ما من شخصية في تاريخنا الإسلامي، من الرعيل الأول من الصحابة الذين تربوا على يدي رسول الله - ﵌ - و- ﵃ - قد نالها من التشويه والدس والافتراء والظلم، مثل ما نال معاوية بن أبي سفيان - ﵄ -؛ حيث امتلأت معظم المصادر التاريخية بعشرات الروايات الضعيفة أو المكذوبة على هذا الصحابي الكريم .. فكان لابد من الدفاع عن عرضه وفق المنهج الصحيح.
وإن الشبهات التي قيلت في ذم معاوية - ﵁ - ليست بشيء!
ولولا أنها ذكرت واعتقد بعض الناس صحتها لكان الإضراب عنها صفحًا أولى من ذكرها.
فإن الإعراض عن القول الساقط أفضل وأحرى لإماتته، وإخمال ذكر قائله وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيها للجهال عليه.
وهذه الشبهات التي ذكرت في معاوية - ﵁ - إما أحاديث صحيحة ليس فيها ذم لمعاوية - ﵁ - بل يفهم منها المدح له.
_________________
(١) انظر: * شبهات حول الصحابة والرّدّ عليها، أَميرُ المُؤْمِنين مُعاويةُ بنُ أَبي سُفْيَان، لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وتقديم وتعليق الشيخ محمد مال الله. * شبهات وأباطيل حول معاوية ابن أبي سفيان لأبي عبد الله الذهبي. * سل السِّنان في الدفاع عن معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - لسعد بن ضيدان السبيعي. * كشف الجاني محمد التيجاني في كتبه الأربعة: ثم اهتديت، فاسألوا أهل الذكر، مع الصادقين، الشيعة هم أهل السنة، للشيخ عثمان الخميس.
[ ١٥٧ ]
وإما أخبار ساقطة يرويها الأخباريون وأهل التاريخ بلا زمام ولا خطام، ويتولى كبر الترويج لها أهلُ البدع والأهواء.
ومنها ما يكون رواتها من المتروكين كأبي مخنف لوط بن يحيى فهو إخباري تالف لا يوثق به.
ونصر بن مزاحم صاحب كتاب (صفين) فهو رافضي متروك الحديث.
ومحمد بن السائب الكلبي المفسر الإخباري فهو متروك الحديث أيضًا.
ومحمد بن عمر الواقدي، متروك (١).
والبلاذري أحمد بن يحيى بن جابر بن داود المتوفى سنة ٢٧٩هـ صاحب كتاب «أنساب الأشراف»، وهو وإن كان صدوقًا في نفسه إلا أنه انفرد بذكر آثار وقصص في ذم معاوية لا يتابَع عليها - وأطال في ترجمته جدًا - وقد أنكرها أهل الحديث عليه، نقل ذلك هو بنفسه فقال: «قال لي هشام بن عمار: نظرت في أحاديث معاوية عندكم فوجدت أكثرها مصنوعًا» وذكر مثالًا لذلك (٢)!
وهشام بن عمار ﵀ المتوفى سنة ٢٤٥هـ إمام من أئمة الحديث من شيوخ البخاري ومن شيوخ البلاذري نفسه.
_________________
(١) انظر: الكامل لابن عدي (٦/ ٩٣)، الضعفاء للعقيلي (٤/ ١٩٠)، لسان الميزان (٢/ ٤٣٠). التهذيب (٣/ ٥٦٩)، الميزان للذهبي (٣/ ٥٥٦)، (٣/ ٦٦٦).
(٢) أنساب الأشراف (٥/ ٨١).
[ ١٥٨ ]
الشبهة الأولى
«لا أَشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ»
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - فَتَوَارَيْتُ خَلْفَ بَابٍ قَالَ فَجَاءَ فَحَطَأَنِي حَطْأَةً وَقَالَ: «اذْهَبْ وَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ».
قَالَ: فَجِئْتُ فَقُلْتُ: «هُوَ يَأْكُلُ».
قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِيَ: «اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ».
قَالَ: فَجِئْتُ فَقُلْتُ: «هُوَ يَأْكُلُ».
فَقَالَ: «لَا أَشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ» (رواه مسلم).
الجواب:
قد يستغل بعض أعداء الإسلام كالشيعة وغيرهم هذا الحديث ليتخذوا منه مطعنًا فى معاوية - ﵁ - وليس فيه ما يساعدهم على ذلك، كيف وفيه أنه كان كاتب النبى - ﵌ -؟!.
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم:
«وَقَوْله: حَطْأَة: هُوَ الضَّرْب بِالْيَدِ مَبْسُوطَة بَيْن الْكَتِفَيْنِ، وَإِنَّمَا فَعَلَ هَذَا بِابْنِ عَبَّاس مُلَاطَفَة وَتَأْنِيسًا.
وَأَمَّا دُعَاؤُهُ عَلَى مُعَاوِيَة أَنْ لَا يَشْبَع حِين تَأَخَّرَ فَفِيهِ الْجَوَابَانِ السَّابِقَانِ: أَحَدهمَا أَنَّهُ جَرَى عَلَى اللِّسَان بِلَا قَصْد، وَالثَّانِي أَنَّهُ عُقُوبَة لَهُ لِتَأَخُّرِهِ.
وَقَدْ فَهِمَ مُسْلِم - ﵀ - مِنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ مُعَاوِيَة لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِلدُّعَاءِ عَلَيْهِ، فَلِهَذَا أَدْخَلَهُ فِي هَذَا الْبَاب، وَجَعَلَهُ غَيْره مِنْ مَنَاقِب مُعَاوِيَة لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة يَصِير دُعَاء لَهُ». (اهـ باختصار).
[ ١٥٩ ]
فالظاهر أن هذا الدعاء منه - ﵌ - غير مقصود، بل هو مما جرت به عادة العرب فى وصل كلامها بلا نية كقوله - ﵌ - لبلال - ﵁ -: «مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ» (١).
وقوله - ﵌ - لمعاذ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ» (٢) ونحو ذلك.
ويمكن أن يكون ذلك منه - ﵌ - بباعث البشرية التى أفصح عنها هو نفسه - ﵌ - فى أحاديث كثيرة متواترة، منها قوله - ﵌ -: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي ﷿ أَيُّ عَبْدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ أَوْ شَتَمْتُهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا» (رواه مسلم).
وقد ختم الإمام مسلم - ﵀ - بهذا الحديث الأحاديث الواردة في دعاء النبي - ﵌ - أن يجعل ما صدر منه من سب ودعاء على أحد ليس هو أهلًا لذلك أن يجعله له زكاة،
_________________
(١) عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - ﵁ - قَالَ: «ضِفْتُ النَّبِيَّ - ﵌ - ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ وَأَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَحُزُّ لِي بِهَا مِنْهُ»، قَالَ: «فَجَاءَ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ»، قَالَ: «فَأَلْقَى الشَّفْرَةَ، وَقَالَ: «مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ»، وَقَامَ يُصَلِّي» (رواه أبو داود، وصححه الألباني). قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ: (ضِفْتُ):أَيْ نَزَلْت عَلَيْهِ ضَيْفًا. (بِجَنْبٍ):جَنْب الشَّاة شِقّهَا، وَجَنْب الْإِنْسَان شِقّه. (الشَّفْرَة): هِيَ السِّكِّين الْعَظِيمَة، وَقِيلَ: هِيَ السِّكِّين الْعَرِيضَة. (يَحُزّ): حَزَّهُ وَاحْتَزَّهُ أَيْ قَطَعَهُ، وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز قَطْع اللَّحْم بِالسِّكِّينِ، وَفِي النَّهْي عَنْهُ حَدِيث ضَعِيف فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ. (فَآذَنَهُ): أَيْ أَعْلَمَهُ وَأَخْبَرَهُ. (وَقَالَ (النَّبِيّ - ﵌ -: (مَا لَهُ): لِبِلَالٍ قَدْ عَجَّلَ وَلَمْ يَنْتَظِر إِلَى أَنْ أَفْرُغ مِنْ أَكْل طَعَامِي. (تَرِبَتْ يَدَاهُ): تَرِبَ الشَّيْء: أَصَابَهُ التُّرَاب، وَمِنْهُ تَرِبَ الرَّجُل اِفْتَقَرَ كَأَنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرَابِ، يُقَال تَرِبَتْ يَدَاك وَهُوَ عَلَى الدُّعَاء أَيْ لَا أَصَبْت خَيْرًا. وَ(تَرِبَتْ يَدَاهُ) كَلِمَة تَقُولهَا الْعَرَب عِنْد اللَّوْم وَمَعْنَاهَا الدُّعَاء عَلَيْهِ بِالْفَقْرِ وَالْعَدَم، وَقَدْ يُطْلِقُونَهَا فِي كَلَامهمْ وَهُمْ لَا يُرِيدُونَ وُقُوع الْأَمْر كَمَا قَالُوا عَقْرَى حَلْقَى فَإِنَّ هَذَا الْبَاب لَمَّا كَثُرَ فِي كَلَامهمْ وَأَدَامَ اِسْتِعْمَاله فِي مَجَارِي اِسْتِعْمَالهمْ صَارَ عِنْدهمْ بِمَعْنَى اللَّغْو، وَذَلِكَ مِنْ لَغْو الْيَمِين الَّذِي لَا اِعْتِبَار بِهِ وَلَا كَفَّارَة فِيهِ.
(٢) جزء من حديث طويل عن معاذ - ﵁ -: « قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِما نَتَكَلَّمُ بهِ؟ فقالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، - أوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ - إلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ». (رواهُ الترمذيُّ وصححه الألباني).
[ ١٦٠ ]
وأجرًا، ورحمة، وذلك كقوله: (عَقْرَى حَلْقَى (١)، وثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وتَرِبَتْ يَمِينُك، ولَا كَبِرَ سِنُّكِ)، فقد أورد في صحيحه عدّة أحاديث:
أحدها هذا الحديث.
وقبله حديث أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَتْ عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ يَتِيمَةٌ وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ فَرَأَى رَسُولُ اللهِ - ﵌ - الْيَتِيمَةَ فَقَالَ: «آنْتِ هِيَهْ لَقَدْ كَبِرْتِ، لَا كَبِرَ سِنُّكِ».
فَرَجَعَتْ الْيَتِيمَةُ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تَبْكِي؛ فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: «مَا لَكِ يَا بُنَيَّةُ؟».
قَالَتْ الْجَارِيَةُ: دَعَا عَلَيَّ نَبِيُّ اللهِ - ﵌ - أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنِّي فَالْآنَ لَا يَكْبَرُ سِنِّي أَبَدًا - أَوْ قَالَتْ قَرْنِي.
فَخَرَجَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مُسْتَعْجِلَةً تَلُوثُ خِمَارَهَا (٢) حَتَّى لَقِيَتْ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «مَا لَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ».
فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَدَعَوْتَ عَلَى يَتِيمَتِي؟
قَالَ: «وَمَا ذَاكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟».
قَالَتْ: زَعَمَتْ أَنَّكَ دَعَوْتَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنُّهَا وَلَا يَكْبَرَ قَرْنُهَا.
قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - ثُمَّ قَالَ: «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ شَرْطِي عَلَى رَبِّي أَنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي فَقُلْتُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
_________________
(١) مَعْنَى (عَقْرَى) عَقَرَهَا اللهُ تَعَالَى، وَ(حَلْقَى) حَلَقَهَا اللهُ. يَعْنِي عَقَرَ اللهُ جَسَدهَا وَأَصَابَهَا بِوَجَعٍ فِي حَلْقهَا. وَقِيلَ: يُقَال لِلْمَرْأَةِ عَقْرَى حَلْقَى مَعْنَاهُ عَقَرَهَا اللهُ، وَحَلَقَهَا أَيْ حَلَقَ شَعْرهَا أَوْ أَصَابَهَا بِوَجَعٍ فِي حَلْقهَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ جَعَلَهَا اللَّه عَاقِرًا لَا تَلِد، وَحَلْقَى مَشْئُومَة عَلَى أَهْلهَا. وَعَلَى كُلّ قَوْل فَهِيَ كَلِمَة كَانَ أَصْلهَا مَا ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ اِتَّسَعَتْ الْعَرَب فِيهَا فَصَارَتْ تُطْلِقهَا وَلَا تُرِيد حَقِيقَة مَا وُضِعَتْ لَهُ أَوَّلًا، وَنَظِيره تَرِبَتْ يَدَاهُ، وَقَاتَلَهُ اللَّه مَا أَشْجَعه وَمَا أَشْعَره. وَاَللَّه أَعْلَم. (باختصار من شرح صحيح مسلم للنووي).
(٢) تَلُوث خِمَارهَا: أَيْ تُدِيرهُ عَلَى رَأْسِهَا.
[ ١٦١ ]
وعقب هذا الحديث مباشرة أورد مسلم - ﵀ - الحديث الذي قال فيه رسول الله - ﵌ - في معاوية: «لَا أَشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ».
وهذا من حسن صنيع مسلم - ﵀ - وجودة ترتيبه لصحيحه، وهو من دقيق فهمه، وحسن استنباطه - ﵀ -.فركب مسلم من الحديث الاول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية، ولم يُورِد له غير ذلك. قال الحافظ ابن كثير: «فركّب مسلم من الحديث الأول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية» (١).
الحديث الأول: أي حديث «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ» وهذا الحديث: أي حديث «لَا أَشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ».
وفي الحديث تأكيد لصحبة معاوية - ﵁ - وبأنه من كُتَّاب رسول الله - ﵌ -.
وليس في الحديث ما يثبت أن ابن عباس - ﵁ - - وقد كان طفلًا آنذاك - قد أخبر معاوية - ﵁ - بأن رسول الله - ﵌ - يريده، بل يُفهم من ظاهر الحديث أنه شاهده يأكل فعاد لرسول الله - ﵌ - ليخبره. فأين الذم هنا كما يزعم المتشدِّقون؟!
_________________
(١) البداية والنهاية (٨/ ١١٩ - ١٢٠).
[ ١٦٢ ]
الشبهة الثانية
«وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لا مَالَ لَهُ»
عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ فَقَالَ: «وَاللهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ».
فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ».
فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ ثُمَّ قَالَ: «تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي».
قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ؛ انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ».
فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: «انْكِحِي أُسَامَةَ»، فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْتُ». (رواه مسلم).
وفي رواية عند مسلم: «أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ تَرِبٌ لَا مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلٌ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ، وَلَكِنْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ».
فَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا أُسَامَةُ أُسَامَةُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «طَاعَةُ اللهِ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ خَيْرٌ لَكِ».
قَالَتْ: «فَتَزَوَّجْتُهُ فَاغْتَبَطْتُ».
وفي رواية عنده أيضًا: «إِنَّ مُعَاوِيَةَ تَرِبٌ خَفِيفُ الْحَالِ وَأَبُو الْجَهْمِ مِنْهُ شِدَّةٌ عَلَى النِّسَاءِ أَوْ يَضْرِبُ النِّسَاءَ أَوْ نَحْوَ هَذَا» (١).
_________________
(١) قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم: وَقَوْله - ﵌ -: (فَإِذَا حَلَلْت فَآذِنِينِي) أَيْ أَعْلِمِينِي، وَفِيهِ جَوَاز التَّعْرِيض بِخِطْبَةِ الْبَائِن وَهُوَ الصَّحِيح عِنْدنَا. = = قَوْله - ﵌ -: (أَمَّا أَبُو الْجَهْم فَلَا يَضَع الْعَصَا عَنْ عَاتِقه) فِيهِ تَأْوِيلَانِ مَشْهُورَانِ: أَحَدهمَا أَنَّهُ كَثِير الْأَسْفَار، وَالثَّانِي أَنَّهُ كَثِير الضَّرْب لِلنِّسَاءِ وَهَذَا أَصَحّ، بِدَلِيلِ الرِّوَايَة الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم بَعْد هَذِهِ أَنَّهُ ضِرَاب لِلنِّسَاءِ. وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز ذِكْر الْإِنْسَان بِمَا فِيهِ عِنْد الْمُشَاوَرَة وَطَلَب النَّصِيحَة وَلَا يَكُون هَذَا مِنْ الْغِيبَة الْمُحَرَّمَة بَلْ مِنْ النَّصِيحَة الْوَاجِبَة. قَوْله - ﵌ -: (وَأَمَّا مُعَاوِيَة فَصُعْلُوك) هُوَ بِضَمِّ الصَّاد، وَفِي هَذَا جَوَاز ذِكْره بِمَا فِيهِ لِلنَّصِيحَةِ كَمَا سَبَقَ فِي ذِكْر أَبِي جَهْم. وَأَمَّا إِشَارَته - ﵌ - بِنِكَاحِ أُسَامَة فَلَمَّا عَلَّمَهُ مِنْ دِينه وَفَضْله وَحُسْن طَرَائِفه وَكَرَم شَمَائِله فَنَصَحَهَا بِذَلِكَ فَكَرِهَتْهُ لِكَوْنِهِ مَوْلًى وَقَدْ كَانَ أَسْوَد جِدًّا فَكَرَّرَ عَلَيْهَا النَّبِيّ - ﵌ - الْحَثّ عَلَى زَوَاجه لَمَّا عَلِمَ مِنْ مَصْلَحَتهَا فِي ذَلِكَ وَكَانَ كَذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَتْ: (فَجَعَلَ اللهُ لِي فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْت) وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيّ - ﵌ - فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذَا: (طَاعَة اللهِ وَطَاعَة رَسُوله خَيْر لَك).
[ ١٦٣ ]
الجواب:
جاء في (القاموس المحيط):الصُّعْلُوكُ: كعُصْفُورٍ: الفقيرُ.
وجاء في (لسان العرب):الصُّعْلُوك: الفقير الذي لا مال له.
ولا يضير معاوية فقره - ﵁ -، ولو كان في دينِ مُعاويةَ أو خُلُقِهِ شيءٌ لذَكَرَه النبيُّ - ﵌ - من باب أولى، ولم يكن من حاله عيبٌ إلا أنه خفيف ذاتِ اليد وقتَها.
[ ١٦٤ ]
الشبهة الثالثة
«إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه»
زعموا أن رسول الله - ﵌ - لعن معاوية الطليق بن الطليق، اللعين بن اللعين، وقال: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه».
الجواب:
هذا الحديث ليس في شيء من كتب الإسلام التي يرجع إليها في علم النقل، وهو عند أهل المعرفة بالحديث كذب موضوع مختلق على النبي - ﵌ -، وهؤلاء الرافضة لا يذكرون له إسنادًا حتى يُنظر فيه، وقد ذكره أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات.
ومما يبيّن كذبه أن منبر النبي - ﵌ - قد صعد عليه بعد معاوية - ﵁ - من كان معاوية خيرًا منه باتفاق المسلمين. فإن كان يجب قتل من صعد عليه لمجرد الصعود على المنبر، وجب قتل هؤلاء كلهم.
ثم هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن مجرد صعود المنبر لا يبيح قتل مسلم. وإن أمر بقتله لكونه تولّى الأمر وهو لا يصلح، فيجب قتل كل من تولّى الأمر بعد معاوية ممن معاوية أفضل منه. وهذا خلاف ما تواترت به السنن عن النبي - ﵌ - من نهيه عن قتل ولاة الأمور وقتالهم.
ثم الأمة متفقة على خلاف هذا؛ فإنها لم تقتل كل من تولّى أمرها ولا استحلّت ذلك. ثم هذا يوجب من الفساد والهرج ما هو أعظم من ولاية كل ظالم، فكيف يأمر النبي - ﵌ - بشيء يكون فعله أعظم فسادًا من تركه؟!
قال الحافظ ابن كثير: «وهذا الحديث كذب بلا شك، ولو كان صحيحا لبادر الصحابة إلى فعل ذلك، لأنهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم» (١).
_________________
(١) البداية والنهاية (١١/ ٤٣٤).
[ ١٦٥ ]
الشبهة الرابعة
الطليق ابن الطليق
قولهم: إن معاوية - ﵁ - كان من الطلقاء فهو الطليق ابن الطليق.
وقولهم: «كان معاوية من المؤلَّفة قلوبهم».
والجواب:
إذا كان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم فى رأيِ البعض، ففى رأيِ الكثيرين أنه ليس من المؤلفة قلوبهم، قال ابن عبد البر: «معاوية وأبوه من المؤلفة قلوبهم، ذكره فى ذلك بعضهم»، وهو يُشعِر بأن الكثيرين لا يرون هذا الرأى، ولذا نجد الحافظ المحقق ابن حجر لم يذكر فى ترجمته شيئًا من هذا، وإنما ذكر فى ترجمة أبيه أنه من المؤلفة قلوبهم.
ومهما يكن من شئ فقد أسلم معاوية - ﵁ - وحسن إسلامه، وحتى لو كان ممن أسلموا يوم الفتح، فلا يقدح ذلك فى عدالته وصحبته، بعد تزكية رب العزة لمن أسلموا بعد الفتح أيضًا قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾ (الحديد:١٠).
ولم تكن هناك عداوة بين رسول الله - ﵌ - وبين معاوية - ﵁ -، فمعاوية كان صغيرًا حين أسلم، ولم يحضر معركة ضد رسول الله - ﵌ -، ولم يحاربْه في أي موقعة، ولكن الشيعة نقلوا عداوة أمه وأبيه لرسول الله - ﵌ - إليه، ورسول الله - ﵌ - قد عفا عن أمه وأبيه، وهما ممن قد حسن إسلامه، وتابا توبة نصوحا، والتوبة تجُبُّ ما قبلها.
وقد قبض رسول الله - ﵌ - ومُعظم رجالات بني أمية على مختلف الأعمال، من الولاية والكتابة، وجباية الأموال، ولا نعرف قبيلة من قبائل قريش فيها عمالٌ لرسول - ﵌ - أكثر منهم، واستعمال النبي - ﵌ - لأكثر رجال بني أمية، أكبر دليل على كفاءتهم وأمانتهم.
[ ١٦٦ ]
فقد ولى النبي - ﵌ - أبا سفيان على نجران، ومات رسول الله - ﵌ - وهو أمير عليها، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية، واستعمل خالد بن سعيد بن العاص بن أمية على صدقات مَذْحج وصنعاء اليمن، ولم يزل عليها حتى مات النبي - ﵌ -، واستعمل عمرو بن العاص على تيماء وخيبر وقرى عرينة، وأبان بن سعيد بن العاص استعمله أيضًا على البحرين برها وبحرها حين عزل العلاء بن الحضرمي، فلم يزل عليها حتى مات النبي - ﵌ - وأرسله قبل ذلك أميرًا على سرايا منها سرية إلى نجد وولاه عمر - ﵁ -، ولا يتهم لا في دينه ولا في سياسته.
ومعاوية - ﵁ - ولاه رسول الله - ﵌ - على بعض عمله، واستخدمه كاتبًا بين يديه، وولاه أبو بكر الصَّدَّيق من بعده، ولم يطعن في كفاءته أحد.
وأما ما روي عن النبي - ﵌ - أنه قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» (١)، فهذه الكلمات، جعل بعض الناس منها سُبَّة في جبين بني أمية وحدهم، وجعلوا يعيرونهم بأنهم الطلقاء وأبناء الطلقاء، ولم يفهموا أن هؤلاء الطلقاء وأبناءهم قد أسلموا وحسن إسلامهم، وكانت لهم مواقف مشهودة في نصرة الإسلام في الفتوحات في حياة الرسول - ﵌ - وبعد وفاته في عهد خلفائه الراشدين.
وهاهنا عدة نقاط متعلقة بوصف الطلقاء منها:
١ـ إن هذا الاتهام وليد عصر الخصومة الحزبية الحادة، لما تفجرت الأحقاد ضد بني أمية في أواخر عهد عثمان - ﵁ - وبعد بروز نجم معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - وخلافه مع علي بن أبي طالب - ﵁ -، حيث أصبح ذلك الوصف يعني عندهم أنهم قوم ضعاف الإيمان، دخلوا الإسلام رغبة في غنائمه، أو رهبة من القتل، ليكيدوا لأهله ويفيدوا أنفسهم.
_________________
(١) تنبيه: حديث «اذهبوا فأنتم الطلقاء» ضعّفه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء، والألباني في السلسلة الضعيفة والموضوعة (٣/ ٣٠٧).
[ ١٦٧ ]
٢ - إن أبا سفيان بن حرب وابنه معاوية - ﵄ - ليسا من الطلقاء بالمعنى الدقيق السابق لهذه الكلمة فقد أسلم أبو سفيان قبيل فتح مكة والرسول - ﵌ - وجيشه بمر الظهران خارجها، وقد جاء فور إسلامه يدعو قومه إلى المسالمة والفتح.
أما معاوية ابنه فقد أكدت بعض الروايات أنه أسلم قبل الفتح أيضًا، غير أنه كان يخفي إسلامه - شأن بعض الناس آنذاك - لمكانته من أبيه الذي كان يقود القتال ضد المسلمين، فقد رُوى أنه أسلم سرًا يوم عمرة القضاء، أو عام الحديبية (١) وإنما وضعهم المؤرخون في زمرة هؤلاء الطلقاء لقرب وقت إسلام أبي سفيان من الفتح، ولأنه كان زعيم مكة الذي ارتبط إسلامه بإسلامها، كما أن معاوية كان إسلامه سرًا لم يشع، ولم يعرف إسلامه إلا مع الطلقاء بعد فتح مكة.
٣ - إن وصف الطلقاء لا يقتضي الذم، فإن الطلقاء هم مسلمة الفتح الذين أسلموا عام فتح مكة وأطلقهم النبي - ﵌ -، وكانوا نحوًا من ألفَيْ رجل، ومنهم من صار من خيار المسلمين كالحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، ويزيد بن أبي سفيان وحكيم بن حزام، وأبي سفيان بن الحارث، ابن عم النبي - ﵌ - الذي كان يهجوه ثم حسن إسلامه، وعتاب بن أسيد الذي ولاه النبي مكة لما فتحها، وغير هؤلاء ممن حسن إسلامهم.
٤ - إن النظرة الإسلامية في هذا الشأن أن الإسلام يَجُبُّ ما قبله (٢).
والإسلام يفسح المجال للإفادة من جميع الطاقات والقدرات ويدفع بها نحو تحقيق غاياته الكبرى، وينزل الناس منازلهم، وأن خيار الناس في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا، ولم يمنع تأخر إسلام خالد وعمرو بن العاص من تبوئهما المكانة العالية عند النبي - ﵌ -، فأرسل عمْرًا أميرًا على ذات السلاسل، وسمّى خالدًا سيف الله، هذا مع حفظ المكانة الأسمى والمنزلة العظمى للسابقين الصادقين في الإسلام، ومن هؤلاء السابقين كان جماعة من بني أمية وغيرهم، كما كان من الطلقاء بني أمية وغيرهم.
٥ - أكثر الطلقاء من المؤلفة قلوبهم، كالحارث بن هشام، وابن أخيه عكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وحكيم بن خزام، وهؤلاء من خيار المسلمين. والمؤلفة قلوبهم غالبهم حَسُن إسلامه.
ومعاوية ممن حَسُن إسلامه باتفاق أهل العلم. ولهذا ولاّه عمر بن الخطاب - ﵁ - موضع أخيه يزيد بن أبي سفيان لما مات أخوه يزيد بالشام.
وكان يزيد بن أبي سفيان من خيار الناس، وكان أحد الأمراء الذين بعثهم أبو بكر وعمر لفتح الشام: يزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص، مع أبي عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد.
فلما توفي يزيد بن أبي سفيان ولّى عمر مكانه أخاه معاوية، وعمر لم تكن تأخذه في الله لومة لائم، وليس هو ممن يحابي في الولاية، وكان من أعظم الناس عداوة لأبيه أبي سفيان قبل الإسلام، فتولية عمر لابنه معاوية ليس لها سبب دنيوي، ولولا استحقاقه للإمارة لما أمّره.
ثم إن معاوية - ﵁ - بقي في الشام عشرين سنة أميرًا، وعشرين سنة خليفة، ورعيته من أشد الناس محبة له وموافقة له، وهو من أعظم الناس إحسانًا إليهم وتأليفًا لقلوبهم.
_________________
(١) البداية والنهاية (١١/ ٣٩٦).
(٢) عن عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ - ﵁ - قَالَ: لَمَّا أَلْقَى اللهُ ﷿ فِي قَلْبِي الْإِسْلَامَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﵌ - لِيُبَايِعَنِي فَبَسَطَ يَدَهُ إِلَيَّ فَقُلْتُ: «لَا أُبَايِعُكَ يَا رَسُولَ اللهِ حَتَّى تَغْفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي». قَالَ: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ، يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ الذُّنُوبِ» (رواه الإمام أحمد وصححه الألباني). ورواه مسلم بلفظ «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ».
[ ١٦٨ ]
الشبهة الخامسة
قالوا: قاتل عليًا وهو
عند أهل السنة رابع الخلفاء، إمام
حق، وكل من حارب إمام حق فهو باغ ظالم
الجواب:
أولًا: إن الخلاف بين علي ومخالفيه - ﵃ - إنما هو في تقديم الاقتصاص من قتلة عثمان أو تأخيره مع اتفاقهم على وجوب تنفيذه.
يقول ابن حجر الهيتمي: «ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن ما جرى بين علي ومعاوية - ﵄ - من الحروب فلم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلافة للإجماع على أحقيتها لعلي كما مر فلم تهج الفتنة بسببها، وإنما هاجت بسبب أن معاوية ومن معه طلبوا من علي تسليم قتلة عثمان إليهم، لكون معاوية ابن عمه فامتنع علي» (١).
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: «وَقَدْ ذَكَرَ يَحْيَى بْن سُلَيْمَان الْجُعْفِيُّ أَحَد شُيُوخ الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب (صِفِّينَ) فِي تَأْلِيفه بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ أَبِي مُسْلِم الْخَوْلَانِيّ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: «أَنْتَ تُنَازِع عَلِيًّا فِي الْخِلَافَة أَوَ أَنْتَ مِثْله؟»، قَالَ: «لَا، وَإِنِّي لَأَعْلَم أَنَّهُ أَفْضَل مِنِّي وَأَحَقّ بِالْأَمْرِ، وَلَكِنْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عُثْمَان قُتِلَ مَظْلُومًا وَأَنَا اِبْن عَمّه وَوَلِيّه أَطْلُب بِدَمِهِ؟ فَأْتُوا عَلِيًّا فَقُولُوا لَهُ يَدْفَع لَنَا قَتَلَة عُثْمَان».
فَأَتَوْهُ فَكَلَّمُوهُ فَقَالَ: «يَدْخُل فِي الْبَيْعَة وَيُحَاكِمهُمْ إِلَيَّ».
فَامْتَنَعَ مُعَاوِيَة فَسَارَ عَلِيّ فِي الْجُيُوش مِنْ الْعِرَاق حَتَّى نَزَلَ بِصِفِّينَ، وَسَارَ مُعَاوِيَة حَتَّى نَزَلَ هُنَاكَ وَذَلِكَ فِي ذِي الْحِجَّة سَنَة سِتّ وَثَلَاثِينَ، فَتَرَاسَلُوا فَلَمْ يَتِمّ لَهُمْ أَمْر، فَوَقَعَ الْقِتَال (٢).
وهذه المسألة مقررة أيضًا عند أهل العلم من أهل السنة بما ثبت في ذلك من الأخبار، والآثار الدالة على أن عليًا - ﵁ - لا ينازع مخالفيه في وجوب الاقتصاص من قتلة عثمان، وإنما كان يرى تأجيل ذلك حتى يستتب له الأمر.
وذلك أن قتلة عثمان - ﵁ - كانوا قد تمكنوا من المدينة، ثم قام في أمرهم من الأعراب وبعض أصحاب الأغراض الخبيثة ما أصبح به قتلهم في أول عهد علي - ﵁ - متعذرًا.
يشهد لهذا ما ذكره الطبري حيث يقول: «واجتمع إلى علي بعدما دخل طلحة والزبير في عدة من الصحابة، فقالوا: «يا علي إنا قد اشترطنا إقامة الحدود، وإن هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم هذا الرجل وأحلّوا بأنفسهم»، فقال لهم: «يا إخوتاه، إني لست أجهل ما تعلمون، ولكني كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم! هاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، وثابَتْ إليهم أعرابكم، وهم خلالكم يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعًا لقدرة على شيء مما تريدون؟».
قالوا: «لا».
قال: «فلا والله لا أرى إلا رأيًا ترونه إن شاء الله» (٣).
ويقول ابن كثير: «ولما استقر أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة - ﵃ - وطلبوا منه إقامة الحدود، والأخذ بدم عثمان، فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا» (٤).
_________________
(١) الصواعق المحرقة (ص ٢١٦).
(٢) فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٨٦).
(٣) تاريخ الطبري (٤/ ٤٣٧).
(٤) البداية والنهاية (٧/ ٢٣٩).
[ ١٧٠ ]
فكان هذا هو عذر علي - ﵁ - في بداية الأمر، أما بعد ذلك فإن الأمور أصبحت أكثر تعقيدًا، وأشدّ اشتباهًا، خصوصًا بعدما اقتتل الصحابة - ﵃ - في معركة الجمل بغير اختيار منهم، وإنما بسبب المكيدة التي دبرها قتلة عثمان للوقيعة بينهم، فلم يكن أمر الاقتصاص مقدورًا عليه بعد هذه الأحداث لا لعلي، ولا لغيره من مخالفيه - ﵃ -، وذلك لتفرق الأمة وانشغالها بما هو أولى منه من تسكين الفتنة ورأب الصدع.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «لم يكن علي - ﵁ - مع تفرق الناس عليه متمكنًا من قتْل قتَلة عثمان - ﵁ -، إلا بفتنة تزيد الأمر شرًّا وبلاءً. ودفع أفسد الفاسدين بالتزام أدناهما أولى من العكس، لأنهم كانوا عسكرًا، وكان لهم قبائل تغضب لهم» (١).
وأيًا كان عذر علي - ﵁ - فالمقصود هنا أنه لا يخالف بقية الصحابة المطالبين بدم عثمان - ﵁ - في وجوب الاقتصاص من قتلة عثمان - ﵁ - وهذا مما يدل على إجماع الصحابة - ﵃ - على هذه المسألة، والله تعالى أعلم.
ثانيًا: إن الصحابة - ﵃ - الذين اختلفوا في الفتنة لم يتهم بعضهم بعضًا في الدين، وإنما كان يرى كل فريق منهم أن مخالفه وإن كان مخطئًا، فهو مجتهد متأول، يعترف له بالفضل في الإسلام وحسن الصحبة لرسول الله - ﵌ -.
وهذه مسألة مقررة عند أهل العلم أيضًا بما ثبت من ثناء الصحابة بعضهم على بعض - ﵃ - أجمعين.
فقد ثبت عن علي - ﵁ - على ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عن إسحاق بن راهويه بسنده إلى جعفر بن محمد عن أبيه قال: «سمع علي يوم الجمل أو يوم صِفِّين رجلًا يغلو في القول فقال: «لا تقولوا إلا خيرًا إنما هم قوم زعموا أنا بغَيْنا عليهم، وزعمنا أنهم بغوا علينا فقاتلناهم» (٢).
_________________
(١) منهاج السنة (٤/ ٤٠٧ - ٤٠٨).
(٢) نفس المصدر (٥/ ٢٤٤ - ٢٤٥).
[ ١٧٢ ]
وعن محمد بن نصر بسنده عن مكحول أن أصحاب علي - ﵁ - سألوه عمن قُتِل من أصحاب معاوية: «ماهم؟».
قال: «هم مؤمنون» (١).
وعن عبد الواحد بن أبي عون قال: «مر علي - وهو متوكئ على الأشتر - على قتلى صِفِّين، فإذا حابس اليماني مقتول: فقال الأشتر: «إنا لله وإنا إليه راجعون هذا حابس اليماني معهم يا أمير المؤمنين عليه علامة معاوية، أما والله لقد عهدته مؤمنًا»، قال علي: «والآن هو مؤمن» (٢).
إن عليًّا - ﵁ - لم يكن يَعُدّ محاربيه كفارًا، ولقد أقرّ بذلك الشيعة أنفسهم حيث أوردوا نفس الرواية التي أوردها أهل السنة في كتبهم: فقد ذكر الحميري الشيعي عن جعفر عن أبيه أن عليًّا - ﵇ - كان يقول لأهل حربه: «إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم ولم يقاتلونا على التكفير لنا، ولكنا رأينا أنّا على حق ورأوا أنهم على حق».
وروى رواية أخرى عن جعفر عن أبيه محمد الباقر: «إن عليًا - ﵇ - لم يكن ينسب أحدًا من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق ولكن يقول: «هم إخواننا بغوا علينا» (٣).
وقد تقدَّم ثناء معاوية على عليٍّ - ﵄ - واعترافُه بفضله كما جاء في حواره مع أبي مسلم الخولاني لما قال له: «أَنْتَ تُنَازِع عَلِيًّا فِي الْخِلَافَة أَوْ أَنْتَ مِثْله؟»، قَالَ: «لَا، وَإِنِّي لَأَعْلَم أَنَّهُ أَفْضَل مِنِّي وَأَحَقّ بِالْأَمْرِ») (٤).
_________________
(١) منهاج السنة (٥/ ٢٤٥).
(٢) نفس المصدر والصفحة.
(٣) قرب الإسناد للحميري الشيعي (ص ٤٥) ط. إيران.
(٤) فتح الباري (١٣/ ٩٢).
[ ١٧٣ ]
وأما قول الشيعة: «وقاتل عليًّا وهو عندهم رابع الخلفاء إمام حق، وكل من قاتل إمام حقٍ فهو باغ ظالم».
فيقال لهم:
الباغي قد يكون متأوّلًا معتقدًا أنه على حق، وقد يكون متعمدًا يعلم أنه باغٍ، وقد يكون بَغْيُهُ مركبًّا من شبهة وشهوة، وهو الغالب.
وعلى كل تقدير فهذا لا يقدح فيما عليه أهل السنة؛ فإنهم لا يُنَزِّهُون معاوية - ﵁ - ولا مَن هو أفضل منه مِن الذنوب، فضلًا عن تنزيههم عن الخطأ في الاجتهاد، بل يقولون: إن الذنوب لها أسباب تُدفع عقوبتها من التوبة والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفِّرة، وغير ذلك. وهذا أمر يعم الصحابة - ﵃ - وغيرهم.
وأهل السنة يثبتون خلافة الخلفاء كلهم، ويستدلون على صحة خلافتهم بالنصوص الدالة عليها، ويقولون: إنها انعقدت بمبايعة أهل الشوكة لهم، وعليّ - ﵁ - بايعه أهل الشوكة، وإن كانوا لم يجتمعوا عليه كما اجتمعوا عَلَى من قبله، لكن لا ريب أنه كان له سلطان وقوة بمبايعة أهل الشوكة له، وقد دل النصّ على أن خلافته خلافة نبوة.
وأما تخلف من تخلف عن مبايعته، فعذرهم في ذلك أظهر من عذر سعد بن عبادة وغيره لما تخلّفوا عن بيعة أبا بكر، وإن كان لم يستقر تخلف أحد إلا سعد وحده، وأما عليّ وغيره فبايعوا الصديق بلا خلاف بين الناس.
لكن قيل: إنهم إن تأخروا عن مبايعته ستة أشهر، ثم بايعوه.
ونقول للشيعة إلزامًا لهم بما يعتقدون:
عليّ - ﵁ - إما أن يكون تخلّف أولًا عن بيعة أبي بكر، ثم بايعه بعد ستة أشهر، كما تقول ذلك طائفة من أهل السنة مع الشيعة. وإما يكون بايعه أول يوم، كما يقول ذلك طائفة أخرى.
[ ١٧٤ ]
فإن كان الثاني بطل قول الشيعة: «إن عليًّا تخلّف عن بيعة أبي بكر - ﵄ -»، وثبت أنه كان من أول السابقين إلى بيعته.
وإن كان الأول، فعذر من تخلف عن بيعة عليّ - ﵁ - أظهر من عذر من تخلف عن بيعة أبي بكر - ﵁ -، لأن النص والإجماع المثبتين لخلافة أبي بكر، ليس في خلافة عليّ مثلها.
والنصوص الثابتة عن النبي - ﵌ - تقتضي أن ترك القتال كان خيرًا للطائفتين، وأن القعود عن القتال كان خيرًا من القيام فيه، وأن عليًّا - ﵁ -، مع كونه أوْلى بالحق من معاوية - ﵁ - وأقرب إلى الحق من معاوية، لو ترك القتال لكان أفضل وأصلح وخيرًا.
وأهل السنة يترحّمون على الجميع، ويستغفرون لهم، كما أمرهم الله تعالى بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (الحشر:١٠).
والذين قاتلوا عليًا - ﵁ - لا يخلو: إما أن يكونوا عصاة، أو مجتهدين مخطئين، أو مصيبين. وعلى كل تقدير فهذا لا يقدح في إيمانهم ولا يمنعهم الجنة.
فإن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ (الحجرات:٩، ١٠)، فسمّاهم إخوة ووصفهم بأنهم مؤمنون مع وجود الاقتتال بينهم، والبغي من بعضهم على بعض.
فمن قاتل عليًّا - ﵁ -:فإن كان باغيًا فليس ذلك بمخرجه من الإيمان ولا بموجب له النيران، ولا مانع له من الجنان؛ فإن البغي إذا كان بتأويل كان صاحبه مجتهدًا.
[ ١٧٥ ]
ولهذا اتفّق أهل السنة على أنه لا تفسق واحدة من الطائفتين، وإن قالوا في إحداهما: إنهم كانوا بغاة لأنهم كانوا متأوّلين مجتهدين، والمجتهد المخطئ لا يَكْفُر ولا يفسق، وإن تعمد البغي فهو ذنب من الذنوب، والذنوب يرفع عقابها بأسباب متعددة: كالتوبة، والحسنات الماحية، والمصائب المكفّرة، وشفاعة النبي - ﵌ -، ودعاء المؤمنين وغير ذلك.
والفتن إنما يُعرَف ما فيها من الشر إذا أدبرت. فأما إذا أقبلت فإنها تُزين، ويظن أن فيها خيرًا، فإذا ذاق الناس ما فيها من الشر والمرارة والبلاء، صار ذلك مبينًا لهم مضرتها، وواعظًا لهم أن يعودوا في مثلها، كما أنشد بعضهم:
الحَرْبُ أوّلَ مَا تَكونُ فتيّةً تَبْدُو بِزِينَتِهَا لِكُلّ جَهُولِ
حتى إذا حَمِيَتْ وَشبّ ضِرَامُها عادتْ عجوزًا غيرَ ذاتِ خليلِ
شَمطاءُ جَزّتْ رَأسَها وَتَنَكّرَتْ مكروهة ً للشَّمِّ والتقبيلِ
والذين دخلوا في الفتنة من الطائفتين لم يعرفوا ما في القتال من الشر، ولا عرفوا مرارة الفتنة حتى وقعت، وصارت عبرة لهم ولغيرهم.
وقول النبي - ﵌ - في الحديث المتفق على صحته: «تَكُونُ فِي أُمَّتِي فِرْقَتَانِ فَتَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا مَارِقَةٌ يَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَاهُمْ بِالْحَقِّ» يدل على أن عليًّا - ﵁ - وأصحابه أدنى إلى الحق من معاوية - ﵁ - وأصحابه.
وكذلك حديث عمار بن ياسر: «وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» قد رواه البخاري في صحيحه ورواه مسلم بلفظ: «تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ».
والذين قتلوه هم الذين باشروا قتله. والحديث أطلِق فيه لفظ «البغي» لم يقيده بمفعول، ولفظ البغي إذا أطلق فهو الظلم، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الحجرات:٩)، وقال - ﷿ -: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (البقرة:١٧٣).
[ ١٧٦ ]
وأهل العلم في هذا الحديث - حديث عمار - على ثلاثة أقوال:
١ - فطائفة ضعفته لما روي عندها بأسانيد ليست ثابتة عندهم، ولكن رواه أهل الصحيح، رواه البخاري ومسلم.
٢ - ومنهم من قال: هذا دليل على أن معاوية وأصحابه بغاة، وأن قتال عليّ لهم قتال أهل العدل لأهل البغي، لكنهم بغاة متأولون لا يُكفرون ولا يُفسقون.
٣ - والقول الثالث في هذا الحديث - حديث عمار - إنَّ قاتِل عمار طائفة باغية، ليس لهم أن يقاتلوا عليًا، ولا يمتنعوا عن مبايعته وطاعته، وإن لم يكن عليّ مأمورًا بقتالهم، ولا كان فرضًا عليه قتالهم لمجرد امتناعهم عن طاعته، مع كونهم ملتزمين شرائع الإسلام، وإن كان كل من المقتتلتَيْن متأولين مسلمين مؤمنين، وكلهم يُستغفر لهم ويُترحم عليهم، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (الحشر:١٠).
فكان الصواب أن لا يكون قتال، وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين، فليس في الاقتتال صواب، ولكن عليًّا كان أقرب إلى الحق من معاوية - ﵄ -، والقتال قتال فتنة ليس بواجب ولا مستحب، وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين، مع أن عليًا - ﵁ - كان أوْلَى بالحق.
وهذا قول الإمام أحمد وأكثر أهل الحديث أئمة الفقه، وهو قول أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهو قول عمران بن حُصيْن - ﵁ -، وكان ينهي عن بيع السلاح في ذلك القتال، ويقول: «هو بيع السلاح في الفتنة»، وهو قول أسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأكثر من بقي من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار - ﵃ -.
[ ١٧٧ ]
ولهذا كان من مذاهب أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة، فإنه قد ثبتت فضائلهم، ووجبت موالاتهم ومحبتهم. وما وقع منه ما يكون لهم فيه عذر يخفى على الإنسان، ومنه ما تاب صاحبه منه، ومنه ما يكون مغفورًا.
فالخوض فيما شجر يُوقع في نفوس كثير من الناس بُغضًا وذمًا، ويكون هو في ذلك مخطئًا، بل عاصيًا، فيضر نفسه ومن خاض معه في ذلك، كما جرى لأكثر من تكلَّم في ذلك؛ فإنهم تكلموا بكلام لا يحبه الله ولا رسوله: إما مِن ذم مَن لا يستحق الذم، وإما مِن مدح أمور لا تستحق المدح. ولهذا كان الإمساك طريقة أفاضل السلف.
والكتاب والسنة قد دلّا على أن الطائفتين مسلمون، وأن ترك القتال كان خيرًا من وجوده. قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ (الحجرات:٩، ١٠)؛ فسمّاهم مؤمنين إخوة مع وجود الاقتتال والبغي.
وفي الصحيحين عن النبي - ﵌ - أنه قال: «تَكُونُ فِي أُمَّتِي فِرْقَتَانِ فَتَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا مَارِقَةٌ يَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَاهُمْ بِالْحَقِّ» وهؤلاء المارقة مرقوا على عليّ، فدل على أن طائفته أقرب إلى الحق من طائفة معاوية.
وفي الصحيحين عن عَنْ أَبِى بَكْرَةَ - ﵁ -:أَخْرَجَ النَّبِىُّ - ﵌ - ذَاتَ يَوْمٍ الْحَسَنَ فَصَعِدَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ «ابْنِى هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ». فأصلح الله به بين أصحاب عليّ ومعاوية، فمدح النبي - ﵌ - الحسن بالإصلاح بينهما، وسماهما مؤمنين. وهذا يدل على أن الإصلاح بينهما هو المحمود، ولو كان القتال واجبًا أو مستحبًا، لم يكن تركه محمودًا.
والذين رووا أحاديث القعود في الفتنة والتحذير منها، كسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد لم يقاتلوا لا مع علي ولا مع معاوية - ﵃ -.
[ ١٧٨ ]
عَنْ مُحَمَّدٍ اِبْن سِيرِينَ قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ - ﵁ -: «مَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ تُدْرِكُهُ الْفِتْنَةُ إِلَّا أَنَا أَخَافُهَا عَلَيْهِ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «لَا تَضُرُّكَ الْفِتْنَةُ» (رواه أبوداود وصححه الألباني). (١).
وعَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ ضُبَيْعَةَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى حُذَيْفَةَ فَقَالَ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ رَجُلًا لَا تَضُرُّهُ الْفِتَنُ شَيْئًا».
قَالَ: فَخَرَجْنَا فَإِذَا فُسْطَاطٌ مَضْرُوبٌ فَدَخَلْنَا فَإِذَا فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «مَا أُرِيدُ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْ أَمْصَارِكُمْ حَتَّى تَنْجَلِيَ عَمَّا انْجَلَتْ» (رواه أبوداود وصححه الألباني) (٢).
ومما ينبغي أن يُعلم أن الأمة يقع فيها أمور بالتأويل في دمائها وأموالها وأعراضها، كالقتال واللعن والتكفير. فعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - ﵁ - قَالَ: «بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﵌ - فِي سَرِيَّةٍ فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا فَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ».
فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ - ﵌ - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَقَتَلْتَهُ؟».
قَالَ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنْ السِّلَاحِ».
قَالَ: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا»، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ (رواه مسلم).
_________________
(١) (إِلَّا أَنَا أَخَافهَا عَلَيْهِ):أَيْ أَخَاف مَضَرَّة تِلْكَ الْفِتْنَة عَلَيْهِ. (إِلَّا مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ):هُوَ مِنْ أَكَابِر الصَّحَابَة شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِد كُلّهَا اِسْتَوْطَنَ الْمَدِينَة وَاعْتَزَلَ الْفِتْنَة. (باختصار من عون المعبود).
(٢) (فَإِذَا فُسْطَاط):بِالضَّمِّ أَيْ خِبَاء. (فَإِذَا فِيهِ):أَيْ فِي الْفُسْطَاط. (فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ):أَيْ عَنْ سَبَب خُرُوجه وَإِقَامَته فِي الْفُسْطَاط. (فَقَالَ):أَيْ مُحَمَّد مِنْ مَسْلَمَةَ. (مَا أُرِيدُ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْ أَمْصَارِكُمْ):الْمَعْنَى لَا أُرِيدَ أَنْ أَسْكُن وَأُقِيم فِي أَمْصَاركُمْ (حَتَّى تَنْجَلِي عَمَّا اِنْجَلَتْ):أَيْ تَنْكَشِف وَتَزُول. ومَعْنَى الْحَدِيث حَتَّى تَنْكَشِف الْفِتَن عَنْ الْأَمْصَار الَّذِي غَطَّتْهُ الْفِتَن. (باختصار من عون المعبود).
[ ١٧٩ ]
وَقَوْله (حَتَّى تَمَنَّيْت أَنِّي أَسْلَمْت يَوْمئِذٍ) مَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ إِسْلَامِي بَلْ اِبْتَدَأْت الْآنَ الْإِسْلَام لِيَمْحُوَ عَنِّي مَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ هَذَا الْكَلَام مِنْ عِظَمِ مَا وَقَعَ فِيهِ (١).
وعن عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَدِيٍّ أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ حَلِيفَ بَنِي زُهْرَةَ حَدَّثَهُ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ - ﵌ - أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَقِيتُ كَافِرًا فَاقْتَتَلْنَا فَضَرَبَ يَدِي بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، وَقَالَ: أَسْلَمْتُ للهِ آقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟».
قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «لَا تَقْتُلْهُ».
قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَإِنَّهُ طَرَحَ إِحْدَى يَدَيَّ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا قَطَعَهَا آقْتُلُهُ؟
قَالَ: «لَا تَقْتُلْهُ؛ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ» (رواه البخاري ومسلم).
فقد ثبت أن هؤلاء قتلوا قومًا مسلمين لا يحل قتلهم، ومع هذا لم يقتلهم النبي - ﵌ -، ولا ضمن المقتول بِقَوَدٍ ولا ديّة ولا كفّارة، لأن القاتل كان متأولًا. وهذا قول أكثر العلماء، كالشافعي وأحمد وغيرهما.
فالبغاة المتأولون كذلك لم تضمنهم الصحابة - ﵃ -.
إذا تبين هذا فيقال: قول الرافضة من أفسد الأقوال وأشدها تناقضًا؛ فإنهم يعظِّمون الأمر على مَن قاتل عليًّا، ويمدحون مَن قتل عثمان - ﵄ -، مع أن الذم والإثم لمن قتل عثمان أعظم من الذم والإثم لمن قاتل عليًّا - ﵄ -.
_________________
(١) باختصار من شرح صحيح مسلم للنووي.
[ ١٨٠ ]
افتراء متعلق بهذه الشبهة
قالوا: «إن معاوية شر من إبليس، لم يسبقه في سالف طاعته، وجرى معه في ميدان معصيته. ولا شك بين العلماء أن إبليس كان أعبد من الملائكة، وكان يحمل العرش وحده ستة آلاف سنة، ولما خلق الله آدم وجعله خليفة في الأرض، وأمره بالسجود فاستكبر فاستحق اللعنة والطرد، ومعاوية لم يزل في الإشراك وعبادة الأصنام إلى أن أسلم بعد ظهور النبي - ﵌ - بمدة طويلة، ثم استكبر عن طاعة الله في نصب أمير المؤمنين عليه إمامًا، وبايعه الكل بعد قتل عثمان وجلس مكانه، فكان شرًا من إبليس».
الجواب:
هذا الكلام فيه من الجهل والضلال والخروج عن دين الإسلام وكل دين، بل وعن العقل الذي يكون لكثير من الكفار، ما لا يخفى على من تدبره.
أولًا: إن إبليس أكفر من كل كافر، وكل من دخل النار فمن أتباعه. كما قال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾ (ص:٨٥)، وهو الآمر لهم بكل قبيح المزين له، فكيف يكون أحد شرًا منه؟ لاسيما من المسلمين، لاسيما من الصحابة - ﵃ -؟
وقول هؤلاء: «إن معاوية شرٌّ من إبليس، لم يسبقه في سالف طاعة، وجرى معه في ميدان المعصية» يقتضي أن كل من عصى الله فهو شر من إبليس، لأنه لم يسبقه في سالف طاعة، وجرى معه في ميدان المعصية. وحينئذ فيكون آدم وذريته شرًّا من إبليس، فإن النبي - ﵌ - قال: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» (رواه الترمذي وحسنه الألباني).
ثم هل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر: إن من أذنب ذنبًا من المسلمين يكون شرًا من إبليس؟ وهذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام، وقائل هذا كافر كفرًا معلومًا بالضرورة من الدين.
وعلى هذا فالشيعة دائمًا يذنبون، فيكون كل منهم شرًا من إبليس.
ثم إذا قالت الخوارج: إن عليًّا - ﵁ - أذنب فيكون شرًا من إبليس - لم يكن للروافض حجة إلا دعوى عصمته وهم لا يقدرون أن يقيموا حجة على الخوارج بإيمانه وإمامته وعدالته، فكيف يقيمون حجة عليهم بعصمته؟
ولكن أهل السنة تقدر أن تقيم الحجة بإيمانه وإمامته، لأن ما تحتج به الرافضة منقوض ومعارض بمثله، فيبطل الاحتجاج به.
وفي الجملة فلوازم هذا القول وما فيه من الفساد يفوق الحصر والتعداد.
ثانيًا: إن أحدًا لا يجرى مع إبليس في ميدان معصيته كلها، فلا يتصور أن يكون في الآدميين من يساوي إبليس في معصيته، بحيث يضل الناس كلهم ويغويهم.
وأما طاعة إبليس المتقدمة فهي حابطة بكفره بعد ذلك، فإن الردة تحبط العمل، فما تقدم من طاعته - إن كان طاعة - فهي حابطة بكفره وردته، وما يفعله من المعاصي لا يماثله أحد فيه، فامتنع أن يكون أحد شرًا منه، وصار نظير هذا المرتد الذي يقتل النفوس ويزني ويفعل عامة القبائح بعد سابق طاعاته، فمن جاء بعده ولم يسبقه إلى تلك الطاعات الحابطة، وشاركه في قليل من معاصيه، لا يكون شرًا منه، فكيف يكون أحد شرًا من إبليس؟
وهذا ينقض أصول الشيعة: حقها وباطلها.
وأقل ما يلزمهم أن يكون أصحاب عليّ - ﵁ - الذين قاتلوا معه، وكانوا أحيانًا يعصونه، شرًّا من الذين امتنعوا عن مبايعته من الصحابة، لأن هؤلاء عبدوا الله قبلهم، وأولئك جروا معهم في ميدان المعصية.
ثالثًا: ما الدليل على أن إبليس كان أعبد الملائكة؟ وأنه كان يحمل العرش وحده ستة آلاف سنة؟ أو أنه كان من حملة العرش في الجملة؟ أو أنه كان طاووس الملائكة؟ أو أنه ما ترك في السماء رقعة ولا في الأرض بقعة إلا وله فيها سجدة وركعة؟ ونحو ذلك مما يقوله بعض الناس؟
[ ١٨١ ]
فإن هذا أمر إنما يعلم بالنقل الصادق، وليس في القرآن شيء من ذلك، ولا في ذلك خبر صحيح عن النبي - ﵌ - وهل يحتج بمثل هذا في أصول الدين إلا من هو من أعظم الجاهلين؟!
وأعجب من ذلك قولهم: «ولا شك بين العلماء أن إبليس كان أعبد الملائكة».
فيقال: من الذي قال هذا من علماء الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء المسلمين؟ فضلًا عن أن يكون هذا متفقًا عليه بين العلماء؟ وهذا شيء لم يقُلْه قط عالم يقبل قوله من علماء المسلمين. وهو أمر لا يعرف إلا بالنقل، ولم ينقل هذا أحد عن النبي - ﵌ - لا بإسناد صحيح ولا ضعيف.
فإن كان قاله بعض الوعاظ أو المصنفين في الرقائق، أو بعض من ينقل في التفسير من الإسرائيليات ما لا إسناد له، فمثل هذا لا يحتج به في جُرْزَةِ بقل، فكيف يحتج به في جعل إبليس خيرًا من كل من عصى الله من بني آدم، ويجعل الصحابة من هؤلاء الذين إبليس خير منهم؟
وما وصف الله ولا رسوله - ﵌ - إبليس بخير قط ولا بعبادة متقدمة ولا غيرها، مع أنه لو كان له عبادة لكانت قد حبطت بكفره وردته.
وأعجب من ذلك قولهم: «لا شك بين العلماء أن كان يحمل العرش وحده ستة آلاف سنة» فيا سبحان الله! هل قال ذلك أحد من علماء المسلمين المقبولين عند المسلمين؟ وهل يتكلم بذلك إلا مفرط في الجهل؟ فإن هذا لا يعرف - لو كان حقًا - إلا بنقل الأنبياء، وليس عن النبي - ﵌ - في ذلك شيء.
ثم حمل واحد من الملائكة العرش خلاف ما دل عليه النقل الصحيح.
ثم ما باله حمل العرش وحده ستة آلاف سنة ولم يكن يحمله وحده دائمًا؟
ومن الذي نقل أن إبليس من حملة العرش؟
[ ١٨٣ ]
وهذا من أكذب الكذب؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (غافر:٧)، فأخبر أن له حَمَلةً لا واحدًا، وأنهم كلهم مؤمنون مسبحون بحمد ربهم، مستغفرون للذين آمنوا.
رابعًا: إن إبليس كفر، كما أخبر الله تعالى بقوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ (ص:٧٤)، فلو قُدِّر أنه كان له عمل صالح حبط بكفره.
كذلك غيره إذا كفر حبط عمله، فأين تشبيه المؤمنين بهذا؟!
خامسًا: قولهم: «إن معاوية لم يزل في الشرك إلى أن أسلم» به يظهر الفرق فيما يقصد به الجمع، فإن معاوية أسلم بعد الكفر، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (الأنفال:٣٨)، وتاب من شركه وأقام الصلاة وآتى الزكاة، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (التوبة:١١). وإبليس كفر بعد إيمانه فحبط إيمانه بكفره، وذاك حبط كفره بإيمانه، فكيف يقاس من آمن بعد الكفر بمن كفر بعد الإيمان؟!
سادسًا: قد ثبت إسلام معاوية - ﵁ -، والإسلام يَجُبُّ ما قبله. فمن ادعى أنه ارتد بعد ذلك كان مدعيًا دعوى بلا دليل لو لم يعلم كذب دعواه، فكيف إذا علم كذب دعواه، وأنه مازال على الإسلام إلى أن مات، كما علم بقاء غيره على الإسلام؟
فالطريق الذي يُعلم به بقاء إسلام أكثر الناس من الصحابة وغيرهم، يُعلم به بقاء إسلام معاوية - ﵁ -.
والمدَّعي لارتداد معاوية وعثمان وأبي بكر وعمر - ﵃ -، ليس هو أظهر حجة من المدعي لارتداد عليّ - ﵁ -.
فإن كان المدَّعي لارتداد عليّ - ﵁ - كاذبًا، فالمدعي لارتداد هؤلاء أظهر كذبًا - ﵃ -.
[ ١٨٤ ]
سابعًا: هذه الدعوى إن كانت صحيحة، ففيها من القدح والغضاضة بعليّ والحسن وغيرهما ما لا يخفى. وذلك أنه يلزم منها أن عليًا - ﵁ - كان مغلوبًا مع المرتدّين، وكان الحسن - ﵁ - قد سلَّم أمر المسلمين إلى المرتدين.
وخالد بن الوليد قهر المرتدّين، فيكون نصر الله لخالد على الكفار أعظم من نصره لعليّ. والله - ﷾ - عدل لا يظلم واحدًا منهما فيكون ما استحقه خالد من النصر أعظم مما استحقه عليّ، فيكون أفضل عند الله منه.
بل وكذلك جيوش أبي بكر وعمر وعثمان ونوّابهم؛ فإنهم كانوا منصورين على الكفّار أيضًا؛ فإن الله ﷾ يقول: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ (آل عمران:١٣٩)، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)﴾ (محمد:٣٥).
وعليّ - ﵁ - دعا معاوية إلى السِّلْم في آخر الأمر، لَمّا عجز عن دفعه عن بلاده، وطلب منه أن يبقى كل واحد منهما على ما هو عليه. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ (آل عمران:١٣٩).
وحسب عقيدة الشيعة فإن أصحاب علي - ﵁ - مؤمنون، وأولئك مرتدون، ويلزم من ذلك أن يكونوا هم الأعلين، وهو خلاف الواقع.
ثامنًا: من قال: «إن معاوية - ﵁ - استكبر عن طاعة الله في نصب أمير المؤمنين» نقول له: لِمَ قلت: إنه علم أن ولايته صحيحة، وأن طاعته واجبة عليه؟ فإن الدليل على ثبوت ولايته ووجوب طاعته من المسائل المشتبهة التي لا تظهر إلا بعد بحث ونظر، بخلاف من أجمع الناس على طاعته.
وبتقدير أن يكون عَلِمَ ذلك، فليس كل من عصى يكون مستكبرًا عن طاعة الله. والمعصية تصدر تارة عن شهوة، وتارة عن كِبْر، وهل يُحكم على كل عاصٍ بأنه مستكبر عن طاعة الله كاستكبار إبليس؟!
[ ١٨٥ ]
تاسعًا: قولهم: «وبايعه الكل بعد عثمان».
إن لم يكن هذا حجة فلا فائدة فيه، وإن كان حجة فمبايعتهم لعثمان كان اجتماعهم عليها أعظم. والشيعة لا يرون الممتنع عن طاعة عثمان كافرًا، بل مؤمنًا تقيًّا.
عاشرًا: اجتماع الناس على مبايعة أبي بكر كانت على قول الشيعة أكمل، وهم وغيرهم يقولون: إن عليًّا تخلّف عنها مدة.
فيلزم على قولهم أن يكون عليّ - ﵁ - مستكبرًا عن طاعة الله في نصب أبي بكر عليه إمامًا، فيلزم حينئذ كفر عليّ بمقتضى حجتهم، أو بطلانها في نفسها.
وكُفْر عليّ - ﵁ - باطل، فلزم بطلانها.
حادي عشر: قولهم: «بايعه الكل بعد عثمان» من أظهر الكذب، فإن كثيرًا من المسلمين: إما النصف، وإما أقل أو أكثر لم يبايعوه، ولم يبايعه سعد بن أبي وقاص ولا ابن عمر ولا غيرهما.
ثاني عشر: قولهم: «إنه جلس مكانه» كذب؛ فإن معاوية لم يطلب الأمر لنفسه ابتداء، ولا ذهب إلى عليّ لينزعه عن إمارته، ولكن امتنع هو وأصحابه عن مبايعته، وبقي على ما كان عليه واليًا على من كان واليًا عليه في زمن عمر وعثمان. ولما جرى حكم الحكمين إنما كان متوليًا على رعيته فقط.
فإن أريد بجلوسه في مكانه أنه استبد بالأمر دونه في تلك البلاد، فهذا صحيح، لكن معاوية - ﵁ - يقول: إني لم أنازعه شيئًا هو في يده، ولم يثبت عندي ما يوجب عليّ دخولي في طاعته.
وهذا الكلام سواء كان حقًا أو باطلًا لا يوجب كون صاحبه شرًّا من إبليس، ومَن جعل أصحاب رسول الله - ﵌ - شرًّا من إبليس، فما أبقى غاية في الافتراء على الله ورسوله والمؤمنين، والعدوان على خير القرون في مثل هذا المقام، والله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، والهوى إذا بلغ بصاحبه إلى هذا الحد فقد أخرج صاحبه عن ربقة العقل، فضلًا عن العلم والدين.
[ ١٨٦ ]
سؤال للشيعة
من المسَلّم عند كل من اطلع على مذهب الشيعة الإمامية أنهم يكفّرون معاوية لقتاله عليًا - ﵁ - ولكن الثابت - عندهم - أن الحسن بن علي - ﵄ - من الأئمة المعصومين، فكل ما يصدر عنه فهو حق، والحسن قد صالح معاوية وبايعه على الخلافة. فهل صالح الحسن (المعصوم) - ﵁ - كافرًا وسلّم له بالخلافة؟! أم أصلح بين فئتين مسلمتين كما قال النبي ﵌؟!!! نريد من الشيعة الإجابة!!!
إن في مصادر الاثني عشرية ما يثبت أن عليًا ومعاوية على حق ومأجورين على اجتهادهما فقد ذكر الكليني في كتابه (الروضة من الكافي) - الذي يمثل أصول وفروع مذهب الاثني عشرية: «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَلَبِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (﵇) يَقُولُ: «اخْتِلَافُ بَنِي الْعَبَّاسِ مِنَ الْمَحْتُومِ، وَالنِّدَاءُ مِنَ الْمَحْتُومِ، وَخُرُوجُ الْقَائِمِ مِنَ الْمَحْتُومِ».قُلْتُ: وَكَيْفَ النِّدَاءُ؟
قَالَ: يُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَوَّلَ النَّهَارِ أَلَا إِنَّ عَلِيًّا وَشِيعَتَهُ هُمُ الْفَائِزُونَ، قَالَ وَيُنَادِي مُنَادٍ فِي آخِرِ النَّهَارِ أَلَا إِنَّ عُثْمَانَ وَشِيعَتَهُ هُمُ الْفَائِزُونَ» (١).
وهذا علي بن أبي طالب يقرر أن عثمان وشيعته هم أهل إسلام وإيمان ولكن القضية اجتهادية كل يرى نفسه على الحق في مسألة عثمان فيذكر الشيعي الشريف الرضي في كتابهم (نهج البلاغة) عن علي - ﵁ - أنه قال: «وكان بدء أمرنا أن التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء» (٢)
_________________
(١) روضة الكافي (٨/ ٣١٠).
(٢) نهج البلاغة (٣/ ٦٤٨).
[ ١٨٧ ]
الشبهة السادسة
قالوا: إن أهل السنة قالوا لمعاوية إنه خال المؤمنين دون محمد بن أبي بكر، وسبب ذلك محبة محمد بن أبي بكر لعليّ - ﵁ -، ومفارقته لأبيه، وبغض معاوية لعلي ومحاربته له.
الجواب:
تنازع العلماء في إخوة أمهات المؤمنين: هل يقال لأحدهم خال المؤمنين (١)؟
فقيل: يقال لأحدهم خال المؤمنين؛ وعلى هذا فهذا الحكم لا يختص بمعاوية بل يدخل في ذلك عبد الرحمن ومحمد ولدا أبي بكر، وعبد الله وعبيد الله وعاصم أولاد عمر ويدخل في ذلك عمرو بن الحارث بن أبي ضرار أخو جويرية بنت الحارث، ويدخل في ذلك عتبة بن أبي سفيان ويزيد بن أبي سفيان أخوا معاوية.
ومن علماء السنة من قال: لا يطلق على إخوة الأزواج أنهم أخوال المؤمنين فإنه لو أطلق ذلك لأطلق على أخواتهن أنهن خالات المؤمنين ولو كانوا أخوالا وخالات لحرم على المؤمنين أن يتزوج أحدهم خالته وحرم على المرأة أن تتزوج خالها.
وقد ثبت بالنص والإجماع أنه يجوز للمؤمنين والمؤمنات أن يتزوجوا أخواتهن وإخوتهن كما تزوج العباس أم الفضل أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين ووُلد له منها عبد الله والفضل وغيرهما، وكما تزوج عبد الله بن عمر وعبيد الله ومعاوية وعبد الرحمن بن أبي بكر ومحمد بن أبي بكر من تزوجوهن من المؤمنات ولو كانوا أخوالًا لهن لما جاز للمرأة أن تتزوج خالها.
قالوا: وكذلك لا يطلق على أمهاتهن أنهن جدات المؤمنين ولا على آبائهن أنهم أجداد المؤمنين لأنه لم يثبت في حق الأمهات جميع أحكام النسب وإنما ثبت الحرمة
_________________
(١) جاء في معجم المناهي اللفظية للشيخ بكر أبو زيد: (خال المؤمنين) في إطلاق ذلك على إخوان زوجات النبي - ﵌ - قولان للعلماء: المنع، والجواز، وحكاهما الكرماني في (شرح البخاري) ولم يرجِّح.
[ ١٨٨ ]
والتحريم وأحكام النسب تتبعض كما يثبت بالرضاع التحريم والمحرمية ولا يثبت بها سائر أحكام النسب وهذا كله متفق عليه.
والذين أطلقوا على الواحد من أولئك أنه خال المؤمنين لم ينازعوا في هذه الأحكام ولكن قصدوا بذلك الإطلاق أن لأحدهم مصاهرة مع النبي - ﵌ - واشتهر ذكرهم لذلك عن معاوية - ﵁ - كما اشتهر أنه كاتب الوحي وقد كتب الوحي غيره، فهم لا يذكرون ما يذكرون من ذلك لاختصاصه به بل يذكرون ما له من الاتصال بالنبي - ﵌ - كما يذكرون في فضائل غيره ما ليس من خصائصه، كقوله - ﵌ - لعلي - ﵁ -: «لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ». (رواه البخاري ومسلم).
وقول علي - ﵁ -: «وَالَّذِى فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِىِّ الأُمِّىِّ - ﵌ - إِلَىَّ «أَنْ لاَ يُحِبَّنِى إِلاَّ مُؤْمِنٌ وَلاَ يُبْغِضَنِى إِلاَّ مُنَافِقٌ». (رواه مسلم).
فهذان الأمران ليسا من خصائص علي - ﵁ - لكنهما من فضائله ومناقبه التي تعرف بها فضيلته واشتهر رواية أهل السنة لها ليدفعوا بها قدْح مَن قدَح في علي - ﵁ - من الخوارج وغيرهم حيث جعلوه كافرًا أو ظالمًا.
ومعاوية - ﵁ - أيضا لما كان له نصيب من الصحبة والاتصال برسول الله - ﵌ - وصار أقوام يجعلونه كافرًا أو فاسقًا ويستحلون لعنته ونحو ذلك احتاج أهل العلم أن يذكروا ما له من الاتصال برسول الله - ﵌ - ليرعى بذلك حق المتصلين برسول الله - ﵌ - بحسب درجاتهم.
وهذا القدر لو اجتهد فيه الرجل وأخطأ لكان خيرًا ممن اجتهد في بغضهم وأخطأ فإن باب الإحسان إلى الناس والعفو عنهم مقدم على باب الإساءة والانتقام، فخطأ المجتهد في الإحسان إليهم بالدعاء والثناء عليهم والذب عنهم خير من خطئه في الإساءة إليهم باللعن والذم والطعن.
[ ١٨٩ ]
وما شجر بينهم غايته أن يكون ذنبًا والذنوب مغفورة بأسباب متعددة هم أحق بها ممن بعدهم وما تجد أحدًا قدح فيهم إلا وهو يغضي عما هو أكبر من ذلك من زلات غيرهم وهذا من أعظم الجهل والظلم.
وهؤلاء الرافضة يقدحون فيهم بالصغائر وهم يغضون عن الكفر والكبائر فيمن يعاونهم من الكفار والمنافقين كاليهود والنصارى والمشركين والإسماعيلية والنصيرية وغيرهم؛ فمن ناقش المؤمنين على الذنوب وهو لا يناقش الكفار والمنافقين على كفرهم ونفاقهم بل وربما يمدحهم ويعظمهم دل على أنه من أعظم الناس جهلًا وظلمًا إن لم ينته به جهله وظلمه إلى الكفر والنفاق.
ومما يبين تناقضهم أنه ذكروا معاوية ومحمد بن أبي بكر وأنهم سموا هذا خال المؤمنين ولم يسموا هذا خال المؤمنين ولم يذكروا بقية من شاركهما في ذلك وهم أفضل منهما كعبد الله بن عمر بن الخطاب وأمثاله.
وقد بينا أن أهل السنة لا يخصون معاوية - ﵁ - بذلك وأما هؤلاء الرافضة فخصوا محمد بن أبي بكر بالمعارضة وليس هو قريبًا من عبد الله بن عمر في عمله ودينه بل ولا هو مثل أخيه عبد الرحمن بل عبد الرحمن له صحبة وفضيلة.
ومحمد بن أبي بكر إنما وُلد عام حجة الوداع بذي الحليفة ولم يدرك من حياة النبي - ﵌ - إلا خمس ليال من ذي القعدة وذا الحجة والمحرم وصفر وأوائل شهر ربيع الأول ولا يبلغ ذلك أربعة أشهر.
ومات أبوه أبو بكر وتزوج علىٌّ - ﵄ - بعد أبي بكر بأمه أسماء بنت عميس - ﵂ - فكان ربيب على وكان اختصاصه بعلي لهذا السبب.
* وأما قولهم: «إن سبب قول أهل السنة لمعاوية إنه خال المؤمنين دون محمد بن أبي بكر محبة محمد بن أبي بكر لعليّ، ومفارقته لأبيه»، فكَذِبٌ بَيِّنٌ، وذلك أن محمد بن أبي بكر في حياة أبيه لم يكن إلا طفلًا له أقل من ثلاث سنين، وبعد موت أبيه كان من أشد الناس تعظيمًا لأبيه، به كان يتشرف، وكانت له بذلك حرمة عند الناس.
[ ١٩٠ ]
وأما قولهم: «إن سبب قول أهل السنة لمعاوية إنه خال المؤمنين دون محمد بن أبي بكر، أن محمدًا هذا كان يحب عليًّا، ومعاوية كان يبغضه».
فيقال: هذا كذب أيضًا؛ فإن عبد الله بن عمر - ﵄ - كان أحق بهذا المعنى مِن هذا وهذا، وهو لم يقاتل لا مع هذا ولا مع هذا، وكان معظِّمًا لعليّ - ﵁ -، محبًا له، يذكر فضائله ومناقبه، وكان مبايعًا لمعاوية لما اجتمع عليه الناس غير خارج عليه، وأخته أفضل من أخت معاوية، وأبوه أفضل من أبي معاوية، والناس أكثر محبة وتعظيمًا له من معاوية ومحمد، ومع هذا فلم يشتهر عنه خال المؤمنين.
فعُلم أنه ليس سبب ذلك ما ذكره.
وأيضًا فأهل السنّة يحبون الذين لم يقاتلوا عليًّا - ﵁ - أعظم مما يحبون مَن قاتَله، ويفضِّلون مَن لم يقاتله على من قاتله، كسعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن عمر - ﵃ -. فهؤلاء أفضل من الذين قاتلوا عليًّا عند أهل السنة.
والحب لعليّ - ﵁ - وترك قتاله خير بإجماع أهل السنة من بغضه وقتاله.
وهم متفقون على وجوب موالاته ومحبته، وهم من أشد الناس ذَبًّا عنه، وردًّا على من يطعن عليه من الخوارج وغيرهم من النواصب، لكن لكل مقام مقال.
والرافضة لا يمكنهم أن يثبتوا وجوب موالاته كما يمكن لأهل السنة.
وأهل السنة متفقون على ذم الخوارج الذين هم أشد بغضًا له وعداوة من غيرهم.
وأهل السنة متفقون على وجوب قتالهم، فكيف يفتري المفتري عليهم بأنَّ قَدْح هذا لبغضه عليًّا وذَمّ هذا لحبه عليًّا، مع أنه ليس من أهل السنة من يجعل بغض عليّ طاعة ولا حسنة، ولا يأمر بذلك، ولا من يجعل مجرد حبه سيئة ولا معصية، ولا ينهى عن ذلك.
[ ١٩١ ]
وكتب أهل السنة من جميع الطوائف مملوءة بذكر فضائله ومناقبه، وبذم الذين يظلمونه من جميع الفرق، وهم ينكرون على من سبَّه، وكارهون لذلك.
وأهل السنة من أشد الناس بغضًا وكراهة لأن يُتعرض لعلي - ﵁ - بقتال أو سبّ، بل هم كلهم متفقون على أنه أجلّ قدرًا، وأحق بالإمامة، وأفضل عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين من معاوية وأبيه وأخيه يزيد الذي كان خيرًا منه، وعليّ أفضل ممن هو أفضل من معاوية - ﵁ -.
فالسابقون الأولون الذين بايعوا تحت الشجرة كلهم أفضل من الذين أسلموا عام الفتح، وفي هؤلاء خلق كثير أفضل من معاوية، وأهل الشجرة أفضل من هؤلاء كلهم، وعليّ - ﵁ - أفضل جمهور الذين بايعوا تحت الشجرة، بل هو أفضل منهم كلهم إلا الثلاثة، فليس في أهل السنة من يقدّم عليه أحدًا غير الثلاثة - أبي بكر وعمر وعثمان - ﵃ - ـ، بل يفضّلونه على جمهور أهل بدر وأهل بيعة الرضوان وعلى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.
وممن أسلم بعد الحديبية خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وشيبة الحجبي وغيرهم. وأما سهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وأبو سفيان بن حرب، وابناه يزيد ومعاوية، وصفوان بن أمية، وغيرهم، فهؤلاء مسلمة الفتح.
ومن الناس من يقول: إن معاوية - ﵁ - أسلم قبل أبيه، فيجعلونه من الصنف الأول.
فإذا كانت هذه مراتب الصحابة عند أهل السنة، كما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وهم متفقون على تأخر معاوية وأمثاله من مسلمة الفتح عمَّن أسلم بعد الحديبية، وعلى تأخر هؤلاء عن السابقين الأولين أهل الحديبية، وعلى أن البدريين أفضل من غير البدريين، وعلى أن عليًا أفضل من جماهير هؤلاء - لم يُقدَّم عليه أحد غير الثلاثة، فكيف يُنْسَبُ إلى أهل السنة تسويته بمعاوية، أو تقديم معاوية عليه - ﵄ -؟
[ ١٩٢ ]
الشبهة السابعة
قالوا: إن أهل السنة سموه كاتب الوحي ولم يكتب للنبي - ﵌ - كلمة واحدة من الوحي، بل كان يكتب له رسائل. وقد كان بين يدي النبي - ﵌ - أربعة عشر نفسًا يكتبون الوحي، أولهم وأخصهم وأقربهم إليه عليّ بن أبي طالب - ﵁ -، مع أن معاوية لم يزل مشركًا بالله تعالى في مدة كَوْن النبي - ﵌ - مبعوثًا، يُكذِّب بالوحي ويهزأ بالشرع.
الجواب:
* أما قول الشيعة: «وسمّوه كاتب الوحي ولم يكتب كلمة واحدة من الوحي».
فهذا قول بلا حجة ولا علم، فما الدليل على أنه لم يكتب له كلمة واحدة من الوحي، وإنما كان يكتب له رسائل؟
وقولهم: «إن كتاب الوحي كانوا بضعة عشر أخصّهم وأقربهم إليه عليّ».
فلا ريب أن عليًّا - ﵁ - كان ممن يكتب له أيضًا، كما كتب الصلح بينه وبين المشركين عام الحديبية، ولكن كان يكتب له أبو بكر وعمر أيضًا، ويكتب له زيد بن ثابت بلا ريب.
وكتب له أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن الأرقم، وأبيّ بن كعب، وثابت بن قيس، وخالد بن سعيد بن العاص، وحنظلة بن الربيع الأسدي، وزيد بن ثابت، ومعاوية، وشُرحبيل بن حسنة - ﵃ -.
* أما قولهم: «إن معاوية لم يزل مشركًا مدة كون النبي - ﵌ - مبعوثًا».
فيقال: لا ريب أن معاوية وأباه وأخاه وغيرهم أسلموا عام فتح مكة، قبل موت النبي - ﵌ - بنحو ثلاث سنين، فكيف يكون مشركًا مدة البعث، ومعاوية - ﵁ - كان حين بُعث النبي - ﵌ - صغيرًا، ومعاوية - ﵁ - أسلم مع مسلمة الفتح، مثل أخيه يزيد، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وأبي سفيان بن حرب، وهؤلاء كانوا قبل إسلامهم أعظم كفرًا ومحاربة للنبي - ﵌ - من معاوية - ﵁ -.
[ ١٩٣ ]
فصفوان وعكرمة وأبو سفيان كانوا مقدَّمين للكفار يوم أحد، رؤوس الأحزاب في غزوة الخندق، ومع هذا كان أبو سفيان وصفوان بن أمية وعكرمة من أحسن الناس إسلامًا، وقُتِلوا - ﵃ - يوم اليرموك.
ومعاوية لم يُعرف عنه قبل الإسلام أذًى للنبي - ﵌ - لا بيد ولا بلسان فإذا كان مَن هو أعظم معاداة للنبي - ﵌ - مِن معاوية قد حَسُن إسلامه، وصار ممن يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فما المانع أن يكون معاوية - ﵁ - كذلك؟
وكان معاوية - ﵁ - من أحسن الناس سيرة في ولايته، وهو ممن حسن إسلامه، ولولا محاربته لعليّ - ﵁ - وتولِّيه الملك، لم يذكره أحد إلا بخير، كما لم يذكر أمثاله إلا بخير. وهؤلاء مسلمة الفتح - معاوية ونحوه - قد شهدوا مع النبي - ﵌ - عدة غزوات، كغزاة حُنين والطائف وتبوك، فله من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله ما لأمثاله، فكيف يكون هؤلاء كفارًا وقد صاروا مؤمنين مجاهدين تمام سنة ثمان وتسع وعشر وبعض سنة إحدى عشرة؟
فإن مكة فُتحت باتفاق الناس في شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة، والنبي - ﵌ - باتفاق الناس توفي في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة، والناس كلهم كانوا كفارًا قبل إيمانهم بما جاء به النبي - ﵌ -، وكان فيهم من هو أشد عداوة للنبي - ﵌ - من معاوية وأسلم وحسن إسلامه، كأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله - ﵌ - كان من أشد الناس بُغضًا للنبي - ﵌ - وهجاء له قبل الإسلام.
وأما معاوية - ﵁ - فكان أبوه شديد العداوة للنبي - ﵌ -، وكذلك أمه حتى أسلمت، فعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «جَاءَتْ هِنْدٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﵌ - فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُذِلَّهُمْ اللهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُعِزَّهُمْ اللهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ».
فَقَالَ النَّبِيُّ - ﵌ -: «وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه». (رواه البخاري ومسلم).
(خِبَاء) خَيْمَة مِنْ وَبَر أَوْ صُوف، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى الْبَيْت كَيْف مَا كَانَ.
[ ١٩٤ ]
قَوْله: (قَالَ وَأَيْضًا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) قَالَ اِبْن التِّين: «فِيهِ تَصْدِيق لَهَا فِيمَا ذَكَرَتْهُ، كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْمَعْنَى: وَأَنَا أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْك مِثْل ذَلِكَ» (١).
قال ابن كثير: «فالمِدحة في قوله: «وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه»؛ وهو أنه - ﵌ - كان يَوَدُّ أن هندًا وأهلَها وكلَّ كافر يَذلّوا في حال كفرهم، فلما أسلموا كان يحبُّ أن يَعِزّوا، فأعزّهم الله، يعني أهلَ خبائها» (٢).
والحديث يدلُّ على تخصيص هند وأهل خبائها بالذات، ثم مما يؤكدُ إعزازَ النبيِّ - ﵌ - لها بعد الإسلام؛ أنه استَغفرَ لها لما جاءته مبايعةً مع النساء، فنَزل قولُ الله تعالى: ﴿فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ﴾، وجاء وصفُ المبايعات في الآيات بأنهن من (المؤمنات). (الممتحنة:١٢) ويَدخلُ معاويةُ في فضل الحديث السابق، فهو من أهل خباء هند.
وفيهم أنزل الله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ (الممتحنة:٧)، فإن الله جعل بين النبي - ﵌ - وبين الذين عادوه - كأبي سفيان وهند وغيرهما - مودة، والله قدير على تبديل العداوة بالمودة، وهو غفور لهم بتوبتهم من الشرك، رحيم بالمؤمنين، وقد صاروا مؤمنين.
_________________
(١) باختصار من فتح الباري.
(٢) البداية والنهاية (٨/ ١٣١).
[ ١٩٥ ]
الشبهة الثامنة
قالوا: «وكان باليمن يوم الفتح يطعن على رسول الله - ﵌ -، وكتب إلى أبيه صخر بن حرب يعيّره بإسلامه، ويقول: أصَبَوت إلى دين محمد؟ وكتب إليه:
يا صخر لا تُسلِمَنّ طوعًا فتفضحنا بعد الذين ببدرٍ أصبحوا فرقا
جدّي وخالي وعمُّ الأم يا لهم قومًا وحنظلة المهدي لنا أرقا
فالموت أهون من قول الوشاة لنا خلّى ابن هند عن العزّى لقد فَرَقا
الجواب: أما قولهم: «كان باليمن يطعن على النبي - ﵌ -، وكتب إلى أبيه صخر بن حرب يعيِّره بإسلامه، وكتب إليه الأبيات»، فهذا من الكذب المعلوم؛ فإن معاوية إنما كان بمكة، لم يكن باليمن، وأبوه أسلم قبل دخول النبي - ﵌ - مكة بمر الظهران ليلة نزل بها.
وهذا الشعر كذب على معاوية قطعًا؛ فإنه فيه:
فالموت أهون من قول الوشاة خلّى ابن هند عن العزّى لقد فرقا
ومعلوم أنه بعد فتح مكة أسلم الناس وأُزيلت العُزَّى؛ بَعَثَ النبي - ﵌ - إليها خالد بن الوليد، فجعل يقول:
إني رأيت الله قد أهانك يا عزّ كفرانك لا سبحانك
وكانت قريبًا من عرفات، فلم يبق هناك لا عُزّى ولا من يلومهم على ترك العزّى، فعُلم أن هذا وضع بعض الكذّابين على لسان معاوية.
وهو كذّاب جاهل لم يعلم كيف وقع الأمر.
وعلى فرض أن هذا الكذب صحيح فقد أسلم معاوية - ﵁ - وحسن إسلامه والإسلام يجُبُّ ما قبله.
[ ١٩٦ ]
الشبهة التاسعة
قالوا: «الفتح كان في رمضان لثمان سنين من قدوم النبي - ﵌ - المدينة، ومعاوية مقيم على شركه، هارب من النبي - ﵌ -؛ لأنه كان قد أهدر دمه، فهرب إلى مكة، فلما لم يجد له مأوى صار إلى النبي - ﵌ - مضطرًا، فأظهر الإسلام، وكان إسلامه قبل موت النبي - ﵌ - بخمسة أشهر، وطرح نفسه على العباس، فسأل فيه رسول الله - ﵌ - فعفا، ثم شفع إليه أن يشرِّفه ويضيفه إلى جملة الكُتَّاب، فأجابه وجعله واحدًا من أربعة عشرة، فكم كان حظه من هذه المدة لو سلّمنا أنه كاتب الوحي حتى استحق أن يوصف بذلك دون غيره؟».
الجواب:
وأما قولهم: «إن الفتح كان في رمضان لثمان من مقدم النبي - ﵌ - المدينة»، فهذا صحيح.
وأما قولهم: «إن معاوية كان مقيمًا على شِرْكِهِ هاربًا من النبي - ﵌ -؛ لأنه كان قد أهدر دمه، فهرب إلى مكة، فلما لم يجد له مأوى صار إلى النبي - ﵌ - مضطرًا فأظهر الإسلام، وكان إسلامه قبل موت النبي - ﵌ - بخمسة أشهر».
فهذا من أظهر الكذب؛ فإن معاوية أسلم عام الفتح باتفاق الناس، وقد تقدّم قول الشيعة: «إنه من المؤلفة قلوبهم»، والمؤلفة قلوبهم أعطاها النبي - ﵌ - عام حُنَين من غنائم هَوَازن، وكان معاوية - ﵁ - ممن أعطاه منها، والنبي - ﵌ - كان يتألّف السادة المُطاعين في عشائرهم، فإن كان معاوية هاربًا لم يكن من المؤلفة قلوبهم، ولو لم يسلم إلا قبل موت النبي - ﵌ - لم يعطَ شيئًا من غنائم حنين.
ومن كانت غايته أن يُؤَمَّن لم يحتج إلى تأليف.
[ ١٩٧ ]
وقد ذكر البياضي - وهو من علماء الشيعة - أن معاوية أظهر إسلامه في عام الفتح، فقال: «قد صح من التاريخ أنه أظهر الإسلام سنة ثمانية من الهجرة» (١).
فهذا شاهد منهم ينقل أنه قد صح إظهار معاوية لإسلامه في السنة الثامنة - عام الفتح - وقوله حجة على من زعم تأخر ذلك.
وأقل أحوال معاوية أن يكون من الطلقاء أو المؤلفة قلوبهم، وكونه منهم لا يقدح به لأن أكثر الطلقاء المؤلفة قلوبهم حسن إسلامهم.
وبعض الناس يقول: إنه قد أسلم قبل ذلك.
ومما يبيّن كذب ما ذكره الرافضة أنه لم يتأخر إسلام أحد من قريش إلى هذه الغاية، وكان النبي - ﵌ - قد بعث أبا بكر عام تسع بعد الفتح بأكثر من سنة ليقيم الحج، وينادي أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
في تلك السنة نُبذت العهود إلى المشركين، وأجِّلوا أربعة أشهر، فانقضت المدة في سنة عشر، فكان هذا أمانًا لكل مشرك من سائر قبائل العرب، وغزا النبي - ﵌ - غزوة تبوك سنة تسع لقتال النصارى بالشام، وقد ظهر الإسلام بأرض العرب.
ولو كان لمعاوية - ﵁ - من الذنوب ما كان لكان الإسلام يَجُبُّ ما قبله، فكيف ولم يُعرف له ذنب يهرب لأجله، أو يُهدر دمه لأجله؟! وأهل السير والمغازي متفقون على أنه لم يكن معاوية - ﵁ - ممن أهدر دمه عام الفتح.
فهذه مغازي عُروة بن الزبير، والزهري، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، والواقدي، وسعيد بن يحيى الأموي، ومحمد بن عائذ، وأبي إسحاق الفزاري وغيرهم. وكتب التفسير والحديث كلها تنطق بخلاف ما ذكره الشيعة.
والذين أهدر النبي - ﵌ - دماءَهم كانوا نفرًا قليلًا نحو العشرة.
وأبو سفيان كان أعظم الناس عداوة للنبي - ﵌ -؛ فهو في غزوة بدر الذي أرسل إلى قريش ليستنفرهم، وفي غزوة أحد هو الذي جمع الأموال التي كانت معه
_________________
(١) الصراط المستقيم للبياضي (٣/ ٤٦).
[ ١٩٨ ]
للتجارة، وطلب من قريش أن ينفقها في قتال رسول الله - ﵌ -، وهو أعظم قواد الجيش يوم أحد، وهو قائد الأحزاب أيضًا، وقد أسلم أبو سفيان، وأمّنه النبي - ﵌ -.
فكيف يُهدِر دم معاوية، وهو شاب صغير ليس له ذنب يختص به، ولا عُرف عنه أنه كان يحضُّ على عداوة النبي - ﵌ -، وقد أمَّن رؤوس الأحزاب؟ فهل يَظُن هذا إلا مَن هو أجهل الناس بالسيرة؟ وهذا الذي ذكرناه مجمع عليه بين أهل العلم مذكور في عامة الكتب المصنّفة في هذا الشأن.
* وأما قولهم: «إنه استحق أن يُوصف بذلك دون غيره».
ففرية على أهل السنة؛ فإنه ليس فيهم من يقول: إن هذا من خصائص معاوية، بل هو واحد من كتّاب الوحي.
[ ١٩٩ ]
الشبهة العاشرة
قالوا: «إنه نزل فيه: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ الآية (النحل:١٠٦)».
الجواب:
هذا باطل؛ فإن هذه الآية نزلت بمكة، لما أكرِه عمّار وبلال على الكفر، ولو قُدِّر أنه نزلت فيه هذه الآية؛ فالنبي - ﵌ - قد قَبِل إسلامه وبايعه.
وقد قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾
(آل عمران:٨٦ - ٨٩).
[ ٢٠٠ ]
الشبهة الحادية عشرة
قالوا: «قد روى عبد الله بن عمر، قال: أتيت النبي - ﵌ - فسمعته يقول: «يطلع عليكم رجل يموت على غير سنتي»، فطلع معاوية.
وقام النبي - ﵌ - خطيبًا، فأخذ معاوية بيد ابنه زيدًا أو يزيد وخرج ولم يسمع الخطبة، فقال النبي - ﵌ -: «لعن الله القائد والمقود، أي يوم يكون للأمة مع معاوية ذي الإساءة؟».
الجواب:
أولًا: نحن نطالب بصحة هذا الحديث؛ فإن الاحتجاج بالحديث لا يجوز إلا بعد ثبوته، ونحن نقول هذا في مقام المناظرة، وإلا فنحن نعلم قطعًا أنه كذب.
ثانيًا: هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث التي يُرجع إليها في معرفة الحديث، ولا له إسناد معروف.
وهذا المحتج به لم يذكر له إسنادًا، ثم من جهله أن يروي مثل هذا عن عبد الله بن عمر - ﵄ -، وعبد الله بن عمر كان من أبعد الناس عن ثلب الصحابة، وأروى الناس لمناقبهم، وقوله في مدح معاوية - ﵁ - معروف ثابت عنه.
قال ابن كثير: «وقال هشيم عن العوام عن جبلة بن سحيم عن ابن عمرو، قال: «ما رأيت أحدًا أسْوَد (١) من معاوية».
قال: قلت: «ولا عمر؟».
قال: «كان عمر خيرًا منه، وكان معاوية أسوَد منه» (٢).
ثالثًا: إن خُطب النبي - ﵌ - لم تكن واحدة، بل كان يخطب في الجمع والأعياد والحج وغير ذلك، ومعاوية وابنه كانا يشهدان الخطب، كما يشهدها المسلمون كلهم.
_________________
(١) من السيادة.
(٢) البداية والنهاية (٨/ ١٥٣).
[ ٢٠١ ]
أفَتَراهما في كل خطبة كانا يقومان ويُمَكَّنان من ذلك؟ هذا قدح في النبي - ﵌ - وفي سائر المسلمين، إذ يمكِّنون اثنين دائمًا يقومان ولا يحضران الخطبة ولا خطبة الجمعة. وإن كانا يشهدان كل خطبة، فما بالهما يمتنعان من سماع خطبة واحدة قبل أن يتكلم بها؟
ثم من المعلوم من سيرة معاوية أنه كان من أحلم الناس، وأصبرهم على من يؤذيه، وأعظم الناس تأليفًا لمن يعاديه، فكيف ينفر عن رسول الله - ﵌ -، مع أنه أعظم الخلق مرتبة في الدين والدنيا، وهو محتاج إليه في كل أموره؟ فكيف لا يصبر على سماع كلامه وهو بعد المُلك كان يسمع كلام من يسبّه في وجهه؟ فلماذا لا يسمع كلام النبي - ﵌ -.
وكيف يتخذ النبي - ﵌ - كاتبًا مَن هذه حاله؟
رابعًا: أما قولهم: «إنه أخذ بيد ابنه زيدًا أو يزيد»، فمعاوية لم يكن له ابن اسمه زيد. وأما يزيد ابنه الذي تولّى بعده الملك وجرى في خلافته ما جرى، فإنما وُلد في خلافة عثمان - ﵁ - باتفاق أهل العلم، ولم يكن لمعاوية ولد على عهد رسول الله - ﵌ -.
[ ٢٠٢ ]
الشبهة الثانية عشرة
ما ذُكِرَ مِن حال جدّه أبي أمية عتبة بن ربيعة وخاله الوليد بن عتبة وعم أمه شيبة بن ربيعة وأخيه حنظلة وموتهم على الكفر.
الجواب:
هذا أمر يشترك فيه هو وجمهور قريش، فما منهم من أحد إلا وله أقارب كفار، قُتلوا كفارًا أو ماتوا كفارًا، فهل كان في إسلامهم فضيحة؟!
وقد أسلم عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية، وكانا من خيار المسلمين، وأبواهما قتلا ببدر.
وكذلك الحارث بن هشام قُتل أخوه يوم بدر. وفي الجملة هذا طعن في عامة أهل الإيمان.
وهل يحل لأحد أن يطعن في عليّ - ﵁ - بأن عمه أبا لهب كان شديد العداوة للنبي - ﵌ -، أو يطعن في العبّاس - ﵁ - بأن أخاه كان معاديًا للنبي - ﵌ -، أو يعيّر عليًّا - ﵁ - بكفر أبي طالب أو يعير بذلك العباس؟ وهل مثل ذلك إلا مِن كلام مَن ليس مِن المسلمين؟
[ ٢٠٣ ]
الشبهة الثالثة عشرة
قالوا: «كسر أبوه ثَنِيَّة النبي - ﵌ - (١)، وأكلتْ أمُّه كبدَ حمزة عم النبي - ﵌ -».
الجواب:
لا ريب أن أبا سفيان بن حرب - ﵁ - كان - قبل إسلامه - قائد المشركين يوم أُحُد، وكُسرت ذلك اليوم ثنيّة النبي - ﵌ -، كسرها بعض المشركين. لكن لم يقل أحد: إن أبا سفيان باشر ذلك، وإنما كسرها عُتبة بن أبي وقاص (٢)، ورُوِىَ أن هندًا أخذت كبد حمزة فلاكَتْها (٣)، فلم تستطع أن تبلعها فلفظتها (٤).
وإن صح ذلك فقد كان هذا قبل إسلامهما، ثم بعد ذلك أسلما وحسن إسلامهما، وهند كان النبي - ﵌ - يكرمها، والإسلام يَجُبٌّ ما قبله (٥).
وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (الأنفال:٣٨).
_________________
(١) الثَنِيَّة: إحدى الأسنان الأربع التي في مقدَّم الفم، اثنتان من فوق واثنتان من تحت.
(٢) في سيرة ابن هشام (٣/ ٨٤) عن أبي سعيد الخدري أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله - ﵌ - يومئذ (يوم أحد) فكسر رباعيته اليمنى السفلى وجرح شفته السفلى. وفي زاد المعاد (٣/ ١٩٧): «وكان الذي تولى أذاه - ﵌ - عمرو بن قمئة وعتبة بن أبي وقاص. وقيل: إن عبد الله بن شهاب الزهري، عم محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، هو الذي شجه».
(٣) اللَّوْكُ: أهْوَنُ المَضْغِ، أو مَضْغُ صُلْبٍ.
(٤) لفَظَتْها: رَمَتْها مِن فَمِها.
(٥) عن عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ - ﵁ - قَالَ: «لَمَّا أَلْقَى اللهُ ﷿ فِي قَلْبِي الْإِسْلَامَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﵌ - لِيُبَايِعَنِي فَبَسَطَ يَدَهُ إِلَيَّ فَقُلْتُ لَا أُبَايِعُكَ يَا رَسُولَ اللهِ حَتَّى تَغْفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي».قَالَ: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «يَا عَمْرُو، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ، يَا عَمْرُو، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ الذُّنُوبِ» رواه الإمام أحمد وصححه الألباني). ورواه مسلم بلفظ «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ».
[ ٢٠٤ ]
الشبهة الرابعة عشرة
قالوا: «إن معاوية سمَّ الحسن بن عليٍّ - ﵄ -».
الجواب:
أولا: هذا الادعاء باطل وذلك لأسباب وهي:
أـ أنه لم يثبت أي دليل صحيح عليه، وإن كان عند الشيعة نقل ثابت عن عدل فليرشدونا إليه لا أن يتهموا صحابيًا دون أن يأتوا ببينة على ادعائهم.
ومثل هذا لا يحكم به في الشرع باتفاق المسلمين، فلا يترتب عليه أمر ظاهر: لا مدح ولا ذم.
ب - كان الناس في تلك المرحلة في حالة فتنة تتصارعهم الأهواء وكل فرقة تنسب للأخرى ما يذمها وإذا نقل لنا ذلك فيجب ألا نقبله إلا إذا نقل بعدل ثقة ضابط.
جـ - إن هذه الحادثة - قصة دس السم من قبل معاوية للحسن - تستسيغها العقول في حالة واحدة فقط؛ وهي كون الحسن بن علي - ﵄ - رفض الصلح مع معاوية - ﵁ - وأصر على القتال، ولكن الذي حدث أن الحسن صالح معاوية - ﵄ - وسلم له بالخلافة طواعية وبايعه عليها، فعلى أي شيء يقدم معاوية على سم الحسن - ﵄ -؟؟!!
هـ- لا نلمس لهذه القضية أثرًا في قضية قيام الحسين - ﵁ -، أو حتى عتابًا من الحسين لمعاوية - ﵄ -. ولو كان هذا حقًا لذُكِرَ ذلك.
ثانيًا: أقوال أهل العلم في هذه المسألة:
١ - قال ابن العربي - ﵀ -:
«فإن قيل: دس - أي معاوية - على الحسن مَن سَمَّه، قلنا هذا محال من وجهين:
أحدهما: أنه ما كان ليتقي من الحسن بأسًا وقد سلّم الأمر.
الثاني: أنه أمر مغيب لا يعلمه إلا الله، فكيف تحملونه بغير بينة على أحد من خلقه، في زمن متباعد، لم نثق فيه بنقل ناقل، بين أيدي قوم ذوي أهواء، وفي حال فتنة
[ ٢٠٥ ]
وعصبية، ينسب كل واحد إلى صاحبه مالا ينبغي، فلا يقبل منها إلا الصافي، ولا يسمع فيها إلا من العدل الصميم» (١).
٢ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «وأما قوله: إن معاوية سم الحسن، فهذا مما ذكره بعض الناس، ولم يثبت ذلك ببينة شرعية، أو إقرار معتبر، ولا نقل يجزم به، وهذا مما لا يمكن العلم به، فالقول به قول بلا علم» (٢).
٣ - قال الذهبي - ﵀ -: «قلت: هذا شيء لا يصح فمن الذي اطلع عليه». (٣)
٤ - قال ابن كثير - ﵀ -: «وروى بعضهم أن يزيد بن معاوية بعث إلى جعدة بنت الأشعث أن سُمّي الحسن وأنا أتزوجك بعده، ففعلت، فلما مات الحسن بعثت إليه فقال: «إنا والله لم نرضك للحسن أفنرضاك لأنفسنا؟».
وعندي أن هذا ليس بصحيح، وعدم صحته عن أبيه معاوية بطريق الأولى والأحرى» (٤).
٥ - قال ابن خلدون (٥): «وما نقل من أن معاوية دس إليه السم مع زوجته جعدة بنت الأشعث، فهو من أحاديث الشيعة، وحاشا لمعاوية من ذلك».
ثالثًا: إن الذي نُقِلَ لنا عن حادثة سم الحسن بن علي - ﵁ - روايات متضاربة ضعيفة.
بعضها يقول أن الذي دس السم له هي زوجته.
_________________
(١) العواصم من القواصم (ص ٢٢٠ - ٢٢١).
(٢) منهاج السنة (٤/ ٤٦٩.
(٣) تاريخ الإسلام (عهد معاوية ص ٤٠).
(٤) البداية والنهاية (٨/ ٤٣).
(٥) في تاريخه (٢/ ٦٤٩).
[ ٢٠٦ ]
وبعضها يقول أن أباها الأشعث بن قيس هو الذي أمرها بذلك (١).
وبعضها يتهم معاوية - ﵁ - بأن أوعز إلى بعض خدمه فسمّه.
وبعضها يتهم ابنه يزيد.
وهذا التضارب في حادثة كهذه، يضعف هذه النقول؛ لأنها يعزوها النقل الثابت بذلك، والرافضة - خيبهم الله - لم يعجبهم من هؤلاء إلا الصحابي الجليل معاوية - ﵁ - يلصقون به التهمة، مع أنه أبعد هؤلاء عنها.
رابعًا: إن من الدلالة على ضعف تلك الاتهامات وعدم استنادها إلى معقول أو محسوس، ما ذكر حول علاقة جعدة بنت قيس بمعاوية ويزيد، حيث زعموا أن يزيد بن معاوية أرسل إلى جعدة بنت قيس أن سُمّي حسنًا فإني سأتزوجك، ففعلت، فلما مات الحسن بعثت جعدة إلى يزيد تسأله الوفاء، فقال: «إنا والله لم نرضك له أفنرضاك لأنفسنا».
ولعل الناقد لمتن هذه الرواية يتجلى له عدة أمور:
* هل معاوية - ﵁ - أو ولده يزيد بهذه السذاجة ليأمرا امرأة الحسن بهذا الأمر الخطير، الذي فيه وضع حد لحياة الحسن بن علي - ﵄ - غيلة، وما هو موقف معاوية أو ولده أمام المسلمين لو أن جعدة كشفت أمرهما؟!
_________________
(١) الأشعث بن قيس بن معد يكرب الكندي، أبو محمد، له صحبة، وفد على النبي - ﵌ - سنة عشر في سبعين راكبًا من كندة وكان من ملوك كنده، فأسلم، وشهد اليرموك فأصيبت عينه وكان مع عليّ يوم صِفِّين وحضر معه وقعة النهروان ثم عاد إلى الكوفة فتوفى فيها سنة ٤٠هـ. روى له البخاري ومسلم تسعة أحاديث. (انظر ترجمته في: الإصابة ١/ ٦٦؛ الأعلام ١/ ٣٣٣ - ٣٣٤). ومما يدل على كذب هذه الرواية أن الأشعث بن قيس - ﵁ - مات سنة أربعين، وقيل إحدى وأربعين، ولهذا لم يذكر في الصلح الذي كان بين معاوية والحسن بن علي، في العام الذي كان يسمى عام الجماعة، وهو عام ٤١هـ، وكان الأشعث حما الحسن بن عليّ، فلو كان شاهدًا لكان يكون له ذكر في ذلك، وإذا كان قد مات قبل الحسن بنحو عشر سنين، فكيف يكون هو الذي أمر ابنته أن تسم الحسن؟!!
[ ٢٠٧ ]
* هل جعدة بنت الأشعث بن قيس بحاجة إلى شرف أو مال حتى تسارع لتنفيذ هذه الرغبة من يزيد، وبالتالي تكون زوجة له، أليست جعدة ابنة أمير قبيلة كندة كافة وهو الأشعث بن قيس، ثم أليس زوجها وهو الحسن بن علي أفضل الناس شرفًا ورفعة بلا منازعة، إن أمه فاطمة - ﵂ - وجده الرسول - ﵌ - وكفى به فخرًا، وأبوه علي ابن أبي طالب - ﵁ - أحد العشرة المبشرين بالجنة ورابع الخلفاء الراشدين، إذًا ما هو الشيء الذي تسعى إليه جعدة وستحصل عليه حتى تنفذ هذا العمل الخطير؟!
* ولو كانت هي التي فعلت ذلك لما خفي ذلك على الحسن أو الحسين - ﵄ - ولأقاموا عليها الحد فلمّا لم يفعلوا ذلك دلَّ على أن هذا الأمر لا يستقيم.
خامسًا: إذا كان معاوية - ﵁ - يريد أن يصفي الساحة من المعارضين حتى يتمكن من مبايعة يزيد بدون معارضة، فإنه سيضطر إلى تصفية الكثير من أبناء الصحابة - ﵃ -، ولن تقتصر التصفية على الحسن - ﵁ - فقط.
سادسًا: إن بقاء الحسن من مصلحة معاوية - ﵄ - في بيعة يزيد، فإن الحسن كان كارهًا للنزاع وفرقة المسلمين، فربما ضمن معاوية رضاه، وبالتالي يكون له الأثر الأكبر في موافقة بقية أبناء الصحابة.
سابعًا: إن هناك الكثير من أعداء الحسن بن علي - ﵁ -، قبل أن يكون معاوية هو المتهم الأول:
فهناك السبئية الذين وجه لهم الحسن صفعة قوية عندما تنازل عن الخلافة لمعاوية وجعل حدًا لصراع المسلمين.
وهناك الخوارج الذين قاتلهم أبوه علي بن أبي طالب - ﵁ - في النهراون، وهم الذين طعنوه في فخذه، فربما أرادوا الانتقام من قتلاهم في النهروان وغيرها.
ثامنًا: إن ثبت موت الحسن - ﵁ - بالسم، فهذه شهادة له وكرامة في حقه كما قال بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (١).
_________________
(١) منهاج السنة (٤/ ٤٢).
[ ٢٠٨ ]
ولمزيد فائدة راجع كتاب: (أثر التشيع على الروايات التاريخية في القرن الأول الهجري) للدكتور محمد نور ولي (١) وكتاب (مواقف المعارضة في خلافة يزيد بن معاوية) للدكتور محمد بن عبد الهادي الشيباني (٢) لتقف على الكم الهائل من الروايات المكذوبة على معاوية - ﵁ - من قِبَل الشيعة في قضية سم الحسن - ﵁ -.
إن أحد مؤرخي الشيعة وهو ابن رستم في كتابه: دلائل الإمامة (٣) قد بالغ في اتهام معاوية - ﵁ -، وادعى أنه سم الحسن - ﵁ - سبعين مرة فلم يفعل فيه السم، ثم ساق خبرًا طويلًا ضمنه ما بذله معاوية لجعدة من الأموال والضِياع لتَسُمّ الحسن، وغير ذلك من الأمور الباطلة.
_________________
(١) ص ٣٦٧ - ٣٦٨.
(٢) ص ١٢٠ - ١٢٥.
(٣) ص ٦١.
[ ٢٠٩ ]
الشبهة الخامسة عشرة
شبهة طلب معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - للخلافة
قد شاع بين الناس قديمًا وحديثًا أن الخلاف بين علي ومعاوية - ﵄ - كان سببه طمع معاوية في الخلافة، وأن خروج معاوية على علي وامتناعه عن بيعته كان بسبب عزله عن ولاية الشام.
لكن الصحيح أن الخلاف بين علي ومعاوية - ﵄ - كان حول مدى وجوب بيعة معاوية وأصحابه لعلي قبل إيقاع القصاص على قتلة عثمان أو بعده، وليس هذا من أمر الخلافة في شيء.
فقد كان رأيُ معاوية - ﵁ - ومن حوله من أهل الشام أن يقتص علي - ﵁ - من قتلة عثمان ثم يدخلوا بعد ذلك في البيعة.
يقول إمام الحرمين الجويني: «إن معاوية وإن قاتل عليًا فإنه لا ينكر إمامته ولا يدعيها لنفسه، وإنما كان يطلب قتلة عثمان ظنًا منه أنه مصيب، وكان مخطئًا» (١).
أما شيخ الإسلام فيقول: «ومُعَاوِيَةُ لَمْ يَدَّعِ الْخِلَافَةَ؛ وَلَمْ يُبَايَعْ لَهُ بِهَا حَيْنَ قَاتَلَ عَلِيًّا، وَلَمْ يُقَاتِلْ عَلَى أَنَّهُ خَلِيفَةٌ، وَلَا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْخِلَافَةَ، وَيُقِرُّونَ لَهُ بِذَلِك، وَقَدْ كَانَ مُعَاوِيَةُ يُقِرُّ بِذَلِك لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْهُ» (٢).
ويذكر ابن كثير أن أبا الدرداء وأبا أمامة - ﵄ -، دخلا على معاوية فقالا له: «يا معاوية! عَلَامَ تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلامًا، وأقرب منك إلى رسول الله - ﵌ - وأحق بهذا الأمر منك». فقال: «أقاتله على دم عثمان، فاذهبا إليه فقولا: فليقدْنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من أبايعه من أهل الشام» (٣).
_________________
(١) في لمع الأدلة (ص ١١٥).
(٢) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٧٢).
(٣) البداية والنهاية (٧/ ٣٦٠).
[ ٢١٠ ]
ويقول ابن حجر الهيتمي: «ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن ما جرى بين معاوية وعلي - ﵄ - من الحرب، لم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلافة للإجماع على أحقيتها لعلي؛ فلم تهج الفتنة بسببها، وإنما هاجت بسبب أن معاوية ومن معه طلبوا من علي تسليم قتلة عثمان إليهم لكون معاوية ابن عمه، فامتنع علي» (١).
وتتضافر الروايات وتشير إلى أن معاوية - ﵁ - خرج للمطالبة بدم عثمان، وأنه صرح بدخوله في طاعة عليٍّ - ﵁ - إذا أقيم الحد على قتلة عثمان.
ولو افتُرِضَ أن معاوية - ﵁ - اتخذ قضية القصاص والثأر لعثمان ذريعة لقتال علي طمعًا في السلطة، فماذا سيحدث لو تمكن عليٌّ من إقامة الحد على قتلة عثمان؟
حتمًا ستكون النتيجة خضوع معاوية لعلي ومبايعته له، لأنه التزم بذلك في موقفه من تلك الفتنة، كما أن كل من حارب معه كانوا يقاتلون على أساس إقامة الحد على قتلة عثمان، على أن معاوية إذا كان يخفي في نفسه شيئًا آخر لم يعلن عنه، سيكون هذا الموقف بالتالي مغامرة، ولا يمكن أن يقدم عليه إذا كان ذا أطماع.
إن معاوية - ﵁ - كان من كتاب الوحي، ومن أفاضل الصحابة، وأصدقهم لهجة، وأكثرهم حلمًا فكيف يعتقد أن يقاتل الخليفة الشرعي ويريق دماء المسلمين من أجل ملك زائل، وهو القائل: «وَاللهِ، لاَ أُخَيَّرُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، إِلاَّ اخْتَرْتُ اللهَ عَلَى مَا سِوَاهُ» (٢).
أما وجه الخطأ في موقفه من مقتل عثمان - ﵁ - فيظهر في رفضه أن يبايع لعلي - ﵁ - قبل مبادرته إلى القصاص من قتلة عثمان، بل ويلتمس منه أن يمكنه منهم، مع العلم أن الطالب للدم لا يصح أن يحكم، بل يدخل في الطاعة ويرفع دعواه إلى الحاكم ويطلب الحق عنده.
_________________
(١) الصواعق المحرقة (ص ٣٢٥).
(٢) سير أعلام النبلاء للذهبي (٣/ ١٥١).
[ ٢١١ ]
ويمكن أن نقول إن معاوية - ﵁ - كان مجتهدًا متأولًا يغلب على ظنه أن الحق معه، فقد قام خطيبًا في أهل الشام بعد أن جمعهم وذكّرهم أنه ولي عثمان - ابن عمه - وقد قُتل مظلومًا وقرأ عليهم الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ (الإسراء:٣٣) ثم قال: أنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان، فقام أهل الشام جميعهم وأجابوا إلى الطلب بدم عثمان، وبايعوه على ذلك وأعطوه العهود والمواثيق على أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم حتى يدركوا ثأرهم أو يفني الله أرواحهم (١).
_________________
(١) انظر: تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة (٢/ ١٥٠ - ١٥٢).
[ ٢١٢ ]
الشبهة السادسة عشرة
ادعاء الشيعة على معاوية - ﵁ - أنه أخذ الخلافة بالقوة والقهر وحوّلها من الشورى إلى ملكية قيصرية بمبايعة ابنه يزيد.
الجواب:
١ـ لم يأخذ معاوية - ﵁ - الخلافة بالقوة والقهر وإنما سُلّمَتْ له من قبل الحسن بن علي - ﵄ - وذلك بعدما تم الصلح بينهما.
٢ـ عمل معاوية - ﵁ - جهده من البداية في سبيل إعداد ولده يزيد، وتنشئته التنشئة الصحيحة، ليشب عليها عندما يكبر، فسمح لمطلقته ميسون بنت بحدل الكلبية - وكانت من الأعراب، وكانت من نسب حسيب، ومنها رزق بابنه يزيد - سمح لها أن تتولى تربيته في فترة طفولته، وكان يزيد وحيد أبيه، فأحب معاوية - ﵁ - أن يشب على حياة الشدة والفصاحة فألحقه بأهل أمه ليتربى على فنون الفروسية، ويتحلى بشمائل النخوة والشهامة والكرم والمروءة، إذ كان البدو أشد تعلقًا بهذه التقاليد.
كما أجبر معاوية ولده يزيد على الإقامة في البادية؛ لكي يكتسب قدرًا من الفصاحة في اللغة، كما هو حال العرب في ذلك الوقت.
وعندما رجع يزيد من البادية، نشأ وتربى تحت إشراف والده، ونحن نعلم أن معاوية - ﵁ - كان من رواة الحديث، فروى يزيد بعد ذلك عن والده هذه الأحاديث وبعض أخبار أهل العلم. وروى عنه ابنه خالد وعبد الملك بن مروان، وقد عده أبوزرعة الدمشقي في الطبقة التي تلي الصحابة، وهي الطبقة العليا (١).
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير (٨/ ٢٢٦ - ٢٢٧).
[ ٢١٣ ]
وقد اختار معاويةُ دَغْفَلَ بن حنظلة السدوسي الشيباني مؤدبًا لولده يزيد، وكان دغفل علامة بأنساب العرب، وخاصة نسب قريش، وكذلك عارفًا بآداب اللغة العربية.
هذا مختصر لسيرة يزيد بن معاوية قبل توليه الخلافة.
٣ - أما عن فكرة ولاية العهد، فقد بدأ معاوية - ﵁ - يفكر فيمن يكون الخليفة من بعده، ففكر معاوية في هذا الأمر ورأى أنه إن لم يستخلف ومات ترجع الفتنة مرة أخرى.
فقام معاوية - ﵁ - باستشارة أهل الشام في الأمر، فاقترحوا أن يكون الخليفة من بعده من بني أمية، فرشح ابنه يزيد، فجاءت الموافقة من مصر وباقي البلاد وأرسل إلى المدينة يستشيرها.
وقد خالف عبد الله بن الزبير والحسين - ﵄ - هذه الموافقة ولا يقدح ذلك في البيعة إذ لابد من مخالف لذلك، ومن هنا نعلم أن معاوية - ﵁ - حرص على موافقة الأمة على بيعة يزيد، ولو أراد معاوية الاستبداد وأخْذ البيعة ليزيد بالقوة والقهر كما يدعي الشيعة لاكتفى ببيعة واحدة، وفرضها على الناس فرضًا، وهذا ما لم يفعله معاوية بل قد خالف مَن خالف ولم يتخذ معاوية سبيل القوة لإرغامهم على البيعة.
وكان اعتراض هؤلاء النفر حول تطبيق الفكرة نفسها، لا على يزيد بعينه.
واعتبر معاوية أن معارضة هؤلاء ليس لها أثر، وأن البيعة قد تمت، حيث أجمعت الأمة على هذه البيعة.
وقد ثبت أن عبد الله بن عمر - ﵄ - بايع يزيد وعندما قامت عليه الفتنة من المدينة جمع أهله وحذّرهم من الخروج على يزيد، فعَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ فَقَالَ: «إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﵌ - يَقُولُ: «يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
[ ٢١٤ ]
وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّى لاَ أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ الْقِتَالُ، وَإِنِّى لاَ أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ، وَلاَ بَايَعَ فِى هَذَا الأَمْرِ، إِلاَّ كَانَتِ الْفَيْصَلَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ». (رواه البخاري).
فهذا ابن عمر - ﵁ - يعلن في أحرج المواقف - أي في ثورة أهل المدينة على يزيد بتحريض ابن الزبير وداعيته ابن مطيع - أن في عنقه كما في أعناقهم بيعة شرعية لإمامهم على بيع الله ورسوله - ﵌ -، وأن من أعظم الغدر أن تبايع الأمة إمامها ثم تنصب له القتال.
ولم يكتف ابن عمر بذلك في تلك الثورة على يزيد، بل روى مسلم في كتاب الإمارة من صحيحه عَنْ نَافِعٍ قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَرَّةِ مَا كَانَ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: «اطْرَحُوا لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً».
فَقَالَ: «إِنِّي لَمْ آتِكَ لِأَجْلِسَ، أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً».
قال الإمام ابن العربي المالكي: «وروى الثبت العدل عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر قال: قال ابن عمر حين بويع يزيد: «إن كان خيرًا رضينا، وإن كان شرًا صبرنا».
وثبت عن حميد بن عبد الرحمن قال: «دخلنا على رجل من أصحاب رسول الله - ﵌ - حين استُخلِف يزيد بن معاوية فقال: «تقولون إن يزيد بن معاوية ليس بخير أمة محمد، لا أفقهها فقهًا ولا أعظمها فيها شرفًا. وأنا أقول ذلك.
ولكن والله لأن تجتمع أمة محمد أحب إلي من أن تفترق. أرأيتم بابًا دخل فيه أمة محمد ووسِعَهُم، أكان يعجز عن رجل واحد لو كان دخل فيه؟».
قلنا: لا.
قال: «أرأيتم لو أن أمة محمد قال كل رجل منهم: لا أريقُ دم أخي ولا آخذ ماله، أكان هذا يَسَعُهم؟».
قلنا: «نعم».
قال: «فذلك ما أقول لكم».
.. و(الصاحب) الذي كنَّى عنه حميد بن عبد الرحمن هو عبد الله بن عمر، والله أعلم.
وإن كان غيره فقد أجمع رجلان عظيمان على هذه المقالة، وهي تعضد أن ولاية المفضول نافذة وإن كان هنالك من هو أفضل منه إذ عقدت له. وذلك لما في حلها - أو طلب الفضل - من استباحة ما لا يباح، وتشتيت الكلمة، وتفريق أمر الأمة» (١).
٤ـ ولقد كانت هناك أسباب كثيرة لتولية معاوية ابنه يزيد للعهد من بعده:
فهناك سبب سياسي:
وهو الحفاظ على وحدة الأمة، خاصة بعد الفتن التي تلاحقت يتلو بعضها بعضًا، وكان من الصعوبة أن يلتقي المسلمون على خليفة واحد، خاصة والقيادات المتكافئة في الإمكانيات قد تضرب بعضها بعضًا فتقع الفتن والملاحم بين المسلمين مرة ثانية، ولا يعلم مدى ذلك إلا الله تعالى.
وهناك سبب اجتماعي:
وهو قوة العصبية القبلية خاصة في بلاد الشام الذين كانوا أشد طاعة لمعاوية ومحبة لبني أمية، وليس أدل على ذلك من مبايعتهم ليزيد بولاية العهد من بعد أبيه دون أن يتخلف منهم أحد.
_________________
(١) باختصار من العواصم من القواصم (ص ٢٣١).
[ ٢١٥ ]
وهناك أسباب شخصية في يزيد نفسه:
فليس معاوية بذلك الرجل الذي يجهل صفات الرجال ومكانتهم، وهو ابن سلالة الإمارة والزعامة في مكة، ثم هو الذي قضى أربعين سنة من عمره وهو يسوس الناس ويعرف مزايا القادة والأمراء والعقلاء، ويعرف لكل واحد منهم فضيلته، وقد توفرت في يزيد بعض الصفات الحسنة من الكرم والمروءة والشجاعة والإقدام والقدرة على القيادة، وكل هذه المزايا جعلت معاوية ينظر ليزيد نظرة إعجاب وإكبار وتقدير.
٥ـ إن المؤرخين والمفكرين المسلمين قد وقفوا حيال هذه الفكرة مواقف شتى، ففيهم المعارض، ومنهم المؤيد، وكانت حجة الفريق المعارض تعتمد على ما أوردته بعض الروايات التاريخية من أن يزيد بن معاوية كان شابًا لاهيًا عابثًا، مغرمًا بالصيد وشرب الخمر، وتربية الفهود والقرود، والكلاب الخ.
ولكن مثل هذه الأوصاف لا تمثل الواقع الحقيقي لما كانت عليه حياة يزيد بن معاوية، فإضافة إلى ما سبق من الجهود التي بذلها معاوية في تنشئة وتأديب يزيد، نجد رواية في مصادرنا التاريخية قد تساعدنا في دحض مثل تلك الآراء.
قال الإمام ابن العربي المالكي: «فإن قيل: كان يزيد خمارًا.
قلنا: لا يحل قول ذلك إلا بشاهدين، فمن شهد بذلك عليه؟!!
بل شهد العدل بعدالته، فروى يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، قال الليث: «توفي أمير المؤمنين يزيد في تاريخ كذا»؛ فسماه الليث «أمير المؤمنين» بعد ذهاب ملكهم وانقراض دولتهم، ولولا كونه عنده كذلك ما قال إلا «توفي يزيد» (١).
ويروي البلاذري أن محمد بن علي بن أبي طالب - ﵄ - - المعروف بابن الحنفية - دخل يومًا على يزيد بن معاوية بدمشق ليودعه بعد أن قضى عنده فترة من الوقت، فقال له يزيد، وكان له مُكرمًا: «يا أبا القاسم، إن كنت رأيت مني خُلُقًا تنكره نَزَعتُ عنه، وأتيت الذي تُشير به علي؟».
_________________
(١) العواصم من القواصم (ص ٢٣١).
[ ٢١٧ ]
فقال: «والله لو رأيت منكرًا ما وسعني إلاّ أن أنهاك عنه، وأخبرك بالحق لله فيه، لما أخذ الله على أهل العلم عن أن يبينوه للناس ولا يكتموه، وما رأيت منك إلاّ خيرًا» (١).
كما أنه شهد له بحسن السيرة والسلوك حينما أراده بعض أهل المدينة على خلعه والخروج معهم ضده، فيروي ابن كثير أن عبد الله بن مطيع - الذي كان داعية لابن الزبير - مشى من المدينة هو وأصحابه إلى محمد ابن الحنفية فأرادوه على خلع يزيد فأبَى عليهم.
فقال ابن مطيع: «إن يزيد يشرب الخمر ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب».
فقال محمدبن الحنفية: «ما رأيت منه ما تذكرون، قد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظبًا على الصلاة متحريًا للخير يسأل عن الفقه ملازمًا للسنة».
قالوا: «ذلك كان منه تَصَنّعًا لك».
قال: «وما الذي خاف مني أو رجا حتى يُظهِر إليّ الخشوع؟
ثم أفأطْلَعَكم على ما تَذْكُرون من شرب الخمر، فلئن كان أطلعكم على ذلك فإنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا».
قالوا: «إنه عندنا لحق وإن لم نكن رأيناه».
فقال لهم: «أبى الله ذلك على أهل الشهادة، ولست من أمركم في شيء» (٢).
وقد شهد له ابن عباس - ﵁ - بالفضيلة وبايعه (٣).
٦ - إن مجرد موافقة عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، من أمثال عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وأبي أيوب الأنصاري، على مصاحبة جيش يزيد في سيره
_________________
(١) أنساب الأشراف للبلاذري (٥/ ١٧).
(٢) البداية والنهاية (٨/ ٢٣٣)، وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة ٦١ - ٨٠هـ، ص٢٧٤) وحسَّن محمد الشيباني إسناده، انظر: مواقف المعارضة من خلافة يزيد بن معاوية (ص٣٨٤).
(٣) انظر: أنساب الأشراف (٤/ ٢٨٩ - ٢٩٠) وسنده حسن.
[ ٢١٨ ]
نحو القسطنطينية، فيها خير دليل على أن يزيد كان يتميز بالاستقامة، وتتوفر فيه كثير من الصفات الحميدة، ويتمتع بالكفاءة والمقدرة لتأدية ما يوكل إليه من مهمات.
وقد روى البخاري في صحيحه عن أم حَرَام الأنصارية - ﵂ - أنها سمعت النبي - ﵌ - يَقُولُ: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا».
قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ - ﵂ - قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا فِيهِمْ؟»
قَالَ: «أَنْتِ فِيهِمْ».
ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ - ﵌ -: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ»
فَقُلْتُ: «أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟»
قَالَ: «لَا». (رواه البخاري).
(مَدِينَةَ قَيْصَر) يَعْنِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة.
(قَدْ أَوْجَبُوا) أَيْ فَعَلُوا فِعْلًا وَجَبَتْ لَهُمْ بِهِ الْجَنَّة.
قَالَ الْمُهَلَّب: فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْقَبَة لِمُعَاوِيَة لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا الْبَحْرَ، وَمَنْقَبَةٌ لِوَلَدِهِ يَزِيد لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا مَدِينَةَ قَيْصَرَ. (١)
وأخرج البخاري عن محمود بن الربيع في قصة عتبان بن مالك قال محمود: «فَحَدَّثْتُهَا قَوْمًا فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - فِي غَزْوَتِهِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهِمْ بِأَرْضِ الرُّومِ».
٧ - ولنستمع إلى وجهة النظر التي أبداها الأستاذ محب الدين الخطيب - حول مسألة ولاية العهد ليزيد - وهي جديرة بالأخذ بها للرد على ما سبق، فهو يقول (٢):
«إن كان مقياس الأهلية لذلك أن يبلغ مبلغ أبي بكر وعمر في مجموع سجاياهما، فهذا ما لم يبلغه في تاريخ الإسلام، ولا عمر بن عبد العزيز، وإن طمعنا بالمستحيل
_________________
(١) باختصار من (فتح الباري).
(٢) في تعليقه على العواصم من القواصم لابن العربي (ص٢٢١).
[ ٢١٩ ]
وقدرنا إمكان ظهور أبي بكر آخر وعمر آخر، فلن تتاح له بيئة كالبيئة التي أتاحها الله لأبي بكر وعمر.
وإن كان مقياس الأهلية، الاستقامة في السيرة، والقيام بحرمة الشريعة، والعمل بأحكامها، والعدل في الناس، والنظر في مصالحهم، والجهاد في عدوهم، وتوسيع الآفاق لدعوتهم، والرفق بأفرادهم وجماعاتهم، فإن يزيد يوم تُمحّص أخباره، ويقف الناس على حقيقة حاله كما كان في حياته، يتبين من ذلك أنه لم يكن دون كثيرين ممن تغنى التاريخ بمحامدهم، وأجزل الثناء عليهم».
٨ - نجد أيضًا في كلمات معاوية نفسه ما يدل على أن دافعه في اتخاذ مثل هذه الخطوة هو النفع للصالح العام وليس الخاص، فقد ورد على لسانه قوله: «اللهم إن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيتُ من فضله، فبلّغه ما أملْتُ وأعِنْه، وإن كانت إنما حملني حبّ الوالد لولده، وأنه ليس لما صنعت به أهلًا، فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك» (١).
٩ - لنتصور أن معاوية - ﵁ - سلك إحدى الأمور الثلاث الآتية:
* ترك الناس بدون خليفة من بعده، مثلما فعل حفيده معاوية بن يزيد.
* نادَى في كل مَصر من الأمصار بأن يرشحوا لهم نائبًا ثم يختاروا من هؤلاء المرشحين خليفة.
* جعل يزيد هو المرشح، وبايعه الناس كما فعل.
ولنأخذ الأمر الأول:
كيف ستكون حالة المسلمين لو أن معاوية تناسى هذا الموضوع، وتركه ولم يرشح أحدًا لخلافة المسلمين حتى تُوُفّي.
قد يغلب على الظن أن الوضع سيكون أسوأ من ذلك الوضع الذي أعقب تصريح معاوية بن يزيد بتنازله عن الخلافة، وترك الناس في هرج ومرج، حتى
_________________
(١) تاريخ الإسلام للذهبي، عهد معاوية بن أبي سفيان (ص١٦٩)، وخطط الشام لمحمد كرد علي (١/ ١٣٧).
[ ٢٢٠ ]
استقرت الخلافة أخيرًا لعبد الملك بن مروان بعد حروب طاحنة استمرت قرابة عشر سنوات.
ثم لنتصور الأمر الثاني:
نادى منادٍ في كل مَصر بأن يرشحوا نائبًا عنهم، حتى تكون مسابقة أخيرة ليتم فرز الأصوات فيها، ثم الخروج من هذه الأصوات بفوز مرشح من المرشحين ليكون خليفة للمسلمين بعد وفاة معاوية.
سيختار أهل الشام، رجل من بني أمية بلا شك، وربما كان يزيد، وربما غيره.
وسيختار أهل العراق في الغالب الحسين بن علي - ﵄ -.
وسيختار أهل الحجاز: إما عبد الله بن عمر أو عبد الرحمن بن أبي بكر، أو ابن الزبير - رضي الله عن الجميع.
وسيختار أهل مصر: عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ -.
والسؤال الآن:
هل سيرضى كل مَصر بولاية واحد من هؤلاء، ويسَلّموا له، أم ستكون المعارضة واردة؟!
الجواب: أغلب الظن أن المعارضة ستظهر.
ولنسأل سؤالًا آخر:
في حالة أنه تم اختيار كل مرشح من قِبَل الأمصار، هل يستطيع معاوية - ﵁ - أن يلزم كل مَصر بما اختاره أهل المصر الآخر؟!
الجواب: ستجد الدولة نفسها في النهاية أمام تنظيمات انفصالية، وسيعمد أدعياء الشر الذين قهرتهم الدولة بسلطتها إلى استغلال هذه الفوضى السياسية، ومن ثم الإفادة منها في إحداث شرخ جديد في كيان الدولة الإسلامية.
[ ٢٢١ ]
ونحن حينما نورد هذه الاعتراضات، فربما حصل ما أشرنا إليه، وربما حدث العكس من ذلك، ولكنا أوردنا ذلك حتى نتصور مدى عدم صحة الآراء التي أحيانًا يطلقها ويتحمس لها البعض دون الرجوع إلى الواقع التاريخي المحتم آنذاك.
لقد تعرض المجتمع المسلم إلى هزة عنيفة بعد استشهاد عثمان بن عفان - ﵁ -، وترك كيانات وتيارات سياسية وعقائدية خطيرة، استوجبت من معاوية أن يدرك خطورة الأمر والفرقة التي سوف تحصل للمسلمين إذا لم يسارع بتعيين ولي عهد له.
ويبقى الأمر الثالث:
وهو ما فعله معاوية - ﵁ - بتولية يزيد وليًا للعهد من بعده.
وقد اعترف بمزايا خطوة معاوية هذه، كل من ابن العربي (١)، وابن خلدون الذي كان أقواهما حجة، إذا يقول: «والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه، إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه ».
ثم يضيف قائلًا: «وإن كان لا يُظن بمعاوية غير هذا، فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك، وحضور أكابر الصحابة لذلك، وسكوتهم عنه، دليل على انتفاء الريب منه، فليسوا ممن تأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم - كلهم - أجلّ من ذلك، وعدالتهم مانعة منه» (٢).
١٠ - لم يبتدع معاوية نظامًا جديدًا للخلافة بتوريث ابنه يزيد، فقد سبقه إلى ذلك أبو بكر عندما عهد بالأمر لعمر بن الخطاب وقد عمد عمر إلى نفس الأمر فعهد بالولاية وحصَرَها في ستة من الصحابة - ﵃ -.
١١ - إذا احتج الشيعة بأن الاستخلاف في عهد الشيخين لم يكن للأبناء أي ملكًا وراثيًا فنقول لهم: «تذكر كتب الشيعة أن أول من فعل ذلك هو علي - ﵁ - عندما
_________________
(١) العواصم من القواصم (٢٢٨ - ٢٢٩)
(٢) المقدمة لابن خلدون (٢١٠ - ٢١١).
[ ٢٢٢ ]
عهد بالخلافة من بعده لابنه الحسن، فقد ذكر الكليني في (أصول الكافي) عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ - ﵇ - قَالَ: «أَوْصَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ - ﵇ - إِلَى الْحَسَنِ وَأَشْهَدَ عَلَى وَصِيَّتِهِ الْحُسَيْنَ - ﵇ - وَمُحَمَّدًا وَجَمِيعَ وُلْدِهِ وَرُؤَسَاءَ شِيعَتِهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ».
وذكر عَنْ أَبَانٍ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: «شَهِدْتُ وَصِيَّةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ - ﵇ - حِينَ أَوْصَى إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ - ﵇ - وَأَشْهَدَ عَلَى وَصِيَّتِهِ الْحُسَيْنَ - ﵇ - وَمُحَمَّدًا وَجَمِيعَ وُلْدِهِ وَرُؤَسَاءَ شِيعَتِهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ» (١).
١٢ـ الشيعة الاثنا عشرية يعارضون في الأصل مبدأ الشورى ويدَّعون أن الولاية يجب أن ينص عليها رسول الله - ﵌ - بنص صريح، ويعارضون خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، فلماذا يتباكون هنا على نظام الشورى الذي يعارضونه، ويعترضون على معاوية بولاية العهد لابنه يزيد؟
فهل لو جعلها شورى سيقبلها الشيعة الرافضة؟! أم أن الأمر عندهم سِيَّان؟!
الجواب: إنهم لن يقبلوها ولو كانت شورى من جميع المسلمين.
فلماذا هذه الإثارة الممجوجة والورع المكذوب من الشيعة على مبدأ الشورى وأغرب ما في الأمر اعتراضهم أن يورث معاوية ابنه يزيد وراثة قيصرية ملكية! مع أن أن أعظم اعتقاداتهم هو اعتقاد الإمامة وراثية قيصرية ملكية في ولد علي بن أبي طالب باستخلاف الأب للابن وهكذا؛ فهل هي حلال لهم حرام على غيرهم؟!
_________________
(١) أصول الكافي (١/ ٢٩٧ - ٢٩٨) - بَابُ الْإِشَارَةِ وَالنَّصِّ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ - ﵇ -.
[ ٢٢٣ ]
الشبهة السابعة عشرة
هل لُعِنَ عليٌّ على المنابر بأمر من معاوية - ﵄ -؟
الجواب: إن هذه الفرية من الأشياء المكذوبة في حق معاوية - ﵁ - بل من الأباطيل التي روج لها الرافضة ودخلت على كتب أهل السنة كأنها حقيقة لا شك فيها.
وهذه دعوى تحتاج إلى دليل، وهي مفتقرة إلى صحة النقل، وأغلب الرافضة ومن أشرب قلبه بغض معاوية - ﵁ -، لا يتثبتون فيما ينقلون، وإنما يكتفون بقولهم: (كما ذكر ذلك المؤرخون) أو (وكتب التواريخ طافحة بذلك) إلى غيرها من التُرَّهات. ولا يحيلون إلى أي مصدر موثوق، وكما هو معلوم مدى أهمية الإحالة والتوثيق لمثل هذه الدعاوى عند المحققين والباحثين.
ومعاوية - ﵁ - منزه عن مثل هذه التهم، بما ثبت من فضله في الدين، كما أن معاوية - ﵁ - كان محمود السيرة في الأمة، أثنى عليه الصحابة وامتدحه خيار التابعين، وشهدوا له بالدين والعلم والفقه والعدل والحلم وسائر خصال الخير.
وإذا ثبت هذا في حق معاوية، فإنه من أبعد المحال على من كانت هذه سيرته أن يحمل الناس على لعن علي - ﵁ - على المنابر وهو مَن هو في الفضل، وهذا يعني أن أولئك السلف وأهل العلم من بعدهم الذين أثنوا عليه ذلك الثناء البالغ، قد مالؤوه على الظلم والبغي واتفقوا على الضلال!! وهذا مما نُزّهت الأمة عنه بنص حديث الرسول - ﵌ -: «إنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَجَارَ أمَّتِي أنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلَالَةٍ». (رواه ابن أبي عاصم في السنة، وحسنه الألباني).
ومَن عَلِم سيرة معاوية - ﵁ - في الملك وما اشتهر به من الحِلم والصفح وحسن السياسة للرعية، ظهر له أن ذلك من أكبر الكذب عليه.
ثم كيف يسمح معاوية - ﵁ - بذلك؟! وهو الذي لم يصح عنه أبدًا أنه سبّ عليًّا - ﵁ - أو لعنه مرة واحدة، فضلًا عن التشهير به على المنابر؟!!
[ ٢٢٤ ]
* إن قصة لعْن عليٍّ - ﵁ - على منابر بني أمية قد رواها الطبري من طريق أبي مخنف عن أبي جناب الكلبي وفيه عن علي - ﵁ -: «وكان إذا صلى الغداة يقنت فيقول: «اللهم العن معاوية وعمْرًا وأبا الأعور السُّلمي وحبيبًا وعبدالرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد، فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت لعن عليًا وابن عباس والأشتر وحسنًا وحسينًا» (١).
وإسنادها لا يصح.
إن هذا الأثر - قصة لعن علي على منابر بني أمية - مروي من طريق علي بن محمد وهو شيخ ابن سعد، وهو المدائني فيه ضعف.
وشيخه لوط بن يحي (أبو مخنف) ليس بثقة، متروك الحديث وأخباري تالف لا يوثق به وعامة روايته عن الضعفاء والهلكى والمجاهيل
وفي سندها أيضًا أبو جناب الكلبي، ضعيف (٢).
ثم إن هذا الأثر، وهو الوحيد الذي ورد فيه التصريح المباشر بقصة اللعن وهو المشهور، وهو الذي يتمسك به عامة أهل البدع والجهل. يشير إلى أن عليًا - ﵁ - كان يلعن معاوية وعمرو بن العاص وغيرهم!! فلماذا لم يتحدثوا عن هذه؟!! إن في هذا الأثر المكذوب طعنًا أيضًا في علي - ﵁ -.
إن الصحابة - ﵃ - كانوا أكثر حرصًا من غيرهم على التقيّد بأوامر الشرع الذي نهى عن سباب المسلم ولعنه.
* وتذكر كتب التاريخ أيضًا أن الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبد العزيز - ﵀ - كانوا يشتمون عليًّا، وهذا الأثر الذي ذكره ابن سعد لا يصح.
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٣/ ١١٢).
(٢) انظر: سير أعلام النبلاء (٧/ ٣٠٢)، والميزان (٣/ ٤١٩).
[ ٢٢٥ ]
قال ابن سعد: «أخبرنا علي بن محمد، عن لوط بن يحيي، قال: كان الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبد العزيز يشتمون رجلًا - ﵁ -، فلما ولي هو - عمر بن عبد العزيز - أمسك عن ذلك، فقال كثير عزة الخزاعي:
وَلِيتَ فلم تشتمْ عليًّا ولم تُخِفْ بَرِيًّا ولم تتبِعْ مقالةَ مجرمِ
تكلمتَ بالحق المبين وإنما تبين آيات الهدى بالتكلمِ
فصدَّقت معروف الذي قلتَ بالذي فعلتَ فأضحى راضيًا كلُّ مسلمِ» (١)
إن هذا الأثر واهٍ، فعلي بن محمد هو المدائني فيه ضعف وشيخه لوط بن يحيى، واهٍ بمرة، قال عنه يحي بن معين: «ليس بثقة»، وقال أبو حاتم: «متروك الحديث»، وقال الدارقطني: «أخباري ضعيف»، ووصفه في الميزان: «أخباري تالف لا يوثق به، وعامة روايته عن الضعفاء والهلكى والمجاهيل» (٢).
لقد اتهم الشيعة معاوية بحمل الناس على سب علي - ﵄ - ولعنه فوق منابر المساجد، وهذه الدعوى لا أساس لها من الصحة، والذي يقصم الظهر أن الباحثين قد التقطوا هذه الفرية على هوانها دون إخضاعها للنقد والتحليل، حتى صارت عند المتأخرين من المُسلَّمات التي لا مجال لمناقشتها، ولم يثبت قط في رواية صحيحة، ولا يعول على ما جاء في كتب الشيعة أمثال الدميري، واليعقوبي والمسعودي وأبي الفرج الأصفهاني.
إن التاريخ الصحيح يؤكد خلاف ما ذكره هؤلاء، من احترام وتقدير معاوية - ﵁ - لأمير المؤمنين علي - ﵁ - وأهل بيته الأطهار - ﵃ -، فحكاية لعن علي على منابر بني أمية لا تتفق مع منطق الحوادث، ولا مع طبيعة المتخاصمين.
_________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد (٥/ ٣٩٣ (.
(٢) سير أعلام النبلاء (٥/ ١٤٧)، الميزان (٣/ ٤١٩).
[ ٢٢٦ ]
وقد تسربت تلك الأكذوبة إلى كتب تاريخ أهل السنة ولا يوجد فيها رواية صحيحة صريحة، فهذه دعوى مفتقرة إلى صحة النقل، وسلامة السند من الجرح، والمتن من الاعتراض، ومعلوم وزن هذه الدعوى عند المحققين والباحثين.
ومعاوية - ﵁ - بعيد عن مثل هذه التهم بما ثبت من فضله في الدين، وكان محمود السيرة في الأمة، أثنى عليه بعض الصحابة ومدحه خيار التابعين، وشهدوا له بالدين والعلم، والعدل والحلم، وسائر خصال الخير.
وقد ثبت هذا في حق معاوية - ﵁ - كما أنه من أبعد المحال على من كانت هذه سيرته، أن يحمل الناس على لعن علي - ﵁ - على المنابر وهو من هو في الفضل، ومن علم سيرة معاوية - ﵁ - في الملك، وما اشتهر به من الحلم والصفح، وحسن السياسة للرعية ظهر له أن ذلك من أكبر الكذب عليه، فقد بلغ معاوية - ﵁ - في الحلم مضرب الأمثال، وقدوة الأجيال ..
[ ٢٢٧ ]
الشبهة الثامنة عشرة
مسألة سب معاوية لعلي - ﵄ -
يتعلق أهل البدع والأهواء في ذلك بشبهات واهية، ليس فيها أي دليل على ما يتشدقون به:
الشبهة الأولى:
ما جاء في صحيح مسلم عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا فَقَالَ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟».
فَقَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - فَلَنْ أَسُبَّهُ لَأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ لَهُ خَلَّفَهُ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: «يَا رَسُولَ اللهِ خَلَّفْتَنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟».
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي».
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ».
قَالَ: فَتَطَاوَلْنَا لَهَا، فَقَالَ: «ادْعُوا لِي عَلِيًّا»، فَأُتِيَ بِهِ أَرْمَدَ فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْهِ فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ.
وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ دَعَا رَسُولُ اللهِ - ﵌ - عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَقَالَ: «اللهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي».
الجواب:
أولا: هذا الحديث لا تصح نسبته إلى الإمام مسلم دون بيان أنه إنما أورده في الشواهد لا في الأصول، أي أنه لم يخرجه احتجاجًا، فإنه على طريقته المعروفة - والتي
[ ٢٢٨ ]
نص عليها في مقدمة صحيحه - يقدِّم اللفظ الأصح، والمحفوظ في الرواية، ثم يتبعه بما هو دونه، وقد يُشير في ذلك لعلة في السياق المؤخر، ونص على مثل ذلك في كتاب (التمييز) له - وهو في العلل - ومن أمثلته ما نحن بصدده الآن.
فالإمام مسلم أورد أكثر من طريق لحديث «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»، ليس فيها هذا اللفظ: «أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟» ولا حتى إشارة له، بل هذا اللفظ تفرد به راوٍ مختلفٌ فيه، وهو بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَار (١)، وخالف بذلك جمعًا من الرواة الثقات الذين لم يذكروا السبّ، فتكون روايته بذلك ضعيفة منكرة.
تنبيه:
كلمة «أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا» هي من كلام بكير لا من كلام سعد، إذ لو كانت من كلام سعد لقال: «أمرني معاوية». فيكون قد روى بالمعنى وتصرف بالألفاظ. فقد جاء الحديث عند الحاكم عن بكير بن مسمار قال: سمعت عامر بن سعد يقول: قال معاوية لسعد بن أبي وقاص - ﵄ -: «ما يمنعك أن تسب ابن أبي طالب؟». فهذا إسناد متصل؛ وليس فيه لفظ الأمر.
ثانيًا: على فرض أن اللفظ ثابت، فليس صريحًا في السب ولا يفيد أن معاوية أمر سعدًا بسَبّ علي - ﵃ -، وإنما أراد معاوية أن يستفسر عن المانع من سبّ علي، فأجابه سعدٌ عن السبب، ولم نعلم أن معاوية عندما سمع ردَّ سعدٍ غضبَ منه ولا عاقبه.
_________________
(١) بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَار: قال عنه ابن حجر في التقريب: «صدوق». وقال الذهبي في الكاشف: «فيه شيء». وقال النسائي: «ليس به بأس» (وهذا دون التوثيق). وقال أبو أحمد بن عدي: «مستقيم الحديث». وقال البخاري: «فيه نظر» كما في تهذيب الكمال. وذكر له هذا الحديث في التاريخ الكبير (٢/ ١١٥) وقال: «فيه بعض النظر»، وما روى له شيئًا. وذكره العقيلي في (الضعفاء ١٩١). وقال ابن حزم في المحلى (٩/ ٤٧): «بكير بن مسمار ضعيف». وقال عنه الذهبي في (المغني في الضعفاء ١/ ١٨٠): «صدوق، ليَّنَه ابن حبان البستي وابن حزم، وقال البخاري: فيه نظر».
[ ٢٢٩ ]
كما أن سكوت معاوية هنا، تصويب لرأي سعد، ولو كان معاوية - ﵁ - ظالمًا يجبر الناس على سب علي - ﵁ - كما يدّعون، لَمَا سكت عن سعد ولأجبره على سبِّه، ولكن لم يحدث من ذلك شيء، فعُلم أنه لم يأمر بسبه ولا رضي بذلك.
يقول الإمام النووي - ﵀ - في ذلك: «قَوْل مُعَاوِيَة هَذَا لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِأَنَّهُ أَمَرَ سَعْدًا بِسَبِّهِ، وَإِنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ السَّبَب الْمَانِع لَهُ مِنْ السَّبّ، كَأَنَّهُ يَقُول: هَلْ اِمْتَنَعْت تَوَرُّعًا، أَوْ خَوْفًا، أَوْ غَيْر ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ تَوَرُّعًا وَإِجْلَالًا لَهُ عَنْ السَّبّ فَأَنْتَ مُصِيب مُحْسِن، وَإِنْ كَانَ غَيْر ذَلِكَ فَلَهُ جَوَاب آخَر.
. وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا آخَر أَنَّ مَعْنَاهُ مَا مَنَعَك أَنْ تُخَطِّئَهُ فِي رَأْيه وَاجْتِهَاده، وَتُظْهِرَ لِلنَّاسِ حُسْن رَأْينَا وَاجْتِهَادنَا، وَأَنَّهُ أَخْطَأَ؟» (١).
وقال القرطبي في شرح هذا الحديث: «وهذا ليس بتصريح بالسب، وإنما هو سؤال عن سبب امتناعه ليستخرج ما عنده من ذلك، أو من نقيضه، كما قد ظهر من جوابه، ولما سمع ذلك معاوية سكت وأذعن، وعرف الحق لمستحقه.
ولو سلمنا أن ذلك من معاوية - ﵁ - حمل على السَّب، فإنَّه يحتمل أن يكون طلب منه أن يسبَّه بتقصير في اجتهاد، في إسلام عثمان لقاتليه، أو في إقدامه على الحرب والقتال للمسلمين، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يقصر بمثله من أهل الفضل.
وأما التصريح باللعن، وركيك القول، فحاشا معاوية منه، ومَن كان على مثل حاله من الصحبة، والدين، والفضل، والحلم، والعلم» (٢).
وقال القاضي عياض في شرح هذا الحديث: «ليس فيه تصريح بأنه أمره بسبه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السب، وقد سُئِل عن مثل هذا السؤال من يستجيز سب المسؤول عنه، وسئل عنه من لا يستجيزه.
فقد يكون معاوية رأى سعدًا بين قوم يسبونه، ولا يمكن الإنكار عليهم، فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؛ ليستخرج منه مثل ما استخرج مما حكاه عن النبى - ﵌ - فيكون له حجة على من سبه ممن ينضاف إليه من غوغاء جنده، فيحصل على المراد على لسان غيره من الصحابة.
ويمكن أن يريد السب الذى هو بمعنى التغيير للمذهب والرأى، وقد سمى ذلك فى العرف سبًّا، ويقال فى فرقة: إنها تسب أخرى إذا سمع منهم أنهم اْخطؤوا فى مذاهبهم، وحادوا عن الصواب، وأكثروا من التشنيع عليهم، فمن الممكن أن يريد معاوية من سعد بقوله: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟» أى يُظهر للناس خطأه فى رأيه، وإن رأينا وما نحن عليه أشد وأصوب» (٣).
وقيل: إن معاوية - ﵁ - إنما قال ذلك على سبيل المداعبة لسعد، وأراد من ذلك استظهار بعض فضائل علي - ﵁ -، فإن معاوية - ﵁ - كان رجلًا فطنًا ذكيًا يحب مطارحة الرجال واستخراج ما عندهم، فأراد أن يعرف ما عند سعد في علي - ﵄ -، فألقى سؤاله بهذا الأسلوب المثير.
ثالثًا: إن معاوية - ﵁ - كان رجلًا ذكيًا، مشهورًا بالعقل والدهاء، فلو أراد حمل الناس على سب علي - ﵁ - - وحاشاه من ذلك - أفكان يطلب ذلك من مثل سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، وهو من هو في الفضل والورع، مع عدم دخوله في الفتنة أصلًا!! فهذا لا يفعله أقل الناس عقلًا وتدبيرًا، فكيف بمعاوية؟!!
_________________
(١) باختصار من شرح النووي لصحيح مسلم.
(٢) باختصار يسير من شرح القرطبي لصحيح مسلم المسمى (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم).
(٣) باختصار يسير من من شرح القاضي عياض لصحيح مسلم المسمى (إكمال المعلم شرح صحيح مسلم).
[ ٢٣٠ ]
الشبهة الثانية التي يتعلق بها أهل البدع والأهواء لاتهام معاوية بسبّ علي - ﵄ -:
ما جاء في صحيح مسلم عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «اسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ مِنْ آلِ مَرْوَانَ، قَالَ: فَدَعَا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتِمَ عَلِيًّا.
قَالَ: فَأَبَى سَهْلٌ فَقَالَ لَهُ: «أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ فَقُلْ لَعَنَ اللهُ أَبَا التُّرَابِ».
فَقَالَ سَهْلٌ: «مَا كَانَ لِعَلِيٍّ اسْمٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَبِي التُّرَابِ وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ إِذَا دُعِيَ بِهَا».فَقَالَ لَهُ: «أَخْبِرْنَا عَنْ قِصَّتِهِ لِمَ سُمِّيَ أَبَا تُرَابٍ».
قَالَ: «جَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي الْبَيْتِ».
فَقَالَ: «أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ».
فَقَالَتْ: «كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي» (١).
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - لِإِنْسَانٍ: «انْظُرْ أَيْنَ هُوَ؟».
فَجَاءَ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ».
فَجَاءَهُ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - وَهُوَ مُضْطَجِعٌ قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ فَأَصَابَهُ تُرَابٌ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ: «قُمْ أَبَا التُّرَابِ، قُمْ أَبَا التُّرَابِ».
الجواب: هذا الادعاء لا أساس له من الصحة، بل إن استشهاد هؤلاء وأمثالهم بهذا الحديث لا حجة فيه، فأين التصريح باسم معاوية فيه؟!!
ثم إن الرجل من آل مروان، ومن المعروف لدى الجاهل قبل العالم أن معاوية - ﵁ - سفياني وليس مرواني.
ومما يدل على جهل هؤلاء قول سهل بن سعد - ﵁ -: «اسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ مِنْ آلِ مَرْوَانَ»، إن كان المقصود بذلك معاوية - ﵁ - فمن الذي استعمله، وقد كان حاكم المسلمين ولم يكن واليًا على المدينة فقط.
ومن الغرائب أن هؤلاء الشيعة المبتدعة ينكرون سب علي - ﵁ -، ولم يتورعوا عن سب خير البرية بعد الأنبياء أبي بكر وعمر وعثمان - ﵃ -!! وكتبهم طافحة بذلك.
_________________
(١) (فَخَرَجَ وَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ - مِنْ الْقَيْلُولَة، وَهِيَ النَّوْمُ نِصْفَ النَّهَار.
[ ٢٣٢ ]
الشبهة الثالثة التي يتعلق بها أهل البدع والأهواء لاتهام معاوية بسبّ علي - ﵄ -:
قال ابن ماجه: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ سَابِطٍ - وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ فِي بَعْضِ حَجَّاتِهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدٌ فَذَكَرُوا عَلِيًّا، فَنَالَ مِنْهُ فَغَضِبَ سَعْدٌ، وَقَالَ تَقُولُ هَذَا لِرَجُلٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ الْيَوْمَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ».
الجواب:
هذا الحديث منكر شديد الضعف فيه علل (١).
وابن سابط لم يسمع من سعد بن أبي وقاص كما نص يحيى بن معين.
الشبهة الرابعة التي يتعلق بها أهل البدع والأهواء لاتهام معاوية بسبّ علي - ﵄ -:
ما ذكر البلاذري بلا إسناد! فقال: «وحُدِّثْتُ أن معاوية خطب الناس يومًا، فذكر عليًا فتنقصه » (٢).
الجواب: هذه الشبهة ليست بحاجة إلى جواب؛ فالقصة ليس لها إسناد أصلًا حتى يحكم أهل العلم بصحتها أو ضعفها.
_________________
(١) انظر تخريجًا مفصلًا للحديث وبيان سبب تضعيفه والرد على من أخطأ في تصحيحه من أهل العلم في: أبحاث من مسودة كتاب من فضائل وأخبار معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - دراسة حديثية، تأليف: محمد زياد بن عمر التكلة.
(٢) أنساب الأشراف (٥/ ١٢٤).
[ ٢٣٣ ]
إن ما ادعاه الشيعة من الأمر بالسبّ، حاشا معاوية - ﵁ - أن يصدر منه مثل ذلك، والمانع من هذا عدة أمور:
الأول: أن معاوية نفسه ما كان يسب عليًا - ﵁ -، فكيف يأمر غيرَه بسبه؟ بل كان معظمًا له معترفًا له بالفضل والسبق إلى الإسلام، كما دلت على ذلك أقواله الثابتة عنه.
قال ابن كثير: وقد ورد من غير وجه أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: «هل تنازع عليًا أم أنت مثله؟».
فقال: «والله إني لأعلم أنه خير مني وأفضل، وأحق بالأمر مني ».
ونقل ابن كثير أيضًا عن جرير بن عبد الحميد عن المغيرة قال: لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: «أتبكيه وقد قاتلته؟».
فقال: «ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم» (١).
الثاني: أنه لا يعرف بنقل صحيح أن معاوية - ﵁ - تعرض لعلي - ﵁ - بسب أو شتم أثناء حربه له في حياته، فهل من المعقول أن يسبه بعد انتهاء حربه معه ووفاته، فهذا من أبعد ما يكون عند أهل العقول وأبعد منه أن يحمل الناس على سبه وشتمه.
الثالث: أن معاوية - ﵁ - انفرد بالخلافة بعد تنازل الحسن بن علي - ﵄ - له واجتمعت عليه الكلمة والقلوب، ودانت له الأمصار بالملك، فأي نفع له في سبِّ علي - ﵁ -؟!
بل الحكمة وحسن السياسة تقتضي عدم ذلك، لما فيه من تهدئة النفوس وتسكين الأمور، ومثل هذا لا يخفى على معاوية - ﵁ - الذي شهدت له الأمة بحسن السياسة والتدبير.
الرابع: أنه كان بين معاوية - ﵁ - بعد استقلاله بالخلافة وأبناء علي - ﵃ - من الألفة والتقارب ما هو مشهور في كتب السير والتاريخ.
_________________
(١) البداية والنهاية (٨/ ١٣٢، ١٣٣)، وانظر: تاريخ دمشق (٥٩/ ١٤٢).
[ ٢٣٤ ]
ومن ذلك أن الحسن بن علي - ﵄ - دخل مرة على معاوية فقال له: «مرحبًا وأهلًا بابن رسول الله - ﵌ -، وأمر له بثلاثمائة ألف» (١).
وهذا مما يقطع بكذب ما ادُّعِيَ في حق معاوية من حمله الناس على سبِّ علي - ﵄ -، إذ كيف يحصل هذا مع ما بينه وبين أولاده من هذه الألفة والمودة والاحتفاء والتكريم.
الخامس: ماذا يمكن أن يقال في إجماع المسلمين على أنه لا يجوز لعن المسلم على التعيين؟
هل يكون هذا الحكم غائبًا عن معاوية - ﵁ -؟
وكيف نفسر ما نقله صاحب العقد الفريد من أن معاوية أخذ بيد الحسن بن علي في مجلس له، ثم قال لجلسائه: «مَن أكرم الناس أبًا وأمًا وجدًا وجدة؟».
فقالوا: «أمير المؤمنين أعلم».
فأخذ بيد الحسن وقال: «هذا أبوه علي بن أبي طالب، وأمه فاطمة - ﵂ - بنت محمد - ﵌ -، وجده رسول الله - ﵌ -، وجدته خديجة - ﵂ -».
وأخيرًا:
لنستمع إلى ما رواه أبو نعيم عن أبي صالح قال:
«دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية فقال له معاوية: «صف لي عليًا».
فقال ضرار: «أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟».
قال معاوية: «لا أعفيك».
قال ضرار: «أما إذ لابدّ، فإنه كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلًا ويحكم عدلًا، ويتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من
_________________
(١) البداية والنهاية (٨/ ١٤٠).
[ ٢٣٥ ]
الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جشب (١).
كان والله كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبة له، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القويُّ في باطله، ولا ييأس الضعيفُ من عدله.
فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، يميل في محرابه قابضًا على لحيته، يتململ تململ السليم (٢)، ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن وهو يقول: «يا ربنا، يا ربنا، يتضرع إليه، ثم يقول للدنيا: «إلىّ تغررت؟ إلىّ تشَوَّفْت؟ هيهات، هيهات، غُرّي غَيري، قد بَتَتّكِ ثلاثًا، فعمرك قصير، ومجلسك حقير، وخطرك كبير، آهٍ آهٍ من قلة الزاد، وبُعد السفر ووحشة الطريق».
فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها، وجعل ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال - أي معاوية - ﵁ - ـ: «كذا كان أبو الحسن ﵀، كيف وَجْدُكَ عليه يا ضرار؟».
قال ضرار: «وَجْدُ من ذُبح واحِدُها في حِجْرِها، لا ترقأ دمعتها ولا يسكن حزنها»، ثم قام فخرج (٣).
قال القرطبي في كتابه (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم) معلقًا على وصف ضرار لعلي - ﵁ - وثنائه عليه بحضور معاوية، وبكاء معاوية من ذلك، وتصديقه لضرار فيما قال: «وهذا الحديث يدل على معرفة معاوية بفضل علي - ﵄ - ومنزلته، وعظم حقه ومكانته، وعند ذلك يَبْعُد على معاوية أن يصرح بلعنه وسبه، لَِما
_________________
(١) غليظ، أو بلا إدام.
(٢) اللديغ.
(٣) حلية الأولياء (١/ ٨٤ - ٨٥).
[ ٢٣٦ ]
كان معاوية موصوفًا به من العقل والدين والحلم وكرم الأخلاق وما يروى عنه من ذلك فأكثره كذب لا يصح».اهـ.
وبعد هذا الموقف، هل يتصور من معاوية أن يسب عليًّا - ﵄ - أو أن يصرح بلعنه - ﵁ - على المنابر؟!
وهل يعقل أن يسع حلم معاوية - ﵁ - - الذي بلغ مضرب الأمثال - سفهاء الناس وعامتهم وهو أمير المؤمنين، ثم يأمر بعد ذلك بلعن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب - ﵁ - على المنابر، ويأمر ولاته بذلك في سائر الأمصار والبلدان؟؟!!
والحكم في هذا لكل صاحب عقل وفهم ودين.
تناقض عجيب:
من العجب أن الشيعة تنكر سبّ عليّ - ﵁ -، وهم يسبّون أبا بكر وعمر وعثمان - ﵃ - ويكفرونهم ومن والاهم.
ومعاوية - ﵁ - وأصحابه ما كانوا يكفرون عليًّا - ﵁ -، وإنما يكفره الخوارج المارقون، والرافضة شر منهم.
ولا ريب أنه لا يجوز سب أحد من الصحابة: لا عليّ ولا عثمان ولا غيرهما، ومن سب أبا بكر وعمر وعثمان فهو أعظم إثمًا ممن سب عليًّا.
ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله - ﵌ - كما وصفهم الله - ﷿ - فى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (الحشر:١٠).
وطاعةً للنبى - ﵌ - فى قوله: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (رواه البخاري ومسلم).
ومَعْنَى الْحَدِيث: لَا يَنَال أَحَدكُمْ بِإِنْفَاقِ مِثْل أُحُد ذَهَبًا مِنْ الْفَضْل وَالْأَجْر مَا يَنَال أَحَدهمْ بِإِنْفَاقِ مُدّ طَعَام أَوْ نَصِيفه.
[ ٢٣٧ ]
الشبهة التاسعة عشرة
هل حُمِلَتْ الخمرُ لمعاوية - ﵁ -؟
أولا: روي عن أبي تميلة يحيى بن واضح، عن محمد بن اسحاق، عن بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب القرظي، قال غزا عبد الرحمن بن سهل الأنصاري في زمان عثمان، ومعاوية أمير على الشام، فمرت به روايا خمر تُحمل لمعاوية، فقام إليها عبد الرحمن برمحه فنقر كل راوية منها، فناوشه غلمانه، حتى بلغ شأنه معاوية، فقال: «دعوه، فإنه شيخ قد ذهب عقله!».
فقال: «كلا والله! ما ذهب عقلي، ولكن رسول الله - ﵌ - نهانا أن ندخل بطوننا وأسقيتنا خمرًا، وأحلف بالله لئن أنا بقيت حتى أرى في معاوية ما سمعت من رسول الله - ﵌ - لأبقرن بطنه، أو لأموتن دونه» (١).
الجواب:
هذا الأثر ضعّفه الحافظ ابن حجر في (الإصابة) (٢).
وهو خبر باطل، وسنده مسلسل بالعلل: فابن إسحاق مدلس - وقد عنعن - وبريدة واهٍ، وكان غاليًا في التشيع، ومحمد بن كعب لم يدرك الواقعة، كما يظهر من ترجمته وطبقته (٣).
_________________
(١) رواه الحسن بن سفيان في مسنده، وابن منده وابن قانع، كما في الإصابة في معرفة الصحابة للحافظ ابن حجر (٦/ ٢٨٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ١٨٢٨)، وابن عساكر (٣٤/ ٤٢٠).
(٢) الإصابة في معرفة الصحابة للحافظ ابن حجر (٦/ ٢٨٦).
(٣) تهذيب الكمال وحاشيته (٤/ ٥٦، ٢٦/ ٣٤٧).
[ ٢٣٨ ]
ثانيًا: روى ابن عساكر من طريق يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه أن عبادة بن الصامت مرت عليه قطارة وهو بالشام تحمل الخمر، فقال: «ما هذه؟ أزَيْتٌ؟».
قيل: «لا، بل خمر تباع لفلان».
فأخذ شفرة من السوق فقام إليها فلم يَذَرْ فيها راوية إلا بَقَرَها، وأبو هريرة إذا ذاك بالشام.
فأرسل فلان إلى أبي هريرة فقال: «ألا تمسك عنَّا أخاك عبادة بن الصامت، أما بالغدوات فيغدو إلى السوق فيفسد على أهل الذمة متاجرهم، وأما بالعشي فيقعد بالمسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا وعيبنا؛ فأمسك عنا أخاك».
فأقبل أبو هريرة يمشي حتى دخل على عبادة فقال: «يا عبادة ما لك ولمعاوية؛ ذَرْهُ وما حمل فإن الله يقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (البقرة:١٣٤).
قال: «يا أبا هريرة لم تكن معنا إذا بايعنا رسول الله - ﵌ -، بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن نقول في الله لا تأخذنا في الله لومة لائم، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأهلنا ولنا الجنة، ومن وَفّى وَفّى الله له الجنة مما بايع عليه رسول الله - ﵌ -، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه».
فلم يكلمه أبو هريرة بشيء فكتب فلان إلى عثمان بالمدينة: «إن عبادة بن الصامت قد أفسد علىَّ الشام وأهله فإما أن يكف عبادة وإما أن أخلي بينه وبين الشام»، فكتب عثمان إلى فلان أن رحِّله إلى داره من المدينة.
فبعث به فلان حتى قدم المدينة فدخل على عثمان الدار وليس فيها إلا رجل من السابقين بعينه ومن التابعين الذين أدركوا القوم متوافرين فلم يفْجَأ عثمان به إلا وهو قاعد في جانب الدار فالتفت إليه فقال: «ما لنا ولك يا عبادة».
فقام عبادة قائمًا وانتصب لهم في الدار قال: «إني سمعت رسول الله أبا القاسم يقول: «سيلي أموركم بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تنكرون فلا طاعة لمن عصى فلا تعتلوا بربكم» فوالذي نفس عبادة بيده إن فلانًا لمن أولئك».
فما راجعه عثمان بحرف (١).
الجواب:
أولًا: هذا الحديث لا يصح، وقد رواه الإمام أحمد بدون ذكر قصة الخمر وبدون ذكر حوار عبادة مع أبي هريرة وبدون ذكر معاوية - ﵃ -، ورواه الحاكم كذلك ولكن ذكر فيه قول عبادة: «فو الذي نفسي بيده إن معاوية من أولئك».
وهذا الحديث قد ضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة والموضوعة (٣/ ٥٢٨) وضعفه الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيقه للمسند.
ثانيًا: على فرض صحة الحديث - وهو ليس بصحيح - فهذا اجتهاد من عبادة بن الصامت - ﵁ - في حمله الحديث على معاوية - ﵁ -، فعمر وعثمان - ﵄ - جعلا معاوية واليًا على الشام ولم يتهماه مدة ولايته.
وأدرك جمع من الصحابة وكبار التابعين ملك معاوية، ولم ينزعوا يدًا من طاعة - ﵃ - أجمعين.
ثالثًا: من جهة متن الحديث فعلى فرض صحته - وهو ليس بصحيح - ليس صريحًا في أن الخمر كانت لمعاوية - ﵁ - بل جاء فيه «ألا تمسك عنا أخاك عبادة بن الصامت أما بالغدوات فيغدو إلى السوق فيفسد على أهل الذمة متاجرهم »، وفيه «خمر تباع لفلان»!!
وكذلك لو صح لكان فيه طعن في عثمان - ﵁ -؛ يبلغه عن معاوية المتاجرة في الخمور فلا يعاقبه بل يجعله واليًا على أهل الشام؛ بل يعاتب عبادة بن الصامت - ﵁ - لأنه أنكر عليه!!
_________________
(١) تاريخ مدينة دمشق (٢٦/ ١٩٨).
[ ٢٣٩ ]
تنبيه:
قد أورد ابن عراق الكناني أثر ابن عائشة عن أبيه: كان يزيد في حداثته صاحب شراب فأحس معاوية بذلك فأحب أن يعظه فأنشده أبياتًا يرخص له في فعل ذلك بالليل!!
يقول فيها:
حتى إذا الليل أتَى بالدجَى واكتحلتْ بالغمضِ عينُ الرقيبِ
باشر الليل بما تشتهِي فإنما الليل نهارُ الأريبِ
كم فاسق تحسبه ناسكًا قد باشر الليلَ بأمرٍ عجيبِ
ولذةُ الأحمقِ مكشوفةٌ يسعى بها كلُّ عدوٍّ مريبِ
قال ابن عراق: «وهذا على انقطاعه كذب آفته الغلابي، وإنما الأبيات ليحيى بن خالد البرمكي كتب بها إلى ولده عبدالله وقد أحب مغنية» (١).
_________________
(١) تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة (٢/ ٩).
[ ٢٤١ ]
الشبهة العشرون
هل باع معاوية - ﵁ - الأصنام لأهل الهند؟
روى البلاذري من طريق جرير عن الأعمش عن أبي وائل قال: «كنت مع مسروق بالسِلْسِلة فمرت به سفائن فيها أصنام من صُفْر تماثيل الرجال، فسألهم عنها فقالوا: «بعث بها معاوية إلى أرض السند والهند تباع له».
فقال مسروق: «لو أعلم أنهم يقتلونني لغرقتها، ولكني أخاف أن يعذبوني ثم يفتنوني، والله ما أدري أي الرجلين معاوية، أرجل قد يئس من الآخرة فهو يتمتع من الدنيا أم رجل زُيِّن له سوء عمله» (١).
الجواب:
هذا لا ريب أنه من أبطل الباطل وأكذب الكذب!!
وقد رد جهابذة الحديث هذه الفرية الباطلة!
قال الخلال: «قال مهنا سألت أحمد، عن حديث الأعمش، عن أبي وائل، أن معاوية لعب بالأصنام فقال: ما أغلظ أهل الكوفة على أصحاب رسول الله ولم يصح الحديث. وقال تكلم به رجل من الشيعة» (٢).
وهذا قاله الإمام أحمد في حق من قال: «إن معاوية لعب بالأصنام».
فكيف بمن قال أن معاوية يبيعها!!
_________________
(١) تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة (٢/ ٩).
(٢) المنتخب من العلل (٢٢٧).
[ ٢٤٢ ]
الشبهة الحادية والعشرون
هل أقسم معاوية - ﵁ -
اليمين الغموس وكذبه النبي - ﵌ -!!
روى الروياني في مسنده (١) وابن عساكر في تاريخه (٢) من طريق سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمد بن كعب قال: «إنا جلوس مع البراء في مسجد الكوفة إذ دخل قاص فجلس فقص ثم دعا للخاصة والعامة ثم دعا للخليفة، ومعاوية بن أبي سفيان يومئذ خليفة.
فقلنا للبراء: يا أبا إبراهيم، دخل هذا فدعا للخاصة والعامة ثم دعا لمعاوية فلم يسمعك قلت شيئًا؟ فقال: إنا شهدنا وغبتم وعلمنا وجهلتم إنا بينا نحن مع رسول الله - ﵌ - بحنين إذ أقبلت امرأة حتى وقفت على رسول الله - ﵌ - فقالت: «إن أبا سفيان وابنه معاوية أخذا بعيرًا لي فغيباه عليَّ».
فبعث رسول الله - ﵌ - رجلًا إلى أبي سفيان بن حرب ومعاوية: «أن رُدَّا على المرأة بعيرها. فأرسلا: «إنا والله ما أخذناه، وما ندري أين هو».
فعاد إليهما الرسول فقالا: «والله ما أخذناه وما ندري أين هو».
فغضب رسول الله - ﵌ - حتى رأينا لوجهه ظلالًا، ثم قال: «انطلق إليهما، فقل لهما: «بلى والله إنكما لصاحباه، فأدِّيَا إلى المرأة بعيرها».
فجاء الرسول إليهما وقد أناخا البعير وعقلاه.
فقالا: «إنا والله ما أخذناه، ولكن طلبناه حتى أصبناه، فقال لهما رسول الله - ﵌ -: «اذهبا».
_________________
(١) مسند الروياني (١/ ٢٩٠).
(٢) تاريخ دمشق (٥٩/ ٢٠٤).
[ ٢٤٣ ]
الجواب:
هذا الإسناد لا يصح في سنده سلمة بن الفضل الأبرش ضعيف الحديث له مناكير وغرائب.
ومحمد بن إسحاق عنعن ولم يصرح بالسماع!!
وأشار ابن عساكر في لنكارته.
قال ﵀: محمد بن إسحاق وسلمة بن الفضل يتشيعان (١).
_________________
(١) تاريخ دمشق (٥٩/ ٢٠٥).
[ ٢٤٤ ]
الشبهة الثانية والعشرون
هل قتل معاوية عبد الرحمن بن خالد بن الوليد؟
قال الطبري: «خبر انصراف عبد الرحمن بن خالد إلى حمص وهلاكه:
وفيها انصرف عبد الرحمن بن خالد بن الوليد من بلاد الروم إلى حمص، فدس ابن أثال النصراني إليه شربةً مسمومةً - فيما قيل - فشربها فقتلته».
ثم روى الطبري من طريق عمر بن شبه عن علي بن محمد المدائني عن مسلمة بن محارب أن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كان قد عظم شأنه بالشام، ومال إليه أهلها، لما كان عندهم من آثار أبيه خالد بن الوليد، ولغنائه عن المسلمين في أرض الروم وبأسه، حتى خافه معاوية وخشي على نفسه منه، لميل الناس إليه، فأمر ابن أثال أن يحتال في قتله، وضمن له إن هو فعل ذلك أن يضع عنه خراجه ما عاش، وأن يوليه جباية خراج حمص.
فلما قدم عبد الرحمن بن خالد حمص منصرفًا من بلاد الروم دس إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه، فشربها فمات بحمص، فوفى له معاوية ما ضمن له، وولاه خراج حمص، ووضع عنه خراجه» (١).
الجواب:
أولا: هذا الخبر لا يصح!
فيه مسلمة بن محارب وهو الزيادي فيه جهالة روى عن أبيه وابن جريج وروى عنه المدائني لم يوثقه غير ابن حبان (٢).
ذكره البخاري في «التاريخ الكبير»، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
_________________
(١) تاريخ الطبري (٣/ ٢٠٢).
(٢) الثقات (٧/ ٤٩٠).
[ ٢٤٥ ]
ثم أن مسلمة بن محارب لم يدرك القصة وهو لا يروي عن معاوية - ﵁ - إلا بواسطة مما يدل على أن القصة منقطعة السند (١).
وأيضًا في السند علي بن محمد المدائني الأنباري قال فيه ابن عدي: «ليس بالقوي في الحديث، وهو صاحب أخبار، قَلَّ ما له من الروايات المسندة» (٢).
لذا رواها الطبري بصيغة التمريض قال: «فيما قيل» (٣).
وقال ابن كثير: «وزعم بعضهم أن ذلك عن أمر معاوية له في ذلك ولا يصح» (٤).
وروى هذه القصة بنحوها البلاذري، قال: حدثني محمد بن سعد عن الواقدي قال: «توفي خالد بن الوليد بن المغيرة بحمص سنة عشرين، وأوصى إلى عمر بن الخطاب، وكان عبدالرحمن بن خالد يلي الصوائف فيبلى ويحسن أثره، فعظم أمره بالشام، فدس إليه معاوية متطببًا يُقال له ابن أثال ليقتله وجعل له خراج حمص فسقاه شربة فمات فاعترض خالد بن المهاجر بن خالد - ويقال خالد بن عبدالرحمن بن خالد - ابنَ أثال فضربه بالسيف فقتله، فرفع أمره إلى معاوية، فحبسه أيامًا وأغرمه دِيَتَهُ ولم يُقِدْه به» (٥).
وفي سند هذه القصة الواقدي وهو متروك الحديث.
ثانيًا: هذه الروايات بالإضافة إلى ضعف سندها يوجد اختلاف في متنها مع الواقع الملموس فمعاوية - ﵁ - بيده عزل الأمراء أو توليتهم كما هو معروف، وليس بالصعوبة على معاوية أن يطلب من عبد الرحمن بن خالد أن يتنحى عن قيادة الصوائف على الثغر الرومي، وتكون النتيجة أن يهمل عبد الرحمن بن خالد ثم لا يكون له أي مكانة يُخشى منها.
_________________
(١) انظر التاريخ الكبير (٧/ ٣٨٧)، الجرح والتعديل (٨/ ٢٦٦)، الثقات (٧/ ٤٩٠).
(٢) تاريخ الطبري (٣/ ٢٠٢).
(٣) الكامل (٥/ ٢١٣).
(٤) البداية والنهاية (٨/ ٢٤).
(٥) أنساب الأشراف (٥/ ١١٨).
[ ٢٤٦ ]
وقد ورد أن معاوية - ﵁ - عزله وولى بدلًا منه سفيان بن عوف الغامدي على إحدي الصوائف (١)، وهذا لا يشكل صعوبة على معاوية، بل إن معاوية كان يعزل عن الإمارة من هو أعظم وأقوى من عبد الرحمن بن خالد.
ثالثًا: كيف يقوم معاوية بقتله وقد أورد الطبري ذكر غزوة البحر سنة ٤٨هـ وكان قائد أهل مصر عقبة بن عامر الجهني، وعلى أهل المدينة المنذر بن زهير، وعلى جميعهم خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد (٢)، فكيف يرضى معاوية أن يكون ولد عبد الرحمن بن خالد قائدًا كبيرًا من بعد أبيه هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى كيف يرضى أن يقوم ولده خالد بقيادة الجيش لمعاوية إن كان معاوية قاتلَ أبيه، وهل يمكن أن يخفى على ولده هذا الأمر وهو أقرب الناس إليه؟
_________________
(١) تهذيب تاريخ دمشق (٦/ ١٨٥)، أنساب الأشراف (٤/ ١٠٤).
(٢) تاريخ الطبري (٦/ ١٤٧).
[ ٢٤٧ ]
الشبهة الثالثة والعشرون
هل قتل معاوية الأشتر مالك بن الحارث النخعي؟
هذه أيضًا من الأباطيل وما أكثرها!
في طبقات ابن سعد: «وكان الأشتر من أصحاب علي بن أبي طالب وشهد معه الجمل وصفين ومشاهده كلها وولاه علي - ﵇ - مصر فخرج إليها فلما كان بالعريش شرب شربة عسل فمات» (١).
قال الذهبي: «ولما رجع علي من موقعة صِفِّين، جهز الأشتر واليًا على ديار مصر، فمات في الطريق مسمومًا، فقيل: إن عبدًا لعثمان عارضه، فسم له عسلًا » (٢).
وليس لمعاوية - ﵁ - ذكر!!
وقال الحافظ ابن حجر: «قد روي عن عمر وخالد بن الوليد وأبي ذر وعلي وصحبه وشهد معه الجمل وله فيها آثار، وكذلك في صِفِّين وولاه على مصر بعد صرف قيس بن عبادة عنها، فلما وصل إلى القلزم شرب شربة عسل فمات فقيل: إنها كانت مسمومة، وكان ذلك سنة ثمان وثلاثين» (٣).
وليس لمعاوية - ﵁ - ذكر.
وروى الطبري خبرًا وفيه:
«فبعث معاوية إلى الجابيستار - رجل من أهل الخراج - فقال له: «إن الأشتر قد ولى مصر، فإنْ أنت كَفَيْتَنِيهِ لم آخُذْ منك خراجًا ما بقيت، فاحْتَلْ له بما قدرتَ عليه».
_________________
(١) طبقات ابن سعد (٦/ ٢١٣).
(٢) سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٤).
(٣) الإصابة (٦/ ١٦٢).
[ ٢٤٨ ]
فخرج الجابيستار حتى أتى القلزم وأقام به، وخرج الأشتر من العراق إلى مصر، فلما انتهى إلى القلزم استقبله الجابستار، فقال: «هذا منزل، وهذا طعام وعلف، وأنا رجل من أهل الخراج، فنزل به الأشتر فأتاه الدهقان بعلف وطعام، حتى إذا طعم أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سمًا فسقاه إياه فلما شربها مات » (١).
وهذه القصة من راوية أبي مخنف لوط بن أبي يحيى أخباري تالف، وقد سبق الكلام عليه.
لذلك أشار إليها ابن عساكر في (تاريخه) بصيغة التمريض!! (٢)
وذكر القصةَ البلاذري بلا إسناد.
وفيها: «وبلغت معاوية وفاته .. وجعل يقول: «إن لله لجندًا من عسل»! (٣).
_________________
(١) تاريخ الطبري (٣/ ١٢٧).
(٢) انظر تاريخ دمشق لابن عساكر (٤٩/ ٤٢٨)، (٥٦/ ٣٧٥، ٣٧٦، ٣٨٨، ٣٨٩، ٣٩١).
(٣) أنساب الأشراف (٣/ ١٦٨).
[ ٢٤٩ ]
الشبهة الرابعة والعشرون
هل معاوية - ﵁ - ذمه كثير من المهاجرين
والأنصار من البدريين وغيرهم - ﵃ -؟!!
أما ذم معاوية - ﵁ - على ألسنة كثير من المهاجرين والأنصار فهذا كذب محض! فعمر - ﵁ - المحدث الملهم مدحه وأثنى عليه وولاه الشام مدة خلافته وكذلك عثمان - ﵁ -، وناهيك بهذه منقبة عظيمة من مناقب معاوية - ﵁ - فلم يَشْكُ أحد منه، ولا اتهمه بجور ولا مظلمة مدة ولايته (١).
أما قول من قال: «ثبت ذمه على ألسنة كثير من المهاجرين والأنصار»، فلم يُورِدْ ولا إسنادًا واحدًا صحيحًا:
أولا: أثر علي - ﵁ - لما طلبوا منه أن يبقي معاوية على الشام فتلا الآية الكريمة: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ (الكهف:٥١)، رواه ابن عساكر في (تاريخ دمشق ٥٩/ ١٢٧)، وفي سنده نصر بن مزاحم رافضي كذاب.
ثانيًا: عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: شهد خزيمة بن ثابت الجمل وهو لا يسلُّ سيفًا وشهد صِفِّين، وقال أنا لا أقتل أحدًا حتى يُقتَل عمار فأنظر مَن يقتله فإني سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ».
قال: فلما قتل عمار بن ياسر، قال خزيمة: «قد بان لي الضلالة»، واقترب فقاتل حتى قتل» (٢).
_________________
(١) انظر الاستيعاب (٦٩٩)، السير (٣/ ١٣٢)، منهاج السنة (٤/ ٣٦٩)، البداية والنهاية (٨/ ١٨).
(٢) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٣/ ٢٥٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٦/ ٣٧٠).
[ ٢٥٠ ]
وهذا الأثر لا يصح؛ في سنده محمد بن عمر الواقدي الكذاب، كان يضع الحديث.
ثالثًا: حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا «سيلي أموركم بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون فلا طاعة لمن عصى، فلا تعتلوا بربكم»، قال عبادة: «والله إن معاوية لمن أولئك».
تقدم في جواب الشبهة التاسعة عشرة أن هذا الحديث لا يصح، وقد رواه الإمام أحمد بدون ذكر معاوية - ﵁ -، ورواه الحاكم كذلك ولكن ذكر فيه قول عبادة: «فو الذي نفسي بيده إن معاوية من أولئك».
وهذا الحديث قد ضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة والموضوعة (٣/ ٥٢٨) وضعفه الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيقه للمسند.
وعلى فرض صحة الحديث فهذا اجتهاد من عبادة بن الصامت - ﵁ - في حمله الحديث على معاوية - ﵁ -، فعمر وعثمان - ﵄ - جعلا معاوية واليًا على الشام ولم يتهماه مدة ولايته، وأدرك جمع من الصحابة وكبار التابعين ملك معاوية، ولم ينزعوا يدًا من طاعة - ﵃ - أجمعين.
رابعًا: هل كفّر أبو بكرة معاوية - ﵄ -؟!
روى ابن عساكر عن هوذة بن خليفة عن عوف عن أبي عثمان النهدي قال: «كنت خليلا لأبي بكرة فقال لي يوما: «أترى الناس إني إنما عتبت على هؤلاء في الدنيا، وقد استعملوا عبيد الله - يعني ابنه - على فارس، واستعملوا روادًا - يعني ابنه - على دار الرزق، واستعملوا عبد الرحمن - يعني ابنه - على الديوان وبيت المال، أفليس في هؤلاء دنيا؟ كلا، والله إنما عتبتُ عليهم لأنهم كفروا - فذكر كلمة وكان في نسخة أخرى - كفروا صراحة أو صراحًا»» (١).
الجواب:
_________________
(١) تاريخ دمشق (٦٢/ ٢١٧).
[ ٢٥١ ]
أولًا: بعض رواة هذا الأثر لم أجد من ترجم لهم.
ثانيًا: هذا الأثر رواه هَوْذَةُ بنُ خَلِيْفَةَ عن عوف بن أبى جميلة العبدى الهجرى وقد نقل الذهبي والمزي عن أَحْمَدُ بنُ زُهَيْرٍ: قَوْلَ يَحْيَى بن معين: «هَوْذَةُ بنُ خَلِيْفَةَ، عَنْ عَوْفٍ ضَعِيْفٌ».
ونقلا عن أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مُحْرِزٍ، عَنْ يَحْيَى بن معين أيضًا قوله في هَوْذَةَ: «لَمْ يَكُنْ بِالمَحْمُوْدِ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِهَذِهِ الأَحَادِيْثِ كَمَا جَاءَ بِهَا، وَكَانَ أُطْرُوشًا» (١).
ثالثًا: على فرض صحة هذا الأثر - وقد تبيَّن ما فيه - يجاب عنه بأن هذا ليس صريحًا في أن أبا بكرة قاله في حق معاوية - ﵄ -؛ فليس لمعاوية - ﵁ - ذِكْر في هذا الأثر، بل إنه يتكلم عن (هؤلاء) ومن زعم أن المقصود بـ (هؤلاء) معاوية فليأتنا بالدليل.
رابعًا: على فرض أن أبا بكرة قال هذا في حق معاوية - ﵄ - فلماذا اعتزل أبو بكرة الفتنة ولم يقاتِلْه وهو يرى كُفْرَه؟! ولماذا لم يقاتل مع علي - ﵁ -؟!
عَنْ الْحَسَنِ عَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: «أَيْنَ تُرِيدُ؟».
قُلْتُ: «أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ».
قَالَ: «ارْجِعْ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ».
فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا الْقَاتِلُ؛ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟».
قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» (رواه البخاري).
ورواه مسلم عَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: «خَرَجْتُ وَأَنَا أُرِيدُ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ، فَقَالَ: «أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَحْنَفُ؟».
قَالَ: قُلْتُ: «أُرِيدُ نَصْرَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ - ﵌ -» - يَعْنِي عَلِيًّا ـ.
قَالَ: فَقَالَ لِي: «يَا أَحْنَفُ، ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «إِذَا تَوَاجَهَ
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٩/ ١٠٤)، تهذيب الكمال (٣٠/ ٣٢٣) والأُطْروشُ: الأصَمُّ.
[ ٢٥٢ ]
الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا؛ فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ».
قَالَ: فَقُلْتُ أَوْ قِيلَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟».
قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ».
واستدلال أبي بكرة - ﵁ - بهذا الحديث يدل على عدم تكفيره لمعاوية حيث يعتبره وعليًا - ﵄ - ومن معهما من المسلمين.
خامسًا: هل خفي على أبي بكرة - ﵁ - أنه روى ثناء الرسول - ﵌ - على الحسن - ﵁ - في حقنه لدماء المسلمين وتنازله عن الملك لمعاوية، فعن أَبي بَكْرَةَ - ﵁ - قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى، وَيَقُولُ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» (رواه البخاري).
فهل يعقل بعد ذلك أن يكفِّر معاوية؟!!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «فَلَمَّا أَثْنَى النَّبِيُّ - ﵌ - عَلَى الْحَسَنِ بِالْإِصْلَاحِ وَتَرْكِ الْقِتَالِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِصْلَاحَ بَيْنَ تِلْكَ الطَّائِفَتَيْنِ كَانَ أَحَبَّ إلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ فِعْلِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِتَالَ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ.
وَلَوْ كَانَ مُعَاوِيَةُ كَافِرًا لَمْ تَكُنْ تَوْلِيَةُ كَافِرٍ وَتَسْلِيمُ الْأَمْرِ إلَيْهِ مِمَّا يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ؛ بَلْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا مُؤْمِنِينَ؛ كَمَا كَانَ الْحَسَنُ وَأَصْحَابُهُ مُؤْمِنِينَ؛ وَأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ الْحَسَنُ كَانَ مَحْمُودًا عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مَحْبُوبًا مُرْضِيًا لَهُ وَلِرَسُولِهِ - ﵌ -» (١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٦٧).
[ ٢٥٣ ]
الشبهة الخامسة والعشرون
هل معاوية - ﵁ - ذمه كثير من التابعين
كالحسن البصري والأسود بن يزيد وغيرهم؟!
أما ذم الحسن البصري لمعاوية - ﵁ - فلا يصح عنه.
ذكر الطبري في تاريخه (٣/ ٢٣٢) ضمن حوادث سنة (٥١هـ) وابن الأثير في الكامل (٣/ ٤٨٧) وابن كثير في «البداية والنهاية» (٨/ ٩٠) - بصيغة التمريض التي تدل على ضعفه عنده - نقلًا عن الحسن البصري أنه قال:
«أربع خصال كن في معاوية لو لم تكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة له:
* أخذه الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة ونور الفضيلة.
* استخلافه بعده ابنه سكيرًا خميرًا يلبس الحرير ويضرب الطنابير.
* ادعاءه زيادًا وقد قال رسول الله: «الولد للفراش وللعاهر الحجر».
* قتله حجرًا وأصحاب حجر، فيا ويلا له من حجر ويا ويلا له من حجر وأصحاب حجر» (١).
الجواب:
أولًا: من ناحية السند: هذه الرواية مدارها على أبي مخنف، وأبو مخنف هذا هو لوط بن يحيى الأزدي الكوفي، قال عنه الذهبي وابن حجر: «أخباري تالف لا يوثق به». كما تركه أبو حاتم وغيره.
وقال عنه الدارقطني: «ضعيف».
وقال ابن معين: «ليس بثقة».
_________________
(١) تاريخ الطبري (٣/ ٢٣٢) ضمن حوادث سنة (٥١ هـ)، الكامل لابن الأثير (٣/ ٤٨٧)، البداية والنهاية لابن كثير (٨/ ٩٠).
[ ٢٥٤ ]
وقال مرة: «ليس بشيء».
وقال ابن عدي: «شيعي محترق».
وعَدَّهُ العقيلي من الضعفاء (١).
وعلى ذلك فالخبر ساقط ولا حجة فيه بسبب ضعف سنده، هذا بالنسبة لرواية الطبري.
أما رواية ابن الأثير فقد أوردها ابن الأثير بغير إسناد.
وكيف نسلم بصحة خبر مثل هذا في ذم صحابي لمجرد وروده في كتاب لم يذكر فيه صاحبه إسنادًا صحيحًا، والمعروف أن المغازي والسير والفضائل من الأبواب التي لم تسلم من الأخبار الضعيفة والموضوعة.
ثانيًا: الصحيح عن الحسن - ﵀ - خلاف ذلك!
فروى الآجري، وابن عساكر عن قتادة عن الحسن البصري إن أناسًا يشهدون على معاوية وذويه أنهم في النار! قال: «لعنهم الله! وما يدريهم أنه في النار؟» (٢).
ورواه ابن عساكر عن أبي الأشهب قال: قيل للحسن: «يا أبا سعيد إن ههنا قومًا يشتمون - أو يلعنون - معاوية وابن الزبير! فقال: «على أولئك الذين يلعنون لعنة الله» (٣).
_________________
(١) الضعفاء للعقيلي (٤/ ١٨ - ١٩)، ميزان الاعتدال (٣/ ٤١٩)، لسان الميزان (٤/ ٤٩٢). وللمزيد من حال هذا الرجل راجع رسالة (مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري) للدكتور يحيى بن إبراهيم اليحيى (ص ٤٣ - ٤٥) ففيها مزيد بيان وتفصيل عن حال هذا الرجل.
(٢) الشريعة (٥/ ٢٤٦٧)، تاريخ دمشق (٥٩/ ٢٠٦).
(٣) تاريخ دمشق (٥٩/ ٢٠٦)، وسنده صحيح.
[ ٢٥٥ ]
وكذلك ذم الأسود بن يزيد لا يصح:
روى ابن عساكر عن الأسود بن يزيد قال: قلت لعائشة: ألا تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب محمد - ﵌ - في الخلافة؟ قالت: «وما تعجب من ذلك؟ هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة» (١).
وهذا الأثر لا يصح في سنده أيوب بن جابر أبو سليمان اليمامي، وهو ضعيف عند أكثر أهل العلم بالحديث، ضعفه ابن معين وابن المديني والنسائي وأبو زرعة وأبو حاتم ويعقوب بن سفيان ومعاوية بن صالح وقال أبو حبان: «كان يخطئ حتى خرج عن حد الاحتجاج به لكثرة وهمه».
وفيه أيضا عبد الرحمن بن محمد بن يحيى بن ياسر الجوبري فيه جهالة توفي سنة ٤٢٥هـ. ذكره الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١٧/ ٤١٥) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (٢).
_________________
(١) تاريخ دمشق (٥٩/ ١٤٥).
(٢) انظر: التهذيب (١/ ٢٠١)، المجروحين (١/ ١٦٧)، الكامل (١/ ٣٥٥)، تذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٧٦).
[ ٢٥٦ ]
الشبهة السادسة والعشرون
قولهم: «قتلَ ابنُه يزيد الحسينَ - ﵁ - ونهب نساءه»
الجواب:
إن يزيد لم يأمر بقتل الحسين - ﵁ - باتفاق أهل النقل، ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعه عن ولاية العراق. والحسين - ﵁ - كان يظن أن أهل العراق ينصرونه ويَفُونَ له بما كتبوا إليه، فأرسل إليهم ابنَ عمه مسلم بن عقيل، فلما قتلوا مسلمًا وغدروا به وبايعوا ابن زياد، أراد الرجوع فأدركَتْه السرية الظالمة، فطلب أن يذهب إلى يزيد، أو يذهب إلى الثغر، أو يرجع إلى بلده، فلم يمكّنوه من شيء من ذلك حتى يستأسر لهم، فامتنع، فقاتلوه حتى قتل شهيدًا مظلومًا - ﵁ -، ولما بلغ ذلك يزيد أظهر التوجع على ذلك، وظهر البكاء في داره، ولم يَسْبِ له حريمًا أصلًا، بل أكرم أهل بيته، وأجازهم حتى ردهم إلى بلدهم.
ولو قُدِّرَ أن يزيد بن معاوية قتل الحسين - ﵁ - لم يكن ذنب ابن معاوية ذنبًا له، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (فاطر:١٨). وقد اتفق الناس على أن معاوية - ﵁ - وصّى يزيد برعاية حق الحسين وتعظيم قدره.
وإذا قيل: إن معاوية - ﵁ - استخلف يزيد، وبسبب ولايته فعل هذا.
قيل: استخلافه إن كان جائزًا لم يضره ما فعل، وإن لم يكن جائزًا فذاك ذنب مستقل ولو لم يقتل الحسين.
وهو مع ذلك كان من أحرص الناس على إكرام الحسين - ﵁ - وصيانة حرمته، فضلًا عن دمه، فمع هذا القصد والاجتهاد لا يضاف إليه فعل أهل الفساد.
[ ٢٥٧ ]
موقف يزيد بن معاوية - ﵀ - من قتل الحسين - ﵁ -:
كتب عبيد الله بن زياد إلى يزيد بن معاوية يخبره بما حدث ويستشيره في شأن أبناء الحسين ونسائه، فلما بلغ الخبر إلى يزيد بن معاوية بكى وقال: «كنت أرضى من طاعتهم - أي أهل العراق - بدون قتل الحسين، لعن الله ابن مرجانة لقد وجده بعيد الرحم منه، أما والله لو أني صاحبه لعفوتُ عنه، فرحم الله الحسين» (١).
ومن هنا يعلم أن ابن زياد لم يحمل آل الحسين بشكل مؤلم أو أنه حملهم مغللين كما ورد في بعض الروايات.
وكان رد يزيد - ﵀ - على ابن زياد مخالفًا لما يطمع إليه ابن زياد، حيث كان يطمع بأن يقره يزيد على الكوفة، فلم يقره على عمله بل سبه ونال منه بسبب تصرفه مع الحسين، وهنا يكون الداعي أكبر لأن يحمل ابن زياد آل الحسين على صورة لائقة لعلها تخفف من حدة وغضب يزيد عليه.
ولذلك قال شيخ الإسلام - ﵀ -: «وأما ما ذكر من سبي نسائه والذراري والدوران بهم في البلاد وحملهم على الجمال بغير أقتاب، فهذا كذب وباطل، ما سبى المسلمون - ولله الحمد - هاشمية قط، ولا استحلت أمة محمد - ﵌ - سبي بني هاشم قط، ولكن كان أهل الجهل والهوى يكذبون كثيرًا» (٢).
ولما دخل أبناء الحسين على يزيد قالت فاطمة بنت الحسين: «يا يزيد أبنات رسول الله - ﵌ - سبايا؟»، قال: «بل حرائر كرام، ادخلي على بنات عمك (٣) تجديهن قد فعلْنَ ما فعلْتِ»، قالت فاطمة: «فدخلتُ إليهن فما وجدتُ فيهن سفيانية إلا ملتزمة تبكي» (٤).
_________________
(١) رواه البلاذري في أنساب الأشراف (٣/ ٢١٩، ٢٢٠) بسند حسن.
(٢) منهاج السنة (٤/ ٥٥٩).
(٣) أي النساء من أهل يزيد.
(٤) رواه الطبري (٥/ ٤٦٤).
[ ٢٥٨ ]
وأرسل يزيد إلى كل امرأة من الهاشميات يسأل عن كل ما أخِذ منهن، وكل امرأة تدّعي شيئًا بالغًا ما بلغ إلا أضعفه لهن في العطية. وكان يزيد لا يتغدى ولا يتعشى إلا دعا علي بن الحسين.
وبعث يزيد إلى المدينة فقدم عليه ذوو السن من موالي بني هاشم ومن موالي بني علي. ولعل يزيد أراد باستقدامه لهؤلاء الموالي إظهار مكانة الحسين وذويه ويكون لهم موكب عزيز عند دخول المدينة.
وبعد أن وصل الموالي أمر يزيد بنساء الحسين وبناته أن يتجهزن وأعطاهن كل ما طلبن حتى أنه لم يدع لهن حاجة بالمدينة إلا أمر بها (١).
وقبل أن يغادروا قال يزيد لعلي بن الحسين: «إن أحببت أن تقيم عندنا فنصل رحمك ونعرف لك حقك فعلت» (٢).
قال شيخ الإسلام: «وأكرم أبناء الحسين وخيرهم بين المقام عنده والذهاب إلى المدينة فاختاروا الرجوع إلى المدينة» (٣).
وعند مغادرتهم دمشق كرر يزيد الاعتذار من علي بن الحسين وقال: «لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبدًا إلا أعطيتها إياه، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن الله قضى ما رأيت، كاتِبْني بكل حاجة تكون لك» (٤).
وأمر يزيد بأن يرافق ذرية الحسين وفد من موالي بني سفيان، وأمر المصاحبين لهم أن ينزلوا بهم حيث شاءوا ومتى شاءوا، وبعث معهم محرز بن حريث الكلبي، وكان من أفاضل أهل الشام (٥).
_________________
(١) الطبقات لابن سعد (٥/ ٣٩٧)، تاريخ الطبري (٦/ ٣٩٥).
(٢) رواه ابن سعد في الطبقات (٥/ ٣٩٧).
(٣) منهاج السنة (٤/ ٥٥٩).
(٤) تاريخ الطبري ٥/ ٤٦٢).
(٥) ابن سعد في الطبقات (٥/ ٣٩٧).
[ ٢٥٩ ]
وخرج آل الحسين من دمشق محفوفين بأسباب الاحترام والتقدير حتى وصلوا إلى المدينة. قال ابن كثير في ذلك: «وأكرم آل الحسين ورد عليهم جميع ما فقد لهم وأضعافه، وردهم إلى المدينة في محامل وأهبة عظيمة » (١).
تنبيه: لم يصح أن رأس الحسين - ﵁ - حُمِل إلي يزيد بن معاوية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي يَذْكُرُونَ فِيهَا حَمْلَ رَأْسِ الْحُسَيْنِ إلَى يَزِيدَ وَنَكْتَهُ إيَّاهَا بِالْقَضِيبِ كَذَبُوا فِيهَا وَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ إلَى ابْنِ زِيَادٍ - وَهُوَ الثَّابِتُ بِالْقِصَّةِ - فَلَمْ يُنْقَلْ بِإِسْنَادِ مَعْرُوفٍ أَنَّ الرَّأْسَ حُمِلَ إلَى قُدَّامِ يَزِيدَ.
وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ إلَّا إسْنَادًا مُنْقَطِعًا، قَدْ عَارَضَهُ مِنْ الرِّوَايَاتِ مَا هُوَأَثْبَتُ مِنْهُ وَأَظْهَرُ - نَقَلُوا فِيهَا أَنَّ يَزِيدَ لَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ الْحُسَيْنِ أَظْهَرَ التَّأَلُّمَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: «لَعَنَ اللهُ أَهْلَ الْعِرَاقِ. لَقَدْ كُنْت أَرْضَى مِنْ طَاعَتِهِمْ بِدُونِ هَذَا».
وَقَالَ فِي ابْنِ زِيَادٍ: «أَمَا إنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُسَيْنِ رَحِمٌ لَمَا قَتَلَهُ. وَأَنَّهُ ظَهَرَ فِي دَارِهِ النَّوْحُ لِمَقْتَلِ الْحُسَيْنِ وَأَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ وَتَلَاقَى النِّسَاءُ تَبَاكَيْنَ وَأَنَّهُ خَيَّرَ ابْنَهُ عَلِيًّا بَيْنَ الْمُقَامِ عِنْدَهُ وَالسَّفَرِ إلَى الْمَدِينَةِ فَاخْتَارَ السَّفَرَ إلَى الْمَدِينَةِ. فَجَهَّزَهُ إلَى الْمَدِينَةِ جَهَازًا حَسَنًا.
فَهَذَا وَنَحْوَهُ مِمَّا نَقَلُوهُ بِالْأَسَانِيدِ الَّتِي هِيَ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ مِنْ ذَلِكَ الْإِسْنَادِ الْمُنْقَطِعِ الْمَجْهُولِ تُبَيِّنُ أَنَّ يَزِيدُ لَمْ يُظْهِرْ الرِّضَا بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ وَأَنَّهُ أَظْهَرَ الْأَلَمَ لِقَتْلِهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ بِسَرِيرَتِهِ». (٢)
وقال شيخ الإسلام أيضًا: «الَّذِي ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: «أَنَّ الرَّأْسَ حُمِلَ إلَى قُدَّامِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيَادٍ وَجَعَلَ يَنْكُتُ بِالْقَضِيبِ عَلَى ثَنَايَاهُ بِحَضْرَةِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ».
_________________
(١) البداية والنهاية (٨/ ٢٣٥).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٧٩ - ٤٨٠)
[ ٢٦٠ ]
وَفِي الْمُسْنَدِ: «أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِحَضْرَةِ أَبِي بَرْزَةَ الأسلمي» وَلَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ رَوَى بِإِسْنَادِ مُنْقَطِعٍ «أَنَّ هَذَا النَّكْتَ كَانَ بِحَضْرَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ» وَهَذَا بَاطِلٌ. فَإِنَّ أَبَا بَرْزَةَ وَأَنَسَ بْنُ مَالِكٍ كَانَا بِالْعِرَاقِ لَمْ يَكُونَا بِالشَّامِ، وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ كَانَ بِالشَّامِ لَمْ يَكُنْ بِالْعِرَاقِ حِينَ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ؛ فَمَنْ نَقَلَ أَنَّهُ نَكَتَ بِالْقَضِيبِ ثَنَايَاهُ بِحَضْرَةِ أَنَسٍ وَأَبِي بَرْزَةَ قُدَّامَ يَزِيدَ فَهُوَ كَاذِبٌ قَطْعًا كَذِبًا مَعْلُومًا بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ.
وَمَعْلُومٌ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ: أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ زِيَادٍ كَانَ هُوَ أَمِيرَ الْعِرَاقِ حِينَ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ». (١)
روى البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - أنه قال: «أُتِيَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ - ﵁ - فَجُعِلَ فِي طَسْتٍ فَجَعَلَ يَنْكُتُ وَقَالَ فِي حُسْنِهِ شَيْئًا فَقَالَ أَنَسٌ: «كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللهِ - ﵌ -».
قال الحافظ ابن حجر: «قَوْله: (فَجَعَلَ يَنْكُت) فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّان مِنْ طَرِيق حَفْصَة بِنْت سِيرِينَ عَنْ أَنَس: «فَجَعَلَ يَقُول بِقَضِيبٍ لَهُ فِي أَنْفه، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم: «فَجَعَلَ قَضِيبًا فِي يَده فِي عَيْنه وَأَنْفه، فَقُلْت: اِرْفَعْ قَضِيبك فَقَدْ رَأَيْت فَم رَسُول اللَّه - ﵌ - فِي مَوْضِعه»، وَلَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس نَحْوه».
_________________
(١) (مجموع الفتاوى ٢٧/ ٤٦٩).
[ ٢٦١ ]
التحذير من أساطير الشيعة حول مقتل الحسين - ﵁ -:
إن الشيعة بالغوا في نقل أخبار تلك الحادثة، وامتلأت كتب التاريخ بحوادث عجيبة قيل إنها وقعت إثر مقتل الحسين، من احمرار الأفق، وتدفق الدماء من تحت الحجارة، وبكاء الجنّ، إلى غير ذلك من الخيال الذي نسجته عقول الشيعة يومئذ، وما زالوا يردّدونه إلى اليوم تضخيمًا لهذا الحادث على حساب غيره من الأحداث الأخرى، وإن الذي يدرس أسانيد تلك الأخبار والرّوايات لا يرى إلا ضعيفًا هالكًا، أو مجهولًا لا يعرف أصله أو مدلِّسًا يريد تعمية الأبصار عن الحقائق.
ومن أكاذيب مؤرخي الشيعة على سبيل المثال في هذه الموقعة أن السبايا حملن على نجائب الإبل عرايا حتى أن الإبل البخاتي (١) إنما نبتت لها الأسنمة من ذلك اليوم لتستر عوارتهن من قبلهن ودبرهن (٢).
إن كل عاقل يعلم أن الإبل البَخَاتي كانت مخلوقة موجودة قبل أن يبعث الله النبي - ﵌ -، وقبل وجود أهل البيت، كوجود غيرها من الإبل والغنم، والبقر والخيل والبغال (٣).
وقال ابن كثير: «ولقد بالغ الشِّيعة في يوم عاشوراء، فوضعوا أحاديث كثيرة وكذبًا فاحشًا، من كون الشمس كسفت يومئذ حتى بدت النجوم، وما رفع يومئذ حجر إلا وجد تحته دم، وإن أرجاء السماء احمرّت، وأن الشمس كانت تطلع وشُعاعُها كأنه الدم وصارت السماء كأنها علقة، وأن الكواكب صار يضرب بعضها بعضًا، وأمطرت السماء دمًا أحمر، وأن الحمرة لم تكن في السماء قبل يومئذ.
وأن رأس الحسين لما دخلوا به قصر الإمارة جعلت الحيطان تسيل دمًا، وأن الأرض أظلمت ثلاثة أيام، ولم يُمسَّ زعفران ولا ورس مما كان معه يومئذ إلا احترق مَن مسَّه، ولم يرفع حجر من حجارة بيت المقدس إلا ظهر تحته دم عبيط. وأن الإبل التي غنموها من إبل الحسين حين طبخوها صار لحمها مثل العلقم. إلى غير ذلك من الأكاذيب والأحاديث الموضوعة التي لا يصح منها شيء (٤).
وللأسف الشديد، فقد شحنت المصادر التاريخية الإسلامية، مثل تاريخ الطبري، وتاريخ ابن عساكر وغيرهما بمثل هذه الأباطيل والأكاذيب، ممّا يتطلب تحقيقًا علميًا لهذين الكتابين خاصة، ولغيرهما من كتب التاريخ.
_________________
(١) البُخْتيَّةُ: الأُنثى من الجمال البُخْتِ، وهي جمالٌ طوالُ الأَعْناق، ويُجْمَع على بُختٍ وبَخَاتٍ، وقيل الجمع بَخاتيُّ. (القاموس المحيط، لسان العرب - مادة بخت).
(٢) البداية والنهاية (١١/ ٥٦٤، ٥٦٥).
(٣) الفتاوى (٤/ ٣٠٦).
(٤) البداية والنهاية (١١/ ٥٧٦).
[ ٢٦٢ ]
الشبهة السابعة والعشرون
استلحاق معاوية - ﵁ - زياد بن أبيه
الجواب: المراد بزياد هنا؛ هو زياد بن سمية، وهي أمُّه كانت أمَةً للحارث بن كلدة، زوَّجها لمولاه عبيد، فأتت بزياد على فراشه وهم بالطائف قبل أن يسلم أهل الطائف، قال الطبري في حوادث عام ٤٤هـ: «في هذه السنة استلحق معاوية نسب زياد بن سمية بأبيه أبي سفيان فيما قيل (١)».
وقد اتُهِم معاوية - ﵁ - عندما استلحق زياد بن أبيه إلى أبيه بأنه خالف أحكام الإسلام؛ فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ فُلَانًا ابْنِي عَاهَرْتُ بِأُمِّهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «لَا دِعْوَةَ فِي الْإِسْلَامِ، ذَهَبَ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (٢) (رواه أبو داود وقال الألباني: حسن صحيح).
_________________
(١) تاريخ الطبري (٦/ ١٣١).
(٢) قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ: «(عَاهَرْت): أَيْ زَنَيْت. (لَا دِعْوَة): بِكَسْرِ الدَّال أَيْ لَا دَعْوَى نَسَب. قَالَ فِي النِّهَايَة: الدِّعْوَة بِالْكَسْرِ فِي النَّسَب وَهُوَ أَنْ يَنْتَسِب الْإِنْسَان إِلَى غَيْر أَبِيهِ وَعَشِيرَته وَقَدْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فَنُهِيَ عَنْهُ وَجُعِلَ الْوَلَد لِلْفِرَاشِ. واخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْفِرَاش فَذَهَبَ الْأَكْثَر إِلَى أَنَّهُ اِسْم لِلْمَرْأَةِ وَقَدْ يُعَبَّر بِهِ عَنْ حَالَة الِافْتِرَاش. وَقِيلَ إِنَّهُ اِسْم لِلزَّوْجِ. قَالَ النَّوَوِيّ: «مَعْنَى قَوْله «الْوَلَد لِلْفِرَاشِ» أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ زَوْجَة أَوْ مَمْلُوكَة صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِمُدَّةِ الْإِمْكَان مِنْهُ لَحِقَهُ الْوَلَد وَصَارَ وَلَدًا يَجْرِي بَيْنهمَا التَّوَارُث وَغَيْره مِنْ أَحْكَام الْوِلَادَة، سَوَاء كَانَ مُوَافِقًا لَهُ فِي الشَّبَه أَمْ مُخَالِفًا، وَمُدَّة إِمْكَان كَوْنه مِنْهُ سِتّ أَشْهُر مِنْ حِين أَمْكَنَ اِجْتِمَاعهمَا». وَأَمَّا مَا تَصِير بِهِ الْمَرْأَة فِرَاشًا فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَة صَارَتْ فِرَاشًا بِمُجَرَّدِ عَقْد النِّكَاح وَنَقَلُوا فِي هَذَا الْإِجْمَاع وَشَرَطُوا إِمْكَان الْوَطْء بَعْد ثُبُوت الْفِرَاش. = = وَأَمَّا الْأَمَة فَعِنْد الشَّافِعِيّ وَمَالِك تَصِير فِرَاشًا بِالْوَطْءِ وَلَا تَصِير فِرَاشًا بِمُجَرَّدِ الْمِلْك حَتَّى لَوْ بَقِيَتْ فِي مِلْكه سِنِينَ وَأَتَتْ بِأَوْلَادٍ وَلَمْ يَطَأهَا وَلَمْ يُقِرّ بِوَطْئِهَا لَا يَلْحَقهُ أَحَد مِنْهُمْ، فَإِذَا وَطِئَهَا صَارَتْ فِرَاشًا، فَإِذَا أَتَتْ بَعْد الْوَطْء بِوَلَدٍ أَوْ أَوْلَاد لِمُدَّةِ الْإِمْكَان لَحِقُوهُ. (وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَر): الْعَاهِر الزَّانِي وَعَهَرَ زَنَى وَعَهَرَتْ زَنَتْ، وَالْعِهْر الزِّنَا أَيْ وَلِلزَّانِي الْخَيْبَة وَلَا حَقّ لَهُ فِي الْوَلَد. وَعَادَة الْعَرَب أَنْ تَقُول لَهُ الْحَجَر وَبِفِيهِ الْأَثْلَب وَهُوَ التُّرَاب وَنَحْو ذَلِكَ يُرِيدُونَ لَيْسَ لَهُ إِلَّا الْخَيْبَة. وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْحَجَرِ هُنَا أَنَّهُ يُرْجَم بِالْحِجَارَةِ، وَهَذَا ضَعِيف؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلّ زَانٍ يُرْجَم وَإِنَّمَا يُرْجَم الْمُحْصَن خَاصَّة، وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ رَجْمه نَفْي الْوَلَد عَنْهُ. وَالْحَدِيث إِنَّمَا وَرَدَ فِي نَفْي الْوَلَد عَنْهُ». (اهـ باختصار).
[ ٢٦٤ ]
وقد ردّ على هذا الاتهام الدكتور خالد الغيث بقوله:
« أما اتهام معاوية - ﵁ - باستلحاق نسب زياد، فإني لم أقف على رواية صحيحة صريحة العبارة تؤكد ذلك، هذا فضلًا عن أن صحبة معاوية - ﵁ -، وعدالته ودينه وفقهه تمنعه من أن يرد قضاء رسول الله - ﵌ - لاسيما وأن معاوية أحد رواة حديث: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (١).
ووجَّه الدكتور خالد الغيث التهمة إلى زياد بن أبيه بأنه هو الذي ألحق نسبه بنسب أبي سفيان واستدل برواية أخرجها مسلم في صحيحه من طريق أَبِي عُثْمَانَ النهدي قَالَ: «لَمَّا ادَّعَى زِيَادٌ لَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؛ إِنِّي سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُول: سَمِعَ أُذُنَايَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - وَهُوَ يَقُولُ: «مَنْ ادَّعَى أَبًا فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ أَبِيهِ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ».
فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: «وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ -».
قال الإمام النووي - ﵀ - مُعلقًا على هذا الخبر:
«فَمَعْنَى هَذَا الْكَلَام الْإِنْكَار عَلَى أَبِي بَكْرَة؛ وَذَلِكَ أَنَّ زِيَادًا هَذَا الْمَذْكُورُ هُوَ الْمَعْرُوف بِزِيَادِ بْن أَبِي سُفْيَان، وَيُقَال فِيهِ: زِيَادُ بْن أَبِيهِ، وَيُقَال: زِيَاد بْن أُمِّهِ، وَهُوَ أَخُو أَبِي بَكْرَة لِأُمِّهِ، وَكَانَ يُعْرَف بِزِيَادِ بْن عُبَيْد الثَّقَفِيّ، ثُمَّ اِدَّعَاهُ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان وَأَلْحَقَهُ بِأَبِيهِ أَبِي سُفْيَان، وَصَارَ مِنْ جُمْلَة أَصْحَابه بَعْد أَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيّ بْن أَبِي
_________________
(١) مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري (ص ٣٧٢ - ٣٧٩)، وانظر: فتح الباري (١٢/ ٣٩).
[ ٢٦٥ ]
طَالِب - ﵁ -.فَلِهَذَا قَالَ أَبُو عُثْمَان لِأَبِي بَكْرَة مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟ وَكَانَ أَبُو بَكْرَة - ﵁ - مِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَهَجَرَ بِسَبَبِهِ زِيَادًا، وَحَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ أَبَدًا.
وَلَعَلَّ أَبَا عُثْمَان لَمْ يَبْلُغْهُ إِنْكَار أَبِي بَكْرَة حِين قَالَ لَهُ هَذَا الْكَلَام، أَوْ يَكُون مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟ أَيْ مَا هَذَا الَّذِي جَرَى مِنْ أَخِيك؟ مَا أَقْبَحَهُ وَأَعْظَم عُقُوبَته! فَإِنَّ النَّبِيّ - ﵌ - حَرَّمَ عَلَى فَاعِله الْجَنَّة» اهـ.
وبذلك يكون زياد هو المدعي، ولذلك هجره أخوه أبو بكرة - ﵁ -.
ويزيد هذا الأمر تأكيدًا ما أورده الحافظ أبو نعيم في ترجمة زياد بن أبيه حيث قال: «زياد بن سمية: ادَّعَى أبا سفيان فنُسب إليه» (١).
وفي حقيقة الأمر فإن مسألة استلحاق معاوية - ﵁ - زياد هي مسألة اجتهادية ويذهب الكثير من المؤرخين بأن هناك دلائل عديدة تثبت أن أبا سفيان قد باشر سمية - جارية الحارث بن كلدة الثقفي - وكانت من البغايا ذوات الرايات - في الجاهلية، فعلقت منه بزياد، وذكروا أن أبا سفيان اعترف بنفسه بذلك أمام علي بن طالب - ﵁ - وآخرين بعدما شب زياد ونبغ في عهد عمر بن الخطاب (٢).
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن أبا سفيان كان يقول زياد من نطفته (٣)، فلما كانت خلافة معاوية شهد لزياد بذلك النسب أبو مريم السلولي وهو صحابي كان يعمل في الجاهلية خَمَّارًا بالطائف، وهو الذي جمع بين أبي سفيان وسمية، وكان ذلك أمرًا مألوفًا آنذاك (٤).
ويبدو أن هذا النسب قد شاع أمره حتى لقد شهد بذلك أحد رجال البصرة لزياد قبل استلحاق معاوية - ﵁ - إياه (٥)، فهي دعوة قديمة إذن ولم تكن كما يزعم الرواة
_________________
(١) معرفة الصحابة (٣/ ١٢١٧).
(٢) مروج الذهب (٣/ ١٤ - ١٥)، الدولة الأموية المفترى عليها (ص ١٩٥).
(٣) الفتاوي (٢٠/ ١٤٨).
(٤) الكامل في التاريخ (٢/ ٤٧٠).
(٥) تاريخ الطبري (٦/ ١٣١، ١٣٢).
[ ٢٦٦ ]
نتيجة مشورة المغيرة بن شعبة على معاوية - ﵄ - كجزء من صفقة متبادلة بين معاوية وزياد أو غير ذلك من التفاصيل التي اخترعها الرواة (١).
وبعد عقود من السنين نجد الإمام مالك بن أنس - إمام أهل المدينة - يذكر زيادًا في كتابه الموطأ بأنه زياد بن أبي سفيان، ولم يقل زياد بن أبيه، وذلك في عصر بني العباس (٢)، والدولة لهم والحكم بأيديهم فما غيروا عليه، ولا أنكروا ذلك منه، لفضل علومهم ومعرفتهم بأن مسألة زياد قد اختلف الناس فيها، فمنهم من جوزها، ومنهم من منعها، فلم يكن لاعتراضهم عليها سبيل (٣).
وأما تعارض هذا الاستلحاق - إن صح - مع نص الحديث الشريف، فمن اعتذر لمعاوية - ﵁ - قال: إنما استلحق معاوية زيادًا لأن أنكحة الجاهلية كانت أنواعًا، وكان منها أن الجماعة يجامعون البَغِيَّ، فإذا حملت وولدت ألحقت الولد لمن شاءت منهم فيلحقه، فلمّا جاء الإسلام حرّم هذا النكاح، إلا أنّه أقر كل ولد كان يُنسب إلى أب من أي نكاح كان من أنكحتهم على نسبه، ولم يفرّق بين شيء منها، فتوهم معاوية أنّ ذلك جائز له ولم يفرّق بين استلحاق في الجاهلية، والإسلام (٤).
وأجاز الإمام مالك أن يستلحق الأخ أخا له ويقول: هو ابن أبي، ما دام ليس له منازع في ذلك النسب. فالحارث بن كلدة - الذي كانت سمية جارية له - لم ينازع زيادًا، ولا كان إليه منسوبًا، وإنما كان ابن أمَةٍ بغي وُلد على فراشه - أي في داره - فكل من ادعاه فهو له، إلا أن يعارضه من هو أولى به منه، فلم يكن على معاوية في ذلك مغمز، بل فعل الحق على مذهب الإمام مالك.
_________________
(١) الدولة الأموية المفترى عليها (ص ١٩٦).
(٢) المصدر نفسه (ص ١٩٦).
(٣) العواصم من القواصم (ص ٢٥٤).
(٤) الكامل في التاريخ (٢/ ٤٧١).
[ ٢٦٧ ]
الشبهة الثامنة والعشرون
قَتْلُه حِجْر بنَ عدي وأصحابه
الجواب:
١ - إن حِجْر بن عدى مختلف في صحبته، والأكثرون على أنه تابعى، قال الحافظ ابن حجر: «وأما البخاري، وابن أبي حاتم، عن أبيه، وخليفة بن خياط، وابن حبان فذكروه في التابعين، وكذا ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة» (١).
وعلى فرض التسليم له بالصحبة فالواجب علينا عدم الخوض فيما شجر بين الصحابة، بل الترحم عليهم، والتصديق بعدالتهم.
٢ - تحدثت معظم المصادر التاريخية عن مقتل حجر بن عدي - ﵁ - بين مختصر في هذا الأمر ومطول كل بحسب ميله، وكان للروايات الشيعية النصيب الأوفر في تضخيم هذا الحدث ووضع الروايات في ذلك؛ وكأنه ليس في أحداث التاريخ الإسلامي حدث غير قصة مقتل حجر بن عدي.
٣ - ذكر ابن العربي أن الأصل في قتل الإمام، أنه قَتْلٌ بالحق فمن ادعى أنه بالظلم فعليه الدليل، ولكن حِجْرًا فيما يقال: «رأى من زياد أمورًا منكرة، حيث أن زياد بن أبيه كان في خلافة علي واليًا من ولاته، وكان حجر بن عدي من أولياء زياد وأنصاره، ولم يكن ينكر عليه شيئًا، فلما صار من ولاة معاوية صار ينكر عليه مدفوعًا بعاطفة التحزب والتشيع، وكان حجر يفعل مثل ذلك مع من تولى الكوفة لمعاوية قبل زياد.
فقام حجر وحصب زياد وهو يخطب على المنبر، حيث أن زياد قد أطال في الخطبة فقام حجر ونادى: «الصلاة! فمضى زياد في خطبته فحصبه حجر وحصبه آخرون معه وأراد أن يقيم الخلق للفتنة، فكتب زياد إلى معاوية يشكو بغي حجر على
_________________
(١) االإصابة (١/ ٣١٣).
[ ٢٦٨ ]
أميره في بيت الله، وعدّ ذلك من الفساد في الأرض، فلمعاوية العذر، وقد كلمته عائشة في أمره حين حج، فقال لها: «دعيني وحجرًا حتى نلتقي عند الله» (١).
وأنتم معشر المسلمين أولى أن تدعوهما حتى يقفا بين يدي الله - ﷿ -.
٤ - وأما قضاء معاوية - ﵁ - في حجر - ﵁ - وأصحابه، فإنه لم يقتلهم على الفور، ولم يطلب منهم البراءة من علي - ﵁ - كما تزعم بعض الروايات الشيعية (٢)، بل استخار الله - ﷾ - فيهم، واستشار أهل مشورته، ثم كان حكمه فيهم.
والحجة في ذلك ما يرويه صالح بن أحمد بن حنبل بإسناد حسن عن ابن عياش قال: حدثني شرحبيل بن مسلم قال: «لما بُعِث بحجر بن عدي بن الأدبر وأصحابه من العراق إلى معاوية بن أبي سفيان، استشار الناس في قتلهم، فمنهم المشير، ومنهم الساكت.
فدخل معاوية منزله، فلما صلى الظهر قام في الناس خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه، ثم جلس على منبره، فقام المنادي فنادى: أين عمرو بن الأسود العنسي، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ألا إنا بحصن من الله حصين لم نؤمر بتركه، وقولك يا أمير المؤمنين في أهل العراق ألا وأنت الراعي ونحن الرعية، ألا وأنت أعلمنا بدائهم، وأقدرنا على دوائهم، وإنما علينا أن نقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة:٢٨٥).
فقال معاوية: «أما عمرو بن الأسود فقد تبرأ إلينا من دمائهم، ورمى بها ما بين عيني معاوية».
ثم قام المنادي فنادى: «أين أبو مسلم الخولاني»، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد فلا والله ما أبغضناك منذ أحببناك، ولا عصيناك منذ أطعناك، ولا
_________________
(١) العواصم من القواصم (ص ٢١٩ - ٢٢٠).
(٢) انظر: تاريخ الطبري (٥/ ٢٥٦ - ٢٥٧، ٢٧٥).
[ ٢٦٩ ]
فارقناك منذ جامعناك، ولا نكثنا بيعتنا منذ بايعناك، سيوفنا على عواتقنا، إن أمرتنا أطعناك، وإن دعوتنا أجبناك وإن سبقناك نظرناك»، ثم جلس.
ثم قام المنادي فقال: «أين عبد الله بن مِخْمَر الشرعبي»، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «وقولك يا أمير المؤمنين في هذه العصابة من أهل العراق، إن تعاقبهم فقد أصبت، وإن تعفُ فقد أحسنت».
فقام المنادي فنادى: «أين عبد الله بن أسد القسري»، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «يا أمير المؤمنين، رعيتك وولايتك وأهل طاعتك، إن تعاقبهم فقد جنوا على أنفسهم العقوبة، وإن تعفوا فإن العفو أقرب للتقوى، يا أمير المؤمنين لا تطع فينا من كان غشومًا ظلومًا بالليل نؤومًا، عن عمل الآخرة سؤومًا.
يا أمير المؤمنين إن الدنيا قد انخشعت أوتارها، ومالت بها عمادها وأحبها أصحابها، واقترب منها ميعادها»، ثم جلس.
فقلت - القائل هو: اسماعيل بن عياش - لشرحبيل: فكيف صنع؟ قال: قتل بعضًا واستحيى بعضًا، وكان فيمن قتل حجر بن عدي بن الأدبر» (١).
٥ - مما يجدر التذكير به في هذا المقام أن معاوية - ﵁ - لم يكن ليقضي بقتل حجر بن عدي - ﵁ - لو أن حجرًا اقتصر في معارضته على الأقوال فقط ولم ينتقل إلى الأفعال.
وقد ذكر ابن سعد ما يدل على أن معاوية أمر بقتل حجر بن عدي - ﵁ - لما شهد عنده الشهود بأنه ألب على عامله بالعراق، وحصبه وهو على المنبر، وخلع البيعة لمعاوية نفسه، وهو آنذاك أمير المؤمنين (٢).
ولعل معاوية - ﵁ - قد اعتمد في قضائه هذا بقتل حجر بن عدي، على قوله - ﵌ -: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ» (رواه مسلم).
_________________
(١) انظر الرواية في مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح (٢/ ٣٢٨ - ٣٣١).
(٢) الطبقات (٦/ ١٥١).
[ ٢٧٠ ]
وفي رواية عنه - ﵌ -: «إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ» (رواه مسلم).
الْهَنَات: جَمْع هَنَة، وَتُطْلَق عَلَى كُلّ شَيْء، وَالْمُرَاد بِهَا هُنَا الْفِتَن وَالْأُمُور الْحَادِثَة.
قال الإمام النووى - ﵀ - في شرح هذا الحديث من صحيح مسلم: «فِيهِ الْأَمْر بِقِتَالِ مَنْ خَرَجَ عَلَى الْإِمَام، أَوْ أَرَادَ تَفْرِيق كَلِمَة الْمُسْلِمِينَ وَنَحْو ذَلِكَ، وَيُنْهَى عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ قُوتِلَ، وَإِنْ لَمْ يَنْدَفِع شَرّه إِلَّا بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ كَانَ هَدَرًا».
٦ - وفي القصة التي ذكرها ابن سعد ما يدل على أن الشيعة قد ألّبوه على معاوية وعامله، وأن زيادًا والى العراق قد راجعه في ذلك قبل أن يبعث بالشهود إلى معاوية - ﵁ - فلما علم معاوية من حاله، وشهد عنده الشهود بذلك، أمر بقتله عملًا بنص هذا الحديث، خصوصًا وأن البيعة كانت قد استقرت له، والتأليب عليه مما يضر بالدولة الإسلامية آنذاك.
وقد أمرنا النبي بالسمع والطاعة ولو لعبد حبشي يقيم كتاب الله، فكيف بمن كان من صحابته الذين آزروه ونصروه، وبمن دعا له النبي - ﵌ - بالهداية؟!!
إن حجرًا - ﵁ - زيَّن له شيعة الكوفة هذه المعارضة، فأوردوه حياض الموت بخذلانهم إياه.
ولا ننسى موقف شيعة الكوفة مع الحسين - ﵁ -، حين زينوا له الخروج ثم خذلوه كما خذلوا حجرًا من قبله.
٧ - إن قيل: قتل حجر بن عدي واختلفنا: فقائل يقول قتله ظلمًا، وقائل يقول قتله حقًا.
فإن قيل: الأصل قتله ظلمًا إلا إذا ثبت عليه ما يوجب قتله: قلنا: الأصل أن قتل الإمام بالحق، فمن ادعى أنه بالظلم فعليه الدليل.
[ ٢٧١ ]
٨ - إن الذين يرون أن معاوية قتله بحق يقولون: ما من حكومة في الدنيا تعاقب بأقل من ذلك من يحصب أميره وهو قائم يخطب على المنبر في المسجد الجامع، مندفعًا بعاطفة الحزبية والتشيع.
والذين يعارضونهم يذكرون فضائل حجر ويقولون: كان ينبغي لمعاوية أن لا يخرج عن سجيته من الحلم وسعة الصدر لمخالفيه.
ويجيبهم الآخرون بأن معاوية يملك الحلم وسعة الصدر عند البغي عليه في شخصه، فأما البغي على الجماعة في شخص حاكمها وهو على منبر المسجد فهو ما لا يملك معاوية أن يتسامح فيه، ولا سيما في مثل الكوفة التي أخرجت العدد الأكبر من أهل الفتنة الذين بغوا على عثمان بسبب مثل هذا التسامح، فكبدوا الأمة من دمائها وسمعتها وسلامة قلوبها ومواقف جهادها تضحيات غالية كانت في غنى عنها لو أن هيبة الدولة حفظت بتأديب عدد قليل من أهل الرعونة والطيش في الوقت المناسب.
ولو سلمنا أن معاوية أخطأ في قتل حجر؛ فقد سبق هذا الخطأ في القتل أسامة بن زيد - ﵄ -.
وقصة أسامة بن زيد - ﵁ - مع الرجل الذي نطق بالشهادتين، وقتْل أسامة له بعد نطقها، في الصحيحين البخاري ومسلم.
وكل ما جرى من أسامة ناتج عن اجتهاد لا عن هوى وعصبية وظلم.
٩ - الغريب أن الشيعة يصيحون من أجل قتل حجر بن عدي ولا يعترضون على عليٍّ - ﵁ - عندما قاتل الخارجين على خلافته في الجمل وصفين، والتي تسببت في مقتل خيار الصحابة إضافة إلى الآلاف من المسلمين، مع أنّ السبب واحد وهو الخروج على سلطة الخليفة!!!
١٠ - بالغت الروايات في ذكر موقف عائشة - ﵂ - من مقتل حجر بن عدي، حيث ذهبت بعض الروايات إلى زعم بتهديد عائشة لمعاوية بالقتل حين زارها عام
[ ٢٧٢ ]
٥١هـ، وكذلك التهديد بمحاربة معاوية، وهذه الروايات لم يصح منها شيء في حق أم المؤمنين عائشة - ﵂ -.
وأما حقيقة موقفها فعن ابن أبي مليكه: إن معاوية جاء يستأذن على عائشة، فأبت أن تأذن له، فخرج غلام لها يقال له: ذكوان، قال: ويحك أدخلني على عائشة فإنها قد غضبت علَيَّ، فلم يزل بها غلامها حتى أذنت له، وكان أطوع مني عندها، فلما دخل عليها قال: «أمّتاه فيما وجَدْتِ عليَّ (١) يرحمكِ الله؟».
قالت: « وجدت عليك في شأن حِجْر وأصحابه أنك قتلتهم».
فقال لها: « وأما حِجْر وأصحابه فإني تخوفت أمرًا، وخشيت فتنة تكون، تهراق فيها الدماء، تستحل فيها المحارم، وأنت تخافيني، دعيني والله يفعل ما يشاء».
قالت: «تركتك والله، تركتك والله، تركتك والله».
وجاء في رواية أخرى: «لما قدم معاوية دخل على عائشة، فقالت: «أقتلت حجرًا؟».
قال: «يا أم المؤمنين، إني وجدت قتل رجلٍ في صلاح الناس، خيرًا من استحيائه في فسادهم» (٢).
_________________
(١) وَجَدَ عليه: غَضِبَ، (القاموس المحيط، مادة وجد).
(٢) تاريخ دمشق (٤/ ٢٧٣، ٢٧٤) نقلا عن مرويات معاوية (ص٤٤٠).
[ ٢٧٣ ]
الشبهة التاسعة والعشرون
اتهام معاوية - ﵁ - بشرب الخمر
عن عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى مُعَاوِيَةَ فَأَجْلَسَنَا عَلَى الْفُرُشِ ثُمَّ أُتِينَا بِالطَّعَامِ فَأَكَلْنَا ثُمَّ أُتِينَا بِالشَّرَابِ، فَشَرِبَ مُعَاوِيَةُ ثُمَّ نَاوَلَ أَبِي ثُمَّ قَالَ: «مَا شَرِبْتُهُ مُنْذُ حَرَّمَهُ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -».
قَالَ مُعَاوِيَةُ: «كُنْتُ أَجْمَلَ شَبَابِ قُرَيْشٍ، وَأَجْوَدَهُ ثَغْرًا، وَمَا شَيْءٌ كُنْتُ أَجِدُ لَهُ لَذَّةً كَمَا كُنْتُ أَجِدُهُ وَأَنَا شَابٌّ غَيْرُ اللَّبَنِ أَوْ إِنْسَانٍ حَسَنِ الْحَدِيثِ يُحَدِّثُنِي» (رواه الإمام أحمد وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده قوي).
وقال غيره: «إسناد الخبر فيه لين؛ فزيد بن الحباب في حفظه ضعف، ومثله حسين بن واقد (١).
يحاول الشيعة بهذا الخبر التلبيس على القارئ بأن معاوية كان ممن يشرب الخمر بعد إسلامه، وبعد ثبوت تحريم شرب الخمر.
الجواب:
هذا مندفع بأمور:
أولها: لنفرض صحة الخبر السابق وأن ما جاء فيه، ثبوت شرب معاوية - ﵁ - للشراب، فإن لفظ الشراب لا يقتضي أن يكون المشروب خمرًا.
فقد يكون هذا الذي شربه معاوية نبيذًا، أو لبنًا.
ثانيها: مناولته لبريدة بن الحصيب الشراب، فلو كان خمرًا لما أخذه بريدة، ولأنكر عليه ذلك.
_________________
(١) انظر: مجمع الزوائد (٥/ ٤٢ (، من فضائل وأخبار معاوية دراسة حديثية (ص ٦٣).
[ ٢٧٤ ]
ولم يَرِدْ في شيء من مصادر الخبر نَقْلُ كراهية بريدة أو إنكاره، فضلا عن ردِّه وامتناعه عما ناوله معاوية، ولو كان بُريدة - ﵁ - يظن ذلك لما جلس هذا المجلس، ولَنَقَلَ ابنُه استفهامَه على أقل تقدير.
ثالثها: أن قوله: «مَا شَرِبْتُهُ مُنْذُ حَرَّمَهُ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -» هو من قول معاوية - ﵁ - وليس من قول بريدة، فدل على أن الشراب لم يكن خمرًا.
وإن مما يتبادر للذهن أن الشراب هو اللبن، بدليل أن معاوية في سِنّه هذه لا يُفَضِّلُ عليه غيره؛ كما في رواية ابن أبي شيبة عن عبد الله بن بريدة، قال: «دخلت أنا وأبي على معاوية، فأجْلَسَ أبي على السَّرير، وأَتَى بالطعام فأطْعَمنا، وأتَى بشرابٍ فشَرِبَ، فقال معاوية: «ما شيءٌ كنتُ أستَلِذَّهُ وأنا شابٌّ فآخُذُهُ اليومَ إلا اللَّبَنَ؛ فإني آخُذُه كما كنتُ آخُذُه قَبْلَ اليَومِ» (١).
رابعها: كيف يُفهم أن معاوية - ﵁ - شَرِبَ الخمر!! وهو ينص في الخبر ذاته على أنه لم يشربها قط! وأنَّه عَلِمَ النَّهْيَ عنه مِنَ النبيِّ - ﵌ -، وروى عنه حديثَ جلد الشارب ثلاثًا، ثم قتْله في الرابعة.
فعَنْ مُعَاوِيَةَ - ﵁ - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ فَإِنْ عَادَ فِى الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ» (٢).
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (١١/ ٩٤ - ٩٥)، وسنده حَسَنَ، انظر: من فضائل وأخبار معاوية دراسة حديثية (ص ٦٣).
(٢) رواه الترمذي، وصححه الألباني، وانظر: كلمة الفصل في قتل مدمني الخمر للشيخ المحدث: أحمد بن محمد شاكر - ﵀ -.
[ ٢٧٥ ]
الشبهة الثلاثون
افتراءات حول مصارف
الأموال في عهد معاوية - ﵁ - (١)
أثار بعض المؤرخين شبهات حول مصارف الأموال في عهد معاوية - ﵁ -، وذكروا عدة مصارف وسموها بأنها جائرة وغير شرعية منها:
أولا: إعطاء مصر طعمة لعمرو بن العاص:
تتعدد الروايات التي تنص على أن معاوية - ﵁ - أعطى مصر طُعمَةً لعمرو بن العاص لقاء تأييد الأخير له في حربه ضد علي بن أبي طالب - ﵁ -، وجُلّ هذه الأخبار تحوي روحًا عدائية لعمرو ومعاوية - ﵄ - وتصور اتفاقهما على حرب علي - ﵁ - كما لو كانت مؤامرة دَنيئة أو صفقة مريبة، خان فيها الرجلان ربهما ودينهما، مقابل عَرَضٍ زائل أو نصر سريع، وكأن من المستحيل أن يبذل ابن العاص نصره لقضية اجتمع حولها آلاف الرجال في الشام وغيرها - وهي الطلب بدم عثمان - إلا إذا نال ولاية مصر وخراجها لنفسه.
وبعض هذه الروايات تحوي سبابًا لهذين الصحابيين، كأن تزعم أن عَمْرو بنَ العاص فضَّل ولاية مصر على حسنى الآخرة وصرح بذلك فقال: «إنما أردنا هذه الدنيا»، أو أنه قال لمعاوية: «لا أعطيك من ديني حتى آخذ من دنياك»، أو قوله: «إنما أبايعك بها ديني» (أي بمصر)، أو قوله لمعاوية: «ولولا مصر وولايتها لركبت المنجاة منها؛ فإني أعلم أن علي بن أبي طالب على الحق وأنت على ضده»، إلى غير ذلك من الروايات (٢).
_________________
(١) باختصار من كتاب (الدولة الأموية) للدكتور علي الصلابي.
(٢) الكامل في التاريخ (٢/ ٥٧)، الإمامة والسياسة (١/ ٩٨)، العقد الفريد (٤/ ٣٤٥)، مروج الذهب (٣/ ٢٩)، وقعة صِفِّين (ص٢٣٧).
[ ٢٧٦ ]
ورواة هذه الروايات كلهم من الشيعة الروافض.
وكذلك روايات باطلة وموضوعة عند المسعودي وكتاب (الإمامة والسياسة) المنسوب لابن قتيبة وغيرها تمسخ عمرو بن العاص إلى رجل مصالح، وصاحب مطامع وراغب دنيا.
وقد تأثر بالروايات الضعيفة والموضوعة والسقيمة مجموعة من الكتّاب والمؤرَّخين، فأهووا بعمرو إلى الحضيض، ومنهم عباس محمود العقَّاد الذي يتعالى عن النَّظر في الإسناد، ويستخفُّ بقارئه، ويظهر له صورة معاوية وعمرو - ﵄ - بأنَّهما انتهازيَّان، صاحبا مصالح، ولو أجمع النّاقدون التاريخيون على بطلان الرِّوايات التي استند إليها في تحليله فهذا لا يعني للعقَّاد شيئًا.
فقد قال بعد أن ذكر روايات ضعيفة، واهية، لا تقوم بها حجة: « ولْيَقُل الناقدون التاريخيون ما بدا لهم أن يقولوا في صدق هذا الحوار، وصحَّة هذه الكلمات، وما ثبت نقلة، ولم يثبت منه سنده، ولا نصُّه فالذي لا ريب فيه، ولو أجمعت التواريخ قاطبة على نقضه: أن الاتفاق بين الرجلين، كان اتفاق مساومة، ومعاونة على الملك، والولاية، وأن المساومة بينهما كانت على النصَّيب الذي آل على كلِّ منهما، ولولاه لما كان بينهما اتفاق» (١).
وما عرف من صحة إسلام وتقوى معاوية وعمرو - ﵄ -، وتاريخهما المضيء في خدمة دين الله منذ أسلما مما يرد على تلك الروايات الضعيفة والموضوعة والسقيمة التي لاقت رواجًا واستقرارًا في تشويههما بالظلم والبهتان.
ففي معاوية يكفي دعاء رسول الله - ﵌ - عندما قال: «اللهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا وَاهْدِ بِهِ» (رواه الترمذي وغيره وصححه الألباني).
(هَادِيًا) أَيْ لِلنَّاسِ أَوْ دَالًّا عَلَى الْخَيْرِ. (مَهْدِيًّا) أَيْ مُهْتَدِيًا فِي نَفْسِهِ.
_________________
(١) عمرو بن العاص للعقاد (ص٢٣١ - ٢٣٢).
[ ٢٧٧ ]
وثَبَتَ أن النبيَّ - ﵌ - دعا لمعاوية فقال: «اللهمَّ عَلِّمْهُ الكِتابَ والحِسابَ، وقِهِ العَذاب». (رواه الطبراني وغيره وصححه الألباني).
وأما عمرو بن العاص - ﵁ - فقد شهد له رسول الله - ﵌ - بالإيمان حيث قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ» (رواه الترمذي وحسنه الألباني).
ثانيًا: التنازل عن خراج «دارابجرد» للحسن بن علي:
زعم بعض المؤرخين أن معاوية تنازل للحسن بن علي - ﵃ - عن خراج (دارابجرد) وأن يعطيه مما في بيت مال الكوفة مبلغ خمسة آلاف ألف درهم مقابل تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية، وأن الحسن قد أخذ ما في بيت مال الكوفة ولكنه لم يستطع الحصول على خراج (دارابجرد) إذ إن أهل البصرة قد منعوه منه، ويزعمون أن ذلك كان بتحريض معاوية أو بمبادرة من البصريين (١).
إن هذه الرواية تغض من شأن الحسن ومعاوية معًا - ﵄ - وتجعلهما في موقف التواطؤ على أكل أموال المسلمين بالباطل، وهذا باطل ولا يصح.
ثالثًا: التوسع في إنفاق الأموال لتأليف القلوب واكتساب الأنصار:
ذكر المؤرخون أن معاوية - ﵁ - أنفق أموالًا كبيرة ليتألف بها قلوب الزعماء والأشراف ويوطد أركان الدولة الإسلامية التي قامت بعد فترات من الصراع والتطاحن.
فإن صح ذلك فإن إراقة بعض المال خير من إراقة كثير من دماء المسلمين. فلعله أعطى هؤلاء الرجال المال يستميل به قلوبهم، وقلوب أتباعهم وأنصارهم، ويعلي به مكانتهم ويسد خلة من وراءهم.
ولعله قد فهم من إعطاء الرسول - ﵌ - المؤلفة قلوبهم بعد فتح مكة ليستميلهم نحو الدين، أنه يجوز أن يعطي أمثال هؤلاء الرجال ليتألف قلوبهم ويضمن ولاءهم للدين والدولة حيث نصرة الدين وجمع شمل أهله.
_________________
(١) تاريخ الطبري (٦/ ١٦٥)، الدولة الأموية المفترى عليها (ص٤١٧).
[ ٢٧٨ ]
الشبهة الحادية والثلاثون
هل قال معاوية - ﵁ -: «إن الكريم طروب»
عن محمد بن عامر: عاتب معاوية عبد الله بن جعفر على الاستهتار بالغناء والطرب، فدخل عليه يومًا ومعه بُديح المليح، مولى آل الزبير ويقال مولاه، فلما كان على باب البيت الذي فيه معاوية قال: «يا بديح، قل»، فتغنى وجعل يقرع حلقة الباب ويوقع بها، وجعل معاوية يحرك رجليه، فقال عبد الله: «ما هذا يا أمير المؤمنين؟».
قال: «إن الكريم طروب» (١).
وقال الطبري:
حدثنى أحمد عن على عن محمد بن عامر قال: «لام معاوية عبد الله بن جعفر على الغناء فدخل يومًا على معاوية ومعه بديح، ومعاوية واضع رجلًا على رجل.
فقال عبد الله لبديح: «إيهٍ (٢) يا بديح».
فتغنى، فحرك معاوية رجله.
فقال عبد الله: «مه يا أمير المؤمنين؟».
فقال معاوية: «إن الكريم طروب».
قال: وقدم عبد الله بن جعفر على معاوية، ومعه سائب خاثر وكان مولى لبنى ليث وكان فاجرًا، فقال له: «ارفع حوائجك».
ففعل ورفع فيها حاجة سائب خاثر، فقال معاوية: «من هذا؟» فخبره، فقال: «أدخله».
فلما قام على باب المجلس غنى:
_________________
(١) هذا الخبر أورده البلاذري في (أنساب الأشراف ٤/ ٢٧) بنحوه، وأورده ابن عبد ربه في (العقد الفريد ٦/ ٢١، ٢٢)، مع بعض الزيادات المنكرة.
(٢) إيهِ: اسمُ فعْل أمر، ومعناه طلب الزيادة من حديث أو عَمل.
[ ٢٧٩ ]
إن الديارَ رسومُها قَفْرُ لعبَتْ بها الأرواحُ والقطرُ
وخَلا لها مِن بَعدِ ساكِنِها حِجَجٌ خَلَوْنْ ثَمانِ أو عشْرُ
والزعفرانُ على ترائِبِهَا شَرِقًا به اللّبَّاتُ والنَّحْرُ
فقال: «أحسنت»، وقضى حوائجه».
الجواب:
أولًا: لم أجد مَن ترجم لمن اسمه محمد بن عامر إلا ابن حبان في (المجروحين برقم ١٠١٠) فقال:
«محمد بن عامر أبو عبد الله شيخ من أهل الرملة يروي عن ابن عيينة يقلب الأخبار ويروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم».
ثانيًا: غاية مافي هذه الرواية - إن صحت - سماع معاوية - ﵁ - للشعر، فليس هناك معازف أو فرق موسيقية!!!!
ثالثًا: في هذه الرواية الضعيفة إنكار معاوية - ﵁ - على عبد الله بن جعفر الاستهتار بالغناء والطرب.
[ ٢٨٠ ]
الشبهة الثانية والثلاثون
هل أراد معاوية - ﵁ - أن ينقل
منبر رسول الله - ﵌ - من المدينة إلى الشام؟
ذكر الإمام الطبري - ﵀ - في كتابه التاريخ في حوادث سنة ٥٠ هـ، قال محمد بن عمر (١): «وفي هذه السنة أمر معاوية بمنبر رسول الله - ﵌ - أن يحمل إلى الشام، فحرك فكسفت الشمس حتى رُئِيَت النجوم بادية يومئذ، فأعظم الناس ذلك.
وجاء في رواية أخرى: «قال معاوية: «إني رأيت أن منبر رسول الله وعصاه لا يُتْركان بالمدينة، وهم قتلة أمير المؤمنين عثمان وأعداؤه»، فلما قدم طلب العصا وهي عند سعد القرظ، فجاء أبو هريرة وجابر بن عبد الله، فقالا: «يا أمير المؤمنين، نذكّرك الله ﷿ أن تفعل هذا، فإن هذا لا يصح، تُخرِجُ منبر رسول الله - ﵌ - من موضع وضعه، وتخرج عصاه من المدينة».
فترك ذلك معاوية، ولكن زاد في المنبر ستَّ درجات، واعتذر إلى الناس.
وفي رواية: «قال محمد بن عمر: حدثني يحيى بن سعيد بن دينار عن أبيه قال: قال معاوية: «إني رأيت أن منبر رسول الله - ﵌ - وعصاه لا يتركان بالمدينة، وهم قتلة أمير المؤمنين عثمان وأعداؤه».
وفي رواية: قال محمد بن عمر - بعد أن ساق سند الرواية ـ: «كان عبدالملك قد هَمَّ بالمنبر، فقال قبيصة بن ذؤيب: «أذَكّرك الله ﷿ أن تفعل هذا، أن تحوله، إن أمير المؤمنين معاوية حرَّكه فكسفت الشمس» (٢).
_________________
(١) الواقدي الكذاب.
(٢) البداية والنهاية (١١/ ٢١٤) تاريخ الطبري (٦/ ١٥٥).
[ ٢٨١ ]
تحدثت الروايات السابقة عن القضايا التالية:
* عزم معاوية - ﵁ - نقل منبر الرسول - ﵌ - وعصاه إلى الشام.
* ربط كسوف الشمس بتحريك منبر رسول الله - ﵌ -.
* اتهام معاوية - ﵁ - ببغض أهل المدينة (الأنصار).
الجواب:
أولًا: هذه الروايات مدارها على محمد بن عمر الواقدي وهو متروك الحديث.
ولا توجد رواية صحيحة تؤكد عزم معاوية - ﵁ - نقل منبر الرسول - ﵌ - وعصاه إلى الشام، ولا بغضه لأهل المدينة (الأنصار) (١).
ثانيًا: إن دين معاوية - ﵁ -، وعدالته، وصحبته لرسول الله - ﵌ - تمنعه مِن حَمْل منبر رسول الله - ﵌ - من المدينة إلى الشام وهو يعلم قوله - ﵌ -: «مَا بَيْنَ بَيْتِى وَمِنْبَرِى رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» (رواه البخاري ومسلم).
ثالثًا: إن ربط كسوف الشمس بتحريك المنبر لم يَرِدْ بإسناد صحيح، هذا فضلًا عن أن كسوف الشمس - على افتراض حدوثه - لم يكن نتيجة لتحريك المنبر، وقد حصل ما يشبه ذلك في عهد الرسول - ﵌ -، حيث أخرج البخاري عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: «كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ».
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا وَادْعُوا اللهَ».
رابعًا: في هذه القصة المكذوبة اتهام لمعاوية - ﵁ - ببغض أهل المدينة (الأنصار) لكونهم قتلة عثمان بن عفان - ﵁ -.
_________________
(١) وهناك رواية أخرى أوردها ابن الأثير في الكامل (٢/ ٤٨٢)، وهي ضعيفة الإسناد؛ انظر: مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري (ص٣٩٠).
[ ٢٨٢ ]
وإن تقريب معاوية للأنصار وتوليته إياهم في مناصب هامة وحساسة يَرُدّ هذه الفِرْيَة، ومن الشواهد على ذلك:
- توليته فضالة بن عبيد الأنصاري - ﵁ - قضاء دمشق، وتوليته إياه منصب أمير البحرية الإسلامية في مصر.
- تعيينه النعمان بن بشير الأنصاري - ﵁ - أميرًا على الكوفة.
- تعيينه مسلمة بن مخلد الأنصاري - ﵁ - أميرًا على مصر والمغرب معًا.
- تعيينه رويفع بن ثابت الأنصاري - ﵁ - أميرًا على طرابلس (١).
_________________
(١) انظر: الاستيعاب (٢/ ٥٠٤)، (٣/ ١٢٦٢)، الإصابة (٥/ ٣٧١)، مرويات خلافة معاوية (ص٣٩١، ٣٩٢).
[ ٢٨٣ ]
الشبهة الثالثة والثلاثون
قَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: «وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ - ﵌ - إِلَيَّ أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ» (رواه مسلم).
قالوا: «ولا ريب أن معاوية كان من مبغضي علي بن أبي طالب».
وقالوا: «وقد كان معاوية من أعداء علي الكبار».
والجواب:
أولًا: معنى الحديث:
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث والأحاديث التي قبله من صحيح مسلم وهي قوله - ﵌ -: «حُبُّ الْأَنْصَارِ آيَةُ الْإِيمَانِ وَبُغْضُهُمْ آيَةُ النِّفَاقِ»، و«أَنَّهُ قَالَ فِي الْأَنْصَارِ: «لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللهُ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللهُ»، و«لَا يُبْغِضُ الْأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»:
«الْآيَة هِيَ الْعَلَامَةُ، وَمَعْنَى هَذَه الأحَادِيث: أَنَّ مَنْ عَرَفَ مَرْتَبَة الْأَنْصَار وَمَا كَانَ مِنْهُمْ فِي نُصْرَة دِينِ الْإِسْلَامِ، وَالسَّعْيِ فِي إِظْهَارِهِ وَإِيوَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَقِيَامِهِمْ فِي مُهِمَّاتِ دِينِ الْإِسْلَامِ حَقّ الْقِيَام، وَحُبِّهِمْ النَّبِيَّ - ﵌ - وَحُبّه إِيَّاهُمْ، وَبَذْلهمْ أَمْوَالهمْ وَأَنْفُسهمْ بَيْن يَدَيْهِ، وَقِتَالهمْ وَمُعَادَاتهمْ سَائِر النَّاس إِيثَارًا لِلْإِسْلَامِ.
وَعَرَفَ مِنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب - ﵁ - قُرْبه مِنْ رَسُول اللَّه - ﵌ -، وَحُبّ النَّبِيّ - ﵌ - لَهُ، وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي نُصْرَة الْإِسْلَام وَسَوَابِقه فِيهِ، ثُمَّ أَحَبَّ الْأَنْصَارَ وَعَلِيًّا لِهَذَا، كَانَ ذَلِكَ مِنْ دَلَائِل صِحَّة إِيمَانِهِ وَصِدْقِهِ فِي إِسْلَامِهِ لِسُرُورِهِ بِظُهُورِ الْإِسْلَامِ وَالْقِيَام بِمَا يُرْضِي اللَّه ﷾، وَرَسُوله - ﵌ -، وَمَنْ أَبْغَضهمْ كَانَ بِضِدِّ ذَلِكَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى نِفَاقه وَفَسَاد سَرِيرَته.
وَأَمَّا قَوْله: (فَلَق الْحَبَّة) فَمَعْنَاهُ شَقَّهَا بِالنَّبَاتِ. وَقَوْله (وَبَرَأَ النَّسَمَة) أَيْ خَلَقَ النَّسَمَة وَهِيَ بِفَتْحِ النُّون وَالسِّين. وَهِيَ الْإِنْسَان، وَقِيلَ: النَّفْس». (اهـ باختصار).
[ ٢٨٤ ]
وقال القرطبي في شرحه لهذه الأحاديث في كتابه (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم): «وحُبُّ الأَْنْصَارِ - من حيث كانوا أنصارَ الدِّينِ ومُظهِريهِ، وباذلين أموالَهُمْ وأَنْفُسَهُمْ في إعزازِهِ وإعزازِ نبيِّه - ﵌ - وإعلاءِ كلمته - دلالةٌ قاطعةٌ على صِحَّةِ إيمانِ مَنْ كان كذلك، وصحَّةِ محبَّته للنبيِّ - ﵌ -، وبُغْضُهم لذلك دلالةٌ قاطعةٌ على النفاق.
وكذلك القولُ في حُبِّ عليٍّ وبغضه - ﵁ - وعنهم أجمعين: فمَنْ أحبَّه لسابقته في الإسلام، وقِدَمِهِ في الإيمان، وغَنَائِهِ فيه، وذبِّه عنه وعن النبيِّ - ﵌ -، ولمكانته منه - ﵌ - وقرابتِهِ ومصاهرته، وعلمِهِ وفضائله، كان ذلك منه دليلًا قاطعًا على صِحَّةِ إيمانه ويقينِهِ ومحبتِهِ للنبيِّ - ﵌ -، ومَنْ أبغضَهُ لشيء من ذلك، كان على العكس.
قال الشيخ - ﵀ -: «وهذا المعنَى جارٍ في أعيان الصحابة - ﵃ - كالخلفاء، والعَشَرة، والمهاجرين - بل وفي كُلِّ الصحابة؛ إذْ كُلُّ واحدٍ منهم له سابقةٌ وغَنَاءٌ في الدِّين، وأَثَرٌ حَسَنٌ فيه؛ فحبُّهم لذلك المعنى محضُ الإيمان، وبُغْضُهُمْ له محضُ النفاق.
وقد دَلَّ على صحَّة ما ذكرناه: قوله - ﵌ - فيما خرَّجه البَزَّار في أصحابه كلِّهم: «فَمَنْ أحبَّهم فبحبِّي أحبَّهم، ومَنْ أبغضَهُمْ فببغضي أبغَضَهُمْ» (١).
_________________
(١) قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «اللهَ اللهَ فِي أَصْحَابِي، اللهَ اللهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللهَ ﷿ وَمَنْ آذَى اللهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ» (رواه الإمام أحمد والترمذي، وصحح إسناده حمزة الزين في تحقيقه للمسند (٢٠٤٥٦)، ولم أجده في مسند البزار). (اللهَ اللهَ) أَيْ اِتَّقُوا اللهَ ثُمَّ اِتَّقُوا اللهَ (فِي أَصْحَابِي) أَيْ فِي حَقِّهِمْ. وَالْمَعْنَى لَا تُنْقِصُوا مِنْ حَقِّهِمْ وَلَا تَسُبُّوهُمْ، أَوْ التَّقْدِيرُ: أُذَكِّركُمْ اللهَ ثُمَّ أَنْشُدُكُمْ اللهَ فِي حَقِّ أَصْحَابِي وَتَعْظِيمِهِمْ وَتَوْقِيرِهِمْ كَمَا يَقُولُ الْأَبُ الْمُشْفِقُ اللهَ اللهَ فِي حَقِّ أَوْلَادِي. (لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا) أَيْ هَدَفًا تَرْمُوهُمْ بِقَبِيحِ الْكَلَامِ كَمَا يُرْمَى الْهَدَفُ بِالسَّهْمِ. (فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ) أَيْ بِسَبَبِ حُبِّهِ إِيَّايَ أحَبَّهُمْ، أَوْ بِسَبَبِ حُبِّي إِيَّاهُمْ أحَبَّهُمْ. (وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضُهُمْ) أَيْ إِنَّمَا أَبْغَضُهُمْ بِسَبَبِ بُغْضِهِ إِيَّايَ. (أَنْ يَأْخُذَهُ) أَيْ يُعَاقِبَهُ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ. (اهـ باختصار من تحفة الأحوذي).
[ ٢٨٥ ]
تنبيه: مَنْ أبغض بعضَ مَنْ ذَكَرْنا من الصحابة - ﵃ - من غير تلك الجهات التي ذكرناها، بل لأمرٍ طارئ، وحدَثٍ واقعٍ - من مخالفةِ غَرَضٍ، أو ضررٍ حصل، أو نحوِ ذلك - لم يكنْ كافرًا ولا منافِقًا بسبب ذلك؛ لأنهم - ﵃ - قد وقعتْ بينهم مخالفاتٌ كثيرةٌ عظيمة، وحروبٌ هائلة، ومع ذلك فلم يكفِّرْ بعضُهُمْ بعضًا، ولا حُكِمَ عليه بالنفاقِ لِمَا جرى بينهم من ذلك، وإنما كان حالُهُمْ في ذلك حالَ المجتهدين في الأحكام:
فإمَّا أن يكونَ كلُّهم مصيبًا فيما ظهَرَ له.
أو المصيبُ واحدٌ، والمخطئُ معذورْ، بل مخاطبٌ بالعملِ على ما يراه ويظنُّه مأجورْ. (اهـ كلام القرطبي باختصار).
وقال الإمام الذهبي في قَوْلِ عَلِيٌّ - ﵁ -: «وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ - ﵌ - إِلَيَّ أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ»:
«مَعْنَاهُ: أَنَّ حُبَّ عَلِيٍّ مِنَ الإِيْمَانِ، وَبُغْضَه مِنَ النِّفَاقِ، فَالإِيْمَانُ ذُو شُعَبٍ، وَكَذَلِكَ النِّفَاقُ يَتَشَعَّبُ، فَلاَ يَقُوْلُ عَاقل: إِنَّ مُجَرَّدَ حُبِّهِ يَصيرُ الرَّجُلُ بِهِ مُؤْمِنًا مُطلَقًا، وَلاَ بِمُجَرَّدِ بُغضه يصيرُ بِهِ الموحِّد مُنَافِقًا خَالصًا.
فَمَنْ أَحَبّه وَأَبغض أَبَا بَكْرٍ، كَانَ فِي مَنْزِلَة مَنْ أَبغضه، وَأَحَبَّ أَبَا بَكْرٍ، فَبُغضهُمَا ضَلاَلٌ وَنفَاق، وَحبُّهُمَا هُدَىً وَإِيْمَان» (١).
إن عليًّا - ﵁ - قد أحبه قوم لا خلاق لهم - وهم الشيعة، وأبغضه قوم من النواصب.
فالمراد بالحديث: «لا يحبك الحب الشرعي المعتد به عند الله تعالى، أما حب الشيعة المتضمن للبلايا والمصائب، فلا عبرة به، بل هو وبال على صاحبه كما أحبت النصارى المسيح - ﵇ -».
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥١٠).
[ ٢٨٦ ]
إن الشيعة قد رفعوا بعض المخلوقين - وهم الأئمة عندهم ومنهم علي بن أبي طالب - ﵁ - - إلى مرتبة جبار السماوات والأرض، يدعونهم من دون الله - ﷿ - ويعتقدون فيهم النفع والضر، ويعتقدون أنهم يعلمون الغيب.
قال القحطاني في نونيته:
واحفظْ لأهلِ البيتِ واجبَ حقِّهم واعرف عليًّا أيما عرفانِ
لا تنْتَقِصْه ولا تَزِدْ في قدرِهِ فعليهِ تَصْلَى النارَ طائفتانِ
إحداهما لا ترتَضِيهِ خليفةً وتَنُصُّهُ الأخرَى إلهًا ثَانِ
ثانيًا: من زعم أنه قد شق عن قلب معاوية - ﵁ - واطّلع على ما فيه وعلم أنه كان يبغض عليًّا - ﵁ - فليأتِنَا بما يثبت ذلك.
ثالثًا: إن معاوية ما ترك مبايعة عليًا - ﵄ - طمعًا في الخلافة أو الملك ولم يقاتله من أجل ذلك وإنما طلبًا لدم عثمان.
ومعاوية - ﵁ - كان متأولًا في قتاله لعلي - ﵁ -.
قال ابن كثير: «وقد ورد من غير وجه أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: «هل تنازع عليًا أم أنت مثله؟».
فقال: «والله إني لأعلم أنه خير مني وأفضل، وأحق بالأمر مني ».
ونقل ابن كثير أيضًا عن جرير بن عبد الحميد عن المغيرة قال: لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: «أتبكيه وقد قاتلته؟».
فقال: «ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم» (١).
ولما سئل القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء عما جرى بين علي معاوية - ﵄ -، وهل يجوز أن يضاف إلى معاوية بذلك ظلم أو فسق؟ قال: «لا يجوز أن يضاف إليه شيء من ذلك، بل يقال: إنه اجتهد، وله أجر على اجتهاده، ووجه اجتهاده أنه
_________________
(١) البداية والنهاية (٨/ ١٣٢، ١٣٣)، وانظر: تاريخ دمشق (٥٩/ ١٤٢).
[ ٢٨٧ ]
قال: استعملني الخليفتان من قبل، وولَّيَاني على الشام، عمر وعثمان - ﵄ -، وأنا على ما استعملاني عليه، حتى يجتمع الناس على إمام، فأسلِّم إليه ما في يدي، وأنا مطالب بدم عثمان، لأني ابن عمه ووليه، وأحق الناس به. والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ (الإسراء:٣٣)» (١).
قال ابن حزم: «لم ينكر معاويةُ قط فضلَ عليٍّ واستحقاقه بالخلافة لكن اجتهاده أدّاه إلى أنْ رأى تقديم أخذ القود من قتلة عثمان - ﵁ - على البيعة ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان» (٢).
قال الأشعري: «وكذلك ما جرى بين علي ومعاوية - ﵄ - كان على تأويل واجتهاد وكل الصحابة مأمونون غير متهمين في الدين، وقد أثنى الله ورسوله على جميعهم، وتعبَّدَنا بتوقيرهم وتعظيمهم وموالاتهم والتّبَرِّي من كل من ينقص أحدًا منهم رضي الله عن جميعهم» (٣).
رابعًا: إن الصحابة الذين حضروا القتال سواء مع علي أو معاوية - ﵃ - ما فهموا ما فهمه بعض أهل الأهواء من هذه النصوص التي ذكروها.
فلم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق أو الكفر أفلا يسعهم ما وسعهم!
روى ابن عساكر من طريق سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: ذكر عند عليّ يوم صِفِّين - أو يوم الجمل - فذكرنا الكفر، قال: «لا تقولوا ذلك، زعموا أنا بغَيْنَا عليهم، وزعمْنا أنهم بغَوْا علينا؛ فقاتلناهم على ذلك» (٤).
_________________
(١) تنزيه خال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان من الظلم والفسق في مطالبته بدم أمير المؤمنين عثمان (ص ٨٣).
(٢) الفصل (٣/ ٧٥).
(٣) الإبانة (٧٨).
(٤) تاريخ دمشق (١/ ٣٤٣)، وإسناده صحيح.
[ ٢٨٨ ]
وتذكر مصادر الشيعة الاثني عشرية أن معاوية ما قاتل عليًّا إلا في أمر عثمان - ﵃ -، وهذا هو ما يؤكده عليّ - ﵁ - فقد أورد الشيعي الشريف الرضي في كتابه (نهج البلاغة) خطبة نسب فيها لعليٍّ - ﵁ - قوله: «وبدءُ أمرِنا أنّا التقَينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله، ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء» (١).
فهذا عليّ - ﵁ - يؤكد أن الخلاف بينه وبين معاوية هو مقتل عثمان - ﵃ - جميعًا وليس من أجل الخلافة أو التحكم في رقاب المسلمين كما يدعي الشيعة، ويقرر أن معاوية وشيعته هم أهل إسلام وإيمان ولكن القضية اجتهادية كل يرى نفسه على الحق في مسألة عثمان.
ولقد ذكر الحميري الشيعي عن جعفر عن أبيه أن عليًّا - ﵇ - كان يقول لأهل حربه: «إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم ولم يقاتلونا على التكفير لنا، ولكنا رأينا أنّا على حق ورأوا أنهم على حق».
وروى رواية أخرى عن جعفر عن أبيه محمد الباقر: «إن عليًا - ﵇ - لم يكن ينسب أحدًا من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق ولكن يقول: «هم إخواننا بغوا علينا» (٢).
_________________
(١) نهج البلاغة (٣/ ٦٤٨).
(٢) قرب الإسناد للحميري الشيعي (ص٤٥ ط. إيران).
[ ٢٨٩ ]
الشبهة الرابعة والثلاثون
هل تعامل معاوية - ﵁ - بالربا؟!
عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: كُنْتُ بِالشَّامِ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ فَجَاءَ أَبُو الْأَشْعَثِ.
قَالَ: قَالُوا: «أَبُو الْأَشْعَثِ، أَبُو الْأَشْعَثِ»، فَجَلَسَ.
فَقُلْتُ لَهُ: «حَدِّثْ أَخَانَا حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ».
قَالَ: «نَعَمْ، غَزَوْنَا غَزَاةً وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَهَا فِي أُعْطِيَاتِ النَّاسِ؛ فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَبَلَغَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فَقَامَ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ؛ فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى».
فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: «أَلَا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - أَحَادِيثَ قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ.
فَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فَأَعَادَ الْقِصَّةَ ثُمَّ قَالَ: «لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ - أَوْ قَالَ وَإِنْ رَغِمَ - مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَصْحَبَهُ فِي جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْدَاءَ» (رواه مسلم).
الجواب:
أولًا: القول بجواز ربا الفضل وأنه لا يحرم إلا في نسيئة لم ينفرد به معاوية - ﵁ -، بل جاء عن جمع من الصحابة: عبدالله بن عباس، وابن عمر، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم - ﵃ -، فلماذا يُخَصُّ معاوية - ﵁ - دون بقية هؤلاء؟!
عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّرْفِ؛ فَقَالَ: أَيَدًا بِيَدٍ؟
قُلْتُ: نَعَمْ.
[ ٢٩٠ ]
قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِهِ.
فَأَخْبَرْتُ أَبَا سَعِيدٍ فَقُلْتُ: إِنِّي سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ: أَيَدًا بِيَدٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِهِ.
قَالَ: أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟ إِنَّا سَنَكْتُبُ إِلَيْهِ فَلَا يُفْتِيكُمُوهُ.
قَالَ: فَوَاللهِ لَقَدْ جَاءَ بَعْضُ فِتْيَانِ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - بِتَمْرٍ فَأَنْكَرَهُ فَقَالَ: «كَأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ تَمْرِ أَرْضِنَا».
قَالَ: «كَانَ فِي تَمْرِ أَرْضِنَا أَوْ فِي تَمْرِنَا الْعَامَ بَعْضُ الشَّيْءِ فَأَخَذْتُ هَذَا وَزِدْتُ بَعْضَ الزِّيَادَةِ».
فَقَالَ: «أَضْعَفْتَ، أَرْبَيْتَ لَا تَقْرَبَنَّ هَذَا، إِذَا رَابَكَ مِنْ تَمْرِكَ شَيْءٌ فَبِعْهُ ثُمَّ اشْتَرِ الَّذِي تُرِيدُ مِنْ التَّمْرِ». (رواه مسلم).
وعَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّرْفِ فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا، فَإِنِّي لَقَاعِدٌ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَسَأَلْتُهُ عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ: «مَا زَادَ فَهُوَ رِبًا»، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمَا فَقَالَ: «لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ -، جَاءَهُ صَاحِبُ نَخْلِهِ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ طَيِّبٍ - وَكَانَ تَمْرُ النَّبِيِّ - ﵌ - هَذَا اللَّوْنَ ـ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﵌ -: «أَنَّى لَكَ هَذَا؟».
قَالَ: «انْطَلَقْتُ بِصَاعَيْنِ فَاشْتَرَيْتُ بِهِ هَذَا الصَّاعَ فَإِنَّ سِعْرَ هَذَا فِي السُّوقِ كَذَا وَسِعْرَ هَذَا كَذَا».
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «وَيْلَكَ، أَرْبَيْتَ، إِذَا أَرَدْتَ ذَلِكَ فَبِعْ تَمْرَكَ بِسِلْعَةٍ ثُمَّ اشْتَرِ بِسِلْعَتِكَ أَيَّ تَمْرٍ شِئْتَ».
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «فَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ رِبًا أَمْ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ؟».
قَالَ: «فَأَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ بَعْدُ فَنَهَانِي وَلَمْ آتِ ابْنَ عَبَّاسٍ».
قَالَ: «فَحَدَّثَنِي أَبُو الصَّهْبَاءِ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهُ بِمَكَّةَ فَكَرِهَهُ» (رواه مسلم).
[ ٢٩١ ]
وعَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: «الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ مِثْلًا بِمِثْلٍ مَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى»، فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ غَيْرَ هَذَا، فَقَالَ: «لَقَدْ لَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: «أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي تَقُولُ أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللهِ ﷿؟».
فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - وَلَمْ أَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللهِ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ - قَالَ: «الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» (رواه مسلم).
قال الإمام النووي في شرحه لهذه الأحاديث من صحيح مسلم:
«مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا عَنْ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس أَنَّهُمَا كَانَا يَعْتَقِدَانِ أَنَّهُ لَا رِبَا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ، وَأَنَّهُ يَجُوز بَيْع دِرْهَم بِدِرْهَمَيْنِ، وَدِينَار بِدِينَارَيْنِ، وَصَاع تَمْر بِصَاعَيْنِ مِنْ التَّمْر، وَكَذَا الْحِنْطَة وَسَائِر الرِّبَوِيَّات، كَانَا يَرَيَانِ جَوَاز بَيْع الْجِنْس بَعْضه بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا، وَأَنَّ الرِّبَا لَا يَحْرُم فِي شَيْء مِنْ الْأَشْيَاء إِلَّا إِذَا كَانَ نَسِيئَة.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْله: «إِنَّهُ سَأَلَهُمَا عَنْ الصَّرْف فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا»، يَعْنِي الصَّرْف مُتَفَاضِلًا كَدِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ، وَكَانَ مُعْتَمَدهمَا حَدِيث أُسَامَة بْن زَيْد: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَة» ثُمَّ رَجَعَ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس عَنْ ذَلِكَ وَقَالَا بِتَحْرِيمِ بَيْع الْجِنْس بَعْضه بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا حِين بَلَغَهُمَا حَدِيث أَبِي سَعِيد كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِم مِنْ رُجُوعهمَا صَرِيحًا.
وَهَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم تَدُلّ عَلَى أَنَّ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُمَا حَدِيث النَّهْي عَنْ التَّفَاضُل فِي غَيْر النَّسِيئَة، فَلَمَّا بَلَغَهُمَا رَجَعَا إِلَيْهِ.
وَأَمَّا حَدِيث أُسَامَة: «لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَة» فَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ بِأَنَّهُ مَنْسُوخ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَرْك الْعَمَل بِظَاهِرِهِ، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى نَسْخه.
وَتَأَوَّلَهُ آخَرُونَ تَأْوِيلَات:
أَحَدهَا: أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى غَيْر الرِّبَوِيَّات، وَهُوَ كَبَيْعِ الدَّيْن بِالدَّيْنِ مُؤَجَّلًا بِأَنْ يَكُون لَهُ عِنْده ثَوْب مَوْصُوف، فَيَبِيعهُ بِعَبْدٍ مَوْصُوف مُؤَجَّلًا، فَإِنْ بَاعَهُ بِهِ حَالًّا جَازَ.
[ ٢٩٢ ]
الثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى الْأَجْنَاس الْمُخْتَلِفَة، فَإِنَّهُ لَا رِبَا فِيهَا مِنْ حَيْثُ التَّفَاضُل، بَلْ يَجُوز تَفَاضُلهَا يَدًا بِيَدٍ.
الثَّالِث: أَنَّهُ مُجْمَل، وَحَدِيث عُبَادَة بْن الصَّامِت وَأَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ وَغَيْرهمَا مُبَيِّن، فَوَجَبَ الْعَمَل بِالْمُبَيِّنِ، وَتَنْزِيل الْمُجْمَل عَلَيْهِ. هَذَا جَوَاب الشَّافِعِيّ ﵀».انتهى كلام الإمام النووي - ﵀ -.
وقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) في شرح حديث أُسَامَةُ بنِ زيد أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ - قَالَ: «لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ»:
«وَالصَّرْفُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ: دَفْعُ ذَهَبٍ وَأَخْذُ فِضَّةٍ وَعَكْسُهُ، وَلَهُ شَرْطَانِ:
مَنْع النَّسِيئَة مَعَ اِتِّفَاقِ النَّوْعِ وَاخْتِلَافِهِ وَهُوَ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ.
وَمَنْع التَّفَاضُل فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ مِنْهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَخَالَفَ فِيهِ اِبْن عُمَر ثُمَّ رَجَعَ، وَابْن عَبَّاس وَاخْتَلَفَ فِي رُجُوعِهِ.
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيق حَيَّانَ الْعَدَوِيّ: «سَأَلْت أَبَا مِجْلَز عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ: كَانَ اِبْن عَبَّاس لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا زَمَانًا مِنْ عُمْرِهِ مَا كَانَ مِنْهُ عَيْنًا بِعَيْن يَدًا بِيَد، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ فَلَقِيَهُ أَبُو سَعِيد - فَذَكَرَ الْقِصَّة وَالْحَدِيث، وَفِيهِ: «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ يَدًا بِيَدٍ مِثْلًا بِمِثْل، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ رِبًا»، فَقَالَ اِبْن عَبَّاس: «أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ»، فَكَانَ يَنْهَى عَنْهُ أَشَدَّ النَّهْيِ».
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى صِحَّةِ حَدِيثِ أُسَامَةَ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْن حَدِيث أَبِي سَعِيد فَقِيلَ: مَنْسُوخ، لَكِنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ.
وَقِيلَ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: «لَا رِبًا» الرِّبَا الْأَغْلَظ الشَّدِيد التَّحْرِيم الْمُتَوَعَّد عَلَيْهِ بِالْعِقَابِ الشَّدِيدِ كَمَا تَقُولُ الْعَرَب: «لَا عَالِمَ فِي الْبَلَدِ إِلَّا زَيْدٌ» مَعَ أَنَّ فِيهَا عُلَمَاءَ غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ نَفْيُ الْأَكْمَل لَا نَفْيُ الْأَصْلِ، وَأَيْضًا فَنَفْيُ تَحْرِيم رِبَا الْفَضْل مِنْ حَدِيثِ
[ ٢٩٣ ]
أُسَامَةَ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَفْهُومِ، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي سَعِيد لِأَنَّ دَلَالَتَهُ بِالْمَنْطُوقِ، وَيُحْمَلُ حَدِيث أُسَامَةَ عَلَى الرِّبَا الْأَكْبَرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاللهُ أَعْلَمُ».
وَقَالَ الطَّبَرِيّ: «مَعْنَى حَدِيث أُسَامَة: «لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ» إِذَا اِخْتَلَفَتْ أَنْوَاع الْبَيْعِ وَالْفَضْل فِيهِ يَدًا بِيَد رِبًا جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْن حَدِيث أَبِي سَعِيد». (انتهى كلام الحافظ ابن حجر).
ثانيًا: معاوية وغيره من الصحابة - ﵃ - ممن قالوا بجواز ربا الفضل، قالوا ذلك متأولين أن الربا لا يحرم إلا في النسيئة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ وَغَيْرَهُمَا رَخَّصُوا فِي الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَكَانُوا مُتَأَوِّلِينَ أَنَّ الرِّبَا لَا يَحْرُمُ إلَّا فِي النَّسَاءِ؛ لَا فِي الْيَدِ بِالْيَدِ
وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَتَّبِعَ زَلَّاتِ الْعُلَمَاءِ كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ إلَّا بِمَا هُمْ لَهُ أَهْلٌ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى عَفَا لِلْمُؤْمِنِينَ عَمَّا أَخْطَئُوا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (البقرة:٢٨٦)، قَالَ اللهُ: «قَدْ فَعَلْت» (١)، وَأَمَرَنَا أَنْ نَتَّبِعَ مَا أُنْزِلَ إلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا وَلَا نَتَّبِعَ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ وَأَمَرَنَا أَنْ لَا نُطِيعَ مَخْلُوقًا فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ وَنَسْتَغْفِرَ لِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ؛ فَنَقُولَ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الْآيَةَ (الحشر:١٠).
وَهَذَا أَمْرٌ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَا كَانَ يُشْبِهُ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ.
وَنُعَظِّمُ أَمْرَهُ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ للهِ وَرَسُولِهِ؛ وَنَرْعَى حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ؛ لَا سِيَّمَا أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْهُمْ كَمَا أَمَرَ اللهُ وَرَسُولُهُ.
_________________
(١) رواه مسلم.
[ ٢٩٤ ]
وَمَنْ عَدَلَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ فَقَدْ عَدَلَ عَنْ اتِّبَاعِ الْحُجَّةِ إلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى فِي التَّقْلِيدِ وَآذَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا: فَهُوَ مِنْ الظَّالِمِينَ. وَمَنْ عَظَّمَ حُرُمَاتِ اللهِ وَأَحْسَنَ إلَى عِبَادِ اللهِ كَانَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ الْمُتَّقِينَ» (١).
ثالثًا: قد يُحْمَلُ قولُ مَن قال مِن الصحابة - ﵃ - بجواز ربا الفضل، على أن ذلك لم يبلغه عن رسول الله - ﵌ -.
ومن ذلك قول معاوية - ﵁ - لما بلغه عن عبادة النهي عن ربا الفضل: «أَلَا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - أَحَادِيثَ قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ» (رواه مسلم).
قال النووي في شرحه على صحيح مسلم: «وَهَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم تَدُلّ عَلَى أَنَّ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُمَا حَدِيث النَّهْي عَنْ التَّفَاضُل فِي غَيْر النَّسِيئَة، فَلَمَّا بَلَغَهُمَا رَجَعَا إِلَيْهِ.» ا. هـ.
وكذلك معاوية - ﵁ -.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣٢/ ٢٣٨).
[ ٢٩٥ ]
الشبهة الخامسة والثلاثون
هل قتل معاوية - ﵁ -
خمسة وعشرين بدريًا يوم صِفِّين؟!
الجواب:
إن صِفِّين لم يحضرها من الصحابة - ﵃ - إلا عددٌ قليلٌ بل قيل لم يحضرها إلا خزيمة بن ثابت - ﵁ -؛ فعن أمية بن خالد قال: «قلت لشعبة: «إن أبا شيبة حدثنا عن الحكم عن عبدالرحمن بن أبي ليلى أنه قال: «شهد صِفِّين من أهل بدر سبعون رجلًا».
قال: «كذب والله؛ لقد ذاكرتُ الحكم ذاك، وذكرناه في بيته فما وجدنا شهد صِفِّين أحدٌ من أهل بدر غير خزيمة بن ثابت (١).
وعن روح قال: حدثنا شعبة قال: «ذاكرتُ الحكم مَن شهد صِفِّين من أهل بدر فأثبت فيهم خزيمة بن ثابت، وكان شعبة ينكر أن يكون أبو الهيثم بن التيهان شهد صِفِّين» (٢).
قال الإمام الذهبي: «قَالَ أُمَيَّةُ بنُ خَالِدٍ: قُلْتُ لِشُعْبَةَ: «إِنَّ أَبَا شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَنِ الحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي لَيْلَى: أَنَّ صِفِّينَ شَهِدَهَا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ سَبْعُوْنَ رَجُلًا».
قَالَ: «كَذَبَ أَبُو شَيْبَةَ، لقَدْ ذَاكَرتُ الحَكَمَ، فَمَا وَجَدْنَا أَحَدًا شَهِدَ صِفِّينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، غَيْرَ خُزَيْمَةَ بنِ ثَابِتٍ».
«قُلْتُ - أي الذهبي ـ: «قَدْ شَهِدَهَا عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ، وَالإِمَامُ عَلِيٌّ أَيْضًا» (٣).
وقال الحافظ ابن كثير: «وقد قيل أنه شهدها من أهل بدر سهل بن حنيف وكذا
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في العلل ومعرفة الرجال (١/ ٢٨٧)، وابن عدي في الكامل (٢٣٩)، والخلال في السنة (٢/ ٤٦٥)، رقم (٧٢٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ١١٣)، وسنده جيد.
(٢) رواه الإمام أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (١/ ٤٣١).
(٣) سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٢١).
[ ٢٩٦ ]
أبو أيوب الأنصاري» (١).
وعن إسماعيل بن علية قال: حدثنا أيوب عن محمد بن سيرين قال: «هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله عشرة آلاف فما حضر فيها مائة بل لم يبلغوا ثلاثين» (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«وهذا الإسناد من أصح إسناد على وجه الأرض» (٣).
وروى معمر بن راشد في (جامعه) عن أيوب عن ابن سيرين قال: «ثارت الفتنة، وأصحاب رسول الله - ﵌ - عشرة آلاف، لم يخِفّ (٤) منهم أربعون رجلًا».
قال معمر: «وقال غيره: «خَفَّ معه - يعني عليًّا - ﵁ - - مئتان وبضعة وأربعون من أهل بدر، منهم أبو أيوب، وسهل بن حنيف، وعمار بن ياسر» (٥).
ورواه الحاكم (٦) من طريق معمر بن راشد إلا أنه جعل آخره من كلام ابن سيرين فوهم ولم يُصِبْ!.
_________________
(١) البداية والنهاية (١١/ ٤٩١).
(٢) رواه الإمام أحمد في «العلل» (٣/ ١٨٢) (٤٧٨٧)، والخلال في «السنة» (٢/ ٤٤٦) رقم (٧٢٨)، وابن شبة في «أخبار المدينة» (٢٢٨٦).
(٣) منهاج السنة (٦/ ٢٣٦).
(٤) خَفَّ القوم عن منزلهم خُفُوفًا: ارْتحَلُوا مسرعين، وقيل: ارتحلُوا عنه فلم يَخُصُّوا السرعة، والخُفُوفُ سُرعةُ السير من المنزل، يقال: حان الخُفُوفُ. (انظر: لسان العرب، مادة خفف).
(٥) رواه معمر بن راشد في جامعه (٢٠٧٣٥).
(٦) المستدرك (٥/ ٦٢٧) (٨٤٠٧).
[ ٢٩٧ ]
فقول من قال: «خَفَّ مع علي - ﵁ - مئتان وبضعة وأربعون من أهل بدر» مردود من وجوه:
١ - أنه لا يُدرى من قال هذا، وعَزْوُ الحاكم في (مستدركه) هذا إلى ابن سيرين لم يُصِبْ فيه فقد رواه هو بنفسه من طريق معمر (١).
والذي في (جامع معمر): «وقال غيره: ». أي غير ابن سيرين.
٢ - أن هذا يخالف ما ذُكِر من الآثار الصحيحة في أن صِفِّين لم يشهدها إلا عددٌ قليلٌ من الصحابة لاسيما أهل بدر.
فصفين لم يدركها إلا قلة من أهل بدر فعن سعيد بن عامر قال: حدثنا هشام عن محمد قال: «وقعت الفتنة وبالمدينة عشرة آلاف، أو قال: أكثر من عشرة آلاف من أصحاب رسول الله فما دخل الفتنة منهم كلهم إلا ثلاثون» (٢).
بل حتى وقعة الجمل لم يحضرها إلا عددٌ قليلٌ من الصحابة - ﵃ -؛ قال ابن كثير: «ولم يكن في الفريقين من الصحابة إلا القليل» (٣).
وقال: «يقال: لم يكن في الفريقين مائة من الصحابة، وعن أحمد: «ولا ثلاثون» (٤).
وروى الحاكم ومعمر بن راشد عن سعيد ابن المسيب قال: «ثارت الفتنة الأولى فلم يبق ممن شهد بدرًا أحدٌ، ثم كانت الفتنة الثانية فلم يبق ممن شهد الحديبية أحد»، قال: «وأظن لو كانت الثالثة لم ترفع وفي الناس طَبَاخ» (٥).
ورواه البخاري في صحيحه عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: «وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الأُولَى - يَعْنِى مَقْتَلَ عُثْمَانَ - فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الثَّانِيَةُ - يَعْنِى
_________________
(١) فقال: أخبرني محمد بن علي الصنعاني، بمكة حرسها الله تعالى، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أنبأ معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين
(٢) رواه ابن شبة في أخبار المدينة (٢٢٨٥).
(٣) البداية والنهاية (١١/ ٤٧٤).
(٤) اختصار علوم الحديث (٢/ ٥٠٠).
(٥) رواه الحاكم في المستدرك (٨٥٠٥) ومعمر بن راشد في جامعه (٢٠٧٣٩) وسنده صحيح.
[ ٢٩٨ ]
الْحَرَّةَ - فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ الْحُدَيْبِيَةِ أَحَدًا، ثُمَّ وَقَعَتِ الثَّالِثَةُ فَلَمْ تَرْتَفِعْ وَلِلنَّاسِ طَبَاخٌ».
قال ابن حجر في (فتح الباري):
«قَوْله: (وَقَعَتْ الْفِتْنَة الْأُولَى) يَعْنِي مَقْتَل عُثْمَان.
(فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَاب بَدْرٍ أَحَدًا)، أَيْ أَنَّهُمْ مَاتُوا مُنْذُ قَامَتْ الْفِتْنَة بِمَقْتَلِ عُثْمَان إِلَى أَنْ قَامَتْ الْفِتْنَة الْأُخْرَى بِوَقْعَةِ الْحَرَّة، وَكَانَ آخِر مَنْ مَاتَ مِنْ الْبَدْرِيِّينَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ، وَمَاتَ قَبْل وَقْعَة الْحَرَّة بِبِضْعِ سِنِينَ.
قَوْله: (ثُمَّ وَقَعَتْ الْفِتْنَة الثَّانِيَة يَعْنِي الْحَرَّة إِلَخْ) كَانَتْ الْحَرَّة فِي آخِر زَمَن يَزِيد بْن مُعَاوِيَة (١).
(ثُمَّ وَقَعَتْ الثَّالِثَة) قَالَ اِبْن عَبْد الْحَكَم: هُوَ يَوْم خُرُوج أَبِي حَمْزَة الْخَارِجِيّ، قُلْت: كَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَة مَرْوَان بْن مُحَمَّد بْن مَرْوَان بْن الْحَكَم سَنَة ثَلَاثِينَ وَمِائَة.
وَقَوْله (طَبَاخٌ): أَيْ قُوَّة. (اهـ باختصار).
تم بحمد الله
_________________
(١) لَمَّا خَلَعَ أَهْل الْمَدِينَة بَيْعَةَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَبَايَعُوا عَبْد اللَّه بْن حَنْظَلَة بْن أَبِي عَامِر الْأَنْصَارِيّ. وعَنْ نَافِعٍ قَالَ: «جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَرَّةِ مَا كَانَ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: «اطْرَحُوا لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً»، فَقَالَ: «إِنِّي لَمْ آتِكَ لِأَجْلِسَ، أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُهُ - سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» (رواه مسلم).
[ ٢٩٩ ]