٢٠٧/ ح٢٨٨٠" في الفتن، باب اقتراب الفتن.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
وَفِيهِ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمَّا رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا فَقَالَ: "مَا شَأْنُكُمْ"؟ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فَخَفَّضْتَ فِيهِ وَرَفَّعْتَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ فَقَالَ: "غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفَنِي عَلَيْكُمْ، إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ عَيْنُهُ طَافِئَةٌ كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ ١، إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا، يَا عِبَادَ اللَّهِ فَاثْبُتُوا" قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: "أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ" قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: "لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ" قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: "كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ وَالْأَرْضَ فَتَنْبُتُ فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ ٢ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ دُرًّا وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ ٣، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ ٤ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ ٥، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ. فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابن مَرْيَمَ فَيُنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيِّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ ٦ وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَجُمَانِ اللُّؤْلُؤِ فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ
_________________
(١) ١ المقصود العشر الآيات الأولى منها، كما جاء في رواية صحيحة صريحة. ٢ كالغيث أي: كالمطر. وسارحتهم أي: ماشيتهم. ٣ أي: إنها تعود أكثر لبنا وحلبا، وأوسع خواصر لكثرة امتلائها من الشبع. ٤ أي: مجدبين. ٥ هي ذكورها، واليعسوب هو الأمير والذكر. ٦ مهرودتين بالدال والذال أي: ثوبين وحلتين.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
نَفْسِهِ إِلَّا مَاتَ وَنَفْسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ ١، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ ٢ فَيَقْتُلَهُ، ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ ٣ لأحد بقتالهم فحرز عِبَادِي إِلَى الطُّورِ ٤. وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ ٥ فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ ٦ وَنَتْنُهُمْ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ ﷿ فَيُرْسِلُ اللَّهُ تَعَالَى طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ ٧ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لَا يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَقَةِ ٨ ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَكِ وَرُدِّي بَرَكَتَكِ فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ ٩ مِنَ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا، وَيُبَارِكُ فِي الرِّسْلِ حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الْإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ إِبَاطِهِمْ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ ١٠ فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ
_________________
(١) ١ أي: بصره. ٢ بلدة قريبة من بيت المقدس. ٣ أي: لا قوة. ٤ أي: اجمعهم واحفظهم في جبل الطور. ٥ هو الدود يكون في أنوف الإبل والغنم. ٦ أي: وسمهم ورائحتهم الكريهة. ٧ أي: الإبل. ٨ أي: المرآة. ٩ أي: الجماعة. ١٠ أي: يجامع الرجال النساء بحضرة الناس، كما تفعل الحمير.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
السَّاعَةُ" وزاد فِي رِوَايَةٍ بَعْدَ قَوْلِهِ "لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ": "ثُمَّ يَسِيرُونَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى جَبَلِ الْخَمْرِ وَهُوَ جَبَلُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ قَتَلْنَا مَنْ فِي الْأَرْضِ، هَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ مَنْ فِي السَّمَاءِ فَيَرْمُونَ بِنِشَابِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نِشَابَهُمْ مَخْضُوبَةً دَمًا" ١.
وَفِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ذَكَرَ الدَّجَّالَ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلَا وَإِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ" ٢.
وَفِيهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، أَلَا إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ك ف ر" ٣، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الدَّجَّالُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ -ثُمَّ تَهَجَّاهَا ك ف ر- يقرؤه كُلُّ مُسْلِمٍ" ٤.
وَفِيهِ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ مِنْهُ، مَعَهُ نَهْرَانِ يَجْرِيَانِ أَحَدُهُمَا رَأَيَ الْعَيْنِ ماء أبيض والآخر رَأْيَ الْعَيْنِ نَارٌ تَأَجُّجُ، فَإِمَّا أَدْرَكَهُمَا أَحَدٌ فَلْيَأْتِ النَّهْرَ الَّذِي يَرَاهُ نَارًا وَلْيُغْمِضْ ثُمَّ لْيُطَأْطِئْ رَأْسَهُ فَيَشْرَبْ مِنْهُ، فَإِنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ. وَإِنَّ الدَّجَّالَ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ عَلَيْهَا ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عينيه "كافر" يقرؤه كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٌ وَغَيْرُ كَاتِبٍ" ٥ قال النَّوَوِيُّ: ظَفَرَةٌ بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ وَهِيَ جِلْدَةٌ تَغْشَى الْبَصَرَ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: لَحْمَةٌ تَنْبُتُ عِنْدَ الْمَآقِي٦.
وَفِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا حَدِيثًا طَوِيلًا عَنْ
_________________
(١) ١ رواه مسلم "٤/ ٢٢٥٠/ ح٢٩٣٧" في الفتن، باب ذكر الدجال وصفته وما معه. ٢ رواه مسلم "٤/ ٢٢٤٧/ ح١٦٩" في الفتن، باب ذكر الدجال وصفته وما معه. ٣، ٤ رواه البخاري "١٣/ ٨٩" في الفتن، باب ذكر الدجال، ومسلم "٤/ ٢٢٤٨/ ح٢٩٣٣" فيه، باب ذكر الدجال وصفته وما معه. ٥ رواه البخاري "١٣/ ٨٩، ٩٠" في الفتن، باب ذكر الدجال، ومسلم "٤/ ٢٢٤٩/ ح٢٩٣٤" فيه، باب ذكر الدجال وصفته وما معه، واللفظ له. ٦ في شرحه على مسلم "١٨/ ٦١، ٦٢".
[ ٢ / ٦٩٩ ]
الدَّجَّالِ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا قَالَ: "يَأْتِي وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ فَيَنْتَهِي إِلَى بَعْضِ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيْرُ النَّاسِ -أَوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ- فَيَقُولُ لَهُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ أَتَشُكُّونَ فِي الْأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا قَالَ: فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ فَيَقُولُ حِينَ يُحْيِيهِ: وَاللَّهِ مَا كُنْتَ فِيكَ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْآنَ قَالَ: فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ" ١.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فَيَتَوَجَّهُ قِبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَلْقَاهُ الْمَسَائِحُ مَسَائِحُ الدَّجَّالِ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَيْنَ تَعْمِدُ؟ فَيَقُولُ: أَعْمِدُ إِلَى هَذَا الَّذِي خَرَجَ قَالَ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَوَمَا تُؤْمِنُ بِرَبِّنَا؟ فَيَقُولُ: مَا بِرَبِّنَا خَفَاءٌ، فَيَقُولُونَ: اقْتُلُوهُ فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكُمْ رَبُّكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا أَحَدًا دُونَهُ؟ قَالَ: فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إِلَى الدَّجَّالِ فَإِذَا رَآهُ الْمُؤْمِنُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَذَا الدَّجَّالُ الَّذِي ذَكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَيَأْمُرُ الدَّجَّالُ بِهِ فَيُشَجُّ فَيَقُولُ: خُذُوهُ وَشُجُّوهُ فَيُوسَعُ ظَهْرُهُ وَبَطْنُهُ ضَرْبًا قَالَ فَيَقُولُ: أَوَمَا تُؤْمِنُ بِي؟ قَالَ فَيَقُولُ: أَنْتَ الْمَسِيحُ الْكَذَّابُ قَالَ فيؤمر به فينشر بالمنشار مِنْ مَفْرَقِهِ حَتَّى يُفَرَّقَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ قَالَ: ثُمَّ يَمْشِي بَيْنَ الْقِطْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ: قُمْ فَيَسْتَوِي قَائِمًا قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: أَتُؤْمِنُ بِي؟ فَيَقُولُ: مَا ازْدَدْتُ فِيكَ إِلَّا بَصِيرَةً قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا يَفْعَلُ بَعْدِي بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ قَالَ: فَيَأْخُذُهُ الدَّجَّالُ لِيَذْبَحَهُ فَيَجْعَلُ مَا بَيْنَ رَقَبَتِهِ إِلَى تَرْقُوَتِهِ نُحَاسًا فَلَا يَسْتَطِيعُ إِلَيْهِ سَبِيلًا قَالَ: فَيُؤْخَذُ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَيَقْذِفُ بِهِ فَيَحْسِبُ النَّاسُ أَنَّمَا قَذَفَهُ إِلَى النَّارِ وَإِنَّمَا أُلْقِيَ فِي الْجَنَّةِ" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَذَا أَعْظَمُ النَّاسِ شَهَادَةً عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ" ٢.
وَفِيهِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي
_________________
(١) ١ رواه البخاري "١٣/ ١٠١" في الفتن، باب لا يدخل الدجال المدينة، ومسلم "٤/ ٢٢٥٦/ ح٢٩٣٨" فيه، باب صفة الدجال وتحريم المدينة عليه. ٢ رواه مسلم "٤/ ٢٢٥٦/ ح٢٩٣٨" في الفتن، باب صفة الدجال وتحريم المدينة عليه.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
تُحَدِّثُ بِهِ تَقُولُ: إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ إِلَى كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ الله -أو لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أُحَدِّثَ أَحَدًا شَيْئًا أَبَدًا، إِنَّمَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدَ قَلِيلٍ أَمْرًا عَظِيمًا؛ يَحْرُقُ الْبَيْتَ وَيَكُونُ وَيَكُونُ ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ -لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا- فَيَبْعَثُ اللَّهُ تَعَالَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ ليس بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ ﷿ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ -أَوْ إِيمَانٍ- إِلَّا قَبِضَتْهُ حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبَدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ" قَالَ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَهُمْ فِي ذَلِكَ دَارٌّ رِزْقُهُمْ حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ قَالَ: فَيَصْعَقُ وَيَصْعَقُ النَّاسُ ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ -أَوْ قَالَ يُنْزِلُ اللَّهُ﷿ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ أَوِ الظِّلُّ "نُعْمَانُ الشَّاكُّ" فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ثُمَّ يُقَالُ: يَا أيها الناس هلموا إِلَى رَبِّكُمْ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ قَالَ: فَذَاكَ يَوْمَ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا وَذَلِكَ يَوْمَ يَكْشِفُ عَنْ سَاقٍ" ١.
وَفِيهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْسَ مِنْ بلد إلا سيطؤه الدَّجَّالُ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، وَلَيْسَ نَقْبٌ مِنْ أَنْقَابِهَا إِلَّا عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ صَافِّينَ تَحْرُسُهَا، فَيَنْزِلُ بِالسِّبْخَةِ فَتَرْجُفُ الْمَدِينَةُ ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ يَخْرُجُ إِلَيْهِ مِنْهَا كُلُّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ" وَفِي رِوَايَةٍ: "فَيَأْتِي سَبْخَةَ الْجُرُفِ فَيَضْرِبُ رِوَاقَهُ وَقَالَ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ
_________________
(١) ١ رواه مسلم "٤/ ٢٢٥٨/ ح٢٩٤٠" في الفتن، باب خروج الدجال ومكثه في الأرض ونزول عيسى وقتله إياه.
[ ٢ / ٧٠١ ]
كُلُّ مُنَافِقٍ وَمُنَافِقَةٍ" ١. قَالَ النَّوَوِيُّ: فَيَضْرِبُ رِوَاقَهُ أَيْ: يَنْزِلُ هُنَاكَ وَيَضَعُ ثِقَلَهُ، وَالْجَرْفُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ وَمَوْضِعٌ قُرْبَ مَكَّةَ وَمَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ وَمَوْضِعٌ بِالْيَمَامَةِ، وَالْمَقْصُودُ فِي الْحَدِيثِ هُوَ الْأَوَّلُ، وَفِيهِ عَنْهُ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ" ٢.
وَفِيهِ عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ أَنَّهَا سَمِعْتِ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقُولُ: "لِيَفِرَّنَّ النَّاسُ مِنَ الدَّجَّالِ فِي الْجِبَالِ" قَالَتْ أُمُّ شَرِيكٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "هُمْ قَلِيلٌ" ٣.
وَفِيهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ خَلْقٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ" ٤.
وَالْأَحَادِيثُ فِي ذِكْرِ الدَّجَّالِ وَصِفَتِهِ وَالْإِنْذَارِ مِنْهُ وَالتَّحْذِيرِ عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُسْتَقْصَى، وَكَذَا الْأَحَادِيثُ فِي الْفِتَنِ وَالْمَلَاحِمِ بَيْنَ يَدَيِ الْقِيَامَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَقَدْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ فِي كُلِّ صَلَاةِ، فَرِيضَةً أَوْ نَافِلَةً.
وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ مُحْرِزِ بْنِ هَارُونَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا: هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ" ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحْرِزِ بْنِ هَارُونَ٥. وَرَوَى مَعْمَرٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَمَّنْ سَمِعَ سَعِيدًا الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- نَحْوَ هَذَا.
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٤/ ٩٥" في فضائل المدينة، باب لا يدخل الدجال المدينة، ومسلم "٤/ ٢٢٦٥/ ح٢٩٤٣" في الفتن، باب قصة الجساسة. ٢ رواه مسلم "٤/ ٢٢٦٦/ ح٢٩٤٤" في الفتن، باب في بقية من أحاديث الدجال. ٣ رواه مسلم "٤/ ٢٢٦٦/ ح٢٩٤٥" في الفتن، باب في بقية من أحاديث الدجال. ٤ رواه مسلم "٤/ ٢٢٦٦/ ح٢٩٤٦" في الفتن، باب في بقية من أحاديث الدجال. ٥ الترمذي "٤/ ٥٥٢/ ح٢٣٠٦" في الزهد، باب ما جاء في المبادرة بالعمل، وسنده ضعيف فمحرز هذا منكر الحديث. وطريق معمر هذه رواها الحاكم "٤/ ٣٢١" وفيها الرجل الذي لم يسم.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
[الْإِيمَانُ بِالْمَوْتِ]:
وَيَدْخُلُ الْإِيمَانُ بِالْمَوْتِ وَمَا مِنْ بَعْدِهِ عَلَى الْعِبَادِ حَتْمَا
"وَيَدْخُلُ" فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ "الْإِيمَانُ بِالْمَوْتِ" الَّذِي هُوَ الْمُفْضِي بِالْعَبْدِ إِلَى مَنَازِلِ الْآخِرَةِ، وَهُوَ سَاعَةُ كُلِّ إِنْسَانٍ بِخُصُوصِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: "إِنْ يَعِشْ هَذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ، قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ" ١.
وَالْإِيمَانُ بِالْمَوْتِ يَتَنَاوَلُ أُمُورًا:
مِنْهَا تَحَتُّمُهُ عَلَى مَنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الْقَصَصِ: ٨٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٨٥] وَقَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٣٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٣٤، ٣٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٥٧] قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١١] وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه سابقا.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
لكل مخلوق أجل محدود وأمد ينتهي إليه لا نعلمه
يَقُولُ: "أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ -الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ- أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ" ١.
وَمِنْهَا إِنَّ كُلًّا لَهُ أَجْلٌ مَحْدُودٌ وَأَمَدٌ مَمْدُودٌ يَنْتَهِي إِلَيْهِ لَا يَتَجَاوَزُهُ وَلَا يُقَصِّرُ عَنْهُ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى جَمِيعَ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ، وَجَرَى بِهِ الْقَلَمُ بِأَمْرِهِ يَوْمَ خَلْقِهِ، ثُمَّ كَتَبَهُ الْمَلَكُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِأَمْرِ رَبِّهِ ﷿ عِنْدَ تَخْلِيقِ النُّطْفَةِ فِي عَيْنِهِ، فِي أَيِّ مَكَانٍ يَكُونُ وَفِي أَيِّ زَمَانٍ فَلَا يُزَادُ فِيهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ وَلَا يُغَيَّرُ وَلَا يُبَدَّلُ عَمَّا سَبَقَ بِهِ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَجَرَى بِهِ قَضَاؤُهُ وَقَدَرُهُ، وَأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ حُرِقَ أَوْ غَرِقَ أَوْ بِأَيِّ حَتْفٍ هَلَكَ بِأَجَلِهِ لَمْ يَسْتَأْخِرْ عَنْهُ وَلَمْ يَسْتَقْدِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ وَأَنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ الَّذِي كَانَ فِيهِ حَتْفُهُ هُوَ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَقَضَاهُ عَلَيْهِ وَأَمْضَاهُ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْهُ وَلَا مَحِيصَ عَنْهُ وَلَا مَفَرَّ لَهُ وَلَا مَهْرَبَ وَلَا فِكَاكَ وَلَا خَلَاصَ، وَأَنَّى وَكَيْفَ وَإِلَى أَيْنَ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٤٥] الْآيَةَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] الآيات وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النِّسَاءِ: ٧٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٤] فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرَّعْدِ: ٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرَّعْدِ: ٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ
_________________
(١) ١ رواه البخاري "١٣/ ٣٦٨" في التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ومسلم "٤/ ٢٠٨٦/ ح٢٧١٨" في الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الْجُمُعَةِ: ٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٤٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦٠] وَغَيْرُهَا مِنَ الْآيَاتِ.
وَرَوَى مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي صَحِيحِهِ عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ ﵂: اللَّهُمَّ مَتِّعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّكِ سَأَلْتِ اللَّهَ تَعَالَى لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَآثَارٍ مَوْطُوءَةٍ وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ لَا يُعَجَّلُ شَيْءٌ مِنْهَا قَبْلَ حِلِّهِ وَلَا يُؤَخِّرُ مِنْهَا يَوْمًا بَعْدَ حِلِّهِ، وَلَوْ سَأَلْتِ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعَافِيَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ لَكَانَ خَيْرًا لَكِ" ١.
وَفِي رِوَايَةٍ: "قَدْ سَأَلَتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ، وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ" ٢ وَفِي أُخْرَى: "وَآثَارٍ مَبْلُوغَةٍ" ٣.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فَاطِرٍ: ١١] يَقُولُ: لَيْسَ أَحَدٌ قَضَيْتُ لَهُ بِطُولِ الْعُمْرِ وَالْحَيَاةِ إِلَّا وَهُوَ بَالِغٌ مَا قَدَّرْتُ لَهُ مِنَ الْعُمْرِ، وَقَدْ قَضَيْتُ ذَلِكَ لَهُ فَإِنَّمَا يَنْتَهِي إِلَى الْكِتَابِ الَّذِي كُتِبَ لَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فَاطِرٍ: ١١] يَقُولُ: كُلُّ ذَلِكَ
_________________
(١) ١، ٢، ٣ مسلم "٤/ ٢٠٥٠-٢٥٢/ ح٢٦٦٣" في القدر، باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد، ولا تنقص عما سبق به القدر. "بألفاظه".
[ ٢ / ٧٠٥ ]
فِي كِتَابٍ عِنْدَهُ١، وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" ٢ فَإِنَّهُ يُفَسَّرُ بِحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: ذَكَرْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الزِّيَادَةَ فِي الْعُمْرِ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُؤَخِّرُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا، وَإِنَّمَا زِيَادَةُ الْعُمْرِ بِالذُّرِّيَّةِ الصَّالِحَةِ يَرْزُقُهَا الْعَبْدَ فَيَدْعُونَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ فَيَلْحَقُهُ دُعَاؤُهُمْ فِي قَبْرِهِ، فَذَلِكَ زِيَادَةُ الْعُمْرِ"٣.
وَمِنْهَا الْإِيمَانُ بِأَنَّ ذَلِكَ الْأَجَلَ الْمَحْتُومَ وَالْحَدَّ الْمَرْسُومَ لِانْتِهَاءِ كُلِّ عُمْرٍ إِلَيْهِ لَا اطِّلَاعَ لَنَا عَلَيْهِ وَلَا عِلْمَ لَنَا بِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَفَاتِحِ الْغَيْبِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهَا عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، فَلَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] الْآيَةَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لُقْمَانَ: ٣٤] الْآيَةَ. وَتَقَدَّمَتِ الْأَحَادِيثُ فِي مَعْنَاهَا، وَفِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى قَبْضَ رُوحِ عَبْدٍ بِأَرْضٍ جَعَلَ لَهُ فِيهَا -أَوْ قَالَ: بِهَا- حَاجَةً" ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن جرير "١٢/ ١٢٢" وابن المنذر وابن أبي حاتم "الدر المنثور ٧/ ١١". ٢ رواه البخاري "١٠/ ٤١٥" في الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم، ومسلم "٤/ ١٩٨٢/ ح٢٥٥٧" في البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها. ٣ ابن أبي حاتم "ابن كثير ٣/ ٥٥٨" وسنده ضعيف فيه مسلمة بن عبد الله بن ربعي وعمه أبو مشجعة بن ربعي، وكلاهما مجهول. ٤ رواه جماعة من الصحابة، فعن أبي عزة الهذلي ﵁: البخاري في الأدب المفرد "٢/ ٦٩٩/ ح١٢٨٢ مع فضل الله الصمد" و"٢/ ٢٥٨/ ح٧٨٠" والترمذي "٤/ ٤٥٣/ ح٢١٤٧" في القدر، باب ما جاء في النفس تموت حيثما كتب لها، وابن حبان "٨/ ٨، إحسان" والدولابي في الكنى "١/ ٤٤" وأحمد "٣/ ٤٢٩" والحاكم "١/ ٤٢" وابن عدي في الكامل وأبو نعيم في الحلية "٨/ ٣٧٤" وله شاهد من حديث مطر بن عكامس ﵁، أخرجه البخاري في التاريخ الكبير "٤/ ١/ ٤٠٠" والترمذي "٤/ ٤٥٢/ ح٢١٤٦" في القدر، باب ما جاء أن النفس تموت حيثما كتب لها، والحاكم "١/ ٤٢"، وأخرجه من حديث جندب بن سفيان ﵁ الحاكم "١/ ٣٦٧" وأخرجه الطبراني في الكبير "١/ ١٧٨/ ح٤٦٠" عن أسامة بن زيد ﵁ وله شاهد من حديث ابن مسعود بزيادة فيه أخرجه ابن ماجه وابن أبي عاصم في السنة "٣٤٦" والطبراني في الكبير والحاكم "١/ ٤١، ٤٢" والحديث صحيح.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
أن يكون الموت في بال كل امرئ فيعمل صالحا
وَمِنْهَا ذِكْرُ الْعَبْدِ الْمَوْتَ وَجَعْلُهُ عَلَى بَالِهِ كَمَا هُوَ الرَّدْمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آمَالِهِ، وَهُوَ الْمُفْضِي بِهِ إِلَى أَعْمَالِهِ وَإِلَى الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَإِلَى الْجَزَاءِ الْأَوْفَى مِنَ الْحُكْمِ الْعَدْلِ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ فَلَا يُعَاقِبُ أَحَدًا بِذَنْبِ غَيْرِهِ وَلَا يَهْضِمُهُ ذَرَّةً مِنْ حُسْنِ أَعْمَالِهِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ" ١ الْمَوْتَ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ مِنْ صَحِيحِهِ: بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ" حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الْمُنْذِرِ الطُّفَاوِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْكِبِي فَقَالَ: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ" وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ٢ ثُمَّ قَالَ: بَابٌ فِي الْأَمَلِ وَطُولِهِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٨٥] بِمُزَحْزِحِهِ: بِمُبَاعِدِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الْحِجْرِ: ٣] وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً وَارْتَحَلَتِ الْآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ. فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا
_________________
(١) ١ رواه الترمذي "٤/ ٥٥٣/ ح٢٣٠٧" في الزهد، باب ما جاء في ذكر الموت، والنسائي "٤/ ٤" في الجنائز، باب كثرة ذكر الموت، وابن ماجه "٢/ ١٤٢٢/ ح٤٢٥٨" في الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، وابن حبان "٤/ ٢٨٢ و٢٨٣" والحاكم "٤/ ٣٢١" والخطيب في تاريخ بغداد "١/ ٣٨٤ و٩/ ٤٧٠" وسنده صحيح وله شاهد من حديث أنس ﵁ أخرجه أبو نعيم في الحلية "٩/ ٢٥٢" والخطيب "١٢/ ٧٢، ٧٣" وسنده على شرط مسلم. ٢ رواه البخاري "١١/ ٢٣٣" في الرقاق، باب قول النبي ﷺ: "كن في الدنيا كأنك غريب".
[ ٢ / ٧٠٧ ]
التأهب للمصير قبل نزوله
حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ١. حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ مُنْذِرٍ عَنْ رَبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ -ﷺ- خَطًّا مُرَبَّعًا وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا منه وخط خطوطا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ وَقَالَ: "هَذَا الْإِنْسَانُ، وَهَذَا أَجْلُهُ مُحِيطٌ بِهِ أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أمله، وهذه الخطوط الصِّغَارُ الْأَعْرَاضِ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا" ٢ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خُطُوطًا فَقَالَ: "هَذَا الْأَمَلُ وَهَذَا أَجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الْأَقْرَبُ" ٣.
وَمِنْهَا -وَهُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ- التَّأَهُّبُ لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِمَا بَعْدَهُ قَبْلَ حُصُولِهِ وَالْمُبَادَرَةُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالسَّعْيِ النَّافِعِ قَبْلَ دُهُومِ الْبَلَاءِ وَحُلُولِهِ، إِذْ هُوَ الْفَيْصَلُ بَيْنَ هَذِهِ الدَّارِ وَبَيْنَ دَارِ الْقَرَارِ وَهُوَ الْفَصْلُ بَيْنَ سَاعَةِ الْعَمَلِ وَالْجَزَاءِ عَلَيْهِ، وَالْحَدُّ الْفَارِقُ بَيْنَ أَوَانِ تَقْدِيمِ الزَّادِ وَالْقُدُومِ عَلَيْهِ، إِذْ لَيْسَ بَعْدَهُ لِأَحَدٍ مِنْ مُسْتَعْتِبٍ وَلَا اعْتِذَارٍ، وَلَا زِيَادَةٍ فِي الْحَسَنَاتِ وَلَا نَقْصٍ مِنَ السَّيِّئَاتِ وَلَا حِيلَةٍ وَلَا افْتِدَاءٍ وَلَا دِرْهَمٍ وَلَا دِينَارٍ وَلَا مَقْعَدٍ وَلَا مَنْزِلٍ إِلَّا الْقَبْرَ وَهُوَ إِمَّا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ وَجَمْعِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَأَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ وَالْمَوْقِفِ الطَّوِيلِ بَيْنَ يَدَيِ الْقَوِيِّ الْمَتِينِ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ الْمُقْسِطِ الْعَدْلِ الْحَكِيمِ الَّذِي لَا يَحِيفُ وَلَا يَجُورُ وَلَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، ثُمَّ إِمَّا نُعَيْمٌ مُقِيمٌ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَإِمَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي نَارِ الْجَحِيمِ، وَإِنَّ لِكُلِّ ظَاعِنٍ مَقَرًّا وَلِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرًّا وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٩، ١٠٠] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا
_________________
(١) ١، ٢ البخاري "١١/ ٢٣٥، ٢٣٦" في الرقاق، باب في الأمل وطوله. وقول علي هذا روي مرفوعا وموقوفا ولم يصح رفعه "انظر تغليق التعليق ٥/ ١٥٨". ٣ البخاري "١١/ ٢٣٦" في الرقاق، باب في الأمل وطوله.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الْحَشْرِ: ١٨] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٩-١١] . (وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ) (الشُّورَى: ٤٤) وَهَذَا سُؤَالُهُمُ الرَّجْعَةَ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ وَكَذَلِكَ يَسْأَلُونَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٤٤] الْآيَاتِ.
وَكَذَلِكَ يَسْأَلُونَ الرَّجْعَةَ إِذَا وُقِفُوا عَلَى النَّارِ وَرَأَوْا مَا فِيهَا مِنْ عَظِيمِ الْأَهْوَالِ وَشَدِيدِ الْأَنْكَالِ وَالْمَقَامِعِ وَالْأَغْلَالِ وَالسَّلَاسِلِ الطِّوَالِ وَمَا لَا يَصِفُهُ عَقْلٌ وَلَا يُعَبِّرُ عَنْهُ مَقَالٌ وَلَا يُغْنِي بِالْخَبَرِ عَنْهُ ضَرْبُ الْأَمْثَالِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٧، ٢٨] الْآيَاتِ، وَكَذَلِكَ يَسْأَلُونَ الرَّجْعَةَ إِذَا وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ وَعُرِضُوا عَلَيْهِ وَهُمْ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] الْآيَاتِ، وَكَذَلِكَ يَسْأَلُونَ الرَّجْعَةَ وَهُمْ فِي غَمَرَاتِ الْجَحِيمِ وَعَذَابِهَا الْأَلِيمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فَاطِرٍ: ٣٧] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غَافِرٍ: ١١] وَغَيْرُهَا مِنَ الْآيَاتِ.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
وَيَجْمَعُ كُلَّ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٣] وَغَيْرُهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إِلَّا نَدِمَ" قَالُوا: وَمَا نَدَامَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "إِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ ازْدَادَ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ نَزَعَ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ١، وَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُبَلِّغُهُ حَجَّ بَيْتِ رَبِّهِ أَوْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ فَلَمْ يَفْعَلْ، سَأَلَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ. فقال رجل: يابن عَبَّاسٍ اتَّقِ اللَّهَ فَإِنَّمَا يَسْأَلُ الرَّجْعَةَ الكفار فقال: سأتلو عَلَيْكَ بِذَلِكَ قُرْآنًا: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ١٠، ١١] قَالَ: فَمَا يُوجِبُ الزَّكَاةَ؟ قَالَ: إِذَا بَلَغَ الْمَالُ مِائَتَيْنِ فَصَاعِدًا قَالَ: فَمَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: الزَّادُ وَالْبَعِيرُ٢.
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٩] قَالَ: كَانَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ يَقُولُ: لِيُنْزِلْ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ أَنَّهُ قَدْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَاسْتَقَالَ رَبَّهُ فَأَقَالَهُ فَلْيَعْمَلْ بِطَاعَةِ رَبِّهِ تَعَالَى. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَاللَّهِ مَا تَمَنَّى إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ فَيَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ، فَانْظُرُوا أُمْنِيَةَ الْكَافِرِ الْمُفَرِّطِ فَاعْمَلُوا بِهَا وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِذَا وُضِعَ -يَعْنِي الْكَافِرَ- فِي قَبْرِهِ فَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ قَالَ: فَيَقُولُ: رَبِّ ارْجِعُونِ أَتُوبُ وَأَعْمَلُ صَالِحًا قَالَ:
_________________
(١) ١ رواه الترمذي "٤/ ٦٠٣، ٦٠٤/ ح٢٤٠٣" في الزهد، باب رقم "٥٩" وسنده ضعيف جدا فيه يحيى بن عبيد الله بن موهب، قال الحافظ: متروك وأفحش الحاكم فرماه بالوضع، ورواه ابن عدي في الكامل "٧/ ٢٦٦٠" وغيره. ٢ رواه الترمذي "٥/ ٤١٨، ٤١٩/ ح٣٣١٦" في التفسير، باب من سورة "المنافقون"، من حديث أبي جناب الكلبي، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس وسنده ضعيف أبو جناب ضعيف، ورواية الضحاك عن ابن عباس منقطعة.
[ ٢ / ٧١٠ ]
فَيُقَالُ: قَدْ عَمَّرْتَ مَا كُنْتَ مُعَمَّرًا. قَالَ: فَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ وَيَلْتَئِمُ فَهُوَ كَالْمَنْهُوشِ يَنَامُ، أَوْ يَفْزَعُ تَهْوِي إِلَيْهِ هَوَامُّ الْأَرْضِ وَحَيَّاتُهَا وَعَقَارِبُهَا١.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّ أَهْلِ النَّارِ يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي، فَتَكُونَ عَلَيْهِ حَسْرَةً قَالَ: وَكُلُّ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ فَيَقُولُ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي قَالَ: فَيَكُونُ لَهُمُ الشُّكْرُ" ٢ وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عِنْدَ مُسْلِمٍ: "بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا" ٣ الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا: هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا» إِلَى: «فَقْرٍ مُنْسٍ» الْحَدِيثَ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ" ٥.
وَلِلْحَاكِمِ عَنْهُ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: "اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ" ٦. يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْخَمْسَ: أَيَّامَ الشَّبَابِ وَالصِّحَّةِ وَالْغِنَى وَالْفَرَاغِ وَالْحَيَاةِ هِيَ أَيَّامُ الْعَمَلِ وَالتَّأَهُّبِ وَالِاسْتِعْدَادِ وَالِاسْتِكْثَارِ مِنَ الزَّادِ، فَمَنْ فَاتَهُ الْعَمَلُ فِيهَا لَمْ يُدْرِكْهُ عِنْدَ مَجِيءِ أَضْدَادِهَا، وَلَا يَنْفَعْهُ التَّمَنِّي لِلْأَعْمَالِ بَعْدَ التَّفْرِيطِ مِنْهُ وَالْإِهْمَالِ فِي زَمَنِ الْفُرْصَةِ وَالْإِمْهَالِ فَإِنَّ بَعْدَ كُلِّ شَبَابٍ هَرَمًا وَبَعْدَ كُلِّ صِحَّةٍ سَقَمًا وَبَعْدَ كُلِّ غِنًى فَقْرًا وَبَعْدَ كُلِّ فَرَاغٍ شُغْلًا وَبَعْدَ كُلِّ حَيَاةٍ مَوْتًا، فَمَنْ فَرَّطَ فِي الْعَمَلِ أَيَّامَ الشَّبَابِ لَمْ يُدْرِكْهُ فِي
_________________
(١) ١ أخرجه ابن أبي الدنيا في ذكر الموت "الدر المنثور ٦/ ١١٤" وابن أبي حاتم "ابن كثير ٣/ ٢٢٦". ٢ رواه أحمد "٢/ ٥١٢" والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف "٩/ ٣٧٤" وسنده صحيح. ٣ مسلم "٤/ ٢٢٦٦/ ح٢٩٤٦" في الفتن، وقد تقدم سابقا. ٤ رواه الترمذي "٤/ ٥٥٢/ ح٢٣٠٦" والنسائي "٤/ ٤" وقد تقدم سابقا، وأن سنده ضعيف فيه محرز بن هارون وهو منكر الحديث. ٥ رواه البخاري "١١/ ٢٢٩" في الرقاق، باب ما جاء في الرقاق، وأن العيش عيش الآخرة. ٦ الحاكم في مستدركه "٤/ ٣٠٦" وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
[ ٢ / ٧١١ ]
أَيَّامِ الْهَرَمِ، وَمَنْ فَرَّطَ فِيهِ فِي أَوْقَاتِ الصِّحَّةِ لَمْ يُدْرِكْهُ فِي أَوْقَاتِ السَّقَمِ، وَمَنْ فَرَّطَ فِيهِ فِي حَالَةِ الْغِنَى فَلَمْ يَنَلِ الْقُرَبَ الَّتِي لَمْ تُنَلْ إِلَّا بِالْغِنَى لَمْ يُدْرِكْهُ فِي حَالَةِ الْفَقْرِ، وَمَنْ فَرَّطَ فِيهِ فِي سَاعَةِ الْفَرَاغِ لَمْ يُدْرِكْهُ عِنْدَ مَجِيءِ الشَّوَاغِلِ، وَمَنْ فَرَّطَ فِي الْعَمَلِ فِي زَمَنِ الْحَيَاةِ لَمْ يُدْرِكْهُ بَعْدَ حَيْلُولَةِ الْمَمَاتِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَمَنَّى الرُّجُوعَ وَقَدْ فَاتَ وَيَطْلُبُ الْكَرَّةَ وَهَيْهَاتَ وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَعَظُمَتْ حَسَرَاتُهُ حِينَ لَا مَدْفَعَ لِلْحَسَرَاتِ.
وَلَقَدْ حَثَّنَا اللَّهُ -﷿- أَعْظَمَ الْحَثِّ وَحَضَّنَا أَشَدَّ الْحَضِّ وَدَعَانَا إِلَى اغْتِنَامِ الْفُرَصِ فِي زَمَنِ الْمُهْلَةِ وَأَخْبَرَنَا أَنَّ مَنْ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ تَمَنَّاهُ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ إِذْ يَقُولُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ دَاعِيًا عِبَادَهُ إِلَى بَابِهِ، يَا مَنْ يُسْمَعُ صَرِيحُ خِطَابِهِ وَيُتَأَمَّلُ لَطِيفُ عِتَابِهِ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣-٥٩] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الرُّومِ: ٤٣] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشُّورَى: ٤٧] الْآيَاتِ، وَغَيْرُهَا.
[الْإِيمَانُ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ]:
وَمِنْهَا الْإِيمَانُ بِـ "مَا" الَّذِي "مِنْ بَعْدِهِ" أَيْ: مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ "عَلَى الْعِبَادِ حَتْمًا" مِنْ أَحْوَالِ الِاحْتِضَارِ إِلَى الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ إِلَى أَنْ يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ وَيَسْتَقِرَّ كُلٌّ
[ ٢ / ٧١٢ ]
الكلام على آية ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ وآية ﴿قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾
مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ. وَنَذْكُرُ مَا تَيَسَّرَ مِنَ التَّقْدِيرِ عَلَى كُلِّ أَمْرِ مِنْهَا فِي مَحَلِّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ الْآتِيَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وهذا أَوَّلُهَا:
وَإِنَّ كل مقعد مسئول مَا الرَّبُّ مَا الدِّينُ وَمَا الرَّسُولُ
وَعِنْدَ ذَا يُثَبِّتُ الْمُهَيْمِنُ بِثَابِتِ الْقَوْلِ الَّذِينَ آمَنُوا
وَيُوقِنُ الْمُرْتَابُ عِنْدَ ذَلِكَ بِأَنَّمَا مَوْرِدُهُ الْمَهَالِكُ
[إِثْبَاتُ عَذَابِ الْقَبْرِ]:
فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ إِثْبَاتُ الْمَسْأَلَةِ الْعَظِيمَةِ، وَهِيَ إِثْبَاتُ سُؤَالِ الْقَبْرِ وَفِتْنَتِهِ وَعَذَابِهِ وَنَعِيمِهِ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ بِذَلِكَ نُصُوصُ الشَّرِيعَةِ كِتَابًا وَسُنَّةً وَأَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ وَأَضْرَابُهُ وَأَتْبَاعُهُمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَحَمَلُوا عَلَى فَاسِدِ فَهْمِهِمْ قَوْلَ اللَّهِ ﷿: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدُّخَانِ: ٥٦] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فَاطِرٍ: ٢٢] .
قَالُوا فِي الْآيَةِ الْأُولَى: لَوْ صَارُوا أَحْيَاءً فِي الْقُبُورِ لَذَاقُوا الْمَوْتَ مَرَّتَيْنِ لَا مَوْتَةً وَاحِدَةً وَقَالُوا فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: إِنَّ الْغَرَضَ مِنْ سِيَاقِهَا تَشْبِيهُ الْكَفَرَةِ بِأَهْلِ الْقُبُورِ فِي عَدَمِ الْإِسْمَاعِ، وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ حَيًّا فِي قَبْرِهِ أَوْ حَاسًّا لَمْ يَسْتَقِمِ التَّشْبِيهُ.
قَالُوا: وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ فَإِنَّا نَرَى شَخْصًا يُصْلَبُ وَيَبْقَى مَصْلُوبًا إِلَى أَنْ تَذْهَبَ أَجْزَاؤُهُ وَلَا نُشَاهِدُ فِيهِ إِحْيَاءً وَمَسْأَلَةً وَالْقَوْلُ لَهُمْ بِهِمَا مَعَ الْمُشَاهَدَةِ سَفْسَطَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَأَبْلَغُ مِنْهُ مَنْ أَكَلَتْهُ السِّبَاعُ وَالطُّيُورُ وَتَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهُ فِي بُطُونِهَا وَحَوَاصِلِهَا، وَأَبْلَغُ مِنْهُ مَنْ أُحْرِقَ حتى يفتت وذريت أَجْزَاؤُهُ الْمُتَفَتِّتَةُ فِي الرِّيَاحِ الْعَاصِفَةِ شَمَالًا وَجَنُوبًا وَقُبُولًا وَدُبُورًا فَإِنَّا نَعْلَمُ عَدَمَ إِحْيَائِهِ وَمَسْأَلَتِهِ وَعَذَابِهِ ضَرُورَةً.
هَذِهِ خُلَاصَةُ شُبَهِهِمِ الدَّاحِضَةِ وَمُحَصِّلَةُ آرَائِهِمُ الْكَاسِدَةِ وَأَفْهَامِهِمُ الْفَاسِدَةِ وَأَذْهَانِهِمُ الْبَائِدَةِ وَلَا عَجَبَ وَلَا اسْتِغْرَابَ مِمَّنْ أَلْحَدَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَجَحَدَ مَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ آيَاتِهِ، وَرَدَّ مَا صَحَّ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ
[ ٢ / ٧١٣ ]
مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَتَقْرِيرَاتِهِ، وَحَكَّمَ الْعَقْلَ فِي الشَّرْعِ وَعَارَضَ الْوَحْيَ الرَّحْمَانِيَّ بِالْحَدْسِ الشَّيْطَانِيِّ، وَقَدَّمَ الْآرَاءَ السَّقِيمَةَ عَلَى السُّنَنِ الْمُسْتَقِيمَةِ، وَآثَرَ الْأَهْوَاءَ الذَّمِيمَةَ عَلَى الْمَحَجَّةِ الْقَوِيمَةِ فَلَيْسَ بِعَجِيبٍ وَلَا غَرِيبٍ مِمَّنْ هَذَا شَأْنُهُ أَنْ يُنْكِرَ عَذَابَ الْقَبْرِ وَغَيْرَهُ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ الَّتِي لَا يُشَاهِدُهَا، وَمَا لَهُ لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ الْإِنْسَانَ إِلَّا هَذَا الْجِسْمَ الَّذِي هُوَ الْجِلْدُ وَاللَّحْمُ وَالْعَظْمُ وَالْعُرُوقُ وَالْأَعْصَابُ وَالشَّرَايِينُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يَمْتَلِئُ بِكَثْرَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فيه ويخلو بقلتهما عَلَيْهِ وَمَا لَهُ لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ وَهُوَ لَا يُقِرُّ بِمَوْجُودٍ إِلَّا مَسْمُوعًا مُتَكَلِّمًا بِهِ مُبْصِرًا مَشْمُومًا مَلْمُوسًا، وَمَا لَهُ لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ وَطَرِيقَتُهُ فِي النُّصُوصِ أَبَدًا تَأْوِيلُ الصَّرِيحِ وَتَضْعِيفُ الصَّحِيحِ وَأَنَّهَا آحَادٌ ظَنِّيَّةٌ لَا تُفِيدُ الْيَقِينَ وَلَيْسَتْ بِأَصْلٍ بِزَعْمِهِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ. وَلَا ذَنْبَ لِلنُّصُوصِ وَمَا نَقَمَ مِنْهَا إِلَّا أَنَّهَا خَالَفَتْ هَوَاهُ وَصَرَّحَتْ بِنَقْضِ دَعْوَاهُ وَسَدَّتْ عَلَيْهِ بَابَ مَغْزَاهُ وَأَوْجَبَتْ عَلَيْهِ نَبْذَ أَقْوَالِ شُيُوخِهِ وَهَدَمَتْ عَلَيْهِ مَا قَدْ بَنَاهُ، وَأَلْزَمَتْهُ بِاطِّرَاحِ كُلِّ قَوْلٍ غَيْرِ مَا قَالَهُ اللَّهُ أَوْ رَسُولُهُ ﷺ، وَنَادَتْ عَلَيْهِ بِأَبْلَغِ صَوْتٍ: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشُّورَى: ٢١] .
وَالْجَوَابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الْأُولَى: أَنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى مُدَّعَاهُمْ بِوَجْهٍ، فَإِنَّهَا فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَا لَهُمْ فِيهَا مِنْ كَمَالِ النَّعِيمِ وَالْخُلْدِ الْمُقِيمِ، وَأَنَّهُمْ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ بَلْ يَنْعَمُونَ وَلَا يَبْأَسُونَ وَيُخَلَّدُونَ فَلَا يَمُوتُونَ، وَأَيْنَ هَذَا مِنْ نَفْيِ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي ادَّعَوْهُ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدُّخَانِ: ٥٦] تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ الْمَوْتِ عَنْهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَمَا الْمَانِعُ مِنْ كَوْنِ الرُّوحِ تَتَّصِلُ بِالْجَسَدِ فِي الْبَرْزَخِ اتِّصَالًا خَاصًّا لِيَتَأَلَّمَ الْجَسَدُ بِمَا يَتَأَلَّمُ بِهِ مِنْ دُونِ أَنْ تَكُونَ حَيَاتُهُ كَالْحَيَاةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، بَلْ مَا الْمَانِعُ مِنْ كَوْنِهَا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً لَا تُشْبِهُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَهِيَ أَعْظَمُ مِنْهَا فَحَجَبَ اللَّهُ تَعَالَى رُؤْيَةَ ذَلِكَ عَنْ عِبَادِهِ رَحْمَةً مِنْهُ بِهِمْ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَخْبَرَ بِهِ ﷺ فِي الْأَحَادِيثِ الْآتِيَةِ مِنَ الْإِقْعَادِ وَالْمُخَاطَبَةِ وَالسُّؤَالِ وَالْجَوَابِ كِفَاحًا كَمَا يَشَاءُ اللَّهُ ﷿ وَالْفَتْحِ لِبَابِ الْجَنَّةِ لِلْمُؤْمِنِ وَفُرُشِهِ مِنْهَا، وَفَتْحِ بَابِ النَّارِ لِلْمُرْتَابِ وَقَمْعِهِ بِالْمَطَارِقِ وَالْمَرَازِبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَسْطُهُ.
وَأَيْضًا فَأَهْلُ الْجَنَّةِ الْمُشَارُ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ
[ ٢ / ٧١٤ ]
الْأُولَى﴾ [الدُّخَانِ: ٥٦] . وقد وَرَدَتْ فِيهِمُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنَّ أَرْوَاحَهُمْ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ فِي حَوَاصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ، كَمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يُعَلَّقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ" ١، وَفِيهِمُ الشُّهَدَاءُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٥٤] يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابِهِ: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ فَهَلْ شَعَرْتُمْ بِذَلِكَ يَا مُعَاشِرَ الزَّنَادِقَةِ دُونَهُمْ؟ وَيَقُولُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٦٩] الْآيَاتِ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَإِنَّهُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غَافِرٍ: ١١] وَالْمَوْتَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى أَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ هِيَ مَوْتَتُهُمْ بَعْدَ فِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَتَفْسِيرُ الْجُمْهُورِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ حَمَلُوا الْمَوْتَةَ الْأُولَى عَلَى الْعَدَمِ الَّذِي قَبْلَ وُجُودِهِمْ، وَالثَّانِيَةَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَعُدُّوا نَوْمَتَهُمْ بَعْدَ الْفِتْنَةِ فِي الْقَبْرِ مَوْتَةً مُسْتَقِلَّةً؛ لِأَنَّ حَالَ الْبَرْزَخِ مِنَ الْمَوْتَةِ الثَّانِيَةِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ دَارِ الدُّنْيَا وَلَا دَارِ الْآخِرَةِ بَلْ هُوَ حَاجِزٌ بينهما، والتفسير الأول مَحْمُولٍ عَلَى مَوْتَتَيْنِ بَعْدَ الْوُجُودِ خَلَا حَالَةِ الْعَدَمِ الْمَحْضِ قَبْلَ إِيجَادِهِمْ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِذَا وُضِعَ -يَعْنِي الْكَافِرَ- فِي قَبْرِهِ فَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ قَالَ: فَيَقُولُ: رَبِّ ارْجِعُونِ أَتُوبُ وَأَعْمَلُ صَالِحًا قَالَ: فَيُقَالُ: قَدْ عُمِّرْتَ مَا كُنْتَ مُعَمَّرًا قَالَ: فَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ وَيَلْتَئِمُ فَهُوَ كَالْمَنْهُوشِ يَنَامُ وَيَفْزَعُ تَهْوِي إِلَيْهِ هَوَامُّ الْأَرْضِ وَحَيَّاتُهَا وَعَقَارِبُهَا٢.
_________________
(١) ١ رواه أحمد "٣/ ٤٥٥ و٤٥٦" ومالك في الموطأ "١/ ٢٤٠" في الجنائز، باب جامع الجنائز، والنسائي "٤/ ١٠٨" فيه، باب أرواح المؤمنين، وابن ماجه "٢/ ١٤٢٨/ ح٤٢٧١" في الزهد، باب ذكر القبر والبلى، وأبو نعيم في الحلية "٩/ ١٥٦" وهو حديث صحيح. ٢ تقدم ذكره، وقد نقله بسنده ابن كثير في تفسيره "٣/ ٢٦٦".
[ ٢ / ٧١٥ ]
وَعَنِ الشُّبْهَةِ الثَّانِيَةِ الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فَاطِرٍ: ٢٢] نَفْيٌ لِاسْتِطَاعَةِ الرَّسُولِ -ﷺ- أَنْ يُسْمِعَهُمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُحَالٍ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ أَنْ يُسْمِعَهُمْ كَمَا أَسْمَعَ أَهْلَ الْقَلِيبِ تَبْكِيتَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ ﷺ: "هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا" ١ الْحَدِيثَ سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَهَذَا إِذَا حُمِلَ عَلَى نَفْيِ مُطْلَقِ السَّمَاعِ بِالْكُلِّيَّةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَنْفِ مُطْلَقَ السَّمَاعِ وَإِنَّمَا نَفَى سَمَاعَ الِاسْتِجَابَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ الْقَلِيبِ: "مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يُجِيبُونَ" ٢ وَبِهَذَا يَتَّضِحُ تَشْبِيهُ الْكُفَّارِ بِهِمْ فَإِنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَسْمَعُونَ كَلَامَ النَّبِيِّ ﷺ وَيَسْمَعُونَ مِنْهُ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِسَمَاعِ اسْتِجَابَةٍ؛ وَلِهَذَا أَثْبَتَ تَعَالَى هَذَا السَّمَاعَ الظَّاهِرَ لَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٨] وَلَوْ كَانَ الْكُفَّارُ لَمْ يَسْمَعُوا مُطْلَقًا لَا سَمَاعَ اسْتِجَابَةٍ وَلَا مُطْلَقًا لَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ حُجَّةً عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنِ الرَّسُولُ بَلَّغَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ مَا سَمِعُوهُ مِنْهُ وَلَا أَفْسَدَ مِنْ قَوْلٍ هَذَا لَازِمُهُ.
وَأَمَّا شُبْهَتُهُمُ الْعَقْلِيَّةُ: فَهِيَ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِعُقُولِهِمُ السَّخِيفَةِ، فَإِنَّ الرُّوحَ الَّتِي عَلَيْهَا الْعَذَابُ أَوِ النَّعِيمُ الْمُتَّصِلُ بِالْجِسْمِ أَلَمُهُ لَيْسَ بِمُدْرَكٍ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ فَمَنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ رُوحَ مَنْ يَمْشِي مَعَهُ وَيُكَلِّمُهُ وَيَأْتَمِنُهُ وَيُعَامِلُهُ فَكَيْفَ يُدْرِكُهُ إِذَا صَارَ من عَالَمِ الْآخِرَةِ لَيْسَ مِنْ عَالَمِ الدُّنْيَا؟ وَأَيْضًا فَاحْتِجَابُ ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى الْبَالِغَةِ وَرَحْمَتِهِ بِهِمْ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ ﷿ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ" ٣ وَأَيْضًا فَأَكْثَرُ أُمُورِ الْإِيمَانِ اعْتِقَادَاتٌ بَاطِنَةٌ مِنَّا لِأُمُورٍ غَائِبَةٍ عَنَّا وَهِيَ أَعْلَى صِفَاتِ أَهْلِ الْإِيمَانِ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣] وَذَلِكَ غَائِبٌ عَنَّا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَنَحْنُ نَعْلَمُهُ عَنِ اللَّهِ عِلْمَ الْيَقِينِ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ هَذِهِ الدَّارِ صَارَ الْغَيْبُ شَهَادَةً
_________________
(١) ١، ٢ سيأتي بتمامه. ٣ رواه مسلم "٤/ ٢١٩٩، ٢٢٠٠/ ح٢٢٦٧" في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه، من حديث زيد بن ثابت ﵁، وعن أنس ﵁ "٤/ ٢٢٠٠/ ح٢٢٦٨" فيه.
[ ٢ / ٧١٦ ]
وَرَأَيْنَا ذَلِكَ عَيْنَ الْيَقِينِ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يُونُسَ: ٣٩] وَالَّذِي أُحْرِقَتْ أَعْضَاؤُهُ وَتَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهُ يَجْمَعُهُ الَّذِي أَبْدَأَهُ مَنْ لَا أَجْزَاءَ وَلَا أَعْضَاءَ، وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ كَذَّبَ بِجَمْعِ هَذَا وَبَيْنَ مَنْ كَذَّبَ بِجَمْعِ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٩] الْآيَةَ. فَيَا أَيُّهَا الطَّالِبُ الْحَقَّ الْمُتَحَرِّي الْإِنْصَافَ، إِلَيْكَ نُصُوصَ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَةِ وَالسُّنَنِ الْقَائِمَةِ، فَأَلْقِ لَهَا سَمْعَكَ وَأَحْضِرْ قَلْبَكَ وَانْظُرْ بِمَاذَا عَارَضَهَا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ وَكَيْفَ تَتَبَّعُوا مَا تَشَابَهَ، وَأَعْرَضُوا عَنِ الْمُحْكَمِ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، فَرَدُّوا الْمُحْكَمَ بِالْمُتَشَابِهِ وَلَمْ يَرُدُّوا عِلْمَ مَا غَرِبَ عَنْهُمْ عِلْمُهُ إِلَى عَالِمِهِ، وَأَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى إِذْ هَدَاكَ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَوَفَّقَكَ لِمَا انْحَرَفُوا عَنْهُ مِنَ الْحَقِّ الْمُبِينِ، وَقُلْ كَمَا قَالَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٨] .
قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٣] الْآيَةَ. قَالَ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٣] أَيْ: إِلَيْهِمْ بِالضَّرْبِ وَالنَّكَالِ وَأَنْوَاعِ الْعَذَابِ حَتَّى تَخْرُجَ أَنْفُسُهُمْ مِنْ أَجْسَادِهِمْ؛ وَلِهَذَا يَقُولُونَ لَهُمْ: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٣] وَذَلِكَ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا احْتَضَرَ بَشَرَّتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِالْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالْأَغْلَالِ وَالسَّلَاسِلِ وَالْجَحِيمِ وَالْحَمِيمِ وَغَضَبِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَتُفَرَّقُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ وَتَعْصِي وَتَأْبَى الْخُرُوجَ فَتَضْرِبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تَخْرُجَ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ أَجْسَادِهِمْ قَائِلِينَ لَهُمْ: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٣] أَيِ: الْيَوْمِ تُهَانُونَ غَايَةَ الْإِهَانَةِ كَمَا كُنْتُمْ تَكْذِبُونَ عَلَى اللَّهِ وَتَسْتَكْبِرُونَ عَنِ اتِّبَاعِ آيَاتِهِ وَالِانْقِيَادِ لِرُسُلِهِ،
[ ٢ / ٧١٧ ]
وَسَيَأْتِي فِي الْأَحَادِيثِ كَيْفِيَّةُ احْتِضَارِ الْمُؤْمِنِ، وَالْكَافِرِ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَفْعَلُ بِهِ هَذَا وَهُوَ مُحْتَضِرٌ بَيْنَ ظَهَرَانَيْ أَهْلِهِ صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ وَذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ وَهُمْ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَسْمَعُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ وَلَا يَدْرُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الضَّرْبِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ مُجَرَّدَ احْتِضَارِهِ وَسِيَاقِ نَفْسِهِ لَا يَعْلَمُونَ بِشَيْءٍ مِمَّا يُقَاسُونَ الشَّدَائِدَ، فَلِأَنْ يُفْعَلَ بِهِ فِي قَبْرِهِ ذَلِكَ وَأَعْظَمُ مِنْهُ وَلَا يَعْلَمُهُ مَنْ كَشَفَ عَنْهُ أَوْلَى وَأَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَى مَا يَنَالُهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَكَيْفَ وَقَدِ انْتَقَلَ إِلَى عَالَمٍ غَيْرِ عَالَمِهِمْ وَدَارٍ غَيْرِ دَارِهِمْ، فَلَا بُدَّ لِلْمُخَالِفِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُقِرَّ بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي الْمُحْتَضِرِ فَيُلْزِمُهُمْ مَا وَرَدَ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ، أَوْ يَجْحَدُ هَذَا وَهَذَا، فَيَكْفُرُ بِتَكْذِيبِهِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَبَشَّرَهُ بِتَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ إِذَا صَارَ إِلَى مَا صَارَ إِلَيْهِ الْمُكَذِّبُونَ.
وَقَالَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٧] وَهَذِهِ الْآيَةُ نَصُّهَا فِي عَذَابِ الْقَبْرِ بِصَرِيحِ الْأَحَادِيثِ الْآتِيَةِ وَبِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَإِنَّ الْمُرَادَ بِالتَّثْبِيتِ هُوَ عِنْدَ السُّؤَالِ فِي الْقَبْرِ حَقِيقَةً، وَأَنَّ مَنْ أَنْكَرَ ذَاكَ اعْتِمَادًا عَلَى كَوْنِهِ لَا يَرَاهُ وَلَا يَسْمَعُهُ فَقَدْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٩] . روى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵁ أَنَّهَا قَالَتْ: وَيْلٌ لِأَهْلِ الْمَعَاصِي مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ، تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ فِي قُبُورِهِمْ حَيَّاتٌ سُودٌ -أَوْ دُهْمٌ- حَيَّةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ وَحَيَّةٌ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، يَقْرُصَانِهِ حَتَّى يَلْتَقِيَا فِي وَسَطِهِ، فَذَلِكَ الْعَذَابُ فِي الْبَرْزَخِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٩] ١. وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي ذَلِكَ قَرِيبًا، وَسَيَأْتِي الْأَحَادِيثُ فِيهِ.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن أبي حاتم "الدر المنثور ٦/ ١١٤ وابن كثير ٣/ ٢٦٦" وفي سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.
[ ٢ / ٧١٨ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غَافِرٍ: ١١] ذَكَرَ الْعَيْنِيُّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي شَرْحِ هَذَا الْبَابِ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَقَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْمَوْتَةَ مَرَّتَيْنِ، وَهُمَا لَا تَتَحَقَّقَانِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْقَبْرِ حَيَاةٌ وَمَوْتٌ، حَتَّى تَكُونَ إِحْدَى الْمَوْتَتَيْنِ مَا يَتَحَصَّلُ عَقِيبَ الْحَيَاةِ فِي الدُّنْيَا، وَالْأُخْرَى مَا يَتَحَصَّلُ عَقِيبَ الْحَيَاةِ الَّتِي في القبر ا. هـ.
قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، حَيْثُ قَالَ: أُمِيتُوا فِي الدُّنْيَا ثُمَّ أُحْيُوا فِي قُبُورِهِمْ فَخُوطِبُوا، ثُمَّ أُمِيتُوا فَأُحْيُوا يوم القيامة ا. هـ.
وَالْآيَةُ تَحْتَمِلُهُ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ كَقَوْلِهِ ﷿: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨] وَقَدْ قَدَّمْنَا الْجَمْعَ بَيْنَ هَذَيْنِ التَّفْسِيرَيْنِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠١] قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو مَالِكٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسَعِيدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ إِسْحَاقَ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ: عَذَابُ الدُّنْيَا وَعَذَابُ الْقَبْرِ ثُمَّ يَرُدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ، هُوَ عَذَابُ النَّارِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السَّجْدَةِ: ٢١] قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: يَعْنِي بِهِ عَذَابَ الْقَبْرِ. وَقَالَ تَعَالَى فِي قَوْمِ نُوحٍ: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غَافِرٍ: ٤٦] .
رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي أَجْوَافِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ بِهِمْ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءُوا، وَإِنَّ أَرْوَاحَ وِلْدَانِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَجْوَافِ عَصَافِيرَ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، فَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ فِي
[ ٢ / ٧١٩ ]
الْعَرْشِ، وَإِنَّ أَرْوَاحَ آلِ فِرْعَوْنَ فِي أَجْوَافِ طُيُورٍ سُودٍ تَغْدُو عَلَى جَهَنَّمَ وَتَرُوحُ عَلَيْهَا، فَذَلِكَ عَرْضُهَا١.
وَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ الطَّوِيلِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِيهِ: "ثُمَّ انْطَلَقَ بِي إِلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ ﷿، رِجَالٍ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بَطْنُهُ مِثْلُ الْبَيْتِ الضَّخْمِ، مُصَفَّدُونَ عَلَى سَابِلَةِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَآلُ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وَآلُ فِرْعَوْنَ كالإبل المسومة يخبطون الْحِجَارَةَ وَالشَّجَرَ وَلَا يَعْقِلُونَ"٢.
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْيَهُودِيَّةِ الَّتِي قَالَتْ لَهَا: وَقَاكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ ﵂ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَتِ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَتْ لَهُ: فَقَالَ ﷺ: "لَا" قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: ثُمَّ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ ذَلِكَ: "وَإِنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ" ٣ وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَرِيبًا.
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَيُقَالُ: مَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ كَوْنِ الْآيَةِ مَكِّيَّةً وَفِيهَا الدَّلَالَةُ عَلَى عَذَابِ الْبَرْزَخِ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى عَرْضِ الْأَرْوَاحِ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا فِي الْبَرْزَخِ، وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ -يَعْنِي تَامَّةً- عَلَى اتِّصَالِ تَأَلُّمِهَا بِأَجْسَادِهَا فِي الْقُبُورِ، إِذْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالرُّوحِ، فَأَمَّا حُصُولُ ذَلِكَ لِلْجَسَدِ فِي الْبَرْزَخِ وَتَأَلُّمُهُ بِسَبَبِهِ فَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ إِلَّا السُّنَّةُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَرْضِيَّةِ. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَى عَذَابِ الْكُفَّارِ فِي الْبَرْزَخِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُعَذِّبَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ بِذَنْبِهِ. وَهَذَا الْجَوَابُ هُوَ الرَّاجِحُ عِنْدِي لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: "إِنَّمَا يُفْتَنُ
_________________
(١) ١ أخرجه ابن أبي حاتم "ابن كثير ٤/ ٨٨" وفي سنده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. ورواه ابن جرير "٢٤/ ٧١" من رواية الثوري من كلام هزيل بن شرحبيل. ٢ أخرجه ابن جرير "١٥/ ١٣" وغيره وأبو هارون العبدي متروك متهم. وفي الصحيح غنية عنه. ٣ البخاري "٢/ ٥٣٨" في الكسوف، باب التعوذ من عذاب القبر في الكسوف، ومسلم "٢/ ٦٢١/ ح٩٠٣" فيه، باب ذكر عذاب القبر في صلاة الخسوف.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
يَهُودُ" ١، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّ أُمَّتَهُ تُفْتَنُ. والجواب الأول مرجوح لِأَنَّ الْآيَاتِ أَيْضًا صَرِيحَةٌ فِي اتِّصَالِ عَذَابِ الْقَبْرِ بِالرُّوحِ وَالْجَسَدِ، وَمَا لَيْسَ صَرِيحًا مِنْهَا فَمُحْتَمَلٌ يُحْمَلُ عَلَى الصَّرِيحِ إذ لم يجئ فِي آيَةٍ تَخْصِيصُهُ بِالرُّوحِ دُونَ الْجَسَدِ وَنَفْيُهُ عَنِ الْجَسَدِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [النَّحْلِ: ٢٩] . قال ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهُمْ يَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ مِنْ يَوْمِ مَمَاتِهِمْ بِأَرْوَاحِهِمْ، وَيَنَالُ أَجْسَادُهُمْ فِي قُبُورِهَا مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ سَلَكَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ وَخَلَدَتْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ٢، ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فَاطِرٍ: ٣٦] . وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٣٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الْفَجْرِ: ٢٨] .
[نُصُوصُ السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ]:
"فَصْلٌ" وَأَمَّا نُصُوصُ السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ فَقَدْ بَلَغَتِ الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ، إِذْ رَوَاهَا أَئِمَّةُ السُّنَّةِ وَحَمَلَةُ الْحَدِيثِ وَنُقَّادُهُ عَنِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ وَالْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِنْهُمْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ وَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ وَأُمُّ خَالِدٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَسَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَأَبُو بَكْرَةَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبُوهُ عَمْرٌو وَأُمُّ مُبَشِّرٍ وَأَبُو قَتَادَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو طَلْحَةَ
_________________
(١) ١ مسلم "١/ ٤١/ ح٥٨٤" في المساجد، باب استحباب التعوذ من عذاب القبر. ٢ ابن كثير "٤/ ٨٨".
[ ٢ / ٧٢١ ]
وَأَسْمَاءُ أَيْضًا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنَةَ وَتَمِيمٌ الدَّارِيُّ وَحُذَيْفَةُ وَأَبُو مُوسَى وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ وَعَوْفُ بْنُ مَالِكٍ:
فَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- فَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدٌ وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا ابْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى أَنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٌ -ﷺ-؟ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ". قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا. وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوِ الْمُنَافِقُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ" ١ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ عَنْ قَتَادَةَ بِنَحْوِهِ، وَزَادَ فِيهِ: قَالَ قَتَادَةُ: وَذَكَرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسِحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا -يَعْنِي الْمُؤْمِنَ- وَيَمْلَأُ عَلَيْهِ خُضْرًا إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ٢. وَلَهُمَا عَنْهُ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ" ٣. وَلِمُسْلِمٍ عَنْهُ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: "لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ" ٤.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ" ثُمَّ قَالَ: "بَلَى أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ" ثُمَّ
_________________
(١) ١ البخاري "٣/ ٢٣٢" في الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر. ٢ مسلم "٤/ ٢٢٠٠/ ح٢٨٧٠" في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه. ٣ البخاري "١١/ ١٧٦" في الدعوات، باب التعوذ من فتنة المحيا والممات، ومسلم "٤/ ٢٠٧٩/ ح٢٧٠٦" في الذكر والدعاء، باب التعوذ من العجز والكسل وغيره. ٤ مسلم "٤/ ٢٢٠٠/ ح٢٢٦٨" في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه.
[ ٢ / ٧٢٢ ]
قَالَ: أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ ثُمَّ قَالَ: "لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا" رَوَاهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ صَحِيحِهِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَغَيْرُهُ١.
وَلَهُمَا وَلِلنَّسَائِيِّ عَنْهُ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ" ٢.
وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مرثد عن سعيد بْنِ عُبَيْدَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أُقْعِدَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٧] "، رَوَاهُ فِي مَوَاضِعَ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ٣.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْهُ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: "اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ -مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ- إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ من الدنيا وإقبال إِلَى الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ
_________________
(١) ١ البخاري "١/ ٣١٧" في الوضوء، باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله وغيره، ومسلم "١/ ٢٤٠/ ح٢٩٢" في الإيمان، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه. ٢ مسلم "١/ ٤١٣/ ح٥٩٠" في المساجد، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، ورواه مالك في الموطأ "١/ ٢١٥" والترمذي "٥/ ٥٢٤/ ح٣٤٩٤" في الدعوات، باب الاستعاذة، والنسائي "٨/ ٢٧٦ و٢٧٧" في الاستعاذة، باب الاستعاذة من فتنة الممات، وابن ماجه "٢/ ١٦٦٢/ ح٣٨٤٠" في الدعاء، باب ما تعوذ منه رسول الله ﷺ. وأما قول المصنف: رواه البخاري، فهو وهم منه؛ فلم يروه البخاري من حديثه. قال ابن الأثير: رواه الجماعة إلا البخاري "جامع الأصول ٤/ ٣٧٠" وانظر تحفة الأشراف "٥/ ٢٧/ ح٥٧٥٠". ٣ البخاري "٣/ ٢٣١، ٢٣٢" في الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، ومسلم "٤/ ٢٢٠١/ ح٢٨٧١" في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه.
[ ٢ / ٧٢٣ ]
السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولَ: أيتها النفس المطمئنة اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ الله ورضوان -قال- فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هذه الريح الطيبة؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ ابن فُلَانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حتى ينتهوا به إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحُونَ له فيفتح لَهُ، فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرِّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا حتى ينتهى بها إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى قَالَ: فَتُعَادُ رُوحُهُ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كتاب الله تعالى فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ. فينادي منادٍ من السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قبره مد البصر قَالَ: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ، فوجهك الوجه الذي يَجِيءُ بِالْخَيْرِ؟! فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ فَيَقُولُ: رَبِّ أقم الساعة رب أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي -قَالَ- وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدنيا وإقبال إلى الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ مَعَهُمُ الْمُسُوحُ فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولَ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَغَضَبٍ قَالَ: فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ
[ ٢ / ٧٢٤ ]
رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قالوا: ما هذه الرُّوحُ الخبيثة؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ ابن فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حتى ينتهى بها إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسْتَفْتَحُ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ -ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٤٠]- فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿: اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ الأرض السفلى، فيطرح رُوحُهُ طَرْحًا -ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الْحَجِّ: ٣١] فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي. فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ عبدي، فأفرشوه مِنَ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيَابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ. فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ، فوجهك الوجه الذي يَجِيءُ بِالشَّرِّ؟! فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ فَيَقُولُ: رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ" زَادَ فِي رِوَايَةٍ فِي قِصَّةِ الْمُؤْمِنِ: "حَتَّى إِذَا خَرَجَ رُوحُهُ صَلَّى عَلَيْهِ كُلُّ مَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَكُلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَاءِ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَابٍ إِلَّا وَهُمْ يَدْعُونَ اللَّهَ ﷿ أَنْ يُعْرَجَ بِرُوحِهِ مِنْ قِبَلِهِمْ" وَزَادَ فِي قِصَّةِ الْكَافِرِ: "ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَصَمُّ أَبْكَمُ فِي يَدِهِ مِرْزَبَّةٌ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ كَانَ تُرَابًا، فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً فَيَصِيرُ تُرَابًا. ثُمَّ يُعِيدُهُ اللَّهُ ﷿ كَمَا كَانَ فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أُخْرَى فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ -قَالَ الْبَرَاءُ- ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنَ النَّارِ، وَيُمَهَّدُ لَهُ فِرَاشٌ مِنَ النَّارِ" وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِنَحْوِهِ١.
_________________
(١) ١ أحمد "٤/ ٢٨٧ و٢٨٨ و٢٩٥ و٢٩٦ و٢٩٧" وأبو داود "٤/ ٢٣٩، ٢٤٠/ ح٤٧٥٣ و٤٧٥٤" في السنة، باب في المسألة في القبر وعذاب القبر، والنسائي "١/ ٢٨٢" وابن ماجه "١/ ٤٩٤/ ح١٥٤٨" في الجنائز، باب ما جاء في الجلوس في المقابر، والطيالسي "ص١٠٢/ ح٧٥٣" والآجري في الشريعة "ص٣٦٧-٣٧٠" والحاكم "١/ ٣٧-٤٠" وقال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين. وأقره الذهبي، وهو كما قالا. والبيهقي في عذاب القبر "ح٢٠".
[ ٢ / ٧٢٥ ]
وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَرَوَاهُ مُسْلِمٍ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُرِينَا مَصَارِعَ أَهْلِ بَدْرٍ بِالْأَمْسِ يَقُولُ: "هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى" قَالَ فَقَالَ عُمَرُ: فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بالحق ما أخطئوا الْحُدُودَ الَّتِي حَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَجُعِلُوا فِي بِئْرٍ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ فَقَالَ: "يَا فُلَانُ ابن فُلَانٍ وَيَا فُلَانُ ابن فُلَانٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي اللَّهُ حَقًّا" قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تُكَلِّمُ أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا؟! قَالَ: "مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيَّ شَيْئًا" ١.
وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ عَنْهُ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَفِتْنَةِ الصَّدْرِ٢.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -﵄- فَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "بَابُ الْمَيِّتِ يُعْرَضُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ" حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ٣. وَلَهُ عَنْهُ ﵁ قَالَ: اطَّلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَهْلِ الْقَلِيبِ
_________________
(١) ١ مسلم "٤/ ٢٢٠٢/ ح٢٨٧٣" في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه. ٢ رواه أحمد "١/ ٢٢" وأبو داود "٢/ ٩٠/ ح١٥٣٩" في الصلاة، باب الاستعاذة، والنسائي "٨/ ٢٥٥" في الاستعاذة، باب الاستعاذة من فتنة الصدر، وباب الاستعاذة من فتنة الدنيا، والاستعاذة من البخل، وابن ماجه "٢/ ١٢٦٣/ ح٣٨٤٤" في الدعاء، باب ما تعوذ منه رسول الله ﷺ، وابن حبان "٦٠٥، ٦٠٦/ ح٢٤٤٥، موارد" وهو حديث حسن. ٣ رواه البخاري "٣/ ٢٤٣" في الجنائز، باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، وفي بدء الخلق وفي الرقاق، ومسلم "٤/ ٢١٩٩/ ح٢٨٦٦" في الجنة، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
فَقَالَ: "وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا"؟ فَقِيلَ لَهُ: تَدْعُو أَمْوَاتًا؟! فَقَالَ: "مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ" ١.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الْكُسُوفِ" حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ ﵂ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ -ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الْكُسُوفِ بِطُولِهِ وَفِيهِ آخِرُهُ- ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ٢.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنِي أَبِي سَمِعْتُ الْأَشْعَثَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَذَكَرَتْ عَذَابَ الْقَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَقَالَ: "عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ" قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ٣.
وَقَالَ مُسْلِمٌ أَيْضًا: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا -وَقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا- ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟ قَالَتْ: فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "إِنَّمَا تُفْتَنُ يَهُودُ" قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَلْ شَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ"؟ قَالَتْ عَائِشَةُ
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٣/ ٢٣٢" في الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، ومسلم "٢/ ٦٤٣/ ح٩٣٢" في الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه. ٢ رواه البخاري "٢/ ٥٣٨" في الكسوف، باب التعوذ من عذاب القبر في الكسوف، ومسلم "١/ ٤١٠/ ح٥٨٤" في المساجد، باب استحباب التعوذ من عذاب القبر. ٣ رواه البخاري "٣/ ٢٣٢" في الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، ومسلم "١١/ ٤١١/ ح٥٨٦" في المساجد، باب استحباب التعوذ من عذاب القبر.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
﵂: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدُ يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ١.
وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ فَقَالَتَا: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ قَالَتْ: فَكَذَّبْتُهُمَا وَلَمْ أَنْعَمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا، فَخَرَجَتَا وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَجُوزَيْنِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ دَخَلَتَا عَلَيَّ، فَزَعَمَتَا أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ! فَقَالَ: "صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ" ثُمَّ قَالَتْ: فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ٢.
وَلَهُمَا عَنْهَا ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ. اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ" ٣.
وَلِمُسْلِمٍ عَنْهَا مِنْ حَدِيثِهَا فِي الْكُسُوفِ، وَفِيهِ قَوْلُهُ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ: "وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا ابْنَ لُحَيٍّ وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ" ٤.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀
_________________
(١) ١ رواه مسلم "١/ ٤١٠/ ح٥٨٤" في المساجد، باب استحباب التعوذ من عذاب القبر، وقد تقدم. ٢ مسلم "١/ ٤١١/ ح٥٨٦" في المساجد، باب استحباب التعوذ من عذاب القبر. ٣ رواه البخاري "١١/ ١٧٦" في الدعوات، باب التعوذ من المأثم والمغرم، وباب الاستعاذة من فتنة الغنى، وباب التعوذ من فتنة الفقر، ومسلم "١/ ٤١١/ ح٥٨٩" في الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر الفتن. ٤ رواه مسلم "٢/ ٦٢٢/ ح٩٠٤" في الكسوف، باب ما عرض على النبي -ﷺ- في صلاة الكسوف، من أمر الجنة والنار.
[ ٢ / ٧٢٨ ]
تَعَالَى: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ﵄ تَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ الَّتِي يُفْتَنُ فِيهَا الْمَرْءُ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً١.
وَلَهُمَا عَنْهَا ﵂ حَدِيثُ الْكُسُوفِ بِطُولِهِ، وَفِيهِ: فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ -أَوْ قَرِيبًا مِنْ- فِتْنَةِ الدَّجَّالِ -لا أدري أيتهما قَالَتْ أَسْمَاءُ- يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ -لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا. فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ صَالِحًا فَقَدْ عَلِمْنَاكَ كُنْتَ لَمُوقِنًا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ -لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ" ٢ قَوْلُهُ: لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ إِلَخْ، التَّرَدُّدُ فِيهِ مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ الرَّاوِيَةِ عَنْ أَسْمَاءَ ﵄.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حدثني عون بن أَبِي جُحَيْفَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵃ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ: "يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ جَمَاعَةٍ عَنْ شُعْبَةَ بِهِ٣.
وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ خَالِدٍ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا مُعَلَّى حَدَّثَنَا
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٣/ ٢٣٢" في الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر. ٢ رواه البخاري "١/ ٢٨٨، ٢٨٩" في الوضوء، باب من لم يتوضأ إلا من الغش المثقل، وفي العلم، وفي الكسوف، وفي السهو، وفي الجمعة، وفي الأذان، وفي العتق، وفي الاعتصام، ومسلم "١/ ٦٢٤/ ح٩٠٥" في الكسوف، باب ما عرض على النبي -ﷺ- في صلاة الكسوف. ٣ رواه البخاري "٣/ ٢٤١" في الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر، ومسلم "٤/ ٢٠٠/ ح٢٨٦٩" في صفة الجنة، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
وُهَيْبٌ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي ابْنَةُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ١. وَقَالَ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ بِهِ٢ إِلَخْ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا بُدَيْلٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصْعِدَانِهَا" قَالَ حَمَّادٌ: فَذَكَرَ مِنْ طَيَّبِ ريحها وذكر المسك قَالَ: "وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ، فَيَنْطَلِقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ ﷿ ثُمَّ يَقُولُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ قَالَ: وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ" قَالَ حَمَّادٌ وَذَكَرَ مِنْ نَتْنِهَا وَذَكَرَ لَعْنًا "وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ قَالَ: فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ"، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَيْطَةً كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ هَكَذَا"٣.
وَلَهُمَا عَنْهُ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ" ٤.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بَابُ مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ. حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ الْبَصْرِيُّ أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ -أَوْ قَالَ: أَحَدُكُمْ- أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: الْمُنْكَرُ وَالْآخَرِ: النَّكِيرُ فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ مَا
_________________
(١) ١، ٢ رواه البخاري "٣/ ٢٤١" في الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر. وفي الدعوات، باب التعوذ من عذاب القبر "١١/ ١٧٤". ٣ رواه مسلم "٤/ ٢٢٠٢/ ح٢٨٧٢" في الجنة وصفة نعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه. ٤ البخاري "٣/ ٢٤١" في الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر، ومسلم "١/ ٤١٢/ ح٥٨٨" في المساجد، باب ما يستعاذ منه في الصلاة.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
كَانَ يَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا. ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ فَيَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إلا أحب أهليه إِلَيْهِ، حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يقولون فقلت مثلهم، لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ فَيُقَالُ لِلْأَرْضِ: الْتَئِمِي عَلَيْهِ فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ، فَتَخْتَلِفُ أَضْلَاعُهُ، فَلَا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ" ١.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمَيِّتَ يَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ قَالُوا: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ، اخْرُجِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ. قَالَ: فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَيُسْتَفْتَحُ لَهَا فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيُقَالُ: فُلَانٌ فَيَقُولُونَ: مَرْحَبًا بِالرُّوحِ الطَّيِّبَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ، ادْخُلِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، قَالَ: فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللَّهُ ﷿. وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ السَّوْءُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ قَالُوا: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ، اخْرُجِي ذَمِيمَةً وَأَبْشِرِي بِجَحِيمٍ وَغَسَّاقٍ وَآخَرَ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٍ، فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ ثُمَّ يعرج بها إلى السَّمَاءَ فَيُسْتَفْتَحُ لَهَا فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيُقَالُ: هَذَا فُلَانٌ فَيَقُولُونَ: لَا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الْخَبِيثَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ، ارْجِعِي ذَمِيمَةً فَإِنَّهُ لَا تُفْتَحُ لَكِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَيُرْسَلُ مِنَ السَّمَاءِ ثُمَّ يَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ ٢.
_________________
(١) ١ رواه الترمذي "٣/ ٣٨٣/ ح١٠٧١" في الجنائز، باب ما جاء من عذاب القبر وقال: حديث حسن غريب، وابن أبي عاصم في السنة "٢/ ٤٠٢/ ح٨٦٤" والآجري "ص٣٦٥" وابن حبان "ص١٩٧/ ح٧٨٠، موارد" وهو حديث حسن. ٢ رواه أحمد "٤/ ٣٦٤" ورواه ابن ماجه من حديث أبي بكر بن أبي شيبة عن شبابة عن ابن أبي ذئب "٢/ ١٤٢٦/ ح٤٢٦٨" في الزهد، باب ذكر القبر والبلى، وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٧٣١ ]
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَمْدَانِيُّ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا قُبِضَ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي إِلَى رُوحِ اللَّهِ فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ مِسْكٍ، حَتَّى أَنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا يَشُمُّونَهُ حَتَّى يَأْتُوا بِهِ بَابَ السَّمَاءِ فَيُقَالُ: مَا هَذِهِ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ؟ وَلَا يَأْتُونَ السَّمَاءَ إِلَّا قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى يَأْتُوا بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَهْلِ الْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ. فَيَقُولُونَ: مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ حَتَّى يَسْتَرِيحَ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمٍّ فَيَقُولُ: قَدْ مَاتَ أَمَا أَتَاكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: ذَهَبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ. وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَأْتِيهِ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ بِمَسْحٍ فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي إِلَى غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ فَيَذْهَبُ بِهِ إِلَى بَابِ الْأَرْضِ" ١ زَادَ فِي رِوَايَةٍ: "وَأَمَّا الْكَافِرُ إِذَا قُبِضَتْ نَفْسُهُ وَذُهِبَ بِهَا إِلَى بَابِ الْأَرْضِ تَقُولُ خَزَنَةُ الْأَرْضِ: مَا وَجَدْنَا رِيحًا أَنْتَنَ مِنْ هَذِهِ فَيَبْلُغُ الْأَرْضَ السُّفْلَى" ٢.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٧]-قَالَ- ذَلِكَ إِذَا قِيلَ لَهُ فِي الْقَبْرِ: مَنْ رَبُّكَ وَمَا دِينُكَ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ وَدِينِيَ الْإِسْلَامُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ فَيُقَالُ لَهُ: صَدَقْتَ، عَلَى هَذَا عِشْتَ وَعَلَيْهِ مُتَّ وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ" ٣.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى وَالْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الْمَيِّتَ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِكُمْ حِينَ
_________________
(١) ١ رواه ابن حبان "ص١٨٧/ ح٧٣٣، موارد" وإسناده صحيح، ويشهد له الذي قبله. ٢ ابن حبان "ص١٨٦، ١٨٧/ ح٧٣١، موارد". ٣ أخرجه ابن جرير "١٣/ ٢١٥" وابن مردويه "الدر المنثور ٥/ ٣٢" وسنده حسن، ومحمد بن عمرو هو الليثي، وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن حسن.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
تُوَلُّونَ عَنْهُ مُدْبِرِينَ، فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَانَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَالزَّكَاةُ عَنْ يَمِينِهِ وَالصَّوْمُ عَنْ يَسَارِهِ وَكَانَ فِعْلُ الْخَيْرَاتِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَيُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ فَتَقُولُ الصَّلَاةُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، فَيُؤْتَى عَنْ يَمِينِهِ فَتَقُولُ الزَّكَاةُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، فَيُؤْتَى عَنْ يَسَارِهِ فَيَقُولُ الصِّيَامُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، فَيُؤْتَى مِنْ رِجْلَيْهِ فَيَقُولُ فِعْلُ الْخَيْرَاتِ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ فَيُقَالُ لَهُ: اجْلِسْ فَيَجْلِسُ، قَدْ مَثَلَتْ لَهُ الشَّمْسُ قَدْ دَنَتْ لِلْغُرُوبِ فَيُقَالُ: أَخْبِرْنَا عَمَّا نَسْأَلُكَ فَيَقُولُ: دَعْنِي حَتَّى أُصَلِّيَ فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّكَ سَتَفْعَلُ فَأَخْبِرْنَا عَمَّا نَسْأَلُكَ فَيَقُولُ: وَعَمَّ تَسْأَلُونِي؟ فَيُقَالُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ فِيكُمْ مَاذَا تَقُولُ فِيهِ، وَمَا تَشْهَدُ بِهِ عَلَيْهِ؟ فَيَقُولُ: أَمُحَمَّدٌ؟ فَيُقَالُ لَهُ: نَعَمْ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّهُ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَصَدَّقْنَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ: عَلَى ذَلِكَ حَيِيتَ وَعَلَى ذَلِكَ مُتَّ وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا وَيُنَوَّرُ لَهُ وَيُفْتَحُ له باب إلى الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ فِيهَا فَيَزْدَادُ غِبْطَةً وَسُرُورًا، ثُمَّ تُجْعَلُ نَسَمَتُهُ فِي النَّسَمِ الطَّيِّبِ وَهِيَ طَيْرٌ خُضْرٌ يَعْلُقُ بِشَجَرِ الْجَنَّةِ، وَيُعَادُ الْجَسَدُ إلى ما بدأ مِنَ التُّرَابِ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٧] " وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، وَذَكَرَ جَوَابَ الْكَافِرِ وَعَذَابَهُ١. وَقَالَ الْبَزَّارُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَحْرٍ الْقَرَاطِيسِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -أَحْسَبُهُ رَفَعَهُ- قَالَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَنْزِلُ بِهِ الْمَوْتُ وَيُعَايِنُ مَا يُعَايِنُ فَيَوَدُّ لَوْ خَرَجَتْ -يَعْنِي نَفْسَهُ- وَاللَّهُ يُحِبُّ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَصْعَدُ بِرُوحِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَتَأْتِيهِ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ فَتَسْتَخْبِرُهُ عَنْ مَعَارِفِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَإِذَا قَالَ: تَرَكْتُ فُلَانًا فِي الْأَرْضِ أَعْجَبَهُمْ
_________________
(١) ١ أخرجه ابن أبي شيبة "٣/ ٣٨٤" وهناد في الزهد "ح٣٣٨" وابن جرير "١٣/ ٢١٥، ٢١٦" وابن حبان "ص١٩٧، ١٩٨/ ح٧٨١، موارد" والطبراني في الأوسط "٣/ ٣٠١، ٣٠٢/ ح٢٦٥١" والبيهقي في إثبات عذاب القبر "ص٦١، ٦٢/ ح٦٧" وفي الاعتقاد "ح١٠٨" والحاكم في المستدرك "١/ ٣٧٩" وابن المنذر وابن مردويه "الدر المنثور ٥/ ٣١" وهو حديث حسن، وقد صححه الحاكم وأقره الذهبي، وهو كذلك لشواهده.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
ذَلِكَ، وَإِذَا قَالَ: إِنَّ فُلَانًا قَدْ مَاتَ قَالُوا: مَا جِيءَ بِهِ إِلَيْنَا! وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَجْلِسُ فِي قَبْرِهِ فَيُسْأَلُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ ﷿، وَيُسْأَلُ: مَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ -ﷺ- نَبِيِّي فَيُقَالُ: مَاذَا دِينُكَ؟ قَالَ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ فِي قَبْرِهِ فَيَقُولُ أَوْ يُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَجْلِسِكَ ثُمَّ يَرَى الْقَبْرَ فَكَأَنَّمَا كَانَتْ رَقْدَةً. وَإِذَا كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ وَعَايَنَ مَا عَايَنَ فَإِنَّهُ لَا يُحِبُّ أَنْ تَخْرُجَ رُوحُهُ أَبَدًا وَاللَّهُ يُبْغِضُ لِقَاءَهُ، فَإِذَا جَلَسَ فِي قبره أو أُجلس فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ، فَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى جَهَنَّمَ ثُمَّ يُضْرَبُ ضَرْبَةً تَسْمَعُهَا كُلُّ دَابَّةٍ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ كَمَا يَنَامُ الْمَنْهُوشُ" قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: مَا الْمَنْهُوشُ؟ قَالَ: الَّذِي تَنْهَشُهُ الدَّوَابُّ وَالْحَيَّاتُ ثُمَّ يُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ إِلَّا الْوَلِيدَ بْنَ مُسْلِمٍ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ابْنَ قَاسِمٍ١.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ وَسَلْمَانَ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ سَمِعْتُ أَبِي حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عن عقبة بن عَبْدِ الْغَافِرِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا فيمن سلف وفيمن كَانَ قَبْلَكُمْ قَالَ كَلِمَةً يَعْنِي: أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِبَنِيهِ: أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا وَإِنْ يَقْدِرِ اللَّهُ عَلَيْهِ يُعَذِّبْهُ، فَانْظُرُوا إِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحَمَا فَاسْحَقُونِي -أَوْ قَالَ: فَاسْحَكُونِي- فَإِذَا كَانَ يَوْمُ رِيحٍ عَاصِفٍ فَاذْرُونِي فِيهَا فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: "فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبِّي، فَفَعَلُوا ثُمَّ أَذَرَوْهُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ فَقَالَ اللَّهُ ﷿: كُنْ فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ قَائِمٌ قَالَ اللَّهُ: أَيْ عَبْدِي، مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ أَوْ فَرَقٌ مِنْكَ قَالَ: فَمَا تَلَافَاهُ أَنْ رَحِمَهُ عِنْدَهَا" وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: "فَمَا تلافاه" فحدثت به أَبَا عُثْمَانَ فَقَالَ: سَمِعْتُ هَذَا مِنْ سَلْمَانَ غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ
_________________
(١) ١ رواه البزار "١/ ٤١٤/ ح٨٧٤/ كشف الأستار" قال الهيثمي: ورجاله ثقات خلا سعيد بن بحر القراطيسي، فإني لم أعرفه "المجمع ٣/ ٥٦" قلت: لئن لم يعرفه هو فقد عرفه غيره، ومن عرف حجة على من لم يعرف فقد ذكره الخطيب وقال: كان ثقة "تاريخ بغداد "٩/ ٩٣"، وليس من رواته الوليد بن مسلم بل هو ابن قاسم، كما هو في كشف الأستار، وكذلك ابن كثير "٢/ ٥٥٣".
[ ٢ / ٧٣٤ ]
فِيهِ: "اذْرُونِي فِي الْبَحْرِ" ١ أَوْ كَمَا حَدَّثَ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: "فَفَعَلُوا فَجَمَعَهُ اللَّهُ ﷿ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ فَتَلَقَّاهُ بِرَحْمَةٍ" ٢.
وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بَابُ كَلَامِ الْمَيِّتِ عَلَى الْجِنَازَةِ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا وُضِعَتِ الْجِنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الْإِنْسَانُ لَصُعِقَ" ٣.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جِنَازَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَإِذَا الْإِنْسَانُ دُفِنَ وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ جَاءَهُ مَلَكٌ فِي يَدِهِ مِطْرَاقٌ مِنْ حَدِيدٍ فَأَقْعَدَهُ فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ لَهُ: صَدَقْتَ ثُمَّ يَفْتَحُ له باب إلى النَّارِ فَيَقُولُ: كَانَ هَذَا مَنْزِلَكَ لَوْ كَفَرْتَ بربك، فأما إذ آمَنْتَ فَهَذَا مَنْزِلُكَ، فَيَفْتَحُ لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، فَيُرِيدُ أَنْ يَنْهَضَ إِلَيْهِ فَيَقُولُ لَهُ: اسْكُنِ اسْكُنْ وَيُفْسِحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ. وَإِنْ كَانَ كَافِرًا أَوْ مُنَافِقًا يَقُولُ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَيَقُولُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ وَلَا اهْتَدَيْتَ. ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: هَذَا مَنْزِلُكَ لَوْ كُنْتَ آمَنْتَ بربك، فأما إذ كَفَرْتَ بِهِ فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ أَبْدَلَكَ بِهِ هَذَا، فَيَفْتَحُ لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ ثُمَّ يَقْمَعُهُ قَمْعَةً بِالْمِطْرَاقِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٦/ ٥١٤-٥١٥" في الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، وفي التوحيد، ومسلم "٤/ ٢١٠٩/ ح٢٧٥٦" في التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه. ٢ رواه البخاري "٦/ ٥١٤" في الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، والرقاق، باب الخوف من الله وفي التوحيد، ومسلم "٤/ ٢١١١/ ح٢٧٥٧" في التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى. ٣ رواه البخاري "٣/ ٢٤٤" في الجنائز، باب كلام الميت على الجنازة، وفي "٣/ ١٨١" في الجنائز، باب حمل الرجال الجنازة دون النساء، وباب قول الميت وهو على الجنازة: قدموني.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
خَلْقُ اللَّهِ ﷿ كُلُّهُمْ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ. فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَحَدٌ يَقُومُ عَلَيْهِ مَلَكٌ فِي يَدِهِ مِطْرَاقٌ إِلَّا هِيلَ عِنْدَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ " ١.
وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ فِي الْقَبْرِ" ٢.
وَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: "مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا"؟ قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا فَيَقُولُ: "مَا شَاءَ اللَّهُ" فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقَالَ: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا"؟ قُلْنَا: لَا قَالَ: "لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخْرَجَانِي إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ -قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى- كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ يُدْخِلُهُ فِي شِدْقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الْآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى آتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ وَرَجُلٍ قَائِمٍ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ -أَوْ صَخْرَةٍ- فَيَشْرَخُ بِهِ رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الْحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ، وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ فَعَادَ إِلَيْهِ قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلَهُ وَاسِعٌ يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا، فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهْرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهْرِ وَرَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهْرِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ
_________________
(١) ١ رواه أحمد "٣/ ٣ و٢٣٣ و٣٤٦" وابن أبي الدنيا في ذكر الموت، وابن أبي عاصم في السنة "٢/ ٤٠٣/ ح٨٦٥" والبزار "كشف الأستار "١/ ٤١٢/ ح٨٧٢" وابن جرير "٨/ ٢١٤" والبيهقي في إثبات عذاب القبر "ص٤٣/ ح٣٢٠" وهو صحيح لشواهده. رجاله رجال الصحيح غير عباد بن راشد، روى له البخاري مقرونا على ضعف فيه، وسنده لا بأس به كما قال ابن كثير. ٢ أخرجه الطبراني في الأوسط وابن مردويه "الدر المنثور ٥/ ٢٨" وقد تقدمت شواهده.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
حَيْثُ كَانَ فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا فَصَعِدَا بِي فِي الشَّجَرَةِ وَأَدْخَلَانِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا فَصَعِدَا بِي إِلَى الشَّجَرَةِ فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ فِيهَا شُيُوخٌ وَشُبَّانٌ قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ قَالَا: نَعَمْ، أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ تُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ مَا رَأَيْتَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْرَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ. وَالَّذِي رَأَيْتَهُ في النهر آكلو الرِّبَا، وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ ﵇، وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ، وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَالدَّارُ الْأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ وَأَنَا جِبْرِيلُ وَهَذَا مِيكَائِيلُ فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ قَالَا: ذَاكَ منزلك قلت: دعياني أَدْخُلْ مَنْزِلِي قَالُوا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمْرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ" ١.
وَأَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ ﵁ فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ حَدَّثَنَا هِشَامٌ هُوَ ابْنُ يُوسُفَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُجَيْرٍ عَنْ هَانِئٍ مَوْلَى عُثْمَانَ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الرَّجُلِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: "اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ" ٢ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
_________________
(١) ١ رواه البخاري "١٢/ ٤٣٨-٤٣٩" في التعبير، باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح، وفي صفة الصلاة، وفي التهجد، وفي الجنائز، وفي البيوع، وفي الجهاد، وفي بدء الخلق، وفي الأنبياء، ومسلم "٤/ ١٧٨١/ ح٢٢٧٥" في الرؤيا، باب رؤيا النبي ﷺ "طرفا يسيرا من أوله". ٢ رواه أبو داود "٣/ ٢١٥/ ح٣٢٢١" في الجنائز، باب الاستغفار عند القبر للميت. والحاكم "١/ ٣٧٠" وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا وأخرجه البيهقي "٤/ ٥٦" وفي إثبات عذاب القبر "ص١٢٤/ ح٢١١ و٢١٢". وانظر تلخيص الحبير لابن حجر "٢/ ١٣٥" وقال النووي: إسناده جيد "المجموع ٥/ ٢٩٢".
[ ٢ / ٧٣٧ ]
وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ الْمُؤَدِّبُ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ وَكَانَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ عَنِ الْأَغَرِّ بْنِ الصَّبَاحِ عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: أَكْثَرُ مَا دَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فِي الْمَوْقِفِ: "اللَّهُمَّ لَكَ الحمد كالذي تقول وَخَيْرًا مِمَّا نَقُولُ. اللَّهُمَّ لَكَ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي، وَإِلَيْكَ مَآبِي وَلَكَ رَبِّ تُرَاثِي. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَوَسْوَسَةِ الصَّدْرِ وَشَتَاتِ الْأَمْرِ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَجِيءُ بِهِ الرِّيحُ" ١.
وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَقَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَلَمْ أَشْهَدْهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وَإِذَا أَقْبَرَ سِتَّةً أَوْ خَمْسَةً أَوْ أَرْبَعَةً قَالَ: كَذَا كَانَ يَقُولُ الْجُرَيْرِيُّ فَقَالَ: "مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ"؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا قَالَ: "فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ "؟ قَالَ: مَاتُوا فِي الْإِشْرَاكِ فَقَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ" ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ" قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ فَقَالَ: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ" قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ قَالَ: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ" قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ قَالَ: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ" قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ٢.
_________________
(١) ١ رواه الترمذي "٥/ ٥٣٧/ ح٣٥٢٠" في الدعوات، باب "٨٨" وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي. قلت فيه: قيس بن الربيع تغير لما كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به. وعلي بن ثابت الجزري ربما أخطأ. ٢ رواه مسلم "٤/ ٢١٩٩-٢٢٠٠/ ح٢٨٦٧" في الجنة وصفة نعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه.
[ ٢ / ٧٣٨ ]
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ فَتَّانِي الْقَبْرِ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَإِذَا أُدْخِلَ الْمُؤْمِنُ قَبَرَهُ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، جَاءَ مَلَكٌ شَدِيدُ الِانْتِهَارِ فَيَقُولُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَعَبْدُهُ فَيَقُولُ لَهُ الْمَلَكُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ الَّذِي كَانَ لَكَ فِي النَّارِ قَدْ أَنْجَاكَ اللَّهُ مِنْهُ وَأَبْدَلَكَ بِمَقْعَدِكَ الَّذِي تَرَى مِنَ النَّارِ مَقْعَدَكَ الَّذِي تَرَى مِنَ الْجَنَّةِ. فَيَرَاهُمَا كِلَيْهِمَا، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: دَعُونِي أُبَشِّرْ أَهْلِي فَيُقَالُ لَهُ: اسْكُنْ. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَيَقْعُدُ إِذَا تَوَلَّى عَنْهُ أَهْلُهُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي أَقُولُ كَمَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ هَذَا مَقْعَدُكَ الَّذِي كَانَ لَكَ فِي الْجَنَّةِ أَبْدَلَكَ مَكَانَهُ مَقْعَدَكَ مِنَ النَّارِ". قَالَ جَابِرٌ: فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ فِي الْقَبْرِ عَلَى مَا مَاتَ، الْمُؤْمِنُ عَلَى إِيمَانِهِ وَالْمُنَافِقُ عَلَى نِفَاقِهِ" ١.
وَلِمُسْلِمٍ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ الْكُسُوفِ وَفِيهِ: "وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا، رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، وَرَأَيْتُ أَبَا ثُمَامَةَ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ" وَفِي رِوَايَةٍ: "لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ وَذَلِكَ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ مخافة أن يصيبني مِنْ لَفَحِهَا، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ، فَإِنْ فَطِنَ لَهُ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي وَإِنْ غَفَلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ. وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتِي رَبَطْتُهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا" ٢ الْحَدِيثَ.
_________________
(١) ١ رواه أحمد "٣/ ٣٤٦" والبيهقي في إثبات عذاب القبر "ص١٢٦-١٢٧/ ح٢١٦" وأخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني في الأوسط "الدر المنثور ٥/ ٣٤" وأخرج مسلم الجزء الأخير قوله: "يبعث كل عبد على ما مات عليه" "٤/ ٢٢٠٦/ ح٢٨٨٧" في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظن بالله. ٢ رواه مسلم "١/ ٦٢٤/ ح٩١٥" في الكسوف، باب ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف، وقد تقدم بعضه.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
وَأَمَّا حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ كَمَا تُعَلَّمُ الْكِتَابَةُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْقَبْرِ" ١.
وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ نُمَيْرٍ وَاللَّفْظُ لِابْنِ نُمَيْرٍ قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا -وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا- أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: لَا أَقُولُ لَكُمْ إِلَّا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ. اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمَنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا" رَوَاهُ النَّسَائِيُّ٢.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي أَثَرِ الصَّلَاةِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ" ٣.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِهِ "نَوَادِرُ الْأُصُولِ": حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ عَبْدِ
_________________
(١) ١ رواه البخاري "١١/ ١٧٩" في الدعوات، باب الاستعاذة من أرذل العمر، وباب التعوذ من البخل، وباب التعوذ من عذاب القبر، وباب التعوذ من فتنة الدنيا، وفي الجهاد، باب ما يتعوذ به من الجبن. ٢ رواه مسلم "٤/ ٢٠٨٨/ ح٢٧٢٢" في الذكر، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، والنسائي "٨/ ٢٦٠" في الاستعاذة، باب الاستعاذة من العجز. ٣ رواه أحمد "٥/ ٣٦ و٣٩" والنسائي "٨/ ٢٦٢" في الاستعاذة، باب الاستعاذة من الفقر، وفي اليوم والليلة "ص١٤٦/ ح٢٢" وابن حبان "٢/ ١٨٣ الإحسان" وابن السني في اليوم والليلة "ص٢٤-٢٥/ ح٦٩" والحاكم في المستدرك "١/ ٢٥٢" وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وهو حديث حسن.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَنَحْنُ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: "إِنِّي رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ عَجِيبًا، رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ فَجَاءَ بَرُّهُ بِوَالِدَيْهِ فَرَدَّ عَنْهُ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي قَدْ بُسِطَ عَلَيْهِ عَذَابُ القبر فجاءه وضوءه فَاسْتَنْقَذَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي قَدِ احْتَوَشَتْهُ الشَّيَاطِينُ فَجَاءَهُ ذِكْرُ اللَّهِ ﷿ فَخَلَّصَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي قَدِ احْتَوَشَتْهُ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ فَجَاءَتْهُ صَلَاتُهُ فَاسْتَنْقَذَتْهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي يَلْتَهِبُ عَطَشًا كُلَّمَا وَرَدَ حَوْضًا مُنِعَ مِنْهُ، فَجَاءَهُ صِيَامُهُ فَسَقَاهُ وَأَرْوَاهُ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ظُلْمَةٌ وَمَنْ خَلْفِهِ ظُلْمَةٌ وَعَنْ يَمِينِهِ ظُلْمَةٌ وَعَنْ شِمَالِهِ ظُلْمَةٌ وَمِنْ فَوْقِهِ ظُلْمَةٌ وَمِنْ تَحْتِهِ ظُلْمَةٌ وَهُوَ مُتَحَيِّرٌ فِيهَا، فَجَاءَتْهُ حِجَّتُهُ وَعُمْرَتُهُ فَاسْتَخْرَجَاهُ مِنَ الظُّلْمَةِ وَأَدْخَلَاهُ النُّورَ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي يُكَلِّمُ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا يُكَلِّمُونَهُ فَجَاءَتْهُ صِلَةُ الرَّحِمِ فَقَالَتْ: يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ كَلِّمُوهُ فَكَلَّمُوهُ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي يَتَّقِي وَهَجَ النَّارِ وَشَرَرَهَا بِيَدِهِ عَنْ وَجْهِهِ فَجَاءَتْهُ صَدَقَتُهُ فَصَارَتْ لَهُ سِتْرًا عَلَى وَجْهِهِ وَظِلًّا عَلَى رَأْسِهِ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي أَخَذَتْهُ الزَّبَانِيَةُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَجَاءَهُ أَمْرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُهُ عَنِ الْمُنْكَرِ فَاسْتَنْقَذَاهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَأَدْخَلَاهُ مَعَ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي جَاثِيًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ فَجَاءَهُ حُسْنُ خُلُقِهِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَدْخَلَهُ عَلَى اللَّهِ ﷿، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي قَدْ هَوَتْ صَحِيفَتُهُ مِنْ قِبَلِ شِمَالِهِ فَجَاءَهُ خَوْفُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَأَخَذَ صَحِيفَتَهُ فَجَعَلَهَا فِي يَمِينِهِ وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي قَدْ خف ميزانه فجاءته أَفْرَاطُهُ فَثَقَلُوا مِيزَانَهُ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي قَائِمًا عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَجَاءَهُ وَجَلُهُ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَنْقَذَهُ مِنْ ذَلِكَ وَمَضَى، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي هَوَى فِي النَّارِ فَجَاءَتْهُ دُمُوعُهُ الَّتِي بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا فَاسْتَخْرَجَتْهُ مِنَ النَّارِ وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي قَائِمًا عَلَى الصِّرَاطِ كَمَا تَرْعَدُ السَّعَفَةُ فَجَاءَ حُسْنُ ظَنِّهِ بِاللَّهِ فَسَكَنَ رِعْدَتُهُ وَمَضَى، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى الصِّرَاطِ يَزْحَفُ أَحْيَانًا وَيَحْبُو أَحْيَانًا فَجَاءَتْهُ صَلَاتُهُ فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَأَقَامَتْهُ وَمَضَى عَلَى الصِّرَاطِ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي انْتَهَى إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَغُلِّقَتِ الْأَبْوَابُ دُونَهُ فَجَاءَتْهُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَفَتَحَتْ لَهُ الْأَبْوَابُ وَأَدْخَلَتْهُ
[ ٢ / ٧٤١ ]
الْجَنَّةَ" ١. وَرَوَاهُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي تَذْكِرَتِهِ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ عَظِيمٌ، ذَكَرَ فِيهِ أَعْمَالًا خَاصَّةً تُنْجِي مِنْ أَهْوَالٍ خَاصَّةٍ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَالْمَغْرَمِ وَالْمَأْثَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ" ٢.
وَلِلْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ عَنْهُ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ فَتَّانِي الْقَبْرِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: أَتُرَدُّ لَنَا عُقُولُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ كَهَيْئَتِكُمُ الْيَوْمَ" فَقَالَ عُمَرُ: فِي فِيهِ الْحَجَرُ٣.
وَرَوَى الْبَغَوِيُّ عَنْهُ ﵁ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ: "إِذَا تُوُفِّيَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ أَرْسَلَ اللَّهُ ﷿ مَلَكَيْنِ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِتُحْفَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهَا: اخْرُجِي يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ اخْرُجِي إِلَى رَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ عَنْكِ رَاضٍ، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ مِسْكٍ وَجَدَهُ أَحَدٌ فِي أَنْفِهِ، وَالْمَلَائِكَةُ عَلَى أَرْجَاءِ السَّمَاءِ يَقُولُونَ: قَدْ جَاءَ مِنَ الْأَرْضِ رُوحٌ طَيِّبَةٌ -أَوْ نَسَمَةٌ طَيِّبَةٌ- فَلَا تَمُرُّ بِبَابٍ إِلَّا فُتِحَ لَهَا وَلَا بِمَلَكٍ إِلَّا صَلَّى عَلَيْهَا، حَتَّى يُؤْتَى بِهَا الرَّحْمَنَ ﷿ فَتَسْجُدُ، ثُمَّ قَالَ لِمِيكَائِيلَ: اذْهَبْ بِهَذِهِ فَاجْعَلْهَا مَعَ أَنْفُسِ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ يُؤْمَرُ فَيُوَسَّعُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ، سَبْعُونَ ذِرَاعًا عَرْضُهُ وَسَبْعُونَ ذِرَاعًا طُولُهُ، وينبذ له الريحان وَإِنْ كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ
_________________
(١) ١ الحكيم الترمذي شهد عليه بالكفر وأخرج من ترمذ. وأبوه علي بن الحسن بن بشر لم أجد له ترجمة، وقول القرطبي هذا في تذكرته "١/ ٢٤٢". ٢ رواه أحمد "٢/ ١٨٥ و١٨٦" والنسائي "٨/ ٢٦٩" في الاستعاذة، باب الاستعاذة من الهرم، وإسناده حسن وشواهده في الصحيحين عن عائشة وأنس ﵄. ٣ رواه أحمد "٢/ ١٧٢" وابن أبي الدنيا والطبراني في الكبير "مجمع الزوائد ٣/ ٥٠" والآجري في الشريعة "ص٣٦٧" وابن عدي في الكامل "٢/ ٨٥٥" وابن حبان "٥/ ٤٧" والحكيم الترمذي غير مسند في نوادر الأصول "ص٤١" في ذكر فتاني القبر. قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح. قلت: ليس الحال كما قال بل في سند أحمد، ابن لهيعة وحيي بن عبد الله المصري وليسا من رجال الصحيحين وقد تابع ابن لهيعة ابن وهب، فإسناده حسن إن سلم من حيي بن عبد الله المصري فإنه صدوق يهم.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
كَفَاهُ نُورُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُعِلَ لَهُ نُورٌ مِثْلُ الشَّمْسِ فِي قَبْرِهِ، وَيَكُونُ مَثَلُهُ مَثَلَ الْعَرُوسِ يَنَامُ فَلَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ. وَإِذَا تُوُفِّيَ الْكَافِرُ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكَيْنِ وَأَرْسَلَ قطعة من بحاد أَنْتَنَ وَأَخْشَنَ مِنْ كُلِّ خَشِنٍ فَيُقَالُ: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى جَهَنَّمَ وَعَذَابٍ أَلِيمٍ وَرَبٍّ عَلَيْكِ غَضْبَانُ" ١.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِيهِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي قِصَّةِ وَفَاتِهِ مُطَوَّلًا، وَفِيهِ: "فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبُنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي ﷿"٢.
وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ مُبَشِّرٍ فَأَخْرَجَهُ عَنْهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا فِي حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ بَنِي النَّجَّارِ فِيهِ قُبُورٌ مِنْهُمْ قَدْ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَتْ: فَخَرَجَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ" قُلْتُ: يَا رَسُولِ اللَّهِ وَلِلْقَبْرِ عَذَابٌ؟ قَالَ: "إِنَّهُمْ لَيُعَذَّبُونَ عَذَابًا فِي قُبُورِهِمْ تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ" ٣.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الْأَوْدِيُّ حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ الْبَجَلِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٧] الْآيَةَ قَالَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا مَاتَ أُجْلِسَ فِي قَبْرِهِ فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ ﷿ فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ فَيُقَالُ لَهُ ذَلِكَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَنْزِلِكَ مِنَ النَّارِ لَوْ زُغْتَ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَنْزِلِكَ
_________________
(١) ١ البغوي في معالم التنزيل "٥/ ٥٧٢، ٥٧٣" من غير إسناد، من حديث ابن عمر وليس عمرو. ٢ رواه مسلم "١/ ١١٢/ ح١٢١" في الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله، وكذا الهجرة والحج. ٣ رواه أحمد "٦/ ٣٦٢" قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح "المجمع ٣/ ٥٩" وهو كما قال وابن أبي شيبة في مصنفه.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
مِنَ الْجَنَّةِ إِذْ ثَبَتَّ، وَإِذَا مَاتَ الْكَافِرُ أُجْلِسَ فِي قَبْرِهِ فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ مَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَسْمَعُ النَّاسَ يَقُولُونَ فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَجْلِسِكَ مِنَ الْجَنَّةِ لَوْ ثَبَتَّ ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إلى منزلك إذ زُغْتَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٧] " ١.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمْسَى قَالَ: "أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ" قَالَ: أَرَاهُ قَالَ فِيهِنَّ: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَسُوءِ الْكِبَرِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقُبُورِ، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا: "أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ" ٢. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ إِلَخْ بِنَحْوِهِ وَفِيهِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَسُوءِ الْكِبَرِ وَفِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْقَبْرِ" ٣.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ زَكَرِيَّا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ:
_________________
(١) ١ أخرجه ابن أبي حاتم "ابن كثير ٢/ ٥٥٤" وابن منده والطبراني في الأوسط "الدر المنثور ٥/ ٣٠". وإبراهيم بن يوسف هو ابن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي وأبو إسحاق هو السبيعي. وعامر قال عنه الحافظ: مقبول، قلت: وثقه ابن حبان وروى عنه عدة وأخرج له مسلم في صحيحه، فحديثه حسن إن شاء الله تعالى. ٢ رواه مسلم "٤/ ٢٠٨٨/ ح٢٧٢٣" في الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل. ٣ رواه مسلم "٤/ ٢٠٨٩/ ح٢٧٢٣" في الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنْ خَمْسٍ: مِنَ الْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَسُوءِ الْعُمُرِ وَفِتْنَةِ الصَّدْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ١.
وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْهُ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "أُمِرَ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَنْ يُضْرَبَ فِي قَبْرِهِ مِائَةَ جَلْدَةٍ فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُ اللَّهَ وَيَدْعُوهُ حَتَّى صَارَتْ وَاحِدَةً فَامْتَلَأَ عَلَيْهِ قَبْرُهُ نَارًا" ٢ الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. وَعَزَاهُ فِي التَّبْصِرَةِ إِلَى أَبِي الْقَاسِمِ الْحَرِيرِيِّ وَتَقَدَّمَ عَنْهُ قَرِيبًا حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَفِيهِ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي طَلْحَةَ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ سَمِعَ رَوْحَ بْنَ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ فَقُذِفُوا فِي طُوًى مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخَبَّثٍ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ. فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشَدَّ عَلَيْهَا رَحْلَهَا ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا مَا نَرَى يَنْطَلِقُ إِلَّا لِبَعْضِ حَاجَةٍ حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ: "يَا فُلَانُ ابن فُلَانٍ، يَا فُلَانُ ابن فُلَانٍ أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا"؟ قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ" ٣ قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنِقْمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَسْمَاءَ الْآخَرُ فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ عَنْ محمد بن المكندر
_________________
(١) ١ رواه النسائي "٢/ ٢٥٦" في الاستعاذة من البخل، وهو حديث حسن. ٢ وقد ذكره القرطبي في التذكرة "ص١٣٧" بأطول من هذا. ٣ رواه البخاري "٧/ ٣٠٠، ٣٠١" في المغازي، باب قتل أبي جهل، ومسلم "٤/ ٢٠٠٤/ ح٢٨٧٥" في الجنة وصفه نعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
قَالَ: كَانَتْ أَسْمَاءُ -يَعْنِي بِنْتَ الصِّدِّيقِ ﵂- تُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: قَالَ: "إِذَا دَخَلَ الْإِنْسَانُ قَبْرَهُ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا أَحَفَّ بِهِ عَمَلُهُ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ، -قَالَ: فَيَأْتِيهِ الْمَلَكُ مِنْ نَحْوِ الصَّلَاةِ فَتَرُدُّهُ وَمِنْ نَحْوِ الصِّيَامِ فَيَرُدُّهُ -قَالَ: فَيُنَادِيهِ: اجْلِسْ فَيَجْلِسُ فَيَقُولُ لَهُ: مَاذَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ -يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ-؟ قَالَ: مَنْ؟ قَالَ: مُحَمَّدٍ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: فَيَقُولُ: عَلَى ذَلِكَ عِشْتَ وَعَلَيْهِ مُتَّ وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ. وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا أَوْ كَافِرًا جَاءَهُ الْمَلَكُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ يَرُدُّهُ، فَأَجْلَسَهُ فَيَقُولُ لَهُ: مَاذَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ قَالَ: أَيُّ رَجُلٍ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ قَالَ: يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ قَالَ لَهُ الْمَلَكُ: عَلَى ذَلِكَ عِشْتَ وَعَلَيْهِ مُتَّ وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ. قَالَ: وَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ دَابَّةٌ فِي قَبْرِهِ مَعَهَا سَوْطٌ ثَمَرَتُهُ جَمْرَةٌ مِثْلُ عُرْفِ الْبَعِيرِ تَضْرِبُهُ مَا شَاءَ اللَّهُ، صَمَّاءُ لَا تَسْمَعُ صَوْتَهُ فَتَرْحَمَهُ" ١ وَالْأَنْسَبُ لِمَكَانِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يُنْقَلَ عِنْدَ حَدِيثَيْ أَسْمَاءَ الْأَوَّلَيْنِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ فَقَالَ: أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَخَرَجَ وَمَعَهُ دَرَقَةٌ ثُمَّ اسْتَتَرَ بِهَا ثُمَّ بَالَ فَقُلْنَا: انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ، فَسَمِعَ ذَلِكَ فَقَالَ: "أَلَمْ تَعْلَمُوا مَا لَقِيَ صَاحِبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَانُوا إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَوْلُ قَطَعُوا مَا أَصَابَهُ الْبَوْلُ مِنْهُمْ فَنَهَاهُمْ فَعُذِّبَ فِي قَبْرِهِ" وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ٢.
وَأَمَّا حَدِيثُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ فَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْهُ مُطَوَّلًا بِسِيَاقٍ عَجِيبٍ وَمَتْنٍ غَرِيبٍ٣ وَغَالِبُ مَعْنَاهُ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَلَا نُطِيلُ بِسِيَاقِهِ اسْتِغْنَاءً عَنْهُ بِغَيْرِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
_________________
(١) ١ رواه أحمد "٦/ ٢٥٢، ٢٥٣" والطبراني في الكبير طرفا من "٢٤/ ١٠٥/ ح٢٨١" قال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح "المجمع ٣/ ٥٤". وقد روي عنها عندهما من طريق أخرى. ٢ رواه أحمد "٤/ ١٩٤"، وأبو داود "١/ ٦/ ح٢٢" في الطهارة، باب الاستبراء من البول، والنسائي "١/ ٢٦-٢٨" في الطهارة، باب البول إلى السترة يستتر بها، وابن ماجه "١/ ١٢٤/ ح٣٤٦" فيه، باب التشديد في البول، وعبد الواحد بن زياد في حديثه عن الأعمش مقال. وتابعه عند أحمد وابن ماجه والنسائي، أبو معاوية فسنده صحيح جدا. ٣ ذكره ابن كثير بسنده في تفسيره "٢/ ٥٥٥، ٥٥٦" وسنده ضعيف فيه يزيد الرقاشي وهو ضعيف وبكر بن خنيس له أغلاط، وفيه من لم أجد لهم ترجمة: أبو عاصم الحبطي وضرار بن عمرو.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
وَأَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فَقَالَ: الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلَكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ قَالَ: قَالَ عُقْبَةُ لِحُذَيْفَةَ: أَلَا تُحَدِّثُنَا مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "إِنَّ رَجُلًا حَضَرَهُ الْمَوْتُ لَمَّا يَئِسَ مِنَ الْحَيَاةِ أَوْصَى أَهْلَهُ إذا مت فاجمعوا لِي حَطَبًا كَثِيرًا ثُمَّ أَوْرُوا نَارًا حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَخَلَصَتْ إِلَى عَظْمِي فَخُذُوهَا فَاطْحَنُوهَا فَذَرُّونِي فِي الْيَمِّ فِي يَوْمٍ حَارٍّ أَوْ رَاحٍ فَجَمَعَهُ اللَّهُ" فَقَالَ: "لِمَ فَعَلْتَ؟ قَالَ: خَشْيَتَكَ فَغَفَرَ لَهُ" قَالَ عُقْبَةُ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلَكِ وَقَالَ: "فِي يَوْمٍ رَاحٍ" ١. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.
وَقَدْ رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبُنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا. فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ فَفَعَلَتْ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ حَمَلَتْنِي، فَغَفَرَ لَهُ" وَقَالَ غَيْرُهُ: "مَخَافَتُكَ يَا رَبِّ" ٢، وَمَحَلُّ هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ أَحَادِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَلْيُنْقَلْ إِلَى هُنَاكَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَهَذَا لَفْظُ أَحْمَدَ: عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ، إِذَا قَالَتِ النَّائِحَةُ: وَاعَضُدَاهُ وَانَاصِرَاهُ وَاكَاسِبَاهُ، جُبِذَ الْمَيِّتُ وَقِيلَ: أَنْتَ عَضُدُهَا أَنْتَ نَاصِرُهَا أَنْتَ كَاسِبُهَا"؟ وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: "مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ
_________________
(١) ١ رواه البخاري "١١/ ٣١٢، ٣١٢" في الرقاق، باب الخوف من الله. ٢ رواه البخاري "١٣/ ٤٦٦" في التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ وفي الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، ومسلم "٤/ ٢٢١٠/ ح٢٧٥٦" في التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
فَيَقُومُ بَاكِيهِ فَيَقُولُ: وَاجَبَلَاهُ وَاسَنَدَاهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، إِلَّا وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ يَلْهَزَانِهِ: أَهَكَذَا كُنْتَ"؟ ١.
وَأَمَّا حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْهُ ﵁ قَالَ: "أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي: وَاجَبَلَاهُ وَاكَذَا وَاكَذَا تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لِي: آنْتَ كَذَلِكَ؟ فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ ﵁"٢.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ فَقَالَ: مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ سَمِعَهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى جِنَازَةٍ فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ" ٣ قَالَ: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ ذَلِكَ الْمَيِّتَ. وَفِي رِوَايَةٍ: "وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ" ٣.
[نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي لِقَاءِ اللَّهِ]:
وَبِاللِّقَا وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَبِقِيَامِنَا مِنَ الْقُبُورِ
غُرْلًا حُفَاةً كَجَرَادٍ مُنْتَشِرْ يَقُولُ ذُو الْكُفْرَانِ ذَا يَوْمٌ عَسِرْ
_________________
(١) ١ رواه أحمد "٤/ ٤١٤"، والترمذي "٣/ ٣٢٦/ ح١٠٠٣" في الجنائز، باب ما جاء في كراهية البكاء على الميت، وابن ماجه "١/ ٥٠٨/ ح١٥٩٤" فيه، باب ما جاء في الميت يعذب بما نيح عليه، والحاكم "٢/ ٤٧١" وصححه. وسنده حسن فيه موسى بن أبي موسى الأشعري، قال عنه الحافظ: مقبول. وللحديث شواهد قد تقدم بعضها ومنها الذي يليه. ٢ رواه البخاري "٧/ ٥١٦" في المغازي، باب غزوة مؤتة. قلت: وقد وهم المصنف ﵀ في عزوه إلى مسلم، فلم يخرجه مسلم ولا أحد من الستة سوى البخاري. وانظر تأكيد ذلك في تحفة الأشراف "٩/ ٢٥/ ح١١٦٢٩" وجامع الأصول لابن الأثير. ٣ رواه مسلم "٢/ ٦٦٢/ ح٩٦٣" في الجنائز، باب الدعاء للميت في الصلاة.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
أَيْ: وَيَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الْإِيمَانُ بِلِقَاءِ اللَّهِ ﷿ الْحَاصِلُ فِيهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٤٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الِانْشِقَاقِ: ٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الْكَهْفِ: ١١٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يُونُسَ: ٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الْأَنْعَامِ: ٣١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يُونُسَ: ١٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٤٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الْفُرْقَانِ: ٣٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ [النَّبَأِ: ٢٧] وَغَيْرُهَا مِنَ الْآيَاتِ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ" فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ، فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ؟ فَقَالَ: "لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَالْمَوْتَ قَبْلَ لِقَاءِ اللَّهِ" ١.
_________________
(١) ١ رواه البخاري "١١/ ٣٥٧" في الرقاق، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومسلم "٤/ ٢٠٦٥/ ح٢٠٦٦" في الذكر والدعاء، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه.
[ ٢ / ٧٤٩ ]
وَفِيهِ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ" قَالَ: فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَذْكُرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا، إِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ هَلَكْنَا. فَقَالَتْ: إِنَّ الْهَالِكَ مَنْ هَلَكَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ" وَلَيْسَ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ فَقَالَتْ: قد قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ بِالَّذِي تَذْهَبُ إِلَيْهِ وَلَكِنْ إِذَا شَخَصَ الْبَصَرُ وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ وَاقْشَعَرَّ الْجِلْدُ وَتَشَنَّجَتِ الْأَصَابِعُ فَعِنْدَ ذَلِكَ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ١. وَفِيهِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ٢ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ٣ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَرْفُوعُ مِنْهُ دُونَ شَرْحِهِ.
وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ فِي الظَّهِيرَةِ لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ"؟ قَالُوا: لَا قَالَ: "فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ فِي سَحَابَةٍ"؟ قَالُوا: لَا قَالَ: "فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا -قَالَ- فَيَلْقَى الْعَبْدَ فَيَقُولُ: أَيْ فُلْ أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى قَالَ: فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ ملاقيَّ؟ فيقول: لا فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي ثُمَّ يَلْقَى الثَّانِي فَيَقُولُ: أَيْ فُلْ أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى أَيْ رَبِّ فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِرُسُلِكَ وَصَلَّيْتُ وَصُمْتُ وَتَصَدَّقْتُ وَيُثْنِي بِخَيْرٍ مَا استطاع فيقول: ههنا إِذًا قَالَ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ:
_________________
(١) ١ رواه مسلم "٤/ ٢٠٦٦/ ح٢٦٨٥" في الذكر والدعاء، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. ٢ البخاري "١١/ ٣٥٧" في الرقاق، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. ومسلم "٤/ ٢٠٦٥/ ح٢٦٨٣" في الذكر والدعاء، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. ٣ البخاري "١١/ ٣٥٧" في الرقاق، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومسلم "٤/ ٢٠٦٧/ ح٢٦٨٦" في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه.
[ ٢ / ٧٥٠ ]
الْآنَ نَبْعَثُ شَاهِدَنَا عَلَيْكَ. وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ: مَنِ الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ وَلَحْمِهِ وَعِظَامِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ وَذَلِكَ لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ اللَّهُ عَلَيْهِ" ١.
وَفِي حَدِيثِ الْقُرَّاءِ أَصْحَابِ بِئْرِ مَعُونَةَ: "بَلِّغُوا قَوْمَنَا عَنَّا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا، وَرَضِينَا عَنْهُ" ٢.
وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ قُرْآنًا، فَنُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ.
وَالْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ فِي إِثْبَاتِ لِقَاءِ اللَّهِ ﷿ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَمَنْ كَذَّبَ بِذَلِكَ كَفَرَ.
[الْإِيمَانُ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُور]:
"وَالْبَعْثُ وَالنُّشُورُ" أَيْ: وَيَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الْإِيمَانُ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، قَالَ اللَّهُ ﵎ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٥٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٧٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ: َ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٤٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي
_________________
(١) ١ مسلم "٤/ ٢٢٧٩/ ح٢٩٦٨" في الزهد والرقاق. ٢ مسلم "١/ ٤٦٨/ ح٦٧٧" في المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة.
[ ٢ / ٧٥١ ]
بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٦٠] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الرَّعْدِ: ٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٣٠، ٣١] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٤٧، ٤٨] الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الْحِجْرِ: ٢٣-٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ
[ ٢ / ٧٥٢ ]
وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٥] وَقَالَ تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٩-٥٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٩٧-٩٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٠٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الْكَهْفِ: ١٩-٢١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ [الْكَهْفِ: ٤٧، ٤٨] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الْكَهْفِ: ٩٩] الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٨] الْآيَاتِ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] وَقَالَ تَعَالَى:
[ ٢ / ٧٥٣ ]
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٢-١٠٨] الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٣٨، ٣٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الْحَجِّ: ١-٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ
[ ٢ / ٧٥٤ ]
فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٢-١٦] .
وَقَالَ تَعَالَى عَنْ كُفْرِ عَادٍ: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٣٣-٣٧] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٨٠-٨٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١١٢-١١٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النُّورِ: ٦٤] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يُونُسَ: ٤٥] وَقَالَ تَعَالَى: (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) (يُونُسَ: ٣٤) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ
[ ٢ / ٧٥٥ ]
﴿مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النَّمْلِ: ٦٤-٨٧] الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ١٩-٢٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الرُّومِ: ٦-١١] الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الرُّومِ: ٢٥-٢٧] الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الرُّومِ: ٤٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ
[ ٢ / ٧٥٦ ]
كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الرُّومِ: ٤٨-٥٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الرُّومِ: ٥٥-٥٦] الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٨] وَقَالَ تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٠ ١١] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٦٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٢٩، ٣٠] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [سَبَأٍ: ٥١] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سَبَأٍ: ٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فَاطِرٍ: ٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٣٣] الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا
[ ٢ / ٧٥٧ ]
﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ، قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ، إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٤٨-٥٣] الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٧٧-٨٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١١-٢٣] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الْحِجْرِ: ٣٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٣٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ [غَافِرٍ: ١٦] الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غَافِرٍ: ٣٣] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى:
[ ٢ / ٧٥٨ ]
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٥٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشُّورَى: ٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدُّخَانِ: ٣٤-٤٠] الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢٤-٢٦] الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٢٣] وَقَالَ تَعَالَى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: َ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ١-٤] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا
[ ٢ / ٧٥٩ ]
تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ١-٦]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطُّورِ: ١-١١] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطُّورِ: ٤٥] الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النَّجْمِ: ٤٤] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [الْقَمَرِ: ٧] الْآيَاتِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [الْقَمَرِ: ٤٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٣١] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَسُورَةُ الْوَاقِعَةِ بِتَمَامِهَا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الْحَدِيدِ: ١٢] الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ٦ ٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ١٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الْمُمْتَحِنَةِ: ١٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التَّغَابُنِ: ٩] الْآيَةَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يَا
[ ٢ / ٧٦٠ ]
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الْمُلْكِ: ٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [الْقَلَمِ: ٣٥] الْآيَاتِ، وَسُورَةُ الْحَاقَّةِ بِكَمَالِهَا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] الآيات، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الْمَعَارِجِ: ٤٢، ٤٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ١١] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [الْقِيَامَةِ: ١-٤] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الْقِيَامَةِ: ٣٦-٤٠] وَجَاءَ جَوَابُهُ فِي الْحَدِيثِ بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ١.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ١] الْآيَاتِ بَلِ السُّورَةَ بِتَمَامِهَا، وَجَمِيعَ السُّوَرِ الَّتِي بَعْدَهَا الْمُرْسَلَاتِ وَالنَّبَأِ وَالنَّازِعَاتِ وَعَبَسَ وَالتَّكْوِيرِ وَالِانْفِطَارِ وَالْمُطَفِّفِينَ وَالِانْشِقَاقِ
_________________
(١) ١ انظر ابن كثير ٤/ ٤٨٢.
[ ٢ / ٧٦١ ]
وَالطَّارِقِ وَالْغَاشِيَةِ وَالْفَجْرِ وَالْبَلَدِ وَغَيْرِهَا مِنَ السُّورِ، بَلِ الْقُرْآنَ كُلَّهُ مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ مَمْلُوءٌ بِذِكْرِ أَحْوَالِ الْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتَفَاصِيلِ مَا فِيهِ وَتَقْرِيرِ ذَلِكَ بِأَصْدَقِ الْأَخْبَارِ وَضَرْبِ الْأَمْثَالِ لِلِاعْتِبَارِ وَالْإِرْشَادِ إِلَى دَلِيلِ ذَلِكَ لِكُلِّ امْرِئٍ بِأَنْ يَعْتَبِرَ فِي بَدَنِهِ وَيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى إِعَادَتِهِ، وَكَذَلِكَ إِحْيَاءُ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا فَيُحْيِيهَا تَعَالَى بِالْمَطَرِ فَتُصْبِحُ مُخْضَرَّةً تَهْتَزُّ بَعْدَ مَوْتِهَا بِالْقَحْطِ وَهُمُودِهَا وَخُمُودِهَا وَاسْوِدَادِهَا، فِإِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهَا الْمَاءُ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ وَلِهَذَا يُذْكَرُ إِحْيَاءُ الْمَوْتَى بَعْدَ ذِكْرِ إِحْيَائِهِ الْأَرْضَ لِيَسْتَدِلَّ مَنْ لَهُ قَلْبٌ شَهِيدٌ عَلَى الْآجِلِ بِالْعَاجِلِ وَعَلَى الْغَيْبِ بِالشَّهَادَةِ، فَيَقُولُ ﷿ ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ .
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْهَا فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَالَ اللَّهُ كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ" ١.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ حَدَّثَنَا حُرَيْزٌ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ جَحَّاشٍ قَالَ إِنَّ: رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَصَقَ يَوْمًا فِي كَفِّهِ فَوَضَعَ عَلَيْهَا إِصْبَعَهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَنِي آدَمَ، أَنَّى تُعْجِزُنِي، وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِثْلَ هَذِهِ، حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُكَ وَعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْكَ وَلِلْأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ، فَجَمَعْتُ وَمَنَعْتُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ قُلْتُ أَتَصَدَّقُ وَأَنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ" وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ حُرَيْزِ بْنِ عُثْمَانَ بِهِ٢.
_________________
(١) ١ رواه البخاري ٨/ ٧٣٩ في تفسير سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . ٢ رواه أحمد ٤/ ٢١٠ وابن ماجه ٢/ ٩٠٣/ ح٢٧٠٧ في الوصايا باب النهي عن الإمساك في الحياة والتبذير عند الموت قال البوصيري وإسناد حديثه صحيح، رجاله ثقات مصباح الزجاجة ٢/ ٣٦٥ قلت فيه عبد الرحمن بن ميسرة قال عنه الحافظ مقبول قلت وثقه العجلي وابن حبان ولكن روى عنه عدة، فالحديث حسن إن شاء الله تعالى وللحديث شاهد في الصحيحين من حديث أبي هريرة.
[ ٢ / ٧٦٢ ]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الزَّيَّاتُ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ إِنَّ الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ أَخَذَ عَظْمًا مِنَ الْبَطْحَاءِ فَفَتَّهُ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيُحْيِي اللَّهُ هَذَا بَعْدَ مَا أَرَمَّ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "نَعَمْ، يُمِيتُكَ اللَّهُ ثُمَّ يُحْيِيكَ ثُمَّ يُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ" قَالَ وَنَزَلَتِ الْآيَاتُ مِنْ آخِرِ يس١.
وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْإِنْسَانِ عَظْمًا لَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ أَبَدًا فِيهِ يَرْكَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" قَالُوا أَيُّ عَظْمٍ هُوَ يَا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: "عَجْبُ الذَّنَبِ" ٢ وَفِيهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ، مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ" ٣. وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ" -قَالُوا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا قَالَ أَبَيْتُ قَالُوا أَرْبَعُونَ شَهْرًا قَالَ أَبَيْتُ قَالُوا أَرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ أَبَيْتُ- "ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ -قَالَ- وَلَيْسَ مِنَ الْإِنْسَانِ شيء إلا يبلى
_________________
(١) ١ تفسير ابن أبي حاتم ابن كثير ٣/ ٥٨٨ وابن المنذر، والإسماعيلي في معجمه وابن مردويه والبيهقي في البعث والضياء في المختارة الدر المنثور ٧/ ٧٤ والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٢٩ وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وفي سند ابن أبي حاتم عثمان الزيات، قال ابن حجر لا بأس به قلت تابعه عمرو بن عون عند الحاكم. ٢ مسلم ٤/ ٢٢٧١/ ح٢٩٥٥ في الفتن باب ما بين النفختين. ٣ رواه مسلم ٤/ ٢٢٧١/ ح٢٩٥٥ في الفتن باب ما بين النفختين.
[ ٢ / ٧٦٣ ]
إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ١ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَعْمَشِ بِمَعْنَاهُ دُونَ قَوْلِهِ ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ السَّمَاءِ مَاءً٢.
وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَرِيبًا وَفِيهِ "ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا، قَالَ وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ قَالَ فَيُصْعَقُ وَيُصْعَقُ النَّاسُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ -أَوْ قَالَ يُنْزِلُ اللَّهُ- مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ -أَوِ الظِّلُّ، نُعْمَانُ الشَّاكُّ- فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ثُمَّ يُقَالُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ قَالَ ثُمَّ يُقَالُ أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ فَيَقُولُ مِنْ كَمْ فَيُقَالُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ قَالَ فَذَلِكَ يَوْمَ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا وَذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ" ٣.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ "إِنِّي أَوَّلُ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الْآخِرَةِ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى مُتَعَلِّقٍ بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي كَذَلِكَ كَانَ أَمْ بَعْدَ النَّفْخَةِ" ٤.
وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ الْآتِي قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ "ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَاءً مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ، فَتُمْطِرَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى يَكُونَ الْمَاءُ فَوْقَهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ الْأَجْسَادَ أَنْ تَنْبُتَ فَتَنْبُتَ كَنَبَاتِ الطَّرَاثِيتِ أَوْ كَنَبَاتِ الْبَقْلِ، حَتَّى إِذَا تَكَامَلَتْ أَجْسَادُهُمْ فَكَانَتْ كَمَا كَانَتْ قَالَ اللَّهُ ﷿ ليحي حَمَلَةَ الْعَرْشِ فَيُحْيَوْنَ، وَيَأْمُرُ اللَّهُ ﷿ إِسْرَافِيلَ فَيَأْخُذُ الصُّورَ فَيَضَعُهُ
_________________
(١) ١ رواه مسلم ٤/ ٢٢٧٠/ ح٢٩٥٥ في الفتن باب ما بين النفختين. ٢ رواه البخاري ٨/ ٥٥١ في تفسير سورة الزمر باب قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ وفي تفسير سورة ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ . ٣ تقدم تخريجه سابقا، وأن الساق هو ساق الرحمن ﷾. ٤ رواه البخاري ٨/ ٥٥١ في تفسير سورة الزمر باب قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ .
[ ٢ / ٧٦٤ ]
الحديث الطويل عن علم الغيب
عَلَى فِيهِ ثم يقول ليحي جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، فَيُحْيَيَانِ ثُمَّ يَدْعُو اللَّهُ بِالْأَرْوَاحِ لِيُؤْتَى بِهَا تَتَوَهَّجُ أَرْوَاحُ الْمُسْلِمِينَ نُورًا وَأَرْوَاحُ الْكَافِرِينَ ظُلْمَةً، فَيَقْبِضُهَا جَمِيعًا ثُمَّ يُلْقِيهَا فِي الصُّورِ ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى إِسْرَافِيلَ أَنْ يَنْفُخَ نفخة البعث فينفخ نَفْخَةَ الْبَعْثِ، فَتَخْرُجُ الْأَرْوَاحُ كَأَنَّهَا النَّحْلُ قَدْ مَلَأَتْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَيَقُولُ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لِيَرْجِعْنَ كُلُّ رُوحٍ إِلَى جَسَدِهِ فَتَدْخُلُ الْأَرْوَاحُ فِي الْأَرْضِ إِلَى الْأَجْسَادِ فَتَدْخُلُ فِي الْخَيَاشِيمِ ثُمَّ تَمْشِي فِي الْأَجْسَادِ كَمَا يَمْشِي السُّمُّ فِي اللَّدِيغِ ثُمَّ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُمْ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُ، فَتَخْرُجُونَ سِرَاعًا إِلَى رَبِّكُمْ تَنْسِلُونَ" ١ الْحَدِيثَ.
وَرَوَى الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ وَفِي كِتَابِ السُّنَّةِ لَهُ قَالَ كَتَبَ إِلَيَّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ مُصْعَبِ بن الزبير الربيري كَتَبْتُ إِلَيْكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ عَرَضْتُهُ وَسَمِعْتُهُ عَلَى مَا كَتَبْتُ بِهِ إِلَيْكَ فَحَدِّثْ بِذَلِكَ عَنِّي قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْحِزَامِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَيَّاشٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ دَلْهَمِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَاجِبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ الْعُقَيْلِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمِّهِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ خَرَجَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ نَهِيكُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ قَالَ لَقِيطٌ خَرَجْتُ أَنَا وَصَاحِبِي حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَافَيْنَاهُ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ فَقَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنِّي قَدْ خَبَّأْتُ لَكُمْ صَوْتِي مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، أَلَا لِتَسْمَعُوا الْيَوْمَ، أَلَا فَهَلْ مِنِ امْرِئٍ بعثه قومه فقال: وا لَهُ اعْلَمْ لَنَا مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلَا ثُمَّ رَجُلٌ لَعَلَّهُ يُلْهِيهِ حَدِيثُ نَفْسِهِ أَوْ حَدِيثُ صَاحِبِهِ أَوْ يُلْهِيهِ ضَالٌّ أَلَا إِنِّي مَسْئُولٌ هَلْ بَلَّغْتُ أَلَا اسْمَعُوا تَعِيشُوا أَلَا اجْلِسُوا فَجَلَسَ النَّاسُ، وَقُمْتُ أَنَا وَصَاحِبِي حَتَّى إِذَا فَرَغَ لَنَا فُؤَادُهُ وَنَظَرُهُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَكَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ فَضَحِكَ فَقَالَ: ضَنَّ رَبُّكَ بِمَفَاتِيحِ خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ ﷿ وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَقُلْتُ مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "عِلْمُ الْمَنِيَّةِ، قَدْ عَلِمَ مَتَى مَنِيَّةُ أَحَدِكُمْ، وَلَا تَعْلَمُونَهُ، وَعِلْمُ الْمَنِيِّ حِينَ يَكُونُ.
_________________
(١) ١ سيأتي بتمامه وتخريجه هناك.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
فِي الرَّحِمِ قَدْ عَلِمَهُ وَمَا تَعْلَمُونَهُ، وَعِلْمُ مَا فِي غَدٍ، قَدْ عَلِمَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ وَلَا تَعْلَمُهُ وَعِلْمُ يَوْمِ الْغَيْثِ، يُشْرِفُ عَلَيْكُمْ آزِلِينَ ١ مُشْفِقَيْنِ فَيَظَلُّ يَضْحَكُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ غَوْثَكُمْ إِلَى قَرِيبٍ" قَالَ لَقِيطٌ فَقُلْتُ لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ "وَعِلْمُ يَوْمِ السَّاعَةِ" قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنَا مِمَّا تُعَلِّمُ النَّاسَ وتعلم، فَإِنَّا مِنْ قَبِيلٍ لَا يُصَدِّقُ تَصْدِيقَنَا أَحَدٌ، مِنْ مذحج التي تدنو عَلَيْنَا وَخَثْعَمٍ الَّتِي تُوَالِينَا وَعَشِيرَتِنَا الَّتِي نَحْنُ مَنْهَا قال "تلبثون فيها مَا لَبِثْتُمْ ثُمَّ يُتَوَفَّى نَبِيُّكُمْ ثُمَّ يَبْعَثُ الصَّيْحَةَ فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تَدَعُ على ظهرها شيئا إِلَّا مَاتَ وَالْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ مَعَ رَبِّكَ، فَأَصْبَحَ رَبُّكَ ﷿ يَطُوفُ فِي الْأَرْضِ وَخَلَتِ الْبِلَادُ فَأَرْسَلَ رَبُّكَ السَّمَاءَ تَهْضِبُ مِنْ عِنْدِ الْعَرْشِ، فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تَدَعُ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ مَصْرَعِ قَتِيلٍ وَلَا مَدْفَنِ مَيِّتٍ إِلَّا شَقَّتِ الْقَبْرَ عنه حتى تخلفه مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ فَيَسْتَوِي جَالِسًا فَيَقُولُ رَبُّكَ مَهْيَمْ لِمَا كَانَ فِيهِ يَقُولُ يَا رَبِّ أَمْسِ الْيَوْمَ لِعَهْدِهِ بِالْحَيَاةِ يَحْسَبُهُ حَدِيثًا بِأَهْلِهِ" فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فكيف يجمعنا بعدما تُمَزِّقُنَا الرِّيَاحُ وَالْبَلَاءُ وَالسِّبَاعُ قَالَ "أُنَبِّئُكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي آلَاءِ اللَّهِ الْأَرْضُ أَشْرَفْتَ عليها وهي في مَدَرَةٌ بَالِيَةٌ فَقُلْتَ لَا تَحْيَا أَبَدًا ثُمَّ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا السَّمَاءَ فَلَمْ تَلْبَثْ عَلَيْكَ إِلَّا أَيَّامًا حَتَّى أَشْرَفْتَ عَلَيْهَا وَهِيَ شَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَعَمْرُ إِلَهِكَ لَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَجْمَعَكُمْ مِنَ الْمَاءِ عَلَى أَنْ يَجْمَعَ نَبَاتَ الْأَرْضِ فَتَخْرُجُونَ مِنَ الْأَصْوَاءِ ٢ وَمِنْ مَصَارِعِكِمْ فَتَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْكُمْ" قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ وَنَحْنُ مِلْءُ الْأَرْضِ وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَنَنْظُرُ إِلَيْهِ قَالَ "أُنَبِّئُكَ بِمِثْلِ هَذَا فِي آلَاءِ اللَّهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَةٌ مِنْهُ صَغِيرَةٌ تَرَوْنَهَا وَتَرَيَانِكُمْ سَاعَةً واحدة ولا تضامون فِي رُؤْيَتِهِمَا قُلْتُ فَمَا يَفْعَلُ بِنَا رَبُّنَا إِذَا لَقِينَاهُ قَالَ تُعْرَضُونَ عَلَيْهِ بَادِيَةٌ لَهُ صَفَحَاتُكُمْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْكُمْ خَافِيَةٌ، فَيَأْخُذُ رَبُّكَ ﷿ بِيَدِهِ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَيَنْضَحُ بِهَا قَبْلَكُمْ، فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا يُخْطِئُ وَجْهَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْهَا قَطْرَةٌ، فَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَتَدَعُ وَجْهَهُ مِثْلَ الرَّيْطَةِ الْبَيْضَاءِ وَأَمَّا الْكَافِرُ -فَيُنْضِحُهُ أَوْ قَالَ فَيَنْطَحُهُ- بِمِثْلِ الْحَمِيمِ الْأَسْوَدِ أَلَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ نَبِيُّكُمْ وَيَتَفَرَّقُ.
_________________
(١) ١ الأزل الضيق والشدة. ٢ الأصواء القبور.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
عَلَى أَثَرِهِ الصَّالِحُونَ فَيَسْلُكُونَ جِسْرًا مِنَ النَّارِ يَطَأُ أَحَدُكُمُ الْجَمْرَةَ يَقُولُ حَسِّ يَقُولُ رَبُّكُ ﷿ أَوْ أَنَّهُ، أَلَا فَتَطَّلِعُونَ عَلَى حَوْضِ نَبِيِّكُمْ عَلَى أَظْمَأِ -وَاللَّهَ- نَاهِلَةٍ قَطُّ مَا رَأَيْتُهَا، فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا يَبْسُطُ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَدَهُ إِلَّا وَقَعَ عَلَيْهَا قَدَحٌ يُطَهِّرُهُ مِنَ الطَّوْفِ وَالْبَوْلِ وَالْأَذَى، وَتُحْبَسُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فلا ترون منهما أَحَدًا" قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبِمَ نُبْصِرُ قَالَ "بِمِثْلِ بَصَرِكَ سَاعَتَكَ هَذِهِ وَذَلِكَ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي يَوْمٍ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ وَوَاجَهَتْ بِهِ الْجَبَّارَ" قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبِمَ نُجْزَى مِنْ حَسَنَاتِنَا وَسَيِّئَاتِنَا قَالَ ﷺ: "الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ" قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْجَنَّةُ وَمَا النَّارُ قَالَ: "لَعَمْرُ إِلَهِكَ إِنَّ النَّارَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ مَا مِنْهَا بَابَانِ إِلَّا يَسِيرُ الرَّاكِبُ بَيْنَهُمَا سَبْعِينَ عَامًا" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَعَلَامَ نَطَّلِعُ مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ: "عَلَى أَنْهَارٍ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَأَنْهَارٍ مِنْ خَمْرٍ مَا بِهَا صُدَاعٌ وَلَا نَدَامَةٌ وَأَنْهَارٍ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَمَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَفَاكِهَةٍ وَلَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تَعْلَمُونَ وَخَيْرٌ مِنْ مِثْلِهِ مَعَهُ وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ" قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَنَا فِيهَا أَزْوَاجٌ وَمِنْهُنَّ الْمُصْلِحَاتُ قَالَ "الْمُصْلِحَاتُ لِلصَّالِحِينَ -وَفِي لَفْظٍ الصَّالِحَاتُ للصالحين- تلذونهن ويلذنكم مِثْلَ لَذَّاتِكُمْ فِي الدُّنْيَا غَيْرَ أَنْ لَا تَوَالُدَ قَالَ: "لَقِيطٌ" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْصَى مَا نَحْنُ بَالِغُونَ وَمُنْتَهُونَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَجُبْهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَامَ أُبَايِعُكَ فَبَسَطَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ وَقَالَ: "عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وزيال المشرك وأن لا تُشْرِكَ بِاللَّهِ إِلَهًا غَيْرَهُ" قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وظن أني مشترك مَا لَا يُعْطِينِيهِ قَالَ قُلْتُ نُحِلُّ مِنْهَا حَيْثُ شِئْنَا وَلَا يَجْنِي عَلَى امْرِئٍ إِلَّا نَفْسُهُ فَبَسَطَ يَدَهُ وَقَالَ: "لَكَ ذَلِكَ تَحِلُّ حَيْثُ شِئْتَ وَلَا يَجْنِي عَلَيْكَ إِلَّا نَفْسُكَ" قَالَ: فَانْصَرَفْنَا عَنْهُ ثُمَّ قَالَ: "هَا إِنَّ ذَيْنِ، هَا إِنَّ ذَيْنِ -مَرَّتَيْنِ- " "مِنْ أَتْقَى النَّاسِ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ" فَقَالَ: لَهُ كَعْبُ بْنُ الْخُدَارِيَّةِ أَحَدُ بني بكر بن كِلَابٍ مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "بَنُو الْمُنْتَفِقِ، بَنُو الْمُنْتَفِقِ أَهْلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ" قَالَ: فَانْصَرَفْنَا وَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِأَحَدٍ مِمَّنْ مَضَى مِنْ خَيْرٍ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ فَقَالَ: "رَجُلٌ مِنْ عُرْضِ قُرَيْشٍ وَاللَّهِ إِنَّ أَبَاكَ الْمُنْتَفِقَ لَفِي النَّارِ" قَالَ: فَكَأَنَّهُ وَقَعَ حَرٌّ بَيْنَ جِلْدِ وَجْهِي وَلَحْمِهِ مِمَّا قَالَ لِأَبِي عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ فَهَمَمْتُ
[ ٢ / ٧٦٧ ]
تعليق ابن القيم على هذا الحديث
أَنْ أَقُولَ وَأَبُوكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا الْأُخْرَى أَجْمَلُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَهْلُكَ قَالَ: "وَأَهْلِي، لعمر الله حيثما أَتَيْتَ عَلَى قَبْرِ [كَافِرٍ] عَامِرِيٍّ أَوْ قُرَشِيٍّ أَوْ دَوْسِيٍّ قُلْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ مُحَمَّدٌ فأبشر بما يسوءك تُجَرُّ عَلَى وَجْهِكَ وَبَطْنِكَ فِي النَّارِ" قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ وَقَدْ كَانُوا عَلَى عَمَلٍ لا يحسنون إلا إِيَّاهُ وَكَانُوا يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُصْلِحُونَ قَالَ ﷺ: "ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ بَعَثَ فِي آخِرِ كُلِّ سَبْعِ أُمَمٍ نَبِيًّا فَمَنْ عَصَى نَبِيَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ، وَمَنْ أَطَاعَ نَبِيَّهُ كَانَ مِنَ الْمُهْتَدِينَ" ١.
وَرَوَاهُ إِمَامُ الْأَئِمَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْجَوَّازُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عِيسَى الزُّهْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَيَّاشٍ الْأَنْصَارِيُّ ثُمَّ السَّمْعِيُّ عَنْ دَلْهَمِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمِّهِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ خَرَجَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ نُهَيْكُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ قَالَ فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لِانْسِلَاخِ رَجَبٍ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ صَلَاةَ الْغَدَاةِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ مَعَ مُغَايَرَةٍ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ٢.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ بَعْدَ أَنْ سَاقَهُ فِي الْهُدَى عَنْ زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ هَذَا حَدِيثٌ كَبِيرٌ جَلِيلٌ تُنَادِي جَلَالَتُهُ وَفَخَامَتُهُ وَعَظَمَتُهُ على أنه قد خَرَجَ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَدَنِيِّ، رَوَاهُ عَنْهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيُّ وَهُمَا مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ ثِقَتَانِ، مُحْتَجٌّ بِهِمَا فِي الصَّحِيحِ، احْتَجَّ بِهِمَا إِمَامُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، ورواه أَئِمَّةُ
_________________
(١) ١ زوائد المسند ٤/ ١٣ ١٤ وابن أبي عاصم في السنة ح٦٣٦ وعبد الله بن أحمد في السنة ح١١٢٠ والطبراني في الكبير ١٩/ ٢١١/ ح٤٧٧ قال الهيثمي وأحد طرقي عبد الله إسناده متصل ورجاله ثقات المجمع ١٠/ ٣٤٣ قلت بل إسناده ضعيف فيه ثلاثة مجاهيل.
(٢) عبد الرحمن بن عياش السمعي.
(٣) دلهم بن الأسود.
(٤) الأسود بن عبد الله بن حاجب أبو دلهم. ٢ ابن خزيمة في التوحيد ص١٨٦-١٩٠.
[ ٢ / ٧٦٨ ]
تفسير ابن القيم لغريب مفردات هذا الحديث
السُّنَّةِ فِي كُتُبِهِمْ وَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ وَقَابَلُوهُ بِالتَّسْلِيمِ وَالِانْقِيَادِ وَلَمْ يَطْعَنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِيهِ وَلَا فِي أَحَدٍ مِنْ رُوَاتِهِ، فَمِمَّنْ رَوَاهُ الْإِمَامُ ابْنُ الْإِمَامِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ وَفِي كِتَابِ السُّنَّةِ وَقَالَ كَتَبَ إِلَيَّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ كَتَبْتُ إِلَيْكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ عَرَضْتُهُ وَسَمَّعْتُهُ على ما كتبت بِهِ إِلَيْكَ فَحَدِّثْ بِهِ عَنِّي وَمِنْهُمُ الْحَافِظُ الْجَلِيلُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو النَّبِيلُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ لَهُ، وَمِنْهُمُ الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْعَسَّالُ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ، وَمِنْهُمْ حَافِظُ زَمَانِهِ وَمُحَدِّثُ أَوَانِهِ أَبُو الْقَاسِمِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِهِ، وَمِنْهُمُ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ أَبُو الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ وَمِنْهُمُ الحافظ ابن الحافظ أبو عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَنْدَهْ حَافِظُ أَصْبَهَانَ، وَمِنْهُمُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ مَرْدَوَيْهِ وَمِنْهُمْ حَافِظُ عَصْرِهِ أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَصْبَهَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ سِوَاهُمْ يَطُولُ ذِكْرُهُمْ وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّنْعَانِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمَا قَدْ رَوَاهُ بِالْعِرَاقِ بِمَجْمَعِ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ الدِّينِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنْهُمْ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِّيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِي إِسْنَادِهِ بَلْ رَوَوْهُ عَلَى سَبِيلِ الْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ وَلَا يُنْكِرُ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُتَجَاهِلٌ أَوْ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، هَذَا كَلَامُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ١.
قُلْتُ وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ إِيرَادِهِ فِي الْوُفُودِ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَأَلْفَاظُهُ فِي بَعْضِهَا نَكَارَةٌ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَعَبْدُ الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيُّ فِي الْعَاقِبَةِ وَالْقُرْطُبِيُّ فِي كِتَابِ التَّذْكِرَةِ فِي أَحْوَالِ الْآخِرَةِ٢ انْتَهَى.
قُلْتُ وَقَدْ تَكَلَّمَ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْ غَرِيبِ بَعْضِ مُفْرَدَاتِهِ فَقَالَ: رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
_________________
(١) ١ زاد المعاد في هدي خير العباد ٣/ ٦٧٣ ٢ ابن كثير البداية والنهاية ٥/ ٨٣، وقد ذكره في البعث والنشور كذلك
[ ٢ / ٧٦٩ ]
قَوْلُهُ "تَهْضِبُ" أَيْ تُمْطِرُ والأصواء الْقُبُورُ والشربة بِفَتْحِ الرَّاءِ الْحَوْضُ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ الْمَاءُ وَبِالسُّكُونِ الْحِنْطَةُ، يُرِيدُ أَنَّ الْمَاءَ قَدْ كَثُرَ فَمِنْ حَيْثُ شِئْتَ تَشْرَبُ وَعَلَى رِوَايَةِ السُّكُونِ يَكُونُ شَبَّهَ الْأَرْضَ بِخُضْرَتِهَا بِالنَّبَاتِ بِخُضْرَةِ الْحِنْطَةِ وَاسْتِوَائِهَا وَقَوْلُهُ حَسِّ كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْإِنْسَانُ إِذَا أَصَابَهُ عَلَى غَفْلَةٍ مَا يَحْرِقُهُ أَوْ يُؤْلِمُهُ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَهِيَ مِثْلُ أَوْهِ وَقَوْلُهُ يَقُولُ ﷿ أَوْ أَنَّهُ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى نَعَمْ وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتُمْ كَذَلِكَ أَوْ أَنَّهُ عَلَى مَا يَقُولُ والطوف الْغَائِطُ وَفِي الْحَدِيثِ لَا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُدَافِعُ الطَّوْفَ وَالْبَوْلَ والجسر الصِّرَاطُ وَقَوْلُهُ فَيَقُولُ رَبُّكَ مَهْيَمْ أَيْ مَا شَأْنُكَ وَمَا أَمْرُكَ وَفِيمَ كُنْتَ وَقَوْلُهُ يُشْرِفُ عَلَيْكُمْ أَزْلَيْنِ الْأَزْلُ بِسُكُونِ الزَّايِ الشِّدَّةُ وَالْأَزِلُ عَلَى وَزْنِ الْكَتِفِ هُوَ الَّذِي قَدْ أَصَابَهُ الْأَزْلُ وَاشْتَدَّ بِهِ حَتَّى كَادَ يَقْنَطُ وَقَوْلُهُ فَيَظَلُّ يَضْحَكُ هُوَ مِنْ صِفَاتِ أَفْعَالِهِ ﷾ الَّتِي لَا يُشْبِهُهُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ كَصِفَاتِ ذَاتِهِ وَقَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ لَا سَبِيلَ إِلَى رَدِّهَا كَمَا لَا سَبِيلَ إِلَى تَشْبِيهِهَا وَتَحْرِيفِهَا، وَكَذَلِكَ فَأَصْبَحَ رَبُّكَ يَطُوفُ فِي الْأَرْضِ هُوَ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الْفَجْرِ: ٢٢] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] و"ينزل رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَيَدْنُو عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الْمَوْقِفِ الْمَلَائِكَةَ" ١ وَالْكَلَامُ فِي الْجَمِيعِ صِرَاطٌ وَاحِدٌ مُسْتَقِيمٌ إِثْبَاتٌ بِلَا تَمْثِيلٍ، وَتَنْزِيهٌ بِلَا تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٌ.
وَقَوْلُهُ وَالْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا أَعْلَمُ مَوْتَ الْمَلَائِكَةِ جَاءَ فِي حَدِيثٍ صَرِيحٍ إِلَّا هَذَا وَحَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ الطَّوِيلِ فِي الصُّورِ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] .
وَقَوْلُهُ فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ هُوَ قَسَمٌ بِحَيَاةِ الرَّبِّ ﷻ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْإِقْسَامِ بِصِفَاتِهِ وَانْعِقَادِ الْيَمِينِ بِهَا وَأَنَّهَا قَدِيمَةٌ وَأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ مِنْهَا أَسْمَاءُ
_________________
(١) ١ تقدما في أحاديث النزول في المجلد الأول
[ ٢ / ٧٧٠ ]
الْمَصَادِرِ وَيُوصَفُ بِهَا، ذَلِكَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ الْأَسْمَاءِ وَأَنَّ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى مُشْتَقَّةٌ مِنْ هَذِهِ الْمَصَادِرِ دَالَّةٌ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُ ثُمَّ تَجِيءُ الصَّائِحَةُ هِيَ صَيْحَةُ الْبَعْثِ وَنَفْخَتُهُ وَقَوْلُهُ حَتَّى يُخْلَفَ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ هُوَ مِنْ أَخْلَفَ الزَّرْعَ إِذَا نَبَتَ بَعْدَ حَصَادِهِ، تَشْبِيهُ النَّشْأَةِ الْأُخْرَى بَعْدَ الْمَوْتِ بِخِلَافِ الزَّرْعِ بَعْدَمَا حُصِدَ، وَتِلْكَ الخلفة من عند رَأْسِهِ كَمَا يَنْبُتُ الزَّرْعُ وَقَوْلُهُ فَيَسْتَوِي جَالِسًا هَذَا عِنْدَ تَمَامِ خِلْقَتِهِ وَكَمَالِ حَيَاتِهِ ثُمَّ يَقُومُ بَعْدَ جُلُوسِهِ قَائِمًا، ثُمَّ يُسَاقُ إِلَى مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ إِمَّا رَاكِبًا وَإِمَّا مَاشِيًا.
وَقَوْلُهُ يَقُولُ يَا رَبِّ أَمْسِ الْيَوْمَ اسْتِقْلَالًا لِمُدَّةِ لُبْثِهِ فِي الْأَرْضِ كَأَنَّهُ لَبِثَ فِيهَا يَوْمًا فَقَالَ: أَمْسِ، أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَقَالَ: الْيَوْمَ، يَحْسَبُ أَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِأَهْلِهِ وَأَنَّهُ إِنَّمَا فَارَقَهُمْ أَمْسِ أَوِ الْيَوْمَ وَقَوْلُهُ كَيْفَ يَجْمَعُنَا بَعْدَمَا تُمَزِّقُنَا الرِّيَاحُ وَالْبَلَاءُ وَالسِّبَاعُ، وَإِقْرَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَكُونُوا يَخُوضُونَ فِي دَقَائِقِ الْمَسَائِلِ وَلَمْ يَكُونُوا يَفْهَمُونَ حَقَائِقَ الْإِيمَانِ، بَلْ كَانُوا مَشْغُولِينَ بِالْعَمَلِيَّاتِ وَإِنَّ أَفْرَاخَ الصَّابِئَةِ وَالْمَجُوسِ مَنِ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ أَعْرَفُ مِنْهُمْ بِالْعَمَلِيَّاتِ وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُمْ كَانُوا يُورِدُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَا يُشْكَلُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَسْئِلَةِ وَالشُّبَهَاتِ، فَيُجِيبُهُمْ عَنْهَا بِمَا يُثْلِجُ صُدُورَهُمْ وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ ﷺ الْأَسْئِلَةَ أَعْدَاؤُهُ وَأَصْحَابُهُ، أَمَّا أَعْدَاؤُهُ فَلِلتَّعَنُّتِ وَالْمُغَالَبَةِ وأما أَصْحَابُهُ فَلِلْفَهْمِ وَالْبَيَانِ وَزِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَهُوَ يُجِيبُ كُلًّا عَلَى سُؤَالِهِ، إِلَّا مَا لَا جَوَابَ عَنْهُ كَسُؤَالٍ عَنْ وَقْتِ السَّاعَةِ وَفِي هَذَا السُّؤَالِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَجْمَعُ أَجْزَاءَ الْعَبْدِ بَعْدَ مَا فَرَّقَهَا وَيُنْشِئُهَا نَشْأَةً أُخْرَى أَوْ يَخْلُقُهُ خَلْقًا جَدِيدًا كَمَا سَمَّوْا فِي كِتَابِهِ كَذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْهُ وَقَوْلُهُ "أُنَبِّئُكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي آلَاءِ اللَّهِ" آلَاؤُهُ نِعَمُهُ وَآيَاتُهُ الَّتِي تُعْرَفُ بِهَا إِلَى عِبَادِهِ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ الْقِيَاسِ فِي أَدِلَّةِ التَّوْحِيدِ وَالْمَعَادِ، وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْهُ، وَفِيهِ أَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ نَظِيرِهِ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى شَيْءٍ فَكَيْفَ تَعْجَزُ قُدْرَتُهُ عَنْ نَظِيرِهِ وَمِثْلِهِ، فَقَدْ قَرَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَدِلَّةَ الْمَعَادِ فِي كِتَابِهِ أَحْسَنَ تَقْرِيرٍ وَأَبْيَنَهُ وَأَبْلَغَهُ وَأَوْصَلَهُ إِلَى الْعُقُولِ وَالْفِطَرِ، فَأَبَى أَعْدَاؤُهُ الْجَاحِدُونَ إِلَّا تَكْذِيبًا لَهُ وَتَعْجِيزًا لَهُ وَطَعْنًا فِي حُكْمِهِ، تَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا
[ ٢ / ٧٧١ ]
وَقَوْلُهُ فِي الْأَرْضِ أَشْرَفْتَ عَلَيْهَا وَهِيَ مُدَرَةٌ بَالِيَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الرُّومِ: ٥٠] وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٩] وَنَظَائِرُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ.
وَقَوْلُهُ فَتَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْكُمْ فِيهِ إِثْبَاتُ صِفَةِ التَّجَلِّي لِلَّهِ ﷿ وَإِثْبَاتُ النَّظَرِ لَهُ وَإِثْبَاتُ رُؤْيَتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَنَظَرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ كَيْفَ وَنَحْنُ مِلْءُ الْأَرْضِ وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ قَدْ جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ وَفِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ "لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ" ١ وَالْمُخَاطَبُونَ بِهَذَا قَوْمٌ عَرَبٌ يَعْلَمُونَ الْمُرَادَ مِنْهُ وَلَا يَقَعُ فِي قُلُوبِهِمْ تَشْبِيهُهُ سُبْحَانَهُ بِالْأَشْخَاصِ، بَلْ هُمْ أَشْرَفُ عُقُولًا وَأَصَحُّ أَذْهَانًا وَأَسْلَمُ قُلُوبًا مِنْ ذَلِكَ، وَحَقَّقَ ﷺ وُقُوعَ الرُّؤْيَةِ عِيَانًا بِرُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ تَحْقِيقًا لَهَا وَنَفْيًا لِتَوَهُّمِ الْمَجَازِ الَّذِي يَظُنُّهُ الْمُعَطِّلُونَ.
وَقَوْلُهُ فَيَأْخُذُ رَبُّكَ بِيَدِهِ غَرْفَةً مِنَ الْمَاءِ فَيَنْضَحُ بِهَا قَبْلَكُمْ فِيهِ إِثْبَاتُ صِفَةِ الْيَدِ لِلَّهِ ﷿ بِقَوْلِهِ وَإِثْبَاتُ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ النَّضْحُ، والريطة الْمُلَاءَةُ والحمم جَمْعُ حُمَمَةٍ وَهِيَ الْفَحْمَةُ.
وَقَوْلُهُ "ثُمَّ يَنْصَرِفُ نَبِيُّكُمْ" هَذَا انْصِرَافٌ مِنْ مَوْضِعِ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ.
وَقَوْلُهُ وَيُفَرَّقُ عَلَى أَثَرِهِ الصَّالِحُونَ أَيْ يَفْزَعُونَ وَيَمْضُونَ عَلَى أَثَرِهِ قَوْلُهُ فَتَطَّلِعُونَ عَلَى حَوْضِ نَبِيِّكُمْ ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْحَوْضَ مِنْ وَرَاءِ الْجِسْرِ فَكَأَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَقْطَعُوا الْجِسْرَ وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ عَلَى الْحَوْضِ إِذَا زُمْرَةٌ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ فَقَالَ لَهُمْ هَلُمَّ فَقُلْتُ إِلَى أَيْنَ فَقَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ قُلْتُ مَا شَأْنُهُمْ قَالَ إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ فَلَا أَرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلَّا مَثَلُ هَمَلِ النَّعَمِ" ٢ قَالَ: فَهَذَا الْحَدِيثُ مَعَ صِحَّتِهِ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْحَوْضَ يَكُونُ
_________________
(١) ١ رواه مسلم ٢/ ١١٣٦/ ح١٤٩٩ في اللعان من حديث سعد بن عبادة، وعلقه البخاري في التوحيد ٣/ ٣٩٩ مجزوما. ٢ البخاري ١١/ ٤٦٥ في الرقاق باب في الحوض.
[ ٢ / ٧٧٢ ]
فِي الْمَوْقِفِ قَبْلَ الصِّرَاطِ لِأَنَّ الصِّرَاطَ إِنَّمَا هُوَ جِسْرٌ مَمْدُودٌ عَلَى جَهَنَّمَ، فَمَنْ جَازَهُ سَلِمَ مِنَ النَّارِ.
قُلْتُ١ وَلَيْسَ بَيْنَ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَعَارُضٌ وَلَا تَنَاقُضٌ وَلَا اخْتِلَافٌ، وَحَدِيثُهُ كُلُّهُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَأَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ إِنْ أَرَادُوا أَنَّ الْحَوْضَ لَا يُرَى وَلَا يُوصَلُ إِلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ قَطْعِ الصِّرَاطِ فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا وَغَيْرُهُ يَرُدُّ قَوْلَهُمْ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا جَازُوا الصِّرَاطَ وَقَطَعُوهُ بَدَا لَهُمُ الْحَوْضُ فَشَرِبُوا مِنْهُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ لَقِيطٍ هَذَا وَهُوَ لَا يُنَاقِضُ كَوْنَهُ قَبْلَ الصِّرَاطِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ "طُولُهُ شَهْرٌ وَعَرْضُهُ شَهْرٌ" فَإِذَا كَانَ بِهَذَا الطُّولِ وَالسَّعَةِ فَمَا الَّذِي يُحِيلُ امْتِدَادَهُ إِلَى وَرَاءِ الْجِسْرِ فَيَرِدُهُ الْمُؤْمِنُونَ قَبْلَ الصِّرَاطِ وَبَعْدَهُ، فَهَذَا فِي حَيِّزِ الْإِمْكَانِ وَوُقُوعُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى خَبَرِ الصَّادِقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ "وَاللَّهِ عَلَى أَظْمَأِ نَاهِلَةٍ قَطُّ" النَّاهِلَةُ الْعِطَاشُ الْوَارِدُونَ الْمَاءَ أَيْ يَرِدُونَهُ أَظْمَأَ مَا هُمْ إِلَيْهِ، وَهَذَا يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الصِّرَاطِ فَإِنَّهُ جِسْرُ النار وقد وردوه كُلُّهُمْ، فَلَمَّا قطعوه اشتد ظمؤهم إِلَى الْمَاءِ فَوَرَدُوا حَوْضَهُ -ﷺ- كَمَا وَرَدُوهُ فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ.
وَقَوْلُهُ "تُحْبَسُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ" أَيْ تُخْتَفَيَانِ فَتُحْتَبَسَانِ وَلَا يُرَيَانِ وَالِاحْتِبَاسُ التَّوَارِي وَالِاخْتِفَاءُ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَانْحَبَسَتْ وَقَوْلُهُ مَا بَيْنَ الْبَابَيْنِ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَامًا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا بَيْنَ الْبَابِ وَالْبَابِ هَذَا الْمِقْدَارُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْبَابَيْنِ الْمِصْرَاعَيْنِ، وَلَا يُنَاقِضُ هَذَا مَا جَاءَ مِنْ تَقْدِيرِهِ بِأَرْبَعِينَ عَامًا لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ رَاوِيهِ بِالرَّفْعِ، بَلْ قَالَ وَلَقَدْ ذَكَرَ لَنَا أَنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ عَامًا وَالثَّانِي أَنَّ الْمَسَافَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ سُرْعَةِ السَّيْرِ فِيهَا وَبُطْئِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ فِي خَمْرِ الْجَنَّةِ "مَا بِهَا صُدَاعٌ وَلَا نَدَامَةٌ" تَعْرِيضٌ بِخَمْرِ الدُّنْيَا وَمَا يَلْحَقُ بِهَا مِنْ صُدَاعِ الرَّأْسِ وَالنَّدَامَةِ عَلَى ذَهَابِ الْعَقْلِ وَالْمَالِ وَحُصُولِ الشَّرِّ الَّذِي يُوجِبُهُ زَوَالُ الْعَقْلِ وَمَاءٌ غَيْرُ آسِنٍ هُوَ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ بِطُولِ مُكْثِهِ.
_________________
(١) ١ هو قول ابن القيم رحمه الله تعالى.
[ ٢ / ٧٧٣ ]
وَقَوْلُهُ فِي نِسَاءِ الْجَنَّةِ غَيْرَ أَنْ لَا تَوَالُدَ قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ تَلِدُ نِسَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ على قولين فقال: ت طَائِفَةٌ لَا يَكُونُ فِيهَا حَبَلٌ وَلَا وِلَادَةٌ وَاحْتَجَّتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَبِحَدِيثٍ آخَرَ أَظُنُّهُ فِي الْمُسْنَدِ وَفِيهِ "غَيْرَ أَنَّ لَا مَنِيَّ وَلَا مَنِيَّةَ١.
وَأَثْبَتَتْ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ الْوِلَادَةَ فِي الْجَنَّةِ، وَاحْتَجَّتْ بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْمُؤْمِنُ إِذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ، وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ كَمَا يَشْتَهِي" قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ٢.
قَالَتِ الطَّائِفَةُ الْأُولَى هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ الْوِلَادَةِ فِي الْجَنَّةِ، فَإِنَّهُ عَلَّقَهُ بِالشَّرْطِ فَقَالَ: "إِذَا اشْتَهَى وَلَكِنَّهُ لَا يَشْتَهِي" وَهَذَا تَأْوِيلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ قَالُوا وَالْجَنَّةُ دَارُ جَزَاءٍ عَلَى الْأَعْمَالِ وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْجَزَاءِ، قَالُوا وَالْجَنَّةُ دَارُ خُلُودٍ وَلَا يَمُوتُ فِيهَا، فَلَوْ تَوَالَدَ فِيهَا أَهْلُهَا عَلَى الدَّوَامِ وَالْأَوَابِدِ لَمَا وَسِعَتْهُمْ، وَإِنَّمَا وَسِعَتْهُمُ الدُّنْيَا بِالْمَوْتِ وَأَجَابَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَقَالَتْ إِذًا إِنَّمَا تَكُونُ لِلْمُحَقَّقِ وُقُوعُهُ لَا الْمَشْكُوكِ فِيهِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُنْشِئُ فِي الْجَنَّةِ خَلْقًا لِيُسْكِنَهُمْ إِيَّاهَا بِلَا عَمَلٍ، قَالُوا وَأَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا فِيهَا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ سَعَتِهَا فَلَوْ رُزِقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةَ آلَافٍ مِنَ الْوَلَدِ وَسِعَتْهُمْ، فَإِنَّ أَدْنَاهُمْ مَنْ يُنْظَرُ فِي مُلْكِهِ مَسِيرَةَ أَلْفَيْ عَامٍ.
وَقَوْلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْصَى مَا نَحْنُ بَالِغُونَ وَمُنْتَهُونَ لَا جَوَابَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَقْصَى مدة الدنيا وانتهاءها فَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ وَإِنْ أَرَادَ أَقْصَى مَا نَحْنُ بَالِغُونَ إِلَيْهِ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ أَقْصَى مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ.
_________________
(١) ١ أخرجه الطبراني من حديث أبي أمامة حادي الأرواح ص١٧٩، وسنده ضعيف جدا فيه خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك وهو ضعيف، وله شاهد ضعيف من حديثه في مسند الحسن بن سفيان، فيه علي بن زيد الألهاني فالحديث ضعيف لا يقوى بهما. ٢ الترمذي ٤/ ٦٩٥/ ح٢٥٦٣ في صفة الجنة باب ما جاء ما لأدنى أهل الجنة من الكرامة وابن ماجه ٢/ ١٤٥٢/ ح٤٣٣٨ في الزهد باب صفة الجنة، وأحمد ٣/ ٩ والدارمي ٢/ ٣٣٧ وسنده جيد.
[ ٢ / ٧٧٤ ]
وَإِنْ كَانَ الِانْتِهَاءُ إِلَى نَعِيمٍ وَجَحِيمٍ وَلِهَذَا لَمْ يُجِبْهُ النَّبِيُّ ﷺ.
وَقَوْلُهُ فِي عَقْدِ الْبَيْعَةِ وَزِيَالِ الْمُشْرِكِ أَيْ مُفَارَقَتِهِ وَمُعَادَاتِهِ فَلَا تُجَاوِرْهُ وَلَا تَوَالِيهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي السنن "لا ترأى نَارَاهُمَا" ١ يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ والمشركين.
وقوله حيثما مَرَرْتَ بِقَبْرِ كَافِرٍ فَقُلْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ مُحَمَّدٌ هَذَا إِرْسَالُ تَقْرِيعٍ وَتَوْبِيخٍ لَا تَبْلِيغِ أَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى سَمَاعِ أَصْحَابِ الْقُبُورِ كَلَامَ الْأَحْيَاءِ وَخِطَابِهِمْ لَهُمْ، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا فَهُوَ فِي النَّارِ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا قَدْ غَيَّرُوا الْحَنِيفِيَّةَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ وَاسْتَبْدَلُوا بِهَا الشِّرْكَ وَارْتَكَبُوهُ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ حُجَّةٌ مِنَ اللَّهِ بِهِ، وَقُبْحِهِ وَالْوَعِيدُ عَلَيْهِ بِالنَّارِ لَمْ يَزَلْ مَعْلُومًا مِنْ دِينِ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ وَأَخْبَارُ عُقُوبَاتِ اللَّهِ لِأَهْلِهِ مُتَدَاوَلَةٌ بَيْنَ الْأُمَمِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مَا فَطَرَ عِبَادَهُ عَلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ رُبُوبِيَّتِهِ الْمُسْتَلْزِمِ لِتَوْحِيدِ إِلَهِيَّتِهِ وَأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ فِي كُلِّ فِطْرَةٍ وَعَقْلٍ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ إِلَهٌ آخَرُ، وَإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ لَا يُعَذِّبُ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ وَحْدَهَا، فَلَمْ تَزَلْ دَعْوَةُ الرُّسُلِ إِلَى التَّوْحِيدِ فِي الْأَرْضِ مَعْلُومَةً لِأَهْلِهَا، فَالْمُشْرِكُ يَسْتَحِقُّ الْعَذَابَ بِمُخَالَفَتِهِ دَعْوَةَ الرُّسُلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود ٣/ ٤٥/ ح٢٦٤٥ في الجهاد باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود، والترمذي ٤/ ١٥٥/ ح١٦٠٤ في السير باب ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين، والنسائي ٨/ ٣٦ في القسامة باب القود بغير حديدة، وسنده جيد وللحديث شواهد.
[ ٢ / ٧٧٥ ]
فصل منكرو البعث أربعة أصناف الطبائعية والدورية ومشركو العرب وملاحدة الجهمية وشرح أبيات عنهم في نونية ابن القيم
فَصَلٌ: [مُنْكِرُو الْبَعْثِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ]:
ثُمَّ مُنْكِرُو الْبَعْثِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ:
صِنْفٌ أَنْكَرُوا الْمَبْدَأَ وَالْمَعَادَ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْأَكْوَانَ تَتَصَرَّفُ بِطَبِيعَتِهَا فَتُوجَدُ وَتَعْدَمُ بِأَنْفُسِهَا، لَيْسَ لَهَا رَبٌّ يَتَصَرَّفُ فِيهَا، إِنَّمَا هِيَ أَرْحَامٌ تَدْفَعُ وَأَرْضٌ تَبْلَعُ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ جُمْهُورُ الْفَلَاسِفَةِ الدَّهْرِيَّةِ وَالْطَبَائِعِيَّةِ.
وَالصِّنْفُ الثَّانِي مِنَ الدَّهْرِيَّةِ طَائِفَةٌ يُقَالُ لَهُمُ الدَّوْرِيَّةُ، وَهُمْ مُنْكِرُونَ لِلْخَالِقِ أَيْضًا وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ فِي كُلِّ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ سَنَةٍ يَعُودُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَيَّ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا قَدْ تَكَرَّرَ مَرَّاتٍ لَا تَتَنَاهَى فَكَابَرُوا فِي الْمَعْقُولِ وَكَذَّبُوا الْمَنْقُولَ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَهَاتَانِ الطَّائِفَتَانِ يَعُمُّهُمْ قَوْلُهُ ﷿ ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٣٤] وَلِهَذَا عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِيهَا تَفْسِيرَانِ الْأَوَّلُ مَعْنَى قَوْلُهُمْ ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أَيْ يموت الآباء ويحيا الْأَبْنَاءُ هَكَذَا أَبَدًا، وَهُوَ قَوْلُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَنَّهُمْ عَنَوْا كَوْنَهُمْ يَمُوتُونَ وَيُحْيَوْنَ هُمْ أَنْفُسُهُمْ وَيَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَبَدًا وَلَا حِسَابَ وَلَا جَزَاءَ، بل ولا موجد وَلَا مُعْدَمَ وَلَا مُحَاسِبَ وَلَا مُجَازِيَ، وَهَذَا قَوْلُ الدَّوْرِيَّةِ.
الصِّنْفُ الثَّالِثُ الدَّهْرِيَّةُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَهُمْ مُقِرُّونَ بِالْبُدَاءَةِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَبُّهُمْ وَخَالِقُهُمْ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٨٧] وَمَعَ هَذَا قَالُوا ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدُّخَانِ: ٣٥] فَأَقَرُّوا بِالْبُدَاءَةِ وَالْمُبْدِئِ، وَأَنْكَرُوا الْبَعْثَ وَالْمَعَادَ وَهُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الصَّحِيحِ "وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ" ١.
وَالصِّنْفُ الرَّابِعُ مَلَاحِدَةُ الْجَهْمِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، أَقَرُّوا بِمَعَادٍ لَيْسَ عَلَى مَا فِي
_________________
(١) ١ تقدم قبل قليل.
[ ٢ / ٧٧٦ ]
الْقُرْآنِ وَلَا فِيمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ ﷿، بَلْ زَعَمُوا أَنَّ هَذَا الْعَالَمَ يَعْدَمُ عَدَمًا مَحْضًا وَلَيْسَ الْمَعَادُ هُوَ بَلْ عَالَمٌ آخَرُ غَيْرُهُ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْأَرْضُ الَّتِي تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا وَتُخْبِرُ بِمَا عُمِلَ عَلَيْهَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ لَيْسَتْ هِيَ هَذِهِ، وَتَكُونُ الْأَجْسَادُ الَّتِي تُعَذَّبُ وَتُجَازَى وَتَشْهَدُ عَلَى مَنْ عَمِلَ بِهَا الْمَعَاصِي لَيْسَتْ هِيَ الَّتِي أُعِيدَتْ بَلْ هِيَ غَيْرُهَا، وَالْأَبْدَانُ التي تنعم في الجنة وَتُثَابُ لَيْسَتْ هِيَ الَّتِي عَمِلَتِ الطَّاعَةَ وَلَا أَنَّهَا تَحَوَّلَتْ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، بَلْ هِيَ غَيْرُهَا تُبْتَدَأُ ابْتِدَاءً مَحْضًا، فَأَنْكَرُوا مَعَادَ الْأَبْدَانِ وَزَعَمُوا أَنَّ الْمَعَادَ بَدَاءَةٌ أُخْرَى وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِيهِمْ فِي كَافِيَتِهِ.
وَقَضَى بِأَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ خَلْقَهُ عَدَمًا وَيُقَلِّبُهُ وُجُودًا ثَانِي
الْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ وَالْأَرْوَاحُ وَالْـ أَمْلَاكُ وَالْأَفْلَاكُ وَالْقَمَرَانِ
وَالْأَرْضُ وَالْبَحْرُ وَالْمُحِيطُ وَسَائِرُ الْـ أَكْوَانِ مِنْ عَرْضٍ وَمِنْ جُثْمَانِ
كُلٌّ سَيُفْنِيهِ الْفَنَاءُ الْمَحْضُ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ كَظِلِّ فَانِ
وَيُعِيدُ ذَا الْمَعْدُومِ أَيْضًا ثَانِيًا مَحْضُ الْوُجُودِ إِعَادَةٌ بِزَمَانِ
هَذَا الْمَعَادُ وَذَلِكَ الْمَبْدَأُ لَدَى جَهْمٍ وَقَدْ نَسَبُوهُ لِلْقُرْآنِ
هَذَا الَّذِي قَادَ ابْنَ سِينَا وَالْأُلَى قَالُوا مَقَالَتَهُ إِلَى الْكُفْرَانِ
لَمْ تَقْبَلِ الْأَذْهَانُ ذَا وَتَوَهَّمُوا أَنَّ الرَّسُولَ عَنَاهُ بِالْإِيمَانِ
هَذَا كِتَابُ اللَّهِ أَنَّى قَالَ ذَا أَوْ عَبْدُهُ الْمَبْعُوثُ بِالْبُرْهَانِ
أَوْ صَحْبُهُ مِنْ بَعْدِهِ أَوْ تَابِعٌ لَهُمُو عَلَى الْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ
بَلْ صَرَّحَ الْوَحْيُ الْمُبِينُ بِأَنَّهُ حَقًّا مُغَيِّرُ هَذِهِ الْأَكْوَانِ
فَيُبَدِّلُ الله السماوات العلا وَالْأَرْضَ أَيْضًا ذَانِ تَبْدِيلَانِ
وَهُمَا كَتَبْدِيلِ الجلود لساكني النيران عِنْدَ النُّضْجِ مِنْ نِيرَانِ
وَكَذَاكَ يَقْبِضُ أَرْضَهُ وَسَمَاءَهُ بِيَدَيْهِ مَا الْعَدَمَانِ مَقْبُوضَانِ
وَتُحَدِّثُ الْأَرْضُ الَّتِي كُنَّا بِهَا أَخْبَارَهَا فِي الْحَشْرِ لِلرَّحْمَنِ
وَتَظَلُّ تَشْهَدُ وَهِيَ عَدْلٌ بِالَّذِي مِنْ فَوْقِهَا قَدْ أَحْدَثَ الثَّقَلَانِ
أَفَيَشْهَدُ الْعَدَمُ الَّذِي هُوَ كَاسْمِهِ لَا شَيْءَ هَذَا لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ
لَكِنْ تُسَوَّى ثُمَّ تبسط ثم تشهد ثُمَّ تُبَدَّلُ وَهِيَ ذَاتُ كِيَانِ
[ ٢ / ٧٧٧ ]
وَتُمَدُّ أَيْضًا مِثْلَ مَدِّ أَدِيمِنَا مِنْ غَيْرِ أَوْدِيَةٍ وَلَا كُثْبَانِ
وَتَقِيءُ يَوْمَ الْعَرْضِ مِنْ أَكْبَادِهَا كَالِاسْطُوَانِ نَفَائِسُ الْأَثْمَانِ
كُلٌّ يَرَاهُ بِعَيْنِهِ وَعِيَانِهِ مَا لِامْرِئٍ بِالْأَخْذِ مِنْهُ يَدَانِ
وَكَذَا الْجِبَالُ تُفَتُّ فَتًّا مُحْكَمًا فَتَعُودُ مِثْلَ الرَّمْلِ ذِي الْكُثْبَانِ
وَتَكُونُ كَالْعِهْنِ الَّذِي لَوْ أَنَّهُ وَصِبَاغُهُ مِنْ سَائِرِ الْأَلْوَانِ
وَتُبَسُّ بَسًّا مِثْلَ ذَاكَ فَتَنْثَنِي مِثْلَ الْهَبَاءِ لِنَاظِرِ الْإِنْسَانِ
وَكَذَا الْبِحَارُ فَإِنَّهَا مَسْجُورَةٌ قَدْ فُجِّرَتْ تَفْجِيرَ ذِي سُلْطَانِ
وَكَذَلِكَ الْقَمَرَانِ يَأْذَنُ رَبُّنَا لَهُمَا فَيَجْتَمِعَانِ يَلْتَقِيَانِ
هَذِي مُكَوَّرَةٌ وَهَذَا خَاسِفٌ وَكِلَاهُمَا فِي النَّارِ مَطْرُوحَانِ
وَكَوَاكِبُ الْأَفْلَاكِ تُنْثَرُ كُلُّهَا كَلَآلِئٍ نُثِرَتْ عَلَى مَيْدَانِ
وَكَذَا السَّمَاءُ تُشَقُّ شَقًّا ظَاهِرًا وَتَمُورُ أَيْضًا أَيَّمَا مَوَرَانِ
وَتَصِيرُ بَعْدَ الانشقاق كمثل هذا الْمُهْلِ أَوْ تَكُ وَرْدَةً كَدِهَانِ
وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ لَا يُفْنِيهِمَا أَيْضًا وَإِنَّهُمَا لَمَخْلُوقَانِ
وَالْحُورُ لَا تَفْنَى كذلك جنة المأوى وَمَا فِيهَا مِنَ الْوِلْدَانِ
وَلِأَجْلِ هَذَا قَالَ جَهْمٌ إِنَّهَا عَدَمٌ وَلَمْ تُخْلَقْ إِلَى ذَا الْآنِ
وَالْأَنْبِيَاءُ فَإِنَّهُمْ تَحْتَ الثَّرَى أَجْسَادُهُمْ حُفِظَتْ مِنَ الدِّيدَانِ
مَا لِلْبِلَى بِلُحُومِهِمْ وَجُسُومِهِمْ أَبَدًا وَهُمْ تَحْتَ التُّرَابِ يَدَانِ
وَكَذَاكَ عَجَبُ الظَّهْرِ لَا يَبْلَى بَلَى مِنْهُ تُرَّكَبُ خِلْقَةُ الْإِنْسَانِ
وَكَذَلِكَ الْأَرْوَاحُ لَا تَبْلَى كَمَا تَبْلَى الْجُسُومُ وَلَا بَلَى اللَّحِمَانِ
وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يُقِرَّ الْجَهْمُ مَا الْأَرْوَاحُ خَارِجَةٌ عَنِ الْأَبْدَانِ
لَكِنَّهَا مِنْ بَعْضِ أَعْرَاضٍ بِهَا قَامَتْ وَذَا فِي غَايَةِ الْبُطْلَانِ
فَالشَّأْنُ لِلْأَرْوَاحِ بَعْدَ فِرَاقِهَا أَبْدَانَهَا وَاللَّهُ أَعْظَمُ شَانِ
إِمَّا عَذَابٌ أَوْ نُعَيْمٌ دَائِمٌ قَدْ نَعِمَتْ بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ
وَتَصِيرُ طَيْرًا سَارِحًا مَعَ شَكْلِهَا تَجْنِي الثِّمَارَ بِجَنَّةِ الْحَيَوَانِ
وَتَظَلُّ وَارِدَةً لِأَنْهَارٍ بِهَا حَتَّى تَعُودَ لِذَلِكَ الْجُثْمَانِ
لَكِنَّ أَرْوَاحَ الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي جَوْفِ طَيْرٍ أَخْضَرٍ رِيَّانِ
[ ٢ / ٧٧٨ ]
فَلَهُمْ بِذَاكَ مَزِيَّةٌ فِي عيشهم ونعيمهم للأرواح وَالْأَبْدَانِ
بَذَلُوا الْجُسُومَ لِرَبِّهِمْ فَأَعَاضَهُمْ أَجْسَامَ تِلْكَ الطَّيْرِ بِالْإِحْسَانِ
وَلَهَا قَنَادِيلٌ إِلَيْهَا تَنْتَهِي مَأْوَى لَهَا كَمَسَاكِنِ الْإِنْسَانِ
فَالرُّوحُ بَعْدَ الْمَوْتِ أَكْمَلُ حَالَةٍ مِنْهَا بِهَذِي الدَّارِ فِي جُثْمَانِ
وَعَذَابُ أَشْقَاهَا أَشَدُّ مِنَ الَّذِي قَدْ عَايَنَتْ أَبْصَارُنَا بِعِيَانِ
وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا عَرَضٌ أَبَوْا ذَا كُلَّهُ تَبًّا لِذِي نُكْرَانِ
وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ إِخْرَاجَ الْوَرَى بَعْدَ الْمَمَاتِ إِلَى الْمَعَادِ الثَّانِي
أَلْقَى عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي هُمْ تَحْتَهَا وَاللَّهُ مُقْتَدِرٌ وَذُو سُلْطَانِ
مَطَرًا غَلِيظًا أَبْيَضًا مُتَتَابِعًا عَشْرًا وَعَشْرًا بَعْدَهَا عَشْرَانِ
فَتَظَلُّ تَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَامُ الْوَرَى وَلُحُومُهُمْ كَمَنَابِتِ الرَّيْحَانِ
حَتَّى إِذَا مَا الْأُمُّ حَانَ وِلَادُهَا وَتَمَخَّضَتْ فَنِفَاسُهَا مُتَدَانِ
أَوْحَى لَهَا رَبُّ السَّمَا فَتَشَقَّقَتْ فَبَدَا الْجَنِينُ كَأَكْمَلِ الشُّبَّانِ
وَتَخَلَّتِ الْأُمُّ الْوَلُودُ وَأَخْرَجَتْ أَثْقَالُهَا أُنْثَى وَمِنْ ذُكْرَانِ
وَاللَّهُ يُنْشِئُ خَلْقَهُ فِي نَشْأَةٍ أُخْرَى كَمَا قَدْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ
هَذَا الَّذِي جَاءَ الكتاب وسنة الهادي بِهِ فَاحْرِصْ عَلَى الْإِيمَانِ
مَا قَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْدَمُ خَلْقَهُ طُرًّا كَقَوْلِ الْجَاهِلِ الْحَيْرَانِ
قَوْلُهُ هَذَا الْمَعَادُ وَذَلِكَ الْمَبْدَأُ لَدَى جَهْمٍ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ وَتَقَدَّمَ تَرْجَمَةُ جَهْمٍ وَبَيَانُ مَذْهَبِهِ وَعَمَّنْ أَخَذَهُ وَمَنْ أَخَذَ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ وَهُوَ الَّذِي قَادَ ابْنَ سِينَا هُوَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ سِينَا وَاسْمُهُ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ رَئِيسُ الْفَلَاسِفَةِ وَمُهَذِّبُ مَذْهَبِهِمْ، لَهُ كِتَابُ الْإِشَارَاتِ الَّذِي هَذَّبَ فِيهِ مَذْهَبَ أَرِسْطُو وَقَرَّبَهُ قَلِيلًا إِلَى الْأَدْيَانِ وَكَانَ -فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ- يَقُولُ بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَإِنْكَارِ الْمَعَادِ وَنَفْيِ عِلْمِ الرَّبِّ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ وَخَلْقِهِ الْعَالِمَ وَبَعْثِهُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَكَانَ ابْنُ سِينَا هَذَا تَفَقَّهَ مَذْهَبَ الْفَلَاسِفَةِ مِنْ كُتُبِ الْفَارَابِيِّ أَبِي نَصْرٍ التُّرْكِيِّ الْفَيْلَسُوفِ وَكَانَ الْفَارَابِيُّ هَذَا قَبَّحَهُ اللَّهُ يَقُولُ بِالْمَعَادِ الرُّوحَانِيِّ لَا الْجُثْمَانِيِّ، وَيُخَصِّصُ بِالْمَعَادِ الْأَرْوَاحَ الْعَالِمَةَ لَا الْجَاهِلَةَ وَلَهُ مَذَاهِبُ فِي ذَلِكَ، يُخَالِفُ الْمُسْلِمِينَ وَالْفَلَاسِفَةَ مِنْ سَلَفِهِ الْأَقْدَمِينَ، وَتَحَمَّلَ ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ سِينَا وَنَصَرَهُ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ فِي تَهَافُتِ الْفَلَاسِفَةِ فِي
[ ٢ / ٧٧٩ ]
عِشْرِينَ مَجْلِسًا لَهُ، كَفَّرَهُ فِي ثَلَاثٍ مِنْهَا وَهِيَ قَوْلُهُ بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَعَدَمِ الْمَعَادِ الْجُثْمَانِيِّ وَقَوْلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ وَبَدَّعَهُ فِي الْبَوَاقِي قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ وَيُقَالُ إِنَّهُ تَابَ عِنْدَ الْمَوْتِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ ﵀ وَالْأُلَى قَالُوا مَقَالَتَهُ إِلَى الْكُفْرَانِ يَعْنِي بِذَلِكَ أَتْبَاعَ ابْنِ سِينَا وَأَنْصَارَ زَنْدَقَتِهِ وَمِنْ أَكْبَرِهِمْ وَأَشْهَرِهِمُ النَّصِيرُ الطُّوسِيُّ وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَيُقَالُ لَهُ الْخَوَاجَا نَصِيرُ الدِّينِ فَإِنَّهُ انْتُدِبَ لِنَصْرِ مَذْهَبِ ابْنِ سِينَا وَالذَّبِّ عَنْهُ وَقَامَ فِي ذَلِكَ وَقَعَدَ وَشَرَحَ إِشَارَاتِهِ وَكَانَ يُسَمِّيهَا فِيمَا يَزْعُمُونَ قُرْآنَ الْخَاصَّةِ، وَيُسَمِّي كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى قُرْآنَ الْعَامَّةِ، وَرَدَّ عَلَى الشِّهْرِسْتَانِيِّ فِي مُصَارَعَتِهِ ابْنَ سِينَا بِكِتَابٍ سَمَّاهُ مُصَارَعَةَ الْمُصَارِعِ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَقَفْنَا عَلَى الْكِتَابَيْنِ نَصَرَ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا وَأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا بِقُدْرَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ، وَلَا يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ وَذَكَرَ عَنْهُ أَنَّهُ تَعَلَّمَ السِّحْرَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ فَكَانَ سَاحِرًا يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ إِلَى أَنْ قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ هَذَا الْمُلْحِدُ هُوَ وَأَتْبَاعُهُ مِنَ الْكَافِرِينَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قُلْتُ وَكَانَ الطُّوسِيُّ هَذَا فِيمَا ذَكَرَ أَهْلُ التَّارِيخِ وَزِيرًا لِهُولَاكُو خَانْ وَهُوَ الَّذِي بَنَى الرَّصَدَ بِمَرَاغَةَ وَرَتَّبَ فِيهِ الْحُكَمَاءَ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَالْأَطِبَّاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَنَقَلَ إِلَيْهَا أَوْقَافَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ النَّفَقَاتِ وَالْمَكَاتِبِ وَغَيْرِهَا قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّهُ عَمِلَ الرَّصَدَ بِمَدِينَةِ مَرَاغَةَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ فَعَمِلَ دَارَ حِكْمَةٍ وَرَتَّبَ فِيهَا فَلَاسِفَةً وَرَتَّبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، وَدَارَ طِبٍّ فِيهَا لِلطَّبِيبِ فِي الْيَوْمِ دِرْهَمَانِ، وَمَدْرَسَةً لِكُلِّ فَقِيهٍ فِي الْيَوْمِ دِرْهَمٌ، وحديث لِكُلِّ مُحَدِّثٍ نِصْفُ دِرْهَمٍ فِي الْيَوْمِ وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ فَلْيُرَاجَعْ، وَأَمَّا هُولَاكُو خَانْ مَلِكُ التَّتَارِ الَّذِي كَانَ الطُّوسِيُّ وَزِيرًا لَهُ فَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ هَلَاكَهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَقَالَ كَانَ مَلِكًا جَبَّارًا كَفَّارًا لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَتَلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ شَرْقًا وَغَرْبًا مَا لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا الَّذِي خَلَقَهُمْ وَسَيُجَازِيهِ عَلَى ذَلِكَ شَرَّ الْجَزَاءِ كَانَ لَا يَتَقَيَّدُ بِدِينٍ مِنَ الْأَدْيَانِ وَإِنَّمَا كَانَتْ زَوْجَتُهُ ظُفْرُ خَاتُونَ قَدْ تَنَصَّرَتْ وَكَانَتْ تُفَضِّلُ النَّصَارَى عَلَى سَائِرِ الْخَلْقِ، وَكَانَ أَهْلُهَا مِنْ أَفْرَاخِ الْفَلَاسِفَةِ لَهُمْ عِنْدَهُ وَجَاهَةٌ وَمَكَانَةٌ، وَهُوَ كَانَ يَتَرَامَى عَلَى مَحَبَّةِ الْمَعْقُولَاتِ وَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهَا شَيْئًا
[ ٢ / ٧٨٠ ]
وَإِنَّمَا كانت هِمَّتُهُ فِي تَدْبِيرِ الْمُلْكِ وَتَمَلُّكِ الْبِلَادِ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى أَبَادَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَدُفِنَ فِي مَدِينَةِ تَلَا١، لَا ﵀ ﵎:
وَقَوْلُ ابْنِ الْقَيِّمِ ﵀.
بَلْ صَرَّحَ الْوَحْيُ الْمُبِينُ بِأَنَّهُ حَقًّا مُغَيِّرُ هَذِهِ الْأَكْوَانِ إِلَخْ
يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٤٨] الْآيَاتِ، وَإِلَى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ" ٢
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَتَكَفَّأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ " ٣.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٤٨] قَالَتْ قُلْتُ أَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ عَلَى الصِّرَاطِ٤.
وَفِيهِ مِنْ حَدِيثِ الْيَهُودِيِّ الَّذِي سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ١٣/ ٢٤٨. ٢ رواه البخاري ١١/ ٣٧٢ في الرقاق باب يقبض الله الأرض ومسلم ٤/ ٢١٥٠/ ح٢٧٩٠ في صفات المنافقين باب في البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة. والنقي الخبز الحواري، كما قال أبو عبيد. ٣ رواه البخاري ١١/ ٣٧٢ في الرقاق باب يقبض الله الأرض، ومسلم ٤/ ٢١٥١/ ح٢٧٩٢ في صفات المنافقين باب نزل أهل الجنة. ٤ رواه مسلم ٤/ ٢١٥٠/ ح٢٧٩١ في صفات المنافقين باب في البعث والنشور.
[ ٢ / ٧٨١ ]
الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ" ١ الْحَدِيثَ.
وَلِابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَبِي أَيُّوبٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ حَبْرًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذْ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٤٨] فَأَيْنَ الْخَلْقُ عِنْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: "أَضْيَافُ اللَّهِ، فَلَنْ يُعْجِزَهُمْ مَا لَدَيْهِ" ٢ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يُبَدِّلُ اللَّهُ الْأَرْضَ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ فَيَبْسُطُهَا وَيَمُدُّهَا مَدَّ الْأَدِيمِ الْعُكَاظِيِّ، لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا ثُمَّ يَزْجُرُ اللَّهُ الْخَلْقَ زَجْرَةً فَإِذَا هُمْ فِي هَذِهِ الْمُبْدَلَةِ" ٣ وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَشَارَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَتُمَدُّ أَيْضًا مِثْلَ مَدِّ أَدِيمِنَا إِلَخْ الْبَيْتِ وَقَوْلُهُ وَهُمَا كَتَبْدِيلِ الْجُلُودِ لِسَاكِنِي النِّيرَانِ إِلَى آخَرَ، يُشِيرُ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النِّسَاءِ: ٥٦] وَوَجْهُ الْمُشَابَهَةِ بَيْنَ التَّبْدِيلَيْنِ أَنَّ جُلُودَ الْكُفَّارِ كُلَّمَا احْتَرَقَتْ قِيلَ لَهَا عُودِي فَعَادَتْ كَمَا كَانَتْ وَمَعْنَى قَوْلِهِ غَيْرَهَا أَيْ صَارَتْ غيرها لعودها بعد ما نَضِجَتْ وَاحْتَرَقَتْ، وَإِلَّا فَهِيَ هِيَ الَّتِي عَمِلَتِ الْمَعَاصِيَ فِي الدُّنْيَا وَبِهَا تُجَازَى فِي الْآخِرَةِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ يُبَدَّلُونَ جُلُودًا بِيضًا أَمْثَالَ الْقَرَاطِيسِ يَعْنِي تُجَدَّدُ لَهُمُ الْجُلُودُ الَّتِي نَضِجَتْ كَذَلِكَ لِيَتَجَدَّدَ لَهُمُ الْعَذَابُ أَبَدًا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ وَكَذَلِكَ تَبْدِيلُ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ هُوَ تَغْيِيرُهَا مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَإِلَّا فَهِيَ هِيَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) ١ رواه مسلم ٤/ ٢٥٢/ ح٣١٥ في الحيض باب بيان صفة مني الرجل والمرأة، وأن الولد مخلوق من مائهما. ٢ أخرجه ابن جرير ١٣/ ٢٥٣ وابن أبي حاتم ابن كثير ٢/ ٥٦٣ وسنده ضعيف جدا فيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم وهو ضعيف، وسعيد بن ثوبان الكلاعي ترجمه له ابن أبي حاتم ٢/ ١/ ٩ وبيض له. ٣ سيأتي بتمامه وتخريجه.
[ ٢ / ٧٨٢ ]
وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَكَذَلِكَ يَقْبِضُ أَرْضَهُ وَسَمَاءَهُ بِيَدَيْهِ إِلَخْ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠٤] وَقَوْلِهِ ﷿ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٧] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللَّهَ ﷿ يَجْعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ فَيَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٧] ١ الْآيَةَ.
وَلِلْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فَقَالَ: كَيْفَ تَقُولُ يَا أَبَا الْقَاسِمِ يَوْمَ يَجْعَلُ اللَّهُ ﷾ السَّمَاءَ عَلَى ذِهْ وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ، وَالْأَرْضَ عَلَى ذِهْ وَالْجِبَالَ عَلَى ذِهْ وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى ذِهْ، كُلُّ ذَلِكَ وَيُشِيرُ بِأَصَابِعِهِ قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٧] ٢ الْآيَةَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَقْبِضُ اللَّهُ تَعَالَى الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ" ٣ وَفِيهِمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ.
_________________
(١) ١ رواه البخاري ٨/ ٥٥٠ ٥٥١ في الرقاق باب قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ومسلم ٤/ ٢١٤٧/ ح٢٧٨٦ في صفات المنافقين باب صفة القيامة والجنة والنار. ٢ رواه أحمد ح٢٢٦٧ نسخة أحمد شاكر والترمذي ٥/ ٣٧١/ ح٣٢٤٠ في التفسير باب ومن سورة الزمر، وقال حسن غريب صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه وفي سند أحمد حسين بن حسن الأشقر وهو ضعيف، وتابعه عند الترمذي محمد بن الصلت، فالحديث صحيح. ٣ رواه البخاري ٨/ ٥٥١ في تفسير سورة الزمر باب قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ومسلم ٤/ ٢١٤٨/ ح٢٧٨٧ في صفات المنافقين باب صفة القيامة والجنة والنار.
[ ٢ / ٧٨٣ ]
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ ﵎ يَقْبِضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ وَتَكُونُ السَّمَاوَاتُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ" ١ وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ يَأْخُذُ اللَّهُ ﵎ سمواته وَأَرْضَهُ بِيَدِهِ وَيَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ -وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا- أَنَا الْمَلِكُ، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٢ وَلَفْظُ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٧] وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "هَكَذَا بِيَدِهِ يُحَرِّكُهَا، يُقْبِلُ بِهَا وَيُدْبِرُ يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ أَنَا الْجَبَّارُ أَنَا الْمُتَكَبِّرُ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْعَزِيزُ أَنَا الْكَرِيمُ" فَرَجَفَ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْمِنْبَرُ حَتَّى قُلْنَا لَيَخِرَّنَّ بِهِ٣.
وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ يَطْوِي اللَّهُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْخَلِيقَةِ، وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْخَلِيقَةِ، يَطْوِي ذَلِكَ كُلَّهُ بِيَمِينِهِ، يَكُونُ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي يَدِهِ بِمَنْزِلَةِ خَرْدَلَةٍ٤
وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَتُحَدِّثُ الْأَرْضُ الَّتِي كُنَّا بِهَا، أَخْبَارَهَا إِلَخْ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٤-٥] وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رسول الله ﷺ في هَذِهِ الْآيَةَ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٤] "أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا" قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: "فَإِنَّ أَخْبَارَهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا، أَنْ تَقُولَ عَمِلَ كَذَا وَكَذَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَهَذِهِ أَخْبَارُهَا" ثُمَّ قَالَ: التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ٥.
_________________
(١) ١ البخاري ١٣/ ٣٩٣ في التوحيد باب قول الله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ومسلم ٤/ ٢١٤٨/ ح٢٧٨٨ في صفات المنافقين باب صفة القيامة والجنة والنار. ٢ مسلم ٤/ ٢١٤٨/ ح٢٧٨٨ في صفات المنافقين باب صفة القيامة والجنة والنار. ٣ أحمد ٢/ ٧٢ وسنده على شرطيهما. ٤ أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ الدر المنثور ٧/ ٢٤٨. ٥ رواه أحمد ٢/ ٣٧٤ والترمذي ٥/ ٤٤٦/ ح٣٣٥٣ في التفسير باب ومن سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ وقال هذا حديث حسن صحيح.
[ ٢ / ٧٨٤ ]
وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ سَمِعَ رَبِيعَةُ الْجُرَشِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "تَحَفَّظُوا مِنَ الْأَرْضِ فَإِنَّهَا أُمُّكُمْ، وَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ عَامِلٌ عَلَيْهَا خَيْرًا أَوْ شَرًّا إِلَّا وَهِيَ مُخْبَرَةٌ" ١ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَوْحَى لَهَا وَأَوْحَى إِلَيْهَا، وَوَحَى لَهَا وَوَحَى إِلَيْهَا وَاحِدٌ وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَنْهُ ﵁ قَالَ قَالَ لَهَا ربها قولي فقال: ت، وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَوْحَى لَهَا أَيْ أَمَرَهَا.
وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
وَتَقِيءُ يَوْمَ الْعَرْضِ مِنْ أَكْبَادِهَا كَالِاسْطُوَانِ نَفَائِسُ الْأَثْمَانِ
كُلٌّ يَرَاهُ بِعَيْنِهِ إِلَخْ، يُشِيرُ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٢] وَإِلَى مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تُلْقِي الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ فَيَقُولُ فِي هَذَا قَتَلْتُ، ويجيء القاطع فيقول فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُولُ فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي، ثُمَّ يَدْعُونَهُ فَلَا يَأُخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا " ٢.
وَقَوْلُهُ وَكَذَا الْجِبَالُ تُفَتُّ فَتًّا مُحْكَمًا إِلَخْ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٦] وَقَوْلِهِ ﷿ ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النَّمْلِ: ٨٨] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ ﷿ ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٥ ٦] وَقَوْلِهِ ﷿ ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [الْمَعَارِجِ: ٩] وَفِي سُورَةِ الْقَارِعَةِ ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [الْقَارِعَةِ: ٥] وَقَوْلِهِ ﷿
_________________
(١) ١ رواه الطبراني في الكبير ٥/ ٦٥/ ح٤٥٩٦ وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف، وربيعة الجرشي مختلف في صحبته. ٢ رواه مسلم ٢/ ٧٠١/ ح١٠١٣ في الزكاة باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها.
[ ٢ / ٧٨٥ ]
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ١٤] وَقَوْلِهِ ﷿ ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ١٠] وَقَوْلِهِ ﷿ ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٣] وَقَوْلِهِ ﷿ ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النَّبَأِ: ٢٠] وَقَوْلِهِ ﷿ ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٤] وَقَوْلِهِ ﷿ ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الْكَهْفِ: ٤٧] وَمَا فِي مَعَانِيهَا مِنَ الْآيَاتِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ سَأَلَ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ تَكُونُ الْجِبَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ ١ أَيْ هَلْ تَبْقَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ تَزُولُ ﴿فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] أَيْ يُذْهِبُهَا عَنْ أَمَاكِنِهَا وَيُسَيِّرُهَا تَسْيِيرًا فَيَذْرُهَا أَيِ الْأَرْضَ قَاعًا صَفْصَفًا أَيْ بُسُطًا وَاحِدًا، وَالْقَاعُ هُوَ الْمُنْبَسِطُ الْمُسْتَوِي مِنَ الْأَرْضِ وَالصَّفْصَفُ الْأَمْلَسُ ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] أَيْ لَا تَرَى فِي الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ وَادِيًا وَلَا رَابِيَةً وَلَا صَدْعًا وَلَا أَكَمَةً وَلَا مَكَانًا مُنْخَفِضًا وَلَا مُرْتَفِعًا كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ أَيْ قَائِمَةً وَاقِفَةً ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النَّمْلِ: ٨٨] أَيْ تَسِيرُ سَيْرَ السَّحَابِ حَتَّى تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَظِيمٍ وَكُلَّ جَمْعٍ كَثِيرٍ يَقْصُرُ عَنْهُ الْبَصَرُ لِكَثْرَتِهِ وَبَعُدَ مَا بَيْنَ أَطْرَافِهِ فَهُوَ فِي حُسْبَانِ النَّاظِرِ وَاقِفٌ وَهُوَ سَائِرٌ، كذلك سير الجبال لا يرى يوم القيامة لعظمها، كما أن سير السحاب لا يرى لعظمه وهو سائر وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٥] أَيْ فُتِّتَتْ فَتًّا، وَقَالَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ فَصَارَتْ كَالدَّقِيقِ الْمَبْسُوسِ وَهُوَ الْمَبْلُولُ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالسُّدِّيُّ كُسِرَتْ كَسْرًا وَقَالَ الْكَلْبِيُّ سُيِّرَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ تَسْيِيرًا، وَقَالَ الْحَسَنُ قُلِعَتْ مِنْ أَصْلِهَا فَذَهَبَتْ، وَنَظِيرُهَا ﴿فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ.
_________________
(١) ١ ذكره البغوي من غير إسناد معالم التنزيل ٤/ ٣١ ولم أجده في غيره.
[ ٢ / ٧٨٦ ]
جُعِلَتْ كَثِيبًا مَهِيلًا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ شَامِخَةً طَوِيلَةً ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٦] غُبَارًا مُتَفَرِّقًا كَالَّذِي يُرَى فِي شُعَاعِ الشَّمْسِ إِذَا دَخَلَ الْكُوَّةَ وَهُوَ الْهَبَاءُ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كَوَهَجِ الْغُبَارِ يَسْطَعُ ثُمَّ يَذْهَبُ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ١.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْهَبَاءُ يَطِيرُ مِنَ النَّارِ إِذَا اضْطَرَمَتْ، يَطِيرُ مِنْهُ الشَّرَرُ، فَإِذَا وَقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا٢.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ الْمُنْبَثُّ الَّذِي قَدْ ذَرَتْهُ الرِّيحُ وَبَثَّتْهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ هَبَاءً مُنْبَثًّا كَيَبِيسِ الشَّجَرِ الَّذِي تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ الْعِهْنُ الصُّوفُ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ كَالصُّوفِ الْمَصْبُوغِ، وَلَا يُقَالُ عِهْنٌ إِلَّا لِلْمَصْبُوغِ، وَقَالَ الْحَسَنُ كَالصُّوفِ الْأَحْمَرِ وَهُوَ أَضْعَفُ الصُّوفِ، وَقَالَ الْمَنْفُوشُ الْمَنْدُوفُ وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ الْمَنْفُوشُ الَّذِي قَدْ شَرَعَ فِي الذَّهَابِ وَالتَّمَزُّقِ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ أَيْ تَصِيرُ كَكُثْبَانِ الرَّمْلِ بَعْدَمَا كَانَتْ حِجَارَةً صَمَّاءَ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ رَمْلًا سَائِلًا قَالَ الْكَلْبِيُّ هُوَ الرَّمْلُ الَّذِي إِذَا أَخَذْتَ مِنْهُ شَيْئًا تَبِعَكَ مَا بَعْدَهُ يُقَالُ أَهَلْتُ الرَّمْلَ أُهِيلُهُ هَيْلًا إِذَا حَرَّكْتَ أَسْفَلَهُ حَتَّى انْهَالَ مِنْ أَعْلَاهُ وَقَالَ ﴿نُسِفَتْ﴾ قُلِعَتْ مِنْ أَمَاكِنِهَا، وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ ذَهَبَ بِهَا فَلَا يَبْقَى لَهَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ، وَقَالَ فِي ﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ أَيْ يُخَيَّلُ إِلَى النَّاظِرِ أَنَّهَا شَيْءٌ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَبَعْدَ هَذَا تَذْهَبُ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا عَيْنَ وَلَا أَثَرَ وَقَالَ فِي ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ﴾ تَذْهَبُ عَنْ أَمَاكِنِهَا وَتَزُولُ، ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الْكَهْفِ: ٤٧] أَيْ بَادِيَةً ظَاهِرَةً لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ وَلَا مَكَانٌ يُوَارِي أَحَدًا، بَلِ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ ضَاحُونَ لِرَبِّهِمْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الْكَهْفِ: ٤٧] لَا حَجَرَ فِيهَا وَلَا غَيَابَةَ، وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا لَا بِنَاءَ وَلَا شَجَرَ وَقَالَ الْبَغَوِيُّ ﴿فَدُكَّتَا﴾ كُسَرَتَا ﴿دَكَّةً﴾ كَسْرَةً
_________________
(١) ١ الحارث هو الأعور، متهم مع ضعفه وأبو إسحاق هو السبيعي. ٢ العوفي هو عطية، ضعيف.
[ ٢ / ٧٨٧ ]
﴿وَاحِدَةً﴾ قَالَ وَأَوَّلُ مَا تَتَغَيَّرُ الْجِبَالُ تَصِيرُ رَمْلًا مَهِيلًا، ثُمَّ عِهْنًا مَنْفُوشًا، ثُمَّ تَصِيرُ هَبَاءً مَنْثُورًا.
وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَكَذَا الْبِحَارُ فَإِنَّهَا مَسْجُورَةٌ، قَدْ فُجِّرَتْ إِلَخْ، يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٦] وَقَوْلِهِ ﷿ ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الِانْفِطَارِ: ٣] قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَجَّرَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ١ وَقَالَ الْحَسَنُ فَجَّرَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ فَذَهَبَ مَاؤُهَا وَقَالَ قَتَادَةُ اخْتَلَطَ عَذْبُهَا بِمَالِحِهَا وَقَالَ الْكَلْبِيُّ مُلِئَتْ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سُجِّرَتْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أُوقِدَتْ فَصَارَتْ نَارًا تَضْطَرِمُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ يَعْنِي فُجِّرَ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، الْعَذْبُ وَالْمِلْحُ، فَصَارَتْ كُلُّهَا بَحْرًا وَاحِدًا وَقَالَ الْكَلْبِيُّ مُلِئَتْ وَقِيلَ صَارَتْ مِيَاهُهَا بَحْرًا وَاحِدًا مِنَ الْحَمِيمِ لِأَهْلِ النَّارِ وَقَالَ الْحَسَنُ يَبِسَتْ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، قَالَ ذَهَبَ مَاؤُهَا فلم يبق فيها قَطْرَةٌ وَالْمَعْنَى الْمُتَحَصِّلُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ ﵏ أَنَّهَا يُفَجَّرُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ فَتَمْتَلِئُ ثُمَّ تُسَجَّرُ نَارًا فَيَذْهَبُ مَاؤُهَا وَلِهَذَا جَمَعَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمَا فَقَالَ: مَسْجُورَةٌ قَدْ فُجِّرَتْ والله تعالى أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَكَذَلِكَ الْقَمَرَانِ يَأْذَنُ رَبُّنَا لَهُمَا فَيَجْتَمِعَانِ إِلَخْ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [الْقِيَامَةِ: ٨-٩] وَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١] خَسَفَ أَظْلَمَ وذهب نوره وضوءه ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [الْقِيَامَةِ: ٩] أَيْ صَارَا أَسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ كَأَنَّهُمَا ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١] أَظْلَمَتْ، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنْهُ ذَهَبَتْ وَقَالَ مُجَاهِدٌ اضْمَحَلَّتْ وَذَهَبَتْ، وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَقَالَ قتادة ذهب ضوءها وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ كُوِّرَتْ غُوِّرَتْ، وَقَالَ ربيع بن خثيم رُمِيَ بِهَا وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ أُلْقِيَتْ وَعَنْهُ أَيْضًا نُكِّسَتْ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ تَقَعُ فِي الْأَرْضِ وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ التَّكْوِيرَ جَمْعُ الشَّيْءِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ، وَمِنْهُ تَكْوِيرُ.
_________________
(١) ١ علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس.
[ ٢ / ٧٨٨ ]
الْعِمَامَةِ، وَجَمْعُ الثِّيَابِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُوِّرَتْ﴾ جُمِعَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ لُفَّتَ فَرُمِيَ بِهَا، وَإِذَا فُعِلَ بِهَا ذلك ذهب ضوءها وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١] قَالَ يُكَوِّرُ اللَّهُ تَعَالَى الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْبَحْرِ، وَيَبْعَثُ اللَّهُ تَعَالَى رِيحًا دَبُورًا فَيُضْرِمُهَا نَارًا وَكَذَا قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١] قَالَ كُوِّرَتْ فِي جَهَنَّمَ١ وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يُكَوَّرَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ٢ وَلِلْبَزَّارِ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ثَوْرَانِ فِي النَّارِ عَقِيرَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ٣.
وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَكَوَاكِبُ الْأَفْلَاكِ تُنْثَرُ كُلُّهَا إِلَخْ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الِانْفِطَارِ: ٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٨] أَيْ مُحِيَ نورها وذهب ضوءها وَانْكَدَرَتْ تَنَاثَرَتْ مِنَ السَّمَاءِ وَتَسَاقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ، يُقَالُ انْكَدَرَ الطَّائِرُ إِذَا سَقَطَ عَنْ عُشِّهِ قَالَ الْكَلْبِيُّ وَعَطَاءٌ تُمْطِرُ السَّمَاءُ يَوْمَئِذٍ نُجُومًا، فَلَا يَبْقَى نَجْمٌ إِلَّا وَقَعَ.
وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَكَذَا السَّمَاءُ تُشَقُّ شَقًّا ظَاهِرًا وَتَمُورُ إِلَخْ يُشِيرُ إِلَى
_________________
(١) ١ ابن أبي حاتم في تفسيره ابن كثير ٤/ ٥٠٧ وسنده ضعيف فيزيد تابعي أرسله ولم أجد من ترجم لابنه. ٢ البخاري ٦/ ٢٩٧ في بدء الخلق باب صفة الشمس والقمر. ٣ وهم الشيخ بنسبة الحديث للبزار من رواية أبي هريرة إذ مصدر الشيخ هو تفسير ابن كثير كعادته في أغلب كتابه هذا، فالحديث عنده من رواية أبي يعلى من حديث أنس وهو كذلك في أصله في مسند أبي يعلى ٧/ ١٤٨/ ح٤١١٦ وفي سنده يزيد الرقاشي وهو ضعيف، ودرست بن زياد قال ابن حبان منكر الحديث ورواه الطيالسي برقم ٢٢٨٨ والطحاوي في مشكل الآثار ١/ ٦٧ وابن حبان في المجروحين ١/ ٢٩٣ والحديث ثابت دون قوله عقيران، وأما أنهما في النار فقد ثبت من حديث أبي هريرة عند البزار ابن كثير ٤/ ٥٠٧ وعند الطحاوي في مشكل الآثار ١/ ٦٦ ٦٧ بسند صحيح. وأما أنهما يكوران، فقد ثبت ذلك عند البخاري كما تقدم.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الِانْشِقَاقِ: ١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٦] وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الْفُرْقَانِ: ٢٥] وَقَوْلِهِ ﷿ ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ١٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الِانْفِطَارِ: ١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١١] وَقَوْلِهِ ﷿ ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٩] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النَّبَأِ: ١٩] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ [الطُّورِ: ٩] وَقَوْلِهِ ﷿ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [الْمَعَارِجِ: ٨] وَقَوْلِهُ: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٣٧] وَقَوْلِهِ: ﴿انْشَقَّتْ﴾ أَيْ صَارَتْ أَبْوَابًا لِنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَغَيَّرَ لَوْنُهَا، وَعَنْهُ قَالَ كَالْفَرَسِ الْوَرْدِ وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ كَالْبِرْذَوْنِ الْوَرْدِ، وَحَكَى الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْفَرَسَ الْوَرْدَ تَكُونُ فِي الرَّبِيعِ صَفْرَاءَ وَفِي الشِّتَاءِ حَمْرَاءَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ اغبر لونها، فشبه السَّمَاءَ فِي تَلَوُّنِهَا عِنْدَ انْشِقَاقِهَا بِهَذَا الْفَرَسِ فِي تَلَوُّنِهِ ﴿كَالدِّهَانِ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ هُوَ جَمْعُ دُهْنٍ، شَبَّهَ السَّمَاءَ فِي تَلَوُّنِهَا بِلَوْنِ الْوَرْدِ مِنَ الْخَيْلِ، وَشَبَّهَ الْوَرْدَةَ فِي اخْتِلَافِ أَلْوَانِهَا بِالدُّهْنِ وَاخْتِلَافِ أَلْوَانِهِ وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ كَالدِّهَانِ كَعَصِيرِ الزَّيْتِ يَتَلَوَّنُ فِي السَّاعَةِ أَلْوَانًا، وَقَالَ مُقَاتِلٌ كَدُهْنِ الْوَرْدِ الصَّافِي وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ تَصِيرُ السَّمَاءُ كَالدُّهْنِ الذَّائِبِ، وَذَلِكَ حِينَ يُصِيبُهَا حَرُّ جَهَنَّمَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْكَلْبِيُّ كَالدِّهَانِ أَيْ كَالْأَدِيمِ الْأَحْمَرِ وَجَمْعُهُ دُهْنَةٌ وَدُهْنٌ، وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ كَلَوْنِ الدُّهْنِ فِي الصُّفْرَةِ وَقَالَ قَتَادَةُ هِيَ الْيَوْمَ خَضْرَاءُ وَيَوْمَئِذٍ لَوْنُهَا إِلَى الْحُمْرَةِ، يَوْمٌ ذُو أَلْوَانٍ وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ تَذُوبُ كَمَا يَذُوبُ الدُّرْدِيُّ وَالْفِضَّةُ فِي السَّبْكِ، وَتَتَلَوَّنُ كَمَا تَتَلَوَّنُ الْأَصْبَاغُ الَّتِي يُدْهَنُ بِهَا، فَتَارَةً حَمْرَاءُ وَصَفْرَاءُ وَزَرْقَاءُ وَخَضْرَاءُ وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْأَمْرِ وَهَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْعَظِيمِ وَلِلْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَطِشُّ عَلَيْهِمْ١ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الطَّشُّ الْمَطَرُ الضَّعِيفُ.
_________________
(١) ١ رواه أحمد ٣/ ٢٦٧ وأبو يعلى ٧/ ٩٩/ ح٤٠٤١ قال الهيثمي وفيه عبد الرحمن بن أبي الصهباء ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا وبقية رجاله ثقات المجمع ١٠/ ٣٣٨ وقلت وكذا صنع البخاري في تاريخه، ولم يوثقه إلا ابن حبان فسنده ضعيف.
[ ٢ / ٧٩٠ ]
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ [الطُّورِ: ٩] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ تَتَحَرَّكُ تَحْرِيكًا وَعَنْهُ هُوَ تَشَقُّقُهَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ تَدُورُ دَوْرًا وَقَالَ الضَّحَّاكُ اسْتِدَارَتُهَا وَتَحَرُّكُهَا لِأَمْرِ اللَّهِ وَمَوْجِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ التَّحَرُّكُ فِي اسْتِدَارَةٍ وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ تَخْتَلِفُ أَجْزَاؤُهَا بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ وَقِيلَ تَضْطَرِبُ وَقَالَ الْبَغَوِيُّ تَدُورُ كَدَوَرَانِ الرَّحَى وَتَتَكَفَّأُ بِأَهْلِهَا تَكَفُّؤَ السَّفِينَةِ، قَالَ وَالْمَوْرُ يَجْمَعُ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلَّهَا فَهُوَ فِي اللُّغَةِ الذَّهَابُ وَالْمَجِيءُ وَالتَّرَدُّدُ وَالدَّوَرَانُ وَالِاضْطِرَابُ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٦] عَنْ عَلِيٍّ قَالَ تَنْشَقُّ السَّمَاءُ مِنَ الْمَجَرَّةِ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْمَلَكُ اسْمُ جِنْسٍ أَيِ الْمَلَائِكَةُ، عَلَى أَرْجَاءِ السَّمَاءِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى مَا لَمْ يَرَ مِنْهَا أَيْ حَافَاتِهَا، وَكَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَقَالَ الضَّحَّاكُ أَيْ أَطْرَافِهَا وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ أَبْوَابِهَا وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ عَلَى مَا اسْتَرَقَ مِنَ السَّمَاءِ يَنْظُرُونَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ١٨] مُتَشَقِّقٌ، قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ أَيْ بِسَبَبِهِ مِنْ شِدَّتِهِ وَهَوْلِهِ وَ﴿فُرِجَتْ﴾ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ أَيِ انْفَطَرَتْ وَانْشَقَّتْ وَتَدَلَّتْ أَرْجَاؤُهَا وَوَهَتْ أَطْرَافُهَا.
وَقَوْلُهُ ﵀ وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ لَا يُفْنِيهِمَا إِلَخْ وَكَذَا قَوْلُهُ وَالْحُورُ لَا تَفْنَى كَذَلِكَ جَنَّةُ الْمَأْوَى إِلَخْ يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مَخْلُوقَةٌ لِلْبَقَاءِ لَا لِلْفَنَاءِ، وَالْمَخْلُوقُ لِلْبَقَاءِ بَاقٍ لَا بِنَفْسِهِ بَلْ بِإِبْقَاءِ اللَّهِ إِيَّاهُ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَدَوَامَهَا وَخُلُودَ أَهْلِهَا فِيهَا، وَذَكَرَ النَّارَ وَجَحِيمَهَا وَدَوَامَ عَذَابِهَا وَخُلُودَ أَهْلِهَا فِيهَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ مَا تَيَسَّرَ مِنْهَا وَقَدْ جَاءَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الشُّهَدَاءُ وَالْحُورُ الْعِينِ وَرِضْوَانُ وَزَبَانِيَةُ الْعَذَابِ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي ذَلِكَ إِنَّهُ هُوَ اعْتِقَادُ السَّلَفِ الصَّالِحِ قَالَ فَإِنِ احْتَجَّ مُبْتَدِعٌ بِقَوْلِهِ ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [الْقَصَصِ: ٨٨] وَ﴿كُلُّ
[ ٢ / ٧٩١ ]
مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢٦] قِيلَ إِنَّ الْمُرَادَ كُلُّ شَيْءٍ كُتِبَ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ وَالْفَنَاءُ هَالِكٌ فَانٍ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمَذْكُورُ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْجَنَّةَ دَارُ مَقَامٍ وَسُرُورٍ وَسَلَامَةٍ وَالْمَوْتَ ضِدُّ ذَلِكَ فَكَيْفَ يُكْتَبُ عَلَى مَنْ فِيهَا مَوْتٌ وَكَذَا جَاءَ فِي الْعَرْشِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَأْخُذَ الصُّورَ مِنْ إِسْرَافِيلَ ﵇ عِنْدَ مَوْتِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ وَقَوْلُهُ وَلِأَجْلِ هَذَا قَالَ جَهْمٌ إِنَّهَا عَدَمٌ إِلَخْ يَعْنِي أَنَّ لِجَهْمٍ إِلْحَادًا فِي آيَاتِ اللَّهِ جَمِيعِهَا، فَكَمَا أَلْحَدَ فِي آيَاتِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ أَلْحَدَ أَيْضًا فِي آيَاتِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَجَحَدَ وُجُودَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ الْآنَ، وَكَذَلِكَ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِيهِمَا وَقَضَى أَيْضًا بِفَنَائِهِمَا وَأَنَّهُمَا يَفْنَيَانِ وَمَنْ فِيهِمَا، وَذَلِكَ بِخِلَافِ النُّصُوصِ الْقَوِيمَةِ وَالْفِطَرِ الْمُسْتَقِيمَةِ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَوْلُهُ ﵀:
وَالْأَنْبِيَاءُ فَإِنَّهُمْ تَحْتَ الثَّرَى أَجْسَادُهُمْ حُفِظَتْ مِنَ الدِّيدَانِ إِلَخْ
يُشِيرُ إِلَى مَا فِي السُّنَنِ وَغَيْرِهَا وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَفْضَلَ أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ قَالَ: "يَقُولُونَ بَلَيْتَ" قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ" ١.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَيْمَنَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ تَشَهَدُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَإِنَّ أَحَدًا لَا
_________________
(١) ١ رواه أحمد ٤/ ٨ وأبو داود ١/ ٢٧٥/ ح١٠٤٧ في الصلاة باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة والنسائي ٣/ ٩١ و٩٢ في الجمعة باب إكثار الصلاة على النبي -ﷺ- يوم الجمعة، وابن ماجه ١/ ٣٤٥/ ح١٠٨٥ في إقامة الصلاة باب في فضل يوم الجمعة والدارمي ١/ ٣٦٩ في الصلاة باب في فضل الجمعة وابن حبان ٢/ ١٣٢ والحاكم في المستدرك ٤/ ٥٦٠ وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وقد صححه الدارقطني والنووي.
[ ٢ / ٧٩٢ ]
يُصَلِّي عَلَيَّ إِلَّا عُرِضَتْ عَلَيَّ صِلَاتُهُ حَتَّى يَفْرُغَ" قَالَ قُلْتُ: وَبَعْدَ الْمَوْتِ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ" ١ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي عَلَيَّ إِلَّا بَلَغَنِي صَلَاتُهُ قُلْنَا وَبَعْدَ وَفَاتِكَ قَالَ وَبَعْدَ وَفَاتِي، إِنَّ اللَّهَ ﷿ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ٢
وَالْأَحَادِيثُ فِي بُلُوغِ صَلَاتِنَا إِلَيْهِ وَعَرْضِ أَعْمَالِنَا عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَبَعْضُهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ لَكِنْ بِدُونِ ذِكْرِ الْأَجْسَادِ.
وَقَدْ ثَبَتَ أَيْضًا فِي أَجْسَادِ الشُّهَدَاءِ أَنَّهَا لَا تَبْلَى فَكَيْفَ بِأَجْسَادِ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ لَمَّا حَضَرَ أَحَدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لِي مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِهِ وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا فَأَصْبَحْنَا وَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ فَدَفَنْتُ مَعَهُ آخَرَ فِي قَبْرِهِ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ آخَرَ فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةَ غَيْرَ أُذُنِهِ٣.
وَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ عَنْهُ ﵁ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَفِيهِ فَبَيْنَا أَنَا فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ إِذْ جَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ: يَا جَابِرُ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَاللَّهِ لَقَدْ أَثَارَ أَبَاكَ عُمَّالُ مُعَاوِيَةَ فَبَدَأَ فَخَرَجَ طَائِفَةٌ مِنْهُ، فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي دَفَنْتُهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ إِلَّا مَا لَمْ يَدَعِ الْقَتْلَ أَوِ الْقَتِيلَ٤
_________________
(١) ١ رواه ابن ماجه ١/ ٥٢٤/ ح١٦٣٧ في الجنائز باب ذكر وفاته ودفنه ﷺ قال البوصيري هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع في موضعين عبادة بن نسي روايته عن أبي الدرداء مرسلة، قاله العلائي وزيد بن أيمن عن عبادة بن نسي مرسلة قاله البخاري مصباح الزجاجة ١/ ٥٤٥ قلت فقول المصنف إسناده جيد، ليس بجيد وهو قد أخذه من قول المنذري في الترغيب والترهيب ٢/ ٥٠٣ ولكن يشهد له الذي قبله. ٢ لم أجده، فإن كان من رواية أبي الدرداء فالجزء الذي فيه مفقود من الكبير ومعنى الحديث صحيح لما تقدم. ٣ البخاري ٣/ ٢١٤ في الجنائز باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة. ٤ وهم الشيخ بنسبة هذا الحديث لأصحاب السنن تبعا لما في المطبوع من البداية والنهاية ٤/ ٤٣ =
[ ٢ / ٧٩٣ ]
وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْهُ ﵁ قَالَ لَمَّا أَجْرَى مُعَاوِيَةُ الْعَيْنَ عِنْدَ قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً اسْتَصْرَخْنَاهُمْ إِلَيْهِمْ فَأَتَيْنَاهُمْ فَأَخْرَجْنَاهُمْ، فَأَصَابَتِ الْمِسْحَاةُ قَدَمَ حَمْزَةَ فَانْبَعَثَ دَمًا١ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْهُ قَالَ فَأَخْرَجْنَاهُمْ كَأَنَّمَا دُفِنُوا بِالْأَمْسِ٢.
وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُجْرِيَ الْعَيْنَ نَادَى مُنَادِيهِ مَنْ كَانَ لَهُ قَتِيلٌ بِأُحُدٍ فَلْيَشْهَدْ قَالَ جَابِرٌ فَحُفِرَ عَنْهُمْ فَوَجَدْتُ أَبِي فِي قَبْرِهِ كَأَنَّمَا هُوَ نَائِمٌ عَلَى هَيْئَتِهِ وَوَجَدْنَا جَارَهُ فِي قَبْرِهِ -عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ- وَيَدُهُ عَلَى جُرْحِهِ، فَأُزِيلَتْ عَنْهُ فَانْبَعَثَ جُرْحُهُ دَمًا وَيُقَالُ إِنَّهُ فَاحَ مِنْ قُبُورِهِمْ مِثْلَ رِيحِ الْمِسْكِ ﵃ أَجْمَعِينَ، وَذَلِكَ بَعْدَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ يَوْمِ دُفِنُوا٣ وَفِي ذَلِكَ آثَارٌ كَثِيرَةٌ.
وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَكَذَاكَ عَجَبُ الظَّهْرِ لَا يَبْلَى إِلَخْ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ قَرِيبًا وَفِيهِ "وَلَيْسَ مِنَ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا سَيَبْلَى، إِلَّا عَظْمًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَّكَبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ٤.
وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَكَذَلِكَ الْأَرْوَاحُ لَا تَبْلَى إِلَخْ يُشِيرُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِهِ قَرِيبًا مِنَ الْآيَاتِ الصَّرِيحَةِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ أَنَّ الْأَرْوَاحَ لَيْسَتْ هِيَ مُطْلَقَ حَيَاةِ الْجِسْمِ الْعَارِضَةِ، بَلْ هِيَ حَقِيقَةٌ أُخْرَى مُسْتَقِلَّةٌ يَعْمُرُ الْجَسَدُ بِحُلُولِهَا.
_________________
(١) = فقد ذكر أنه من رواية نبيح العنزي عن جابر وليس كذلك في السنن، فالذي في السنن من روايته الحديث المختصر أمر النبي ﷺ بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم انظر مختارا تحفة الأشراف ح٣١١٧ وأما هذه الرواية فقد رواها البيهقي في دلائل النبوة ٣/ ٢٩٢ ٢٩٣ من روايته كذلك، ونبيح قال عنه الحافظ مقبول قلت وثقه عدة أبو زرعة وابن حبان والعجلي والترمذي، فحديثه حسن إن شاء الله تعالى. ١ البيهقي في دلائل النبوة ٣/ ٢٩١ وسنده حسن إلا أن فيه ذكر خبر حمزة من غير سند من قول حماد بن زيد وزادني صاحب لي في الحديث، وذكره. ٢ مغازي ابن إسحاق دلائل النبوة للبيهقي ٣/ ٢٩١ والبداية والنهاية ٤/ ٤٣ وفيه رجل مبهم. ٣ الواقدي دلائل النبوة ٣/ ٢٩٣ والبداية والنهاية ٤/ ٤٣ وفيه مجاهيل مع ما في الواقدي من كلام. ٤ تقدم تخريجه سابقا.
[ ٢ / ٧٩٤ ]
فِيهِ وَيَفْسَدُ بِخُرُوجِهَا مِنْهُ، وَهِيَ النَّسَمَةُ الَّتِي يَمُوتُ الْإِنْسَانُ بِخُرُوجِهَا مِنْ جَسَدِهِ وَأَنَّهَا لَهَا حَقِيقَةٌ، وَأَنَّهَا تُنْفَخُ وَتُقْبَضُ وَتُصْعَدُ وَتُهْبَطُ، وَأَنَّهَا بَعْدَ مُفَارَقَتِهَا الْجَسَدَ إِمَّا أَنْ تَنْعَمَ أَوْ تُعَذَّبَ، وَإِمَّا أَنْ تُفْتَحَ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهَا إِلَى اللَّهِ أَوْ تُغْلَقَ دُونَهَا فَيَذْهَبُ بِهَا إِلَى سِجِّينٍ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَأَنَّهَا تُجْمَعُ فِي الصُّورِ وَتَطِيرُ بِنَفْخِ إِسْرَافِيلَ إِذَا أَمَرَهُ اللَّهُ فَتَطِيرُ كُلُّ رُوحٍ إِلَى جَسَدِهَا الَّذِي كَانَتْ تَعْمُرُهُ فِي الدُّنْيَا حَتَّى تَدْخُلَهُ وَتَدِبَّ فِيهِ دَبِيبَ السُّمِّ فِي اللَّدِيغِ حَتَّى يَقُومَ بَشَرًا سَوِيًّا وَأَنَّهَا بَعْدَ خُرُوجِهَا مِنَ الْجَسَدِ تُكَلَّمُ وَتَتَكَلَّمُ وَتُسْأَلُ وَتُجِيبُ وَتُخْبَرُ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِنُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الرُّوحِ وَكُنْهِهَا فَلَيْسَ لِبَشَرٍ الْعِلْمُ بِهِ وَلَا الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ وَلِهَذَا لَمَّا سَأَلَتِ الْيَهُودُ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنْهُ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى جَوَابَهُمْ ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٨٥] ١ وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يُقِرَّ الْجَهْمُ مَا الْأَرْوَاحُ خارجة من الْأَبْدَانِ
ولكنها مِنْ بَعْضِ أَعْرَاضٍ بِهَا إِلَخْ
يَعْنِي أَنَّ مَذْهَبَ الْجَهْمِ فِي الرُّوحِ هُوَ مَذْهَبُ الْفَلَاسِفَةِ الْحَائِرِينَ، أَنَّ الرُّوحَ لَيْسَتْ شَيْئًا يَقُومُ بِنَفْسِهِ بَلْ عَرَضٌ وَالْعَرَضُ فِي اصْطِلَاحِهِمْ هُوَ مَا لَا يَسْتَقِلُّ وَلَا يَسْتَقِرُّ، فَمَنْزِلَةُ الرُّوحِ عِنْدَهُمْ مِنَ الْجَسَدِ كَمَنْزِلَةِ السَّمْعِ مِنَ السَّامِعِ وَالْبَصَرِ مِنَ الْمُبْصِرِ، يَذْهَبُ بِذَهَابِهِ، بَلْ قَدْ يَذْهَبُ الْبَصَرُ وَالسَّمْعُ وَالذَّاتُ الَّتِي يَقُومُ بِهَا مَوْجُودَةٌ، فجحدوا أن لكون النَّفْسُ الَّتِي هِيَ الرُّوحُ شَيْئًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ وَأَنَّهُ يُنْفَخُ فِي الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ الثَّالِثَةِ وَأَنَّ ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزُّمَرِ: ٤٢] وَجَحَدُوا كَوْنَهَا شَيْئًا يُسَاقُ وَيُنْزَعُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَيُعْرَجُ بِهَا إِلَى اللَّهِ ﷿ فَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ إِنْ كَانَتْ مُحْسِنَةً أَوْ تُغْلَقُ دُونَهَا إِنْ
_________________
(١) ١ رواه البخاري ١/ ٢٢٣ في العلم باب قول الله تعالى ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وفي مواطن عدة، ومسلم ٤/ ٢١٥٢/ ح٢٧٩٤ في صفات المنافقين باب سؤال اليهود عن الروح، من حديث ابن مسعود.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
كَانَتْ مُسِيئَةً، وَلَا أَنَّ رُوحَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى وَأَرْوَاحَ الْكُفَّارِ فِي سِجِّينٍ فَكَذَّبُوا بِالْكِتَابِ، وَبِمَا أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ، فَضَّلُوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ.
وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
فالشأن للأرواح عند فِرَاقِهَا أَبْدَانَهَا وَاللَّهُ أَعْظَمُ شَانِ
يَعْنِي أَنَّهُ أَعْظَمُ شَأْنًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَكُونُ إِذْ ذَاكَ الْخَبَرُ عِيَانًا وَالْغَيْبُ شَهَادَةً وَالْمَسْتُورُ مَكْشُوفًا وَالْمَخْبَأُ ظَاهِرًا، فَلَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ وَلَا عِلْمَ الْيَقِينِ كَعَيْنِ الْيَقِينِ، فَالْمُصَدِّقُ يَرَى وَيَجِدُ مِصْدَاقَ مَا جَاءَ بِهِ النَّصُّ كَمَا عَلِمَهُ وَتَيَقَّنَهُ فَيَزْدَادُ بُشْرَى وَفَرَحًا وَسُرُورًا، وَالْمُكَذِّبُ يَرَى وَيَجِدُ حَوَرَ تَكْذِيبِهِ بِذَلِكَ، وَغِبَّ مَا جَنَاهُ عَلَى نَفْسِهِ وَيَذُوقُ وَبَالَ أَمْرِهِ، وَكُلٌّ يُفْضِي إِلَى مَا قَدَّمَ.
وَقَوْلُهُ إِمَّا نُعَيْمٌ أَوْ عَذَابٌ إِلَخْ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٨٨-٩٦] سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْآيَاتِ، وَقَدَّمْنَا مِنْهَا جُمْلَةً وَقَدَّمْنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي أَحْوَالِ الِاحْتِضَارِ وَالْبَرْزَخِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مَا يَبْلُغُ حَدَّ التَّوَاتُرِ، فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَوْلُهُ ﵀ وَتَصِيرُ طَيْرًا سَارِحًا مَعَ شَكْلِهَا إِلَخْ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْمُسَلْسَلِ بِالْأَئِمَّةِ نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ١.
_________________
(١) ١ رواه أحمد ٣/ ٤٥٥ والترمذي ٣/ ١٧٦/ ح١٦٤١ في فضائل الجهاد باب ما جاء في ثواب الشهداء وقال حسن صحيح، والنسائي ٤/ ١٠٨ في الجنائز باب أرواح المؤمنين وابن ماجه ٢/ ١٤٢٨/ ح٤٢٧١ في الزهد باب القبر والبلى، ومالك في الموطأ ١/ ٢٤٠ في الجنائز باب جامع الجنائز وابن حبان ٧/ ٨٣ الإحسان بألفاظ عدة.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَكِنَّ أَرْوَاحَ الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي جَوْفِ طَيْرٍ أَخْضَرَ إِلَخْ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آلِ: عِمْرَانَ ١٦٩] الْآيَاتِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا.
وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آلِ: عِمْرَانَ ١٦٩] قَالَ أَمَّا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ ﷿ اطِّلَاعَةً فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا قَالُوا أَيُّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَمْ يَتْرُكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالُوا يَا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا" ١ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
وَقَوْلُهُ:
وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ إِخْرَاجَ الْوَرَى بَعْدَ الممات إلى معاد ثان
أَلْقَى عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي هُمْ تَحْتَهَا إِلَخْ.
يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ بِطُولِهِ وَفِيهِ "ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ -أَوْ قَالَ يُنْزِلُ اللَّهُ- تَعَالَى مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ أَوِ الظِّلُّ، فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ" ٢ الْحَدِيثَ وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَاءً مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، "ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى يَكُونَ الْمَاءُ فَوْقَهُمُ اثَّنَى عَشَرَ ذِرَاعًا، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ الْأَجْسَادَ أَنْ تَنْبُتَ، فَتَنْبُتُ كَنَبَاتِ الطَّرَاثِيثِ أَوْ كَنَبَاتِ الْبَقْلِ" ٣ وَهُوَ الَّذِي عَنَاهُ بِقَوْلِهِ عَشْرًا وَعَشْرًا بَعْدَهَا عَشْرَانِ
_________________
(١) ١ رواه مسلم ٣/ ١٥٠٢/ ح١٨٨٧ في الأمارة باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون. ٢ رواه مسلم ٤/ ٢٥٥٨/ ح٢٩٤٠ في الفتن باب في خروج الدجال ومكثه في الأرض. ٣ سيأتي بتمامه وتخريجه.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
وَقَوْلُهُ أَوْحَى لَهَا رَبُّ السَّمَاءِ فَتَشَقَّقَتْ إِلَخْ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الِانْفِطَارِ: ٤] وَقَوْلِهِ: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ [الْعَادِيَّاتِ: ٩] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بُحِثَتْ، وَقَالَ السُّدِّيُّ تَبَعْثَرَ تَحَرَّكَ فَيَخْرُجُ مَنْ فِيهَا وَقَالَ الْبَغَوِيُّ بُحِثَتْ وَقُلِبَ تُرَابُهَا وَبُعِثَ مَنْ فِيهَا مِنَ الْمَوْتَى أَحْيَاءً يُقَالُ بَعْثَرْتُ الْحَوْضَ وَبَحْثَرْتُهُ إِذَا قَلَبْتُهُ فَجَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ، وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿إِذَا بُعْثِرَ﴾ أُثِيرَ وَأُخْرِجَ ﴿مَا فِي الْقُبُورِ﴾ أَيْ مِنَ الْأَمْوَاتِ.
وَقَوْلُهُ وَتَخَلَّتِ الْأُمُّ الْوَلُودُ إِلَخْ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الِانْشِقَاقِ: ٤] قَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدٌ وَقَتَادَةُ أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا مِنَ الْأَمْوَاتِ وتخلت منهم اهـ.
وَقَوْلُهُ وَأَخْرَجَتْ أَثْقَالَهَا إِلَخْ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ ﷿ ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٢-٥] قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ يَعْنِي أَلْقَتْ مَا فِيهَا مِنَ الْمَوْتَى، قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا بِإِلْقَائِهَا أَفْلَاذَ كَبِدِهَا أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ وَقَالَ الْبَغَوِيُّ ﵀ أَثْقَالُهَا مَوْتَاهَا وَكُنُوزُهَا، فَتُلْقِيهَا عَلَى ظَهْرِهَا.
وَقَوْلُهُ ﵀ وَاللَّهُ يُنْشِئُ خَلْقَهُ أَيْ هُمْ أَنْفُسَهُمْ لَا غَيْرَهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ فِي نَشْأَةٍ أُخْرَى إِلَخْ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ [النَّجْمِ: ٤٥] فَهَذِهِ هِيَ النَّشْأَةُ الْأُولَى قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النَّجْمِ:٤ ٤٧] وَهُوَ الْبَعْثُ بَعْدَ الْمَوْتِ قَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٥٧-٦٢] وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَالْمَقْصُودُ أَنَّ اللَّهَ ﷾ يَبْعَثُ الْمَوْتَى أَنْفُسَهُمْ وَيَجْمَعُهُمْ بَعْدَ مَا فَرَّقَهُمْ وَيَنْشُرُهُمْ بَعْدَ مَا مَزَّقَهُمْ، وَيُعِيدُهُمْ كَمَا خَلَقَهُمْ، قَدْ عَلِمَ اللَّهُ مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ
[ ٢ / ٧٩٨ ]
مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فَاطِرٍ: ٤٤] .
وَقَوْلُهُ مَا قَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْدَمُ خَلْقَهُ إِلَخْ أَيْ لَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﷺ إِنَّهُ يَعْدَمُهُمُ الْعَدَمَ الْمَحْضَ وَيَأْتِي بِغَيْرِهِمْ، وَلَا إِنَّ الْمُثَابَ غَيْرُ مَنْ عَمِلَ الطَّاعَاتِ فِي الدُّنْيَا وَلَا إِنَّ الْمُعَذَّبَ غَيْرُ مَنْ مَرَدَ عَلَى الْمَعَاصِي ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النِّسَاءِ: ٤٠] ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٦] ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غَافِرٍ: ٣١] بَلْ قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] فَالَّذِينَ خَلَقَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ هُمُ الَّذِينَ أَعَادَهُمْ فِيهَا، وَهُمُ الَّذِينَ يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا، لَيْسُوا غَيْرَهُمْ كَمَا يَقُولُ الزَّنَادِقَةُ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَتَخْرُجُونَ مِنَ الْأَصْوَاءِ وَمِنْ مَصَارِعِكُمْ"١ وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُ غَيْرُكُمُ الَّذِي يَخْرُجُ.
وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ يَطُولُ جِدًّا، وَالنُّصُوصُ فِيهَا لَا تُحْصَى كَثْرَةً، وَإِنَّمَا أَشَرْنَا إِلَى بَعْضٍ مِنْ كُلِّ وَدَقٍ مِنْ جَلٍّ وَقَطْرَةٍ مِنْ بَحْرٍ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْلِيقِ عَلَى الْأَبْيَاتِ الَّتِي سُقْنَا مِنْ نُونِيَّةِ ابْنِ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ غَايَةِ الِاخْتِصَارِ وَالْإِيجَازِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ وَلْنَرْجِعْ إِلَى شَرْحِ أَبْيَاتِ الْمَتْنِ الْمَذْكُورِ.
[الْإِيمَانُ: بِالنَّفْخِ فِي الصُّورِ]:
وَبِقِيَامِنَا بِنَفْخِ الصُّورِ أَيْ وَكَمَا يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الْمَوْتُ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ أَوْ عَذَابِهِ وَبِاللِّقَاءِ وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَالْقِيَامِ مِنَ الْقُبُورِ، كَذَلِكَ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْإِيمَانُ بِالصُّورِ وَالنَّفْخِ فِيهِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبَ الْفَزَعِ وَالصَّعْقِ وَالْقِيَامِ مِنَ الْقُبُورِ، وَهُوَ الْقَرْنُ الَّذِي وَكَّلَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ إِسْرَافِيلَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ ﷿ النَّفْخَ فِيهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، كَقَوْلِهِ ﷿ ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه، وأن سنده ضعيف لمجاهيل ثلاثة فيه.
[ ٢ / ٧٩٩ ]
حديث الصور يرويه إسماعيل بن رافع قاضي المدينة بسنده عن أبي هريرة
شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النَّمْلِ: ٨٧] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣] ولنسق ههنا حَدِيثَ الصُّورِ بِطُولِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ لِهَذِهِ الْآيَاتِ، وَلِمَا اجْتَمَعَ فِيهِ مِمَّا تَفَرَّقَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ الْأُخْرَى وَقَدْ رَوَيْنَا حَدِيثَ الصُّورِ بِطُولِهِ مِنْ طَرِيقِ الْحَافِظِ أَبِي الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ فِي كِتَابِهِ الْمُطَوَّلَاتِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِصْرِيُّ الْأَيْلِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَافِعٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا فَرَغَ مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ خَلَقَ الصُّورَ، فَأَعْطَاهُ إِسْرَافِيلَ فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلَى فِيهِ شَاخِصًا بَصَرَهُ فِي الْعَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الصُّورُ قَالَ: "الْقَرْنُ" قُلْتُ: كَيْفَ هُوَ قَالَ: "عَظِيمٌ، وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ إِنَّ عَظِمَ دَارَةٍ فِيهِ كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَنْفُخُ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَخَاتٍ النَّفْخَةُ الْأُولَى نَفْخَةُ الْفَزَعِ وَالثَّانِيَةُ نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى إِسْرَافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الْأُولَى فَيَقُولُ انْفُخْ فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الْفَزَعِ فَيَفْزَعُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ويأمره فَيُطِيلُهَا وَيُدِيمُهَا وَلَا يَفْتُرُ وَهُوَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [يس: ٤٩] فَيُسَيِّرُ اللَّهُ الْجِبَالَ فَتَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ فَتَكُونُ سَرَابًا ثُمَّ تَرْتَجُّ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا رَجًّا فَتَكُونُ كَالسَّفِينَةِ الْمَرْمِيَّةِ فِي الْبَحْرِ، تَضْرِبُهَا الْأَمْوَاجُ تَكْفَأُ بِأَهْلِهَا كَالْقِنْدِيلِ الْمُعَلَّقِ فِي الْعَرْشِ تُرَجْرِجُهُ الرِّيَاحُ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النَّازِعَاتِ: ٦] فَيَمِيدُ النَّاسُ عَلَى ظَهْرِهَا وَتَذْهَلُ الْمَرَاضِعُ وَتَضَعُ الْحَوَامِلُ وَتَشِيبُ الْوَلَدَانُ وَتَطِيرُ الشَّيَاطِينُ هَارِبَةً مِنَ الْفَزَعِ حَتَّى تَأْتِيَ الْأَقْطَارَ، فَتَأْتِيهَا الْمَلَائِكَةُ فَتَضْرِبُ وُجُوهَهَا فَتَرْجِعُ، وَيُوَلِّي النَّاسُ مُدْبِرِينَ مَا لَهُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ
[ ٢ / ٨٠٠ ]
يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ تَصَدَّعَتِ الْأَرْضُ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، فَرَأَوْا أَمْرًا عَظِيمًا لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، وَأَخَذَهُمْ لِذَلِكَ مِنَ الْكَرْبِ وَالْهَوْلِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ ثُمَّ نَظَرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا هِيَ كَالْمُهْلِ، ثُمَّ انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَانْتَثَرَتْ نُجُومُهَا وَانْخَسَفَتْ شَمْسُهَا وَقَمَرُهَا" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "الْأَمْوَاتُ لَا يَعْلَمُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ ﷿ حِينَ يَقُولُ: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النَّمْلِ: ٨٧] قَالَ: "أُولَئِكَ الشُّهَدَاءُ وَإِنَّمَا يَصِلُ الْفَزَعُ إِلَى الْأَحْيَاءِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وَقَاهُمُ اللَّهُ فَزَعَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَآمَنُهُمْ مِنْهُ، وَهُوَ عَذَابُ اللَّهِ يَبْعَثُهُ عَلَى شِرَارِ خَلْقِهِ" قَالَ: "وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ ﷿ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الْحَجِّ: ١ ٢] فَيَقُومُونَ فِي ذَلِكَ الْعَذَابِ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا أَنَّهُ يَطُولُ، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ بنفخة الصعق، فينفخ نفخة الصَّعْقِ فَيُصْعَقُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا هُمْ قَدْ خَمَدُوا جاء مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى الْجَبَّارِ ﷿ فَيَقُولُ يَا رَبِّ قَدْ مَاتَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شِئْتَ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ بَقِيَ فَمَنْ بَقِيَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ بَقِيتَ أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا تَمُوتُ وَبَقِيَتْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ وَبَقِيَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَبَقِيتُ أَنَا فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿ لِيَمُتْ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، فَيُنْطِقُ اللَّهُ تَعَالَى الْعَرْشَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ يَمُوتُ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ فَيَقُولُ اسْكُتْ فَإِنِّي كَتَبْتُ الْمَوْتَ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ تَحْتَ عَرْشِي فَيَمُوتَانِ ثُمَّ يَأْتِي مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى الْجَبَّارِ فَيَقُولُ يَا رَبِّ قَدْ مَاتَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ بَقِيَ فَمَنْ بَقِيَ فَيَقُولُ بَقِيتَ أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا تَمُوتُ وَبَقِيَتْ حَمْلَةُ عَرْشِكَ وَبَقِيتُ أَنَا فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِتَمُتْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ فَتَمُوتُ وَيَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى الْعَرْشَ فَيَقْبِضُ الصُّورَ مِنْ إِسْرَافِيلَ، ثُمَّ يَأْتِي مَلَكُ الْمَوْتِ فَيَقُولُ يَا رَبِّ قَدْ مَاتَ حَمَلَةُ عَرْشِكَ فَيَقُولُ اللَّهُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ بَقِيَ فَمَنْ بَقِيَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ بَقِيتَ أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا تَمُوتُ وَبَقِيتُ أَنَا فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْتَ خَلْقٌ
[ ٢ / ٨٠١ ]
مِنْ خَلْقِي خَلَقْتُكَ لِمَا رَأَيْتَ فَمُتْ، فَيَمُوتُ فَإِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ كَانَ آخِرًا كَمَا كَانَ أَوَّلًا، طَوَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ طَيَّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ثُمَّ دَحَاهُمَا ثُمَّ يَلْقَفُهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْجَبَّارُ أنا الجبار أَنَا الْجَبَّارُ -ثَلَاثًا- ثُمَّ هَتَفَ بِصَوْتِهِ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- فَلَا يُجِيبُهُ أَحَدٌ ثُمَّ يَقُولُ لِنَفْسِهِ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٤٨] فَيَبْسُطُهُمَا وَيُسَطِّحُهُمَا ثُمَّ يَمُدُّهُمَا مَدَّ الْأَدِيمِ الْعُكَاظِيِّ لا ترى فيهما عِوَجًا وَلَا أَمْتًا، ثُمَّ يَزْجُرُ اللَّهُ الْخَلْقَ زَجْرَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ الْمُبَدَّلَةِ مِثْلَ مَا كَانُوا فِيهَا مِنَ الْأُولَى مَنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا كَانَ فِي بَطْنِهَا وَمَنْ كَانَ عَلَى ظَهْرِهَا كَانَ عَلَى ظَهْرِهَا ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مَاءً مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ، فَتُمْطِرُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى يَكُونَ الْمَاءُ فَوْقَهُمُ اثَّنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ الْأَجْسَادَ أَنْ تَنْبُتَ فَتَنْبُتُ كَنَبَاتِ الطَّرَاثِيثِ أَوْ كَنَبَاتِ الْبَقْلِ حَتَّى إِذَا تَكَامَلَتْ أَجْسَادُهُمْ فَكَانَتْ كَمَا كَانَتْ، قَالَ اللَّهُ ﷿ ليحي حَمْلَةُ عَرْشِي فَيُحْيَوْنَ وَيَأْمُرُ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ فَيَأْخُذُ الصُّورَ فَيَضَعُهُ عَلَى فِيهِ ثم يقول ليحي جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، فَيُحْيَيَانِ ثُمَّ يَدْعُو اللَّهُ بِالْأَرْوَاحِ فَيُؤْتَى بِهَا، تَتَوَهَّجُ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ نُورًا وَأَرْوَاحُ الْكَافِرِينَ ظُلْمَةً، فَيَقْبِضُهَا جَمِيعًا ثُمَّ يُلْقِيهَا فِي الصُّورِ، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ أَنْ يَنْفُخَ نَفْخَةَ الْبَعْثِ فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الْبَعْثِ فَتَخْرُجُ الْأَرْوَاحُ كَأَنَّهَا النَّحْلُ، قَدْ مَلَأَتْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَيَقُولُ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَيَرْجِعَنَّ كُلُّ رُوحٍ إِلَى جَسَدِهِ فَتَدْخُلُ الْأَرْوَاحُ فِي الْأَرْضِ إِلَى الْأَجْسَادِ فَتَدْخُلُ فِي الْخَيَاشِيمِ ثُمَّ تَمْشِي فِي الْأَجْسَادِ كَمَا يَمْشِي السُّمُّ فِي اللَّدِيغِ، ثُمَّ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُمْ وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُ، فَتَخْرُجُونَ سِرَاعًا إِلَى رَبِّكُمْ تَنْسِلُونَ ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨] حفاة عرة غُرْلًا، فَتَقِفُونَ مَوْقِفًا وَاحِدًا مِقْدَارُهُ سَبْعُونَ عَامًا لَا يُنْظَرُ إِلَيْكُمْ وَلَا يُقْضَى بَيْنَكُمْ، فَتَبْكُونَ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ ثُمَّ تَدْمَعُونَ دَمًا وَتَعْرَقُونَ حَتَّى يلجمكم العرق أو يبلغ الْأَذْقَانَ وَتَقُولُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّنَا فَيَقْضِي بَيْنَنَا فَتَقُولُونَ مَنْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ أَبِيكُمْ آدَمَ خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَكَلَّمَهُ قُبُلًا، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَطْلُبُونَ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَيَأْبَى وَيَقُولُ مَا أَنَا بِصَاحِبِ
[ ٢ / ٨٠٢ ]
ذَلِكَ، فَيَسْتَقْرِئُونَ الْأَنْبِيَاءَ نَبِيًّا نَبِيًّا كُلَّمَا جَاءُوا نَبِيًّا أَبَى عَلَيْهِمْ" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "حَتَّى يَأْتُونِي، فَأَنْطَلِقُ إِلَى الْفَحْصِ فَأَخِرُّ سَاجِدًا" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْفَحْصُ قَالَ "قُدَّامَ الْعَرْشِ، حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ إِلَيَّ مَلَكًا فَيَأْخُذُ بِعَضُدِي وَيَرْفَعُنِي فَيَقُولُ لِي يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ نَعَمْ يَا رَبِّ فَيَقُولُ ﷿ مَا شَأْنُكَ وَهُوَ أَعْلَمُ فَأَقُولُ يَا رَبِّ وَعَدْتَنِي الشَّفَاعَةَ، فَشَفِّعْنِي فِي خَلْقِكِ فَاقْضِ بَيْنَهُمْ قَالَ اللَّهُ قَدْ شَفَّعْتُكَ، أَنَا آتِيكُمْ أَقْضِي بَيْنَكُمْ" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "فَأَرْجِعُ فَأَقِفُ مَعَ النَّاسِ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ وُقُوفٌ إِذْ سَمِعْنَا مِنَ السَّمَاءِ حِسًّا شَدِيدًا فَهَالَنَا، فَيَنْزِلُ أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِمِثْلَيْ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنَ الْأَرْضِ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِهِمْ وَأَخَذُوا مَصَافَّهُمْ وَقُلْنَا لَهُمْ أَفِيكُمُ رَبُّنَا قَالُوا لَا وَهُوَ آتٍ ثُمَّ يَنْزِلُ أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ بِمِثْلَيْ مَنْ نَزَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَبِمِثْلَيْ مَنْ فِيهَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنَ الْأَرْضِ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِهِمْ وَأَخَذُوا مَصَافَّهُمْ، وَقُلْنَا لَهُمْ أَفِيكُمْ رَبُّنَا فَيَقُولُونَ لَا وَهُوَ آتٍ ثُمَّ يَنْزِلُونَ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّضْعِيفِ حَتَّى يَنْزِلَ الْجَبَّارُ ﷿ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ فَيَحْمِلُ عَرْشَهُ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ وَهُمُ الْيَوْمَ أَرْبَعَةٌ، أَقْدَامُهُمْ فِي تُخُومِ الْأَرْضِ السُّفْلَى وَالْأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ إِلَى حُجَزِهِمْ وَالْعَرْشُ عَلَى مَنَاكِبِهِمْ، لَهُمْ زَجَلٌ فِي تَسْبِيحِهِمْ يَقُولُونَ سُبْحَانَ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ، سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، سُبْحَانَ الَّذِي يُمِيتُ الْخَلَائِقَ وَلَا يَمُوتُ، سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، سُبْحَانَ رَبِّنَا الْأَعْلَى رَبِّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ، سُبْحَانَ رَبِّنَا الْأَعْلَى الَّذِي يُمِيتُ الْخَلَائِقَ وَلَا يَمُوتُ، فَيَضَعُ اللَّهُ كُرْسِيَّهُ حَيْثُ يَشَاءُ مِنْ أَرْضِهِ ثُمَّ يَهْتِفُ بِصَوْتِهِ فَيَقُولُ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، إِنِّي قَدْ أَنْصَتُّ لَكُمْ مُنْذُ خَلَقْتُكُمْ إِلَى يَوْمِكُمْ هَذَا أَسْمَعُ قَوْلَكُمْ وَأُبْصِرُ أَعْمَالَكُمْ، فَأَنْصِتُوا إِلَيَّ فَإِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ وَصُحُفُكُمْ تُقْرَأُ عَلَيْكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ جَهَنَّمَ فَيَخْرُجُ مِنْهَا عُنُقٌ سَاطِعٌ مُظْلِمٌ ثُمَّ يَقُولُ ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [يس: ٦٠-٦٣] أَوْ ﴿بِهَا
[ ٢ / ٨٠٣ ]
تُكَذِّبُونَ﴾ شَكَّ أَبُو عَاصِمٍ ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] فَيُمَيِّزُ اللَّهُ النَّاسَ وَتَجْثُو الْأُمَمُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢٨] فَيَقْضِي اللَّهُ ﷿ بَيْنَ خَلْقِهِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ فَيَقْضِي بَيْنَ الْوُحُوشِ وَالْبَهَائِمِ حَتَّى إِنَّهُ لَيَقْضِي لِلْجَمَّاءِ مِنْ ذَاتِ الْقَرْنِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ تَبْقَ تَبَعَةً عِنْدَ وَاحِدَةٍ لِلْأُخْرَى قَالَ اللَّهُ لَهَا كُونِي تُرَابًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ثُمَّ يَقْضِي اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا يَقْضِي فِيهِ الدِّمَاءُ وَيَأْتِي كُلُّ قَتِيلٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيَأْمُرُ اللَّهُ ﷿ كُلَّ مَنْ قُتِلَ فَيَحْمِلُ رَأْسَهُ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ فِيمَ قَتَلَنِي هَذَا فَيَقُولُ وَهُوَ أَعْلَمُ فِيمَ قَتَلْتَهُمْ فَيَقُولُ قَتَلْتُهُمْ لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لَكَ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ صَدَقْتَ فَيَجْعَلُ اللَّهُ وَجْهَهُ مِثْلَ نُورِ الشَّمْسِ ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ الْمَلَائِكَةُ إِلَى الْجَنَّةِ ثُمَّ يَأْتِي كُلُّ مَنْ قَتَلَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ يَحْمِلُ رَأْسَهُ وَتَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ قَتَلَنِي هَذَا فَيَقُولُ تَعَالَى وَهُوَ أَعْلَمُ لِمَ قَتَلْتَهُمْ فَيَقُولُ يَا رَبِّ قَتَلْتُهُمْ لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لِي فَيَقُولُ تَعِسْتَ ثُمَّ لَا تَبْقَى نَفْسٌ قَتَلَهَا إِلَّا قُتِلَ بِهَا وَلَا مَظْلَمَةٌ ظَلَمَهَا إِلَّا أُخِذَ بِهَا وَكَانَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ رَحِمَهُ ثُمَّ يَقْضِي اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ مَنْ بَقِيَ مِنْ خَلْقِهِ حَتَّى لَا تَبْقَى مَظْلَمَةٌ لِأَحَدٍ عِنْدَ أَحَدٍ إِلَّا أَخَذَهَا اللَّهُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ حَتَّى إِنَّهُ لَيُكَلِّفُ شَائِبَ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ ثُمَّ يَبِيعُهُ أَنْ يُخَلِّصَ اللَّبَنَ مِنَ الْمَاءِ فَإِذَا فَرَغَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ نَادَى مُنَادٍ يُسْمِعُ الْخَلَائِقَ أَلَا لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بِآلِهَتِهِمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ عَبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِلَّا مَثَلَتْ لَهُ آلِهَتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيُجْعَلُ يَوْمَئِذٍ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى صُورَةِ عُزَيْرٍ وَيُجْعَلُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى صُورَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ثُمَّ يَتْبَعُ هَذَا الْيَهُودُ وَهَذَا النَّصَارَى، ثُمَّ قَادَتْهُمْ آلِهَتُهُمْ إِلَى النَّارِ وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٩] فَإِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ فِيهِمُ الْمُنَافِقُونَ جَاءَهُمُ اللَّهُ فِيمَا شَاءَ مِنْ هَيْئَتِهِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ فَالْحَقُوا بِآلِهَتِكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ فَيَقُولُونَ وَاللَّهِ وَاللَّهِ مَا لَنَا إِلَهٌ إِلَّا اللَّهُ وَمَا كُنَّا نَعْبُدُ غَيْرَهُ، فَيَكْشِفُ لَهُمْ عَنْ سَاقِهِ وَيَتَجَلَّى لَهُمْ مِنْ عَظَمَتِهِ مَا يَعْرِفُونَ أَنَّهُ رَبُّهُمْ، فَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَيَخِرُّ كُلُّ مُنَافِقٍ عَلَى قَفَاهُ، وَيَجْعَلُ اللَّهُ ﷿ أَصْلَابَهُمْ
[ ٢ / ٨٠٤ ]
كَصَيَاصِيِّ الْبَقَرِ ثُمَّ يَأْذَنُ اللَّهُ لَهُمْ فَيُرْفَعُونَ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الصِّرَاطَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ كَحَدِّ الشَّفْرَةِ أَوْ كَحَدِّ السَّيْفِ عَلَيْهِ كَلَالِيبُ وَخَطَاطِيفُ وَحَسَكٌ كَحَسَكِ السَّعْدَانِ دُونَهُ جِسْرٌ دَحْضٌ مَزِلَّةٌ، فَيَمُرُّونَ كَطَرَفِ الْعَيْنِ أَوْ كَلَمْحِ الْبَرْقِ أَوْ كَمَرِّ الرِّيحِ أَوْ كَجِيَادِ الْخَيْلِ أَوْ كَجِيَادِ الرِّكَابِ أَوْ كَجِيَادِ الرِّجَالِ فَنَاجٍ سَالِمٌ وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ وَمَكْدُوسٌ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَهَنَّمَ".
فَإِذَا أَفْضَى أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ قَالُوا مَنْ يَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّنَا فَنَدْخُلِ الْجَنَّةَ فَيَقُولُونَ مَنْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ أَبِيكُمْ آدَمَ ﵇ خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَكَلَّمَهُ قُبُلًا فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيُطْلَبُ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَيَذْكُرُ ذَنْبًا وَيَقُولُ مَا أَنَا بِصَاحِبِ ذَلِكَ وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِنُوحٍ فَإِنَّهُ أَوَّلُ رسل الله فيؤتى نُوحٌ فَيُطْلَبُ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَيَذْكُرُ ذَنْبًا وَيَقُولُ مَا أَنَا بِصَاحِبِ ذَلِكَ وَيَقُولُ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّ اللَّهَ تَخَيَّرَهُ خَلِيلًا فَيُؤْتَى إِبْرَاهِيمُ فَيُطْلَبُ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَيَذْكُرُ ذَنْبًا وَيَقُولُ مَا أَنَا بِصَاحِبِ ذَلِكَ وَيَقُولُ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّ اللَّهَ قَرَّبَهُ نَجِيًّا وَكَلَّمَهُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ التَّوْرَاةَ فَيُؤْتَى مُوسَى فَيُطْلَبُ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَيَذْكُرُ ذَنْبًا وَيَقُولُ لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِرُوحِ اللَّهِ وَكَلِمَتِهِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فَيُؤْتَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيُطْلَبُ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَيَقُولُ مَا أَنَا بِصَاحِبِكُمْ وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَيَأْتُونِي وَلِي عِنْدَ رَبِّي ثَلَاثُ شَفَاعَاتٍ وَعَدَنِيهِنَّ، فَأَنْطَلِقُ فَآتِي الْجَنَّةَ فَآخُذُ بِحَلْقَةِ الْبَابِ فَأَسْتَفْتِحُ فَيُفْتَحُ لِي فَأُحَيَّا وَيُرَحَّبُ بِي فَإِذَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَنَظَرْتُ إِلَى رَبِّي خَرَرْتُ لَهُ سَاجِدًا فَيَأْذَنُ اللَّهُ لِي مِنْ تَحْمِيدِهِ وَتَمْجِيدِهِ بِشَيْءٍ مَا أَذِنَ بِهِ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ ثُمَّ يَقُولُ ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَ، فَإِذَا رَفَعْتُ رَأْسِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ أَعْلَمُ مَا شَأْنُكَ فَأَقُولُ يَا رَبِّ وَعَدْتَنِي الشَّفَاعَةَ فَشَفِّعْنِي فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللَّهُ قَدْ شَفَّعْتُكَ وَقَدْ أَذِنْتُ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا بِأَعْرَفَ بِأَزْوَاجِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ مِنْ أهل الجنة بأزواجهم وَمَسَاكِنِهِمْ فَيَدْخُلُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً سَبْعِينَ مِمَّا يُنْشِئُ اللَّهُ ﷿ وَثِنْتَيْنِ آدَمِيَّتَيْنِ مِنْ وَلَدِ آدَمَ لَهُمَا فَضْلٌ عَلَى مَنْ أَنْشَأَ اللَّهُ لِعِبَادَتِهِمَا اللَّهَ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا فَيَدْخُلُ عَلَى الْأُولَى فِي غُرْفَةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ عَلَى سَرِيرٍ مُكَلَّلٍ بِاللُّؤْلُؤِ عَلَيْهَا سَبْعُونَ زَوْجًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ، ثُمَّ إِنَّهُ يَضَعُ
[ ٢ / ٨٠٥ ]
يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهَا ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى يَدِهِ مِنْ صَدْرِهَا وَمِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا وَجِلْدِهَا وَلَحْمِهَا وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى مُخِّ سَاقِهَا كَمَا يَنْظُرُ أَحَدُكُمْ إِلَى السِّلْكِ فِي قَصَبَةِ الْيَاقُوتِ، كَبِدُهَا لَهُ مِرْآةٌ وَكَبِدُهُ لَهَا مِرْآةٌ فَبَيْنَا هُوَ عِنْدَهَا لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ مَا يَأْتِيهَا مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَجَدَهَا عَذْرَاءَ مَا يَفْتُرُ ذَكَرُهُ وَمَا تَشْتَكِي قُبُلَهَا، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ نُودِيَ إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّكَ لَا تَمَلُّ وَلَا تُمَلُّ، إِلَّا أَنَّهُ لَا مَنِيَّ وَلَا مَنِيَّةَ إِلَّا أَنَّ لَكَ أَزْوَاجًا غَيْرَهَا، فَيَخْرُجُ فَيَأْتِيهِنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً كُلَّمَا أَتَى وَاحِدَةً قَالَتْ لَهُ وَاللَّهِ مَا أَرَى فِي الْجَنَّةِ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْكَ وَلَا في الجنة شيئا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ. وَإِذَا وَقَعَ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ وَقَعَ فِيهَا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ رَبِّكَ أَوْبَقَتْهُمْ أَعْمَالَهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُ النَّارُ قَدَمَيْهِ وَلَا تُجَاوِزُ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى حَقْوَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُ جَسَدَهُ كُلَّهُ إِلَّا وَجْهَهُ حَرَّمَ اللَّهُ صُورَتَهُ عَلَيْهَا" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَقُولُ "يَا رَبِّ شَفِّعْنِي فِيمَنْ وَقَعَ فِي النَّارِ مِنْ أُمَّتِي فَيَقُولُ أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ فَيَخْرُجُ أُولَئِكَ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ ثُمَّ يَأْذَنُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الشَّفَاعَةِ فَلَا يَبْقَى نَبِيٌّ وَلَا شَهِيدٌ إِلَّا شَفَعَ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَخْرِجُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ زِنَةَ دِينَارٍ إِيمَانًا فَيَخْرُجُ أُولَئِكَ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ يُشَفَّعُ اللَّهُ تَعَالَى فَيَقُولُ أَخْرِجُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ إِيمَانًا ثُلُثَيْ دِينَارٍ، ثُمَّ يَقُولُ ثُلُثَ دِينَارٍ ثُمَّ يَقُولُ رُبُعَ دِينَارٍ ثم يقول قيراط ثُمَّ يَقُولُ حَبَّةً مِنْ خَرْدَلٍ فَيَخْرُجُ أُولَئِكَ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ وَحَتَّى لَا يَبْقَى فِي النَّارِ مِنْ عَمَلٍ لِلَّهِ خَيْرًا قَطُّ وَلَا يَبْقَى أَحَدٌ لَهُ شَفَاعَةٌ إِلَّا شَفَعَ، حَتَّى إِنَّ إِبْلِيسَ يَتَطَاوَلُ مِمَّا يَرَى مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى رَجَاءَ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ ثُمَّ يَقُولُ بَقِيتُ وَأَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَيُدْخِلُ يَدَهُ فِي جَهَنَّمَ فَيَخْرُجُ مِنْهَا مَا لَا يُحْصِيهِ غَيْرُهُ كَأَنَّهُمْ حُمَمٌ فَيُلْقَوْنَ عَلَى نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ الْحَيَوَانِ فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحَبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، فَمَا يَلِي الشَّمْسَ مِنْهَا أُخَيْضَرُ وَمَا يَلِي الظِّلَّ مِنْهَا أُصَيْفَرُ، فَيَنْبُتُونَ كَنَبَاتِ الطَّرَاثِيثِ حَتَّى يَكُونُوا أَمْثَالَ الذَّرِّ، مَكْتُوبٌ فِي رِقَابِهِمْ الْجُهَنَّمِيُّونَ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ، يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ بِذَلِكَ الْكِتَابِ، مَا عَمِلُوا خَيْرًا لِلَّهِ قَطُّ فَيَمْكُثُونَ فِي الْجَنَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ وَذَلِكَ الْكِتَابُ فِي رِقَابِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا امْحُ عَنَّا هَذَا
[ ٢ / ٨٠٦ ]
تعليق ابن كثير على حديث إسماعيل بن رافع
الْكِتَابَ، فَيَمْحُوهُ اللَّهُ ﷿ عَنْهُمْ" ١.
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ ثُمَّ ذَكَرَهُ بِطُولِهِ ثُمَّ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا وَلِبَعْضِهِ شَوَاهِدُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ نَكَارَةٌ، تَفَرَّدَ بِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَافِعٍ قَاضِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ وَثَّقَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ ضَعَّفَهُ، وَنَصَّ عَلَى نَكَارَةِ حَدِيثِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ وَعَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْفَلَّاسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِيهِ هُوَ مَتْرُوكٌ وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ أَحَادِيثُهُ كُلُّهَا فِيهَا نَظَرٌ إِلَّا أَنَّهُ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ فِي جُمْلَةِ الضُّعَفَاءِ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قُلْتُ وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ قَدْ أَفْرَدْتُهَا فِي جُزْءٍ عَلَى حِدَةٍ، وَأَمَّا سِيَاقُهُ فَغَرِيبٌ جِدًّا وَيُقَالُ إِنَّهُ جَمَعَهُ مِنْ أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ وَجَعَلَهُ سِيَاقًا وَاحِدًا فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَسَمِعْتُ شَيْخَنَا الْحَافِظَ أَبَا الْحَجَّاجِ الْمِزِّيَّ يَقُولُ إِنَّهُ رَأَى لِلْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ مُصَنَّفًا قَدْ جَمَعَهُ كَالشَّوَاهِدِ لِبَعْضِ مُفْرَدَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ٢ انْتَهَى كَلَامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "مَا الصُّورُ" فَقَالَ: "قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ" ٣ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الصُّورِ قَدِ الْتَقَمَهُ وَأَصْغَى سَمْعَهُ وَحَنَى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ متى يؤمر" فقال: وا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ "قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" ٤.
_________________
(١) ١ رواه ابن جرير مختصرا ومطولا ٢/ ٣٣٠ ٣٣١ و٣٠/ ١٨٦-١٨٨ وفي ١٧/ ١٠٠ ١١١ وفي ٢٤/ ٣٠ والطبراني في المطولات نهاية المعجم الكبير ٢٥/ ٢٢٦ وغيرهم، كما ذكر ابن كثير فيما يأتي وإسناده ضعيف لمداره على إسماعيل بن رافع المدني وهو ضعيف، ومع اختلاف أسانيده عند الجميع إلا أنه لا يخلو من علة أخرى غير ما ذكرنا قال أبو موسى المديني الحديث وإن كان فيه نكارة وفي إسناده من تكلم فيه، فعامة ما يروى مفرقا في أسانيد ثابتة وانظر كلام ابن كثير الآتي. ٢ تفسير ابن كثير ٢/ ١٥٤. ٣ رواه أحمد ٢/ ١٦٢ و١٩٢ وغيره وقال الحاكم ٢/ ٤٣٦ و٥٠٦ ٤/ ٥٦٠ صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي وهو كذلك. ٤ رواه أحمد ٣/ ٧ ٧٣ والترمذي ٤/ ٦٦٠/ ح٢٤٣١ في صفة القيامة باب ما جاء في شأن =
[ ٢ / ٨٠٧ ]
غُرْلًا حُفَاةً الْأَغْرَلُ الْأَقْلَفُ، حُفَاةً غَيْرَ مُنْتَعِلِينَ كَجَرَادٍ مُنْتَشِرٍ شُبِّهُوا بِالْجَرَادِ الْمُنْتَشِرِ لِكَثْرَتِهِ وَلِكَوْنِهِ لَيْسَ لَهُ وِجْهَةٌ يَقْصِدُهَا بَلْ يَخْتَلِفُ وَيَمُوجُ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ وَهُمْ كَذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [الْقَمَرِ: ٦-٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ٨-١٠] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَعَشْرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَيَحْشُرُ بَقِيَّتُهُمِ النَّارُ تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا" ١
وَفِيهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَخْطُبُ فَقَالَ: "إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠٤] الْآيَةَ، وَأَنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ
_________________
(١) = الصور وهو من رواية عطية العوفي عنه وعطية ضعيف ولكن تابعه أبو صالح عنه عند الحاكم ٤/ ٥٥٩ من رواية أبي يحيى التيمي عن الأعمش عن أبي صالح عنه به، وأبو يحيى واه ولكن تابعه جرير عند ابن حبان ٢/ ٩٥/ ح٨٢٠ الإحسان فالحديث صحيح من رواية أبي سعيد مع ما له من شواهد من رواية ابن عباس وزيد بن أرقم وأنس وجابر والبراء انظرها مختارا في السلسلة الصحيحة ح١٠٧٩. ١ رواه البخاري ١١/ ٣٧٧ في الرقاق باب كيف الحشر ومسلم ٤/ ٢١٩٥/ ح٢٨٦١ في الجنة باب فناء الدنيا، وبيان الحشر يوم القيامة.
[ ٢ / ٨٠٨ ]
الْحَكِيمُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١١٧ ١١٨] قَالَ "فَيُقَالُ إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ".
وَفِي رِوَايَةٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ "إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرْلًا" وَفِي أُخْرَى قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ.١
وَفِيهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا" قَالَتْ: عَائِشَةُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ: "الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَلِكَ" ٢ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فَقَالَتْ: عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِالْعَوْرَاتِ فَقَالَ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ٣ وَرَوَى هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرْلًا": قَالَ: فَقَالَتْ: زَوْجَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَنْظُرُ -أَوْ يَرَى- بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ قَالَ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أَوْ قَالَ: "مَا أَشْغَلَهُمْ عَنِ النَّظَرِ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِنَحْوِهِ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ٤.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ سَأَلَتْ عَائِشَةُ ﵂ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إِنِّي سَائِلَتُكَ عَنْ حَدِيثٍ فَتُخْبِرُنِي أَنْتَ بِهِ قَالَ إِنْ كَانَ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ يُحْشَرُ الرِّجَالُ قَالَ: "حُفَاةً عراة" قالت: واسوءتاه مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ: "وَعَنْ أَيِّ ذَلِكَ تَسْأَلِينَ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيَّ آيَةٌ، لَا يَضُرُّكِ كَانَ عَلَيْكِ ثِيَابٌ أَوْ لَا يَكُونُ" قَالَتْ: أَيَّةُ آيَةٍ يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ رواه البخاري ٦/ ٣٨٦ في الأنبياء باب قول الله تعالى ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ ومسلم ٤/ ٢١٩٤/ ح٢٨٦٠ في الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة. ٢ رواه البخاري ١١/ ٣٧٧ في الرقاق باب الحشر ومسلم ٤/ ٢١٩٤/ ح٢٨٥٩ في الجنة وصفة نعيمها باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة. ٣ النسائي ٤/ ١١٤ في الجنائز باب البعث. ٤ رواه الترمذي ٥/ ٤٣٢/ ح٣٣٣٢ في التفسير باب ومن سورة عبس والنسائي ٤/ ١١٤ في الجنائز باب البعث، وابن أبي حاتم ابن كثير ٥/ ٥٠٥ والحاكم ٢/ ٢٥١. ٥ ابن أبي حاتم في تفسيره ابن كثير ٥/ ٥٠٥ ٥٠٦ من رواية أبيه عن أزهر بن حاتم عن الفضل بن موسى عن عائذ بن شريح عن أنس عنها به وأزهر ترجم له ابن أبي حاتم ونقل عن أبيه أنه صدوق ١/ ١/ ٣١٥ وعائذ ضعيف كما في الميزان.
[ ٢ / ٨٠٩ ]
وَرَوَى الْبَغَوِيُّ بِإِسْنَادِ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُبْعَثُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ وَبَلَغَ شُحُومَ الْآذَانِ" فَقُلْتُ: يَا رسول الله واسوءتاه يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ: "قَدْ شُغِلَ النَّاسُ، ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ " ١.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ قَالَ أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ قَتَادَةُ بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّنَا٢.
قُلْتُ وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ﷿ ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٩٧] الْآيَاتِ فَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَفُرْقَانَ مَا بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ أُولَئِكَ يَفِدُونَ رَكْبًا إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَرَحْمَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَزِيَارَةِ الرَّبِّ الْعَظِيمِ، وَهَؤُلَاءِ يُسْحَبُونَ سَحْبًا إِلَى نَارِ الْجَحِيمِ وَنَكَالِهَا الْأَلِيمِ وَعَذَابِهَا الْمُقِيمِ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٥ ٨٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَفْدًا رُكْبَانًا، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى الْإِبِلِ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَلَى النَّجَائِبِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَلَى الْإِبِلِ النُّوقِ، قَالَ قَتَادَةُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مَا يُحْشَرُونَ وَاللَّهِ عَلَى أَرْجُلِهِمْ، وَلَكِنْ عَلَى نُوقٍ رِحَالُهَا الذَّهَبُ، وَنَجَائِبُ سَرْجِهَا يَوَاقِيتُ، إِنْ هَمُّوا بِهَا سَارَتْ وَإِنْ هَمُّوا بِهَا طَارَتْ
_________________
(١) ١ أخرجه الطبراني ٢٤/ ٣٤/ ح٩١ والحاكم في المستدرك ٣/ ٥١٥ والبغوي في تفسيره ٥/ ٥٢٤ ٥٢٥ قال الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح، غير محمد بن أبي عياش وهو ثقة قلت نعم ليس هو من رجال التهذيب وترجم له البخاري عند هذا الحديث في تاريخه ١/ ١/ ٢٣٦ وسكت عنه، وكذلك صنع ابن أبي حاتم ٤/ ١/ ٨٤ ويقال له محمد بن أبي موسى كما هو عندهما. ٢ رواه البخاري ١١/ ٣٧٧ في الرقاق باب الحشر ومسلم ٤/ ٢١٦١/ ح٢٨٠٦ في المنافقين باب يحشر الكافر على وجهه.
[ ٢ / ٨١٠ ]
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ ابن الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عَلِيٍّ ﵁ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٥] قَالَ لَا وَاللَّهِ مَا عَلَى أَرْجُلِهِمْ يُحْشَرُونَ وَلَا يُحْشَرُ الْوَفْدُ عَلَى أَرْجُلِهِمْ، وَلَكِنْ بِنُوقٍ لَمْ يَرَ الْخَلَائِقَ مِثْلَهَا، عَلَيْهَا رَحَائِلُ مِنْ ذَهْبٍ فَيَرْكَبُونَ عَلَيْهَا حَتَّى يَضْرِبُوا أَبْوَابَ الْجَنَّةِ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَزَادَ عَلَيْهَا رَحَائِلُ الذَّهَبِ وَأَزِمَّتُهَا الزَّبَرْجَدُ١.
وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ ﵁ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٥] فَقَالَ: مَا أَظُنُّ الْوَفْدَ إِلَّا الرَّكْبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُمْ إِذَا خَرَجُوا مِنْ قُبُورِهِمْ يَسْتَقْبِلُونَ -أَوْ يَؤْتُونَ- بِنُوقٍ بِيضٍ لَهَا أَجْنِحَةٌ وَعَلَيْهَا رِحَالُ الذَّهَبِ، شَرَكُ نِعَالِهِمْ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ كُلُّ خَطْوَةٍ مِنْهَا مَدُّ الْبَصَرِ، فَيَنْتَهُونَ إِلَى شَجَرَةٍ يَنْبُعُ مِنْ أَصْلِهَا عَيْنَانِ فَيَشْرَبُونَ مِنْ إِحْدَاهُمَا فَتَغْسِلُ مَا فِي بُطُونِهِمْ مِنْ دَنَسٍ، وَيَغْتَسِلُونَ مِنَ الْأُخْرَى فَلَا تَشْعَثُ أَبْشَارُهُمْ وَلَا أَشْعَارُهُمْ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَتَجْرِي عَلَيْهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ فَيَنْتَهُونَ -أَوْ فَيَأْتُونَ- بَابَ الْجَنَّةِ فَإِذَا حلقة من ياقوتة حَمْرَاءُ عَلَى صَفَائِحِ الذَّهَبِ، فَيَضْرِبُونَ بِالْحَلْقَةِ عَلَى الصَّفْحَةِ فَيُسْمَعُ لَهَا طَنِينٌ"٢ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ مُطَوَّلًا وَالصَّحِيحُ وَقْفُهُ.
﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٦] أَيْ عِطَاشًا قَدْ تَقَطَّعَتْ أَعْنَاقُهُمْ مِنَ الْعَطَشِ، وَالْوِرْدُ الْجَمَاعَةُ يَرِدُونَ الْمَاءَ وَلَا يَرِدُ أَحَدٌ الْمَاءَ إِلَّا بَعْدَ عَطَشٍ قُلْتُ وَلَكِنَّهُمْ وَرَدُوا لَا إِلَى مَاءٍ، بَلْ إِلَى جَهَنَّمَ وَجَحِيمِهَا، وَمُهْلِهَا
_________________
(١) ١ رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند ١/ ١٥٥ وابن جرير ٩/ ١٢٦ والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٧٧ وابن أبي حاتم ابن كثير ٣/ ١٤٥ قال الحاكم صحيح على شرط مسلم قال الذهبي: بل عبد الرحمن بن إسحاق القرشي هذا، لم يرو له مسلم ولا لخاله النعمان وضعفوه قلت والنعمان مجهول وعبد الرحمن الأنصاري ويقال الكوفي. ٢ ابن أبي حاتم ابن كثير ٣/ ١٤٥ وفي سنده أبو معاذ البصري وهو ضعيف، ومسلمة بن جعفر البجلي ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه شيئا قال ابن كثير وقد روي من كلام علي ﵁ بنحوه وهو أشبه بالصحة قلت قد تقدم أن سنده ضعيف.
[ ٢ / ٨١١ ]
وَحَمِيمِهَا وَفِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الطَّوِيلِ فَيُقَالُ لَهُمْ "مَاذَا تَشْتَهُونَ" فَيَقُولُونَ "عَطِشْنَا فَيُشَارُ لَهُمْ إِلَى جَهَنَّمَ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يُحَطِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيُقَالُ لَهُمْ أَلَا تَرِدُونَ"١ الْحَدِيثَ.
فَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ اللَّهُ أَكْبَرُ، كانوا فِي الدُّنْيَا عَلَى السَّوَاءِ يُرْزَقُونَ وَيَسِيرُونَ وَيَذْهَبُونَ وَيَجِيئُونَ، يُؤْتَاهَا مَنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْمَوْتُ عَرَفَ كُلٌّ مِنْهُمْ سَبِيلَهُ وَاتَّضَحَ لَهُ مَقِيلُهُ فَلَمَّا كَانُوا فِي الْبَرْزَخِ خَلَا كُلٌّ مِنْهُمْ بِعَمَلِهِ وَأَفْضَى إِلَى مَا قَدَّمَ قَبْلَ أَجَلِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ صَرَخَ بِهِمُ الصَّارِخُ وَصَاحَ بِهِمُ الصَّائِحُ فَخَرَجُوا مِنَ الْأَجْدَاثِ مُسْرِعِينَ وَإِلَى الدَّاعِي مُهْطِعِينَ، هَذَا عَلَى النَّجَائِبِ وَهَذَا عَلَى الرَّكَائِبِ، وَهَذَا عَلَى قَدَمَيْهِ وَهَذَا عَلَى وَجْهِهِ هَؤُلَاءِ فِي النُّورِ يَنْظُرُونَ وَأُولَئِكَ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ هَؤُلَاءِ إِلَى الرَّحْمَنِ يَفِدُونَ وَأُولَئِكَ إِلَى النَّارِ يَرِدُونَ هَؤُلَاءِ حُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا، وَأُولَئِكَ غُلُّوا بِالسَّلَاسِلِ وَعَلَتْهُمُ الزَّبَانِيَةُ بِالْمَقَامِعِ يَضْرِبُونَ بُطُونًا مِنْهُمْ وَظُهُورًا هَؤُلَاءِ وَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا، مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا، وَأُولَئِكَ أَعْتَدَ اللَّهُ لَهُمْ سَعِيرًا ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ هَؤُلَاءِ عَلَيْهِمْ حُلَلُ السُّنْدُسِ وَالْإِسْتَبْرَقِ وَسَائِرِ الْأَلْوَانِ وَأُولَئِكَ مُقَرَّنُونَ فِي الْأَصْفَادِ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ هَؤُلَاءِ إِلَى زِيَارَةِ رَبِّهِمْ يَرْكَبُونَ وَأُولَئِكَ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ هَؤُلَاءِ يَنْظُرُونَ إِلَى رَبِّهِمْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا وَأُولَئِكَ تُرِكُوا فِي جَهَنَّمَ جِثِيًّا هَؤُلَاءِ يَقُولُ لَهُمْ رَبُّهُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ وَأُولَئِكَ يَقُولُ لَهُمُ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النار هؤلاء يقرون بِذُنُوبِهِمْ فَيَغْفِرُهَا لَهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَأُولَئِكَ يُنَادِي بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، فَحِينَئِذٍ ظَهَرَ الْفُرْقَانِ وَافْتَرَقَ الطَّرِيقَانِ، وَامْتَازَ الْفَرِيقَانِ، وَصَارَ الْغَيْبُ شَهَادَةً
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه سابقا.
[ ٢ / ٨١٢ ]
وَالسِّرُّ عَلَانِيَةً، وَالْمَسْتُورُ مَكْشُوفًا، وَالْمَخْبَأُ ظَاهِرًا ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨] ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢١] كَمْ كَاسٍ فِي الدُّنْيَا طَالَ يَوْمَئِذٍ عُرْيُهُ، كَمْ طَاعِمٍ فِي الدُّنْيَا عَظُمَ يَوْمَئِذٍ جُوعُهُ، كَمْ رَيَّانٍ فِي الدُّنْيَا اشْتَدَّ يَوْمَئِذٍ عَطَشُهُ، كَمْ نَاعِمٍ فِي الدُّنْيَا حَقَّ بِهِ يَوْمَئِذٍ بُؤْسُهُ ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الْقَصَصِ: ٨٣-٨٤] .
[ ٢ / ٨١٣ ]
[الِاجْتِمَاعُ: لِيَوْمِ الْفَصْلِ]:
وَيُجْمَعُ الْخَلْقُ لِيَوْمِ الْفَصْلِ: جَمِيعُهُمْ عُلْوِيُّهُمْ وَالسُّفْلَى
فِي مَوْقِفٍ يَجِلُّ فِيهِ الْخَطْبُ وَيَعْظُمُ الْهَوْلُ بِهِ وَالْكَرْبُ
وَيُجْمَعُ الْخَلْقُ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ يَوْمَ يَفْصِلُ الرَّحْمَنُ بَيْنَ الْخَلَائِقِ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْفَصْلِ لِذَلِكَ، وَسَمَّاهُ يَوْمَ التَّغَابُنِ لِكَثْرَةِ الْمَغْبُونِينَ يَوْمَئِذٍ، وَسَمَّاهُ يَوْمَ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ فِيهِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يَسْمَعُهُمُ الدَّاعِي وَيُنْفِذُهُمُ الْبَصَرَ، وَسَمَّاهُ يَوْمَ التَّلَاقِ لِأَنَّهُ يَلْقَى فِيهِ الْعَبْدُ رَبَّهُ وَيَلْقَى فِيهِ الْعَامِلُ عَمَلَهُ وَيَلْتَقِي فِيهِ الْأَوَّلُونَ بِالْآخِرِينَ وَيَلْتَقِي فِيهِ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، وَسَمَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَنَّ فِيهِ قِيَامَ الْخَلَائِقِ مِنَ الْقُبُورِ، وَسَمَّاهُ يَوْمَ التَّنَادِ لِتَنَادِي الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَلِمُنَادَاةِ اللَّهِ ﷿ عِبَادَهُ فِيهِ، وَبِنِدَائِهِمْ لِيَتْبَعَ كُلُّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَلِتَنَادِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَأَصْحَابِ النَّارِ، وَلِمُنَادَاةِ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ كُلًّا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ وَلِلْمُنَادَاةِ عَلَى كُلِّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النِّسَاءِ: ٨٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التَّغَابُنِ: ٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٠٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الْكَهْفِ: ٩٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الْكَهْفِ: ٤٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ١٣ ١٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ [غَافِرٍ: ١٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ
[ ٢ / ٨١٤ ]
النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٦-٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٢٥] وَقَبْلَ ذَلِكَ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الْفُرْقَانِ: ٢٢] وَقَالَ فِي السُّعَدَاءِ ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠٣] وَقَالَ تَعَالَى عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غَافِرٍ: ٣٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الْقَصَصِ: ٦٢-٦٥] وَقَالَ تَعَالَى فِي مُنَادَاةِ الْمُنَافِقِينَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الْحَدِيدِ: ١٤] الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ فِي أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٤٣-٥٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هُودٍ: ١٨] وَغَيْرُهَا مِنَ الْآيَاتِ.
وَجَمِيعُهُمْ عُلْوِيُّهُمْ وَهُمْ عَوَالِمُ السَّمَاوَاتِ وَالسُّفْلَى وَهُمْ عَوَالِمُ الْأَرَضِينَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ كَيْفِيَّةُ صُفُوفِهِمْ وتضعيفهم وإحاطة بعضهم بِبَعْضٍ فِي مَوْقِفٍ عَظِيمٍ يَجِلُّ يَشْتَدُّ فِيهِ الْخَطْبُ الشَّأْنُ وَالْأَمْرُ وَيَعْظُمُ الْهَوْلُ الْأَمْرُ
[ ٢ / ٨١٥ ]
الْفَظِيعُ الْهَائِلُ بِهِ أَيْ فِيهِ وَالْكَرْبُ الْحُزْنُ الْأَخْذُ بِالنَّفْسِ وَالْهَمُّ وَالْغَمُّ وَقَدْ وَصَفَ تَعَالَى مَوْقِفَ الْقِيَامَةِ بِشِدَّةِ ذَلِكَ كُلِّهِ كَمَا قَالَ ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْمُطَفِّفِينَ: ٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٤٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غَافِرٍ: ١٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ [الْمَعَارِجِ: ١١-١٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٧-١١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٢٧] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: " يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ" ١.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ "يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ لِعَظَمَةِ الرَّحْمَنِ ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى إِنَّ الْعَرَقَ لَيُلْجِمُ الرِّجَالَ إِلَى أَنْصَافِ آذَانِهِمْ" ٢.
وَلَهُ عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيِّ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُدْنِيَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْعِبَادِ حَتَّى تَكُونَ قَدْرَ مَيْلٍ أَوْ
_________________
(١) ١ رواه البخاري ١١/ ٣٩٢ في الرقاق باب قول الله تعالى ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ومسلم ٤/ ٢١٩٥/ ح٢٨٦٢ في الجنة باب في صفة يوم القيامة. ٢ رواه أحمد ٢/ ١٣ و١٩ و٦٤ و٧٠ و١٠٥ و١١٢ و١٢٥ و١٢٦.
[ ٢ / ٨١٦ ]
مَيْلَيْنِ -قَالَ- فَتُصْهِرُهُمُ الشَّمْسُ، فَيَكُونُونَ فِي الْعَرَقِ كَقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، منهم مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ إِلْجَامًا" ١. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَرَوَى أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ تَدْنُو الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ مَيْلٍ وَيُزَادُ فِي حَرِّهَا كَذَا وَكَذَا، تَغْلِي مِنْهَا الْهَوَامُّ كَمَا تَغْلِي الْقُدُورُ، يَعْرَقُونَ فِيهَا عَلَى قَدْرِ خَطَايَاهُمْ مِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى سَاقَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى وَسَطِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ٢.
وَفِيهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "تَدْنُو الشَّمْسُ مِنَ الْأَرْضِ فَيَعْرَقُ النَّاسُ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَبْلُغُ عَرَقُهُ كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يبلغ إلى ركبتيه، وَمِنْهُمْ من يبلغ الحجر، وَمِنْهُمْ من يبلغ الخاصرة، وَمِنْهُمْ من يبلغ منكبيه، ومنهم مَنْ يَبْلُغُ وَسَطَ فِيهِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَأَلْجَمَهَا فَاهُ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُشِيرُ بِيَدَيْهِ هَكَذَا- وَمِنْهُمْ مَنْ يُغَطِّيهِ عَرَقُهُ وَضَرَبَ بِيَدِهِ إِشَارَةً" ٣.
وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ" ٤.
_________________
(١) ١ رواه أحمد ٦/ ٣ ومسلم ٤/ ٢١٩٦/ ح٢٨٦٤ في الجنة وصفة نعيمها باب صفة يوم القيامة والترمذي ٤/ ٦١٤/ ح٢٤٢١ في صفة القيامة باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص. ٢ رواه أحمد ٥/ ٢٥٤ والطبراني ٨/ ٢٢٢/ ح٧٧٧٩ قال الهيثمي ورجال أحمد رجال الصحيح غير القاسم بن عبد الرحمن، وقد وثقه غير واحد المجمع ١٠/ ٣٣٨. ٣ رواه أحمد ٤/ ١٥٧ والطبراني ١٧/ ٣٠٦/ ح٨٤٤ وفي سنده ابن لهيعة، ولكن تابعه عند الطبراني عمرو بن الحارث ١٧/ ٣٠٢/ ح٨٣٤ قال الهيثمي عنه إسناده جيد المجمع ١٠/ ٣٣٨. ٤ رواه البخاري ١١/ ٣٩٢ في الرقاق باب قول الله تعالى ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ومسلم ٤/ ٢١٩٦/ ح٢٨٦٣ في الجنة باب في صفة القيامة.
[ ٢ / ٨١٧ ]
وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبَشِيرٍ الْغِفَارِيِّ: "كَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ فِي يَوْمٍ يَقُومُ الناس فيه ثلاثمائة سَنَةٍ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، لَا يَأْتِيهِمْ فِيهِ خَبَرٌ مِنَ السَّمَاءِ وَلَا يُؤْمَرُ فِيهِمْ بِأَمْرٍ قَالَ بَشِيرٌ الْمُسْتَعَانُ اللَّهُ قَالَ فَإِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ كَرْبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسُوءِ الْحِسَابِ"١.
وَفِي السُّنَنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنْ ضِيقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ٢.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قَالَ قَتَادَةُ مُسْرِعِينَ قَالَ مُجَاهِدٌ مُدِيمِي النَّظَرِ وَمَعْنَى الْإِهْطَاعِ أَنَّهُمْ لَا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا وَلَا يَعْرِفُونَ مَوَاطِنَ أقدامهم ﴿مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ﴾ قَالَ الْقُتَيْبِيُّ الْمُقْنِعُ الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيُقْبِلُ بِبَصَرِهِ عَلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَ الْحَسَنُ وُجُوهُ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ إِلَى السَّمَاءِ لَا يَنْظُرُ أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ أَبْصَارُهُمْ مِنْ شِدَّةِ النَّظَرِ وَهِيَ شَاخِصَةٌ قَدْ شَغَلَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ أَيْ هِيَ خَالِيَةٌ قَالَ قَتَادَةُ خَرَجَتْ قُلُوبُهُمْ عَنْ صُدُورِهِمْ فَصَارَتْ فِي حَنَاجِرِهِمْ لَا تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَلَا تَعُودُ إِلَى أَمَاكِنِهَا، فَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ لَا شَيْءَ فِيهَا، وَمِنْهُ سُمِّيَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ هَوَاءً لِخُلُوِّهِ وَقِيلَ خَالِيَةٌ لَا تَعِي شَيْئًا وَلَا تَعْقِلُ مِنَ الْخَوْفِ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مُتَرَدِّدَةٌ تَمُورُ فِي أَجْوَافِهِمْ لَيْسَ لَهَا مَكَانٌ تَسْتَقِرُّ فِيهِ قَالَ الْبَغَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى أَنَّ الْقُلُوبَ زَائِلَةٌ عَنْ أَمَاكِنِهَا وَالْأَبْصَارَ شَاخِصَةٌ مِنْ هَوْلِ ذلك اليوم اهـ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷿ ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غَافِرٍ: ١٨] قَالَ قَتَادَةُ وَقَفَتِ الْقُلُوبُ فِي الْحَنَاجِرِ مِنَ الْخَوْفِ فَلَا تَخْرُجُ وَلَا تَعُودُ إِلَى
_________________
(١) ١ ابن أبي حاتم ابن كثير ٤/ ٥١٧ وابن جرير في تفسيره ٣٠/ ٥٩ وابن الأثير في أسد الغابة ١/ ٢٣٤ وفي سنده أبو يزيد المدني وثقه ابن معين وأحمد، وقال أبو حاتم يكتب حديثه وعبد السلام بن عجلان قال عنه أبو حاتم شيخ بصري يكتب حديثه، قال عنه ابن حجر ضعيف الإصابة ١/ ١٦١. ٢ رواه أبو داود ١/ ٢٠٣ ٢٠٤/ ح٧٦٦ في الصلاة باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء، والنسائي ٣/ ٢٠٩ في قيام الليل باب ذكر ما يستفتح به القيام، وابن ماجه ح١٣٥٦ في الصلاة باب ما جاء في الدعاء إذا قام الرجل من الليل، وسنده حسن.
[ ٢ / ٨١٨ ]
أَمَاكِنِهَا، وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَمَعْنَى كَاظِمِينَ أَيْ سَاكِتِينَ لَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ بَاكِينَ وَقَالَ الْبَغَوِيُّ مَكْرُوبِينَ مُمْتَلِئِينَ خَوْفًا وَجَزَعًا، وَالْكَظْمُ تَرَدُّدُ الْغَيْظِ وَالْخَوْفِ وَالْحُزْنِ فِي الْقَلْبِ حَتَّى يَضِيقَ بِهِ ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [الْمَعَارِجِ: ٤] فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي الزَّكَاةِ وَفِيهِ مَنْ كَانَتْ لَهُ إِبِلٌ لَا يُعْطَى فِيهَا حَقَّهَا فِي نَجْدَتِهَا وَرِسْلِهَا قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَجْدَتُهَا وَرِسْلُهَا قَالَ: "فِي عُسْرِهَا وَيُسْرِهَا، فَإِنَّهَا تَأْتِي يوم القيامة كأغذ مَا كَانَتْ وَأَكْثَرِهِ وَأَسْمَنِهِ وَآشَرِهِ حَتَّى يُبْطَحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ فَتَطَأَهُ بِأَخْفَافِهَا فَإِذَا جَاوَزَتْ أُخْرَاهَا أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [الْمَعَارِجِ: ٤] حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ" ١ الْحَدِيثَ ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [الْمَعَارِجِ: ١١] لَا يَسْأَلُ الْقَرِيبُ قَرِيبَهُ عَنْ حَالِهِ وَهُوَ يَرَاهُ فِي أَسْوَأِ الْأَحْوَالِ فَتَشْغَلُهُ نَفْسُهُ عَنْ غَيْرِهِ قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ بَعْدَ ذَلِكَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٧] وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [لُقْمَانَ: ٣٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فَاطِرٍ: ١٨] قَالَ عِكْرِمَةُ هُوَ الْجَارُ يَتَعَلَّقُ بِجَارِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ يَا رَبِّ سَلْ هَذَا لِمَ كَانَ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونِي وَإِنَّ الْكَافِرَ لَيَتَعَلَّقُ بِالْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ يَا مُؤْمِنُ إِنَّ لِي عِنْدَكَ يَدًا قَدْ عَرَفْتَ كَيْفَ كُنْتُ لَكَ فِي الدُّنْيَا وَقَدِ احْتَجْتَ إِلَيْكَ الْيَوْمَ، فَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُشَفِّعُ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ حَتَّى يَرُدَّهُ إِلَى مَنْزِلٍ دُونَ مَنْزِلِهِ وَهُوَ النَّارُ، وَإِنَّ الْوَالِدَ لَيَتَعَلَّقُ بِوَلَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
_________________
(١) ١ البخاري ٣/ ٢١٢ في الزكاة باب إثم مانع الزكاة وفي تفسير آل عمران باب ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ وفي كتب غيرهما، ورواه مسلم ٢/ ٦٨٠/ ح٩٨٧ في الزكاة باب إثم مانع الزكاة.
[ ٢ / ٨١٩ ]
فَيَقُولُ يَا بُنَيَّ أَيُّ وَالِدٍ كُنْتُ لَكَ فَيُثْنِي خَيْرًا فَيَقُولُ يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدِ احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى، فَيَقُولُ وَلَدُهُ يَا أَبَتِ مَا أَيْسَرُ مَا طَلَبْتَ وَلَكِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ مَا تَتَخَوَّفُ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا، ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بزوجته فيقول لها يَا فُلَانَةُ أَوْ يَا هَذِهِ أَيُّ زَوْجٍ كُنْتُ لَكِ فَتُثْنِي خَيْرًا فَيَقُولُ لَهَا إِنِّي أَطْلُبُ إِلَيْكِ حَسَنَةً وَاحِدَةً تَهَبِينَهَا إِلَيَّ لَعَلِّي أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرِينَ، قَالَ فَتَقُولُ مَا أَيْسَرُ مَا طَلَبْتَ وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا، إِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَتَخَوَّفُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ [فَاطِرٍ: ١٨] الْآيَةَ وَيَقُولُ ﵎ ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لُقْمَانَ: ٣٣] وَيَقُولُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤] .
﴿فَإِذَا نُقِرَ﴾ نُفِخَ ﴿فِي النَّاقُورِ﴾ الصُّورِ، رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "كيف أنعم وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ" فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا" ١ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ جَرِيرٍ ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ شَدِيدٌ ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ عَلَيْهِمْ، وَرُوِيَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى قَاضِي الْبَصْرَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِالْمُدَّثِّرِ فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ٩] شَهِقَ شَهْقَةً فَمَاتَ٢ أولئك قوم قرءوا الْقُرْآنَ بِقُلُوبٍ حَاضِرَةٍ وَآذَانٍ وَاعِيَةٍ وَبَصَائِرَ نَافِذَةٍ وَأَفْهَامٍ جَلِيَّةٍ وَنُفُوسٍ عَلِيَّةٍ، مُسْتَحْضِرِينَ تَأْوِيلَ مَعَانِيهِ حِينَ وُقُوعِهَا وَأَوَانِ وَعِيدِهَا، شَاهِدِينَ بِبَصَائِرِهِمْ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ فَأَنْزَلَهُ فَأَثْمَرَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ خَشْيَةَ اللَّهِ ﷿، فَذَابُوا خَوْفًا وَحَيَاءً مِنْ رَبِّهِمْ وَشَوْقًا إِلَيْهِ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فَاطِرٍ: ٢٨] وَقَالَ تَعَالَى
_________________
(١) ١ تقدم ذكره، وأنه حديث صحيح. ٢ ذكره ابن سعد ٧/ ١٥٠ في الطبقات، والحاكم في المستدرك ٢/ ٥٠٦ وفي سنده عتاب بن المثنى القشيري وقع في المستدرك غياث وهو خطأ قال عنه الحافظ مقبول إذا توبع وإلا فلين.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
فِيهِمْ: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٧] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَاشِيًا، وَقَالَ قَتَادَةُ اسْتَطَارَ وَاللَّهِ شَرُّ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى مَلَأَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ كَانَ شَرُّهُ فَاشِيًا فِي السَّمَاوَاتِ فَانْشَقَّتْ، وَتَنَاثَرَتِ الْكَوَاكِبُ وَكُوِّرَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَفَزِعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَفِي الْأَرْضِ نُسِفَتِ الْجِبَالُ وَغَارَتِ الْمِيَاهُ وَتَكَسَّرَ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ جَبَلٍ وَبِنَاءٍ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَمِنْهُ قَوْلُهُمُ اسْتَطَارَ الصَّدْعُ فِي الزُّجَاجَةِ وَاسْتَطَالَ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى:
فَبَانَتْ وَقَدْ أَثْأَرَتْ فِي الْفُؤَا دِ صَدْعًا عَلَى نَأْيِهَا مُسْتَطِيرًا
يَعْنِي مُمْتَدًّا فَاشِيًا وَقَوْلُهُ: ﴿عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ضَيِّقًا طَوِيلًا وَعَنْهُ قَالَ يَعْبِسُ الْكَافِرُ يَوْمَئِذٍ، حَتَّى يَسِيلَ مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْهِ عَرَقٌ مِثْلُ الْقَطِرَانِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿عَبُوسًا﴾ الْعَابِسُ الشَّفَتَيْنِ ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ تَقَبُّضُ الْوَجْهِ بِالسُّيُورِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ تَعْبِسُ فِيهِ الْوُجُوهُ مِنَ الْهَوْلِ ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ تَقْلِيصُ الْجَبِينِ وَمَا بَيْنَ الْعَيْنَيْنِ مِنَ الْهَوْلِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ الْعَبُوسُ الشَّرُّ وَالْقَمْطَرِيرُ الشَّدِيدُ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَالْقَمْطَرِيرُ هُوَ الشَّدِيدُ يُقَالُ هُوَ يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وَيَوْمٌ قُمَاطِرٌ وَيَوْمٌ عَصِيبٌ وَعَصَبْصَبٌ، وَقَدِ اقْمَطَرَّ الْيَوْمُ يُقَمْطِرُ اقْمِطْرَارًا وَذَلِكَ أَشَدُّ الْأَيَّامَ وَأَطْوَلُهَا فِي الْبَلَاءِ وَالشِّدَّةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ:
بَنِي عَمِّنَا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلَاءَنَا عَلَيْكُمْ إِذَا مَا كَانَ يَوْمٌ قُمَاطِرُ
[ ٢ / ٨٢١ ]
[حَشْرُ: الْخَلَائِقِ لِلْعَرْض]:
وَأُحْضِرُوا لِلْعَرْضِ وَالْحِسَابِ وَانْقَطَعَتْ عَلَائِقُ الْأَنْسَابِ
وَارْتَكَمَتْ سَحَائِبُ الْأَهْوَالِ وَانْعَجَمَ الْبَلِيغُ فِي الْمَقَالِ
وَأُحْضِرُوا لِلْعَرْضِ الْعَرْضُ لَهُ مَعْنَيَانِ:
مَعْنَى عَامٌّ وَهُوَ عَرْضُ الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ ﷿، بَادِيَةٌ لَهُ صَفَحَاتُهُمْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ هَذَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ وَمَنْ لَا يُحَاسَبُ.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي عَرْضُ مَعَاصِي الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ وَتَقْرِيرُهُمْ بِهَا وَسَتْرُهَا عَلَيْهِمْ وَمَغْفِرَتُهَا لَهُمْ، وَالْحِسَابِ وَالْمُنَاقَشَةِ وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ العزيز في غيرما مَوْضِعٍ إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا كَمَا قَالَ ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٨] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الْكَهْفِ: ٤٨] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [النَّمْلِ: ٨٣ ٨٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٦-٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٢٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الْغَاشِيَةِ: ٢٦] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ
وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنَوْا أَعْمَالَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا فَإِنَّهُ أَخَفُّ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ
[ ٢ / ٨٢٢ ]
تُحَاسِبُوا أنفسكم اليوم، وتزينوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ ١ [الْحَاقَّةِ: ١٨]
وَرَوَى أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرْضَاتٍ فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ" ٢، وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ نَحْوُهُ٣ وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا٤.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْحُمُرِ فَقَالَ: "مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْفَاذَّةَ الْجَامِعَةَ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ٥ [الزَّلْزَلَةِ: ٧ ٨] .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْفَرَزْدَقِ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَرَأَ عَلَيْهِ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧ ٨] قَالَ حَسْبِي، لَا أُبَالِي أَنْ لَا أَسْمَعَ غَيْرَهَا٦.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن المبارك في الزهد ص١٠٣ وأحمد في الزهد ص١٤٩ وأبو نعيم في الحلية ١/ ٥٢ وابن أبي الدنيا في محاسبة النفس ص٢٩ ٣٠. ٢ رواه أحمد ٤/ ٤١٤ وابن ماجه ٢/ ١٤٣٠/ ح٤٢٧٧ في الزهد باب ذكر البعث قال الهيثمي رجال الإسناد ثقات إلا أنه منقطع والحسن لم يسمع من أبي موسى، قاله علي بن المديني وأبو حاتم وأبو زرعة، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده بإسناده ومتنه زوائد ٢/ ٣٥٢ وأخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه الدر المنثور ٨/ ٢٧١ وروي موقوفا عليه ابن جرير ٢٩/ ٥٩ وعلته علته. ٣ الترمذي ٤/ ٦١٧/ ح٢٤٢٥ في صفة القيامة باب ما جاء في العرض وقال ولا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة. ٤ أخرجه ابن جرير ٢٩/ ٥٩. ٥ رواه البخاري ٨/ ٧٢٧ في تفسير سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ باب ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ومسلم ٢/ ٦٨٠/ ح٩٨٧ في الزكاة باب إثم مانع الزكاة. ٦ رواه أحمد ٥/ ٥٩ والنسائي في الكبرى تحفة الأشراف ٤/ ١٨٧ والطبراني في الكبير ٨/ ٩٠/ ح٧٤١١ وأخرجه عبد بن حميد وابن مردويه الدر المنثور ٨/ ٥٩٥ والصحيح أنه عم الأحنف لا الفرزدق "انظر الإصابة والتهذيب". وفي سنده الحسن وقد صرح بالتحديث عند النسائي كما في تحفة الأشراف.
[ ٢ / ٨٢٣ ]
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧ ٨] فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُجْزَى بِمَا عَمِلْتُ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ شَرٍّ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا رَأَيْتَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا تَكْرَهُ فَبِمَثَاقِيلِ ذَرِّ الشَّرَّ، وَيَدَّخِرُ اللَّهُ لَكَ مَثَاقِيلَ ذَرِّ الْخَيْرِ حَتَّى تَوَفَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ١
وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٢] قَالَ يَسْأَلُ الْعِبَادَ كُلَّهُمْ عَنْ خُلَّتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَعْبُدُونَ وَعَمَّاذَا أَجَابُوا الْمُرْسَلِينَ٢
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيَخْلُو اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا يَخْلُو أَحَدُكُمْ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَيَقُولُ: ابْنَ آدَمَ مَاذَا غَرَّكَ مِنِّي بِي، ابْنَ آدَمَ مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ، ابْنَ آدَمَ مَاذَا أَجَبْتَ الْمُرْسَلِينَ٣.
وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا مُعَاذُ، إِنَّ الْمَرْءَ يُسْأَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ جَمِيعِ سَعْيِهِ حَتَّى كُحْلَ عَيْنَيْهِ، وَعَنْ فُتَاتِ الطِّينَةِ بِأُصْبُعَيْهِ، فَلَا أَلْفَيَنَّكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدٌ غَيْرُكَ أَسْعَدُ بِمَا آتَاكَ اللَّهُ مِنْكَ" ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن جرير ٣٠/ ٢٦٨ وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم في تاريخه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان الدر المنثور ٨/ ٥٩٣ وفي سنده الهيثم بن الربيع وهو ضعيف من طريقه موصولا وروي من غير طريقه مرسلا. ٢ أخرجه ابن جرير ١٤/ ٦٧ وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه الدر المنثور ٥/ ٩٩. ٣ رواه الطبراني في الكبير ٩/ ٢٠٤/ ح٨٨٩٩ و٨٩٠٠ موقوفا وسند الأول صحيح، والثاني فيه شريك، ومتابعة أبي عوانة له في الحديث الأول ترفع ضعفه، والحديث ليس عند أحمد وغر المصنف أن ابن كثير ساق إسناد الطبري في تفسيره ٢/ ٥٧٩ من طريقه. ٤ ابن أبي حاتم ابن كثير ٢/ ٥٧٩ وفي سنده من لم أجد لهم ترجمة كأبي حمزة الشيباني ويونس الحذاء.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٢] قَالَ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٣٩] قَالَ لَا يَسْأَلُهُمْ هَلْ عَمِلْتُمْ كَذَا لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ يَقُولُ لِمَ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ" فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الِانْشِقَاقِ: ٨] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا عُذِّبَ" ١.
وَفِيهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ: "يُجَاءُ بِالْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَالُ لَهُ قَدْ كُنْتَ سُئِلْتَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ" ٢.
وَفِيهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَسَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ" ٣.
وَفِيهِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ بَيْنَمَا ابْنُ عُمَرَ يَطُوفُ إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ -أو قال يابن عُمَرَ- هَلْ سمعت النبي ﷺ في النجوى فقال: سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "يَدْنُو الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يضع عليه كنفه فَيُقَرِّرَهُ بِذُنُوبِهِ تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا يَقُولُ أَعْرِفُ يَقُولُ رَبِّ أَعْرِفُ مَرَّتَيْنِ فَيَقُولُ أَنَا سَتَرْتُهَا فِي الدُّنْيَا وَأَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ تُطْوَى صَحِيفَةُ حَسَنَاتِهِ وَأَمَّا الْآخَرُونَ أَوِ الْكُفَّارُ
_________________
(١) ١ رواه البخاري ١/ ١٩٦ ١٩٧ في العلم باب من سمع شيئا فراجع حتى يعرف ومسلم ٤/ ٢٢٠٤/ ح٢٨٧٦ في الجنة باب إثبات الحساب. ٢ رواه مسلم ٤/ ٢١٦١/ ح٢٨٠٥ في صفات المنافقين باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبا. ٣ رواه البخاري ٣/ ٤٢٣ في التوحيد باب قول الله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ومسلم ٢/ ٧٠٣/ ح١٠١٦ في الزكاة باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
فَيُنَادَى عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ" ١.
وَفِي التِّرْمِذِيِّ عن أبي بزرة الْأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا عَمِلَ فِيهِ وَعَنْ مَالِهِ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ" ٢ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[بَرَاءَةُ: النَّاسِ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ]:
وَانْقَطَعَتْ عَلَائِقُ الْأَنْسَابِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [الْمَعَارِجِ: ١٠] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤] الْآيَاتِ وَقَالَ تَعَالَى عَنِ الْكَافِرِينَ ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٠٠] وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ثُمَّ نَادَى مُنَادٍ أَلَا مَنْ كَانَ لَهُ مَظْلَمَةٌ فَلْيَجِئْ فَلْيَأْخُذْ حَقَّهُ، قَالَ فَيُفْرِحُ الْمَرْءُ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْحَقُّ عَلَى وَالِدِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا، وَمِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠١] ٣
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَرَوَى الْبَغَوِيُّ بِإِسْنَادِ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: "يَقُولُ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَقُولُ فِي الْجَنَّةِ مَا فُعِلَ بِصَدِيقِي فُلَانٍ وَصَدِيقُهُ فِي الْجَحِيمِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَخْرِجُوا لَهُ صَدِيقَهُ إِلَى
_________________
(١) ١ رواه البخاري ٥/ ٩٦ في المظالم باب قول الله تعالى ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ومسلم ٤/ ٢١٢٠/ ح٢٧٦٨ في التوبة باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله. ٢ رواه الترمذي ٤/ ٦١٢/ ح٢٤١٧ في صفة القيامة باب رقم ١، والدارمي ١/ ١٣١ والخطيب في اقتضاء العلم العمل ص١٥٩/ ح١ وهو حديث صحيح وله شواهد من حديث ابن مسعود ومعاذ بن جبل انظر السلسلة الصحيحة ٢/ ٦٦٦/ ح٩٤٦. ٣ عزاه ابن كثير له ٣/ ٢٦٦.
[ ٢ / ٨٢٦ ]
الْجَنَّةِ فَيَقُولُ مَنْ بَقِيَ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ"١، قَالَ الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اسْتَكْثِرُوا مِنَ الْأَصْدِقَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ لَهُمْ شَفَاعَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤ ٣٥] قَالَ يَفِرُّ هَابِيلُ مِنْ قَابِيلَ وَيَفِرُّ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أُمِّهِ، وَإِبْرَاهِيمُ ﵇ مِنْ أَبِيهِ، وَلُوطٌ ﵇ مِنْ صَاحِبَتِهِ، وَنُوحٌ ﵇ مِنَ ابْنِهِ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٧] يَشْغَلُهُ عَنْ شَأْنِ غَيْرِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي أَمْرِ الشَّفَاعَةِ "أَنَّهُ إِذَا طَلَبَ إِلَى كُلٍّ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ أَنْ يَشْفَعَ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْخَلَائِقِ يَقُولُ نَفْسِي نَفْسِي لَا أَسْأَلُكَ إِلَّا نَفْسِي، حَتَّى إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يَقُولُ لَا أَسْأَلُهُ الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي، لَا أَسَالُهُ مَرْيَمَ الَّتِي وَلَدَتْنِي" ٢.
وَارْتَكَمَتْ سَحَائِبُ الْأَهْوَالِ وَانْعَجَمَ الْبَلِيغُ فِي الْمَقَالِ
وَعَنَتِ الوجوه للقيوم واقـ ـتص مِنْ ذِي الظُّلْمِ لِلْمَظْلُومِ
وَارْتَكَمَتْ اجْتَمَعَتْ سَحَائِبُ الْأَهْوَالِ جَمْعُ هَوْلٍ وَهُوَ الْأَمْرُ الشَّدِيدُ الْهَائِلُ الْمُفْظِعُ وَانْعَجَمَ أَسْكَتَ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ الْبَلِيغُ الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا مُقْتَدِرًا عَلَى الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ فِي الْمَقَالِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هُودٍ: ١٠٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨] سَكَنَتْ ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] قَالَ تَحْرِيكُ الشِّفَاهِ مِنْ غَيْرِ مَنْطِقٍ، وَعَنْهُ الْهَمْسُ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ، وَعَنْهُ هُوَ وَعِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَقَتَادَةَ وَابْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ الْهَمْسُ نَقْلُ الْأَقْدَامِ إِلَى
_________________
(١) ١ معالم التنزيل ٤/ ٢٦٨ وفيه الوليد بن مسلم، وحدث عن رجل مبهم فسنده ضعيف، وهو منكر. ٢ تقدم تخريجه سابقا.
[ ٢ / ٨٢٧ ]
الْمَحْشَرِ كَأَخْفَافِ الْإِبِلِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ هَمْسًا سِرُّ الْحَدِيثِ وَوَطْءُ الْأَقْدَامِ فَجَمَعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، وَفِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ "وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ" ١ الْحَدِيثَ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ ذَلَّتْ وَخَضَعَتْ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْأَسِيرِ عَانٍ الْقَيُّومِ تَضْمِينٌ لِمَعْنَى قَوْلِهِ ﷿ ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ خَضَعَتْ وَذَلَّتْ وَاسْتَسْلَمَتِ الْخَلَائِقُ لِجَبَّارِهَا الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ الْقَيُّومُ الَّذِي لَا يَنَامُ، وَهُوَ قَيِّمٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يُدِيرُهُ وَيَحْفَظُهُ، فَهُوَ الْكَامِلُ فِي نَفْسِهِ الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، لَا قِوَامَ لَهُ إِلَّا بِهِ ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ خَسِرَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ وَالظُّلْمُ هُوَ الشِّرْكُ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالظُّلْمِ هُنَا الْعُمُومُ، فَيَتَنَاوَلُ الشِّرْكَ وَغَيْرَهُ مِنْ ظُلْمِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ وَظُلْمِ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي كُلَّ حَقٍّ إِلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يَقْتَصَّ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ يَقُولُ اللَّهُ ﷿ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا يُجَاوِزُنِي الْيَوْمَ ظُلْمُ ظَالِمٍ٢ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: "إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ٣ فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ وَخَيْبَةٌ دُونَ خَيْبَةٍ، وَالْخَيْبَةُ كُلُّ الْخَيْبَةِ لِمَنْ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ بِهِ مُشْرِكٌ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمَانَ: ١٣] وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ "الدَّوَاوِينُ ثَلَاثَةٌ دِيوَانٌ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ وَدِيوَانٌ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ وَدِيوَانٌ لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا" ٤ الْحَدِيثَ وَاقْتُصَّ مِنْ ذِي الظُّلْمِ أَيِ اقْتُضَى مِنَ الظَّالِمِ لِلْمَظْلُومِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النِّسَاءِ: ٤٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غَافِرٍ: ١٧-٢٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٩] ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
_________________
(١) ١ تقدم. ٢ لم أجده مسندا. ٣ رواه البخاري ٥/ ١٠٠ في المظالم باب الظلم ظلمات يوم القيامة ومسلم ٤/ ١٩٩٦/ ح٢٥٧٩ في البر باب تحريم الظلم. ٤ تقدم تخريجه سابقا.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
[الزُّمَرِ: ٧٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٠] وَغَيْرُهَا مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَابُ الْقَصَاصِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ الْحَاقَّةُ لِأَنَّ فِيهَا الثَّوَابَ وَحَوَاقُّ الْأُمُورِ الْحَقَّةُ وَالْحَاقَّةُ وَاحِدٌ، وَالْقَارِعَةُ وَالْغَاشِيَةُ وَالصَّارِخَةُ وَالتَّغَابُنُ غَبْنُ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدِهِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ بِالدِّمَاءِ" ١.
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ" ٢.
وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَقُصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أَذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا" ٣.
وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَتُدْرُونَ مِنَ الْمُفْلِسِ" قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيَقْعُدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصَّ مَا
_________________
(١) ١ البخاري ١١/ ٣٩٥ في الرقاق باب القصاص يوم القيامة، وفي ١٢/ ١٨٧ في الديات باب قول الله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ ومسلم ٣/ ١٣٠٤/ ح١٦٧٨ في القيامة باب المجازاة بالدماء في الآخرة. ٢ رواه البخاري ١١/ ٣٩٥ في الرقاق باب القصاص يوم القيامة، وفي ٥/ ١٠١ في المظالم باب من كانت له مظلمة عند الرجل فحللها له هل يبيين مظلمته. ٣ رواه البخاري ١١/ ٣٥٩ في الرقاق باب القصاص يوم القيامة، وفي ٥/ ٩٦ في المظالم باب قصاص المظالم.
[ ٢ / ٨٢٩ ]
عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ" ١ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ".
وَلَهُ عَنْهُ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا حَتَّى تُقَادَ الشَّاةُ الْجَلْحَاءُ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ" ٢ قَالَ وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ بَلَغَنِي حَدِيثٌ عَنْ رَجُلٍ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، فَاشْتَرَيْتُ بَعِيرًا ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَيْهِ رَحْلًا فَسِرْتُ عَلَيْهِ شَهْرًا حَتَّى قَدِمْتُ عَلَيْهِ الشَّامَ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ فَقُلْتُ لِلْبَوَّابِ قُلْ لَهُ جَابِرٌ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ قُلْتُ: نَعَمْ فَخَرَجَ يَطَأُ ثَوْبَهُ فَاعْتَنَقَنِي واعتنقته، فقلت حديث بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْقِصَاصِ فَخَشِيتُ أَنْ تَمُوتَ وَأَمُوتَ قَبْلَ أَنْ أَسْمَعَهُ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَحْشُرُ اللَّهُ ﷿ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ -أَوْ قَالَ الْعِبَادَ- عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا قُلْتُ وَمَا بُهْمًا قَالَ لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ حَتَّى أَقْضِيَهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلَهُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ حَقٌّ حَتَّى أَقْضِيَهُ مِنْهُ حَتَّى اللَّطْمَةُ قَالَ قُلْنَا كَيْفَ وَإِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ ﷿ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا قَالَ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ" ٣.
_________________
(١) ١ رواه مسلم ٤/ ١٩٩٧/ ح٢٥٨١ في البر والصلة باب تحريم الظلم والترمذي ٤/ ٦١٣/ ح٢٤١٨ في القيامة باب ما جاء في شأن. الحساب والقصاص وأحمد ٢/ ٣٠٣ و٣٣٤ و٣٧٢ وعلقه البخاري في صحيحه ١٠/ ٥٦٦ في الأدب باب قول النبي ﷺ: "إنما الكرم قلب المؤمن.." طرفه الأول بلفظ "إنما المفلس الذي يفلس يوم القيامة..". ٢ رواه مسلم ٤/ ١٩٩٧/ ح٢٥٨١ في البر والصلة باب تحريم الظلم والترمذي ٤/ ٦١٤/ ح٢٤٢٠ في القيامة باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص. ٣ رواه البخاري تعليقا في صحيحه ١٣/ ٤٥٣ وفي خلق أفعال العباد ح٤٦٣ في الأدب المفرد ح٩٧٠ وأحمد ٣/ ٤٩٥ والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٣٧ ٤٣٨ و٤/ ٥٧٤ ٥٧٥ والبيهقي في الأسماء والصفات ص٧٨ والخطيب في الرحلة في طلب الحديث ص٣١ و٣٢ والطبراني في الكبير المجمع ١/ ١٣٣ وفي سنده عبد الله بن محمد بن عقيل قال الحافظ في حديثه لين قلت يتقوى بما ذكر الحافظ في الفتح ١/ ١٧٤ أن له سندا عند الطبراني في حديث الشاميين وتمام في فوائده وقال إسناده صالح.
[ ٢ / ٨٣٠ ]
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّ الْجَمَّاءَ لَتَقْتَصُّ مِنَ الْقَرْنَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ١ وَرَوَى ﵀ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ رَأَى رَسُولُ الله ﷺ شاتين تنتطحان فَقَالَ: "أتدري ما تنتطحان يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قُلْتُ: لَا قَالَ: "لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي وَسَيَحْكُمُ بَيْنَهُمَا" ٢
وَسَاوَتِ الْمُلُوكُ لِلْأَجْنَادِ وَجِيءَ بِالْكِتَابِ وَالْأَشْهَادِ
وَشَهِدَ الْأَعْضَاءُ والجوارح وبدت السوءات وَالْفَضَائِحْ
وَابْتُلِيَتْ هُنَالِكَ السَّرَائِرْ وَانْكَشَفَ الْمَخْفِيُّ فِي الضَّمَائِرْ
وَسَاوَتِ الْمُلُوكُ الْعُظَمَاءُ الرُّؤَسَاءُ الْكُبَرَاءُ لِلْأَجْنَادِ الرَّعَايَا أَيْ صَارُوا سَوَاءً فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ مُشْتَرِكِينَ فِي هَوْلِهِ الْفَظِيعِ وَكَرْبِهِ الشَّدِيدِ إِلَّا مَنْ ﵀ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ مَقَالٌ وَلَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الْحَجِّ: ٥٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غَافِرٍ: ١٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الِانْفِطَارِ: ١٩] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٤]
_________________
(١) ١ رواه عبد الله بن أحمد في المسند ١/ ٧٢ والبزار ح٣٤٤٩ وسنده ضعيف، فيه الحجاج بن نصير وهو ضعيف وهو صحيح لشاهده الذي سبق من حديث أبي هريرة في الصحيح. ٢ رواه أحمد ٥/ ١٦٢ والبزار ح٣٤٥٠ مع زيادة يسيرة، والطبراني في الأوسط كما في المجمع ١٠/ ٣٥٥ قال الهيثمي وفيها ليث بن أبي سليم وهو مدلس وبقية رجال أحمد رجال الصحيح غير شيخه ابن عائشة، وهو ثقة ورجال الرواية الثانية رجال الصحيح، وفيها راو لم يسم.
[ ٢ / ٨٣١ ]
يَقُولُ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ مَعَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حُكْمًا كَمُلْكِهِمْ فِي الدُّنْيَا قَالَ وَيَوْمَ الدِّينِ يَوْمَ الْحِسَابِ لِلْخَلَائِقِ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، يُدِينُهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ إِلَّا مَنْ عَفَا عَنْهُ وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي قَوْلِهِ ﷿ ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الْفُرْقَانِ: ٢٦] أَيِ الْمُلْكُ الَّذِي هُوَ الْمُلْكُ الْحَقُّ مُلْكُ الرَّحْمَنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ يُرِيدُ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا مَلِكٌ يَقْضِي غَيْرُهُ وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُتَقَدِّمِ يَقْبِضُ اللَّهُ تَعَالَى الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ وَفِي لَفْظٍ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ١
وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الِانْفِطَارِ: ١٩] وَالْأَمْرُ وَاللَّهِ الْيَوْمَ لِلَّهِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَقَالَ الْبَغَوِيُّ يَوْمَ لَا يُمَلِّكُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ شَيْئًا كَمَا مَلَّكَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَجِيءَ بِالْكِتَابِ وَالْأَشْهَادِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الْكَهْفِ: ٤٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النِّسَاءِ: ٤١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٨٤] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النَّحْلِ: ٨٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [الْقَصَصِ: ٧٤ ٧٥] الْآيَةَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
_________________
(١) ١ تقدم ذكره.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ - وَاللَّفْظُ لِجَرِيرٍ - عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ. وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ فَيَقُولُ هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ فَيَقُولُ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ -ﷺ- وَأُمَّتُهُ، فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَيَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ١ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ"، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ.
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا بِلَفْظِ "يَجِيءُ النَّبِيُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَيُدْعَى قَوْمُهُ فَيُقَالُ لَهُمْ هَلْ بَلَّغَكُمْ هَذَا فَيَقُولُونَ لَا فَيُقَالُ لَهُ هَلْ بَلَّغْتَ قَوْمَكَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَالُ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وأمته، فيدعى محمد -ﷺ- وَأُمَّتُهُ فَيُقَالُ لَهُمْ هَلْ بَلَّغَ هَذَا قَوْمَهُ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُقَالُ وَمَا عِلْمُكُمْ فَيَقُولُونَ جَاءَنَا نَبِيُّنَا -ﷺ- فَأَخْبَرَنَا أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قَالَ عَدْلًا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ٢ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اقْرَأْ عَلَيَّ" فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ "نَعَمْ "، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي" فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النِّسَاءِ: ٤١] " فَقَالَ حَسْبُكَ الْآنَ" فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ"٣.
_________________
(١) ١ رواه البخاري ٦/ ٣٧١ في الأنبياء باب قول الله ﷿ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ وفي التفسير والاعتصام وأحمد ٣/ ٣٢ والترمذي ٥/ ٢٠٧/ ح٢٩٦١ في تفسير سورة البقرة وقال هذا حديث حسن صيحح والنسائي في الكبرى تحفة الأشراف ٣/ ٣٤٥ وابن ماجه ٢/ ١٤٣٢/ ح٤٢٨٤ في الزهد باب صفة أمة محمد ﷺ. ٢ أحمد ٣/ ٥٨. ٣ رواه البخاري ٩/ ٩٨ في فضائل القرآن باب البكاء عند قراءة القرآن وباب من أحب أن يسمع القرآن من غيره وباب قول المقرأ للقارئ حسبك ومسلم ١/ ٥٥١/ ح٨٠٠ في صلاة المسافرين باب فضل استماع القرآن
[ ٢ / ٨٣٣ ]
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ أَيْ كِتَابُ الْأَعْمَالِ الَّذِي فِيهِ الْجَلِيلُ وَالْحَقِيرُ وَالْفَتِيلُ وَالْقِطْمِيرُ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ [الْكَهْفِ: ٤٩] أَيْ مِنْ أَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ وَأَفْعَالِهِمُ الْقَبِيحَةِ ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا﴾ أَيْ يَا حَسْرَتَنَا وَوَيْلَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِي أَعْمَالِنَا ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الْكَهْفِ: ٤٩] أَيْ لَا يَتْرُكُ ذَنْبًا صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا وَلَا عَمَلًا وَإِنْ صَغُرَ إِلَّا أَحْصَاهَا أَيْ ضَبَطَهَا وَحَفِظَهَا١.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بإسناده عن سعد بْنِ جُنَادَةَ قَالَ لَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، نَزَلْنَا قَفْرًا مِنَ الْأَرْضِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اجْمَعُوا، مَنْ وَجَدَ عُودًا فَلْيَأْتِ بِهِ، وَمَنْ وَجَدَ حَطَبًا أَوْ شَيْئًا فَلْيَأْتِ بِهِ قَالَ فَمَا كَانَ إِلَّا سَاعَةً حَتَّى جَعَلْنَاهُ رُكَامًا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَتَرَوْنَ هَذَا فَكَذَلِكَ تُجْمَعُ الذُّنُوبُ عَلَى الرَّجُلِ مِنْكُمْ كَمَا جَمَعْتُمْ هَذَا، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَجُلٌ وَلَا يُذْنِبْ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً فَإِنَّهَا مُحْصَاةٌ عَلَيْهِ"٢.
وَرَوَى الْبَغَوِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَثَلُ قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ فَجَاءَ هَذَا بِعُودٍ وَجَاءَ هَذَا بِعُودٍ وَجَاءَ هَذَا بِعُودٍ فَأَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ لَمُوبِقَاتٌ" ٣.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الْكَهْفِ: ٤٩] كَقَوْلِهِ ﷿ ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٣/ ٨٦. ٢ رواه الطبراني في الكبير ٦/ ٥٢/ ح٥٤٨٥/ ١ قال الهيثمي وفيه نفيع أبو داود وهو ضعيف المجمع ١٠/ ١٩٣ قلت فيه يونس بن نفيع وليس نفيع أبو داود والحسين بن الحسن، وهما ضعيفان وفيه محمد بن سعد العوفي وهو ضعيف كذلك. ٣ رواه أحمد ١/ ٤٢٠ و٥/ ٣٣١ والبغوي في التفسير ٣/ ٥٧٤ والطبراني في الكبير ٦/ ١٦٥/ ح٥٨٧٢ والأوسط ٣/ ٢٥٤/ ح٢٥٥١ والصغير ٢/ ٤٩ وأخرجه الروياني في مسنده ٢٩/ ١٩٧ ١٩٨ والبيهقي في الشعب، قال الهيثمي رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح المجمع ١٠/ ١٩٢.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ [آلِ: عِمْرَانَ ٣٠] وَقَوْلُهُ ﷿ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١٤] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الِانْفِطَارِ: ٥] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [الْقِيَامَةِ: ١٣] وَغَيْرُهَا مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [الْقَصَصِ: ٧٥] قَالَ الْبَغَوِيُّ يَعْنِي رَسُولَهُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] فَقَالَ سَائِقٌ يَسُوقُهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَشَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِمَا عَمِلَتْ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ السَّائِقُ الْمَلِكُ وَالشَّهِيدُ الْعَمَلُ وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ السَّائِقُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالشَّهِيدُ الْإِنْسَانُ نَفْسُهُ يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ﴾ أَضَاءَتْ ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ بِنُورِ خَالِقِهَا، ذلك حِينَ يَتَجَلَّى الرَّبُّ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ، فَمَا يَتَضَارُّونَ فِي نُورِهِ كَمَا لَا يَتَضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ فِي الْيَوْمِ الصَّحْوِ، قَالَهُ الْبَغَوِيُّ وَالْحَدِيثُ لَا يَتَضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ١.
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ قَالَ قَتَادَةُ كِتَابُ الْأَعْمَالِ ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ يَشْهَدُونَ عَلَى الْأُمَمِ بِأَنَّهُمْ بَلَّغُوهُمْ رِسَالَاتِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ أي من الْمَلَائِكَةُ الْحَفَظَةُ عَلَى أَعْمَالِ الْعِبَادِ قَالَ ذَلِكَ عَطَاءٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَعْنِي الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَهُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غَافِرٍ: ٥١] يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ، قَالَ الْبَغَوِيُّ يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ وَعَلَى الْكُفَّارِ بِالتَّكْذِيبِ.
وَشَهِدَتْ عَلَى كُلِّ جَاحِدٍ الْأَعْضَاءُ أَعْضَاؤُهُ وَالْجَوَارِحُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا
_________________
(١) ١ تقدم ذكره.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٩-٢٢] الْآيَاتِ وَغَيْرَهَا.
وَرَوَى مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَتَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ" قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ ﷺ: "مِنْ مُجَادَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ فَيَقُولُ بَلَى فَيَقُولُ لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي فَيَقُولُ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا، وَبِالْكِرَامِ الْكُتَّابِ شُهُودًا، فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ انْطِقِي فَتَنْطِقُ بِعَمَلِهِ، ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ فَيَقُولُ بُعْدًا وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ" ١.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ مُفْدَمًا عَلَى أَفْوَاهِكُمْ بِالْفِدَامِ، فَأَوَّلُ مَا يُسْأَلُ عَنْ أَحَدِكُمْ فَخِذُهُ وَكَتِفُهُ" ٢ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهِ وَلَهُ هُوَ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الْقِيَامَةِ الطَّوِيلِ قَالَ فِيهِ "ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ فَيَقُولُ مَا أَنْتَ فَيَقُولُ أَنَا عَبْدُكَ، آمَنْتُ بِكَ وَبِنَبِيِّكَ وَبِكِتَابِكَ وَصُمْتُ وَصَلَّيْتُ وَتَصَدَّقْتُ، وَيُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَ قَالَ فَيُقَالُ لَهُ أَلَا نَبْعَثُ عَلَيْكَ شَاهِدَنَا قَالَ فَيُفَكِّرُ فِي نَفْسِهِ مَنِ الَّذِي يَشْهَدُ
_________________
(١) ١ رواه مسلم ٤/ ٢٢٨٠/ ح٢٩٦٩ في الزهد والرقائق وابن أبي حاتم ابن كثير ٣/ ٥٨٤ في فاتحته والنسائي في التفسير في الكبرى كما في تحفة الأشراف ١/ ٢٤٩. ٢ رواه أحمد ٥/ ٤ ٥ وعبد الرزاق في مصنفه والنسائي في الكبرى تحفة الأشراف ٨/ ٤٣١/ ح١١٣٩٢ وإسناده حسن.
[ ٢ / ٨٣٦ ]
عَلَيْهِ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ انْطِقِي، قال فتنطق فخذه وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِمَا كَانَ يَعْمَلُ، وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ، وَذَلِكَ لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ" ١ وَهَذَا الْحَدِيثُ تَقَدَّمَ قَرِيبًا بِطُولِهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ يَتَضَمَّنُ بَيَانَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ١٨] الْآيَةَ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَحْمَدُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: يَقُولُ: "إِنْ أَوَّلَ عَظْمٍ مِنَ الْإِنْسَانِ يَتَكَلَّمُ يَوْمَ يُخْتَمُ عَلَى الْأَفْوَاهِ فَخِذُهُ مِنَ الرِّجْلِ الْيُسْرَى وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنَ الرِّجْلِ الشِّمَالِ"٢.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ قَالَ أَبُو بُرْدَةَ قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ﵁ يُدْعَى الْمُؤْمِنُ لِلْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَبُّهُ عَمَلَهُ فِيمَا بينه وبينه فيعترف فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ عَمِلْتُ عَمِلْتُ عَمِلْتُ قَالَ فَيَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَيَسْتُرُهُ مِنْهَا قَالَ فَمَا عَلَى الْأَرْضِ خَلِيقَةٌ تَرَى مِنْ تِلْكَ الذُّنُوبِ شَيْئًا وَتَبْدُو حَسَنَاتُهُ فَوَدَّ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ يَرَوْنَهَا وَيُدْعَى الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ لِلْحِسَابِ فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَبُّهُ عَمَلَهُ فَيَجْحَدُ وَيَقُولُ أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ كَتَبَ عَلَيَّ هَذَا الْمَلَكُ مَا لَمْ أَعْمَلْ فَيَقُولُ لَهُ الْمَلَكُ أَمَا عَمِلْتَ كَذَا فِي يَوْمِ كَذَا فِي مَكَانِ كَذَا فَيَقُولُ لَا وَعَزَّتِكَ أَيْ رَبِّ مَا عَمِلْتُهُ فإذا فعل ذلك ختم الله تعالى على فيه قال أبو موسى الأشعري ﵁ فَأَنَا أَحْسَبُ أَوَّلَ مَا يَنْطِقُ مِنْهُ فَخِذُهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ تَلَا ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥] ٣.
وَرَوَى أَبُو يَعْلَى عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ عُرِّفَ الْكَافِرُ بِعَمَلِهِ فَجَحَدَ وَخَاصَمَ، فَيَقُولُ هَؤُلَاءِ جِيرَانُكَ
_________________
(١) ١ رواه مسلم ٤/ ٢٢٧٩/ ح٢٩٦٨ في الزهد والرقائق وقد تقدم. ٢ رواه أحمد ٤/ ١٥١ وابن جرير ٢٣/ ٢٤ وابن أبي حاتم ابن كثير ٣/ ٥٨٤ والطبراني وابن مردويه الدر المنثور ٧/ ٦٨ وإسناده ضعيف فيه انقطاع بين شريح بين عبيد وعقبة بن عامر وعند أحمد قال عن شريح عمن حدثه عن عقبة. ٣ أخرجه ابن جرير ٢٣/ ٢٤ موقوفا، وإسناده على شرط الشيخين.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ فَيَقُولُ كَذَبُوا، فَيَقُولُ أَهْلُكَ وَعَشِيرَتُكَ فَيَقُولُ كَذَبُوا فَيَقُولُ احْلِفُوا، فَيَحْلِفُونَ، ثُمَّ يُصْمِتُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ النَّارَ"١.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ الْأَزْرَقِ إِنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ مِنْهُ حِينَ، لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يَعْتَذِرُونَ وَلَا يَتَكَلَّمُونَ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُمْ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَخْتَصِمُونَ فَيَجْحَدُ الْجَاحِدُ بِشِرْكِهِ بِاللَّهِ تَعَالَى فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ حِينَ يَجْحَدُونَ شُهَدَاءَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ جُلُودُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ وَيَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمُ الْأَفْوَاهَ فَتُخَاصِمُ الْجَوَارِحُ فَتَقُولُ ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢١] فَتُقِرُّ الْأَلْسِنَةُ بَعْدَ الْجُحُودِ٢ وَرَوَى أَيْضًا عَنْ رَافِعٍ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ وَصَفَ رَجُلًا جَحَدَ قَالَ فَيُشِيرُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى لِسَانِهِ فَيَرْبُو فِي فَمِهِ حَتَّى يَمْلَأَهُ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْطِقَ بِكَلِمَةٍ، ثُمَّ يَقُولُ لِآرَابِهِ٣ تَكَلَّمِي وَاشْهَدِي عَلَيْهِ فَيَشْهَدُ عَلَيْهِ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَجِلْدُهُ وَفَرْجُهُ وَيَدَاهُ وَرِجْلَاهُ صَنَعْنَا عَمِلْنَا فَعَلْنَا٤ وَلَهُ أَيْضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ لَمَّا رَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهَاجِرَةُ الْبَحْرِ قَالَ: "أَلَا تُحَدِّثُونَ بِأَعَاجِيبَ مَا رَأَيْتُمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ" فَقَالَ فِتْيَةٌ مِنْهُمْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ بينما نحن جلوس إِذْ مَرَّتْ عَلَيْنَا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِ رَهَابِينِهِمْ تَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهَا قُلَّةً مِنْ مَاءٍ، فَمَرَّتْ بِفَتًى مِنْهُمْ فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهَا ثُمَّ دَفَعَهَا فَخَرَّتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا فَانْكَسَرَتْ قُلَّتُهَا، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ إِذَا وَضَعَ اللَّهُ الْكُرْسِيَّ وَجَمَعَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَتَكَلَّمَتِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُ كَيْفَ أَمْرِي وَأَمْرُكُ عِنْدَهُ غَدًا قَالَ: يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "صَدَقَتْ صَدَقَتْ، كَيْفَ يُقَدِّسُ
_________________
(١) ١ رواه أبو يعلى ٢/ ٥٢٧/ ح١٣٩٢ وابن جرير ١٨/ ١٠٥ قال الهيثمي رواه أبو يعلى بإسناد حسن على ضعف فيه المجمع ١٠/ ٣٥٤ قلت بل هو ضعيف فيه ابن لهيعة ودراج أبو السمح عن أبي الهيثم، وهما علتان لضعفه. ٢ أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٧/ ٣١٩ وابن كثير ٤/ ١٠٤ وفي سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. ٣ أي أعضائه. ٤ ابن أبي حاتم ابن كثير ٤/ ١٠٤.
[ ٢ / ٨٣٨ ]
اللَّهُ تَعَالَى قَوْمًا لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ"١ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٢] الْآيَةَ كَانَ رَجُلَانِ مِنْ قُرَيْشٍ وَخَتَنٌ لَهُمَا مِنْ ثَقِيفٍ، أَوْ رَجُلَانِ مِنْ ثَقِيفٍ وَخَتَنٌ لَهُمَا مِنْ قُرَيْشٍ فِي بَيْتٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ حَدِيثَنَا قَالَ بَعْضُهُمْ يَسْمَعُ بَعْضَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَئِنْ كَانَ يَسْمَعُ بَعْضَهُ لَقَدْ يَسْمَعُ كُلَّهُ، فَأُنْزِلَتْ ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾ ٢ [فُصِّلَتْ: ٢٢] الْحَدِيثُ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ فِي إِثْبَاتِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَابْتُلِيَتْ أَيِ اخْتُبِرَتْ هُنَالِكَ الْإِشَارَةُ إِلَى مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ الْعَظِيمِ وَهَوْلِهِ الْجَسِيمِ السَّرَائِرُ جَمْعُ سَرِيرَةٍ وَهِيَ ضِدُّ الْعَلَانِيَةِ وَانْكَشَفَ الْمَخْفِيُّ الْمَسْتُورُ فِي الضَّمَائِرِ إِشَارَةً إِلَى قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطَّارِقِ: ٩] قَالَ الْبَغَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْلَى السَّرَائِرُ، تَظْهَرُ الْخَفَايَا، قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ تُخْتَبَرُ، قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ السَّرَائِرُ فَرَائِضُ الْأَعْمَالِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ وَالِاغْتِسَالِ مِنَ الْجَنَابَةِ فَإِنَّهَا سَرَائِرُ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ الْعَبْدِ، فَلَوْ شَاءَ الْعَبْدُ لَقَالَ صُمْتُ وَلَمْ يَصُمْ، وَصَلَّيْتُ وَلَمْ يُصَلِّ، وَاغْتَسَلْتُ وَلَمْ يَغْتَسِلْ، فَيُخْتَبَرُ حَتَّى يَظْهَرَ مَنْ أَدَّاهَا مِمَّنْ ضَيَّعَهَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُبْدِي اللَّهُ ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كُلَّ سِرٍّ، فَيَكُونُ زَيْنًا فِي وُجُوهٍ وَشَيْنًا فِي وُجُوهٍ، يَعْنِي مَنْ أَدَّاهَا كَانَ وَجْهُهُ مُشْرِقًا وَمَنْ ضَيَّعَهَا كَانَ وَجْهُهُ أَغْبَرَ وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ ابن فُلَانٍ" ٣ عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ
_________________
(١) ١ ابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في الأهوال ابن كثير ٤/ ١٠٤ وابن ماجه ٢/ ١٣٢٩/ ح٤٠١٠ في الفتن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسنده ضعيف فيه سويد بن سعيد ويحيى بن سعيد الطائفي، وكلاهما مضعف، وقد تقدم في العلو. ٢ تقدم تخريجه سابقا. ٣ رواه البخاري ٣/ ٦٨ في الفتن باب إذا قال عند قوم شيئا ثم خرج فقال بخلافه وفي =
[ ٢ / ٨٣٩ ]
صحائف الأعمال تؤخذ باليمين وبالشمال
[صَحَائِفُ: الْأَعْمَالِ تُؤْخَذُ بِالْيَمِينِ وَالشِّمَالِ]:
وَنُشِرَتْ صَحَائِفُ الْأَعْمَالِ تُؤْخَذُ بِالْيَمِينِ وَالشِّمَالِ
طُوبَى لِمَنْ يَأْخُذُ بِالْيَمِينِ كِتَابَهُ بُشْرَى بِحُورٍ عِينِ
وَالْوَيْلُ لِلْآخِذِ بِالشِّمَالِ وَرَاءَ ظَهْرٍ لِلْجَحِيمِ صَالِي
وَنُشِرَتْ صَحَائِفُ كُتُبُ الْأَعْمَالِ مِنْ حَسَنَاتٍ وَسَيِّئَاتٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ تُؤْخَذُ بِالْيَمِينِ لِلْمُؤْمِنِ وَالشِّمَالِ لِلْكَافِرِ طُوبَى أَطْيَبُ شَيْءٍ، وَاسْمُ شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا لِمَنْ يَأْخُذُ بِالْيَمِينِ كِتَابَهُ بُشْرَى أَعْظَمُ بِشَارَةٍ بِحُورٍ جَمْعُ حَوْرَاءَ، صِفَةٌ لَهُنَّ مِنْ حَوَرِ الْعَيْنِ، وَهُوَ شِدَّةُ سَوَادِ الْعَيْنَيْنِ فِي شِدَّةِ بَيَاضِهِمَا عِينِ عِينِ الْأَعْيُنِ وَالْوَيْلُ كَلِمَةُ عَذَابٍ وَوَادٍ فِي جَهَنَّمَ لِلْآخِذِ بِالشِّمَالِ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظهر للجحيم صال اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ صَلَى يَصْلَى غُمِرَ فِيهَا، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى تَطَايُرَ الصُّحُفِ وَنَشْرَهَا وَتَنَاوَلَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ مَعَ بَيَانِ مَنَازِلِ أَهْلِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ، فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ، كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ، يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ، مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ، خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ
_________________
(١) = الجهاد باب إثم القادر للبر والفاجر وفي الأدب باب ما يدعى الناس بآبائهم وفي الحيل باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت فقضى بقيمة الجارية الميتة ومسلم ٣/ ١٣٥٩/ ح١٧٣٥ في الجهاد باب تحريم الغدر.
[ ٢ / ٨٤٠ ]
الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ، إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ، وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ، لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٨-٣٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الِانْشِقَاقِ: ٦-١٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢٩] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمَا ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٣] طَائِرُهُ هُوَ مَا طَارَ عَنْهُ مِنْ عَمَلِهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَيَلْزَمُ بِهِ وَيُجَازَى عَلَيْهِ ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٣] قَالَ مَعْمَرٌ وَتَلَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] يابن آدَمَ بُسِطَتْ لَكَ صحيفتك، ووكل بك مَلَكَانِ كَرِيمَانِ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِكَ وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِكَ، فَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَمِينِكَ فَيَحْفَظُ حَسَنَاتِكَ، وَأَمَّا الَّذِي عَنْ شِمَالِكَ فَيَحْفَظُ سَيِّئَاتِكَ، فَاعْمَلْ مَا شِئْتَ أَقْلِلْ أَوْ أَكْثِرْ، حَتَّى إِذَا مُتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ فَجُعِلَتْ فِي عُنُقِكَ مَعَكَ فِي قَبْرِكَ، حَتَّى تَخْرُجَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا تَلْقَاهُ مَنْشُورًا ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ الْآيَةَ، فَقَدْ عَدَلَ وَاللَّهِ مَنْ جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ.
وَرَوَى الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧١] قَالَ: "يُدْعَى أَحَدُهُمْ فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَيُمَدُّ لَهُ فِي جِسْمِهِ وَيَبْيَضُّ وَجْهُهُ، وَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ يَتَلَأْلَأُ فَيَنْطَلِقُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَيَرَوْنَهُ مِنْ بَعِيدٍ فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ آتِنَا بِهَذَا وَبَارِكْ لَنَا فِي هَذَا فَيَأْتِيهِمْ فَيَقُولُ لَهُمْ أَبْشِرُوا فَإِنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَسْوَدُّ وَجْهُهُ وَيُمَدُّ لَهُ فِي جِسْمِهِ وَيَرَاهُ أَصْحَابُهُ فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ هَذَا أَوْ مِنْ شَرِّ هَذَا، اللَّهُمَّ لَا تَأْتِنَا بِهِ، فَيَأْتِيهِمْ فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ أَخْزِهِ فَيَقُولُ أَبْعَدَكُمُ اللَّهُ فَإِنَّ
[ ٢ / ٨٤١ ]
لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا" ١، حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَفِي السُّنَنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنها ذَكَرَتِ النَّارَ فَبَكَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا يُبْكِيكِ قَالَتْ ذكرت النار فبكيت فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ فَلَا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَوْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الْكِتَابِ حِينَ يقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٩] حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ أَفِي يَمِينِهِ أَوْ فِي شِمَالِهِ أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ" ٢.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ الْمُؤْمِنُ يُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فِي سَتْرٍ مِنَ اللَّهِ فَيَقْرَأُ سَيِّئَاتِهِ، فَكُلَّمَا قَرَأَ سَيِّئَاتِهِ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ حَتَّى يمر بحسناته فيقرأها فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ لَوْنُهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ فَإِذَا سَيِّئَاتُهُ قَدْ بُدِّلَتْ حَسَنَاتٍ، قَالَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ ٣.
وَلَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ قَالَ "إِنَّ اللَّهَ يُوقِفُ عَبْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُبْدِي -أَيْ يُظْهِرُ- سَيِّئَاتِهِ فِي ظَهْرِ صَحِيفَتِهِ فَيَقُولُ لَهُ: أَنْتَ عَمِلْتَ هَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ: أَيْ رَبِّ فَيَقُولُ لَهُ إِنِّي لَمْ أَفْضَحْكَ بِهِ وَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكَ فَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾
_________________
(١) ١ رواه الترمذي ٥/ ٣٠٢/ ح٣١٣٦ في التفسير باب من سورة بني إسرائيل وقال هذا حديث حسن غريب وابن حبان ٩/ ٢٢٢/ ح٧٣٠٥، إحسان والحاكم في المستدرك ٢/ ٢٤٣ وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي والبزار وابن أبي حاتم وابن مردويه كما في الدر المنثور ٥/ ٣١٧ قلت وفيه عبد الرحمن بن أبي كريمة والد السدي الكبير إسماعيل وهو مجهول، ولم يخرج له مسلم كما وهم الحاكم وتابعه الذهبي قال البزار لا يروى إلا من هذا الوجه ابن كثير ٣/ ٥٦. ٢ رواه أبو داود ٤/ ٢٤٠ ٢٤١/ ح٤٧٥٥ في السنة باب في ذكر الميزان وأحمد مختصرا ٦/ ١٠١ والحاكم في المستدرك ٤/ ٥٧٨ وقال هذا حديث صحيح إسناده على شرط الشيخين لولا إرسال فيه بين الحسن وعائشة، على أنه قد صحت الروايات أن الحسن كان يدخل وهو صبي منزل عائشة ﵂ وأم سلمة ووافقه الذهبي قلت هو مدلس، وقد عنعن عند الجميع. ٣ أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر والخطيب كما في الدر المنثور ٨/ ٢٧١ وابن أبي حاتم ابن كثير ٤/ ٤٤٣.
[ ٢ / ٨٤٢ ]
[الْحَاقَّةِ: ١٩] حِينَ نَجَا مِنْ فَضِيحَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ١ وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الصَّحِيحُ فِي النَّجْوَى وَفِيهِ فِي الْمُؤْمِنِ "ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ بِيَمِينِهِ وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ، أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ" ٢.
وَعَنِ ابْنِ السَّائِبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الْحَاقَةِ: ٢٥] قَالَ ابْنُ السَّائِبِ تُلْوَى يَدُهُ الْيُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَهُ وَقِيلَ تُنْزَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى مِنْ صَدْرِهِ إِلَى خَلْفِ ظَهْرِهِ ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَهُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ تُخْلَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الِانْشِقَاقِ: ١٠] قَالَ فَتُغَلُّ يَدُهُ الْيُمْنَى إِلَى عُنُقِهِ وَتُجْعَلُ يَدُهُ الشِّمَالُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَيُؤْتَى كِتَابَهُ بِشَمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٨/ ٢٧١ وابن كثير ٤/ ٤٤٣. ٢ تقدم تخريجه سابقا.
[ ٢ / ٨٤٣ ]
فَصْلٌ: فِيمَا جَاءَ فِي الْمِيزَانِ
وَالْوَزْنُ بِالْقِسْطِ فَلَا ظُلْمَ وَلَا يُؤْخَذُ عَبْدٌ بِسِوَى مَا عَمِلَا
فَبَيْنَ نَاجٍ رَاجِحٌ مِيزَانُهُ وَمَقْرِفٍ أَوْبَقَهُ عُدْوَانُهُ
وَالْوَزْنُ لِأَعْمَالِ الْعِبَادِ بِالْقِسْطِ الْعَدْلِ فَلَا ظُلْمَ عَلَى أَحَدٍ يَوْمَئِذٍ لِأَنَّ الْحَاكِمَ فِيهِ هُوَ الْعَدْلُ الْحَكِيمُ الَّذِي حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ وَجَعَلَهُ عَلَى عِبَادِهِ مُحَرَّمًا، فَلَا يُهْضَمُ أَحَدٌ مِنْ حَسَنَاتِهِ وَلَا يُؤْخَذُ عَبْدٌ بِسِوَى مَا عَمِلَا الْأَلِفُ لِلْإِطْلَاقِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧] وقال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس: ٥٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٤٧] وَقَالَ تَعَالَى عَنْ لُقْمَانَ ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لُقْمَانَ: ١٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النِّسَاءِ: ٤٠]
فَبَيْنَ نَاجٍ رَاجِحٌ مِيزَانُهُ إِلَخْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠٢] الْآيَاتِ.
[ ٢ / ٨٤٤ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [الْقَارِعَةِ: ٦-١١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٠٥]
وَفِي التِّرْمِذِيَّ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ: "أَنَا فَاعِلٌ"، يَعْنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ قَالَ: "اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ" قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ قَالَ: "فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْمِيزَانِ" قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ الْمِيزَانِ قَالَ: "فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْحَوْضِ، فَإِنِّي لَا أخطئ هذه الثلاثة الْمُوَاطِنَ" ١، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمُ، وَفِيهِ "وَعِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَثْقُلَ أَوْ يَخِفَّ" ٢ الْحَدِيثَ.
وَالْقَوْلُ فِي الْمَوْزُونِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ أَنَّهُ الْأَعْمَالُ نَفْسُهَا هِيَ الَّتِي تُوزَنُ، وَأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ تَجَسَّمُ فَتُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ.
وَيَدُلُّ لِذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي الصَّحِيحِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سبحان اللَّهِ الْعَظِيمِ" ٣.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقول: "اقرءوا
_________________
(١) ١ رواه أحمد ٣/ ١٧٨ والترمذي ٤/ ٦٢١/ ح٢٤٣٣ في صفة القيامة باب ما جاء في شأن الصراط وقال هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قلت وهو كما قال. ٢ تقدم تخريجه سابقا. ٣ رواه البخاري ١١/ ٢٠٦ في الدعوات باب فضل التسبيح ومسلم ٤/ ٢٠٧٢/ ح٢٦٩٤ في الذكر والدعاء باب فضل التهليل والتسبيح.
[ ٢ / ٨٤٥ ]
الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافٍّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ" قَالَ مُعَاوِيَةُ بَلَغَنِي أَنَّ الْبَطَلَةَ السَّحَرَةُ١، وَمُعَاوِيَةُ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ.
وَفِيهِ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْكِلَابِيِّ قال: سمعت النبي ﷺ يَقُولُ: "يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ، تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ" وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَمْثَالٍ مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ قَالَ "كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافٍّ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا" ٢ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ يجيء ثواب قراءته، كذا فسر بعض أهل العلم هذا الحديث وما يشبه هذا من الأحاديث أنه يجيء ثواب قراءة القرآن وَفِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا فَسَّرُوا، إِذْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "وَأَهْلِهِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا" فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ أَنَّهُ يَجِيءُ ثواب العمل٣ اهـ.
قُلْتُ وَلَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِ الْآتِي هُوَ الْعَمَلَ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْآتِيَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ نَفْسُهُ فَحَاشَا وَكَلَّا وَمَعَاذَ اللَّهِ لِأَنَّ كَلَامَهُ تَعَالَى صِفَتُهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، وَالَّذِي يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ هُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَعَمَلُهُ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٩٦] .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ" قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: "تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ، يُظِلَّانِ صَاحِبَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَايَتَانِ أَوْ فِرْقَانِ
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١/ ٥٥٣/ ح٨٠٤ في صلاة المسافرين باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة. ٢ رواه مسلم ١/ ٥٥٤/ ح٨٠٥ في صلاة المسافرين باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة. ٣ الترمذي ٥/ ١٦٠ ١٦١/ ح٢٨٨٣ في فضائل القرآن باب ما جاء في سورة آل عمران.
[ ٢ / ٨٤٦ ]
مِنْ طَيْرٍ صَوَافٍّ، وَإِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ فَيَقُولُ لَهُ هَلْ تَعْرِفُنِي فَيَقُولُ مَا أَعْرِفُكَ فَيَقُولُ أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ وَأَسْهَرْتُ مُقْلَتَكَ وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ من وراء تجارته، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ، فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنَ الْوَقَارِ، ويكسى والداه حلتين لَا يَقُومُ لَهُمَا أَهْلُ الدنيا فيقولان بم كُسِينَا هَذَا فَيُقَالُ بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ يُقَالُ اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا، فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ هَذَا كَانَ أَوْ تَرْتِيلًا" ١. وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَعْمَالَ هِيَ ذَاتُهَا الَّتِي تُوزَنُ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ صَحَائِفَ الْأَعْمَالِ هِيَ الَّتِي تُوزَنُ.
وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَسْتَخْلِصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مَدُّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَقُولُ أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا، أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ قَالَ لَا يَا رَبِّ قَالَ أَفَلَكَ عُذْرٌ أَوْ حَسَنَةٌ قَالَ فَبُهِتَ الرَّجُلُ فَيَقُولُ لَا يَا رَبِّ فَيَقُولُ بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً وَاحِدَةً لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَيُخْرِجُ لَهُ بِطَاقَةً فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَيَقُولُ أَحْضِرُوهُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا تَظْلِمُ قَالَ فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ قَالَ فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ قَالَ وَلَا يَثْقُلُ شَيْءٌ مَعَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" ٢ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ
_________________
(١) ١ رواه أحمد ٥/ ٣٦١ والحاكم في المستدرك شطره الثاني ١/ ١٤٠ وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وهو كما قالا. ٢ رواه أحمد ٢/ ٢١٣ والترمذي ٥/ ٢٤ ٢٥/ ح٢٦٣٩ في الإيمان باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله وقال هذا حديث حسن غريب وابن ماجه ٢/ ١٤٣٧/ ح٤٣١١ في الزهد باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة، وهو حديث صحيح.
[ ٢ / ٨٤٧ ]
وَالثَّالِثُ أَنَّ الْمَوْزُونَ ثَوَابُ الْعَمَلِ، وَهُوَ اطِّرَادُ مَا نَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي مَعْنَى حَدِيثِ النَّوَّاسِ.
الرَّابِعُ أَنَّ الْمَوْزُونَ هُوَ الْعَامِلُ نَفْسُهُ.
وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا روى أحمد عن عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ صَعِدَ شَجَرَةً يَجْتَنِي الْكَبَاثَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَعْجَبُونَ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، هُمَا فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ" ١.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحُ بعوضة وقال اقرءوا ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٠٥] " ٢، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْأَكُولِ الشَّرُوبِ الْعَظِيمِ، فَيُوزَنُ بِحَبَّةٍ فَلَا يَزِنُهَا قَالَ وَقَرَأَ ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٠٥] " رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ٣.
وَرَوَى الْبَزَّارُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَخْطِرُ فِي حُلَّةٍ لَهُ، فَلَمَّا قَامَ عَلَى النَّبِيِّ قَالَ: "يَا بُرَيْدَةُ، هَذَا مِمَّنْ لَا يُقِيمُ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا" ٤.
قُلْتُ وَالَّذِي اسْتُظْهِرَ مِنَ النُّصُوصِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ الْعَامِلَ وَعَمَلَهُ وَصَحِيفَةَ
_________________
(١) ١ رواه أحمد ١/ ١١٤ وإسناده حسن، وله شواهد من حديث ابن مسعود وقرة بن إياس وغيرهم، والكباث هو النضيج من ثمر الأراك. ٢ رواه البخاري ٨/ ٤٢٦ في تفسير سورة الكهف باب قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ ومسلم ٤/ ٢١٤٧/ ح٢٧٨٥ في صفات المنافقين باب صفة القيامة والجنة والنار. ٣ أخرجه ابن جرير ٩/ ٣٥ والبيهقي في الشعب كما في الدر المنثور ٥/ ٤٦٦ وابن أبي حاتم ابن كثير ٣/ ١١٣ وفي سنده صالح مولى التوءمة، صدوق اختلط، وتابعه عند البخاري الأعرج، فهو حديث صحيح. ٤ رواه البزار كشف الأستار ٣/ ٣٦٥. قال الهيثمي وفيه عون بن عمارة وهو ضعيف المجمع ٥/ ١٢٨ قال البزار عون لم يكن بالحافظ، ولم يتابع على هذا.
[ ٢ / ٨٤٨ ]
عَمَلِهِ كُلُّ ذَلِكَ يُوزَنُ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي فِي بَيَانِ الْقُرْآنِ قَدْ وَرَدَتْ بِكُلٍّ مِنْ ذَلِكَ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي قِصَّةِ صَاحِبِ الْبِطَاقَةِ بِلَفْظِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تُوضَعُ الْمَوَازِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُؤْتَى بِالرَّجُلِ فَيُوضَعُ فِي كِفَّةٍ وَيُوضَعُ مَا أُحْصِيَ عَلَيْهِ فَيُمَايِلُ بِهِ الْمِيزَانُ قَالَ فَيُبْعَثُ بِهِ إِلَى النَّارِ قَالَ فَإِذَا أَدْبَرَ إِذَا صَائِحٌ مِنْ عِنْدِ الرَّحْمَنِ ﷿ يَقُولُ لَا تُعَجِّلُوا فَإِنَّهُ قَدْ بَقِيَ لَهُ، فيؤتى ببطاقة فيها لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَتُوضَعُ مَعَ الرَّجُلِ فِي كِفَّةٍ حَتَّى يَمِيلَ بِهِ الْمِيزَانُ" ١ فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ يُوضَعُ هُوَ وَحَسَنَاتُهُ وَصَحِيفَتُهَا فِي كِفَّةٍ وَسَيِّئَاتُهُ مَعَ صَحِيفَتِهَا فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى، وَهَذَا غَايَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ مَا تَفَرَّقَ ذِكْرُهُ فِي سَائِرِ أَحَادِيثِ الْوَزْنِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يَكْذِبُونَنِي وَيَخُونُونَنِي وَيَعْصُونَنِي وَأَضْرِبُهُمْ وَأَشْتُمُهُمْ فَكَيْفَ أَنَا مِنْهُمْ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَحْسِبُ مَا خَانُوكَ وَعَصَوْكَ وَكَذَبُوكَ وَعِقَابُكَ إِيَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كَانَ كَفَافًا، لَا لَكَ وَلَا عَلَيْكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ دُونَ ذُنُوبِهِمْ كَانَ فَضْلًا لَكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ فَوْقَ ذُنُوبِهِمُ اقْتُصَّ لَهُمْ مِنْكَ الْفَضْلُ الَّذِي بَقِيَ قِبَلَكَ" فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَبْكِي بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ وَيَهْتِفُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "مَا لَهُ لَا يَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ " فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجِدُ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ فِرَاقِ هَؤُلَاءِ -يَعْنِي عَبِيدَهُ- إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ كُلُّهُمْ٢
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه سابقا. ٢ رواه أحمد ٦/ ٢٨٠ والترمذي ٥/ ٣٢٠/ ح٣١٦٥ في التفسير باب ومن سورة الأنبياء ﵈ وابن جرير في تهذيبه، وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان كما في الدر المنثور ٥/ ٦٣٢ قال الترمذي حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن غزوان قلت هو ثقة، والحديث صحيح.
[ ٢ / ٨٤٩ ]
فَصْلٌ: فِيمَا جَاءَ فِي الصِّرَاطِ
وَيُنْصَبُ الْجِسْرُ بِلَا امْتِرَاءِ كَمَا أَتَى فِي مُحْكَمِ الْأَنْبَاءِ
يَجُوزُهُ النَّاسُ عَلَى أَحْوَالِ بِقَدْرِ كَسْبِهِمْ مِنَ الْأَعْمَالِ
فَبَيْنَ مُجْتَازٍ إِلَى الْجِنَانِ وَمُسْرِفٍ يُكَبُّ فِي النِّيرَانِ
وَيُنْصَبُ الْجِسْرَ وَهُوَ الصِّرَاطُ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ بِلَا امْتِرَاءِ بِلَا شَكٍّ كَمَا أَتَى فِي مُحْكَمِ الْأَنْبَاءِ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ يَجُوزُهُ يَمُرُّ عَلَيْهِ النَّاسُ عَلَى أَحْوَالِ مُتَفَاوِتَةٍ بِقَدْرِ كَسْبِهِمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْأَعْمَالِ مِنْ إِحْسَانٍ أَوْ إِسَاءَةٍ أَوْ تَخْلِيطٍ فَـ هُمْ بَيْنَ مُجْتَازٍ عَلَيْهِ إِلَى الْجِنَانِ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى تَفَاوُتِ دَرَجَاتِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ فِي الْبُطْءِ وَالْإِسْرَاعِ وَمُسْرِفٍ عَلَى نَفْسِهِ يُكَبُّ فِي النِّيرَانِ فَلَا يَنْجُو، وَمِنْهُمْ مَنْ تَلْفَحُهُ وَتَمَسُّهُ النَّارُ بِقَدْرِ ذَنْبِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٧١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الْحَدِيدِ: ١٢-١٥] .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ كَثِيرِ بْنِ زِيَادٍ الْبُرْسَانِيِّ عَنْ أَبِي سُمَيَّةَ قَالَ اخْتَلَفْنَا فِي الْوُرُودِ فَقَالَ بَعْضُنَا لَا يَدْخُلُهَا مُؤْمِنٌ وَقَالَ بَعْضُنَا يَدْخُلُونَهَا جَمِيعًا ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ
[ ٢ / ٨٥٠ ]
الَّذِينَ اتَّقَوْا، فَلَقِيتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّا اخْتَلَفْنَا فِي الْوُرُودِ فَقَالَ يَرِدُونَهَا جَمِيعًا
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُرَّةَ يَدْخُلُونَهَا جَمِيعًا، وَأَهْوَى بِأُصْبُعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ وَقَالَ صُمَّتَا إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "لَا يَبْقَى بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ إِلَّا دَخَلَهَا، فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِ بَرْدًا وَسَلَامًا كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، حَتَّى إِنَّ لِلنَّارِ ضَجِيجًا مَنْ بَرْدِهِمْ، ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَيَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا" ١.
وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ قَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ بَعْدَمَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ أَلَمْ يَعِدْنَا رَبُّنَا الْوُرُودَ عَلَى النَّارِ قَالَ قَدْ مَرَرْتُمْ عَلَيْهَا وَهِيَ خَامِدَةٌ٢.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ قَيْسِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَاضِعًا رَأْسَهُ فِي حِجْرِ امْرَأَتِهِ فَبَكَى فَبَكَتِ امْرَأَتُهُ، فَقَالَ مَا يُبْكِيكِ قَالَتْ رَأَيْتُكَ تَبْكِي فَبَكَيْتُ، قَالَ إِنِّي ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ ﷿ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فَلَا أَدْرِي أَأَنْجُو مِنْهَا أَمْ لَا٣.
وَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ مُخَاصَمَتِهِ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْوُرُودُ الدُّخُولُ فَقَالَ نَافِعٌ لَا، فَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٨] أَوَرَدُوهَا أَمْ لَا وَقَالَ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هُودٍ: ٩٨] أَوَرَدُوهَا أَمْ لَا أَمَّا أَنَا وَأَنْتَ فَسَنَدْخُلُهَا فَانْظُرْ هَلْ نَخْرُجُ مِنْهَا أَمْ لَا، وَمَا أَرَى اللَّهَ تَعَالَى مُخْرِجَكَ مِنْهَا بِتَكْذِيبِكَ، فَضَحِكَ نَافِعٌ٤.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَتَاهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو
_________________
(١) ١ رواه أحمد ٣/ ٣٢٨ ٣٢٩ ورجاله ثقات غير أبي سمية، قال الحافظ مقبول. ولذلك قال ابن كثير غريب ولم يخرجوه. ٢ الحسن بن عرفة ابن كثير ٣/ ١٣٢ وابن جرير ١٦/ ١٠٩. ٣ عبد الرزاق في مصنفه، ورجاله ثقات. ٤ أخرجه عبد الرزاق وابن جرير ١٦/ ١٠٨ ١٠٩ وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث وفيه رجل مبهم، ويشهد له الذي بعده.
[ ٢ / ٨٥١ ]
رَاشِدٍ وَهُوَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ فقال له يابن عَبَّاسٍ أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٧١] قَالَ أَمَّا أَنَا وَأَنْتَ يَا أَبَا رَاشِدٍ فَسَنَرِدُهَا، فَانْظُرْ هَلْ نُصْدِرُ عَنْهَا أَمْ لَا١ وَعَنْهُ ﵁ فِي ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مَرْيَمَ: ٧١] قَالَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِفِرْعَوْنَ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هُودٍ: ٩٨] الْآيَةَ ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٦] فَسَمَّى الْوُرُودَ عَلَى النَّارِ دُخُولًا، وَلَيْسَ بِصَادِرٍ٢.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مَرْيَمَ: ٧١] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَرِدُ النَّاسُ كُلُّهُمْ ثُمَّ يُصْدِرُونَ عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ" ٣ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ هَكَذَا مَرْفُوعًا وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ مَوْقُوفًا قَالَ: "يَرِدُ النَّاسُ جَمِيعًا الصِّرَاطَ، وُرُودُهُمْ قِيَامُهُمْ حَوْلَ النَّارِ ثُمَّ يُصْدِرُونَ عَنِ الصِّرَاطِ بِأَعْمَالِهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ مِثْلَ الْبَرْقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ مِثْلَ الرِّيحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ مِثْلَ الطَّيْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَأَجْوَدِ الْخَيْلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَأَجْوَدِ الْإِبِلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَعَدْوِ الرَّجُلِ حَتَّى إِنَّ آخِرَهُمْ مَرًّا رَجُلٌ نُورُهُ عَلَى مَوْضِعِ إِبْهَامَيْ قَدَمَيْهِ يَمُرُّ فَيَتَكَفَّأُ بِهِ الصِّرَاطُ، وَالصِّرَاطُ دَحْضٌ مَزِلَّةٌ عَلَيْهِ حَسَكٌ كَحَسَكِ الْقَتَادِ، حَافَّتَاهُ مَلَائِكَةٌ مَعَهُمْ كَلَالِيبُ مِنْ نَارٍ يَخْتَطِفُونَ بِهَا النَّاسَ" ٤ الْحَدِيثَ.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ فِي ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مَرْيَمَ: ٧١] قَالَ: "الصِّرَاطُ عَلَى جَهَنَّمَ مِثْلَ حَدِّ السَّيْفِ، فَتَمُرُّ الطَّبَقَةُ الْأُولَى كَالْبَرْقِ وَالثَّانِيَةُ كَالرِّيحِ وَالثَّالِثَةُ
_________________
(١) ١ ابن جرير ١٦/ ١١١. ٢ ابن جرير ٩/ ١٠٨ ١٠٩ وأخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٥/ ٥٣٥ وإسناده مسلسل بالضعفاء. ٣ رواه أحمد ١/ ٤٣٥ والترمذي ٥/ ٣١٧/ ح٣١٥٩ في التفسير باب ومن سورة مريم وقال هذا حديث حسن وابن جرير ١٦/ ١١١ وفي سنده إسماعيل السدي، قال شعبة وقد سمعته من السدي مرفوعا، ولكني عمدا أدعه. ٤ أخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير ٣/ ١٣٩ وقد تقدم ذكر شعبة في هذا، والسدي له أوهام.
[ ٢ / ٨٥٢ ]
كَأَجْوَدِ الْخَيْلِ وَالرَّابِعَةُ كَأَجْوَدِ الْبَهَائِمِ، ثُمَّ يَمُرُّونَ وَالْمَلَائِكَةُ يَقُولُونَ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سِلِّمْ" ١.
وَقَالَ قَتَادَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مَرْيَمَ: ٧١] قَالَ: "هُوَ الْمَمَرُّ عَلَيْهَا" ٢ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وُرُودُ الْمُسْلِمِينَ الْمُرُورُ عَلَى الْجِسْرِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهَا، وَوُرُودُ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَدْخُلُوهَا٣.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ" ٤ قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَأَنَّهُ يُرِيدُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٧١] قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَسَمًا وَاجِبًا، وَفِيهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَيْضًا مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي الرُّؤْيَةِ وَالشَّفَاعَةِ، وَفِيهِ: "وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُهَا، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلَ شَوْكِ السَّعْدَانِ هَلْ رَأَيْتُمُ السَّعْدَانَ -قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا قَدْرُ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ ﷿، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ فَمِنْهُمُ الْمُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَالْمُوثَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمُ الْمُخَرْدَلُ أَوِ الْمُجَازَى أَوْ نَحْوُهُ" ٥ الْحَدِيثَ.
وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ مِنْ حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي ذَلِكَ مَرْفُوعًا وَفِيهِ: "ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجِسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ" قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْجِسْرُ قَالَ: "مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا
_________________
(١) ١ أخرجه ابن جرير ١٦/ ١١٠ قال ابن كثير ولهذا شواهد في الصحيحين وغيرهما من رواية أنس وأبي سعيد وأبي هريرة وجابر وغيرهم من الصحابة ﵃ ٣/ ١٣٩ ١٤٠. ٢ أخرجه ابن جرير ٩/ ١١٠. ٣ أخرجه ابن جرير ٩/ ١١١ قلت وهذا أقرب الأقوال إلى الصحة، وله تشهد النصوص والدلائل. ٤ رواه البخاري ٣/ ١١٨ في الجنائز باب فضل من مات له فاحتسب ومسلم ٤/ ٢٠٢٨/ ح٢٦٣٢ في البر والصلة باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه. ٥ رواه البخاري ١٣/ ٤١٩ ٤٢٠ في التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ومسلم ١/ ١٦٣-١٦٦/ ح١٨٢ في الإيمان باب معرفة طريق الرؤية.
[ ٢ / ٨٥٣ ]
شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ تَكُونُ بِنَجْدٍ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ، يَمُرُّ الْمُؤَمَّنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا" ١ الْحَدِيثَ.
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ "آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فَهُوَ يَمْشِي مَرَّةً وَيَكْبُو مَرَّةً وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا فَقَالَ تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ" الْحَدِيثَ وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ "رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا" ٢.
وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحُذَيْفَةَ ﵄ فِي حَدِيثِ اسْتِفْتَاحِ الْجَنَّةِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- مُطَوَّلًا، وَفِيهِ: "وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ قَالَ قُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ قال: ألم ترو إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ وَتَشُدُّ الرِّجَالُ تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ قَالَ: وَنَبِيُّكُمْ -ﷺ- قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زِحَافًا قَالَ وَفِي حَافَّتَيِ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ إِنَّ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا" ٣ وَفِيهِ أَيْضًا فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَقَدِّمِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ٤ وَفِيهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَسْأَلُ عَنِ الْوُرُودِ الْحَدِيثَ٥ وَفِيهِ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ، قَالَ فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَتَّبِعُونَهُ وَيُعْطِي كُلَّ إِنْسَانٍ -مُنَافِقٍ
_________________
(١) ١ رواه البخاري ١٣/ ٤١٩ ٤٢٠ في التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ومسلم ١/ ١٦٧-١٧١/ ح١٨٣ في الإيمان باب معرفة طريق الرؤية. ٢ رواه مسلم ١/ ١٧٢-١٧٥/ ح١٨٧ في الإيمان باب آخر أهل النار خروجا. ٣ رواه مسلم ١/ ١٨٦ ١٨٧/ ح١٩٥ في الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلا. ٤ تقدم تخريجه. ٥ تقدم.
[ ٢ / ٨٥٤ ]
أَوْ مُؤْمِنٍ- نُورًا ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ وَعَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ وَحَسَكٌ تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ يُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ ثُمَّ ينجو المؤمنون فتنجون، أَوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ سَبْعُونَ أَلْفًا لَا يُحَاسَبُونَ" ١ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الْحَدِيدِ: ١٢] قَالَ "عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ يَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ مِنْهُمْ مَنْ نُورُهُ مِثْلُ الْجَبَلِ وَمِنْهُمْ مَنْ نُورُهُ مِثْلُ النَّخْلَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ نُورُهُ مِثْلُ الرَّجُلِ الْقَائِمِ وَأَدْنَاهُمْ نُورًا مَنْ نُورُهُ فِي إِبْهَامِهِ يَتَّقِدُ مَرَّةً وَيُطْفَأُ مَرَّةً" ٢، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ قَتَادَةُ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يُضِيءُ نُورُهُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى عَدَنَ أَبْيَنَ وَصَنْعَاءَ فَدُونَ ذَلِكَ، حَتَّى إِنَّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يُضِيءُ نُورُهُ مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ"٣.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَدْعُو النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِهِمْ سَتْرًا مِنْهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَأَمَّا عِنْدَ الصِّرَاطِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي كُلَّ مُؤْمِنٍ نُورًا وَكُلَّ مُنَافِقٍ نُورًا، فَإِذَا اسْتَوَوْا عَلَى الصِّرَاطِ سَلَبَ اللَّهُ تَعَالَى نُورَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ، وَقَالَ الْمُؤْمِنُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا فَلَا يَذْكُرُ عِنْدَ ذَلِكَ أَحَدٌ أَحَدًا" ٤.
قُلْتُ وَذَلِكَ مِنْ تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا
_________________
(١) ١ مسلم ١/ ١٧٧/ ح١٩١ في الإيمان باب معرفة أدنى أهل الجنة منزلة فيها. ٢ ابن جرير ٢٧/ ٢٢٣ والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٧٨ وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه كما في الدر المنثور ٨/ ٥٢ قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه قال الذهبي على شرط البخاري. ٣ أخرجه ابن جرير ٢٧/ ٢٢٢ وعبد بن حميد وابن المنذر كما في الدر المنثور ٨/ ٥٢ وإسناده منقطع ومعناه يشهد له ما تقدم. ٤ أخرجه الطبراني في الكبير ١١/ ١٢٢/ ح١١٢٤٢ وأخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور ٨/ ٥٣ وإسناده موضوع، فيه إسحاق بن بشر وهو وضاع.
[ ٢ / ٨٥٥ ]
إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨] وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي ذَرٍّ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالسُّجُودِ، وَأَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ بِرَفْعِ رَأْسِهِ، فَأَنْظُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي فَأَعْرِفُ أُمَّتِي مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ" فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا نَبِيَّ اللَّهِ: كَيْفَ تَعْرِفُ أُمَّتَكَ مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ مَا بَيْنَ نُوحٍ إِلَى أُمَّتِكَ، فَقَالَ: "أَعْرِفُهُمْ، مُحَجَّلُونَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ غَيْرِهِمْ، وَأَعْرِفُهُمْ يُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَأَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ فِي وَجُوهِهِمْ، وَأَعْرِفُهُمْ بِنُورِهِمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ" ١، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا يُعْطَى نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا انْتَهَوْا إِلَى الصِّرَاطِ طُفِئَ نُورُ الْمُنَافِقِينَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ أَشْفَقُوا أَنْ يُطْفَأَ نُورُهُمْ كَمَا طُفِئَ نُورُ الْمُنَافِقِينَ فَقَالُوا: رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَقَالَ الْحَسَنُ ﵀: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الْحَدِيدِ: ١٢] قَالَ على الصراط اهـ.
وَقَدْ أَنْكَرَ الصِّرَاطَ وَالْمُرُورَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْبِدْعَةِ وَالْهَوَى مِنَ الْخَوَارِجِ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَتَأَوَّلُوا الْوُرُودَ بِرُؤْيَةِ النَّارِ لَا أَنَّهُ الدُّخُولُ وَالْمُرُورُ عَلَى ظَهْرِهَا وَذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ مَنْ دَخَلَ النَّارَ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَلَوْ بِالْإِصْرَارِ عَلَى صَغِيرَةٍ فَخَالَفُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ وَرَدُّوا الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الْوُرُودِ وَالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ وَالشَّفَاعَةِ؛ وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِيمَا رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ مَارَى ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فِي الْوُرُودِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ هُوَ الدُّخُولُ وَقَالَ نَافِعٌ لَيْسَ الْوُرُودُ الدُّخُولَ، فَتَلَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٨] أَدَخَلَهَا هَؤُلَاءِ أَمْ لَا ثُمَّ قَالَ يَا نَافِعُ أَمَا وَاللَّهِ أَنْتَ وَأَنَا سَنَرِدُهَا، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَنِي اللَّهُ مِنْهَا، وَمَا أَرَى اللَّهُ ﷿ أَنْ يُخْرِجَكَ مِنْهَا بِتَكْذِيبِكَ٢.
_________________
(١) ١ أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٧٨ وأخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه كما في الدر المنثور ٨/ ٥٢ وهو حديث صحيح في سند الحاكم عبد الله بن صالح كاتب الليث، تابعه عند ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير ٤/ ٣٣٠ ابن أخي ابن وهب. ٢ تقدم ذكره سابقا، وتمامه فضحك نافع أي استهزاء.
[ ٢ / ٨٥٦ ]
فَصْلٌ: فِيمَا وَرَدَ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ
وَالنَّارُ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَهُمَا مَوْجُودَتَانِ لَا فَنَاءَ لَهُمَا
أَيْ وَمِنَ الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الْإِيمَانُ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالْبَحْثُ فِيهِ يَنْحَصِرُ فِي ثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
الْأَوَّلُ كَوْنُهُمَا حَقًّا لَا رَيْبَ فِيهِمَا وَلَا شَكَّ، وَأَنَّ النَّارَ دَارُ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَالْجَنَّةَ دَارُ أَوْلِيَائِهِ.
وَهَذَا هُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِنَا حَقٌّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦-٨] الْآيَاتِ
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥] الْآيَةَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ: عِمْرَانَ ١٣١-١٣٣] الْآيَاتِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا
[ ٢ / ٨٥٧ ]
أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٥-٥٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ، أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يُونُسَ: ٧ ٨] وَقَالَ تَعَالَى: فِي أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا، أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٢٠-١٢٢] وَقَالَ تَعَالَى: لِإِبْلِيسَ ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ، لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الْحِجْرِ: ٤٢-٤٦] الْآيَاتِ.
وَغَيْرُهَا كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ شَهِيرَةٌ، كُلَّمَا يَذْكُرُ الْجَنَّةَ عَطَفَ عَلَيْهَا بِذِكْرِ النَّارِ وَكُلَّمَا يَذْكُرُ أَهْلَ النَّارِ عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَتَارَةً يَعِدُ وَيَتَوَعَّدُ، وَتَارَةً يُخْبِرُ عَمَّا أَعَدَّ فِي الْجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ لِأَوْلِيَائِهِ وَيُخْبِرُ عَمَّا أَرْصَدُ فِي النَّارِ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ لِأَعْدَائِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَمَنْ رَامَ اسْتِقْصَاءَهُ فَلْيَقْرَأِ الْقُرْآنَ مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ بِتَدَبُّرٍ وَقَلْبٍ شَهِيدٍ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ حَدَّثَنِي جَنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ عَنْ عُبَادَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٍ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حُقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ" زَادَ فِي رِوَايَةٍ "مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ أَيُّهَا شَاءَ" ١ وَوَافَقَهُ عَلَى إِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ
_________________
(١) ١ رواه البخاري ٦/ ٤٧٤ في الأنبياء باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ ومسلم ١/ ٥٧/ ح٢٨ في الإيمان باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة.
[ ٢ / ٨٥٨ ]
وَلَهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ الْحَقُّ وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ وَقَوْلُكَ حَقٌّ وَالْجَنَّةُ حُقٌّ وَالنَّارُ حَقُّ وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ وَمُحَمَّدٌ -ﷺ- حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَوْ لَا إِلَهَ غَيْرُكُ زَادَ فِي رِوَايَةٍ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ" ١ هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ التَّهَجُّدِ.
وَقَدْ رَوَيَاهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ، وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَنَ الشَّهَادَةَ بِحَقِّيَّةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مَعَ الشَّهَادَةِ بِحَقِّيَّةِ اللَّهِ وَحَقِّيَّةِ رُسُلِهِ ﵈ وَحَقِّيَّةِ وَعْدِهِ الصَّادِقِ وَهُمَا أَيِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ مِنْ وَعْدِهِ الصَّادِقِ الَّذِي أَقْسَمَ عَلَى صِدْقِهِ وَحَقِّيَّتِهِ ووقوعه في غيرما مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ هَذَا أَنَّهُ ﷺ عَلَّقَ دُخُولَ الْجَنَّةِ وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ بِالتَّصْدِيقِ بِهِمَا وَالشَّهَادَةِ بِذَلِكَ وَلِهَذَا يَقُولُ اللَّهُ ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَهْلِ النَّارِ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [يس: ٦٣ ٦٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ [الطُّورِ: ١٣-١٥] الْآيَاتِ وَغَيْرَهَا وَتَقَدَّمَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ جِبْرِيلَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ قَالَ فَحَدِّثْنِي مَا الْإِيمَانُ قَالَ "الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ، وَتُؤْمِنَ بِالْمَوْتِ وَبِالْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَتُؤْمِنَ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْحِسَابِ وَالْمِيزَانِ" ٢ الْحَدِيثَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ
_________________
(١) ١ رواه البخاري ٣/ ٣ في التهجد باب التهجد بالليل وفي الدعوات وفي التوحيد ومسلم ١/ ٥٣٢/ ح٧٦٩ في صلاة المسافرين باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه ٢ تقدم تخريجه
[ ٢ / ٨٥٩ ]
الْبَحْثُ الثَّانِي اعْتِقَادُ وَجُودِهِمَا الْآنَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجَنَّةِ ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النَّجْمِ: ١٤ ١٥] وَغَيْرُهَا مِنَ الْآيَاتِ يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهَا مُعَدَّةٌ قَدْ أُوجِدَتْ، وَأَنَّهَا مَخْفِيَّةٌ لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى مُدَّخَرَةٌ لَهُمْ، وَأَنَّهَا فِي السَّمَاءِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهَا لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَرَآهَا وَقَالَ تَعَالَى: فِي النَّارِ ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ وَقَالَ ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾ فَهِيَ أَيْضًا مُعَدَّةٌ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، مُرْصَدَةٌ لَهُمْ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْهِ مَقْعَدَهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ" ١ وَحَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ" ٢ وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذْ قَالَ: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ فَقُلْتُ لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ فَقَالُوا: لَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا فَبَكَى عمر وقال عليك أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ" ٣ وَحَدِيثَهُ رَضِيَ اللَّهُ
_________________
(١) ١ رواه البخاري ٦/ ٣١٧ في بدء الخلق باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، وفي الجنائز وفي الرقاق ومسلم ٤/ ٢١٩٩/ ح٢٨٦٦ في الجنة وصفة نعيمها باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه ٢ رواه البخاري ١١/ ٢٧٣ في الرقاق باب فضل الفقر وباب صفة الجنة والنار وفي بدء الخلق وفي النكاح ومسلم ٤/ ٢٠٩٦/ ح٢٧٣٧ في الذكر والدعاء باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء ٣ رواه البخاري ٩/ ٣٢٠ في النكاح باب الغيرة وفي بدء الخلق وفي فضائل أصحاب النبي ﷺ والتعبير، ومسلم ٤/ ١٨٦٣/ ح٢٣٩٥ في فضائل الصحابة باب فضائل عمر ﵁.
[ ٢ / ٨٦٠ ]
عَنْهُ أَيْضًا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ " ١.
ثُمَّ سَاقَ الْأَحَادِيثَ فِي صِفَتِهَا ثُمَّ قَالَ بَابُ صِفَةِ النَّارِ وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي سَعِيدٍ ﵄ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ" ٢ وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفْسَيْنِ نَفْسٌ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفْسٌ فِي الصَّيْفِ، فَأَشُدُّ مَا تَجِدُونَ فِي الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ" ٣ وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ" ٤ وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ" قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً قَالَ: "فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا" ٥ وَفِيهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي الْمِعْرَاجِ ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا حَبَائِلُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ٦
_________________
(١) ١ رواه البخاري ١٣/ ٤٦٥ في التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ وفي بدء الخلق وفي التفسير ومسلم ٤/ ٢١٧٤/ ح٢٨٢٤ في الجنة وصفة نعيمها في فاتحته. ٢ البخاري ٦/ ٣٢٩ في بدء الخلق باب صفة النار وأنها مخلوقة. ٣ البخاري ٦/ ٣٣٠ في بدء الخلق باب صفة النار وأنها مخلوقة. ٤ البخاري ٦/ ٣٣٠ في بدء الخلق باب صفة النار وأنها مخلوقة. ٥ البخاري ٦/ ٣٣٠ في بدء الخلق باب صفة النار وأنها مخلوقة. ٦ رواه البخاري ١/ ٤٥٨ ٤٥٩ في الصلاة باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء وفي التوحيد وفي الأنبياء ومسلم ١/ ١٤٥-١٤٧/ ح١٦٢ في الإيمان باب الإسراء برسول الله -ﷺ- إلى السماوات، وفرض الصلوات
[ ٢ / ٨٦١ ]
وَفِيهِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ فِي ذَلِكَ وَفِيهِ: "ثُمَّ رُفِعَتْ إِلَيَّ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى فَإِذَا نُبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ، وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ" قَالَ: هَذِهِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، وَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ فَقُلْتُ: "مَا هَذَانِ يَا جِبْرِيلُ" قَالَ: "أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ" ١ الْحَدِيثَ.
وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَخُطْبَتِهِ -ﷺ- فِيهَا وَأَنَّهُ عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ وَأَنَّهُ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنَ الْجَنَّةِ عُنْقُودًا فَقَصُرَتْ يَدُهُ عَنْهُ، وَأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ لَأَكَلُوا مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَأَنَّهُ رَأَى النَّارَ، وَرَأَى فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ الَّذِي كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ، وَرَأَى فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قَصَبَهُ فِي النَّارِ، وَرَأَى الْمَرْأَةَ التي تعذب في هِرَّةً حَبَسَتْهَا، وَقَالَ ﷺ: "لَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ أَفْظَعَ" ٢.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالسُّنَنِ وَالْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَرْسَلَ جِبْرَائِيلَ إِلَى الْجَنَّةِ، فَقَالَ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا فَرَجَعَ فَقَالَ وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا، فَأَمَرَ بِالْجَنَّةِ فَحُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، فَقَالَ ارْجِعْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا قَالَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ قَالَ ثُمَّ أَرْسَلَهُ إِلَى النَّارِ قَالَ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، قَالَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ وَعِزَّتِكَ لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ سَمِعَ بِهَا فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ ثُمَّ قَالَ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَرَجَعَ فَقَالَ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشَيْتُ أَنْ لَا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا" ٣.
_________________
(١) ١ رواه البخاري ٦/ ٣٠٢ ٣٠٣ في بدء الخلق باب ذكر الملائكة ومسلم ١/ ١٤٥-١٤٧/ ح١٦٢ في الإيمان باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات، وفرض الصلوات. ٢ تقدم تخريجه سابقا. ٣ تقدم تخريجه سابقا.
[ ٢ / ٨٦٢ ]
دوامهما وبقاؤهما بإبقاء الله لهما
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَحْوَالِ الْبَرْزَخِ ذكر الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَرُؤْيَةِ كُلِّ مَنْزِلَةٍ فِيهَا وَعَرْضِ مَقْعَدِهِ عَلَيْهِ وفتح باب أحدهما إِلَيْهِ وَأَنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي عِلِّيِّينَ وَأَرْوَاحَ الْفُجَّارِ فِي سِجِّينٍ وَغَيْرِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْآيَاتِ الصَّرِيحَةِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مَا لَا يُحْصَى، وَإِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِنَا مَوْجُودَتَانِ.
الْبَحْثُ الثَّالِثُ فِي دَوَامِهِمَا وَبَقَائِهِمَا بِإِبْقَاءِ اللَّهِ لَهُمَا وَأَنَّهُمَا لَا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلَا يَفْنَى مَنْ فِيهِمَا:
وَإِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِنَا لَا فَنَاءَ لَهُمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجَنَّةِ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الْحِجْرِ: ٤٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هُودٍ: ١٠٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدُّخَانِ: ٥١-٥٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٣٣] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى بِأَبَدِيَّتِهَا بِقَوْلِهِ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤] وَأَبَدِيَّةِ حَيَاةِ أَهْلِهَا بِقَوْلِهِ: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدُّخَانِ: ٥٦] وَعَدَمِ انْقِطَاعِهَا عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] وَبِعَدَمِ خُرُوجِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الْحِجْرِ: ٤٨] وَكَذَلِكَ النَّارُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٦٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٦٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ
[ ٢ / ٨٦٣ ]
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (الْجِنِّ: ٢٣) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٦٥ ٦٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٦٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٦٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٤-٧٧] الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فَاطِرٍ: ٣٦ ٣٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠٦-١٠٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ [الشُّورَى: ٤٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [الْأَعْلَى: ١٠-١٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النَّبَأِ: ٢٣-٣٠] وَغَيْرُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، فَأَخْبَرَنَا تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَاتِ وَأَمْثَالِهَا أَنَّ أَهْلَ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا خُلِقَتْ لَهُمْ وَخُلِقُوا لَهَا وَأَنَّهُمْ خَالِدُونَ فِيهَا أَبَدَ الْآبِدِينَ وَدَهْرَ الدَّاهِرِينَ، لَا فِكَاكَ لَهُمْ مِنْهَا وَلَا خَلَاصَ، وَلَاتَ حِينَ مَنَاصِ فَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ أَبَدِيَّتِهِمْ فِيهَا بِقَوْلِهِ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ وَنَفَى تَعَالَى خُرُوجَهُمْ مِنْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٦٧] وَنَفَى تَعَالَى انْقِطَاعَهَا عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ ﷿ ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فَاطِرٍ: ٣٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٥] ونفى فناءهم فيما بعد بِقَوْلِهِ
[ ٢ / ٨٦٤ ]
حديث يؤتى بالموت يوم القيامة كهيئة كبش أملح فيذبح
﷿: (ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا) (الْأَعْلَى: ١٣) وَقَوْلِهِ: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) [النِّسَاءِ: ٥٦]
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٩] حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ ثُمَّ يُنَادِي يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٩] وَهَؤُلَاءِ فِي غَفْلَةِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَهُمْ لَا يُؤَمِّنُونَ" ١ وَوَافَقَهُ عَلَى إِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا.
وَأَخْرَجَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ، جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ثُمَّ يُذْبَحُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ، فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ" ٢.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُدْخِلُ اللَّهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ فَيَقُولُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ، كُلٌّ خَالِدٌ فِيمَا هُوَ
_________________
(١) ١ رواه البخاري ٨/ ٤٢٨ في تفسير سورة مريم باب قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ ومسلم ٤/ ٢١٨٨/ ح٢٨٤٩ في الجنة باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء. ٢ رواه البخاري ١١/ ٤١٥ في الرقاق باب صفة الجنة والنار وباب يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب ومسلم ٤/ ٢١٨٩/ ح٢٨٥٠ في الجنة باب النار يدخلها الجبارون.
[ ٢ / ٨٦٥ ]
فِيهِ"١. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ دُونَ قَوْلِهِ كُلٌّ خَالِدٌ إِلَخْ. وَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله نه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ: "يُقَالُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ وَلِأَهْلِ النَّارِ يَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ" ٢.
وَقَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيِّ حَدَّثَنَا بِشْرٌ يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ قَالَ رسول الله صلى الله عليه: "أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يُحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ -أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ- فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا أَذِنَ بِالشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحَبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ" فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ كَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ كَانَ بِالْبَادِيَةِ"٣، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ طُرُقٍ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ نَحْوَ هَذَا اللَّفْظِ، وَفِي الْبَابِ آيَاتٌ وَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا وَفِي هَذَا الْقَدْرِ كِفَايَةٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[إِخْرَاجُ: عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ]:
نَعَمْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّرِيحَةُ بِإِخْرَاجِ عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ الَّذِينَ تَمَسُّهُمُ النَّارُ بِقَدْرِ جِنَايَتِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْهَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ بِشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَرِيبًا، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ الْعُصَاةَ يُسْكِنُونَ الطَّبَقَةَ الْعُلْيَا مِنَ النَّارِ عَلَى تَفَاوُتِهِمْ فِي مِقْدَارِ مَا تَأْخُذُ مِنْهُمْ وَجَاءَ فِيهَا آثَارٌ أَنَّ هَذِهِ الطَّبَقَةَ تَفْنَى بَعْدَهُمْ إِذَا أُخْرِجُوا مِنْهَا وَأُدْخِلُوا الْجَنَّةَ وَأَنَّهَا لَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ وَهِيَ تُصَفِّقُ فِي أَبْوَابِهَا لَيْسَ بِهَا أَحَدٌ٤، وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ الِاسْتِثْنَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا
_________________
(١) ١ مسلم ٤/ ٢١٨٩/ ح٢٨٥٠ في الجنة باب النار يدخلها الجبارون، والبخاري ١١/ ٤١٥ في الرقاق باب صفة الجنة والنار ٢ البخاري ١١/ ٤٠٦ في الرقاق باب يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب ٣ رواه مسلم ١/ ١٧٢/ ح١٨٥ في الإيمان باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار، وأحمد ٣/ ٥ و١١ ٤ حديث ليأتين على جهنم يوم تصفق أبوابها ما فيها من أمة محمد أحد رواه ابن عدي في الكامل للضعفاء ٥/ ١٨٦٣ بإسناد موضوع فيه العلاء بن زيد وهو وضاع وله شاهد مثله من حديث أبي أمامة ذكره ابن الجوزي في الموضوعات ٣/ ٢٦٨ فالحديث موضوع باطل.
[ ٢ / ٨٦٦ ]
شَاءَ رَبُّكَ﴾ الْآيَةَ. وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنْ آثَارِ الصَّحَابَةِ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْوَابِلُ الصَّيِّبُ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَمَّا كَانَ النَّاسُ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ طَيِّبٌ لَا يَشُوبُهُ خَبَثٌ وَخَبِيثٌ لَا طِيبَ فِيهِ، وَآخَرُونَ فِيهِمْ خَبَثٌ وَطِيبٌ، كانت دورهم ثلاثا دَارُ الطَّيِّبِ الْمَحْضِ وَدَارُ الْخَبِيثِ الْمَحْضِ -وَهَاتَانِ الدَّارَانِ لَا تَفْنَيَانِ- وَدَارٌ لِمَنْ مَعَهُ خَبَثٌ وَطِيبٌ وَهِيَ الدَّارُ الَّتِي تَفْنَى وَهِيَ دَارُ الْعُصَاةِ، فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى فِي جَهَنَّمَ مِنْ عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ أَحَدٌ، فَإِنَّهُمْ إِذَا عُذِّبُوا بِقَدْرِ جَزَائِهِمْ أُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ فَأُدْخِلُوا الْجَنَّةَ وَلَا يَبْقَى إِلَّا دَارُ الطَّيِّبِ الْمَحْضِ وَدَارُ الْخَبِيثِ الْمَحْضِ١ انْتَهَى كَلَامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
فَصْلٌ: [مَا قَالَتْهُ الْيَهُودُ فِي النَّارِ]
قَالَتِ الْيَهُودُ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ إِنَّ النَّارَ يَدْخُلُهَا قَوْمٌ مِنَ الْكُفَّارِ وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا بَعْدَ أَيَّامٍ ثُمَّ يَخْلِفُهُمْ آخَرُونَ كَمَا قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَنْهُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، إِذْ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [الْبَقَرَةِ: ٨٠] ثُمَّ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٨٠-٨٢] وَقَالَ تَعَالَى: فِي آلِ عِمْرَانَ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ فَكَيْفَ إِذَا
_________________
(١) ١ الوابل الصيب ص٢٦ وأما خروج الموحدين من النار فهو قول أهل السنة والجماعة بآيات وأحاديث عدة مشهورة، وابن القيم ﵀ وشيخه ابن تيمية لهما قول في فناء النار وقيل إن أقوالهما قد تضاربت واختلفت والنص هذا في الوابل منها انظر رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار للأمير الصنعاني، بتحقيق الشيخ الألباني ففيها الغنية لك.
[ ٢ / ٨٦٧ ]
جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (آلِ عِمْرَانَ: ٢٤ - ٢٥) وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اجْمَعُوا لِي من كان ههنا مَنْ الْيَهُودِ" فَجَمَعُوا لَهُ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ" فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أَبُوكُمْ" قَالُوا أَبُونَا فُلَانٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ" فَقَالُوا: صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ فَقَالَ ﷺ: "هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ" فَقَالُوا نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَذَّبْنَاكَ عَرَفْتَ كِذْبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ لِأَبِينَا، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أَهْلُ النَّارِ" فَقَالُوا نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَنَا فِيهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اخْسَئُوا فِيهَا وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا" ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: "فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ" قَالُوا: نَعَمْ فَقَالَ: "هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا" فَقَالُوا: نَعَمْ فَقَالَ: "مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ" فَقَالُوا أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَذَّابًا نَسْتَرِيحُ مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ١.
وَقَالَ ابْنُ عَرَبِيٍّ إمام الاتحادية محيي الزَّنْدَقَةِ وَالْإِلْحَادِ فِي آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّ أَهْلَهَا يُعَذَّبُونَ فِيهَا ثُمَّ تَنْقَلِبُ طَبِيعَتُهُمْ وَتَبْقَى طَبِيعَةُ النَّارِيَّةِ يَتَلَذَّذُونَ بِهَا لِمُوَافَقَتِهَا طَبْعَهُمْ٢.
وَقَالَ الْجَهْمُ وَشِيعَتُهُ إِنَّ الْجَنَّةَ والنار تفنيان كلتاهما لِأَنَّهُمَا حَادِثَتَانِ، وَمَا ثَبَتَ حُدُوثُهُ اسْتَحَالَ بَقَاؤُهُ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ الْفَاسِدِ فِي مَنْعِ تَسَلْسُلِ الْحَوَادِثِ وَبَقَائِهَا بِإِبْقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا.
وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ والقدرية، لم تكونا الْآنَ مَوْجُودَتَيْنِ بَلْ يُنْشِئُهُمَا اللَّهُ
_________________
(١) ١ رواه البخاري ٦/ ٢٧٢ في الجزية باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم ٢ ذكر ذلك في كتابه الهالك فصوص الحكم في نهاية فص حكمة علية في كلمة إسماعيلية ص٩٤
[ ٢ / ٨٦٨ ]
أبيات من نونية ابن القيم عن عقيدة جهم في النار
تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَحَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَصْلُهُمُ الْفَاسِدُ الَّذِي وَضَعُوا بِهِ شَرِيعَةً لِمَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ كَذَا وَلَا يَنْبَغِيَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا، قِيَاسًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ فِي أَفْعَالِهِمْ، فَهُمْ مُشَبِّهَةٌ فِي الْأَفْعَالِ، وَدَخَلَ التَّجْسِيمُ فِيهِمْ فَصَارُوا مَعَ ذَلِكَ مُعَطِّلَةً وَقَالُوا خَلْقُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ قَبْلَ الْجَزَاءِ عَبَثٌ لِأَنَّهَا تَصِيرُ مُعَطَّلَةً مُدَدًا مُتَطَاوِلَةً، فَرَدُّوا مِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا خَالَفَ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ الْبَاطِلَةَ الَّتِي وَضَعُوهَا لِلرَّبِّ تَعَالَى وَحَرَّفُوا النُّصُوصَ عَنْ مَوَاضِعِهَا وَضَلَّلُوا وَبَدَّعُوا مَنْ خَالَفَ شَرِيعَتَهُمْ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى
وَقَالَ أَبُو الْهُذَيْلِ الْعَلَّافُ تَفْنَى حَرَكَاتُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَيَصِيرُونَ جَمَادًا لَا يُحِسُّونَ بِنَعِيمٍ وَلَا أَلَمٍ وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُخَالِفَةٌ لِصَحِيحِ الْمَعْقُولِ وَصَرِيحِ الْمَنْقُولِ، وَمُحَادَّةٌ وَمُشَاقَّةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِلرَّسُولِ ﷺ، وَتَقْدِيمٌ لِلْعُقُولِ السَّخِيفَةِ وَزُبَالَةُ الْأَذْهَانِ الْبَعِيدَةِ وَالْقُلُوبِ الشَّقِيَّةِ الطَّرِيدَةِ، وَزَخَارِفُ فَاسِدِي السِّيرَةِ وَالسَّرِيرَةِ وَالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَالْعَمَلِ وَالْعَقِيدَةِ وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي نُونِيَّتِهِ الْكَافِيَةِ الشَّافِيَةِ، فِي أَثْنَاءِ حِكَايَتِهِ عَقِيدَةَ جَهْمٍ وَشِيعَتِهِ، دَمَّرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى
وَقَضَى بِأَنَّ اللَّهَ كَانَ مُعَطَّلًا وَالْفِعْلُ مُمْتَنِعٌ بِلَا إِمْكَانِ
ثُمَّ اسْتَحَالَ وَصَارَ مَقْدُورًا لَهُ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ قَامَ بِالدَّيَّانِ
بَلْ حَالُهُ سُبْحَانَهُ فِي ذَاتِهِ قَبْلَ الْحُدُوثِ وَبَعْدَهُ سِيَّانِ
وَقَضَى بِأَنَّ النَّارَ لَمْ تُخْلَقْ وَلَا جَنَّاتُ عَدْنٍ بَلْ هُمَا عَدَمَانِ
فَإِذَا هُمَا خُلِقَا لِيَوْمِ مَعَادِنَا فَهُمَا عَلَى الْأَوْقَاتِ فَانِيَتَانِ
وَتَلَطَّفَ الْعَلَّافُ مِنْ أَتْبَاعِهِ فَأَتَى بِضِحْكَةِ جَاهِلٍ مَجَّانِ
قَالَ الْفَنَاءُ يَكُونُ فِي الْحَرَكَاتِ لَا فِي الذَّاتِ وَاعَجَبًا لِذَا الْهَذَيَانِ
أَيَصِيرُ أَهْلُ الْخُلْدِ فِي جَنَّاتِهِمْ وَجَحِيمِهِمْ كَحِجَارَةِ الْبُنْيَانِ
مَا حَالُ مَنْ قَدْ كَانَ يَغْشَى أَهْلَهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ تَحَرُّكِ الْحَيَوَانِ
وَكَذَاكَ مَا حَالُ الَّذِي رَفَعَتْ يَدَا هُ أَكْلَةً مِنْ صَحْفَةٍ وَخِوَانِ
فَتَنَاهَتِ الْحَرَكَاتُ قَبْلَ وُصُولِهَا لِلْفَمِّ عِنْدَ تَفَتُّحِ الْأَسْنَانِ
وَكَذَاكَ مَا حَالُ الَّذِي امْتَدَّتْ يَدٌ مِنْهُ إِلَى قِنْوٍ مِنَ الْقِنْوَانِ
[ ٢ / ٨٦٩ ]
فَتَنَاهَتِ الْحَرَكَاتُ قَبْلَ الْأَخْذِ هَلْ يَبْقَى كَذَلِكَ سَائِرُ الْأَزْمَانِ
تَبًّا لَهَاتِيكَ الْعُقُولِ فَإِنَّهَا وَاللَّهِ قَدْ مُسِخَتْ عَلَى الْأَبْدَانِ
تَبًّا لِمَنْ أَضْحَى يُقَدِّمُهَا عَلَى الْـ آثَارِ وَالْأَخْبَارِ وَالْقُرْآنِ
[ ٢ / ٨٧٠ ]
فَصْلٌ: فِيمَا جَاءَ فِي الْحَوْضِ وَالْكَوْثَرِ
وَحَوْضُ خَيْرِ الْخَلْقِ حَقٌّ وَبِهِ يَشْرَبُ فِي الْأُخْرَى جَمِيعُ حِزْبِهِ
وَحَوْضُ خَيْرِ الْخَلْقِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ -ﷺ- وَهُوَ الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاهُ رَبُّهُ ﷿ حَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَبِهِ بِالْحَوْضِ يَشْرَبُ أَيْ يُرْوَى وَلِذَا عُدِّيَ بِالْبَاءِ دُونَ مَنْ لتضمن الشرب ههنا مَعْنَى الرَّيِّ فِي الْأُخْرَى أَيْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ وَجَمِيعُ حِزْبِهِ وَهُمْ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أَنْزَلَهُ مَعَهُ، قَالَ اللَّهُ ﵎ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الْكَوْثَرِ]
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ فِي الْكَوْثَرِ هُوَ الْخَيْرُ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ، قَالَ أَبُو بِشْرٍ قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَإِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ سَعِيدٌ النَّهْرُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي أَعْطَاهُ الله إياه١ اهـ
وَقَدْ وَرَدَ فِي ذِكْرِ الْحَوْضِ وَتَفْسِيرِ الْكَوْثَرِ بِهِ وَإِثْبَاتِهِ وَصَفْتِهِ مِنْ طُرُقِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَاشْتَهَرَ، وَاسْتَفَاضَ بَلْ تَوَاتَرَ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ مِنَ الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ وَالْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ فَمِمَّنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَحَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ وَجُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَعَائِشَةُ وَعَقَبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ وَثَوْبَانُ وَأَبُو ذَرٍّ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَجَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَسَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبَ وَحُذَيْفَةُ وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ وَالْمُسْتَوْرِدُ بْنُ شَدَّادٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ
_________________
(١) ١ البخاري ٨/ ٧٣١ في تفسير سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ وفي الرقاق باب في الحوض
[ ٢ / ٨٧١ ]
فَأَمَّا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ لِمَا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ: "أَتَيْتُ عَلَى نَهْرٍ حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمُجَوَّفِ فَقُلْتُ مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ" ١.
وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا هَمَّامُ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ إِذْ أَنَا بِنَهْرٍ حَافَّتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ قُلْتُ مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ، فَإِذَا طِينُهُ -أَوْ طِيبُهُ- مِسْكٌ أَذْفَرُ" ٢ شَكَّ هُدْبَةُ.
وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "إِنَّ قَدْرَ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءَ مِنَ الْيَمَنِ، وَإِنَّ فِيهِ مِنَ الْأَبَارِيقِ بِعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ" ٣ وَوَافَقَهُ عَلَى إِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَبِلَفْظِ: "مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالْمَدِينَةِ" وَبِلَفْظِ تَرَى فِيهِ أَبَارِيقَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ٤.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي الْحَوْضَ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمُ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَأَقُولُ أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ" ٥ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ رِجَالٌ مِمَّنْ صَاحَبَنِي حَتَّى إِذَا رَأَيْتُهُمْ وَرُفِعُوا إِلَيَّ اخْتُلِجُوا دُونِي
_________________
(١) ١ رواه البخاري ٨/ ٧٣١ في تفسير سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ . ٢ رواه البخاري ١١/ ٤٦٤ في الرقاق باب في الحوض. ٣ البخاري ١١/ ٤٦٤ في الرقاق باب ذكر الحوض. ٤ مسلم ٤/ ١٨٠١/ ح٢٣٠٣ في الفضائل باب إثبات حوض نبينا ﷺ. ٥ البخاري ١١/ ٤٦٤ ٤٦٥ في الرقاق باب في الحوض.
[ ٢ / ٨٧٢ ]
فَلَأَقُولَنَّ أَيْ رَبِّ أَصْحَابِي، فَلَيُقَالَنَّ لِي إنك لا ندري مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ" ١.
وَأَمَّا عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "أَمَامَكُمْ حَوْضٌ كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ" ٢ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ: "مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْهِ كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ" ٣ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ فِيهِ: "أَبَارِيقُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ وَرَدَهُ فَشَرِبَ مِنْهُ لَا يَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا" ٣ زَادَ فِي أُخْرَى قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: "قَرْيَتَيْنِ بِالشَّامِ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَلَاثِ لَيَالٍ" ٣.
وَأَمَّا عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عِمَارَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُ سَمِعَ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ ﵁ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَذَكَرَ الْحَوْضَ فَقَالَ: "كَمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَصَنْعَاءَ" وَزَادَ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ حَارِثَةَ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَوْلَهُ: "حَوْضُهُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالْمَدِينَةِ" فَقَالَ لَهُ الْمُسْتَوْرِدُ أَلَمْ تَسْمَعْهُ قَالَ الْأَوَانِي قَالَ لَا، قَالَ الْمُسْتَوْرِدُ تُرَى فِيهِ الْآنِيَةُ مِثْلَ الْكَوَاكِبِ٤، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ.
وَأَمَّا عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلَكِ قَالَ سَمِعْتُ جُنْدَبًا قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ" ٥ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ هَكَذَا.
وَأَمَّا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا محمد بن مطوف حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ
_________________
(١) ١ مسلم ٤/ ١٧٩٦/ ح٢٢٩٧ في الفضائل باب إثبات حوض نبينا ﷺ. ٢ البخاري ١١/ ٤٦٣ في الرقاق باب في الحوض. ٣ مسلم ٤/ ١٧٩٧ ١٧٩٨/ ح٢٢٩٩ في الفضائل باب إثبات حوض نبينا ﷺ. ٤ رواه البخاري ١١/ ٤٦٥ في الرقاق باب في الحوض ومسلم ٤/ ١٧٩٧/ ح٢٢٩٨ في الفضائل باب إثبات حوض نبينا ﷺ. ٥ رواه البخاري ١/ ٤٦٥ في الرقاق باب في الحوض ومسلم ٤/ ١٧٩٢/ ح٢٢٨٩ في الفضائل باب إثبات حوض نبينا ﷺ.
[ ٢ / ٨٧٣ ]
النَّبِيُّ -ﷺ- "أني فرطكم فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا. لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أقوام أعرفهم، ويعرفونني ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ" قَالَ أَبُو حَازِمٍ فَسَمِعَنِي النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ مِنْ سَهْلٍ فَقُلْتُ: نَعَمْ فَقَالَ أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَسَمِعْتُهُ هُوَ يَزِيدُ فِيهَا فَأَقُولُ إِنَّهُمْ مِنِّي فَيُقَالُ: "إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي" وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِيهِ: "لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي" ١.
وَأَمَّا عَنْ عَائِشَةَ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْكَاهِلِيُّ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَ سَأَلْتُهَا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الْكَوْثَرِ: ١] قَالَتْ نَهْرٌ أُعْطِيَهُ نَبِيُّكُمْ -ﷺ- شَاطِئَاهُ عَلَيْهِ دُرٌّ مُجَوَّفٌ، آنِيَتُهُ كَعَدَدِ النُّجُومِ٢.
وَقَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، فَوَاللَّهِ لَيُقْتَطَعَنَّ دُونِي رِجَالٌ فَلَأَقُولَنَّ أَيْ رَبِّ مِنِّي، وَمِنْ أُمَّتِي فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ" ٣.
وَأَمَّا عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: "إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ -أَوْ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ- وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا" ٤، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَبِلَفْظِ.
_________________
(١) ١ رواه البخاري ١١/ ٤٦٤ في الرقاق باب في الحوض ومسلم ٤/ ١٧٩٢/ ح٢٢٩٠ في الفضائل باب إثبات حوض نبينا ﷺ. ٢ البخاري ٨/ ٧٣١ في التفسير سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ . ٣ مسلم ٤/ ١٧٩٤/ ح٢٢٩٤ في الفضائل باب إثبات حوض نبينا ﷺ. ٤ رواه البخاري ١١/ ٤٦٥ في الرقاق باب في الحوض وباب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها وفي الجنائز وفي الأنبياء وفي المغازي ومسلم ٤/ ١٧٩٥/ ح٢٢٩٦ في الفضائل باب إثبات حوض نبينا ﷺ.
[ ٢ / ٨٧٤ ]
"صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ: عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ، ثُمَّ صعد المنبر كالموع لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ فَقَالَ: "إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَإِنَّ عَرْضَهُ كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى الْجُحْفَةِ إِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا وَتَقْتَتِلُوا، فَتَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ" قَالَ عُقْبَةُ: وَكَانَتْ آخِرَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الْمِنْبَرِ١.
وَأَمَّا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ٢.
وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: "أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَلَيُرْفَعَنَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ" تَابَعَهُ عَاصِمٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ وَقَالَ حُصَيْنٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٣ وَرَوَى مُسْلِمٌ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ وَلَأُنَازِعَنَّ أَقْوَامًا ثُمَّ لَأَغْلِبَنَّ عَلَيْهِمْ، فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي أَصْحَابِي فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ" ٤ وَأَشَارَ إِلَى حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بِنَحْوِ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ وَمُغِيرَةَ.
وَأَمَّا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا هِلَالٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ فَإِذَا زُمْرَةٌ حَتَّى إِذَا
_________________
(١) ١ مسلم ٤/ ١٧٩٦/ ح٢٢٩٦ في الفضائل باب إثبات حوض نبينا ﷺ. ٢ البخاري ١١/ ٤٦٣ في الرقاق باب في الحوض. ٣ البخاري ١١/ ٤٦٣ في الرقاق باب في الحوض وفي الفتن باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ . ٤ مسلم ٤/ ١٧٩٦/ ح٢٢٩٧ في الفضائل باب إثبات حوض نبينا ﷺ.
[ ٢ / ٨٧٥ ]
عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رجل من بني فَقَالَ هلم، قال هَلُمَّ، فَقُلْتُ إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ، قُلْتُ وَمَا شَأْنُهُمْ، قَالَ إِنَّهُمُ ارْتَدَوْا عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى، ثُمَّ إِذَا زُمْرَةٌ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ قَالَ هَلُمَّ، قُلْتُ إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ، قُلْتُ مَا شَأْنُهُمْ، قَالَ إِنَّهُمُ ارْتَدَوْا عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى فَلَا أَرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلَّا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ" ١.
وَلَهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ من أصحابي فيحلأون عَنِ الْحَوْضِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى" ٢
وَلَهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي" ٣.
وَقَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: "لَأَذُودَنَّ عَنْ حَوْضِي رِجَالًا كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنَ الْإِبِلِ" ٤.
وَلَهُ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنَ، لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ، وَلَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ، وَإِنِّي لَأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ قَالَ: "نَعَمْ لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غَرَّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ" ٥.
وَأَمَّا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا
_________________
(١) ١ البخاري ١١/ ٤٦٥ في الرقاق باب في الحوض. ٢ البخاري ١١/ ٤٦٤ في الرقاق باب في الحوض. ٣ البخاري ١١/ ٤٦٥ في الرقاق باب في الحوض. ٤ مسلم ٤/ ١٨٠٠/ ح٢٣٠٢ في الفضائل باب إثبات حوض نبينا ﷺ. ٥ مسلم ١/ ٢١٧/ ح٢٤٧ في الطهارة باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء.
[ ٢ / ٨٧٦ ]
سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، من شرب منه فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا" ١ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ: "حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ الْوَرِقِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَا يَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَدًا" ٢.
وَأَمَّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ ﵁ قَالَ: "الْكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ، حَافَّتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، يَجْرِي عَلَى الْيَاقُوتِ وَالدُّرِّ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ" ٣.
وَلَهُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ قَالَ لِي مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ مَا قَالُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي الْكَوْثَرِ قُلْتُ حَدَّثَنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ، فَقَالَ صَدَقَ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَلْخَيْرُ الْكَثِيرُ، وَلَكِنْ حَدَّثَنَا ابْنُ عُمَرَ قَالَ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الْكَوْثَرِ: ١] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ، حَافَّتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ، يَجْرِي عَلَى الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ" ٤.
وَأَمَّا عَنْ أَسْمَاءَ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ حَتَّى أَنْظُرَ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، وَسَيُؤْخَذُ نَاسٌ دُونِي فَأَقُولُ يَا رَبِّ مِنِّي، وَمِنْ أُمَّتِي فَيُقَالُ هَلْ شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ وَاللَّهِ مَا بَرِحُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ" وَكَانَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا أَوْ نُفْتَنَ عَنْ دِينِنَا، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِسَنَدِ حَدِيثِ.
_________________
(١) ١ البخاري ١١/ ٤٦٣ في الرقاق باب في الحوض. ٢ مسلم ٤/ ١٧٩٣/ ح٢٢٩٢ في الفضائل باب إثبات حوض نبينا ﷺ. ٣ ابن جرير ٣٠/ ٣٢٠ تفسيره. ٤ ابن جرير ٣٠/ ٣٢٥ وحديث ابن عمر رواه أحمد ٢/ ٦٧ و١٥٨ و٣/ ١٠٢ والترمذي ٥/ ٤٥٠/ ح٣٣٦١ في التفسير باب ومن سورة الكوثر وقال هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه ٢/ ١٤٥٠/ ح٤٣٣٤ في الزهد باب صفة الجنة وابن جرير ١٥/ ٣٢٠ وأخرجه ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن مردويه كما في الدر المنثور ٨/ ٦٤٨.
[ ٢ / ٨٧٧ ]
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو مُتَّصِلًا بِمَتْنِهِ، وَلَفْظُهُ كَلَفْظِ الْبُخَارِيِّ١.
وَأَمَّا عَنْ ثَوْبَانَ فَقَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمَثْنَى وَابْنُ بَشَّارٍ وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ قَالُوا حَدَّثَنَا مُعَاذٌ وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ -﵁- أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "إِنِّي لَبِعُقْرِ حَوْضِي أَذُودُ النَّاسَ لِأَهْلِ الْيَمَنِ، أَضْرِبُ بِعَصَايَ حَتَّى يَرْفَضَّ عَلَيْهِمْ" فَسُئِلَ عَنْ عَرْضِهِ فَقَالَ: "مِنْ مَقَامِي إِلَى عَمَّانَ" وَسُئِلَ عَنْ شَرَابِهِ فَقَالَ: "أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَحَدُهُمَا مَنْ ذَهَبٍ وَالْآخَرُ مِنْ وَرِقٍ" ٢.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ عَنِ الْعَبَّاسِ عَنْ أَبِي سَلَّامٍ الْحَبَشِيِّ: قَالَ بَعَثَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَحُمِلْتُ عَلَى الْبَرِيدِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ مَرْكَبِي الْبَرِيدُ، فَقَالَ يَا أَبَا سَلَّامٍ: مَا أَرَدْتُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ، وَلَكِنْ بَلَغَنِي عَنْكَ حَدِيثٌ تُحَدِّثُهُ عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَوْضِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ تُشَافِهَنِي بِهِ، قَالَ أَبُو سَلَّامٍ حَدَّثَنِي ثَوْبَانُ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "حَوْضِي مِنْ عَدَنَ إِلَى عَمَّانَ الْبَلْقَاءِ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَكْوَابُهُ ٣ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، أَوَّلُ النَّاسِ وُرُودًا عَلَيْهِ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، الشُّعْثُ رُءُوسًا الدُّنْسُ ثِيَابًا، الَّذِينَ لَا يَنْكِحُونَ الْمُتَنَعِّمَاتِ وَلَا تُفْتَحُ لَهُمُ السُّدَدُ" قَالَ عُمَرُ لَكِنِّي نَكَحْتُ الْمُتَنَعِّمَاتِ وَفُتِحَتْ لِي السُّدَدُ وَنَكَحْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمَلَكِ، لَا جَرَمَ إِنِّي لَا أَغْسِلُ رَأْسِي حَتَّى يَشْعَثَ، وَلَا أَغْسِلُ ثَوْبِي الَّذِي يَلِي جَسَدِي حَتَّى يَتَّسِخَ٤ وَرَوَاهُ ابْنُ
_________________
(١) ١ رواه البخاري ١١/ ٤٦٦ في الرقاق باب في الحوض ومسلم ٤/ ١٧٩٤/ ح٢٢٩٣ في الفضائل باب إثبات حوض نبينا ﷺ ٢ مسلم ٤/ ١٧٩٩/ ح٢٣٠١ في الفضائل باب إثبات حوض نبينا ﷺ ٣ في الأصل أكاويبه ٤ الترمذي ٤/ ٦٢٩/ ح٢٤٤٤ في صفة القيامة باب ما جاء في صفة أواني الحوض قال الترمذي هذا حديث غريب من هذا الوجه وقد روي هذا الحديث عن معدان بن أبي طلحة عن ثوبان عن النبي ﷺ قلت هو حديث حسن صحيح.
[ ٢ / ٨٧٨ ]
مَاجَهْ بِلَفْظِ: "إِنَّ حَوْضِي مَا بَيْنَ عَدَنَ إِلَى أَيْلَةَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، أَكَاوِيبُهُ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا" الْحَدِيثَ وَفِيهِ قَالَ فَبَكَى عُمَرُ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وَفِيهِ: "وَلَا أَدْهُنُ رَأْسِي حَتَّى يَشْعَثَ" ١.
وَأَمَّا عَنْ أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا -وَقَالَ الْآخَرَانِ حَدَّثَنَا- عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا آنِيَةُ الْحَوْضِ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مَنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا، أَلَا فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْمُصْحِيَةِ آنِيَةُ الْجَنَّةِ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يَظْمَأْ آخِرَ مَا عليه يشخب فيه مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ مَا بَيْنَ عَمَّانَ إِلَى أَيْلَةَ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ" ٢ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
وَأَمَّا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ فَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ الْهَاشِمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ كُنْتُ أَسْمَعُ النَّاسَ يَذْكُرُونَ الْحَوْضَ وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمًا مِنْ ذَلِكَ وَالْجَارِيَةُ تُمَشِّطُنِي فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَيُّهَا النَّاسُ" فَقُلْتُ لِلْجَارِيَةِ: اسْتَأْخِرِي عَنِّي قَالَتْ إِنَّمَا دَعَا الرِّجَالَ وَلَمْ يَدْعُ النِّسَاءَ فَقُلْتُ إِنِّي مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي لَكُمْ فَرَطٌ عَلَى الْحَوْضِ، فَإِيَّايَ لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ فَيَذُبُّ عَنِّي
_________________
(١) ١ ابن ماجه ٢/ ١٤٣٨/ ح٤٣٠٣ في الزهد باب ذكر الحوض. ٢ رواه مسلم ٤/ ١٧٩٨/ ح٢٣٠٠ في الفضائل باب إثبات حوض نبينا ﷺ والترمذي ٤/ ٦٣٠/ ح٢٤٤٥ في صفة القيامة باب ما جاء في صفة أواني الحوض وقال هذا حديث حسن صحيح غريب.
[ ٢ / ٨٧٩ ]
كَمَا يَذُبُّ الْبَعِيرُ الضَّالُّ فَأَقُولُ فِيمَ هَذَا، فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا" ١.
وَأَمَّا عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ فَقَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعِ بْنِ الْوَلِيدِ السَّكُونِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ خَيْثَمَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "أَلَا إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَإِنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَأَيْلَةَ، كَأَنَّ الْأَبَارِيقَ فِيهِ النُّجُومُ" ٢.
وَأَمَّا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمِرِيُّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَقَالَ: "مَا أَنْتُمْ بِجُزْءٍ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ جُزْءٍ مِمَّنْ يَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ" قَالَ قُلْتُ كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ قَالَ: "سَبْعَمِائَةٍ أَوْ ثَمَانِمِائَةٍ" ٣.
وَأَمَّا عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نِيزَكَ الْبَغْدَادِيُّ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بكار الدمشقي أنبأنا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا وَإِنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدُهُ، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدُهُ" هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَدْ رَوَى الْأَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- مُرْسَلًا، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ سَمُرَةَ وهو أصح٤ اهـ
_________________
(١) ١ مسلم ٤/ ١٧٩٥/ ح٢٢٩٥ في الفضائل باب إثبات حوض نبينا ﷺ. ٢ مسلم ٤/ ١٨٠١/ ح٢٣٠٥ في الفضائل باب إثبات حوض نبينا ﷺ. ٣ أبو داود ٤/ ٢٤٧/ ح٤٧٤٦ في السنة باب في الحوض، وأحمد ٤/ ٣٦٧ و٣٦٩ و٣٧١ و٣٧٢ والحاكم في المستدرك ١/ ٧٦ ٧٧ وابن أبي عاصم في السنة ٢/ ٣٢٧/ ح٧٣٣ وهو صحيح. ٤ الترمذي ٤/ ٦٢٨/ ح٢٤٤٣ في صفة القيامة باب ما جاء في صفة الحوض، والبخاري في التاريخ الكبير ١/ ١/ ٤٤ وابن أبي عاصم في السنة ٢/ ٣٢٧ ٣٢٨/ ح٧٣٤ والطبراني في الكبير ٧/ ٢١٢/ ح٦٨٨١ وفي مسند الشاميين ح٢٦٤٦ والحديث صحيح لشواهده.
[ ٢ / ٨٨٠ ]
وَأَمَّا عَنْ حُذَيْفَةَ، فَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ بَعْدَ رِوَايَتِهِمَا حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ حَوْضِي لَأَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ إِلَى عَدَنَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ، وَلَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَذُودُ عَنْهُ الرِّجَالَ كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الْإِبِلَ الْغَرِيبَةَ عَنْ حَوْضِهِ" قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنَا، قَالَ: "نَعَمْ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرَكُمْ" وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الطَّهَارَةِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَبِهَذَا السَّنَدِ١.
وَأَمَّا عَنْ أَبِي بَرْزَةَ فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ أَبُو طَالُوتَ قَالَ شَهِدْتُ أَبَا بَرْزَةَ دَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَحَدَّثَنِي فُلَانٌ سَمَّاهُ مُسْلِمٌ وَكَانَ فِي السِّمَاطِ، فَلَمَّا رَآهُ عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ إِنَّ محمديكم هذا لدحداح٢ فَفَهِمَهَا الشَّيْخُ فَقَالَ مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنِّي أَبْقَى في قوم يعيرونني بِصُحْبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ: إِنَّ صُحْبَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَكَ زَيْنٌ غَيْرُ شَيْنٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا بُعِثْتُ إِلَيْكَ لِأَسْأَلَكَ عَنِ الْحَوْضِ، سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ فِيهِ شَيْئًا، فَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: نَعَمْ لَا مَرَّةً وَلَا اثْنَتَيْنِ وَلَا ثَلَاثًا، وَلَا أَرْبَعًا، وَلَا خَمْسًا، فَمَنْ كَذَّبَ بِهِ فَلَا سَقَاهُ اللَّهُ مِنْهُ ثُمَّ خَرَجَ مُغْضَبًا٣.
وَأَمَّا عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ، فَتَقَدَّمَ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا أَبُو
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١/ ٢١٧/ ح٢٤٨ في الطهارة باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، وابن ماجه ٢/ ١٤٣٨/ ح٤٣٠٢ في الزهد باب ذكر الحوض ٢ القصير السمين ٣ أبو داود ٤/ ٢٣٨/ ح٤٧٤٩ في السنة باب في الحوض، وأحمد ٤/ ٤٢١ وابن أبي عاصم في السنة ح٧٠٢ و٧٢٠ وإسناده ضعيف فيه رجل لم يسم والحديث صحيح لشواهده ولأبي برزة ﵁ حديث حسن في الحوض، رواه أحمد ٤/ ٤٢٤ وابن أبي عاصم في السنة ح٧٢٢
[ ٢ / ٨٨١ ]
بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا حَدَّثَنَا عَطِيَّةُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: "إِنَّ لِي حَوْضًا مَا بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ أَبْيَضَ مِنَ اللَّبَنِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ، وَإِنِّي لَأَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ١.
وَأَمَّا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْهُ مُطَوَّلًا فِي قِصَّةِ قَسْمِ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ، وَفِي آخِرِهِ قَوْلُهُ ﷺ لِلْأَنْصَارِ ﵃: "إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ" ٢.
وَأَمَّا عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنِي الْبَرْنِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَخْبَرَنِي حَرَامُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَتَى حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ امْرَأَتَهُ وَكَانَتْ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ عَامِدًا نَحْوَكَ، فَأَظُنُّهُ أَخْطَأَكَ فِي بَعْضِ أَزِقَّةِ بَنِي النَّجَّارِ، أَوَلَا تَدْخُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَدَخَلَ فَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ حَيْسًا فَأَكَلَ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَنِيئًا لَكَ وَمَرِيئًا، لَقَدْ جِئْتَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ آتِيَكَ لِأُهَنِّيَكَ وَأُمْرِيَكَ، أَخْبَرَنِي أَبُو عُمَارَةَ أَنَّكَ أُعْطِيتَ نَهْرًا فِي الْجَنَّةِ يُدْعَى الْكَوْثَرَ فَقَالَ: "أَجَلْ وَعَرْضُهُ -يَعْنِي أَرْضَهُ- يَاقُوتٌ وَمَرْجَانٌ وَزَبَرْجَدٌ وَلُؤْلُؤٌ" ٣ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَرَامُ بْنُ عُثْمَانَ ضَعِيفٌ، وَلَكِنَّ هَذَا سِيَاقٌ حَسَنٌ وَقَدْ صَحَّ أَصْلُ هَذَا بَلْ قَدْ تَوَاتَرَ مِنْ طُرُقٍ تُفِيدُ الْقَطْعَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أئمة الحديث٤ اهـ قُلْتُ وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ، وَفِي الْبَابِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، وَلِمَنْ ذَكَرْنَا مِنَ الصَّحَابَةِ أَحَادِيثُ أُخَرُ لَمْ
_________________
(١) ١ ابن ماجه ٢/ ١٤٣٨/ ح٤٣٠١ في الزهد باب ذكر الحوض، وابن أبي عاصم في السنة ح٧٢٣ وإسناده ضعيف فيه عطية العوفي، وهو صحيح لشواهده ولأبي سعيد ﵁ حديث في الحوض في الصحيحين وعند أحمد ٢ رواه البخاري ١٣/ ٥ في الفتن باب قول النبي ﷺ سترون بعدي أمورا تنكرونها وفي المساقاة وفي الخمس وفي الجزية وفي المناقب وفي المغازي ومسلم ٢/ ٧٣٣/ ح١٠٥٩ في الزكاة باب إعطاء من يخاف على إيمانه ٣ أخرجه ابن جرير ٣٠/ ٣٢٥ وابن مردويه كما في الدر المنثور ٨/ ٦٤٨ ٤ تفسير ابن كثير ٤/ ٥٦٢
[ ٢ / ٨٨٢ ]
نَذْكُرُهَا، وَلَهُمْ رِوَايَاتٌ فِي الْأُصُولِ الَّتِي عَزَوْنَا إِلَيْهَا غَيْرَ مَا سُقْنَا، وَإِنَّمَا أَشَرْنَا إِشَارَةً إِلَى بَعْضِهَا لِتَعْرِفَ شُهْرَةَ هَذَا الْبَابِ وَاسْتِفَاضَتِهِ وَتَوَاتُرِهِ مَعَ الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ١ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ
_________________
(١) ١ انظر أحاديث الحوض مجتمعة في السنة لابن أبي عاصم ٢/ ٣٢١
[ ٢ / ٨٨٣ ]
فصل في الأحاديث عن لواء الحمد
فَصْلٌ: فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ عَنْ لِوَاءِ الْحَمْدِ
كَذَا لَهُ لِوَاءُ حَمْدٍ يُنْشَرُ وَتَحْتَهُ الرُّسُلُ جَمِيعًا تُحْشَرُ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَزِيدَ الْكُوفِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ عَنْ لَيْثٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا، وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا يَئِسُوا، لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَأَنَا أَكْرَمُ عَلَى رَبِّي وَلَا فَخْرَ" هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ١.
وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ أَنْبَأَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ أَنْبَأَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَثَلِي فِي النَّبِيِّينَ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَحْسَنَهَا وَأَكْمَلَهَا وَأَجْمَلَهَا وَتَرَكَ مِنْهَا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِالْبِنَاءِ وَيَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَقُولُونَ لَوْ تَمَّ مَوْضِعُ تِلْكَ اللَّبِنَةِ، وَأَنَا فِي النَّبِيِّينَ مَوْضِعُ تِلْكَ اللَّبِنَةِ" وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ كَنْتُ إِمَامَ النَّبِيِّينَ وَخَطِيبَهُمْ وَصَاحِبَ شَفَاعَتِهِمْ غَيْرُ فَخْرٍ" هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ٢.
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ جُدْعَانَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَمَا
_________________
(١) ١ الترمذي ٥/ ٥٨٥/ ح٣٦١٠ في المناقب باب في فضل النبي ﷺ وقال هذا حديث حسن غريب قلت فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف والربيع بن أنس له أوهام فسنده ضعيف والحديث صحيح له شواهد ٢ الترمذي ٥/ ٥٨٦/ ح٣٦١٣ في المناقب باب في فضل النبي ﷺ وقال هذا حديث حسن والحديث في سنده ضعيف، فيه عبد الله بن محمد بن عقيل في حديثه لين والحديث صحيح فقد رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة وجابر، وأخرجه مسلم من رواية أبي سعيد ﵃ جميعا
[ ٢ / ٨٨٤ ]
مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلَا فَخْرَ" وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ١.
وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ أَنْبَأَنَا زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَنْتَظِرُونَهُ قَالَ فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ، فَسَمِعَ حَدِيثَهُمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ عَجَبًا إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ مِنْ خَلْقِهِ خَلِيلًا، اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَقَالَ آخَرُ مَاذَا بِأَعْجَبَ مِنْ كَلَامِ مُوسَى كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا وَقَالَ آخَرُ فَعِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ وَقَالَ آخَرُ آدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ وَقَالَ "قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَعَجَبَكُمْ، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَمُوسَى نَجِيُّ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَعِيسَى رُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ كَذَلِكَ، أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حِلَقَ الْجَنَّةِ فَيَفْتَحُ اللَّهُ لِي فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَلَا فَخْرَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ٢.
قُلْتُ وَمَعْنَاهُ ثَابِتٌ فِي الْآيَاتِ الصَّرِيحَةِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كَمَا جَاءَ وَكَمَا سَيَأْتِي وَكَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِالْعِلْمِ
_________________
(١) ١ الترمذي ٥/ ٥٨٧/ ح٣٦١٥ في المناقب باب في فضل النبي ﷺ، والقصة في ٥/ ٣٠٨ ٣٠٩/ ح٣١٤٨ في التفسير باب ومن سورة بني إسرائيل، وقال هذا حديث حسن صحيح قلت فيه ابن جدعان وفيه ضعف وقد روى البخاري ومسلم هذه القطعة في حديث أبي هريرة ﵁. ٢ الترمذي ٥/ ٥٨٧/ ح٣٦١٦ في المناقب باب في فضل النبي ﷺ، وقال هذا حديث غريب قلت وهو ضعيف فيه زمعة بن صالح وهو ضعيف، ولألفاظه شواهد صحيحة.
[ ٢ / ٨٨٥ ]
فَصْلٌ: فِي آيَاتِ الشَّفَاعَةِ وَأَحَادِيثِهَا وَالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ
كَذَا لَهُ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى كَمَا قَدْ خَصَّهُ اللَّهُ بِهَا تَكَرُّمَا
مِنْ بَعْدِ إِذْنِ اللَّهِ لَا كَمَا يَرَى كُلُّ قُبُورِيٍّ عَلَى اللَّهِ افْتَرَى
كَذَا لَهُ لِنَبِيِّنَا ﷺ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧٩] وَلِذَا قُلْنَا قَدْ خَصَّهُ اللَّهُ بِهَا بِالشَّفَاعَةِ تَكَرُّمًا مِنْهُ ﷿ عَلَيْهِ -ﷺ- وَعَلَى أُمَّتِهِ بِهِ كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" ١ وَفِيهِ عَنْهُ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فِي أُمَّتِهِ، وَخَبَّأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ٢ وَفِيهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ دَعَاهَا لِأُمَّتِهِ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ٣ وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ
_________________
(١) ١ رواه البخاري ١/ ٤٣٥ ٤٣٦ في التيمم في فاتحته وفي المساجد وفي الجهاد ومسلم ١/ ٣٧٠/ ح٥٢١ في المساجد في فاتحته. ٢ رواه مسلم ١/ ١٩٠/ ح٢٠١ في الإيمان باب في قول النبي ﷺ: "أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعا. ٣ رواه البخاري تعليقا ١١/ ٩٦ في الدعوات باب لكل نبي دعوة مستجابة ومسلم ١/ ١٩٠/ ح٢٠٠ في الإيمان باب في قول النبي ﷺ أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعا.
[ ٢ / ٨٨٦ ]
دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا" ١.
وَفِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- تَلَا قَوْلَ اللَّهِ ﷿ فِي إِبْرَاهِيمَ ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَقَالَ عِيسَى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أُمَّتِي وَبَكَى فَقَالَ اللَّهُ ﷿ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ -وَرَبُّكَ أَعْلَمُ- فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ -رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- بِمَا قَالَ -وَهُوَ أَعْلَمُ- فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أمتك ولا نسوءك" ٢ وَفِيهِ عَنْهُ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ" ٣.
وَفِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ٤.
وَتِلْكَ الشَّفَاعَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِ اللَّهِ ﷿، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ شَفَاعَةُ نَبِيِّنَا ﷺ وَشَفَاعَةُ مَنْ دُونَهُ، وَذَلِكَ الْإِذْنُ يَتَعَلَّقُ بِالشَّافِعِ وَالْمَشْفُوعِ فِيهِ وَبِوَقْتِ
_________________
(١) ١ رواه البخاري ١١/ ٩٦ في الدعوات باب لكل نبي دعوة مستجابة ومسلم ١/ ١٨٨/ ح١٩٨ في الإيمان باب في قول النبي ﷺ أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعا. ٢ رواه مسلم ١/ ١٩١/ ح٢٠٢ في الإيمان باب دعاء النبي ﷺ لأمته وبكائه شفقة عليهم. ٣ رواه مسلم ١/ ٢٨٨/ ح٣٨٤ في الصلاة باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يسال الله له الوسيلة. ٤ رواه البخاري ٢/ ٩٤ في الأذان باب الدعاء عند النداء، وفي تفسير سورة بني إسرائيل.
[ ٢ / ٨٨٧ ]
الشَّفَاعَةِ، فَلَيْسَ يَشْفَعُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْفَعَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْفَعَ إِلَّا فِيمَنْ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ أَنْ يُشَفَّعَ فِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يُونُسَ: ٣] ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سَبَأٍ: ٢٣] ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْمِ: ٢٦] ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزُّمَرِ: ٤٤] ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٨٦] ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٧] ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٨] وَقَالَ تَعَالَى: فِي الْكُفَّارِ ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ٤٨] ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غَافِرٍ: ١٨] وَقَالَ عَنْهُمْ ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٠٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٤] وَسَيَأْتِي فِي ذِكْرِ الْأَحَادِيثِ مُرَاجَعَةُ الرُّسُلِ الشَّفَاعَةَ بَيْنَهُمْ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى نَبِيِّنَا -ﷺ- وَأَنَّهُ يَأْتِي فَيَسْتَأْذِنُ رَبَّهُ ﷿، ثُمَّ يَسْجُدُ وَيَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ يُعْلِمُهُ تَعَالَى إِيَّاهَا وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ وَيُقَالَ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَأَنَّهُ يُحَدُّ لَهُ حَدًّا فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ثُمَّ يَرْجِعُ كَذَلِكَ، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ يَسْتَأْذِنُ وَيَدْعُو حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ وَيُحَدُّ لَهُ حَدًّا حَتَّى يَنْجُوَ جَمِيعُ الْمُوَحِّدِينَ، وَهَكَذَا كُلُّ شَافِعٍ بَعْدَهُ يَسْأَلُ الشَّفَاعَةَ مِنْ مَالِكِهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ، إِلَى أَنْ يَقُولَ الشُّفَعَاءُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ وَحَقَّ عَلَيْهِ الْخُلُودُ وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الشَّفَاعَةَ مِلْكٌ لِلَّهِ ﷿ وَلَا تُسْأَلُ إِلَّا مِنْهُ، كَمَا لَا
[ ٢ / ٨٨٨ ]
تَكُونُ إِلَّا بِإِذْنِهِ لِلشَّافِعِ فِي الْمَشْفُوعِ حِينَ يَأْذَنُ فِي الشَّفَاعَةِ.
لَا كَمَا يَرَى كُلُّ قُبُورِيٍّ نِسْبَةٌ إِلَى الْقُبُورِ لِعِبَادَتِهِ أَهْلَهَا عَلَى الله افترى فيما يَنْسُبُهُ إِلَى أَهْلِ الْقُبُورِ وَيُضِيفُهُ إِلَيْهِمْ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي هِيَ مِلْكٌ لِلَّهِ ﷿ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ تَعَالَى وَلَا شَرِيكَ لَهُ فِيهَا، وَرَتَّبُوا عَلَى ذَلِكَ صَرْفَ الْعِبَادَاتِ إِلَى الْأَمْوَاتِ وَدُعَاءَهُمْ إِيَّاهُمْ وَالذَّبْحَ وَالنُّذُرَ لَهُمْ دُونَ جَبَّارِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، وَسُؤَالِهِمْ مِنْهُمْ قَضَاءَ الْحَاجَاتِ وَدَفْعِ الْمُلِمَّاتِ، وَكَشْفِ الْكُرُبَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ مُعْتَقِدِينَ فِيهِمْ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ دُعَاءَهُمْ وَيَسْتَطِيعُونَ إِجَابَتَهُمْ وَقَدْ تقدم كشف عوارهم وَهَتْكُ أَسْتَارِهِمْ بِمَا يَشْفِي وَيَكْفِي، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
يَشْفَعُ أَوَّلًا إِلَى الرَّحْمَنِ فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ أَهْلِ الْمَوْقِفِ
مِنْ بَعْدِ أَنْ يَطْلُبَهَا النَّاسُ إِلَى كُلِّ أُولِي الْعَزْمِ الْهُدَاةِ الْفَضْلَا
هَذِهِ الشَّفَاعَةُ الْأُولَى لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهِيَ أَعْظَمُ الشَّفَاعَاتِ وَهِيَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ ﷿ لَهُ وَوَعَدَهُ إِيَّاهُ وَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْأَلَ اللَّهَ إِيَّاهُ لَهُ ﷺ، بَعْدَ كُلِّ أَذَانٍ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧٩] حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُثًا، كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا يَقُولُونَ يَا فُلَانُ اشْفَعْ، حَتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ١.
وَقَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَاتَّفَقَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ إِلَّا مَا يَزِيدُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْحَرْفِ بَعْدَ الْحَرْفِ، قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً فَقَالَ: "أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ بِمَ ذَاكَ يَجْمَعُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ
_________________
(١) ١ البخاري ٨/ ٣٩٩ في التفسير باب قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ .
[ ٢ / ٨٨٩ ]
وَتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَمَا لَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ أَلَا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ ائْتُوا آدَمَ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ آدَمُ إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ فَيَأْتُونَ نُوحًا ﵇ فَيَقُولُونَ يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الْأَرْضِ وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى إبراهيم ﵇ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ لهم إبراهيم ﵇ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَذَكَرَ كِذْبَاتِهِ نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى فَيَأْتُونَ مُوسَى ﵇ فَيَقُولُونَ يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِتَكْلِيمِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ لَهُمْ مُوسَى ﵇ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُؤْمَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ﵇ فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَلِمَةٌ مِنْهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى ﵇ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ولم يذكر لهم ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إلى محمد -ﷺ- فيأتونني فَيَقُولُونَ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَغَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ
[ ٢ / ٨٩٠ ]
فِيهِ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لِأَحَدٍ قَبْلِي ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَبْوَابِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مصاريع الجنة لكما بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى" ١.
قَالَ وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ وُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَصْعَةٌ مِنْ ثَرِيدٍ وَلَحْمٍ فَتَنَاوَلَ الذِّرَاعَ وَكَانَتْ أَحَبَّ الشَّاةِ إِلَيْهِ، فَنَهَسَ نَهْسَةً فَقَالَ: "أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ثُمَّ نَهَسَ أُخْرَى فَقَالَ: "أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابَهُ لَا يَسْأَلُونَهُ قَالَ: "أَلَا تَقُولُونَ كَيْفَ" قَالُوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ" وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، وَزَادَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ وَذَكَرَ قَوْلَهُ فِي الْكَوْكَبِ "هَذَا رَبِّي وَقَوْلَهُ لِآلِهَتِهِمْ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا وَقَوْلَهُ إِنِّي سَقِيمٌ قَالَ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ إِلَى عِضَادَتَيِ الْبَابِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ أَوْ هَجَرَ وَمَكَّةَ قَالَ لَا أَدْرِي أَيُّ ذَلِكَ قَالَ" ٢.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: "قَالَ يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ، وَيَكْسُونِي رَبِّي ﷿ حُلَّةً خَضْرَاءَ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي فَأَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ أَقُولَ فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ" ٣.
وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ قَوْلُهُ ﷺ: "يَجْمَعُ اللَّهُ
_________________
(١) ١ رواه البخاري ٦/ ٣٧١ في الأنبياء باب قول الله ﷿ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ وباب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ وفي تفسير سورة بني إسرائيل ومسلم ١/ ١٨٤-١٨٦/ ح١٩٤ في الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها. ٢ رواه مسلم ١/ ١٨٦/ ح١٩٤ في الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها. ٣ أحمد ٣/ ٤٥٦ قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح المجمع ٧/ ٥٤ وهو كما قال.
[ ٢ / ٨٩١ ]
النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَهْتَمُّونَ لِذَلِكَ -وَفِي لَفْظَةٍ فَيُلْهَمُونَ لِذَلِكَ- فَيَقُولُونَ لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا قَالَ فَيَأْتُونَ آدَمَ" ١. الْحَدِيثَ، وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ قَوْلُهُ ﷺ: "فَتَقِفُونَ مَوْقِفًا وَاحِدًا مِقْدَارُهُ سَبْعُونَ عَامًا، لَا يُنْظَرُ إِلَيْكُمْ وَلَا يُقْضَى بَيْنَكُمْ، فَتَبْكُونَ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، ثُمَّ تَدْمَعُونَ دَمًا، وَتَعْرَقُونَ حَتَّى يُلْجِمَكُمُ الْعَرَقُ وَيَبْلُغَ الْأَذْقَانَ، وَتَقُولُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّنَا فَيَقْضِي بَيْنَنَا فَتَقُولُونَ مَنْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ أَبِيكُمْ آدَمَ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَكَلَّمَهُ قُبُلًا فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَطْلُبُونَ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَيَأْتِي وَيَقُولُ مَا أَنَا بِصَاحِبِ ذَلِكَ، فَيَسْتَقْرِئُونَ الْأَنْبِيَاءَ نَبِيًّا نَبِيًّا كُلَّمَا جَاءُوا نَبِيًّا أَبَى عَلَيْهِمْ" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "حَتَّى يَأْتُونِي فَأَنْطَلِقُ إِلَى الْفَحْصِ فَأَخِرُّ سَاجِدًا" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْفَحْصُ قَالَ: "قُدَّامَ الْعَرْشِ، حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ إِلَيَّ مَلَكًا فَيَأْخُذُ بِعَضُدَيَّ وَيَرْفَعُنِي فَيَقُولُ لِي يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ نَعَمْ يَا رَبِّ فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿ مَا شَأْنُكَ وَهُوَ أَعْلَمُ فَأَقُولُ يَا رَبِّ وَعَدْتَنِي الشَّفَاعَةَ، فَشَفِّعْنِي فِي خَلْقِكَ فَاقْضِ بَيْنَهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ شَفَّعْتُكَ، أَنَا آتِيكُمْ أَقْضِي بَيْنَكُمْ" ٢. الْحَدِيثَ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ حَدَّثَنِي نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنِّي لَقَائِمٌ أَنْتَظِرُ أُمَّتِي تَعْبُرُ عَلَى الصِّرَاطِ، إِذْ جَاءَنِي عِيسَى ﵇ فَقَالَ هَذِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَدْ جَاءَتْكَ يَا مُحَمَّدُ يَسْأَلُونَ -أَوْ قَالَ يَجْتَمِعُونَ إِلَيْكَ- وَيَدْعُونَ اللَّهَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ جَمِيعِ الْأُمَمِ إِلَى حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ لِغَمٍّ جَاءَهُمْ فِيهِ، فَالْخَلْقُ مُلْجَمُونَ بِالْعَرَقِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَهُوَ عَلَيْهِ كَالرُّكْمَةِ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَغْشَاهُ الْمَوْتُ فَقَالَ انْتَظِرْ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ، فَذَهَبَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَلَقِيَ مَا لَمْ يَلْقَ مَلَكٌ مُصْطَفًى، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، فَأَوْحَى اللَّهُ ﷿ إِلَى جِبْرِيلَ أَنِ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَقُلْ لَهُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ" ٣. الْحَدِيثَ
وَعِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ نُزُولِ الْقُرْآنِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ "فَلَكَ بِكُلِّ رِدَّةٍ
_________________
(١) ١ وسيأتي بتمامه. ٢ تقدم تخريجه سابقا. ٣ رواه أحمد ٣/ ١٧٨ قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح المجمع ١٠/ ٣٧٦ وهو كما قال.
[ ٢ / ٨٩٢ ]
رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا فَقُلْتُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حتى إبراهيم ﵇" ١.
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١/ ٥٦١ ٥٦٢/ ح٨٢٠ في صلاة المسافرين باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه.
[ ٢ / ٨٩٣ ]
فصل في اختصاصه ﷺ باستفتاح باب الجنة
فَصْلٌ: اخْتِصَاصُهُ -ﷺ- بِاسْتِفْتَاحِ بَابِ الْجَنَّةِ
وَثَانِيًا يَشْفَعُ فِي اسْتِفْتَاحِ دَارِ النَّعِيمِ لِأُولِي الْفَلَاحِ
هَذَا وَهَاتَانِ الشَّفَاعَتَانِ قَدْ خُصَّتَا بِهِ بِلَا نُكْرَانِ
هَذِهِ الشَّفَاعَةُ الثَّانِيَةُ فِي اسْتِفْتَاحِ بَابِ الْجَنَّةِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا أَيْضًا مِنَ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، وَقَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا" ١.
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ" ٢.
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ، لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَإِنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ" ٣.
وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنَا
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١/ ١٨٨/ ح١٩٦ في الإيمان باب في قول النبي ﷺ "أنا أول الناس يشفع في الجنة". ٢ رواه مسلم ١/ ١٨٨/ ح١٩٦ في الإيمان باب في قول النبي ﷺ "أنا أول الناس يشفع في الجنة". ٣ رواه مسلم ١/ ١٨٨/ ح١٩٦ في الإيمان باب في قول النبي ﷺ "أنا أول الناس يشفع في الجنة".
[ ٢ / ٨٩٤ ]
سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ مَنْ أَنْتَ فَأَقُولُ مُحَمَّدٌ فَيَقُولُ بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ" ١.
قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفِ بْنِ خَلِيفَةَ الْبَجَلِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبُو مَالِكٍ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَجْمَعُ اللَّهُ ﵎ النَّاسَ، فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ فَيَقُولُ وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ ﷿ قَالَ فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، اعْمِدُوا إِلَى مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تَكْلِيمًا فَيَأْتُونَ مُوسَى ﵇ فَيَقُولُ لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرُوحِهِ، فَيَقُولُ عِيسَى ﵇ لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ" ٢ الْحَدِيثَ، تَقَدَّمَ بَاقِيهِ فِي الصِّرَاطِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ، وَقَالَ إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الْأُذُنِ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ ثُمَّ بِمُوسَى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ -ﷺ " ٣. وَزَادَ عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الْخَلْقِ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْبَابِ فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا، يَحْمَدُهُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ٤.
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١/ ١٨٨/ ح١٩٧ في الإيمان باب في قول النبي ﷺ "أنا أول الناس يشفع في الجنة". ٢ رواه مسلم ١/ ١٨٦ ١٨٧/ ح١٩٥ في الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها. ٣، ٤ رواه البخاري ٣/ ٣٣٨ في الزكاة باب من سال الناس تكثرا ومسلم ٢/ ٧٢٠/ ح١٠٤٠ في الزكاة باب كراهية المسألة للناس.
[ ٢ / ٨٩٥ ]
فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْجَمْعُ بَيْنَ ذِكْرِ الشَّفَاعَتَيْنِ الْأُولَى فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ وَالثَّانِيَةُ فِي اسْتِفْتَاحِ بَابِ الْجَنَّةِ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ كُلُّهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ هَذَا أَيْ مَا ذُكِرَ وَهَاتَانِ الشَّفَاعَتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ اللَّتَانِ هُمَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ قَدْ خُصَّتَا أَيْ جَعَلَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى خَاصَّتَيْنِ بِهِ أَيْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَيْسَتَا لِأَحَدٍ غَيْرِهِ بِلَا نُكْرَانِ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، بَلْ وَلَمْ يُنْكِرْهُمَا الْمُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ أَنْكَرُوا الشَّفَاعَةَ الثَّالِثَةَ فِي إِخْرَاجِ عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ، وَهِيَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا بِقَوْلِنَا:
وَثَالِثًا يَشْفَعُ فِي أَقْوَامٍ مَاتُوا عَلَى دِينِ الْهُدَى الْإِسْلَامِ
وَأَوْبَقَتْهُمْ كَثْرَةُ الْآثَامِ فَأُدْخِلُوا النَّارَ بِذَا الْإِجْرَامِ
أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا إِلَى الْجِنَانِ بِفَضْلِ رَبِّ الْعَرْشِ ذِي الْإِحْسَانِ
فَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ حَقٌّ يُؤْمِنُ بِهَا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ كَمَا آمَنَ بِهَا الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَدَرَجَ عَلَى الْإِيمَانِ بِذَلِكَ التَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَأَنْكَرَهَا فِي آخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ الْخَوَارِجُ، وَأَنْكَرَهَا فِي عَصْرِ التَّابِعِينَ الْمُعْتَزِلَةُ وَقَالُوا بِخُلُودِ مَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنْ عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَيَشْهَدُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيَصُومُونَ رَمَضَانَ وَيَحُجُّونَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ وَيَسْأَلُونَ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَيَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِنَ النَّارِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَدُعَاءٍ، غَيْرَ أَنَّهُمْ مَاتُوا مُصِرِّينَ عَلَى مَعْصِيَةٍ عَمَلِيَّةٍ عَالِمِينَ بِتَحْرِيمِهَا مُعْتَقِدِينَ مُؤْمِنِينَ بِمَا جَاءَ فِيهِ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ، فَقَضَوْا بِتَخْلِيدِهِمْ فِي جَهَنَّمَ مَعَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ، فَجَحَدُوا قَوْلَ اللَّهِ ﷿ ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨] وَقَوْلَهُ ﷿ ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] وقول تَعَالَى ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الْقَلَمِ: ٣٥-٣٧] وَغَيْرَهَا مِنَ الْآيَاتِ، وَسَائِرَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى
[ ٢ / ٨٩٦ ]
حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-: "قَالَ يُحْبَسُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُهِمُّوا بِذَلِكَ فَيَقُولُونَ لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ أَنْتَ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، لِتَشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، قَالَ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ قَالَ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ أَكْلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ سُؤَالَهُ رَبَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ قَالَ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ كَذَبَهُنَّ وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا آتَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَكَلَّمَهُ وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا قَالَ فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ قَتْلَهُ النَّفْسَ، وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَرُوحَ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلِمَتَهُ قَالَ فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا -ﷺ- عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وما تأخر، فيأتونني فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَدَعَنِي فَيَقُولُ ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ قَالَ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ قَالَ قَتَادَةُ وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أُعُودُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يَقُولُ ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ قَالَ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ قَالَ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ". قَالَ قَتَادَةُ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ "فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثم أعود الثالث فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يَقُولُ ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ قَالَ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ قَالَ ثُمَّ أَشْفَعُ فيحد لي حدا فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ" قَالَ قَتَادَةُ وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ "فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا
[ ٢ / ٨٩٧ ]
مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ" أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ قَالَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧٩] قَالَ وَهَذَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وُعِدَهُ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١.
وَقَالَ أَيْضًا حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا -وَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ- حَتَّى مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ" وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ عِنْدَ هَذَا أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ٢.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مَنْ طُرُقٍ بِنَحْوِهِ وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِيُّ ح وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِيُّ قَالَ انْطَلَقْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَتَشَفَّعْنَا بِثَابِتٍ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي الضُّحِي فَاسْتَأْذَنَ لَنَا ثَابِتٌ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَأَجْلَسَ ثَابِتًا مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ يَا أَبَا حَمْزَةَ إِنَّ إِخْوَانَكَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَسْأَلُونَكَ أَنْ تُحَدِّثَهُمْ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ: "قَالَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ لَهُ اشْفَعْ لِذُرِّيَّتِكَ فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇ فَإِنَّهُ خَلِيلُ اللَّهِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى ﵇ فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ فَيُؤْتَى مُوسَى فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى ﵇، فَإِنَّهُ رُوحُ وَكَلِمَتُهُ فَيُؤْتَى عِيسَى فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ -ﷺ- فَأُوتَى فَأَقُولُ أَنَا لَهَا، فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لا أقدر عليها الْآنَ، يُلْهِمُنِيهِ اللَّهُ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ لِي يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي
_________________
(١) ١ رواه البخاري ١٣/ ٤٢٢ في التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ . ٢ رواه البخاري ١١/ ٤١٧ في الرقاق باب صفة الجنة والنار.
[ ٢ / ٨٩٨ ]
فَيُقَالُ انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ بُرَّةٍ أَوْ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ ثُمَّ أُرْجِعُ إِلَى رَبِّي فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لِي يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيُقَالُ لِي انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَى رَبِّي ﷿ فَأَحْمَدُهُ تِلْكَ الْمَحَامِدَ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ لِي يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي فَيُقَالُ لِي انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ". هَذَا حَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي أَنْبَأَنَا بِهِ، فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ فَلَمَّا كُنَّا بِظَهْرِ الْجَبَّانِ قُلْنَا لَوْ مِلْنَا إِلَى الْحَسَنِ فَسَلَّمْنَا عليه وهو مستحف فِي دَارِ أَبِي خَلِيفَةَ، قَالَ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَقُلْنَا يَا أَبَا سَعِيدٍ جِئْنَا مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَبِي حَمْزَةَ فَلَمْ نَسْمَعْ مِثْلَ حَدِيثٍ حَدَّثَنَاهُ فِي الشَّفَاعَةِ قَالَ هِيهِ فَحَدَّثَنَاهُ الْحَدِيثَ فَقَالَ هِيهِ قُلْنَا مَا زَادَنَا قَالَ قَدْ حَدَّثَنَا بِهِ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً وَهُوَ يَوْمَئِذٍ جَمِيعٌ، وَلَقَدْ تَرَكَ شَيْئًا مَا أَدْرِي أَنَسِيَ الشَّيْخُ أَوْ كَرِهَ أَنْ يُحَدِّثَكُمْ فَتَتَّكِلُوا قُلْنَا لَهُ حَدِّثْنَا فَضَحِكَ وَقَالَ خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ، مَا ذَكَرْتُ لَكُمْ هَذَا إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي فِي الرَّابِعَةِ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ لِي يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ لَيْسَ ذَاكَ لَكَ أَوْ قَالَ لَيْسَ ذَاكَ إِلَيْكَ، وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي وَجِبْرِيَائِي لَأُخْرِجَنَّ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ فَأَشْهَدُ عَلَى الْحَسَنِ أَنَّهُ حَدَّثَنَا بِهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ أَرَاهُ قَالَ قَبْلَ عِشْرِينَ سَنَةً وَهُوَ يَوْمَئِذٍ جَمِيعٌ١.
وَقَالَ أَيْضًا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ وَهِشَامٌ صَاحِبُ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ح وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمَسْمَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١/ ١٨٢-١٨٤/ ح١٩٣ في الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها.
[ ٢ / ٨٩٩ ]
حَدَّثَنَا مُعَاذٌ وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-: "قَالَ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً". زَادَ ابْنُ مِنْهَالٍ فِي رِوَايَتِهِ قَالَ يَزِيدُ فَلَقِيتُ شُعْبَةَ فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ فَقَالَ شُعْبَةُ حَدَّثَنَا بِهِ قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْحَدِيثِ، إِلَّا أَنَّ شُعْبَةَ جَعَلَ مَكَانَ الذَّرَّةِ ذُرَةً قَالَ يَزِيدُ صَحَّفَ فِيهَا أَبُو بِسْطَامٍ١.
وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ -يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي أَيُّوبَ- قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَقِيرُ قَالَ كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِي رَأْيٌ مِنْ رَأْيِ الْخَوَارِجِ فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَةِ ذَوِي عَدَدٍ نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ، ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ قَالَ فَمَرَرْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ فَإِذَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَالِسٌ إِلَى سَارِيَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الْجَهَنَّمِيِّينَ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُونَ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آلِ: عِمْرَانَ ١٩٢] وَ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الْحَجِّ: ٢٢] فَمَا هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ قَالَ فَقَالَ أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ ﷺ، يَعْنِي الَّذِي يَبْعَثُهُ اللَّهُ فِيهِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ ﷺ الْمَحْمُودُ الَّذِي يُخْرِجُ اللَّهُ بِهِ مَنْ يُخْرِجُ قَالَ ثُمَّ نَعَتَ وَضْعَ الصِّرَاطِ وَمَرَّ النَّاسِ عَلَيْهِ قَالَ وَأَخَافُ أَنْ لَا أَكُونَ أَحْفَظُ ذَاكَ قَالَ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا قَالَ يَعْنِي فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ قَالَ فَيَدْخُلُونَ نَهْرًا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ الْقَرَاطِيسُ، فَرَجَعْنَا قُلْنَا وَيْحَكُمْ أَتَرَوْنَ الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَجَعْنَا فَلَا وَاللَّهِ مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَوْ كَمَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ٢.
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١/ ١٨٢/ ح١٩٣ في الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها. ٢ رواه مسلم ١/ ١٧٩ ١٨٠/ ح١٩١ رقم ٣٢٠ في الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها.
[ ٢ / ٩٠٠ ]
وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا ﵁ يَقُولُ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ- بِأُذُنِهِ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ نَاسًا مِنَ النَّارِ فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ" ١.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ قُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "أَنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ قَوْمًا مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ قَالَ: نَعَمْ" ٢ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ كَأَنَّهُمُ الثَّعَارِيرُ" قَالَ الضَّغَابِيسُ، وَكَانَ قَدْ سَقَطَ فَمُهُ٣.
وَقَالَ حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "قَالَ يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بَعْدَ مَا مَسَّهُمْ مِنْهَا سَفْعٌ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَيُسَمِّيهِمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَهَنَّمِيِّينَ" ٤.
وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ٥.
وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ الثَّالِثَةُ قَدْ فُسِّرَ بِهَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ أَيْضًا، كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١/ ١٧٨/ ح١٩١ رقم ٣١٧ في الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها. ٢ رواه مسلم ١/ ١٧٨/ ح١٩١ في الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، والبخاري ١١/ ٤١٦ في الرقاق باب صفة الجنة والنار. ٣ البخاري ١١/ ٤١٦ في الرقاق باب صفة الجنة والنار. ٤ رواه البخاري ١١/ ٤١٦ في الرقاق باب صفة الجنة والنار وفي التوحيد باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ . ٥ رواه البخاري ١١/ ٤١٨ في الرقاق باب صفة الجنة والنار وفي العلم.
[ ٢ / ٩٠١ ]
وَحَدِيثِ جَابِرٍ ﵄ فَيَكُونُ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ عَامًّا لِجَمِيعِ الشَّفَاعَاتِ الَّتِي أُوتِيهَا نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ -ﷺ- لَكِنَّ جُمْهُورَ الْمُفَسِّرِينَ فَسَرُّوهُ بِالشَّفَاعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ لِاخْتِصَاصِهِ -ﷺ- بِهِمَا دُونَ غَيْرِهِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْمُكْرَمِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الشَّفَاعَةُ الثَّالِثَةُ فَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي وُعِدَهُ فَلَيْسَتْ خَاصَّةً بِهِ ﷺ، بَلْ يُؤْتَاهَا كَثِيرٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ وَلَكِنْ هُوَ ﷺ الْمُقَدَّمُ فِيهَا، وَلَمْ يَشْفَعْ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى فِي مِثْلِ مَا يَشْفَعُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَا يُدَانِيهِ فِي ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ثُمَّ بَعْدَهُ يَشْفَعُ مَنْ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَسَائِرِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ، وَيَشْفَعُ الْأَفْرَاطُ كُلٌّ مِنْهُمْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قَدْرِ مَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ، ثُمَّ يُخْرِجُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ النَّارِ بِرَحْمَتِهِ أَقْوَامًا بِدُونِ شَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ وَلِذَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ:
وَبَعْدَهُ يَشْفَعُ كُلُّ مُرْسَلِ وَكُلُّ عَبْدٍ ذِي صَلَاحٍ وَوَلِي
وَيُخْرِجُ اللَّهُ مِنَ النِّيرَانِ جَمِيعَ مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ
فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ يُطْرَحُونَا فَحْمًا فَيُحْيَوْنَ وَيَنْبُتُونَا
كَأَنَّمَا ينبت في هيئاته عَبُّ حَمِيلِ السَّيْلِ فِي حَافَاتِهِ
تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فِي طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: "حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا مِمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَرْحَمَهُ، مِمَّنْ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ بِأَثَرِ السُّجُودِ، تَأْكُلُ النَّارُ مِنَ ابْنِ أَدَمَ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ تَحْتَهُ كَمَا تَنْبُتُ الْحَبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرَغُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ، هُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ" ١ الْحَدِيثُ تَقَدَّمَ بِطُولِهِ.
وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَيْضًا بِطُولِهِ، وَفِيهِ فِي نَعْتِ الْمُرُورِ عَلَى
_________________
(١) ١ تقدم ذكره.
[ ٢ / ٩٠٢ ]
الصِّرَاطِ "حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا، فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ لِي مُنَاشَدَةً فِي الْحَقِّ، قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِ يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ إِذَا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا فِي إِخْوَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَعْمَلُونَ مَعَنَا فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ وَيُحَرِّمُ اللَّهُ تَعَالَى صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيَأْتُونَهُمْ وَبَعْضُهُمْ قَدْ غَارَ فِي النَّارِ إِلَى قَدَمِهِ وَإِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا -قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي فَاقْرَءُوا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النِّسَاءِ: ٤٠]- فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ فَيَقُولُ الْجَبَّارُ بَقِيَتْ شَفَاعَتِي، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا قَدِ امْتُحِشُوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرٍ بِأَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ فِي حَافَّتَيْهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحَبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ قَدْ رَأَيْتُمُوهَا إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ إِلَى جَانِبِ الشَّجَرَةِ، فَمَا كَانَ إِلَى الشَّمْسِ مِنْهَا كَانَ أَخْضَرَ وَمَا كَانَ إِلَى الظِّلِّ كَانَ أَبْيَضَ، فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ فَيُجْعَلُ فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِيمُ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ فَيُقَالُ لَهُمْ لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلُهُ مَعَهُ ١ -وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ- حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَحُجُّونَ فَيُقَالُ لَهُمْ أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ فَيَقُولُ ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِمْ يَقُولُ ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا ثُمَّ يَقُولُ
_________________
(١) ١ تقدم ذكره.
[ ٢ / ٩٠٣ ]
ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا" وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ يَقُولُ إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيثِ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ٤٠] "فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿ شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ نَهَرُ الْحَيَاةِ فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحَبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، أَلَا تَرَوْنَهَا تَكُونُ إِلَى الْحَجَرِ أَوْ إِلَى الشَّجَرِ، مَا يَكُونُ مِنْهَا إِلَى الشَّمْسِ أُصَيْفِرُ وَأُخَيْضِرُ وَمَا يَكُونُ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ يَكُونُ أَبْيَضَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى بِالْبَادِيَةِ قَالَ فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، ثُمَّ يَقُولُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ فَيَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا، فَيَقُولُونَ رَبَّنَا أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا فَيَقُولُ رِضَايَ فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا" ١.
وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "يُدْخِلُ اللَّهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ، وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ ثُمَّ يَقُولُ انْظُرُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيَخْرُجُونَ مِنْهَا حُمَمًا قَدِ امْتَحَشُوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ أَوِ الْحَيَا فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحَبَّةُ إِلَى جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَوْهَا كَيْفَ تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ كَمَا تَنْبُتُ الْغُثَاءَةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ" ٢.
وَلَهُ عَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يُحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ - أَوْ قَالَ
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه سابقا. ٢ رواه البخاري ٧٢ في الإيمان باب تفاضل أهل الإيمان وفي الرقاق باب صفة الجنة والنار ومسلم ١/ ١٧٢/ ح١٨٤ في الإيمان باب إثبات. الشفاعة وإخراج الموحدين من النار.
[ ٢ / ٩٠٤ ]
بِخَطَايَاهُمْ- فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحَبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ كَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ كَانَ بِالْبَادِيَةِ" ١.
وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: "يَقُولُ وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا وَثَلَاثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي" هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ٢.
وَلَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ رَهْطٍ بِإِيلِيَاءَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَكْثَرُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ" قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سِوَاكَ قَالَ: "سِوَايَ" فَلَمَّا قَامَ قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا هَذَا ابْنُ أَبِي الْجَذْعَاءِ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ وَابْنُ أَبِي الْجَذْعَاءِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ لَهُ هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ٣.
وَلِلتِّرْمِذِيِّ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَشْفَعُ لِلْفِئَامِ مِنَ النَّاسِ، ومنهم مَنْ يَشْفَعُ لِلْقَبِيلَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلْعَصَبَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلرَّجُلِ، حَتَّى يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ" هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ٤.
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١/ ١٧٢ ١٧٣/ ح١٨٥ في الإيمان باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار. ٢ رواه الترمذي ٤/ ٦٢٦/ ح٢٤٣٧ في صفة القيامة باب رقم ١٢ وقال هذا حديث حسن، وأحمد ٥/ ٢٥٠ وابن ماجه ٢/ ١٤٣٣/ ح٤٢٨٦ في الزهد باب صفة أمة محمد وإسناده حسن من رواية إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد الألهاني وهو حمصي، وإسماعيل في روايته عن أهل بلده صدوق وهو كذلك هنا. ٣ رواه الترمذي ٤/ ٦٢٦/ ح٢٤٣٨ في صفة القيامة باب رقم ١٢ وقال هذا حديث حسن صحيح غريب، وابن ماجه ٢/ ١٤٤٣ ١٤٤٤/ ح٤٣١٦ في الزهد باب ذكر الشفاعة، والدارمي ٢/ ٣٢٨ وأحمد ٣/ ٦٣ و٤٦٩ و٤٧٠ و٥/ ٢٥٧ و٢٦١ و٢٦٧ و٣١٣ و٣٦٦ وهو حديث صحيح. ٤ رواه الترمذي ٤/ ٦٢٧/ ح٢٤٤٠ في صفة القيامة باب رقم ١٢ وقال هذا حديث حسن، وأحمد ٣/ ٢٠ و٦٣ وفي سنده عطية العوفي وهو ضعيف.
[ ٢ / ٩٠٥ ]
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَيُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ" وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ١ وَلَهُ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خُيِّرْتُ بَيْنَ الشَّفَاعَةِ وَبَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ نِصْفُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ لِأَنَّهَا أَعَمُّ وَأَكْفَى، تَرَوْنَهَا لِلْمُتَّقِينَ، لَا وَلَكِنَّهَا لِلْمُذْنِبِينَ الْخَطَّائِينَ الْمُتَلَوِّثِينَ" ٢.
وَلَهُ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَتَدْرُونَ مَا خَيَّرَنِي رَبِّي اللَّيْلَةَ" قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﷺ أَعْلَمُ قَالَ "فَإِنَّهُ خَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يُدْخِلَ نِصْفَ أُمَّتِي الْجَنَّةَ وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ"، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِهَا قَالَ "هِيَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ" ٣ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ "فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ، وَهِيَ لِمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا" ٤ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا مَشْهُورَةٌ مُسْتَفِيضَةٌ بَلْ مُتَوَاتِرَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَتَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ جُمْلَةٌ مِنْهَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَبَقِيَ مِنَ النُّصُوصِ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
_________________
(١) ١ رواه البخاري ١١/ ٤١٨ في الرقاق باب صفة الجنة والنار وأبو داود ٤/ ٢٣٦/ ح٤٧٤٠ في السنة باب في الشفاعة والترمذي ٤/ ٧١٥/ ح٢٦٠٠ وقال هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه ٢/ ١٤٤٣/ ح٤٣١٥ في الزهد باب ذكر الشفاعة. ٢ رواه ابن ماجه ٢/ ١٤٤١/ ح٤٣١١ في الزهد باب ذكر الشفاعة وإسناده صحيح. ٣ رواه ابن ماجه ٢/ ١٤٤٤/ ح٤٣١٧ في الزهد باب ذكر الشفاعة وإسناده صحيح. ٤ الترمذي ٤/ ٦٢٧ ٦٢٨/ ح٢٤٤١ في صفة القيامة باب رقم ١٢، وابن حبان في صحيحه ٩/ ١٦٨/ ح٧١٦٣، إحسان والحاكم في المستدرك ١/ ٦٧ والحديث صحيح وإن اختلف على إسناده.
[ ٢ / ٩٠٦ ]
باب الإيمان بالقضاء والقدر، وهو الركن السادس
المجلد الثالث
تابع النوع الثاني: توحيد الطلب والقصد
تابع أركان الإيمان: بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ
وَالسَّادِسُ الْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ فَأَيْقِنَنْ بِهَا وَلَا تُمَارِ
فَكُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرْ وَالْكُلُّ فِي أُمِّ الْكِتَابِ مُسْتَطَرْ
السادس مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ الْمَشْرُوحَةِ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ وَغَيْرِهِ هُوَ الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [الْقَمَرِ: ٤٩] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٣٨] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٣٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التَّغَابُنِ: ١١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٦٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٥٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [اللَّيْلِ: ٥-١٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الْفَاتِحَةِ] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
وَقَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بن أنس "ح" وحدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُونَ: "كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ". قَالَ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ:
[ ٣ / ٩١٧ ]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: "كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ" أَوِ "الْكَيْسِ وَالْعَجْزِ"١.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ زِيَادِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِبَادِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْقَدَرِ. فَنَزَلَتْ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ، إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [الْقَمَرِ: ٤٨- ٤٩] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ٢.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بَابَ ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٣٨] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: "لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا وَلِتُنْكَحَ فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا" ٣.
حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ وَعِنْدَهُ سَعْدٌ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذٌ أَنَّ ابْنَهَا يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَبَعَثَ إِلَيْهَا: "لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلِلَّهِ مَا أَعْطَى، كُلٌّ بِأَجَلٍ فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ" ٤.
حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيْزٍ الْجُمَحِيُّ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُصِيبُ سَبْيًا وَنُحِبُّ الْمَالَ كَيْفَ تَرَى فِي الْعَزْلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: "أَوَإِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ اللَّهُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَّا هِيَ كَائِنَةٌ"٥.
_________________
(١) ١ مسلم "٤/ ٢٠٤٥/ ح٢٦٥٥" في القدر، باب حجاج آدم وموسى ﵉. ٢ مسلم "٤/ ٢٠٤٦/ ح٢٦٥٦" في القدر، باب حجاج آدم وموسى ﵉. والترمذي "٥/ ٣٩٨-٣٩٩/ ح٣٢٩٠" في التفسير، باب ومن سورة القمر، وابن ماجه "١/ ٣٢/ ح٨٣" في المقدمة، باب في القدر. ٣ البخاري "١١/ ٤٩٤" في القدر، باب "وكان أمر الله قدرا مقدورا". ٤ البخاري "١١/ ٤٩٤" في القدر، باب "وكان أمر الله قدرا مقدورا". ٥ البخاري "١١/ ٤٩٤" في القدر، باب "وكان أمر الله مقدرا مقدورا".
[ ٣ / ٩١٨ ]
وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "لَا يَأْتِي ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَدَّرْتُهُ وَلَكِنْ يُلْقِيهِ الْقَدَرُ وَقَدْ قَدَّرْتُهُ لَهُ أَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ" ١.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ، ﷺ: "لَا يَأْتِي ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ لم يكن قد قُدِّرَ لَهُ وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ إِلَى الْقَدَرِ قَدْ قُدِّرَ لَهُ فيستخرج الله تعالى بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ فَيُؤْتِي عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُؤْتِي عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ" ٢.
وَقَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا. وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ" ٣.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ قَوْلُ النَّبِيِّ -ﷺ- لَهُ: "وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ".٤ الْحَدِيثَ. وَالْأَحَادِيثُ فِي الْقَدَرِ كَثِيرَةٌ جِدًّا قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهَا أَشْيَاءُ مُتَفَرِّقَةٌ وَسَنَذْكُرُ مِنْهَا مَا يُيَسِّرُهُ اللَّهُ ﷿ فِي هَذَا الْبَابِ.
_________________
(١) ١ البخاري "١١/ ٤٩٩" في القدر، باب إلقاء العبد النذر إلى القدر. ٢ البخاري "١١/ ٥٧٦" في الإيمان والنذور، باب الوفاء بالنذر ومسلم "٣/ ١٦٦٢/ ح١٦٤٠" في النذر، باب الأمر بقضاء النذر. ٣ مسلم "٤/ ٢٠٢٥/ ح٢٦٦٤" في القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز. ٤ رواه الترمذي "٤/ ٦٦٧/ ح٢٥١٦" في صفة القيامة، باب رقم "٥٩" وقال: هذا حديث حسن صحيح. وهو كما قال وقد رواه أحمد والحاكم والطبراني وابن السني والآجري والضياء، وابن أبي عاصم، وقد تقدم تخريجه سابقا.
[ ٣ / ٩١٩ ]
المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله ﷿ المحيط بكل شيء
فَصْلٌ: الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاتِبَ
وَاعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ تَعَالَى وَوَفَّقَنَا وَإِيَّاكَ لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَهَدَانَاهُ وَإِيَّاكَ صِرَاطَهُ الْمُسْتَقِيمَ أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْقَدَرِ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاتِبَ:
الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: الْإِيمَانُ بِعِلْمِ اللَّهِ ﷿ الْمُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ وَالْمُمْكِنَاتِ وَالْمُسْتَحِيلَاتِ، فَعَلِمَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ، وَأَنَّهُ عَلِمَ مَا الْخَلْقُ عَامِلُونَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ وَعَلِمَ أَرْزَاقَهُمْ وَآجَالَهُمْ وَأَحْوَالَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ فِي جَمِيعِ حَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ وَشَقَاوَتِهِمْ وَسَعَادَتِهِمْ وَمَنْ هُوَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَنْ هُوَ مِنْهُمْ مَنْ أَهْلِ النَّارِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَخْلُقَهُمْ وَمِنْ قَبْلِ أَنْ يَخْلُقَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ عَلِمَ دِقَّ ذَلِكَ وَجَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ وَقَلِيلَهُ وَظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ وَسِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ وَمَبْدَأَهُ وَمُنْتَهَاهُ، كُلُّ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ وَمُقْتَضَى اسْمِهِ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الْحَشْرِ: ٢٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطَّلَاقِ: ١٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الْجِنِّ: ٢٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾ [سَبَأٍ: ٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾، ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ﴾، ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْم ﴾، ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النَّجْمِ: ٣٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]- ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ١٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا
[ ٣ / ٩٢٠ ]
تَعْلَمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣٠] الْآيَاتِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١٦] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بَابَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ" ١.
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ وَأَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ" ٢.
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوَ يُنَصِّرَانِهِ كَمَا تُنْتِجُونَ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا مِنْ جدعاء حتى تكوتوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا". قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ؟ قَالَ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ" ٣.
وَقَالَ أَيْضًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرِّشْكُ قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ يُحَدِّثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُعْرَفُ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَلِمَ يَعْمَلُ
_________________
(١) ١ البخاري "١١/ ٤٩٣" في القدر، باب الله أعلم بما كانوا عاملين، وفي الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، ومسلم "٤/ ٢٠٤٩/ ح٢٦٦٠" في القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة. ٢ البخاري "١١/ ٤٩٣" في القدر، باب الله أعلم بما كانوا عاملين، وفي الجنائز، باب ما قيل في أولا المشركين، ومسلم "٤/ ٢٠٤٩/ ح٢٦٥٩" في القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة. ٣ البخاري "٣/ ٢١٨" في الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه، وباب ما قيل في أولاد المشركين، ومسلم "٤/ ٢٠٤٧-٢٠٤٨/ ح٢٦٥٨" في القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة.
[ ٣ / ٩٢١ ]
الْعَامِلُونَ؟ قَالَ: "كُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا خُلِقَ لَهُ" أَوْ "لِمَا يُسِّرَ لَهُ" ١.
وَقَالَ ﵀ أَيْضًا: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَعْظَمِ الْمُسْلِمِينَ غَنَاءً عَنِ الْمُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ ينظر إلى رجل مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا". فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ حَتَّى جُرِحَ فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَجَعَلَ ذُبَابَةَ سَيْفِهِ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- مُسْرِعًا فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ " قَالَ: قُلْتَ لِفُلَانٍ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَيْهِ وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِنَا غَنَاءً عَنِ الْمُسْلِمِينَ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا جُرِحَ اسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- عِنْدَ ذَلِكَ: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ" ٢.
وَقَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَقَبَةَ بْنِ مَسْقَلَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: "إِنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ كَافِرًا، وَلَوْ عَاشَ لَأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا" ٣.
حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: تُوُفِّيَ صَبِيٌّ فَقُلْتُ: طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: "أَوَلَا تَدْرِينَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ
_________________
(١) ١ البخاري "١١/ ٤٩١" في القدر، باب جف القلم على علم الله، وفي التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْر﴾، ومسلم "٤/ ٢٠٤١/ ح٢٦٤٩" في القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه. ٢ البخاري "١١/ ٤٩٩" في القدر، باب العمل بالخواتيم، وفي الرقاق، باب العمل بالخواتيم، وفي المغازي، باب غزوة خيبر ومسلم "١/ ١٠٦/ ح١١٢" في الإيمان، باب غلط تحريم قتل الإنسان نفسه. ٣ مسلم "٤/ ٢٠٥٠/ ح٢٦٦١" في القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة.
[ ٣ / ٩٢٢ ]
الْجَنَّةَ وَخَلَقَ النَّارَ فَخَلَقَ لِهَذِهِ أَهْلًا وَلِهَذِهِ أَهْلًا" ١.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى جِنَازَةِ صَبِيٍّ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ قَالَ: "أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ؛ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ" ٢.
وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ" ٣. قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ عَلَى حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -يَعْنِي ابْنَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "إِنِ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ" ٤ الْحَدِيثُ يُفَسِّرُ الْأَوَّلَ أَنَّ عَمَلَ الْمَخْتُومِ لَهُ بِالشَّقَاوَةِ إِذَا ظَهَرَ صَلَاحُهُ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ.
وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنْ أبي الأسود الدؤلي قَالَ: قَالَ لِيَ عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ
_________________
(١) ١ مسلم "٤/ ٢٠٥٠/ ح٢٦٦٢" رقم "٣٠" في القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة. ٢ مسلم "٤/ ٢٠٥٠/ ح٢٦٦٢" رقم "٣١" في القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة. ٣ مسلم "٤/ ٢٠٤٢/ ح٢٦٥١" في القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه. ٤ مسلم "١/ ١٠٦/ ١٠٧/ ح١١٢" في الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه.
[ ٣ / ٩٢٣ ]
المرتبة الثانية: أن كتاب الله لم يفرط فيه من شيء
فِيهِ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرِ مَا سَبَقَ؟ أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ. قَالَ: فَقَالَ أَفَلَا يَكُونُ ظُلْمًا؟ قَالَ فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا وَقُلْتُ: كُلُّ شَيْءٍ خَلْقُ اللَّهِ وَمِلْكُ يده فلا يسئل عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، فَقَالَ لِي: يرحمك الله تعالى إِنِّي لَمْ أُرِدْ بِمَا سَأَلْتُكَ إِلَّا لِأَحْزُرَ عَقْلَكَ، إِنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَفِي شَيْءٍ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُم -ﷺ- وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: "لَا بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿": ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ٨] ١. وَفِيهِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسًا وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلِمَ نَعْمَلُ أَفَلَا نَتَّكِلُ قَالَ: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى إِلَى قَوْلِهِ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [اللَّيْلِ: ٥-١٠] ٢ وَالْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ يَطُولُ اسْتِقْصَاؤُهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْهَا جُمْلَةٌ فِي إِثْبَاتِ عِلْمِ اللَّهِ ﷿ مِنْ تَوْحِيدِ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِثْبَاتِ.
"فَصْلٌ" الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ مَرَاتِبِ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ: الْإِيمَانُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَمْ يُفَرِّطْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٣٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [الْقَمَرِ: ٥٣] وَقَالَ تَعَالَى: عَنْ مُوسَى حِينَ قَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى، قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ
_________________
(١) ١ مسلم "٤/ ٢٠٤١/ ح٢٦٥٠" في القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن آمه. ٢ مسلم "٤/ ٢٠٤٠/ ح٢٦٤٧" في القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه، والبخاري "١١/ ٤٩٤" فيه، باب "وكان أمر الله قدرا مقدورا"، وفي التوحيد والتفسير.
[ ٣ / ٩٢٤ ]
رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الْحَجِّ: ٧٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يُونُسَ: ٦١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فَاطِرٍ: ١١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي يُقْرَنُ فِيهَا بَيْنَ إِثْبَاتِ الْعِلْمِ وَالْكِتَابِ أَوْ يُذْكَرُ كُلٌّ عَلَى حِدَتِهِ، وَكِتَابُهُ تَعَالَى مِنْ عِلْمِهِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- وَمَعَهُ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ وَقَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أَوْ مِنَ الْجَنَّةِ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَلَا نَتَّكِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لَا، اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ" ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [اللَّيْلِ: ٥] ١.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِأَبْسَطَ مِنْهُ فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً. قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ
_________________
(١) البخاري "٧/ ٧١٨" في تفسير سورة "والليل إذا يغشى" باب "فسنيسره لليسرى"، وفي الجنائز، وفي الأدب، وفي القدر وفي التوحيد.
[ ٣ / ٩٢٥ ]
أَفَلَا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ فَقَالَ: "مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ. فَقَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ. وأما أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ١ [اللَّيْلِ: ٥-١٠] .
وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ "ح" وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقْنَا الْآنَ. فِيمَا الْعَمَلُ الْيَوْمَ؟ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟ قَالَ: "لَا، بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ" قَالَ: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ قَالَ زُهَيْرٌ: ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو الزُّبَيْرِ بِشَيْءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ. فَسَأَلْتُ مَا قَالَ؟ فَقَالَ: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ" وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: "كُلُّ عَامِلٍ مُيَسَّرٌ لِعَمَلِهِ" ٢.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بَابَ ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٥] ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هُودٍ: ٣٦] ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٧] وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ النُّعْمَانِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃: وَحِرْمٌ بِالْحَبَشِيَّةِ وَجَبَ٣. حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابن عباس ﵄ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ" وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ
_________________
(١) ١ مسلم "٤/ ٢٠٣٩- ٢٠٤٠/ ح٢٦٤٧" في القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه. ٢ مسلم "٤/ ٢٠٤٠/ ح٢٦٤٨" في القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه. ٣ ذكره البخاري تعليقا "١١/ ٥٠٢". قال الحافظ: لم أقل على هذا التعليق موصولا. "أي: من طريق منصور بن النعمان" وقد وصله من غير طريقه الطبري وعبد بن حميد وابن أبي حاتم. و"حرم" هي قراءة أخرى هي التي ذكرها البخاري في صحيحه.
[ ٣ / ٩٢٦ ]
بِهَذَا اللَّفْظِ١. وَبِلَفْظٍ قَالَ ﷺ: "كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ" ٢.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا يُونُسُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ رَكِبَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: "يَا غُلَامُ إِنِّي مُعْلِمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ؛ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وإذا سألت فسأل اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ لَمْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ"، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِنَحْوِهِ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ٣.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنَا لَيْثٌ حَدَّثَنِي أَبُو قَبِيلٍ الْمَعَافِرِيُّ عَنْ شُفَيٍّ الْأَصْبَحِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ فَقَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الْكِتَابَانِ" قَالَ: قُلْنَا: إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى: "هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﵎ بِأَسْمَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ ثُمَّ أُجْمِلَ على آخرهم فلا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا" ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي يَسَارِهِ: "هَذَا كِتَابُ أَهْلِ النَّارِ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ لَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا". فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ: فلأي شيء إذًا نَعْمَلُ إِنْ كان هذا أمر قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ قَالَ
_________________
(١) ١ البخاري "١١/ ٥٠٢ -٥٠٣" في القدر، باب "وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون" وفي الاستئذان باب زنى الجوارح، ومسلم "٤/ ٢٠٤٦/ ح٢٦٥٧" في القدر، باب كل شيء بقدر. ٢ مسلم "٤/ ٢٠٤٦-٢٠٤٧/ ح٢٦٥٧" في القدر، باب كل شيء بقدر. ٣ أحمد "١/ ٢٩٣"، والترمذي "٤/ ٦٦٧/ ح٢٥١٦" في صفة القيامة، باب رقم "٥٩" وقد تقدم تخريجه سابقا.
[ ٣ / ٩٢٧ ]