وَيدل عَلَيْهِ الْقُرْآن وَالْخَبَر وَالْإِجْمَاع
أما الْقُرْآن فآيات إِحْدَاهَا قَوْله تَعَالَى ﴿قل للمخلفين من الْأَعْرَاب ستدعون إِلَى قوم أولي بَأْس شَدِيد﴾ إِلَى آخر الْآيَة فَنَقُول هَذَا الدَّاعِي إِمَّا أَن يكون رَسُول الله ﷺ أَو أحد الثَّلَاثَة الَّذين جَاءُوا بعده وهم أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ أَو يكون الدَّاعِي هُوَ عَليّ ﵁ أَو الَّذين جَاءُوا بعد عَليّ
لَا يجوز أَن يكون الدَّاعِي هُوَ النَّبِي ﷺ بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى سَيَقُولُ الْمُخَلفُونَ إِذا انطلقتم إِلَى مَغَانِم كَثِيرَة لتأخذوها ذرونا نتبعكم يُرِيدُونَ أَن يبدلوا كَلَام الله قل لن تتبعونا كذلكم قَالَ الله من قبل وَلَو كَانَ الدَّاعِي لَهُم الرَّسُول ﷺ ثمَّ إِنَّه مَنعهم عَن مُتَابَعَته لزم التَّنَاقُض وَهُوَ بَاطِل
[ ١٤٦ ]
وَلَا يجوز أَن يكون المُرَاد هُوَ عَليّ ﵁ لقَوْله تَعَالَى ﴿تقاتلونهم أَو يسلمُونَ﴾ دلّت هَذِه الْآيَة على أَن الْمَقْصُود من هَذِه الْمُقَاتلَة تَحْصِيل الْإِسْلَام وحروب عَليّ ﵁ مَا كَانَ الْمَقْصُود مِنْهَا تَحْصِيل الْإِسْلَام بِدَلِيل أَنا بَينا أَن الْإِسْلَام عبارَة عَن الْإِقْرَار الدَّال على الِاعْتِقَاد ظَاهرا وَقد كَانَ هَذَا حَاصِلا فيهم وَلَا يجوز أَن يكون المُرَاد من جَاءَ بعد عَليّ لأَنهم عندنَا على الْخَطَأ وَعند الشِّيعَة على الْكفْر وَلما بطلت الْأَقْسَام ثَبت أَن المُرَاد مِنْهُ أحد أُولَئِكَ الثَّلَاثَة أَعنِي أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ ثمَّ أَنه تَعَالَى أوجب طَاعَته حَيْثُ قَالَ ﴿فَإِن تطيعوا يُؤْتكُم الله أجرا حسنا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا توليتم من قبل يعذبكم عذَابا أَلِيمًا﴾ وَإِذا وَجَبت طَاعَة وَاحِد من هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة وَجَبت طَاعَة الْكل لِأَنَّهُ لَا قَائِل بِالْفرقِ فَهَذِهِ آيَة تدل على وجوب إِمَامَة هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة
وَالْحجّة الثَّانِيَة من الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾ وَجه الِاسْتِدْلَال قَوْله تَعَالَى ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم﴾ هَذَا خطاب مشافهة لجَماعَة من الْحَاضِرين فِي زمن حَيَاة الرَّسُول ﷺ بإيصال الْخلَافَة إِلَيْهِم وَلَا يُمكن حمله على عَليّ وَالْحسن وَالْحُسَيْن ﵃ لأَنهم عِنْد الشِّيعَة مَا كَانُوا متمكنين من إِظْهَار دينهم وَمَا زَالَ الْخَوْف عَنْهُم بل كَانُوا أبدا فِي التقية وَالْخَوْف فَوَجَبَ حمل الْآيَة على أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي ﵃ لِأَنَّهُ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة كَانُوا عندنَا متمكنين من إِظْهَار دينهم وَكَانَ الْخَوْف عَنْهُم زائلا
الْحجَّة الثَّالِثَة قَوْله تَعَالَى ﴿وسيجنبها الأتقى الَّذِي يُؤْتِي مَاله يتزكى﴾ فَنَقُول هَذَا الأتقى يجب أَن يكون من أفضل الْخلق بعد الرَّسُول ﷺ لقَوْله تَعَالَى ﴿إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم﴾ وأجمعت الْأمة على أَن الْأَفْضَل إِمَّا أَبُو بكر وَإِمَّا عَليّ ﵄ وَلَا يُمكن حمل هَذِه الْآيَة
[ ١٤٧ ]
على عَليّ أَنه تَعَالَى قَالَ فِي صفة هَذَا الأتقى ﴿وَمَا لأحد عِنْده من نعْمَة تجزى﴾ وَعلي ﵁ مَا كَانَ كَذَلِك لِأَن النَّبِي ﷺ رباه من أول صغره إِلَى آخر عمره وَتلك النِّعْمَة توجب المجازاة
أما أَبُو بكر ﵁ فقد كَانَ لرَسُول الله ﷺ فِي حَقه نعْمَة الْإِرْشَاد إِلَى الدّين إِلَّا أَن هَذِه النِّعْمَة لَا تجزي الْبَتَّةَ وَلما ثَبت أَن هَذَا الأتقى إِمَّا أَبُو بكر وَإِمَّا عَليّ وَثَبت أَنه لَا يُمكن حمله على عَليّ وَجب حمله على أبي بكر ﵄ ثمَّ أَنه تَعَالَى وَصفه بقوله ﴿إِلَّا ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى ولسوف يرضى﴾ وسوف لاستقبال فَهَذِهِ الْآيَة تدل على أَن أَبَا بكر أفضل الْخلق بعد رَسُول الله ﷺ فِي زمن رَسُول الله ﷺ وَيدل قَوْله ﴿ولسوف يرضى﴾ على أَنه تبقى تِلْكَ الصّفة بَاقِيَة فِي أبي بكر ﵁ إِلَى الزَّمَان الْمُسْتَقْبل وَلَو كَانَ مُبْطلًا فِي الْإِمَامَة لما كَانَ أفضل الْخلق وَلما دلّت الْآيَة على الْأَفْضَلِيَّة وَجب الْقطع بِصِحَّة إِمَامَته
وَأما الْأَخْبَار فكثيرة أَحدهَا قَوْله ﷺ (اقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر) أوجب الِاقْتِدَاء بهما فِي الْفَتْوَى وَمن جملَة مَا أفتيا بِهِ كَونهمَا إمامين فَوَجَبَ الافتداء بهما فِي هَذِه الْفَتْوَى وَذَلِكَ يُوجب إمامتهما
وَثَانِيها قَوْله ﷺ (الْخلَافَة بعدِي ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ تصير ملكا عَضُوضًا) وَذَلِكَ تنصيص على أَنهم كَانُوا فِي الْخُلَفَاء المحقين لَا من الْمُلُوك الظَّالِمين
وَثَالِثهَا قَوْله ﷺ فِي أبي بكر وَعمر ﵄ (هما سيدا كهول أهل الْجنَّة) وَلَو كَانَا غاضبين للْإِمَامَة لما كَانَ هَذَا الحكم لائقا بهما
وَكَذَلِكَ الْخَبَر الدَّال على بِشَارَة الْعشْرَة المبشرة يدل على صِحَة إِمَامَة الثَّلَاثَة
وَأما الْإِجْمَاع فَمن وُجُوه
أَحدهَا أَن النَّاس أَجمعُوا على أَن الإِمَام بعد رَسُول الله ﷺ إِمَّا أَبُو
[ ١٤٨ ]
بكر وَإِمَّا الْعَبَّاس وَإِمَّا عَليّ ﵃ ثمَّ رَأينَا أَن الْعَبَّاس وعليا مَا نازعا أَبَا بكر فِي الْإِمَامَة فَترك هَذِه الْمُنَازعَة إِمَّا أَن يكون لعجزهما عَن الْمُنَازعَة أَو مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهَا وَالْأول بَاطِل لما بَينا أَن أَسبَاب الْقُدْرَة كَانَت مجتمعة فِي عَليّ ﵁ ومفقودة فِي حق أبي بكر ﵁ فَثَبت أَنَّهُمَا تركا الْمُنَازعَة مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهَا فَإِن كَانَت الْإِمَامَة حَقًا لَهما كَانَ ترك الْمُنَازعَة مَعَ الْقُدْرَة خطأ عَظِيما وَذَلِكَ يُوجب الْقدح فِي إمامتهما وَإِن كَانَت الْإِمَامَة لَيست حَقًا لَهما وَجب أَن تكون حَقًا لأبي بكر ﵁ وَإِلَّا لبطل الْإِجْمَاع على أَن أحد هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة هُوَ الإِمَام
الثَّانِي لَو كَانَت الْإِمَامَة حَقًا لعَلي ﵁ بِسَبَب النَّص الْجَلِيّ مَعَ أَن الْأمة دفعوه عَنْهَا لكَانَتْ هَذِه الْأمة شَرّ أمة أخرجت للنَّاس لَكِن هَذَا اللَّازِم بَاطِل لقَوْله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ فَإِن قَالُوا قَوْله ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ يدل على أَنهم كَانُوا وَمَا بقوا على هَذِه الصّفة قُلْنَا نحمله على كَانَ التَّامَّة وَيدل عَلَيْهِ أَنه تَعَالَى قَالَ فِي عقبه ﴿تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ فَلَو كَانَ قَوْله ﴿كُنْتُم﴾ يُفِيد أَنهم كَانُوا كَذَلِك ثمَّ لم يبقوا عَلَيْهِ لَكَانَ قَوْله ﴿تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ مناقضا لَهُ وَلَو حملناه على كَانَ النَّاقِصَة كَانَ الْمَعْنى كُنْتُم كَذَلِك فِي علم الله أَو فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ
الثَّالِث ثَبت بالأحاديث الصَّحِيحَة أَنه ﷺ اسْتَخْلَفَهُ فِي مرض مَوته فِي الصَّلَاة
فَنَقُول حصلت تِلْكَ الْخلَافَة وَمَا عَزله عَنْهَا فَوَجَبَ بَقَاء تِلْكَ الْخلَافَة عَلَيْهِ وَإِذا ثَبت وجوب كَونه إِمَامًا فِي الصَّلَاة ثَبت وجوب كَونه إِمَامًا فِي سَائِر الْأَشْيَاء لِأَنَّهُ لَا قَائِل بِالْفرقِ
وَاحْتج الْمُخَالف بِوُجُوه أَحدهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا﴾ الْآيَة فَهَذِهِ الْآيَة تدل على إِمَامَة شخص بِعَيْنِه وَإِذا ثَبت
[ ١٤٩ ]
ذَلِك وَجب أَن يكون ذَلِك الإِمَام عليا ﵁
بَيَان الأول أَن الْوَلِيّ إِمَّا النَّاصِر وَإِمَّا الْمُتَصَرف وَيجب قصره عَلَيْهِمَا تقليلا للاشتراك وَالْمجَاز وَلَا يجوز حمله على النَّاصِر لِأَن النُّصْرَة عَامَّة لقَوْله تَعَالَى وَالْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَالْولَايَة الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة خَاصَّة بِبَعْض الْمُؤمنِينَ لِأَن كلمة ﴿إِنَّمَا﴾ تفِيد الْحصْر وَإِذا بَطل حمل الْوَلِيّ عَليّ النَّاصِر وَجب حمله على الْمُتَصَرف فِي جَمِيع الْأمة المخاطبين بقوله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله﴾ وَلَا معنى للْإِمَامَة إِلَّا التَّصَرُّف فِي جَمِيع الْأمة فَثَبت دلَالَة هَذِه الْآيَة على إِمَامَة شخص معِين وكل من قَالَ بهَا قَالَ إِنَّه عَليّ بن أبي طَالب ﵁ لِأَن أحدا من الْأمة لم يقل إِن هَذِه الْآيَة تدل على إِمَامَة أبي بكر وَالْعَبَّاس ﵄
الثَّانِي أَنه ﷺ قَالَ (أَلَسْت أولى بكم من أَنفسكُم قَالُوا نعم قَالَ فَمن كنت مَوْلَاهُ فعلى مَوْلَاهُ) وَجه الِاسْتِدْلَال أَنه صرح بِلَفْظَة أولى ثمَّ ذكر عقيبها الْمولى وَهُوَ لفظ يحْتَمل الْأَشْيَاء وَذكر الأولى يصلح تَفْسِيرا فَوَجَبَ حمله عَلَيْهِ دفعا للإجمال وَحِينَئِذٍ يصير تَقْدِيره من كنت أولى بِهِ فِي الحكم والقضية من نَفسه كَانَ عَليّ أولى بِهِ فِي ذَلِك وَلَا معنى للْإِمَام إِلَّا من يكون أولى من غَيره فِي قبُول حكمه وقضائه
الثَّالِث قَوْله ﷺ لعَلي ﵁ (أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى) وَمن جملَة منَازِل هَارُون من مُوسَى كَونه بحث لَو بَقِي بعد مُوسَى كَانَ خَليفَة لَهُ فَوَجَبَ أَن يثبت لعَلي أَنه لَو بَقِي بعد مُحَمَّد ﷺ لَكَانَ خَليفَة لَهُ وَقد بَقِي بعده فَوَجَبَ أَن يكون خَليفَة لَهُ
وَالْجَوَاب عَن الْكل أَنه يجب حملهَا على أولويته فِي الْإِيمَان بِالدّينِ وعَلى علو منصبه وَلَا تحمل على الْإِمَامَة تَوْفِيقًا بَينهَا وَبَين الدَّلَائِل الَّتِي ذَكرنَاهَا ثمَّ
إِن قَوْلنَا أولى لوجوه
[ ١٥٠ ]
أَحدهَا أَنا بِهَذَا الطَّرِيق نصون الْأمة عَن الْكفْر وَالْفِسْق
وَالثَّانِي أَن الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي فضل أبي بكر وَعمر ﵄ بلغت مبلغ التَّوَاتُر وبالوجه الَّذِي ذَكرْنَاهُ يبْقى الْكل حَقًا صَحِيحا
وَالثَّالِث أَنه تَعَالَى نَص على تَعْظِيم الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فِي الْقُرْآن وبالطريق الَّذِي ذَكرْنَاهُ يبْقى الْكل صَحِيحا حَقًا