المبحث الأول: أسماء الله غير مخلوقة أو ما يعرف بمسألة الاسم والمسمى
المطلب الأول: الجانب اللغوي للمسألة
مدخل في التعريف بهذا المبحث
المسألة التي سأتناولها بالبحث هاهنا هي مسألة لا تقل في أهميتها عما يُعرفُ بمسألة (اللفظ بالقرآن هل هو مخلوقٌ أم غير مخلوق)، بل هي شقيقتها؛ لأن مخرج القول في المسألتين وكذا الناتج منهما واحد، ولذلك فلا غرابة إن كان بينهما أوجه شبهٍ عديدة يعرفها أهل هذا العلم الذين لهم إطلاع ومعرفة بمسائله وقضاياه.
وكلتا المسألتين شغلت حيِّزا في بابها، فمسألة اللفظ بالقرآن شغلت حيِّزا في (باب إثبات صفة الكلام، وهل القرآن مخلوق أم غير مخلوق) . ومسألة الاسم والمسمى أخذت مكانا في (باب أسماء الله، وهل هي مخلوقة أم غير مخلوقة)، وكان لكل من المسألتين انعكاساتها على البابين سلبًا وإيجابًا بحسب المعتقد والقول فيهما.
ولا شك أن أمثال هذه المسائل لم يتعرض لها علماء أهل السنة ابتداء، وإنما اضطروا للخوض فيها اضطرارًا، وذلك، لما أظهره أهل الباطل من آراء فاسدة أوجبت الرد عليها من قبل أهل السنة من باب إحقاق الحق وإظهاره، ودحض الباطل، وكشف زيفه، وفضح افترائه، ومن أجل ذلك شغلت هذه المسألة حيِّزا في كتب أهل السنة، واستوجبت عناية أهل العلم بها، فأفردوا لها مبحثًا مستقلًا، وأدرجوها في دراساتهم وأولوها عنايتهم واهتمامهم.
ومن الطريق ذاته والباب نفسه اكتسبت هذه المسألة أهميتها في ضرورة إطلاع طلاب العلم عليها ومعرفتهم لمضمونها ومحتواها، حتى يسلم لهم
[ ٢٦٥ ]
اعتقادهم على وجه الصحيح، وليدركوا مرامي أهل الباطل، ويتعرفوا على نواياهم وأهدافهم من وراء خوضهم، وطرحهم لهذه المسألة.
ولعل أخصر طريق للتعرف على مضمون هذه المسألة هو عرض الأقوال الرئيسية بشكل مبسط وبصورة عامة تُعِّرفُ القارئ بمحتوى المسألة قبل بسطها وشرحها في صورتها التي عليها، والتي لا تخلو من التعقيد والإلغاز في بعض جوانبها.
وإليك عرضا لمجمل الآراء الرئيسية في هذه المسألة، وهي:
أولا: قول أهل السنة والجماعة:
معتقد أهل السنة والجماعة في هذه المسألة. أنهم يؤمنون بأن الله الذي سمَّى نفسه بأسمائه الحسنى وتكلم بها حقيقة، وهي غير مخلوقة وليست من وضع البشر.
ويستدلون لقولهم بما يلي:
١- حديث: "ما أصاب عبدًا قط همٌّ ولا غمٌّ ولا خرنٌ فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في
علمك الغيب عندك " الحديث١.
والشاهد من الحديث قوله: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفشك ".
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في المسند ١/ ٣٩١، ٤٥٢، وابن حبان، انظر: موارد الظمآن ح ٢٤٧٢، والحاكم في المستدرك ١/ ٥٥٩، والطبراني في الكبير ح ٠٣٥٢ ١.
[ ٢٦٦ ]
فقد دلّ الحديث على أن أسماء الله غير مخلوقة؛ بل هو الذي تكلم بها وسمى بها نفسه، ولهذا لم يَقُل: بكل اسم حلقته لنفسك، ولا قال: سمّاك به خلقك؛ فالحديث صريح في أن أسماءه ليست من فعل الآدميين وتسمياتهم، وأن الله سبحانه تكلَّم بتلك الأسماء وسمّى بها نفسه١
٢- أن أسماء الله من كلامه، وكلامه تعالى غير مخلوق، فأسماؤه غير مخلوقة، فهو المسمّى لنفسه بتلك الأسماء٢
٣- أن الله ﷿ يسأل بهذه الأسماء، لو كانت مخلوقة لم يجز أن يسأل بها. فإن الله لا يُقْسَمُ عليه بشيء من خلقه٣، فالسائلَ لله بغير الله:
أ- إما أن يكون مقسما عليه.
ب- وإما أن يكون طالبا بذلك السبب، كما، توسل الثلاثة في الغار بأعمالهم.
فإن كان إقساما على الله بغيره فهذا لا يجوز، وإن كان سؤالا بسبب يقتضي المطلوب، كالسؤال بالأعمال التي فيها طاعة الله ورسوله مثل السُؤال بالإيمان بالرسول ومحبته وموالاته ونحو ذلك فهذا جائز٤
٤- أن اليمين بهذه الأسماء منعقدة، فمن حلف باسم من أسماء الله فهو حالف بالله، ولو كانت الأسماء مخلوقة لما جاز الحلف بها؛ لأن الحلف بغير الله شرك بالله، والله لا يُقسَمُ عليه بشيء من خلقه٥.
قال الإمام الشافعيُّ: "من حلف باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفَّارةُ؛
_________________
(١) ١ شفاء العليل ص٢٧٧ (بتصرف) . ٢ مجموع الفتاوى ٦/١٨٦. ٣ شفاء العليل ص٢٧٧. ٤ قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص ٢٧٤. ٥ المصدر السابق ص ٢٧٧
[ ٢٦٧ ]
لأن اسم الله غير مخلوق، ومن حلف بالكعبة أو بالصّفا أو المروة فليس عليه كفَّارة لأنه مخلوق وذلك غير مخلوق"١ يعني أسماء الله.
٥- أن أسماء الله مشتقةٌ من صفاته، وصفاته قديمةٌ به، فأسماؤها غير مخلوقة٢.
وروي عن ابن عباس أنه لما شئل، عن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٣، ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٤ قال: "هو سمَّى نفسه بذلك، وهو لم يزل كذلك".
فأثبت قدم معاني أسمائه الحسنى، وأنه هو الذي سمَّى نفسه بها٥.
والربُّ تعالى يُشتَقُّ له من أوصافه وأفعاله أسماءٌ، ولا يُشتَقُّ له من مخلوقاته، وكل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته، أو فعل قائم به، فلو كان يُشتق له اسمٌ باعتبار المخلوق المنفصل لسُمِّي متكوِّنًا أو متحرِّكا، وساكنا، وطويلا، وأبيض وغير ذلك؛ لأنه خالق هذه الصفات، فلما لم يُطلق عليه اسم من ذلك مع أنه خالقه عُلم أنما يشتق أسماءه من أفعاله وأوصافه القائمة به، وهو سبحانه لا يتصف بما هو مخلوقٌ منفصلٌ عنه، ولا يتسمَّى باسمه٦
والذين خالفوا أهل السنة في هذه المسألة فريقان:
_________________
(١) ١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/ ٢١١ ٢ شفاء العليل ص ٢٧٧. ٣ الآية ١٥٨ من سورة النساء ٤ الآية ٩٦ من سورة النساء ٥ مجموع الفتاوى ٦/ ٢٠٥. ٦ شفاء العليل ص ا ٢٧.
[ ٢٦٨ ]
الفريق الأول: الجهميّة والمعتزلة:
ومعتقدهم في المسألة على النقيض من، معتقد أهل السنة، فهم يقولون:
إن أسماء الله مخلوقة، وإن الله ليس هو الذي سمى نفسه بهذه الأسماء، وكذلك لم يتكلم بها حقيقة، وإنما خلقها في غيره، أو سماه بها بعض خلقه١
الفريق الثاني: الكلابية والأشاعرة والماتريديَّة:
وهؤلاء أظهروا موافقة أهل السنة في اللفظ، لكنهم أبطنوا موافقة الجهمية والمعتزلة في المعنى.
فهم قالوا بقوله أهل السنة: "إن أسماء الله غير مخلوقة".
ولكن لم يكن مقصودهم هو مقصود أهل السنة؛ لأن مرادهم بهذه العبارة أن الله بذاته غير مخلوق، وهذا مما لا تنازع فيه مع الجهمية والمعتزلة.
وأطلقوا القول بأن التسميات مخلوقة، والتسميات عندهم هي الأسماء ك"العليم- العزيز- الرحيم"، وبذلك وافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى٢.
ولبسط القول في هذه المسألة وتوضيح الأقوال السابقة الذِّكر، عقدت هذا المبحث، نصرةً للقول الحق، قول أهل السنة والجماعة، وبيانًا لفساد أقوال المبتدعة وكشف زيفهم ودحض باطلهم.
وهناك أمر أود التنبيه عليه قبل الشروع في هذا المبحث، هو أنه نظرا لكون هذه المسألة قد اشتهرت في كتب أهل العلم بما يُعرفُ بمسألة "الاسم والمسمّى" ولكونهم قد سلكوا في عرضها منهجا يناسب هذه التسمية، فقد
_________________
(١) ١ مجموع الفتا وى ٦/ ١٨٦. ٢ مجموع الفتا وى ٦/ ١٩٢.
[ ٢٦٩ ]
آثرت أن أعرضها في صورتها التي ذكرت بها مع شيء من التوضيح والتنسيق بغية تبسيطها وشرح مضامينها.
وقد جعلت هذا المبحث في مطلبين:
المطلب الأول: في توضيح المسألة من جانبها اللُّغوي.
المطلب الثاني: في تفصيل الأقوال في المسألة من حيث مضمونها العقدي ومعزى كل قول ومراد قائله به.
[ ٢٧٠ ]
المطلب الأول: الجانب اللغوي للمسألة
قبل الدخول في تفاصيل هذه المسألة يُحسن إعطاء بعض التصورات اللغوية عن الاسم والمسمّى والتَّسمية، فلابد عند الحكم على الشيء من أن يكون مسبوقا بتصور ماهية المحكوم عليه والمحكوم به، فإن كل تصديق بشيء لابد أن يكون مسبوقا بتصور١، ويمكن تلخيص تلك التصورات بالنقاط التالية:
أ- أصل اشتقاق الاسم:
اختلف في أصل اشتقاق "الاسم" على قولين:
القول الأول: أنه مشتق من "السُّمُوِّ" وهو العلوُّ والارتفاع، وقال به النُّحاةُ البصريُّون.
القول الثاني: أنه مشتق من "السمة"، وهي العلامة، وقال به النُّحاة الكوفيُّون.
والصواب من القولين هو القول الأول٢
أولًا: لأن اشتقاقه من "السُّمُوِّ" هو "الاشتقاق الخاصُّ"٣.
_________________
(١) ١ التصوُّر: إدراك المفردات كإدراك لفظ "محمد" وكذلك إدراك لفظ "رسول".وأما التصديق: فهو إدراك نسبة الرسالة لمحمد وتصديقك لهذه النسبة. ٢ كتاب العين ٧/ ٣١٨، تهذيب اللغة ١٣/ ١١٧. ٣ ١لاشتقاق الأصغر الخاص هو الاشتراك في الحروف وترتيبها وهو المشهور، كقولك: عَلِمَ يَعْلَمُ فهوعالم. والاشتقاق الأوسط أن يشتركا في الحروف لا في ترتيبها، كقول الكوفيين: الاسم مشتق من السِّمةِ. والاشتقاق الأكبر إذا اشتركا في أكثر الحروف وتفاوتا في بعضها، وقيل: أحدهما مشتق من الآخر. (انظر: منهاج السُّنة ٥/ ١٩٢) .
[ ٢٧١ ]
الذي يتفق فيه اللفظان في الحروف وترتيبها، فإنهم:
يقولون في تصريفه: "سمِّيت"، ولا يقولون: "وَسَمْتُ".
ويقولون في جمعه: "أسماء"، ولا يقولون: "أوسام".
ويقولون في تصغيره: "سُمَيٌّ"، ولا يقولون: "وُسيم".
ويقالُ لصاحبه: "مسمَّى"، ولا يقالُ: "موسومٌ".
وأما "السِّمة" فهي تتفق مع الاسم في "الاشتقاق الأوسط " وهو ما يتفق فيه حروف اللفظين دون ترتيبهما، فإنه في كليهما (السِّين والميم والواو) لكن اشتقاقه من "السُّمُوِّ" هو الاشتقاق الخاصُّ، كما أسلفنا.
ثانيا: ثُمَّ إن "السُّمُوَّ" هو بمعنى العلوِّ والارتفاع والرِّفعة.
و"السَّمة" بمعنى العلامة.
وإذا كان الاسم مقصوده إظهار المسمَّى وبيانه فإن المعنى الثاني وإن كان صحيحا، لكن المعنى الأول أخص وأتم، فإن العلو مقارن للظُّهور، فالاسم يظهر به المسمَّى ويعلو؛ فيقالُ للمسمِّي: سمِّهِ: أي أظهره وأعلِه، أي أعلِ ذكره بالاسم الذي يُذكرُ به، وبعض النحاة يقول: سمي اسمًا لأنه علا على المسمَّى؛ أو لأنه علا على قسيميه الفعل والحرف؛ وليس المراد به هذا، بل لأنه يُعلي المسمى فيظهر؛ ولهذا يقالُ: سمَّيته أي أعليته وأظهرته، فتجعل المعلى المظهر هو المسمى، وهذا إنما بحصل بالاسم. وما ليس له اسم فإنه لا يُذكر ولا يظهر ولا يعلو ذكره؛ بل هو كالشيء الخفي الذي لا يُعرفُ؛ ولهذا يقال:
[ ٢٧٢ ]
الاسم دليل على المسمَّى، وعلمٌ على المسمَّى، ونحو ذلك.
ولهذا كان أهل الإسلام الذين يذكرون أسماء الله، يعرفونه ويعبدونه ويحبونه ويذكرونه، ويظهرون ذكره. بخلاف الملاحدة الذين ينكرون أسماءه وتُعرِضُ قلوبهم عن معرفته وعبادته ومحبته وذكره١.
ب- تعريف الاسم في اللغة:
عُرّف الاسم بعدَّة تعريفات، نذكر منها:
ا- الاسم: هو اللفظ الدَّلُّ على المسمَّى٢
٢- الاسم: هو القول الدال على المسمَّى٣.
٣- الاسم: حروف منظومة دالة على معنى، مفرد٤
٤- الاسم: قول يدل على مذكور يضاف إليه٥
ج- الفرق بين "الاسم" و"المسمَّى" و"التَّسمية":
يجب التفريق بين هذه الألفاظ الثلاثة؛ لأن منشأ الغلط في هذه المسألة من إطلاق هذه الألفاظ لغير معانيها التي لها، فلا يفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني، وتنزيل ألفاظها عليها٦
ف "الاسم" هو: اللفظ الدال على المسمَّى.
وأما "المسمى" فهو: الشيء الموجود في الأعيان أو الأذهان.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٦/ ٢٠٧-٣٠٩ (باختصار) . ٢ بدائع الفوائد ١/ ١٦. ٣ مجموع الفتاوى ٦/ ١٩٢. ٤ المصدر السابق ٦/ ١٨٩. ٥ المصدر السابق ٦/ ١٨٩. ٦ بدائع الفوائد ١/ ١٦-١٧.
[ ٢٧٣ ]
وأما "التسمية" فهي: فعل المُسمِّى ووضعه الاسم للمُسمَّى.
كما أن التحلية عبارة عن فعل " المُحلى" ووضعه الحلية للتَّحلية.
ولهذا تقول: سمَّيت هذا الشخص بهذا الاسم، كما تقول: حليته بهذه، التَّحلية، والحلية غير المحلَّى١
والتَّسمية: مصدر "سمَّى" "يُسِّي " "تسمية" فالتسمية نطق بالاسم وتكلُّمٌ به وليست هي الاسم نفسه٢
فهنا ثلاث حقائق "اسم" و"فسمى" و"تسمية" ك"حلية" و"مُحلى" و"تحلية"، و"علامة" و"مُعْلَم" و"تعليم"، ولا سبيل إلى جعل لفظين منهما مترادفين على معنى واحد، لتباين حقائقها، وإذا جعلت الاسم هو المسمى، بطل واحد من هذه الثلاثة ولابدَّ٣
د- هل الاسم هو المسمّى في اللغة؟
من خلال ما تقدم ذكره في الفقرة السابقة تبين لك الفرق بين "الاسم " و"المسمى" و"التسمية"، ولذلك ينبغي التنبيه على الحقائق التالية:
ا- أن الاسم في أصل الوضع ليس هو المسمى٤، وما قال نحويٌّ قط ولا عريٌّ إن الاسم هو المسمَّى.
فالعرب يقولون: أجلٌ مسمَّى، ولا يقولون: أجلٌ اسمٌ.
ويقولون: مسمَّى هذا الاسم كذا، ولا يقول أحد: اسمُ هذا الاسم كذا.
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد ١/ ١٦-١٧. ٢ مجموع الفتاوى ٦/ ١٩٥. ٣ بدائع الفوائد ١/ ١٧. ٤ بدائع الفوائد ١/ ١٦.
[ ٢٧٤ ]
ويقولون: هذا الرجل مسمَّى بزيد، ولا يقولون: هذا الرجل اسمُ زيد!. ويقولون: باسم الله، ولا يقولون بمسمى الله١.
٢- أن الاسم ليس هو المسمى وإن كان قد يراد به المسمى مع أنه في نفسه "اسم" وليس هو المسمى، ولكن يراد به المسمى، وذلك لأن الاسم يتناول اللفظ والمعنى المتصور في القلب، وقد يراد به مجرد اللفظ، وقد يراد به مجرد المعنى، فإنه من "الكلام"، والكلام اسم للفظ والمعنى وقد يراد به أحدهما٢، وهذا يعني أن الاسم تارة يراد به المسمى، وتارة يراد به اللفظ الدّالُّ عليه.
فإذا قلت: قال الله تعالى، واستوى الله على عرشه، وخلق الله السموات والأرض. فهذا المراد به المسمى نفسه.
وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحمن من أسماء الله، والرحمن وزنه فعلان، والرحمن مشتق من الرحمة، فالاسم هنا هو اللفظ الدال على المسمى٣.
٣- أن اسم هذه الألفاظ "ألف- سين- ميم" لا هو المسمى الذي هو الذات، ولا يُراد به المسمى الذي هو الذات، ولكن يراد به مسماه الذي هو الاسم، كأسماء الله الحسنى في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٤٥.
٤- أن التسمية هي النطق بالاسم والتكلم به، وليست هي الاسم نفسه،
_________________
(١) ١ المصدر السابق ١/ ١٧. ٢ مجموع الفتاوى ٦/ ٢٠٩،٢١٠ ٣ شفاء العليل ص ٢٧٧ ٤ الآية ١٨٠ من سورة الأعراف ٥ مجموع الفتاوى ٦/ ٢٠١
[ ٢٧٥ ]
فيجب التفريق بين الاسم والتسمية، كما يجب التفريق بين الاسم والمسمى، فكل واحد من هذه الألفاظ له مدلوله الذي يختصُّ به.
موقف المبتدعة من الجانب اللغويِّ:
أولا: موقف الجهمية والمعتزلة:
لم يغير الجهمية والمعتزلة شيئا من هذه المصطلحات، ولكنهم استغلوا الفرق بين الاسم والمسمى، فعبروا بلفظة "غير"، فقالوا "الاسم غير المسمى"، وهي كلمة حق أرادوا بها أمرا باطلا، فلفظة "غير" تحتمل وجهين، أحدهما حق، والآخر باطل.
ا- أما الوجه الحق: فهو متعلق بالجانب اللغوي الذي يفصل بين الاسم والمسمى، فإن الأسماء التي هي الأقوال ليست نفسها هي المسمَّيات، وهذا لا ينازع فيه أحد من العقلاء١.
وليس هذا هو مقصود الجهمية المعتزلة في قولهم: "الاسم غير المسمى".
٢- وأما الوجه الباطل: أن الله كان، ولا اسم له، حتى خلق لنفسه اسما أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، وهذا هو مراد الجهمية المعتزلة، فهم يقولون في أسماء الله إنها غيره، كما يقولون في كلام الله إنه غيره، ونحو ذلك.
ومن أجل هذا المقصد الفاسد منع أهل السنة القول بأن "الاسم غير المسمى" دفعا للباطل الذي أراده هؤلاء.
وسيأتي تفصيل قولهم في المطلب الثاني إن شاء الله.
ثانيا: موقف الأشاعرة والماتريدية:
اختلف صنيع هؤلاء عن صنيع أسلافهم المعتزلة، فقد غير هؤلاء في تلك
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٦/ ٢٠٣.
[ ٢٧٦ ]
المصطلحات وبدّلوا فيها ولم يجعلوها كما هي عليه، فقالوا:
ا- باتِّحاد الاسم والمسمَّى:
فلفظ "اسم" الذي هو"أ- س- م" جعلوه هو المسمى وقالوا باتحادهما.
٢- جعلوا الأسماء هي التَّسميات:
فالتسمية عندهم: هي الأقوال المؤلفة من الحروف فجعلوا التسمية هي الاسم، وجعلوا الاسم عين المسمَّى.
وكلا الادعاءين باطل كما سبق بيانه عند الحديث عن الفرق بين الاسم والمسمى والتسمية.
وسيأتي تفصيل قولهم في المطلب الثاني بإذن الله.
[ ٢٧٧ ]
المطلب الثاني: الجانب العَقَديُّ في المسألة
أولا: عرض الأقوال الواردة في مسألة الاسم والمسمى:
الذي وقفت عليه من الأقوال في هذه المسألة ثمانية أقوال:
أربعة منها لأهل السنة.
وأربعة منها لأهل البدعة.
وهذه الأقوال كما يلي:
القول الأول: الإمساك عن القول في المسألة نفيا وإثباتا؛ فأسماء الله لا يُقالُ فيها: هي هو، ولا هي غيره.
وهذا قول بعض أهل السنة١.
القول الثاني: الاسم للمسمى.
وهذا قوله أكثر أهل السنة٢.
القول الثالث: الاسم من المسمّى.
وهذا قولٌ منقولٌ عن أبي بكر بن أبي، داود السجستاني٣.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٧ ٢ المصدرالسابق ٦/ ١٨٧، شفاء العليل ص ٢٧٧ ٣ شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٢/ ٢١٢
[ ٢٧٨ ]
القول الرابع: الاسم هو المسمى (أي الاسم يُراد به المسمَّى) .
وهذا قول بعض أهل السنة١.
القول الخامس: الاسم عين المسمى (أي القول باتحاد الاسم والمسمى) .
وهذا قول الأشاعرة والماتريدية٢.
القول السادس: الاسم تارة يكون هو المسمى، وتارة يكون الاسم غير المسمى، وتارة لا يكون الاسم هوالمسمى ولا غيره.
وهذا القول المشهور عن أبي الحسن الأشعري٣.
القول السابع: الاسم غير المسمى.
وهذا قول الجهمية والمعتزلة والخوارج، وكثير من المرجئة وكثير من الزيدية٤.
القول الثامن: أسماء البارئ لا هي البارئ ولا هي غيره.
وهذا قول لبعض الكلابية٥.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٧، ١٨٨. ٢ مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٨، أصول الدين للبغدادي ص١١٤، ١١٥، تبصرة الأدلة ص ١٩٨. ٣ مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٨ المواقف للإيجي ص ١٣٣ ٤ مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٦، مقالات الإسلاميين ص ١٧٢. ٥ مقالات الإسلاميين ص ١٧٢، مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٩
[ ٢٧٩ ]
ثانيا: أصل المسألة وأساسها:
لتوضيح الجانب العقدي في مسألة "الاسم والمسمى" يحسن:
أولا: التعرف على أصل المسألة، أساسها الذي تعود إليه، فهذا يعين من جهة على تصور المسألة وفهمها، ويعين من جهة أخرى على معرفة غاية كل طائفة من قولها ومراميها وأهدافها التي تسعى إليها من وراء قولها في المسألة. فأصل هذه المسألة هو مسألة "صفات الله تعالى" فقول كل فريق مبنيٌّ على قوله في صفات الله تعالى على وجه العموم، وفي "صفة الكلام" على وجه الخصوص.
فلمسألة "الاسم والمسمى" ارتباطٌ وثيقٌ بمسألة "صفة الكلام"، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن القول في أسماء الله هو نوع من القول في كلام الله"١.
ولذلك سأعرض لك أقوال من له قول في هذه المسألة في كل من "مسألة الصفات"، و"مسألة صفة الكلام"، وذلك على وجه الإجمال لتتصور خلفية كل فريق وقوله في المسألتين قبل تفصيل الأقوال في مسألة الاسم والمسمى.
أما أقوالهم في مسألة الصفات فهي، كما يلي:
ا- قول أهل السنة والجماعة:
إنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، إثباتٌ بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، فقولهم في الصفات مبنيٌّ على أصلين:
أحدهما: أن الله ﷾ منزهٌ عن صفات النقص مطلقا؛ كالسِّنة،
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٦.
[ ٢٨٠ ]
والنَّوم، والعجز، والجهل، وغير ذلك.
والثاني: أنه متصفا بصفات الكمال التي لا نقص فيها، على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيءٌ من المخلوقات في شيء من الصفات١.
٢- قول الجهمية والمعتزلة:
الجهمية والمعتزلة ينفون جميع الصفات عن الله ﷿، ولا يثبتون له صفة من الصفات التي أثبتها لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ.
٣- قول الكلابية وقدماء الأشاعرة:
الكلابية والمتقدمون من الأشاعرة كأبي الحسن الأشعري في طوره الثاني، والباقلاني، وابن فورك، يثبتون جميع الصفات ما عدا الأفعال الاختيارية، فإنهم ينفونها.
٤- الأشاعرة المتأخرون والماتريدية:
يثبتون سبع صفات هي: الحياة، العلم، القدرة، ١لإرادة، السمع، البصر، الكلام، وينفون ما عداها من الصفات.
وأما أقوالهم في "مسألة صفة الكلام" فهي كما يلي:
ا- قول أهل السنة والجماعة:
اتفق قول أهل السنة والجماعة على إثبات صفة الكلام لله تعالى، وأن الله يتكلم بمشيئته متى شاء كيف شاء، وكلامه بحرف وصوت مسموعين على الوجه اللائق بجلاله وعظمته.
وصفة الكلام صفة ذاتية وفعلية باعتبارين؛ فإنه باعتبار أصله ونوعه صفة ذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال متكلِّما.
_________________
(١) ١ منهاج السنة ٢/٥٢٣.
[ ٢٨١ ]
وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية؛ لأن الكلام يتعلق بمشيئته تعالى متى شاء وبما شاء١.
٢- قول الجهمية والمعتزلة:
يقولون: إن الله تعالى لا يقوم به شيءٌ من الصفات: لا حياة ولا علم، ولا قدرة، ولا كلام، ولا غير ذلك، وإن كلامه مخلوق، ومن بعض مخلوقاته، خلقه كما خلق السموات والأرض. خارجا عن ذاته، وأنه خلقه في بعض الأجسام، وابتداؤه من ذلك الجسم لا من لله٢.
وهذا المذهب هو من فروع ذلك الأصل الباطل المخالف لجميع كتب الله ورسله، ولصريح المعقول والفطر، من جحد صفات الرب وتعطيل حقائق أسمائه ونفي قيام الأفعال به، فلما أصَّلوا أنه لا يقوم به وصفٌ ولا فعلٌ، كان من فروع هذا الأصل أنه لم يتكلم بالقرآن ولا بغيره، وأن القرآن مخلوق٣، وأن أسماءه مخلوقةٌ.
٣- قول الكلابية:
إن كلام الله معنى قائم بالنفس، وهو الكلام النفسي، وهو قديم بقِدَمِه تعالى، ولازم لذاته كلزوم الحياة والعلم، غير متعلق بمشيئته وقدرته، وأنه لا يسمَع على الحقيقة، والحروف والأصوات حكايةٌ له دالةٌ عليه، وهي مخلوقةٌ٤.
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٢٩٣، شرح العقيدة الطحاوية ص ١٨٠، العقيدة السلفية في كلام ربِّ البرية ص ٦٣ ٢ مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٢٨٨، ٢٨٩، شرح العقيدة الطحاوية ص ١٨٠، العقيدة السلفية في كلام رب البرية ص ٢٧٧ ٣ مختصر الصواعق ٢/ ٢٩٠. ٤ مختصر الصواعق ٢/٢٩٠، ٢٩١، شرح الطحاوية ص ١٨٠، العقيدة السلفية في كلام رب البرية ص ٧.
[ ٢٨٢ ]
٤- قول الأشاعرة والماتريدية:
يقولون إن كلام الله معنى نفسي قائم بذات الرب، وهو صفة أزلية قديمة قِدَم الذات الإلهية، وإنه واحدٌ لا يتجزأ ولا يتبعض وهو التوراة والإنجيل والقرآن، وليس بحرف ولا صوت، وإن الألفاظ عبارة عنه، وهي خلقٌ من المخلوقات١.
والفرق بينهم وبين الكلابية؛ أن الكلابية يقولون بأن الحروف والأصوات حكاية لكلام الله ودالةٌ عليه. والأشاعرة والماتريدية يقولون إنها عبارة، ولا يسمونها حكاية٢.
كما أن الكلابية يقولون: هو معانٍ متعددة في نفسها، فهو عندهم أربع معان، وهي الأمر، والنهي، والخبر، والاستفهام.
وأما الأشاعرة فيقولون: هو معنى واحدٌ بالعين لا ينقسم ولا يتبعض٣.
ثالثا: تفصيل الأقوال في مسألة الاسم والمسمَّى:
أولا: قول أهل السنة والجماعة:
يثبت أهل السنة والجماعة الصفات لله حقيقة، ويؤمنون بأن الله متصفا بصفة الكلام حقيقة، وهم لذلك يؤمنون بأن الله سمى نفسه وتكلم بهذه الأسماء، وأن هذه الأسماء ليست من وضع البشر، وليست مخلوقة، وكذلك هي دالة على الصفات حقيقة.
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق ٢/ ٢٩١، ٢٩٢، شرح العقيدة الطحاوية ص ١٨٠، العقيدة السلفية في كلام رب البرية ص ٢٧٨، ٢٧٩ ٢ مختصر الصواعق ٢/ ٢٩١ ٣ المصدر السابق ٢/ ٣٢٩.
[ ٢٨٣ ]
ويؤمنون بأن أسماء الله الحسنى التي في القرآن من كلامه ﷿، وكلامه غير مخلوق، ولذلك يقولون: إذا كان القرآن كلامه وهو صفة من صفاته، فهو متضمن لأسمائه الحسنى، فإذا كان القرآن غير مخلوق ولا يقال: إنه غير الله، فكيف يقال إن بعض ما تضمنه وهو أسماؤه مخلوقة وهي غيره١.
وقد اتَّفق قول أهل السنة في الرد على من زعم بأن أسماء الله مخلوقة وقال بأن الاسم غير المسمى. ولذلك كان معروفا عند أئمة أهل السنة مثل الإمام أحمد وغيره إنكارهم على الجهمية الذين يقولون: أسماء الله مخلوقة، فيقولون الاسم غير المسمى، وأسماء الله غيره، وما كان غيره فهو مخلوق٢.
قال الإمام أحمد ﵀: "لسنا نَشُكُّ أن أسماء الله ﷿ غير مخلوقة؛ لسنا نشك أن علم الله غير مخلوق، فالقرآن من علم الله وفيه أسماء الله، فلا نشك أنه غير مخلوق، وهو كلام الله ﷿، لم يزل متكلما به"٣.
وقال: "من زعم أن أسماء الله مخلوقة فهوكافر"٤.
وقال إسحاق بن راهويه: "أفضوا إلى أن قالوا: أسماء الله مخلوقة؛ لأنه كان ولا اسم، وهذا الكفر المحض"٥.
ويروى عن الشافعي والأصمعي وغيرهما أنه قال: "إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى، فاشهد عليه بالزندقة"٦.
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد ١/ ١٨. ٢ مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٥، ١٨٦. ٣ الإبانة ص ٧٥. ٤ شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/ ٢١٤ رقم ٣٥١، ٣٥٢. ٥ شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/ ٢١٤ رقم ٣٥١، ٣٥٢ ٦ مجموع الفتاوى ٦/١٨٧، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢١١، ٢١٢.
[ ٢٨٤ ]
فهذا هو موقف أهل السنة والجماعة من أصل المسألة ومن دعوى من قال بأن أسماء الله مخلوقة وأطلق القول بأن "الاسم غير المسمى".
أما موقفهم من القول نفسه- أي هل يُقالُ: الاسم هو المسمى أو غير المسمى، وغير ذلك من الألفاظ-.
فلأهل السنة والجماعة تجاه ذلك أربعة مواقف، متفقة جميعًا في مضمونها وإن اختلفت في ألفاظها وتعبيراتها، وهذه المواقف هي:
الموقف الأول:
الإمساك عن القول في المسألة نفيا وإثباتا، فلا يقال: "الاسم هو المسمى"، ولا يُقال: "الاسم غير المسمى".
إذ إن كلا الإطلاقين بدعة١ فلم يعرف عن أحد من السلف أنه قال: الاسم هو المسمى؛ بل هذا قاله كثير من المنتسبين إلى السنة بعد الأئمة. والقول بأن "الاسم غير المسمى" هو قول الجهمية والمعتزلة.
وهذا القول ذكره الخلال عن إبراهيم الحربي وغيره، وذكره أبو جعفر الطبري في الجزء الذي سمَّاه صريح السنة٢، حيث قال: "وأما القول في الاسم أهو المسمى أم غير المسمى، فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيُتَّبغ، ولا قول من إمام فيُستَمغ، فالخوض فيها شينٌ، والصمتُ عنه زينٌ، وحسب المرء من العلم به والقول فيه أن ينتهي إلى قول الله ﷿ ثناؤه الصادق وهو قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٧ ٢ مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٧ ٣ صريح السنة ص ٢٦، ٢٧، تحقيق بدر يوسف المعتوق
[ ٢٨٥ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن أورد كلام الطبري السابق: "وهذا هو القول بأن الاسم للمسمى"١؛ وهذا التعليق من شيخ الإسلام لعل مراده منه أن يبتن أن ما نقل عن بعض علماء أهل السنة من الإمساك في المسألة نفيا وإثباتا، لا يتعارض مع ما نقل عن البعض الآخر من قول في المسألة، فأهل السنة يمسكون عن الأقوال المحدثة المبتدعة، لاستغنائهم بالألفاظ الشرعية من جهة، ولأن الألفاظ البدعية تجرُّ إلى محاذير فاسدة.
فسكوتهم إنما كان عن الألفاظ البدعية لا عن الألفاظ الشرعية، ويؤكد هذا الفهم ما نقل عن الإمام أحمد في المسألة، فقد ذكر القاضي ابن أبي يعلى أن الإمام أحمد كان يشقُّ عليه الكلام في "الاسم والمسمى" ويقول: هذا كلام محدث، ولا يقول: الاسم غير المسمى، ولا هو هو، ولكن يقول الاسم للمسمَّى اتباعا لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٢.
فالذي يظهر لي والله أعلم أن الموقف الأول هو تتميمٌ للموقف الثاني، فلا يقال: "الاسم غير المسمى"، ولا "الاسم هو المسمى" ولكن يقال: "الاسم للمسمى" لأن النصوص دلت على ذلك.
الموقف الثاني: الاسم للمسمى:
وهذا قول أكثر المنتسبين إلى السنة من أصحاب الإمام أحمد وغيره٣.
وهذا الذي دلت عليه النصوص.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٧. ٢ طبقات الحنابلة ٢/ ٢٧٠ ٣ مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٧، ٢٠٦، ٢٠٧، شفاء العليل ص ٢٧٧.
[ ٢٨٦ ]
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٤.
وقوله ﷺ: "إن لله تسعة وتسعين اسما" ٥.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما الذين يقولون: "الاسم للمسمى" كما يقوله أكثر أهل السنة فهؤلاء وافقوا الكتاب والسنة والمعقول"٦.
قال ابن القيم: "والاسم للمسمى ولا يقال غيره"٧.
الموقف الثالث: الاسم من المسمى:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كان في كلام الإمام أحمد أن هذا الاسم من أسمائه الخسنى، وتارة يقول: الأسماء الحسنى له"٨.
وهذا القول أيضا لأبي بكر بن أبي داود السجستاني.
وقد ذكره اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، حيث قال: "أخبرنا أحمد بن محمد بن عمران، عن أبي بكر بن أبي داود السجستاني،
_________________
(١) ١ الآية ١٨٥ من سورة الأعراف ٢ الآية ٨ من سورة طه ٣ الآية ١١٠ من سورة الإسراء ٤ الآية ٢٤ من سورة الحشر ٥ متفق عليه. ٦ مجموع الفتاوى ٦/ ٢٠٦، ٢٠٧ ٧ شفاء العليل ص ٢٧٧. ٨ مجموع الفتاوى ٦/ ١٩٨.
[ ٢٨٧ ]
قال: من زعم أن الاسم غير المسمى فقد زعم أن الله غير الله، وأبطل في ذلك؛ لأن الاسم غير المسمى في المخلوقين لأن الرجل يسمَّى محمودٌ وهو مذمومٌ، ويسمى قاسم ولم يقسم شيئا قط. إنما الله جل ثناؤه واسمه منه، ولا نقول: اسمه هو، بل نقول: اسمه منه"١.
ومقصوده أن الله هو المسمي نفسه بأسمائه الحسنى، وأن لها معانيَ دالة عليها، وهذا هو معتقد أهل السنة في أسماء الله كما تقدم ذكره.
وهو يريد بذلك الرد على المعتزلة في، زعمهم أن الصِّفات لا تقوم بالذَّات، وأن الأسماء لاتدلُّ على الصفات.
الموقف الرابع: الاسم هو المسمى:
وهذا قاله كثير من المنتسبين إلى السُّنة بعد الأئمة، وإن كان قد أنكره أكثر أهل السنة عليهم٢.
وممن قال به اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة٣. والسجزي في رسالته إلى أهل زبيد٤، والأصبهاني، في الحجَّة في بيان المحجَّة٥، والبغوي صاحب شرح السنة، وغيرهم٦.
وهؤلاء جعلوا الاسم ليس هو اللفظ، بل هو المراد باللفظ "أي المسمى" فهم يقولون: إنك إذا قلت: يا زيد! يا عمر! فليس مرادك دعاء اللفظ، بل
_________________
(١) ١ ٢/٢١٢ ٢ مجموع الفتاوى ٦/١٨٧، ١٨٨ ٣ ٢/٢٠٤ ٤ ص ١٧٩. ٥ ٢/ ١٨٧، ١٨٩. ٦ مجمرع الفتاوى ٦/ ١٨٨
[ ٢٨٨ ]
مرادك دعاء المسمى باللفظ، وذكرت الاسم، فصار المراد بالاسم هو المسمى.
فهؤلاء نظروا إلى المسألة من جهة أن أسماء الأشياء إذا ذُكِرَت في الكلام المؤلف فإنما المقصود هو المسميات، فقالوا: " الاسم هو المسمى" أي يراد به المسمى.
وهذا لا ريب فيه، فإنه إذا أخبر عن الأشياء فَذُكِرَت أسماؤها فقيل مثلا: "محمدٌ رسول الله وخاتم النبيين، وكلَّم الله موسى تكليما، فليس المراد أن هذا اللفظ هو الرسول، وهو الذي كلمه الله، وكذلك إذا قيل: جاء زيد، واشهد على عمرو، وفلانٌ عدلٌ، ونحو ذلك، فإنما تُذكر الأسماء ويُراد بها المسميات"١.
ثانيا: أقوال المبتدعة في المسألة:
القول الخامس: الاسم عين المسمى:
وهو قول الأشاعرة والماتريدية.
وهؤلاء وإن وافقوا السلف على أن كلامه غير مخلوق وأسماءه غير مخلوقة، لكنهم يقولون: إن الكلام والأسماء من صفات ذاته، لكنه لا يتكلَّم ولا يسمَّي نفسه بمشيئته وقدرته٢، فهم جميعا ينكرون صفات الأفعال الاختيارية، وبالتالي هم وإن أثبتوا صفة الكلام لله ﷿ لكنهم لا يثبتونها على الحقيقة.
فهم يقولون في كلام الله: هو الكلام النفسي (أي المعنى القائم بالنفس)
_________________
(١) ١ المصدر السابق ٦/ ١٨٨-١٨٩ "بتصرف". ٢ مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٦
[ ٢٨٩ ]
فهو عندهم: معنى واحد قائم بذاته، غير مخلوق؛ صفة من صفاته غير بائن منه، لم يزل موصوفا به، ليس بحرف ولا صوت وليس هوبلغة، ولا يتجزأ ولا ينقسم ولا يتفاضل، ولا يتعلق بمشيئة الله واختياره، وأن الله يفهمه من يشاء بعبارات مخلوقة تدل عليه، فعبارة القرآن بالعربية، والتوراة بالعبرية، والإنجيل بالسريانية، وهي عبارات عن، الكلام النفسي الحقيقي ودلالات عليه، وهي جميعا بمعنى واحد، فمعنى القرآن هو معنى التوراة والإنجيل وغير ذلك من كلام الله، وتكليم الله لمن، كلمه من عباده إنما هو خلق إدراك ذلك المعنى لهم فالقرآن والتوراة والإنجيل بألفاظها وحروفها مخلوقة، وهي دلالات على الكلام النفسي، خلقها الله في شيء.
وقالوا في القرآن العربي؛ خلقه الله في اللوح المحفوظ، وهذا هو الأشهر عن المتأخرين، ومنهم من قال: خلقه في، الهواء، فأخذه جبريل ﵇، ومنهم من قال: بل إن الله أفهم جبريل المعنى فعبر عنه جبريل بقوله، فالقرآن قول جبريل ﵇، ومنهم من قال: بل هو عبارة محمد صلى الله عليه وسلم١.
فهؤلاء ينكرون أن الله يتكلم حقيقة بحرف وصوت مسموعين، وينكرون أن الله يتكلم بمشيئته واختياره أي متى شاء تكلم ومتى شاء لم يتكلم، وينكرون تكليم الله لمن شاء من ملائكته ورسله "وهم بذلك وافقوا الجهمية والمعتزلة في أصل قولهم: إنه متكلم بكلام لا يقوم بنفسه ومشيئته وقدرته، وإنه لا تقوم به الأمور الاختيارية"٢.
وبالتالي فإن عقيدة هؤلاء في كلام الله جرتهم إلى إدخال أسمائه الحسنى
_________________
(١) ١ العقيدة السلفية في كلام رب البرية ص ٣٤٣-٣٤٤. ٢ مجموع الفتاوى ١٢/ ٥٩٤.
[ ٢٩٠ ]
فالعرب تفرق بين الاسم والمسمى، وهؤلاء يقولون باتحاد الاسم والمسمى.
ف "زيد" اسم علم بلا نزاع، فإذا سٌمِّي أحد به لم يكن هو عين المسمى، إنما هو اللفظ الدال عليه، وإطلاق هذا اللفظ على زيد هوتسميته به١.
فهم ادعوا أن لفظ الاسم الذي هو "ألف- سين- ميم": هو في الأصل ذات الشيء، ولكن التسمية سٌمِّيت اسما لدلالتها على ذات الشيء، تسمية للدال باسم المدلول، كتسمية المقدور قدرة.
وليس الأمر كذلك، بل التسمية مصدر سمى يسمي تسمية، والتسمية: نطق بالاسم وتكلم به، ليست هي الاسم نفسه، وأسماء الأشياء هي الألفاظ الدالة عليها، وليست هي أعيان الأشياء، وأما تسمية المقدور قدرة فهو من باب تسمية المفعول باسم المصدر، وهذا كثيرٌ شائع في اللغة، كقولهم للمخلوق: خلق، وقولهم: درهم ضرب الأمير، أي: مضروب الأمير، ونظائره كثيرةٌ٢.
فخلاصة دعوى هؤلاء تقوم على أمربن:
ا- أن لفظ "اسم" الذي هو "ألفا- سين- ميم" معناه: ذات الشيء ونفسه.
٢- وأن الأسماء التي هي الأسماء: مثل: "زيد وعمرو" هي التسميات وليسمت هي أسماء المسميات.
وكلاهما باطل مخالف لما يعلمه جميع الناس من جميع الأمم ولما يقولونه؛ فإنهم يقولون: إن "زيدا وعمرا" ونحو ذلك هي أسماء الناس.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٦/ ١٩٥، العقيدة السلفية في كلام رب البرية ص ٣٩٨-٣٩٩ ٢ مجموع الفتاوى ٦/ ١٩٥.
[ ٢٩٢ ]
و"التسمية": جعل الشيء اسما لغيره، هي مصدر "سميته، تسمية" إذا جعلت له اسما.
و"الاسم" القول الدال على المسمى،. ليس الاسم الذي هو لفظ "اسم" أي: "ألف- سين- ميم" هو "المسمى"؛ بل قد يُراد به المسمى؛ لأنه حكم عليه ودليل عليه، وهم تكلَّفوا هذا التكلف ليقولوا: إن اسم الله غير مخلوق، ومرادهم أن الله غير مخلوق، وهذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة.
وبالتالي هم وافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى، ووافقوا قول من قال من أهل السنة: "الاسم هوالمسمى" في اللفط فقط١.
ولقد أنكر قولهم جمهور الناس من أهل السنة وغيرهم٢ حتى بعض كبار الأشاعرة كالغزالي والرازي، فالغزالي يقول: "والحق أن الاسم غير التسمية وغير المسمى، وأن هذه الثلاثة أسماء متباينة غير مترادفة"٣.
وقال الرازي: "المشهور من قول أصحابنا رحمهم الله تعالى أن الاسم نفس المسمى وغير التسمية، وقالت المعتزلة إنه غير التسمية وغير المسمى، واختيار الشيخ الغزالي أن الاسم والمسمى والتسمية أمور ثلاثة متباينة هو الحق عندي"٤.
وقد أورد الرازي بعض حججهم ورد عليها، وبعض ردوده وفق الطريقة الكلامية فلا تخلو من مخالفات، وأحسن من، تصدى لشبههم ورد عليها شيخ الإسلام ابن تيمية، وسأورد لك بعض ما تمسكوا به من شواهد- وإن كانت في
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٦/ ١٩٢. ٢ مجموع الفتاوى ٦/ ١٩١. ٣ المقصد الأسنى في شرح الأسماء الحسنى ص ٧. ٤ لوامع البينات ص ٢١.
[ ٢٩٣ ]
الحقيقة حجة عليهم- وأذكر رد شيخ الإسلام لها.
الحجة الأولى:
قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ ١.
وقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ ٢.
وقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ٣.
ووجه الاستدلال:
أنه أمر بتسبيح اسم الله تعالى، ودل العقل على أن المسبّح هو الله تعالى لا غيره، وهذا يقتضي أن اسم الله تعالى هو هو لا غيره٤.
الرد عليهم:
احتجاجهم بقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وأن المراد سبح ربك الأعلى، وكذلك قوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾، وما أشبه ذلك. فهذا للناس فيه قولان معروفان: وكلاهما حجة عليهم:
القول الأول:
منهم من قال: " الاسم " هنا صلة والمراد سبّح ربك وتبارك ربك.
وإذا قيل: هو صلة زائد لا معنى له؛ فيبطل قولهم: إن مدلول لفظ اسم "ألف- سين- ميم" هو المسمى، فإنه لو كان له مدلول مراد لم يكن صلة.
ومن قال: إنه هو المسمى وإنه صلة، فقد تناقض؛ فإن الذي يقول: هو
_________________
(١) ١ الآية امن سورة الأعلى. ٢ الآية ٧٨ من سورة الرحمن. ٣ الآية ٧٤ من سورة الواقعة. ٤ لوامع البينات للرازي ص ٢٤.
[ ٢٩٤ ]
صلة لا يجعل له معنى؛ كما يقوله من يقول ذلك في الحروف الزائدة التي تجيء للتوكيد، كقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ١، وقوله: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ ٢.
والقول الثا ني:
إنه ليس بصلة، بل المراد تسبيح الاسم نفسه، وهذا مناقض لقولهم مناقضة ظاهرة.
و"التحقيق" أنه ليس بصل، بل أمر الله بتسبيح اسمه، كما أمر بذكر اسمه، والمقصود بتسبيحه وذكره هو:
ا- إما تسبيح المسمى وذكره، فإن المسبح والذاكر إنما يسبح اسمه ويذكر اسمه، فيقول: "سبحان ربي الأعلى" فهو نطق بلفظ ربِّيَ الأعلى، والمراد هو المسمى بهذا اللفظ، فتسبيح الاسم هو تسبيح المسمى، فقول ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ أي قل: سبحان ربيَ الأعلى.
وإلى هذا ذهب جماعة من الصحابة، وفي الحديث عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ فقال: "سبحان ربي الأعلى" ٣. وحديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ أنه لما نزل ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال: "اجعلوها في ركوعكم"، ولما نزل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ قال: "اجعلوها في سجودكم"٤.
_________________
(١) ١ الآية ١٥٩ من سورة ال عمران ٢ الآية ٤٠ من سورة المؤمنون ٣ أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٣٢) . ٤ أخرجه أبوداود في سننه ١/٥٤٢ ح ٨٦٩، وابن ماجه في سننه ١/١٦٠ ح ٨٧٢.
[ ٢٩٥ ]
والمراد بذلك أن يقولوا في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، فالذي يقول: سبحان الله، وسبحان ربنا، إنما نطق بالاسم الذي هو "الله"، والذي هو "ربنا" فتسبيحه إنما وقع على الاسم ولكن مراده هو المسمى، فهذا يبين أنه ينطق باسم المسمى والمراد المسمى. وهذا لا ريب فيه، لكن هذا لا يدل على أن لفظ اسم الذي هو "ألف- سين- ميم» يُراد به المسمى. ولكن يدل على أن "أسماء الله" مثل "الله" و"ربنا" و"ربي الأعلى" ونحو ذلك يراد بها المسمى، مع أنها هي في نفسها ليست هي المسمى، لكن يُراد بها المسمى.
٢- وإما أن يكون المقصود بتسبيحه تسبيح الاسم.
ومن جعله تسبيحا للاسم يقول: المعنى: إنك لا تُسمِّ به غير الله، ولا تلحد في أسمائه، فهذا ما يستحقه اسم الله.
ولكن هذا تابع للمراد بالآية وليس هو المقصود بها القصد الأول.
وقد ذكر الأقوال الثلاثة غير واحد من المفسرين١.
وأما قوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ فالجواب فيها:
أولا: أن الآية فيها قراءتان:
أ- فالأكثرون يقرأون "ذي الجلال"، فالربُّ المسمى هو ذو الجلال والإكرام.
ب- وقرأ ابن عامر: "ذو الجلال والإكرام"، وكذلك هي في المصحف الشامى، وفي مصاحف أهل الحجاز والعراق هي بالياء.
وأما قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ ٢ فهي بالواو
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٦/ ١٩٩، ٢٠١ "بتصرف" ٢ الآية ٢٧ من سورة الرحمن.
[ ٢٩٦ ]
باتفاقهم.
ثانيا: أن "تبارك" تفاعل من البركة، والمعنى أن البركة تُكتسب وتُنال بذكر اسمه؛ فلو كان لفظ الاسم معناه المسمى لكان يكفي قوله "تبارك ربك" فإن نفس الاسم عندهم هو نفس الرب؛ فكان هذا تكريرا.
وقد قال بعض الناس: إن ذكر الاسم هنا صلة، والمراد تبارك ربُّك؛ ليس المراد الإخبار عن اسمه بأنه تبارك، وهذا غلط، فإنه على هذا يكون قول المصلِّي "تبارك اسمك" أي: تباركت أنت، ونفس أسماء الرب لا بركة فيها. ومعلوم أن نفس أسمائه مباركة وبركتها من جهة دلالتها على المسمى. ولهذا فرّقت الشريعة بين ما يُذكر اسم الله عليه، وما لا يُذكر اسم الله عليه في مثل قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ١، وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ٣.
الحجة الثانية:
قوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ ٤
ووجه استدلالهم:
أن الله أخبر أنهم عبدوا الأسماء، والقوم ما عبدوا إلا تلك الذوات، فهذا يدل على أن الاسم هو المسمى٥.
_________________
(١) ١ الآية ١١٨ من سورة الأنعام ٢ الآية ١١٩ من سورة الأنعام ٣ الآية ٤ من سورة المائدة ٤ الآية ٤٠ من سورة يوسف ٥ لوامع البينات ص ٢٤.
[ ٢٩٧ ]
والرد عليهم:
أنه ليس المراد كما ذكروه: أنكم تعبدون الأوثان المسماة، فإن هذا هم معترفون به، والرب تعالى نفى ما كانوا يعتقدونه، وأثبت ضده، ولكن المراد أنهم سموها آلهة، واعتقدوا ثبوت الإلية فيها، وليس فيها شيء من الإلهية، فإذا عبدوها معتقدين إلهيتها مسمين لها آلهة لم يكونوا قد عبدوا إلا أسماء ابتدعوها هم، ما أنزل الله بها من سلطان؛ لأن الله لم يأمر بعبادة هذه ولا جعلها آلهة، كما قال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ١، فتكون عبادتهم لما تصوّروه في أنفسهم من معنى الإلهية وعبروا عنها بألسنتهم، وذلك أمر موجود في أذهانهم وألسنتهم لا حقيقة له في الخارج٢، فما عبدوا إلا هذه الأسماء، التي تصوروها في أذهانهم، وعبّروا عن معانيها بألسنتهم؛ وهم لم يقصدوا عبادة الصّنم إلا لكونه إلاها عندهم، وإلاهيته هي في أنفسهم لا في الخارج، فما عبدوا في الحقيقة إلا ذلك الخيال
_________________
(١) ١ الآية ٤٥ من سورة الرخرف. ٢ الشيء له أربعة مراتب: المرتبة الأولى: مرتبة في الأعيان والمراد. بها وجوده العيني. والمرتبة الثانية: مرتبة في الأذهان، والمراد. بها وجوده الذهني. والمرتبة الثالثة: مرتبة في اللسان، والمراد بها وجوده اللفظي. والمرتبة الرابعة: مرتبة في الخط، والمراد بها وجوده الرسمي. وهذه المراتب الأربعة تظهر في الأعيان القائمة بنفسها "كالشمس" مثلا، وفي أكثر الأعراض أيضا، كالألوان وغيرها، وتارة تتحد مرتبتان كالعلم، فإن وجوده الخارجي مماثل لوجوده الذهني، وكالكلام فقد اتحدت فيه المرتبتان الخارجية واللفظية. انظر: مختصر الصواعق ٢/ ٣٠٤، ٣٠٥.
[ ٢٩٨ ]
الفاسد الذي عبّر عنه.
ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ ١، يقول: سموهم بالأسماء التي يستحقونها، هل هي خالقة رازقة محيية مميتة، أم هي مخلوقة لا تملك ضرًا ولا نفعًا؛ فإذا سموها فوصفوها بما تستحقه من الصفات تبين ضلالهم. قال تعالى: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ﴾، وما لا يعلم أنه موجود فهو باطل لا حقيقة له، ولو كان موجودا لعلمه موجودا ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أم بقول ظاهر باللسان لاحقيقة له في القلب، بل هوكذب وبهتان٢.
وقال الرازي- وهو من كبار الأشاعرة- في معرض رده لحجة الأشاعرة هذه: "إن الآية تدل على أن اسم الإله كان حاصلا في حق الأصنام، ومسمى الإله ما كان حاصلا في حقهم، وهذا يوجب المغايرة بين الاسم والمسمى، ويدل على أن الاسم غير المسمى.
ثم نقول: المراد بالآية أن تسمية الصنم بالإله كان اسما بلا مسمى، كمن يسمي نفسه باسم السلطان وكان في غاية القلة والذلة، فإنه يقال: إنه ليس له من السلطنة إلا الاسم، فكذا هنا"٣.
الحجة الثالثة:
احتجوا بقوله تعالى: ﴿نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ ٤ ثم قال: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ
_________________
(١) ١ الآية ٣٣ من سورة الرَّعد. ٢ مجموع الفتاوى ٦/ ١٩٤، ١٩٥. ٣ لوامع البينات ص ٢٨، ٢٩ ٤ الآية ٧ من سورة مريم.
[ ٢٩٩ ]
الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ ١، فنادى الاسم وهو المسمى٢.
الرد عليهم:
إن الاسم الذي هو يحيى هو هذا اللفظ المؤلف من "ياء" و"حاء" و"ياء" هذا هو اسمه، ليس اسمه هو ذاته، بل هذا مكابرة. ثم لما ناداه فقال: ﴿يَا يَحْيَى﴾، فالمقصود المراد بنداء الاسم هو نداء المسمى؛ لم يقصد نداء اللفظ، لكن المتكلم لا يمكنه نداء الشخص المنادى إلا بذكر اسمه وندائه، فيعرف حينئذ أن قصده نداء الشخص المسمى، وهذا من فائدة اللغات، وقد يدعى بالإشارة، وليست الحركة هي ذاته، ولكن هي دليل على ذاته٣.
وهؤلاء اقتصروا على أن أسماء الشيء؛ إذا ذُكرت في الكلام فالمراد بها المسميات- كما ذكروه في قوله: ﴿يَا يَحْيَى﴾، ونحو ذلك لكان ذلك معنى واضحا لا ينازعه فيه من فهمه، ولكن لم يقتصروا على ذلك، ولهذا أنكر قولهم جمهور الناس من أهل السنة وغيرهم لما في قولهم من الأمور الباطلة كما تقدم ذكره٤.
الحجة الرابعة:
المتمسك بقول لبيد:
إلى الحَوْلِ ثم اسم السَّلام عليكما ومن يبكِ حولا كاملا فقد اعتذر
ووجه استشهادهم: أنه أراد باسم السلام نفس السلام، وهذا يقتضي أن
_________________
(١) ١ الآية ١٢ من سورة مريم. ٢ مجموع الفتاوى ٦/ ١٩٠. ٣ المصدر السابق ٦/ ١٩٢، ١٩٣ ٤ المصدر السابق ٦/ ١٩١.
[ ٣٠٠ ]
يكون الاسم نفس المسمى١.
الرد عليهم:
ما ذكروه من قول لبيد مراده ثم النُّطق بهذا الاسم وذكره وهو التسليم المقصود، وكأنه قال: ثم سلام عليكم، ليس مراده أن السلام يحصل عليهما بدون أن ينطق به ويذكر اسمه، فإن اسم السلام قولٌ؛ فإن لم ينطق به ناطق ويذكره لم يحصل٢.
الحجة الخامسة:
التمسك بقول سيبويه: "الأفعال أمثلة أ: أُخِذت من لفظ أحداث الأسماء"؛ ومن المعلوم أن الأحداث التي هي المصادر صادرة عن المسميات لا عن الألفاظ، فدلَّ هذا على أن قوله من أحداث لفظ الأسماء، أي من لفظ أحداث المسميات٣.
الرد عليهم:
إن هذا لا حجة فيه؛ لأن سيبويه مقصوده بذكر الاسم والفعل ونحو ذلك الألفاظ، وهذا اصطلاح النحويين، سمُّوا الألفاظ بأسماء معانيها؛ فسموا "قام ويقومُ وقُم" فعلا؛ والفعل هو نفس الحركة، فسموا اللفظ الدال عليها باسمها. وكذلك إذا قالوا: اسم معربٌ! ومبنيٌ، فمقصودهم اللفظ، ليس مقصودهم المسمى، وإذا قالوا: هذا الاسم فاعل فمرادهم أنه فاعل اللفظ؛ أي أسنِدَ إليه الفعل، ولم يرد سيبويه بلفظ الأسماء المسميات كما زعموا، ولو
_________________
(١) ١ لوامع البينات ص هـ٢. ٢ مجموع الفتاوى ٦/ ٢٠٢. ٣ لوامع البينات ص هـ٢.
[ ٣٠١ ]
أرادوا ذلك فَسَدَتْ صناعته"١.
الحجة السادسة:
إن القائل إذا قال: ما اسمُ معبودكم؟
قلنا: الله، فإذا قال: ما معبودكم؟ قلنا: الله.
فنجيب في الاسم بما نجيب به في المعبود؛ فدلّ على أن اسم المعبود هو المعبود لا غير٢
الرد عليهم:
إن هذا حجة باطلة وهي عليهم لا لهم.
فإن القائل إذا قال: ما اسم معبودكم؟ فقلنا: الله، فالمراد أن اسمه هو هذا القول، ليس المراد أن اسمه هو ذاته وعينه الذي خلق السموات والأرض، فإنه إنما سأل عن اسمه، لم يسأل عن نفسه؛ فكان الجواب بذكر اسمه.
وإذا قال: ما معبودكم؟ فقلنا: الله، فالمراد هناك المسمى؛ ليس المراد أن المعبود هو القول.
فلما اختلف السؤال في الموضعين اختلف المقصود بالجواب، وإن كان في الموضعين قال: الله، لكنه في أحدهما أريدَ هذا القول الذي هو من الكلام؛ وفي الآخر أريد به المسمى بهذا القول. كما إذا قيل: ما اسم فلانٍ؟ فقيل: زيدٌ أو عمرو، فالمراد هو القول، وإذا قيل: من أميرُكُم؟ أو من أنكحت؟ فقيل؛ زيد أو عمرو، فالمراد به الشخص، فكيف يجعل المقصود في الموضعين
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٦/ ٢٥٢. ٢ مجموع الفتاوى ٦/ ١٩٠، ١٩١.
[ ٣٠٢ ]
واحدا؟ ١.
القول السادس:
الاسم تارة يكون هو المسمى كاسم "الله" و"الموجود"، وتارة الاسم غير المسمى كاسم "الخالق"، و"الرَّازق"، وتارة لا يكون هو المسمى ولا غير المسمى كاسم "العليم"، "والقدير":
وهذا هو القول المشهور عن أبي الحسن الأشعري٢، وقد قسَّم الأسماء إلى ثلاثة أقسام، فقال:
ا- قد يكون الاسم عين المسمى نحو: "الله"، فإنه اسم علم للذات من غير اعتبار معنى فيه.
٢- وقد يكون غيره نحو: "الخالق" و"الرّازق " مما يدل على نسبته إلى غيره.
٣- وقد يكون لا هو ولا غيره ك"العليم" و"القدير" مما يدل على صفة حقيقية٣.
وهذا التقسيم راجع إلى اعتبار معانيها ومعتقده فيها.
فالقسم الأول: يرى أنه اسم جامد لا يدل، على معنى، وهذا زعم مردود؛ فليس في الأسماء الحسنى اسم جامد غير مشتق، فكل أسماء الله الحسنى دالة على معان في غاية الكمال.
وأما القسم الثاني: فلاعتقاده- في طور، الثاني٤ - بنفي صفات الأفعال
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٦/ ١٩٧، ١٩٨. ٢ مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٨. ٣ المواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٣٣. ٤ مرّ أبو الحسن الأشعري بثلاثة أطوار، فقد كان معتزليا إلى سن الأربعين، ثم كان كلابيا يثبت الصفات الخبرية وينفي الأفعال الاختيارية، ثم رجع عن ذلك إلى عقيدة أهل السنة.
[ ٣٠٣ ]
الاختيارية وإنكار قيامها بالله ﷿، فهو بالتالي جعل "الخالق" و"الرازق" ونحوهما غير المسمى، وهذا قول باطل، فاسمه "الخالق" هو الرب الخالق نفسه وليس المخلوقات، كما أن اسمه "العليم" هو الرب العليم الذي العلم صفته، فليس العلم هو المسمى ولا الخلق هوالمسمى.
وأما القسم الثالث: فلإثباته الصفات الذاتية فقد جعل العليم والحكيم ونحوهما للمسمى١.
القول السابع: الاسم غير المسمى:
وهو قول الجهمية والمعتزلة، فهم لا يثبتون لله صفات يتصف بها حقيقة، فلذلك ينفون صفة الكلام عن الله ﷿، ويقولون: إن الله لم يتكلم بكلام يقوم بذاته؛ وإن كلامه مخلوق خلقه كما خلق السموات والأرض خارجا عن ذاته، فأنكروا أن يقوم بذاته كلام أو قول، وبالتالي لم يسم نفسه باسم هو المتكلم به، فأسماؤه مخلوقة.
"فغاية قولهم إن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه اسما، أوحتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم وهذا من أعظم الضلالة والإلحاد في أسماء الله تعالى"٢.
ولذلك قالوا: الاسم غير المسمى، فأسماء الله غيره، وما كان غيره فهو مخلوق، ف "الرحمن- الرحيم- الحيُّ- القيُّوم» هذه الأسماء المؤلفة من الحروف وغيرها من الأسماء الحسنى مخلوقة عندهم.
ولذلك ينفون ما دلت عليه من المعاني لأنهم يعاملونها معاملة أسماء
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٦/ ٢٠١- ٢٠٢ "بتصرف". ٢ شرح الطحاوية ص ١٣١.
[ ٣٠٤ ]
المخلوقين، أي على أنها لم توضع لمسماها باعتبار معنى قائم به، بل هي أعلام محضة لا تدل على معنى، كما سبق وأن، أوضحنا ذلك في التمهيد.
وأما قول هؤلاء بأن أسماء الله أو كلامه غيره، فَيُجاب عنه بأن لفظ الغير مجمل يحتاج إلى تفصيل. (وتحقيق ذلك أن الشيء له أربع مراتب:
المرتبة الأولى: مرتبته في الأعيان، ويراد بها وجوده العيني الخارجيُّ.
والمرتبة الثانية: مرتبته في الأذهان، ويراد بها وجوده الذهنيُّ.
والمرتبة الثالثة: مرتبته في اللسان، ويراد: بها وجوده اللفظيُّ.
والمرتبة الرابعة: مرتبته في الخطِّ، ويراد بها وجوده الرسميُّ١.
ا- فإن أريد "بالغير": المغايرة بين الوجود اللفطي والوجود العيني فهذا صحيح، وهذا الذي عناه أهل اللغة بقولهم في الاسم: هو اللفظ الذال على المسمى، (وهذا ما يسمى بالوجود اللفظي) .
وقولهم في المسمى: هو الشيء الموجود في الأعيان هنا: (وهذا ما يسمى بالوجود العينيِّ) .
٢- وإن أريد "بالغير" المغايرة في الوجود الذهني، فهذا صحيح، فإذا أريد بالغير هذا فإنما يفيد المباينة في ذهن الإنسان، فقد يذكر الإنسان الله ويخطر بقلبه ولا يشعر حينئذ بكل معاني أسمائه، بل قد يشعر بالبعض دون البعض الآخر، فقد لا يخطر له أنه عزيز وأنه حكيم، لكونه قد يعلم هذا دون هذا؛ وبالتالي فقد أمكن العلم بهذا دون هذا، وذلك لا ينفي التلازم في نفس الأمر (أي في الوجود العياني) فهي معاني متلازمة لا يمكن وجود الذات دون هذه المعاني، ولا وجود هذه المعاني دون وجود
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق ٢/ ٣٥٤
[ ٣٠٥ ]
الذات١.
٣- وإن أريد بالغير المغايرة في الوجود العياني بين ذات الله وصفاته، أي القول بإثبات ذات مجردة عن الصفات وصفات مجردة عن الذات فهذا باطل. وهذا هو مقصد الجهمية والمعتزلة بقولهم: "الاسم غير المسمى".
فيقال لهم: قولكم: إن أسماءه غيره مثل قولكم: إن كلامه غيره، وإن إرادته غيره، ونحو ذلك، وهو مبني على نفيكم لقيام الصفات بالله وزعمكم أن ذات الله مجردة من كل صفة، وهذا زعم باطل؛ لأنه ليس في نفس الأمر ذات مجردة حتى يقال: إن الصفات زائدة عليها (أي إنها غيرها)، بل لا يمكن وجود الذات إلا بما به تصير ذاتا من الصفات، فتخُّلُ وجود أحدهما في العيان دون الآخر، ثم زيادة الآخر عليه تخيل باطل، فلا يوجد ذات مجردة من الصفات ولا صفات مجردة من الذات كما يزعم هؤلاء.
ولذلك قال أهل السنة: إنه إذا قيل غيره بمعنى أنه يجب أن يكون مباينا له فهذا باطل، فأسماء الله من كلامه ﷿ وليس كلامه بائنا عنه حتى يقال: إنه غيره٢.
ونظرا لهذا المقصد الفاسد عند الجهمية والمعتزلة منع أهل السنة القول بأن "الاسم غير المسمى" لما في لفظ "الغير" من الإجمال فهو يحتمل وجها صحيحا وآخر باطلا.
أما الوجه الصحيح: فهو أن يُراد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فهذا حق.
وأما الوجه الباطل: أن يُراد أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٦/ ٢٠٥، ٢٠٦ "بتصرف". ٢ مجموع الفتاوى ٦/ ٢٠٤، ٢٠٥، ٢٠٦، ٢٠٧ "بتصرف".
[ ٣٠٦ ]
اسما، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضَّلال والإلحاد١، ولأجل هذا المعنى الفاسد رد أهل السنة القول بأن "الاسم غير المسمى" لعلمهم أن هذا هو مراد قائليه، فالجهمية والمعتزلة يقولون: الاسم غير المسمى، وأسماء الله غيره، وما كان غيره فهو مخلوق.
وهذا قول فاسد "لأن أسماء الله من كلامه، وكلام الله غير مخلوق؛ بل هو المتكلم به، وهوالمسمي لنفسه بما فيه من الأسماء"٢ كما جاء في الحديث: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك".
فالحديث يدل على أن أسماء الله غير خلوقة، بل هو الذي تكلم بها، وسمى بها نفسه، ولهذا لم يقل: بكل اسم خلقته لنفسك؛ ولو كانت مخلوقة لم يسأل بها، فإن الله لا يُقسَمُ عليه بشيء من خلقه، فالحديث صريح في أن أسماءه ليست من فعل الآدميين وتسمياتهم.
وأيضا فإن أسماءه مشتقة من صفاته، وصفاته قديمة به، فأسماؤها غير مخلوقة٣.
القول الثامن: أسماء البارىء لا هي البارئ، ولا هي غيره.
وهذا قول بعض الكلابية، والبعض الآخر منهم امتنعوا من أن يقولوا: لا هي البارىء ولا هي غيره.
وقولهم في هذه المسألة متفرغ عن قولهم في الصفات، فابن كلاب كان يقول: إن أسماء الله وصفاته لذاته لا هي الله ولا هي غيره، وإنها قائمة بالله،
_________________
(١) ١ شفاء العليل ص ٢٧٧ ٢ مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٦ ٣ شفاء العليل ص ٢٧٦، ٢٧٧.
[ ٣٠٧ ]
ولا يجوز أن تقوم بالصفات صفات، وكان يقول إن وجه الله لا هو الله ولا هو غيره وهو صفة له، وكذلك يداه وعينه وبصره صفات له لا هي هو ولا غيره، وإن ذاته هي هو، ونفسه هو، وإنه موجود لا بوجود ، وكان يزعم أن صفات البارىء لا تتغاير، وأن العلم لا هو القدرة ولا غيرها، وكذلك كل صفة من صفات الذات لا هي الصفة الأخرى ولا غيرها١.
_________________
(١) ١ مقالات الإسلاميين ص،١٦٩، ١٧٠.
[ ٣٠٨ ]
المبحث الثاني: أسماء الله كلها حسنى
المطلب الأول: الأدلة على كون أسماء الله كلها حسنى والمقصود بذلك
المطلب الأول: الأدلة على كون أسماء الله كلها حسنى والمقصود بذلك.
الآيات التي ورد فيها وصف أسماء الله تعالى بأنها حُسنى:
وصف إلله تعالى أسماءة بالحسنى في أربعة مواضع من القرآن الكريم، وهي:
١- قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١
٢- قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢.
٣- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٣.
٤- قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٤.
معنى "الحسنى":
أ- تصريفها: "الحسنى" على وزن فُعْلَى، مؤنَّث الأحسن كالكبرى تأنيث الأكبر، والصُّغرى تأنيث الأصغر.
قال ابن منظور: "وتأنيث الأحسن، الحسنى، كالكبرى والصُّغرى،
_________________
(١) ١ الآية ١٨٥ من سورة الأعراف. ٢ الآية ١١٠ من سورة الإسراء. ٣ الآية ٨ من سورة طه. ٤ الآية ٢٤من سورة الحشر.
[ ٣١١ ]
تأنيث الأكبر والأصغر"١.
وقال القرطبي: ""الحسنى" فعلى، مؤنث الأحسن، كالكبرى تأنيث الأكبر، والجمع الكُبَر والحُسن"٢.
وقال ابن الوزير: "واعلم أن الحسنى في اللغة هو جمع الأحسن لا جمع الحسن، فإن جمعه حِسان وحسنة"٣.
ب- المعنى الخاص للكلمة:
(الحسن ضد القبح، تقول: أحسنت بفلان وأسأت بفلان أي أحسنت إليه وأسأتُ إليه) ٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الحسنى: هي المفضَّلة على الحسنة، والواحد الأحاسن) ٥.
فالمعنى: أي البالغة في الحسن غايته٦، فحسنى على وزن (فُعلى) تأنيث (أفعل) ١لتفضيل.
ب المعنى العام للآيات:
سبق أن ذكرنا أن الله وصف أسماءه بأنها حُسنى في أربعة مواطن، فالمعنى أي إن أسماء الله هي أحسنُ الأسماء وأجلُّها لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها.
_________________
(١) ١ لسان العرب مادة "حسن" ١٣/ ١١٤، ١١٥ ٢ الجامع لأحكام القرآن ٧/٣٢٧ ٣ العواصم من القواصم ٧/ ٢٢٨. ٤ لسان العرب مادة "حسن" ١٣/ ١١٤. ٥ مجموع الفتاوى ٦/ ١٤١ ٦ القواعد المثلى ص ٦.
[ ٣١٢ ]
قالت ابن الوزير: "واعلم أن الحسنى في اللغة هو جمع الأحسن لا جمع الحسن، فإن جمعه حسان وحسنة، فأسماء الله التي لا تحصى كلها حسنى، أي أحسن الأسماء، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ١ أي الكمال الأعظم في ذاته وأسمائه ونعوته، فلذلك وجب أن تكون أسماؤه أحسن الأسماء، لا أن تكون. حسنة وحسانا لا سوى؛ وكم بين الحسن والأحسن من التفاوت العظيم عقلا وشرعا ولغة وعرفا"٢.
_________________
(١) ١ الآية ٢٧أن سورة الرُّوم. ٢ العواصم من القواصم ٧/ ٢٢٨
[ ٣١٣ ]
المطلب الثاني: وجه الحسن في أسماء الله: الحُسنُ في أسماء الله جاء من وجهين هما:
الوجه الأول: لدلالتها على مسمى الله، فكانت حسنى لدلالتها على أحسن وأعظم وأجل وأقدس مسمى وهو الله عز وجل١.
الوجه الثاني: لأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه لا احتمالا ولا تقديرا٢.
قال الشيخ عبد العزيز السَّلمان: "فأسماء الله إنما كانت حسنى لدلالتها على أحسن مسمى وأشرف مدلول"٣.
وقال ابن القيم: "أسماؤه﷾- كلُّها أسماء مدح وثناء؛ وتمجيد؛ ولذلك كانت حسنى"٤.
وقال: "أسماء الرب ﵎ دالة على صفات كماله، فهي مشتقة من الصفات، فهي أسماء وهي أوصاف، وبذلك كانت حسنى؛ إذ لو كانت ألفاظا لا معاني فيها لم تكن حسنى ولا كانت دالة على مدح
_________________
(١) ١ الأسئلة والأجوبة الأصولية ص ٥١ ٢ القواعد المثلى ص ٦. ٣ الأسئلة والأجوبة الأصولية ص ٥١. ٤ مدارج السالكين ١/ ١٢٥.
[ ٣١٤ ]
وكمال"١.
فأسماؤه ﷿ تدل على توحيده وكرمه وجوده ورحمته وإفضاله، ومن حسنها ما فيها من معنى التعظيم والإجلال والإكبار لله ﷾.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ "هذا بيان لعظيم جلال وسعة أوصافه بأن له الأسماء الحسنى، أي كل اسم حسن، وضابطه أنه كل اسم دال على صفة كمال عظيمة وبذلك كانت حسنى، فإنها لو دلت على غير صفة بل كانت علما محضا لم تكن حسنى، فإنها لو دلت على صفة ليست بصفة كمال، بل إما صفة نقص أوصفة منقسمة إلى المدح والقدح لم تكن حسنى فكل اسم من أسمائه دال على جميع الصفة التي اشتُق منها، مستغرق لجميع معناها، وذلك نحو "العليم" الدال عليه أن له علما محيطا عاما لجميع الأشياء فلا يخرج عن علمه مثقال ذرَّة في الأرض ولا في السماء، و"الرحيم" الدال على أنه له رحمة عظيمة واسعة لكل شيء، و"القدير" الدال على أن له قدرة. عامة لا يعجزها شيء ونحو ذلك. ومن تمام كونها حسنى أنه لا يُدعى إلا بها، ولذلك قال: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وهذا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة "٢.
والحسن في أسماء الله تعالى يكون باعتبار كل اسم على انفراده.
مثال ذلك: "الحيُّ": اسم من أسماء الله تعالى متضمن للحياة الكاملة التي لم تُسبق بعدم ولا يلحقها زوال. الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها.
_________________
(١) ١ مدارج السالكين ١/٢٨ ٢ تيسير الكريم الرحمن ٣/ ٥٩.
[ ٣١٥ ]
مثال آخر: "الرحمن": اسم من أسماء الله تعالى متضمن للرحمة الكاملة التي قال عنها رسول الله ﷺ: "لله أرحم بعباده من هذه بولدها" يعني أم صبي وجدته في السبي فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته.
ومتضمن أيضا للرحمة الواسعة التي قال الله عنها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ١، وقال عن دعاء الملائكة للمؤمنين: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ ٢.
وكما يكون الحسن في أسماء الله باعتبار كل اسم على انفراده فكذلك يكون باعتبار جمعه إلى غيره فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمالٌ فوق كمال.
مثال ذلك: "العزيز الحكيم" فإن الله تعالى يجمع بينهما في القرآن كثيرا، فيكون كل منهما دالا على الكمال الخاص الذي يقتضيه وهو: العزة في العزيز؛ والحُكمُ والحكمة في الحكيم.
والجمع بينهما دال على كمال آخر وهو أن عزته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظُلما وجورا وسوء فعل كما قد يكون من أعزّاء المخلوقين. فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم فيظلم ويجور ويسيءُ التَّصرف.
وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعزِّ الكامل بخلاف حكم المخلوق وحكمته، فإنهما يعتريهما الذُّلُّ٣.
قال ابن القيم ﵀: "وهناك صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر وذلك قدر زائد على مفرديهما نحو: الغني الحميد، العفو
_________________
(١) ١ الآية ١٥٦ من سورة الأعراف ٢ الآية ٧ من سورة غافر. ٣ القواعد المثلى ص ٧- ٨.
[ ٣١٦ ]
القدير، الحميد المجيد؛ وهكذا عامة الصفات المقترنة والأسماء المزدوجة في القرآن، فإن الغنى صفة كمال، والحمد كذلك، واجتماع الغِنى مع الحمد كمال آخر، فله ثناء من غناه وثناء من حمده وثناء من اجتماعهما، وكذلك العفوُّ القدير، الحميد المجيد، العزيز الحكيم، فتأمله فإنه من أشرف المعارف"١.
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد ١/ ١٦١.
[ ٣١٧ ]
المطلب الثالث: الأحكام المستفادة من كون أسماء الله حسنى
أولا: أسماء الله توقيفية:
من الأحكام المستفادة من كون أسماء الله حسنى كون الأسماء توقيفية، (فأسماء الله هي أحسن الأسماء وأكملها فليس في الأسماء أحسن منها، ولا يقوم غيرها مقامها، ولا يؤدي معناها، وتفسير الاسم منها بغيره ليس تفسيرا بمرادف محض، بل هو على سبيل التقريب والتفهيم.
فإذا عرفت هذا فله من كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى، وأبعده، وأنزهه عن شائبة عيب أو نقص.
فله من صفة الإدراكات: العليم الخبير دون العاقل الفقيه.
والسميع البصير دون السامع والباصر والناظر.
ومن صفات الإحسان: البر الرحيم الودود دون الشَّفوق، وكذلك العلي العظيم دون الرَّفيع الشريف.
وكذلك الكريم دون السَّخي.
وكذلك الخالق البارىء المصور دون الفاعل الصانع المشكل.
وكذلك سائر أسمائه تعالى يجري على نفسه منها أكملها وأحسنها وما لا يقوم غيره مقامه، فتأمل ذلك، فأسماؤه أحسن الأسماء كما أن صفاته أكمل الصفات، فلا تعدل عما سمى به نفسه إلى غيره، كما لا تتحاوز ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ إلى ما وصفه به المبطلون
[ ٣١٨ ]
المعطلون) ١.
(فهو سبحانه لكمال أسمائه وصفاته موصوف بكل كمال، منزه عن كل نقص، وله كل ثناء حسن، ولا يصدر عنه إلا كل فعل جميل، ولا يسمى إلا بأحسن الأسماء، ولا يثنى عليه إلا بأكمل الثناء) ٢.
ثانيا: تضمّن الأسماء الحسنى للصفات:
من الأحكام المستفادة كذلك، أن في وصف أسماء الله بأنها حسنى دليلا على تضمُّنها للصفات.
قال ابن القيم: "أسماء الرب ﵎ كلها أسماء مدح، ولو كانت ألفاظا مجردة لا معاني لها، لم تدل على المدح، وقد وصفها الله بأنها حسنى كلها، فقال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣، فهي لم تكن حسنى لمجرد اللفظ، بل لدلالتها على أوصاف الكمال.
ولهذا لما سمع بعض العرب قارئا يقرأ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ ٤ ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
قال: ليس هذا بكلام الله؟
فقال القارىء: أتكذب بكلام الله تعالى؟
فقال: لا، ولكن ليس هذا بكلام الله تعالى.
فعاد إلى حفظه وقرأ ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد ١/١٦٨ ٢ طريق الهجرتين ص.١٣. ٣ الآية ١٨٠ من سورة الأعراف ٤ الآية ٣٨ من سورة المائدة
[ ٣١٩ ]
فقال الأعرابيُّ: صدقت: عزَّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع، ولهذا إذا خُتمت آية الرحمة باسم عذاب أو بالعكس ظهر تنافر الكلام وعدم انتظامه. ولو كانت هذه الأسماء أعلاما محضة لا معنى لها لم يكن فرق بين ختم الآية بهذا أوبهذا) ١.
وقال أيضا: "قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢.
أي إنكم إنما تدعون إلها واحدا له الأسماء الحسنى، فأيُّ اسم دعوتموه فإنما دعوتم المسمى بذلك الاسم، فأخبر سبحانه أنه إله واحد وإن تعددت أسماؤه الحسنى المشتقة من صفاته، ولهذا كانت حسنى، وإلا فلو كانت كما يقول الجاحدون لكماله أسماء محضة فارغة من المعاني ليس لها حقائق لم تكن حسنى، ولكانت أسماء الموصوفين بالصفات والأفعال أحسن منها"٣.
وقال الشيخ ابن سعدي: "أسماؤه الحسنى كلها أعلام وأوصاف دالة على معانيها، وكلها أوصاف مدح وثناء، ولذلك كانت حُسنى، فلو كانت أعلاما محضة لم تكن حسنى، ولهذا إذا كان الاسم منقسما إلى حمد ومدح وغيره لم يدخل بمطلقه في أسماء الله كالمريد والصَّانع والفاعل ونحوها فهذه ليست من الأسماء الحسنى، فصفاته كلها صفات كمال محض، فهو الموصوف بأكمل الصفات، وله أيضا من كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه"٤.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالله له الأسماء الحسنى دون السوآى،
_________________
(١) ١ جلاء الأفهام ١٣٥، ١٣٦. ٢ الآية ١١٠ من سورة الإسراء ٣ الصواعق المرسلة ٣/ ٩٣٨ ٤ الحق الواضح المبين ص ٥٥
[ ٣٢٠ ]
وإنما يتميز الاسم الحسن عن الاسم السيىء بمعناه، فلو كانت كلها بمنزلة الأعلام الجامدات التي لا تدل على معنى لم تنقسم إلى حسنى وسوآى"١.
ثالثا: ليس من أسماء الله الحسنى اسم يتضمّن الشرّ:
من الأحكام المستفادة من كون أسماء الله ﷿ كلها حسنى أنه ليس في أسماء الله الحسنى اسم يتضمن الشر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وليس من أسماء الله الحسنى اسم يتضمن الشر، وإنما يذكر الشر في مفعولاته"، كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ ٤، فبيَّن سبحانه أن بطشه شديدٌ وأنه هو الغفور الودود"٥.
وقال أيضا: "وليس في أسمائه الحسنى إلا اسم يمدح به، ولهذا كانت كلهاحسنى".
والحسنى خلاف السُّوآى، فكلها حسنة، والحسن محبوب ممدوح، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح حديث الاستفتاح: "والخير كله بيديك، والشر ليس إليك" ٦.
_________________
(١) ١ شرح الأصفهانية ص ٧٧ ٢ الآيتان ٤٩- ٥٠ من سورة الحجر. ٣ الآية ٩٨ من سورة المائدة. ٤ الآيتان ١٢- ١٤ من سورة البروج. ٥ مجموع الفتاوى ٨/ ٩٦ ٦ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه (٢/ ١٨٥) .
[ ٣٢١ ]
وقد قيل في تفسيره: لا يتقرب به إليك بناء على أنه الأعمال المنهيُّ عنها. وقد قيل: لايضاف إليك بناء على أنه المخلوق.
والشر المخلوق لا يضاف إلى الله مجردا عن الخير قط، وإنما يذكر على أحد وجوه ثلاثة:
الوجه الأول: إما مع إضافته إلى المخلوق، كقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ١.
الوجه الثاني: وإما مع حذف الفاعل كقول الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ ٢.
ومنه في الفاتحة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ٣، فذكر الإنعام مضافا إليه، وذكر الغضب محذوفا فاعله، وذكر الضلال مضافا إلى العبد.
وكذلك قوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ ٤.
الوجه الثالث: وإما أن يدخل في العموم، كقوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٥.
ولهذا إذا ذُكر باسمه الخاص قُرن بالخير، كقوله في أسمائه الحسنى: الضارُّ النافع- المعطي المانع- الخافض الرافع- المعزُّ المُذلُّ.
فجمع بين الاسمين لما فيه من العموم والشمول الدَّال على وحدانيته،
_________________
(١) ١ الآية ٢ من سورة الفلق. ٢ الآية ١٠ من سورة الجن. ٣ الآية ٧ من سورة الفاتحة. ٤ الآية ٨٠ من سورة الشعراء. ٥ الآية ١٥٢ من سورة الأنعام
[ ٣٢٢ ]
وأنه وحده يفعل جميع الأشياء.
ولهذا لا يدعى بأحد الاسمين: كالضار والنافع، والخافض والرافع، بل يذكران جميعا. ولهذا كان كل نعمة منه فضلا، وكل نقمة منه عدلا"١.
وقال ابن القيم: "إن أسماءه كلها حُسنى ليس فيها اسم غير ذلك أصلا؛ ومن أسمائه ما يطلق عليه باعتبار الفعل نحو الخالق الرازق المحيي المميت.
وهذا يدل على أن أفعاله كلها خيرات محض لا شر فيها؛ لأنه لو فعل الشر لاشتُق له منه اسم ولم تكن أسماؤه كلها حُسنى، وهذا باطل، فالشرُّ ليس إليه، فكما لا يدخل في صفاته ولا يلحق ذاته لا يدخل، في أفعاله، فالشر ليس إليه، لا يضاف إليه فعلا ولا وصفا وإنما يدخل في مفعولاته.
وفرق بين الفعل والمفعول: فالشر قائم بمفعوله المباين له، لا بفعله الذي هوفعله.
فتأمل هذا فإنه خَفيَ على كثير من المتكلمين وزلَّت فيه أقدام وضلت فيه أفهام، وهدى الله أهل الحق لما اختلفوا فيه بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم"٢.
وقال ابن القيم: "إن النعيم والثواب من مقتضى رحمته ومغفرته وبرِّه وكرمه، ولذلك يضيف ذلك إلى نفسه، وأما العذاب والعقوبة فإنما هو من مخلوقاته، ولذلك لا يسمَّى بالمعاقِب والمعذِّب، بل يُفرَّقُ بينهما، فيجعل ذلك من أوصافه، وهذا من مفعولاته حتى في الآية الواحدة كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ ٣،
_________________
(١) ١ منهاج السنة ٥/ ٤٠٩- ٤١٠. ٢ بدائع الفوائد ١/ ١٦٣- ١٦٤ ٣ الآية ٤٩- ٥٠ من سورة الحجر.
[ ٣٢٣ ]
وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢ ومثلها في آخر الأنعام٣، فما كان من مقتضى أسمائه وصفاته، فإنه يدوم بدوامها، ولا سيما إذا كان محبوبا له، وهو غاية مطلوبة في نفسها، وأما الشر الذي هو العذاب، فلا يدخل في أسمائه وصفاته، وإن دخل في مفعولاته لحكمة إذا حصلت زال وفنى؛ بخلاف الخير، فإنه سبحانه دائم المعروف لا ينقطع معروفه أبدا، وهو قديم الإحسان أبديُّ الإحسان، فلم يزل ولا يزال محسنا على الدوام.
وليس من موجب أسمائه وصفاته أنه لا يزال معاقبا على الدوام غضبان على الدوام، منتقما على الدوام، فتأمل هذا الوجه تأمل فقيه في باب أسماء الله وصفاته يفتح لك بابا من أبواب معرفته ومحبته، يوضحه قول أعلم خلقه به وأعرفهم بأسمائه وصفاته: "والشر ليس إليك" ولم يقف على المعنى المقصود من قال؛ الشر لا يُتقرب به إليك، بل الشر لا يضاف إليه سبحانه بوجه، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه، فإن ذاته لها الكمال المطلق من جميع الوجوه، وصفاته كلها صفات كمال يحمد عليها ويثنى عليه بها، وأفعاله كلها خير ورحمة وعدل وحكمة لاشر فيها بوجه ما، وأسماؤه كلها حسنى، فكيف يضاف، الشر إليه، بل الشر في مفعولاته ومخلوقاته، وهو منفصل عنه، إذ فعله غير مفعوله، ففعله خير كله، وأما المخلوق المفعول ففيه الخير والشر.
وإذا كان الشر مخلوقا منفصلا غير قائم بالرب سبحانه، فهو لا يُضاف
_________________
(١) ١ الآية ٩٨ من سورة المائدة. ٢ الآية ١٦٧ من سورة الأعراف. ٣ الآية ١٦٥ من سورة الأنعام.
[ ٣٢٤ ]
إليه، وهو ﷺ لم يقل: أنت لا تخلق الشر حتى يطلب تأويل قوله، وإنما نفى إضافته إليه وصفا وفعلا واسما"١.
رابعا: الأسماء المزدوجة يجب أن تجري مجرى الاسم الواحد ولا يفصل بينها.
من الأحكام المستفادة من كون أسماء الله كلها حسنى أن الأسماء المزدوجة يجب أن تجري مجرى الاسم الواحد ولا يُفصل بينها، وذلك مثل:
ا- المعطي- المانع.
٢- النافع- الضار.
٣- الخافض- الرافع.
٤- المنتقم- العفو.
٥- المحيي- المميت.
٦- القابض- الباسط.
٧- المعز- المذل.
٨- المبدىء- المعيد.
٩- المقدم- المؤخر.
١٠- الأول- الآخر.
١١- الظاهر- الباطن.
١٢- الراتق- الفاتق.
١٣- الهادي- المضل.
_________________
(١) ١ حادي الأرواح ص ٤٥٧، ٤٥٨، ولزيادة الاتفصال انظر: الحسنة والسيئة لابن تيمية ص ٩٢، ٩٣ وطريق الهجرتين ص ١٥٧، ١٥٩، العواصم والقواصم ٧/ ٢٠٧، وشفاء العليل ص ١٧٨، ٢٦٩.
[ ٣٢٥ ]
١٤- المحل- المحرم.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى "أسماء الله تعالى منها ما يطلق عليه مفردا ومقترنا بغيره وهو غالب الأسماء كالقدير والسميع والبصير والعزيز والحكيم.
وهذا يسوغ أن يُدعى به مفردا ومقترنا بغيره فتقول: يا عزيز يا حليم يا غفور يا رحيم، وأن يفرد كل اسم، وكذلك في الثناء عليه والخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد والجمع.
ومنها ما لا يطقق عليه بمفرده بل مقرونا بمقابله كالمانع والضار والمنتقم١، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو، فهو المعطي المانع، الضار النافع، المنتقم العفو، المعزُّ المذلُّ؛ لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله؛ لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتَّصرف فيهم عطاء ومنعا، ونفعا وضرا، وعفوا وانتقاما.
وأما أن يُثنى عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ.
فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الواحد، ولذلك لم تجىء مفردة ولم تطلق عليه إلا مقترنة، فاعلمه
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "اسم "المنتقم" ليس من أسماء الله الحسنى الثابتة عن النبي ﷺ، وإنما جاء في القرآن مقيدا، كقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾، والحديث الذي في عدد الأسماء الحسنى الذي ذكر فيه "المنتقم" فذكر في سياقه "البر، التوَّاب، المنتقم، العفو، الرؤوف" ليس هذا عند أهل المعرفة بالحديث، من كلام النبي ﷺ ) مجموع الفتاوى ٨/ ٩٦.
[ ٣٢٦ ]
فلو قلت: يا مُذل، يا ضار، يا مانع، وأخبرت بذلك لم تكن مثنيا عليه ولا حامدا له حتى تذكرمقابلها"١.
ويستفاد من كلام ابن القيم السابق أن الأسماء الحسنى تنقسم باعتبار إطلاقها على الله إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الأسماء المفردة:
وضابطها: ما يسوغ أن يطلق عليه مفردا.
وهذا يقع في غالب الأسماء.
مثالها: الرحمن، السميع، الرحيم، القدير، الملك
القسم الثاني: الأسماء المقترنة:
وضابطها: ما يُطلق عليه مقترنا بغيره من الأسماء.
وهذا أيضا يقع في غالب الأسماء.
مثالها: العزيز الحكيم، الغفور الرحيم، الرحمن الرحيم، السميع البصير.
وكل من القسم الأول والثاني يسوغ أن يُدعى به مفردا، ومقترنا بغيره، فتقول: يا عزيز، أو يا حكيم، أويا غفور، أويا رحيم.
وهكذا في حال الثناء عليه أو الخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد أو الجمع.
القسم الثالث: الأسماء المزدوجة:
وضابطها: ما لا يُطلق عليه بمفرده بل مقرونا بمقابله؛ لأن الكمال في اقتران كل اسم منها بما يقابله.
مثالها: الضار النافع، المعز المذل، المعطي المانع، المنتقم العفُوُّ.
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد ١/ ١٦٧.
[ ٣٢٧ ]
فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الواحد، ولذلك لم تجىء مفردة، ولم تطلق عليه إلا مقترنة.
والسبب في ذلك؛ أن الكمال إنما يحصل في الجمع بين الاسمين لما فيه من العموم والشمول الدال على وحدانيته، وأنه وحده يفعل جميع الأشياء. فهو سبحانه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتصرف فيهم عطاء ومنعًا، ونفعا وضرا، وعفوا وانتقاما.
ولذلك لو قلت: يا مذلُّ، يا ضار، يا مانع، وأخبرت بذلك لم تكن مثنيا عليه ولا حامدا له حتى تذكر مقابلها.
وقال ابن الوزير: "إن اسم الضار لا يجوز إفراده على النافع، فحين لم يجز إفراده لم يكن مفردا من أسماء الله تعالى، وإذا وجب ضمه إلى النافع كانا معا كالاسم الواحد المركب من كلمتين، مثل عبد الله وبعلبك، فلو نطقت بالضار وحده لم يكن اسما لذلك المسمى به، ومتى كان الاسم هو الضار النافع معا كان في معنى مالك الضر والنفع، وذلك في معنى مالك الأمر كله، ومالك الملك، وهذا المعنى من الأسماء الحسنى هو في معنى قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ ١ الآية، وهو في معنى القديرعلى كل شيء.
وميزان الأسماء الحسنى يدور على المدح بالملك والاستقلال وما يعود إلى هذا المعنى، وعلى المدح بالحمد والثناء وما يعود إلى ذلك، وكل اسم دل على هذين الأمرين فهو صالح دخوله فيها، والضار النافع يرجع إلى ذلك
_________________
(١) ١ الآية ٢٦ من سورة آل عمران.
[ ٣٢٨ ]
مع الجمع وعدم الفرق ومع القصد، فيلزم من أطلقه قصد ذلك مع الجمع"١.
قال ابن القيم في نونيته:
هذا ومن أسمائه ما ليس يف رد بل يقال إذا أتى بقران
وهي التي تُدعى بمزدوجاتها إفرادها خطر على الإنسان
إذ ذاك موهم نوع نقص جل رب العرش عن عيب وعن نقصان
كالمانع المعطي وكالضار الذي هو نافع وكماله الأمران
ونظير هذا القابض المقرون با سم الباسط اللفظان مقترنان
وكذا المعزّ مع المذل وخافض مع رافع لفظان مزدوجان
وحديث إفراد اسم منتقم فمو قوف كما قد قال ذو العرفان
ما جاء في القرآن غير مقيد بالمجرمين وجابذو نوعان٢
_________________
(١) ١ إيثار الحق على الخلق ص١٨٧ ٢ توضيح المقاصد ٢/ ٢٤٨، ٢٤٩.
[ ٣٢٩ ]
المبحث الثالث: أسماء الله الحسنى أعلام وأوصاف
المطلب الأول: بيان معتقد أهل السنة في المسألة
المطلب الأول: بيان معتقد أهل السنة في المسألة
من الأمور المتقررة في عقيدة أهل السنة والجماعة أن أسماء الله الحسنى متضمنة للصفات، فكل اسم يدل على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر، فالعزيز متضمن لصفة العزة وهو مشتق منها، والخالق متضمن لصفة الخلق وهو مشتق منها، فأسماء الله مشتقة من صفاته وليست جامدة كما يزعم المعتزلة ومن وافقهم الذين ادَّعوا أنها أعلام جامدة لا معاني لها، فقالوا: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، وعزيز بلا عزة، فسلبوا بذلك عن أسماء الله معانيها.
فالرب تعالى يشتق له من أوصافه وأفعاله أسماء ولا يشتق له من مخلوقاته، وكل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته أو فعل قائم به.
ولمزيد من الإيضاح وإلقاء الضوء على هذه المسألة وبيان عقيدة أهل السنة أود طرح ذلك في النقاط التالية.
النقطة الأولى: أن أسماء الله الحسنى لها اعتباران:
أسماء الله الحسنى كلها متفقة في الدلالة على نفسه المقدسة، ثم كل اسم يدل على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر١.
وذلك لأن أسماءه الحسنى لها اعتباران:
اعتبار من حيث الذات.
_________________
(١) ١ الإيمان لابن تيمية ص ١٧٥.
[ ٣٣٣ ]
واعتبار من حيث الصفات.
فهي أعلام باعتبار دلالتها على الذات.
وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني.
وهي بالاعتبار الأول: مترادفة١ لدلالتها على مسمى واحد هو الله ﷿، ف"الحي، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم" كلها أسماء لمسمى واحد هو الله ﷾.
قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢. فأسماء الله تعالى تدل كلها على مسمى واحد، وليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى يضاد دعاءه باسم آخر، بل كل اسم يدل على ذاته.
وهي بالاعتبار الثاني: متباينة٣ لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص، فمعنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، وهكذا٤.
النقطة الثانية: الوصف بها لا ينافي العلمية:
قال ابن القيم: "أسماء الله الحسنى هي أعلام وأوصاف، والوصف بها لا
_________________
(١) ١ الألفاظ المترادفة: هي ما اختلفت في ألفاظها واتحدت في مدلولها، ف "الرحمن- السميع- القدير" اختلفت في ألفاظها واتحدت في دلالتها على مسمى الله. ٢ الآية ١١٠ من سورة الإسراء. وقد ذكر ابن كثير في تفسيره سبب نزولها فقال: "روى مكحول أن رجلا من المشركين سمع النبي ﷺ وهو يقول في سجوده: "يا رحمن يا رحيم" فقال. إنه يزعم أنه يدعو واحدا وهو يدعو اثنين، فأنزل الله هذه الآية" تفسير ابن كثير ٣/٦٨ ٣ الألفاظ المتباينة: هي ما اختلفت في ألفاظها ومعانيها، فالسميع ليس كالقدير لفطا ومعنى. ٤ بدائع الفوائد ١/ ١٦٢، القواعد المثلى ص ٨، جلاء الأفهام ص ١٣٨.
[ ٣٣٤ ]
ينافي العلمية؛ بخلاف أوصاف العباد فإنها تنافي علميتهم؛ لأن أوصافهم مشتركة فنافتها العلمية المختصة، بخلاف أوصافه تعالى"١.
وقال ﵀: "أسماء الرب تعالى، أسماء كتبه، وأسماء نبيه ﷺ هي أعلام دالة على معان هي بها أوصاف، فلا تضاد فيها العلمية الوصف بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين، فهو الله الخالق، البارىء المصور القهار؛ فهذه أسماء له دالة على معان هي صفاته "٢.
قال الدارمي: "لا تقاس أسماء الله بأسماء الخلق؛ لأن أسماء الخلق مخلوقة مستعارة وليست أسماؤهم نفس صفاتهم، بل مخالفة لصفاتهم، وأسماء الله وصفاته ليس شيء منها مخالفا لصفاته، ولا شيء من صفاته مخالفا لأسمائه.
فمن ادعى أن صفة من صفات الله مخلوقة أو مستعارة فقد كفر وفجر؛ لأنك إذا قلت: (الله) فهو (الله)، وإذا قلت: (الرحمن) فهو (الرحمن) وهو (الله) فإذا قلت: (الرحيم) فهو كذلك، وإذا قلت: (حكيم- عليم- حميد- مجيد- جبار- متكبر- قاهر- قادر) فهو كذلك هو (الله) سواء لا يخالف اسم له صفته ولا صفته اسما.
وقد يسمى الرجل حكيما وهو جاهل، وحَكَمًا وهو ظالم، وعزيزا وهو حقير، وكريما وهو لئيم، وصالحا وهو طالح، وسعيدا وهو شقي، ومحمودا وهو مذموم، وحبيبا وهو بغيض؛ وأسدا وحمارا؛ وكلبا وجديا، وكليبا؛ وهرا، وحنظلة، وعلقمة، وليس كذلك.
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد ١/ ١٦٢. ٢ جلاء الأفهام ص ١٣٣، ١٣٤.
[ ٣٣٥ ]
الله تعالى وتقدس اسمه كل أسمائه، سواء، لم يزل كذلك ولا يزال، لم تحدث له صفة ولا اسم لم يكن كذلك، كان خالقا قبل المخلوقين، ورازقا قبل المرزوقين، وعالما قبل المعلومين، وسميعا قبل أن يسمع أصوات المخلوقين، وبصيرا قبل أن يرى أعيانهم مخلوقة"١.
النقطة الثالثة: أقسام أسماء الله باعتبار معانيها:
ترجع أسماء الله الحسنى من حيث معانيها إلى أحد الأمور التالية:
ا- إلى صفات معنوية: كالعليم، والقدير، والسميع، والبصير.
٢- ما يرجع إلى أفعاله: كالخالق، والرازق، البارىء، والمصور، والوهاب.
٣- ما يرجع إلى التنزيه المحض ولابد من تضمنه ثبوتا؛ إذ لا كمال في العدم المحض: كالقدوس، والسلام، والأحد.
٤- ما دل على جملة أوصاف عديدة ولم يختص بصفة معينة، بل هو دال على معناه لا على معنى مفرد: نحو: المجيد، العظيم، الصمد، فإن "المجيد" من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال، ولفظه يدل على هذا: فإنه موضوع للسعة والكثرة والزيادة، كما في قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ ٢ فالمجيد صفة للعرش لسعته وعظمه وشرفه.
و"العظيم"من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال.
وكذلك "الصمد" قال ابن عباس: هو السيد الذي كمل في سؤدده، وقال ابن وائل: هو السيد الذي انتهى سؤدده.
_________________
(١) ١ الرد على المريسي ص ٣٦٥. ٢ الآية ١٥ من سورة البروج.
[ ٣٣٦ ]
وقال عكرمة: الذي ليس فوقه أحد.
وكذلك قال الزجاج: الذي ينتهي إليه السؤدد فقد صمد له كل شيء.
وقال ابن الأنباريِّ: لا خلاف بين أهل اللغة أن "الصمد" السيد الذي ليس فوقه أحد الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وأمورهم١.
النقطة الرابعة: أن الاسم من أسمائه تعالى له دلالاتٌ:
دلالة على الذات والصفة بالمطابقة.
ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم.
ويتضح ذلك بما يلي:
أولا: بيان أقسام الدلالات اللفظية: تنقسم الدلالات اللفظية إلى ثلاثة أقسام:
ا- دلالة المطابقة.
٢- دلالة التضمن.
٣- دلالة الالتزام.
وذلك لأن الكلام إما أن يساق ليدل على تمام معناه.
وإما أن يساق ليدل على بعض معناه.
وإما أن يساق ليدل على معنى آخر خارج عن معناه إلا أنه لازم له.
فدلالة اللفظ على تمام معناه تسمى دلالة "مطابقة"، وسُميت مطابقة للتَّطابق الحاصل بين معنى اللفظ وبين الفهم الذي استفيد منه.
ودلالة اللفظ على بعض معناه تسمى دلالة "تضمُّن"، وسميت دلالة تضمن لأن اللفظ قد تضمن معنى آخر إضافة إلى المعنى الذي فُهم منه.
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد ١/ ١٥٩- ١٦٠.
[ ٣٣٧ ]
ودلالة اللفظ على معنى خارج عن معناه إلا أنه لازم له تسمى دلالة "التزام"، وسميت دلالة التزام لأن المعنى المستفاد لم يدل عليه اللفظ مباشرة، ولكن معناه يلزم منه هذا المعنى المستفاد.
الأمثلة:
أ- مثال لدلالة المطابقة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ١ فلفظة "البقرة": اسم جنس سيق ليدل على تمام معناه وهو الحيوان المعروف، فأية بقرة كانت كافية لتنفيذ الأمر لو ذبحها بنو إسرائيل، ولكنهم شدّدوا على أنفسهم في طلب التعيين فشدّد الله عليهم.
ب- مثال لدلالة التضمن كأن يقول. إنسان: أنا عالم بالفرائض وتقسيم المواريث.
فنقول له: بين لنا إذن أحكام الجد مع الإخوة؟
فيقول: أنا لم أقل لكم إنني أعلم هذه الأحكام.
فنقول له: لقد تضمنت دعواك العلم بالفرائض وتقسيم المواريث أنك عالم بأحكام الجد مع الإخوة، وقد فهمنا هذا من كلامك عن طريق الدلالة التضمُّنية.
ج- مثال لدلالة الالتزام: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
فإن قاله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الواقع في جواب الشرط يدل عن طريق الدلالة الالتزامية على أن الله يغفر لكم ويرحمكم إن أنتم عفوتم وصفحتم وغفرتم،
_________________
(١) ١ الآية ٦٧ من سورة البقرة. ٢ الآية ١٤ من سورة التغابن.
[ ٣٣٨ ]
مع أن هذا المعنى غير مدلول عليه بمنطوق اللفظ، ولكن يلزم من كونه غفورا رحيما أن يكافىء أهل العفو والصفح والمغفرة بالرحمة والغفران؛ ولذلك حصل الاكتفاء في جواب الشرط بذكر هذين الوصفين دون التصريح للازمهما.
ثانيا: تطبيق الدَّلالات الثلاث على أسماء الله تعالى:
قال ابن القيم: "إن الاسم من أسمائه ﵎ كما يدل على الذات والصفة التى اشتق منها بالمطابقة، فإنه يدل عليه دلالتين أخريين بالتضمن واللزوم.
فيدل على الصفة بمفردها بالتضمن وكذلك على الذات المجردة على الصفة.
ويدل على الصفة الأخرى باللزوم.
الأمثلة:
أ- "الخالق":
ويدل على ذات الله وعلى صفة الخلق بالمطابقة يدل على الذات وحدها وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن، ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ١ ذلك لأن العلم والقدرة لازمان للخلق.
مثال آخر: "السميع":
يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة.
_________________
(١) ١ الآية ١٢ من سورة الطلاق.
[ ٣٣٩ ]
وعلى الذات وحدها وعلى السمع وحده بالتضمن.
ويدل على اسم الحيّ وصفة الحياة بالالتزام.
وكذلك سائر أسمائه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأسماؤه كلها متفقة في الدلالة على نفسه المقدسة، ثم كل اسم يدل على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دل على الاسم الآخر، فالعزيز يدل على نفسه مع عزته، والخالق يدل على نفسه مع خلقه، والرحيم يدل على نفسه مع رحمتها، ونفسه تستلزم جميع صفاته، فصار كل اسم يدل على ذاته والصفة المختصة به بطريق المطابقة، وعلى أحدهما بطريق التضمن وعلى الصفة الأخرى بطريق اللزوم"١.
وقال الشيخ حافظ حكمي: "واعلم أن دلالة أسماء الله تعالى حق على حقيقتها مطابقة وتضمنا والتزاما.
فدلالة اسمه تعالى: "الرحمن" على ذاته ﷿ مطابقة وعلى صفة الرحمة تضمنا وعلى الحياة وغيرها التزاما،.
وهكذا سائر أسمائه ﵎.
وليست أسماء الله تعالى غيره كما يقوله الملحدون في أسمائه، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
فإن الله ﷿ هو الإله، وما سواه عبيد.
وهو الرب، وما سواه مربوب.
وهو الخالق، وما سواه مخلوق.
وهو الأول فليس قبله شيء، وما سواه محدث كائن بعد أن لم يكن.
_________________
(١) ١ الإيمان ص ١٧٥، ط: المكتب الإسلامي.
[ ٣٤٠ ]
وهو الآخر الباقي فليس بعده شيء، وما سواه فان.
فلو كانت أسماء الله تعالى غيره كما زعموا لكانت مخلوقة مربوبة محدثة فانية؛ إذ كل ما سواه كذلك، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا"١.
قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: "الدلالة نوعان:
ا- لفظية ٢٠- معنوية عقلية.
فإن أعطيت اللفظ جميع ما دخل فيه من المعاني فهي دلالة مطابقة؛ لأن اللفظ طابق المعنى من غير زيادة ولا نقصان.
وإن أعطيته بعض المعنى فتسمى دلالة تضمن؛ لأن المعنى المذكور بعض اللفظ وداخل في ضمنه.
وأما الدلالة المعنوية العقلية فهي خاص، بالعقل والفكر الصحيح؛ لأن اللفظ بمجرده لا يدل عليها، وإنما ينظر العبد ويتأمل في المعاني اللازمة لذلك اللفظ الذي لا يتم معناها بدونه وما يشترط له من الشروط، وهذا يجري في جميع الأسماء الحسنى، كل واحد منها يدل على الذات وحدها أو على الصفة وحدها دلالة تضمن، ويدل على الصفة الأخرى اللازمة لتلك المعاني دلالة التزام، مثال ذلك: "الرحمن" يدل على الذات وحدها وعلى الرحمة وحدها دلالة تضمن، وعلى الأمرين دلالة مطابقة، ويدل على الحياة الكاملة والعلم المحيط والقدرة التامة ونحوها دلالة التزام؛ لأنه لا توجد الرحمة من دون حياة الراحم، وقدرته الموصِّلة لرحمته للمرحوم وعلمه به وبحاجته.
وكذلك ما تقدم من استلزام "الملك" جميع صفات المُلْك الكامل، واستلزام "الرب" لصفات الربوبية و"الله" لصفات الألوهية، وهي صفات
_________________
(١) ١ معارج القبول ١/٧٨
[ ٣٤١ ]
كمال كلها، وكثير من أسمائه الحسنى يستلزم عدة أوصاف كالكبير والعظيم والمجيد والحميد والصمد، فهذه قاعدة نافعةٌ"١.
_________________
(١) ١ الحق الواضح المبين في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين من الكافية الشافية ص ٥٤، ٥٥.
[ ٣٤٢ ]
المطلب الثاني: الأدلة على أن أسماء الله أعلام وأوصاف
ا- دلالة القرآن والسنة على ذلك: تنوعت دلالة القرآن والسنة في إثبات هذه المسألة، فمن ذلك:
أ- أن الله يخبر بمصادرها ويصف نفسه بها: والمصدر هو الوصف الذي اشتقت منه تلك الصِّفة.
فمن القرآن: قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ ٣، وقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٤.
فعلم أن "القويَّ" من أسمائه، ومعناه الموصوف بالقوة.
وكذلك "العزيز" من أسمائه، ومعناه الموصوف بالعزة.
فالقويّ من له القوة، والعزيز من له العزة، فلولا ثبوت القوة والعزة لم يُسم قويّا ولا عزيزا.
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الآية ١٩ من سورة الشورى ٢ الآية ٥٨ من سورة الذاريات ٣ الآية ١٠ من سورة فاطر. ٤ الآية ٨٢ من سورة ص. ٥ الآية ٨ من سورة الأحقاف ٦ الآية ٦ من سورة الرعد.
[ ٣٤٣ ]
وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ ١.
فالغفور هو المتصف بالمغفرة.
والرحيم هو المتصف بالرحمة.
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ ٣.
فهوالحكيم الذي له الحكم.
وقال تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ ٥.
وكذلك الحال في السُّنَّة:
ففي الصحيح عن النبي ﷺ: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القِسْطَ ويرفعه، يَرفعُ عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النُّور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"٦. فأثبت المصدر الذي اشتق منه اسمه "البصير".
وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات"٧.
فأثبت المصدر الذي اشتق منه اسمه "السَّميع".
_________________
(١) ١ الآية ٥٨ من سورة الكهف. ٢ الآية ٨٤ من سورة الزخرف. ٣ الآية ١٢ س سورة غافر. ٤ الآية ١٦٦ من سورة النساء. ٥ الآية ٢٥٥ من سورة البقرة. ٦ أخرجه مسلم في صحيحه ١/١٦٢. ٧ صحيح البخاري ٤/ ١٩٥.
[ ٣٤٤ ]
وفي الصحيح حديث الاستخارة " اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك" ١.
فهو قادر بقدرة.
وفي الصحيح عنه ﷺ: "يقول الله ﵎: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي" ٢.
فهو العظيم الذي له الكبرياءُ.
وقوله ﷺ: "أعوذ برضاك من سخطك" ٣، وقوله ﷺ: "أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت" ٤.
فقد دلَّ القرآن والسنة على إثبات مصادر هذه الأسماء له سبحانه وصفا، ولولا هذه المصادر لانتفت حقائق الأسماء والصفات والأفعال، فإن أفعاله غير صفاته، وأسماؤه غير أفعاله وصفاته، فإذالم يقم به فعل ولا صفة فلا معنى للاسم المجرد وهو بمنزلة صوت لا يفيد شيئا، وهذا غاية الإلحاد٥.
فكل ما دلت عليه أسماؤه فهو مما وصف به نفسه، فيجب الإيمان بكل ما وصف به نفسه.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى. (فتح الباري ٣/ ٤٨ح١١٦٢) . ٢ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر ١٣٦، وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس باب ما جاء في الكبر ح.٤٠٩- ٤/ ٣٥٠، ٣٥١- وابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب البراءة من الكبر والتواضع ٢/ ٤٢١ ح ٤٢٢٨، وأخرجه الإمام أحمد ٣/٢٧٦، ٤١٤، ٤٢٧، ٤٤٢. ٣ صحيح مسلم ١/٣٥٢ ٤ صحيح البخاري ٤/ ١٩٤، صحيح مسلم ٤/ ٢٠٨٦. ٥ شفاء العليل ٥٦٦، التفسير القيم ٣٠، ٣١.
[ ٣٤٥ ]
ب- (أن الله يخبرُ عن الأسماء بأفعالها "أي حُكمُ تلك الصفة"):
قال تعالى ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ١
وقال تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٤.
فلو لم تكن أسماؤه مشتملة على معان وصفات لم يسغ أن يخبر عنها بأفعالها، فلا يقال: يسمع ويرى ويعلم ويريد، فإن ثبوت أحكام الصفات فرعُ ثبوتها، فإذا انتفى أصل الصفة استحال ثبوت حكمها.
ج- أن الله يعلِّل أحكامه وأفعاله بأسمائه:
(فالله سبحانه يعلل أحكامه وأفعاله بأسمائه، ولو لم يكن لها معنى لما كان التعليل صحيحا، كقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٦، فختم حكم الفيء الذي هو الرجوع والعود إلى رضى الزوجة والإحسان إليها بأنه غفور رحيم، يعود على عبده بمغفرته ورحمته إذا رجع إليه با لمغفرة والرحمة.
_________________
(١) ١ الآية امن سورة المجادلة. ٢ الآية ٤٦ من سورة طه. ٣ الآية ١٩ من سورة النحل. ٤ الآية ١٨٥ من سورة البقرة. ٥ الآية ١٠ من سورة نوح. ٦ الآيتان ٢٢٦- ٢٢٧ من سورة البقرة.
[ ٣٤٦ ]
﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فإن الطلاق لما كان لفطا يُسمع ومعنى يُقصد عقّبه باسم "السميع" للنطق به "العليم" بمضمونه.
وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ١.
أي لما صاروا إلى كرامته بمغفرته ذنوبهم وشكره إحسانهم قالوا: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ وفي هذا معنى التعليل: أي بمغفرته وشكره وصلنا إلى دار كرامته، فإنه غفر لنا السيئات وشكر لنا الحسنات.
وقال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ ٢.
فهذا جزاء لشكرهم، أي إن شكرتم ربكم شكركم، وهوعليم بشُكرِكم لا يخفى عليه من شكره ممَّن كفره) ٣.
د- الله يُسْتَدَلُّ على توحيده بأسمائه:
فالله سبحانه يُستدلُّ بأسمائه على توحيده ونفي الشريك عنه، ولو كانت أسماء لامعنى لها لم تدل على ذلك.
كقول هارون لعبدة العِجل: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ ٤. وقوله سبحانه في القصَّة: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الآية ٣٤ من سورة فاطر. ٢ الآية ١٤٧ من سورة النساء. ٣ جلاء الأفهام ص ١٣٥- ١٣٦ ٤ الآية ٩٠ من سورة طه. ٥ الآية ٩٨ من سورة طه.
[ ٣٤٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢.
فسبَّح نفسه عن شرك المشركين به عقب تمدُّحه بأسمائه الحسنى المقتضية لتوحيده، واستحالة إثبات شريك له٣.
هـ- أن الله يعلِّق بأسمائه المعمولات من الظُّروف والجار والمجرور وغيرهما:
فالله سبحانه يعلق بأسمائه المعمولات من الظروف والجار والمجرور وغيرهما، ولوكانت أعلاما محضة لم يصح فيها ذلك.
كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٤.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ ٥.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ ٦.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ٧.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٨.
_________________
(١) ١ الآية ١٦٣ من سورة البقرة ٢ الآيتان ٢٢- ٢٤ من سورة الحشر ٣ جلاء الأفهام ص ١٤٧ ٤ الآية ١٦ من سورة الحجرات ٥ الآية ٧ من سورة الجمعة. ٦ الآية ٦٣ من سورة آل عمران ٧ الآية ٤٣ من سورة الأحزاب. ٨ الآية ١١٧ من سورة التوبة.
[ ٣٤٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ٣.
ونظائره كثيرةٌ٤.
ووصف الله ﷿ أسماءه بأنها حسنى:
قال ابن القيم: "أسماء الرب ﵎ كلها أسماء مدح، ولو كانت ألفاظا مجردة لا معاني لها، لم تدل على المدح، وقد وصفها اللة بأنها حسنى كلها، فقال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٥.
فهي لم تكن حسنى لمجرد اللفظ، بل لدلالتها على أوصاف الكمال.
ولهذا لما سمع بعض العرب قارئا يقرأ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ ٦ (والله غفور رحيم) .
قال: ليس هذا كلام الله.
فقال القارىء: أَتُكَذِّبُ بكلام الله تعالى؟
فقال: لا، ولكن ليس هذا بكلام الله تعالى.
فعاد إلى حفظه وقرأ: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
_________________
(١) ١ الآية ١٨٩ من سورة آل عمران. ٢ الآية ٣٩ من سورة النساء. ٣ الآية ٢٧ من سورة الشورى ٤ جلاء الأفهام ص ١٣٧-١٣٨ ٥ الآية ١٨٠ من سورة الأعراف. ٦ الآية ٣٨ من سورة المائدة
[ ٣٤٩ ]
فقال الأعرابي: صدقت: عزَّ، فحكمَ، فقطعَ، ولوغفر ورحِمَ لما قطع.
ولهذا إذا خُتمت آية الرحمة باسم عذاب، أو بالعكس، ظهر تنافر الكلام وعدم انتظامه.
ولو كانت هذه الأسماء أعلاما محضة لا معنى لها لم يكن فرق بين ختم الآية بهذا أو بهذا"١.
وقال أيضا: "أخبر سبحانه أنه إله واحد، وإن تعددت أسماؤه الحسنى المشتقة من صفاته، ولهذا كانت حسنى، وإلا فلو كانت كما يقول الجاحدون لكماله أسماء محضة فارغة من المعاني ليس لها حقائق لم تكن حسنى، ولكانت أسماء الموصوفين بالصفات والأفعال أحسن منها"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الله له الأسماء الحسنى دون السّوآى، وإنما تميّز الاسم الحسن عن الاسم السيىء بمعناه، فلو كانت كلها بمنزلة الأعلام الجامدات التي لا تدل على معنى لم تنقسم إلى حسنى وسوآى"٣.
٢- دليل الإجماع:
أ- إجماع أهل اللغة:
(أجمع أهل اللغة والعرف على أنه لا يقالُ: عليم إلا لمن له علم، ولا سميع إلا لمن له سمع، وهذا أمر بين لا يحتاج إلى دليل) ٤.
ب- إجماع المسلمين:
(أجمع المسلمون أنه لو حلف بحياة الله أو سمعه أو بصره أو قوَّته أو عزَّته
_________________
(١) ١ جلاء الأفهام ١٣٥-١٣٦. ٢ الصواعق المرسلة ٣/ ٩٣٨. ٣ شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٧. ٤ بدائع الفوائد ١/ ١٦٥.
[ ٣٥٠ ]
أو عظمته انعقدت يمينه، وكانت مكفِّرة لأن هذه صفات كماله التي اشتق منها أسماؤه١.
٣- دليل العقل:
أ- (إنه يُعلم بالاضطرار الفرق بين الحيّ والقدير والعليم والملك والقدُّوس والغفور.
وإن العبد إذا قال: رب اغفرلي وتب علي إنك أنت التواب الغفور، كان قد أحسن في مناجاة ربِّه.
وإذا قال: اغفر لي وتُب على إنَّك أنت الجبار المتكبر الشديد العقاب، لم يكن محسنا في مناجاته) ٢.
ب- إنَّ من المستحيل أن يكون عليما قديرا سميعا بصيرا ولا علم له ولا قدرة؛ بل صحَّةُ هذه الأسماء مستلزمة لثبوت معانيها له، وانتفاء حقائقها عنه مستلزم لنفيها عنه، والثاني باطل قطعا فتعيَّن الأول) ٣ لأن شرط صحة إطلاق هذه الأسماء حصول معانيها وحقائقها للموصوف) ٤.
_________________
(١) ١ القواعد المثلى ص ٨. ٢ مدارج السالكين ١/٢٨، ٢٩ ٣ شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦. ٤ مختصر الصواعق ٢/ ١٨٩.
[ ٣٥١ ]
المطلب الثالث: الأحكام المستفادة من هذه المسألة
أولًا: "الدهر" ليس من أسماء الله:
من فقه هذه القاعدة والأحكام التي تُؤخذ منها أن يعلم أن "الدهر" ليس من أسماء الله تعالى؛ لأنه اسم جامد لا يتضمن معنى يلحقه بالأسماء الحسنى، وأسماء الله كما تقدم لنا كل واحد منها دل على "معنى" الذي نسميه الصفة.
وكذلك فإن الدهر اسم للوقت والزَّمن، قال الله تعالى عن منكر البعث: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ١ يريدون مرور الليالي والأيام٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "تنازع المسلمون في تسمية الله "بالدهر"، ففي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسوله الله ﷺ: "لا يسب أحدكم الدهر، فإن الله هو الدهر، ولا يقولن أحدكم للعِنَبِ الكَرمَ، فإن الكَرمَ الرَّجُلُ المُسلِمُ" ٣.
وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسولى الله ﷺ يقول: "قال الله ﷿: يسُّبُ ابن آدم الدهر، وأنا الدهر أُقَلِّبُ الليلَ
_________________
(١) ١ الآية ٢٤ من سورة الجاثية ٢ مجموع الفتاوى ٢/ ٤٩١. ٣ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الألفاظ من الأدب وغيره، باب النهي عن سب الدَّهر ٧/ ٤٥، ٤٦.
[ ٣٥٢ ]
والنهار" ١، وفي رواية أخرى: "يؤذيني ابن آدم، يقول: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر أُقلب ليله ونهاره، فإذا شئت قبضتهما" هذه ألفاظ مسلم٢. قال القاضي أبو يعلي في "إبطال الئأويلات"٣: "اعلم أن أبا بكبر الخلال قال: أخبرني بشر بن موسى الأسدي، قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن الدهر فلم يجبني فيه بشيء".
قال القاضي: "وظاهر هذا أن أحمد توقف عن الأخذ بظاهر الحديث".
وقال حنبل: "سمعت هارون الحمَّال يقول لأبي عبد الله: كنا عند سفيان بن عيينة بمكة فحدثنا أن النبي ﷺ قال: "لاتَسُبوا الدهر" فقام فتح بن سهل فقال: يا أبا محمد، نقول: يا دهر ارزقنا؟، فسمعت سفيان يقول: خذوه، فإنه جهمي، وهرب.
فقال أبو عبد الله: القوم يردُّون الآثار عن رسول الله ﷺ ونحن نؤمن بها،
ولا نردُّ على رسول الله ﷺ قوله.
قال القاضي: وظاهر هذا أنه أخذ بظاهر الحديث، ويحتمل أن يكون قوله "ونحن نؤمن بها" راجع إلى أخبار الصفات في الجملة ولم يرجع إلى هذا الحديث بخاصَّةٍ.
قال: وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله بن حامد هذا الحديث في كتابه، وقال: لا يجوز أن يُسمَّى الله دهرا.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الألفاظ من الأدب، باب النهي عن سب الدهر ٧/٤٥. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب ٣٥، (فتح الباري ١٣/ ٤٦٤ ح٧٤٩١) . ٣ إبطال التأويلات ٢/ ٣٧٤.
[ ٣٥٣ ]
والأمر على ما قاله لأنه قد روي في بعض ألفاظ الحديث ما يمنع من حمله على ظاهره هذا، ولم يرد في غيره من أخبار الصفات ما دلَّ على صرفه عن ظاهره، فلهذا وجب حملها على ظاهرها، وذلك أنه روي فيه أنه: "يؤذيني ابن آدم، يَسُّبُ الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أُقَلِّبُ الليل والنهار"، وفي لفظ آخر: "لي الليل والنهار، أجَدِّده وأُبْلِيهِ، وأَذْهّبُ بملوك وآتي بملوك"
فتبين أن الدهر الذي هو الليل والنهار خلق له وبيده، وأنه يجدِّده ويبليه، فامتنع أن يكون اسما له.
وأصل هذا الخبر أنه ورد على سبب، وهو أن الجاهلية كانت تقول: أصابني الدهر في ماليَ بكذا، ونالتني قوارع الدهر ومصائبه. فيضيفون كل حادث يحدث مما هو جار بقضاء الله وقدره وخلقه وتقديره من مرض أو صحة أو غنى أو فقر أو حياة أو موت إلى الدهر ويقولون: لعن الله هذا الدهر والزمان؛ ولذلك قال قائلهم:
أمِنَ المنون وريبه تتوجعُ
والدهر ليس بمعتب من تجزع
وقال تعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ ١ أي ريب الدهر وحوادثه، وقال ﷾: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ٢ فأخبر عنهم بما كانوا عليه من نسبة أقدار الله وأفعاله إلى الدهر، فقال النبي ﷺ: "لا تسُّبوا الدهر" أي إذا أصابتكم المصائب لا تنسبوها إليه، فإن الله هو الذي أصابكم بها لا الدهر، وإنكم إذا سببتم الدهر وفاعل ذلك ليس هو الدهر٣.
_________________
(١) ١ الآية ٣٠ من سورة الطور. ٢ الآية ٢٤ من سورة الجاثية. ٣ نقض تأسيس الجهمية ١/١٢٤-١٢٦.
[ ٣٥٤ ]
ثانيا: الردُّ على من أنكر تضمُّن الأسماء الحسنى للصفات:
من خلال ما تقدم إيراده من نقول وأدلة يعلم ضلال من نفى معاني أسمائه الحسنى وهم "المعتزلة" الذين ادعوا أنها كالأعلام المحضة التي لم توضع لمسمَّاها باعتبار معنى قائم به. وقالوا: إن الله سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعزيز بلا عزة وهكذا وعلّلوا ذلك: بأن ثبوت الصفات يستلزم تعدُّد القدماء.
وهذه العلة عليلة بل ميتة لدلالة السمع والعقل على بطلانها، أما السمع: فلأن الله تعالى وصف نفسه بأوصاف كثيرة مع أنه الواحد الأحد، فقال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ الآيات ١٢-١٦ من سورة البروج.
وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ الآيات ١-٥ من سورة الأعلى.
وأما العقل، فلأن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف حتى يلزم من ثبوتها التعدد، وإنما هي صفات من اتصف بها فهي قائمة به، وكل موجود فلابد له من تعدد صفاته١.
فبهذه القاعدة يعلم ضلال من سلبوا أسماء الله تعالى معانيها فنفي معاني أسمائه الحسنى من أعظم الإلحاد فيها، قال تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقد سبق إيراد الأدلة من القرآن والسنة على تضمن الأسماء الحسنى للصفات، فليرجع إليها.
وإنه لمن المكابرة الصريحة والبهت البيِّن أن يجعل معنى اسمه "القدير"
_________________
(١) ١ القواعد المثلى ص ٨.
[ ٣٥٥ ]
هو معنى اسمه "السميع، أو "البصير".
ثالثا: إن أسماء الله تعالى كلها من قبيل المحكم المعلوم المعنى، وليست من المتشابه كما يدَّعي بعض المبتدعة الذين يفوِّضون المعنى لهذه الأسماء بدعوى أنها من المتشابه، بل هي من المحكم لأن معانيها معروفة في لغة العرب وغير مجهولة، وإنما المجهول هو الكنه والكيفيَّة للصفات التي تضمنتها هذه الأسماء.
(فالله سبحانه أخبرنا أنه عليم قدير، سميع بصير، غفور رحيم؛ إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته، فنحن نفهم معنى ذلك، ونميز بين العلم والقدرة، وبين الرحمة والسمع والبصر، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله، مع تنوُّع معانيها، فهي متفقة متواطئة من حيث الذات، متباينة من جهة الصفات) ١.
ودعوى أن نصوص الأسماء والصفات غير معلومة المعنى هي دعوى أهل التجهيل الذين قالوا: نصوص الصفات ألفاظ لا تعقل معانيها ولا ندري ما أراد الله ورسوله منها، ولكن نقرأها ألفاظا لا معاني لها، ونعلم أن لها تأويلأ لا يعلمه إلا الله، وهي عندنا بمنزلة ﴿كهيعص﴾ ٢، ﴿حم عسق﴾ ٣، ﴿المص﴾ ٤.
فلو ورد علينا منها ما ورد لم نعتقد فيه تمثيلا ولا تشبيها، ولم نعرف معناه، وننكر على من تأوله ونكل علمه إلى الله، وظنَّ هؤلاء أن هذه طريقة
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٣/ ٥٩ ٢ الآية ١ من سورة مريم. ٣ الآيتان ا- ٢ من سورة الشورى ٤ الآية ١ من سورة الأعراف.
[ ٣٥٦ ]
السلف، وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء والصفات ولا يفهمون معنى قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ١، وقوله: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٢، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣ وأمثال ذلك من النصوص وبنوا هذا المذهب على أصلين.
أحدهما: أن هذه النصوص من المتشابه.
والثاني: أن للمتشابه تأويلا لا يعلمه إلا الله.
فنتج من هذين الأصلين استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأنهم كانوا يقرأون ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٤، و﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٥، ويروون "ينزل ربُّنا كل ليلة إلى سماء الدُّنيا" ولا يعرفون معنى ذلك، ولا ما أُريد به، ولازم قولهم أن الرسول كان يتكلم بذلك ولا يعلم معناه"٦.
ولا شك أن دعوى كون طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك- بمنزلة الأمِّيِّين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ ٧ - هي دعوى باطلة وفيها من القدح في الدِّين وفي حق الرسول ﷺ والطعن في السابقين الأولين واستجهالهم واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قوما أمِّيِّين بمنزلة الصالحين من العامة، لم
_________________
(١) ١ الآية ٧٥ من سورة ص. ٢ الآية ٦٧ من سورة الزمر. ٣ الآية ٥ من سورة طه. ٤ الآية ٥ من سورة طه. ٥ الآية ٦٤ من سورة المائدة. ٦ الصواعق المنزلة ٢/ ٤٢٢، ٤٢٣ بتصرف يسير. ٧ الآية ٧٨ من سورة البقرة.
[ ٣٥٧ ]
يتبحَّروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهى١
وهذا القول إذا تدبَّره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة، فإنه من المعلوم أن الله سبحانه وصف نفسه بأنه بيَّن لعباده غاية البيان، وأمر رسوله ﷺ بالبيان، وأخبر أنه أنزل عليه كتابه ليبيِّن للناس ولهذا قال الزهريُّ: "من الله البيان وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم" فهذا البيان الذي تكفل به سبحانه وأمر به رسوله، إما أن يكون المراد به بيان اللفظ وحده، أو المعنى وحده، أو اللفظ والمعنى جميعا.
ولا يجوز أن يكون المراد به بيان اللفظ دون المعنى، فإن هذا لا فائدة فيه ولا يحصل به مقصود الرِّسالة.
وبيان المعنى وحده بدون دليله، وهو اللفظ الدَّال عليه ممتنع.
فعلم قطعا أن المراد بيان اللفظ والمعنى.
والله تعالى أنزل كتابه- ألفاظه ومعانيه- وأرسل رسوله ليبين اللفظ والمعنى، فكما أنا نقطع ونتيقن أنه بيَّن اللفظ، فكذلك نقطع ونتيقن أنه بيَّن المعنى، بل كانت عنايته ببيان المعنى أشد من عنايته ببيان اللفط وهذا هو الذي ينبغي، فإن المعنى هو المقصود، وأما اللفظ فوسيلة إليه ودليل عليه، فكيف تكون عنايته بالوسيلة أهم من عنايته بالمقصود؛ وكيف نتيقَّن بيانه للوسيلة ولا نتيقّن بيانه للمقصود؟ وهل هذا إلا من أبين المحال؟ ٢.
ولقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتا مفصلا على وجه أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل العلم اليقيني، ورفع الشك والرَّيب، فثلجت
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٨/٥- ١٠ بتصرف. ٢ الصواعق المنزلة ٢/ ٧٣٧، ٧٣٨.
[ ٣٥٨ ]
به الصدور واطمأنت به القلوب واستقرّ الإيمان في نصابه، ففصلت الرسالة الصفات والنعوت والأفعال أعظم من تفصيل، الأمر والنهي، وقرَّرت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ.
ومن يطَّلع على كلام الصحابة والتابعين ومن بعدهم يعلم أنهم عرفوا معاني تلك النصوص وفهموها.
رابعا: أسماء الله تعالى إن دلت على وصف متعدّ تضمّنت ثلاثة أمور:
أحدها: ثبوت ذلك الاسم لله ﷿.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله ﷿.
الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها.
وإن دلت على وصف غير متعد تضمنت أمرين:
أحدهما: ثبوت ذلك الاسم لله ﷿.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله ﷿.
مثال ذلك:
أ- مثال للاسم الذي دل على وصف متعدٍّ:
"السميع"
ا- يتضمن إثبات "السميع" اسما لله تعالى.
٢- وإثبات "السمع" صفة له.
٣- وإثبات حكم ذلك ومقتضاه وهو أنه يسمع السر والنَّجوى كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ .
ب- مثال للاسم الذي دلَّ على وصف غير متعدٍّ:
"الحيُّ":
ا- يتضمن إثبات "الحيّ" اسما لله ﷿.
[ ٣٥٩ ]
٢- إثباة "الحياة" صفة له.
وفي هذا يقول ابن القيم ﵀: "إن الاسم إذا أطلق عليه جاز أن يشتق منه المصدر والفعل، فيخبر عنه فعلا ومصدرا نحو: "السميع"، "البصير"، "القدير" يُطلق عليه منه السمع والبصر والقدرة، ويخبر عنه بالأفعال من ذلك نحو: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ ١، ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ ٢ وهذا إذا كان الفعل متعديا.
فإن كان لازما لم يُخبر عنه به، نحو "الحي" بل يُطلق عليه الاسم والمصدر دون الفعل، فلا يُقال: "حيي""٣
_________________
(١) ١ الآية ١ من سورة المجادلة. ٢ الآية ٢٣ من سورة المرسلات. ٣ بدائع الفوائد ١/١٦٢.
[ ٣٦٠ ]
المبحث الرابع: إحصاء أسماء الله الحسنى
المطلب الأول: الحث على إحصاء أسماء الله والمقصود بذلك
واعترض الحافظ ابن حجر على هذا الوجه فقال: "وفيه نظر؛ لأنه لا يلزم من مجيئه بلفظ "حفظها" تعيين السَّرد عن ظهر قلب، بل يُحتمل الحفظ المعنويُّ".
وقال الأصيليُّ: "ليس المراد بالإحصاء عدَّها فقط؛ لأنه قد يعدُّها الفاجر، وإنما المراد العلم بها".
وقال ابن بطال: "إن من حفظها عدا وأحصاها سردا ولم يعمل بها يكون كمن حفظ القرآن ولم يعمل بما فيه، وقد ثبت الخبر في الخوارج أنهم يقرءون القرآن ولا يجاوز حناجرهم"١.
المعنى الثاني: الطاقة، كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ ٢، أي: لن تطيقوه.
وكقول النبي ﷺ: "استقيموا ولن تحصوا" ٣؛ أي: لن تطيقوا كل الاستقامة.
فيكون معنى: "أحصاها" في الحديث: أي يطيقها، بحسن المراعاة لها، والمحافظة على حدودها في معاملة الرب سبحانه بها، وذلك مثل أن يقول: يا رحمن يا رحيم؛ فيخطر بقلبه الرحمة، ويعتقدها صفة لله ﷿ فيرجو رحمته ولا ييأس من مغفرته، كقوله تعالى: ﴿لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٤.
وإذا قال: "السميع البصير" علم أنه لا يخفى على الله خافية، وأنه بمرأى
_________________
(١) ١ فتح الباري ١١/٢٢٦ ٢ الآية ٢٠ من سورة المزمل. ٣ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/ ٢٨٢، وابن ماجة ح ٢٧٧، والدَّارمي ١/ ١٦٨ ٤ الآية ٥٣ من سورة الزُّمر.
[ ٣٦٢ ]
المطلب الأول: الحثُّ على إحصاء أسماء الله والمقصود بذلك.
أولا: الأدلة الواردة في الحث على إحصاء أسماء الله:
ا- قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، والشاد هنا قوله: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾
ووجه الاستشهاد:
أن الدعاء هنا يتناول كلا من:
أ- دعاء الثناء والتعبُّد: كقولك: الحمد لله، سبحان الله، الله أكبر.
ب- دعاء المسألة والطلب: اللَّهمَّ ارزقني، ربي اغفر لي، فلا يثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وكذلك لا يسئل إلا بها١، فهو سبحانه يدعو عباده في هذه الآية إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظِّهم من عبوديَّتها؛ إذ كل اسم من أسمائه ﷿ له تعبد مختص به، علما ومعرفة، وحالا.
علما ومعرفة: أي إن من علم أن الله مسمى بهذا الاسم، وعرف ما يتضمنه من الصفة ثم اعتقد ذلك: فهذه عبادة.
وحالا: أي إن لكل اسم من أسماء الله مدلولا خاصا وتأثيرا معينا في القلب والسُّلوك؛ فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه واستشعر ذلك، تجاوب مع هذه المعاني، وانعكست هذه المعرفة على تفكيره
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد ١/ ١٦٤.
[ ٣٦٣ ]
وسلوكه١.
٢- قوله ﷺ: "إن لله تسعة وتسعين اسما؛ مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة" متفق عليه، وفي رواية: "من حفظها".
الشاهد من الحديث: قوله: "من أحصاها"، "من حفظها".
ثانيا: معاني الإحصاء:
معنى قوله: "من أحصاها" قد ذكر فيه الخطابي٢ "أربعة أوجه"، وهي:
المعنى الأول: العدُّ: كما في قوله سبحانه: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ ٣، فيكون معنى "أحصاها" في الحديث: أنه يعدُّها ليستوفيها حفظا، فيدعو ربه بها.
وقد استدل على صحة هذا التأويل بما ورد في رواية سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة غير واحد، من حفظها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر" ٤.
قال الخطابي عند هذا الوجه: "وهو أظهرها".
وقالى النوويُّ: "قال البخاري وغيره من المحققين. معناه حفظها، وهذا هو الأظهر لثبوته نصا في الخبر، وهو قول الأكثرين"٥.
وقال ابن الجوزي: "لما ثبت في بعض طرق الحديث"من حفظها" بدل "من أحصاها" اخترنا أن المراد "العد"؛ أي: من عدَّها ليستوفيها حفظا".
_________________
(١) ١ مدارج السالكين ١/ ٤٢٠ "بتصرف يسير". ٢ شأن الدُّعاء ص ٢٦- ٢٩. ٣ الآية ٢٨ من سورة الجن. ٤ أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، الذكر. ح ٢٦٧٧ ٥ الأذكار للنووي ص هـ٨، شرح صحيح مسلم ١٧/٥
[ ٣٦٤ ]
واعترض الحافظ ابن حجر على هذا الوجه فقال: "وفيه نظر؛ لأنه لا يلزم من مجيئه بلفظ "حفظها" تعيين السَّرد عن ظهر قلب، بل يُحتمل الحفظ المعنويُّ".
وقال الأصيليُّ: "ليس المراد بالإحصاء عدَّها فقط؛ لأنه قد يعدُّها الفاجر، وإنما المراد العلم بها".
وقال ابن بطال: "إن من حفظها عدا وأحصاها سردا ولم يعمل بها يكون كمن حفظ القرآن ولم يعمل بما فيه، وقد ثبت الخبر في الخوارج أنهم يقرءون القرآن ولا يجاوز حناجرهم"١.
المعنى الثاني: الطاقة، كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ ٢، أي: لن تطيقوه.
وكقول النبي ﷺ: "استقيموا ولن تحصوا"٣؛ أي: لن تطيقوا كل الاستقامة.
فيكون معنى: "أحصاها" في الحديث: أي يطيقها، بحسن المراعاة لها، والمحافظة على حدودها في معاملة الرب سبحانه بها، وذلك مثل أن يقول: يا رحمن يا رحيم؛ فيخطر بقلبه الرحمة، ويعتقدها صفة لله ﷿ فيرجو رحمته ولا ييأس من مغفرته، كقوله تعالى: ﴿لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٤.
وإذا قال: "السميع البصير" علم أنه لا يخفى على الله خافية، وأنه بمرأى
_________________
(١) ١ فتح الباري ١١/٢٢٦ ٢ الآية ٢٠ من سورة المزمل. ٣ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/ ٢٨٢، وابن ماجة ح ٢٧٧، والدَّارمي ١/ ١٦٨ ٤ الآية ٥٣ من سورة الزُّمر.
[ ٣٦٥ ]
منه ومسمع؛ فيخافه في سرِّه وعلنِه، ويراقبه في كافة أحواله.
فإذا قال: "الرَّزَّاق" اعتقد أنه المتكفِّل، برزقه، يسوقه إليه في وقته، فيثق بوعده، ويعلم أنه لا رازق له غيره، ولا كافي، له سواه.
وإذا قال: "المنتقم" استشعر الخوف من نقمته، واستجار به من سخطه.
وإذا قال: "الضار النافع" اعتقد أن الضر والنفغ من قِبَل الله جلَّ وعزَّ لا شريك له، وأن أحدا من الخلق لا يجلب إليه خيرا ولا يصرف عنه شرا، وأن لا حول لأحد، ولا قوة إلا به.
وكذلك إذا قال: "القابض الباسط"، و"الخافض الرافع"، و"المعز المذل" وعلى هذا سائر الأسماء١.
وقال ابن حجر: "وقيل: معنى أحصاها: عمل بها، فإذا قال: "الحكيم" مثلا سلم جميع أوامره لأن جميعها على مقتضى الحكمة، وإذا قال: "القدُّوس" استحضر كونه منزها عن جميع النقائص. وهذا اختيار أبي الوفاء بن عقيل. وقال ابن بطال: "طريق العمل بها أن الذي يسوغ الاقتداء به فيها كـ"الرحيم"، و"الكريم" فإن الله يحب أن يرى حلاها على عبده، فليمرن نفسه على أن يصحَّ له الاتِّصاف بها.
وما كان يختص به تعالى كـ"الجبَّار" و"العظيم" فيجب على العبد الإقرار بها والخضوع لها وعدم التَّحلِّي بصفة منها.
وما كان فيه معنى الوعد نقف منه عند الطَّمع والرَّغبة.
وما كان فيه معنى الوعيد نقف منه عند الخشية والرَّهبة.
فهذا معنى أحصاها وحفظها.
_________________
(١) ١ شأن الدعاء ص ٢٧-٢٨.
[ ٣٦٦ ]
وقال أبو نُغيم الأصبهاني: "الإحصاء المذكور في الحديث ليست هو التعداد، وإنما هو العمل والتَّعقُل بمعاني الأسماء والإيمان بها"١.
المعنى الثالث: أن يكون الإحصاء بمعنى العقل والمعرفة.
وهذا المعنى مأخوذ من الحصاة وهي: العقل.
قال طرفة:
وإن لسان المرء مالم تكن له حصاة على عوراته لدليل٢
والعرب تقول: فلان ذو حصاة؛ أي ذو عقل ومعرفة بالأمور.
فيكون معنى "أحصاها": أن من عرفها وعقل معانيها، وآمن بها دخل الجنة٣.
قال أبو عمرو الطَّلمنكي: "من تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قال رسول الله ﷺ، المعرفة بالأسماء والصفات وما تتضمن من الفوائد، وتدل عليه من الحقائق، ومن لم يعلم ذلك لم يكن عالما لمعاني الأسماء، ولا مستفيدا بذكرها وما تدلُّ عليه من المعاني"٤.
المعنى الرابع: أن يكون معنى الحديث أن يقرأ القرآن حتى يختمه فيستوفي هذه الأسماء كلها في أضعاف التلاوة، فكأنه قال: من حفظ القرآن وقرأه فقد استحق دخول الجنة٥.
_________________
(١) ١ فتح الباري ١١/٢٢٦ ٢ ديوان طرفة بن العبد ص ١١٢. ٣ شأن الدعاء ص ٢٨، ٢٩. ٤ فتح الباري ١١/٢٢٦ ٥ شأن الدعاء ص ٢٩.
[ ٣٦٧ ]
قال الحافظ ابن حجر: "وقيل؛ المراد بالحفظ: حفظ القرآن لكونه مستوفيا لها، فمن تلاه دعا بما فيه من الأسماء حصل المقصود. قال النووي: هذا ضعيف.
وقيل: المراد من تتبَّعها من القرآن"١
والحق والصواب أن الإحصاء شامل لهذه الأمور جميعها، فلابد من الجمع بين الإحصاء النظري المتمثل في العلم بها وحفظها وحفظ النصوص الدالة عليها، والإحصاء الفقهيِّ المتمثل في فهم معانيها ومدلولاتها والإيمان بآثارها والإحصاء العملى الذي هو العمل بمقتضاها ودعاء الله بها.
قال ابن بطال: "الإحصاء يقع بالقول، ويقع بالعمل، فالذي بالعمل أن لله أسماء يختصن بها كالأحد، والقدير، فيجب الإقرار بها والخضوع عندها".
وله أسماء يستحبُّ الاقتداء بها في معانيها، كالكريم والغفو، فيسحب للعبد أن يتحلى بمعانيها ليؤدي حق العمل بها، فبهذا يحصل الإحصاء العملي، وأما الإحصاء القولي فيحصل بجمعها وحفظها والسؤال بها، ولو شارك المؤمن غيره في العد والحفظ، فإن المؤمن يمتاز عنه بالإيمان والعمل بها٢.
_________________
(١) ١ فتح الباري ١١/٢٢٦ ٢ فتح الباري ١٣/٣٩٠.
[ ٣٦٨ ]
المطلب الثاني: مراتب الإحصاء
المطلب الثاني: مراتب الإحصاء: مراتب إحصاء أسماء الله الحسنى ثلاثة:
المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعدِّها؛ أي: "حفظها".
المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها.
المرتبة الثالثة: دعاؤه بها، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ .
والدعاء هنا مرتبتان:
إحداهما: دعاء ثناء وعبادة.
والثاني: دعاء مسألة وطلب.
فلا يُثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى.
وكذلك لا يسأل إلا بها، فلا يقال: يا موجودُ، أو يا شيء، أو يا ذاتُ اغفر لي وارحمني، بل يسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيًا لذلك المطلوب، كأن يقول: يا غفور اغفر لي، يا رحيم ارحمني، يا توَّاب تُبْ عليَّ، فيكون السائل متوسلا إليه بذلك الاسم.
ومن تأمل أدعية الرُّسُل ولا سيما خاتمهم وإمامهم وجدها مطابقة لهذا١.
فهذه مراتب إحصاء أسمائه التي من أحصاها دخل الجنة، وهذا هو قطب السَّعادة ومدار النَّجاة والفلاح.
وهذا الإحصاء لا يتحقق على الوجه الصحيح حتى يكون الإنسان متَّبعا لعقيدة أهل السنة والجماعة الذين يؤمنون بما دلت عليه أسماء الله وصفاته من
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد ١/ ١٦٤ "بتصرف يسير".
[ ٣٦٩ ]
المعاني، وبما يترتب عليها من مقتضيات، وأحكام، بخلاف أهل الباطل الذين أنكروا ذلك وعطلوه كليا أوجزئيا.
ولذلك فلابد من مراعاة الأمور التالية عند الإيمان بأسماء الله الحسنى.
أولا: الإيمان بجميع أسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة.
ثانيا: الإيمان بما دل عليه كل اسم منها من المعنى، واحترام ذلك المعنى وعدم تحريفه.
ثالثا: الإيمان بما يتعلَّق به من الآثار والحكم والمقتضى.
وكمثال على ذلك: "السميع".
اسم من أسماء الله الحسنى وردت به النصوص، فلابد للإيمان به وتحقيق إحصائه على الوجه المطلوب من:
١- إثبات اسم "السميع" اسما لله ﷿.
٢- إثبات ما دل عليه من المعنى الذي نسميه الصفة، فالله ﷿ متصف بصفة السمع، وهذا الاسم دل على ذلك
٣- إثبات الحكم- أي الفعل- وهو أن الله يسمع السر والنَّجوى.
وإثبات المقتضى والأثر المترتب على ذلك: وهو وجوب خشية الله ومراقبته وخوفه والحياء منه، والالتجاء إليه، ودعاؤه ﷿، فهو سبحانه يسمع السر والنَّجوى.
وهكذا الشأن في جميع أسماء الله يجب أن تعامل هذه المعاملة ليتحقق إحصاء أسماء الله ودعاؤه ﷿ بها كما أمر بذلك في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.
[ ٣٧٠ ]
المطلب الثالث: ثمرات إحصاء أسماء الله الحسنى
ا- من ثمرات الإحصاء ما ذكره ابن القيم ﵀ في كتابه مدارج السالكين ١/ ٤١٧، حيث قال: "وكل اسم من أسمائه سبحانه له صفة خاصة، فإن أسماءه أوصاف مدح وكمال، وكل صفة، لها مقتضى وفعل؛ إما لازم وإما متعد، ولذلك الفعل تعلق بمفعول هو من لوازمه. وهذا في خلقه وأمره وثوابه وعقابه، كل ذلك آثار الأسماء الحسنى وموجباتها.
ومن المحال تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها، وتعطيل الأوصاف عما تقتضيه وتستدعيه من الأفعال، وتعطيل الأفعال عن المفعولات، كما أنه يستحيل تعطيل مفعوله عن أفعاله، وأفعاله عن صفاته، وصفاته عن أسمائه، وتعطيل أسعمائه وأوصافه عن ذاته.
وإذا كانت أوصافه صفات كمال، وأفعاله حكما ومصالح، وأسماؤه حسنى، ففرض تعطيلها عن موجباتها مستحيل في حقه؛ ولهذا ينكر سبحانه على من عطله عن أمره ونهيه، وثوابه وعقابه، وأنه بذلك نسبه إلى ما لا يليق به وإلى ما يتنزه عنه وأن ذلك حكم سيِّءٌ ممَّن حكم به عليه، وأن من نسبه إلى ذلك فما قدره حق قدره، ولا عظمه حق تعظيمه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١، وقال تعالى في حق منكري المعاد والثواب والعقاب: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ
_________________
(١) ١ الآية ٩١ من سورة الأنعام
[ ٣٧١ ]
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ١، وقال في حق من جوّز عليه التسوية بين المختلفين، كالأبرار والفجار، والمؤمنين والكفار: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٢، فأخبر أن هذا حكم سيء لا يليق به تأباه أسماؤه وصفاته، وقال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ٣ عن هذا الظن والحسبان، الذي تأباه أسماؤه وصفاته.
ونظائر هذا في القرآن كثيرة، ينفي فيها عن نفسه خلاف موجب أسمائه وصفاته؛ إذ ذلك مستلزم تعطيلها عن كمالها ومقتضياتها.
فاسمه "الحميد، المجيد" يمنع ترك. الإنسان سدىً مهملًا معطلًا، لا يُؤمر ولا يُنهى، ولا يثاب ولا يُعاقب. وكذلك، اسمه "الحكيم" يأبى ذلك.
وكذلك اسمه "الملك" واسمه "الحي، المجيدُ" يمنع ترك الإنسان شدىً مهملًا معطلًا، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يُعاقب، وكذلك اسمه "الحكيم " يأبى ذلك. وكذلك اسمه "الملك" واسمه "الحيُّ" يمنع أن يكون معطلا من الفعل؛ بل حقيقة "الحياة" الفعل، فكل حي فعالٌ وكونه سبحانه "خالقا قيوما" من موجبات حياته ومقتضياتها "
واسمه "السميع البصير" يوجب مسموعا ومرئيا.
واسمه "الخالق" يقتضي مخلوقا، وكذلك "الرَّازق".
واسمه "الملك" يقتضي مملكة وتصرُّفا وتدبيرا، وإعطاء ومنعا، وإحسانا
_________________
(١) ١ الآية ٦٧ من سورة الزمر. ٢ الآية ٢١ من سورة الجاثية. ٣ الآيتان ١١٥- ١١٦ من سورة المؤمنون
[ ٣٧٢ ]
وعدلا، وثوابا وعقابا.
واسمه " البَرُّ، المحسنُ، المعطي، المنان" ونحوها تقتضي آثارها وموجباتها إذا عرف هذا، فمن أسمائه سبحانه "الغفار، التواب، العفوُّ»، فلابد لهذه الأسماء من متعلِّقات، ولابد من جناية تُغتفر، وتوبة تقبل، وجرائم يُعفى عنها.
ولابد لاسمه "الحكيم" من متعلق يظهر فيه حكمه، إذ اقتضاء هذه الأسماء لآثارها كاقتضاء اسم "الخالق، الرزاق، المعطي، المانع" للمخلوق والمرزوق والمعطَى والممنوع، وهذه الأسماء كلُّها حسنى.
والرب تعالى يحب ذاته وأوصافه وأسماءه، فهو عفو يحب العفو، ويحب المغفرة، ويحب التوبة، ويفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرح يخطر بالبال.
وكان تقدير ما يغفره ويعفو عن فاعله، ويحلم عنه، ويتوب عليه ويسامحه: من موجب أسمائه وصفاته، وحصول ما يحبه ويرضاه من ذلك.
وما يحمد به نفسه ويحمده به أهل سمواته، وأهل أرضه، ما هو من موجبات كماله ومقتضى حمده، وهو سبحانه الحميد المجيد، وحمده ومجده يقتضيان آثارهما.
ومن آثارهما: مغفرة الزلات، وإقالة العثرات، والعفو عن السيئات، والمسامحة على الجنايات، مع كمال القدرة على استيفاء الحق، والعلم منه سبحانه بالجناية ومقدار عقوبتها. فحلمه بعد علمه، وعفوه بعد قدرته، ومغفرته عن كمال عزته وحكمته، كما قال المسيح ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: فمغفرتك عن كمال
[ ٣٧٣ ]
قدرتك وحكمتك، لست كمن يغفر عجزا ويسامح جهلا بقدر الحق، بل أنت عليم بحقك، قادر على استيفائه، حكيم في الأخذ به.
فمن تأمل سريان آثار الأسماء والصفات في العالم، وفي الأمر، تبين له أن مصدر قضاء هذه الجنايات من العبيد، وتقديرها: هو من كمال الأسماء والصفات والأفعال.
وغاياتها أيضا: مقتضى حمده ومجده، كما هو مقتضى ربوبيته وإلهيته، فله في كل ما قضاه وقدره الحكمة البالغة، والآيات الباهرة، والتعرفات إلى عباده بأسمائه وصفاته، واستدعاء محبتهم له، وذكرهم له، وشكرهم له، وتعبدهم له بأسمائه الحسنى؛ إذ كل اسم؛ فله تعبد مختص به، علما ومعرفة وحالا.
وأكمل الناس عبودية: المتعبِّد بجميع الأسماء والصفات التي يطَّلِع عليها البشر، فلا تحجبه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر، كمن يحجبه التعبد باسمه "القدير" عن التعبد باسمه "الحليم الرحيم"، أو يحجبه عبودية اسمه "المعطي" عن عبودية اسمه "المانع" أو عبودية اسمه "الرحيم العفو الغفور" عن اسمه "المنتقم"، أو التعبد بأسماء "التودد والر، واللطف، والإحسان" عن أسماء "العدل، والجبروت، والعظمة، والكبرياء" ونحو ذلك.
وهذه طريقة الكُمَّل من السائرين إلى الله، وهي طريقة مشتقة من قلب القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، والدعاء بها يتناول دعاء المسألة، ودعاء الثناء، ودعاء التعبد. وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظِّهم من عبوديتها.
وهو سبحانه يحبُّ موجب أسمائه وصفاته.
[ ٣٧٤ ]
فهو "عليم" يحب كل عليم، "جواد" يحب كل جواد، "وتر" يحب الوتر، "جميل" يحب الجمال، "عفوٌّ" يحب العفو وأهله، "حييٌّ" يحبُّ الحياء وأهله، "بر" يحب الأبرار، "شكور" يحب الشاكرين، "صبور" يحسب الصابرين، "حليم" يحب أهل الحلم.
فلمحبته سبحانه للتوبة والمغفرة والعفو والصفح- خلق من يغفِرُ له ويتوب عليه ويعفو عنه، وقدَّر عليه ما يقتضي وقوع المكروه والمبغوض له؛ ليترتب عليه المحبوب له والمرضي له "١.
٢- من ثمرات الإحصاء أن من كان له نصيب من معرفة أسمائه الحسنى واستقرأ آثارها في الخلق والأمر رأى الخلق والأمر منتظمين بها أكمل انتظام.
فلله العظيم أعظم حمد وأتمُّه وأكمله على ما من به من معرفته وتوحيده والإقرار بصفاته العليا وأسمائه الحسنى.
والله يحب أسماءه وصفاته ويحب المتعبِّدين له بها، ويحب من يسأله ويدعوه بها، ويحب من يعرفها ويعقلها ويُثني عليه بها ويحمده ويمدحه بها، كما في الصحيح "لا أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك أثنى على نفسه "٢.
ولمحبته لأسمائه وصفاته أمر عباده بموجبها ومقتضاها، فأمرهم بالعدل والإحسان، والبر، والعفو، والجود، والصبر، والمغفرة، والرحمة،
_________________
(١) ١ ولمزيد استفصال في الموضوع انظر: طريق الهجرتين ص.١٣، ومفتاح دار السعادة ٢/ ٠ ٩، ١/ ٢٨٧. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ انظر: فتح الباري ٨/ ٢٩٥، ٢٩٦ ح ٤٦٣٤. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب غيرة الله وتحريم الفواحش ٨/ ١٠٠
[ ٣٧٥ ]
والصدق، والعدل، والعلم، والشكر، والحلم، والأناة، والتثبُّت، ولما كان سبحانه يحب أسماءه وصفاته كان أحب الخلق إليه من اتصف بالصفات التي يحبها، وأبغضهم إليه من اتصف بالصفات التي يكرهها.
وإنما أبغض من اتصف بالكبر والعظمة والجبروت؛ لأن اتصاف العبد بها ظلم، إذ لا تليق به هذه الصفات ولا تحسن منه؛ لمنافاتها لصفات العبيد، وخروج من اتصف بها من ربقة العبودية، وهذا خلاف صفات العلم والعدل والرحمة والإحسان والصبر والشكر، فإنها لا تنافي العبودية، بل اتصاف العبد بها من كمال عبوديته، إذ المتصف بها لم يتعد طوره ولم يخرج بها من دائرة العبودية.
٣- ومن ثمرات معرفة أسماء الله الحسنى أن أعرف الناس بأسماء الله وصفاته أشدهم حبا له، فكل اسم من أسمائه وصفة من صفاته تستدعي محبة خاصة، فإن أسماءه كلها حسنى وهي مشتقة من صفاته، وأفعاله دالة عليها. فهو المحبوب المحمود على كل ما فعل وعلى كل ما أمر، إذ ليس في أفعاله عبث، وليس في أوامره سَفَهٌ، بل أفعاله كلها لا تخرج عن الحكمة والمصلحة، والعدل، والفضل، والرحمة، وكل واحد من ذلك يستوجب الحمد والثناء والمحبة عليه.
ولا يتصور نشر هذا المقام حق تصوره فضلا عن أن يوفاه حقه، فأعرف خلقه به وأحبهم له ﷺ يقول: "لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"، ولو شهد بقلبه صفة واحدة من أوصاف كماله لاستدعت منه المحبة التَّامة عليها، وهل مع المؤمنين محبة إلا من آثار صفات كماله؟، فإنهم لم يروه
[ ٣٧٦ ]
في هذه الدَّار، وإنما وصل إليهم العلم بآثار صفاته وآثار صنعه، فاستدلوا بما علموه على ما غاب عنهم، فلو شاهدوه ورأوا جلاله وجماله وكماله ﷾ لكان لهم في حبه شأن آخر، وإنما تفاوتت منازلهم ومراتبهم في محبته على حسب تفاوت مراتبهم من معرفته والعلم به، فأعرفهم بالله أشد حبا له؛ ولهذا كانت رسله أعظم الناس حبا له، والخليلان من بينهم أعظمهم حبا، وأعرف الأمة أشدهم له حبا، ولهذا كان المنكرون لحبه أجهل الخلق به١.
٤- ومن ثمرات وفوائد معرفة أسماء الله الحسنى أن إحصاء الأسماء الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم، فإن المعلومات سواه إما أن تكون:
ا- خلقا له تعالى، فهو أعلم بما كوَّنه وخلقه.
٢- أو أمرا، فهو علم بما شرَّعه.
ومصدر الخلق والأمر عن أسمائه الحسنى وهما مرتبطان بها ارتباط المقتضى بمقتضيه.
فالأمر كله: مصدره عن أسمائه الحسنى، وهذا كله حسن لا يخرج عن مصالح العباد والرَّأفة والإحسان إليهم بتكميلهم بما أمرهم به ونهاهم عنه، فأمره كله مصلحة وحكمة ورحمة ولطف وإحسان؛ إذ مصدره أسماؤه الحسنى.
وفعله كله: لا يخرج عن العدل والحكمة والمصلحة والرحمة؛ إذ مصدره أسماؤه الحسنى، فلا تفاوت في خلقه ولا عبث، ولم يخلق خلقه باطلا ولاسدىً ولا عبثا.
_________________
(١) ١ طريق الهجرتين ١٢٧، ١٣٠ "بتصرف".
[ ٣٧٧ ]
وكما أن كل موجود سواه فبإيجاده، فوجود من سواه تابع لوجوده، تبعَ المفعولِ المخلوقِ لخالقه.
فكذلك العلم بها- أي بأسمائه- أصل، للعلم بكل ما سواه، فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي للمخلوق أحصى جميع العلوم، إذ إحصاء أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم؛ لأن المعلومات هي من مقتضاها ومرتبطة بها، وتأمل صدور الخلق والأمر عن علمه وحكمته تعالى، ولهذا لا تجد فيها خللا ولا تفاوتا؛ لأن الخلل الواقع فيما يأمر به العبد أو يفعله إما أن يكون لجهل العبد به أو لعدم حكمته، أما الرَّبُ تعالى فهو العليم الحكيم، فلا يلحق، فعله ولا أمره خلل ولا تفاوت ولا تناقض١.
_________________
(١) ١ طريق الهجرتين ص ٣١٨ "بتصرف".
[ ٣٧٨ ]
الخاتمة: في التحذير من الإلحاد في أسماء الله الحسنى
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
والإلحاد في أسمائه: هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها.
والإلحاد مأخوذ من الميل كما يدل عليه مادته "ل- ح- د"، فمنه اللحد وهو الشق في جانب القبر الذي قد مال عن الوسط.
ومنه الملحد في الدين: المائل عن الحق إلى الباطل، قال ابن السِّكِّيت: "الملحد المائل عن الحق المُدخِلُ فيه ما ليس فيه.
والإلحاد في أسمائه تعالى أنواع.
أحدها: أن يسمى الأصنام بها كتسميتهم اللات من الإلهية، والعزى من العزيز، وتسميتهم الصنم إلها، وهذا إلحاد. حقيقة، فإنهم عدلوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة١.
قال ابن عباس ومجاهد: "عدلوا بأسماء الله تعالى عما هى عليه، فسموا بها أوثانهم، فزادوا ونقصوا، فاشتقوا اللات من الله، والعُزَّى من العزيز، ومناة من المنَّان"٢.
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد ١/ ١٦٩. ٢ مدارج السالكين ١/ ٣٠.
[ ٣٧٩ ]
الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له أبا، وتسمية الفلاسفة له موجبا بذاته أو علَّةً فاعلةً بالطبع ونحو ذلك١؛ وذلك لأن أسماء الله تعالى توقيفية، فتسميته تعالى بما لم يسم به نفسه ميلٌ بها عما يجب فيها، كما أن هذه الأسماء التي سمُّوه بها نفسها باطلة ينزه الله تعالى عنها٢.
الثالث: أن ينكر شيئا منها أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام كما فعل أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم، وإنما كان ذلك إلحادا لوجوب الإيمان بها وبما دلت عليه من الأحكام والصفات اللائقة بالله، فإنكار شيء من ذلك ميل بها عما يجب فيها٣.
قال ابن القيم: "ومن الإلحاد في أسمائه تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها، كقول من يقوله من الجهمية وأتباعهم: إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معان، فيطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد، ويقولون: لا حياة له ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا إرادة تقوم به، وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلا وشرعا ولغة وفطرة، وهو يقابل إلحاد المشركين؛ فإن أولئك أعطوا أسماءه وصفاته لآلهتهم، وهؤلاء سلبوه صفات كماله وجحدوها وعطلوها فكلاهما ملحد في أسمائه. ثم الجهمية وفروخهم متفاوتون في هذا الإلحاد؛ فمنهم الغالي والمتوسط والمنكوب وكل من جحد شيئا مما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله فقد ألحد في ذلك، فليستقلل أو ليستكثر"٤
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد ١/ ١٦٩. ٢ القواعد المثلى ص ١٧. ٣ المصدر السابق ص ١٦ ٤ بدائع الفوائد ١/ ١٦٩، ١٧٠.
[ ٣٨٠ ]
الرابع: أن يجعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين كما فعل أهل التشبيه؛ وذلك لأن التشبيه معنى باطل لا يمكن أن تدل عليه النصوص، بل هي دالة على بطلانه، فجعْلُها دالة عليه ميل بها عما يجب فيها١.
قال ابن القيم: "ومن الإلحاد في أسمائه شبيه صفاته بصفات خلقه- تعالى الله عما يقول المشبِّهون علوا كبيرا- فهذا الإلحاد في مقابل إلحاد المعطلة؛ فإن أولئك نفوا صفة كماله وجحدوها، وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه، فَجَمَعهُم الإلحاد وتفرَّقت بهم طُرُقُه، وبرأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله، فلم يصفوه إلا بما وصف به نفسه، لم يجحدوا صفاته ولم يشبهوها بصفات خلقه، ولم يعدلوا بها عما أُنزِلَت عليه لفظا ولا معنى، بل أثبتوا له الأسماء والصفات ونفوا عنه مشابهة المخلوقات، فكان إثباتهم بريًّا من التشبيه، وتنزيههم خليا من التعطيل، لا كمن شبه حتى كأنه يعبد صنما، أو عطل حتى كأنه لا يعبد إلا عدما، وأهل السنة وسط في النِّحَلِ، كما أن أهل الإسلام وسط في الملل" انتهى كلامه٢.
وقال ﵀: "قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾، ومن أعظم أنواع الإلحاد في أسمائه إنكار حقائقها ومعانيها والتصريح بأنها مجازات، وهو أنواع هذا أحدها.
والثاني: جحدها وإنكارها بالكلية.
والثالث: تشبيهه فيها بصفات المخلوقين ومعاني أسمائه، وأن الثابت له منها مماثل لخلقه"٣.
_________________
(١) ١ القواعد المثلى ص ١٧ ٢ بدائع الفوائد ١/ ١٧٠ ٣ مختصر الصواعق ٢/ ١١٠.
[ ٣٨١ ]
واسمع إلى أبيات يحذر فيها ابن القيم من لإلحاد، حيث يقول:
أسماؤه أوصاف مدح كلها مشتقة قد حُمِّلت لمعان
إياك والإلحاد فيها إنه كفر معاذ الله من كفران
وحقيقة الإلحاد فيها الميل بالإ شراك والتعطيل والنُّكران
فالملحدون إذا ثلاث طوائف فعليهم غضب من الرحمن
المشركون لأنهم سموا بها أوثانهم قالوا إله ثان
هم شبهوا المخلوق بالخلاق عكـ سَ مشبه الخلاق بالإنسان
وكذاك أهل الاتحاد فإنهم إخوانهم من أقرب الإخوان
والملحد الثاني فذو التعطيل إذ ينفي خقائقها بلا برهان
هذا وثالثهم فنافيها ونا في ما تدل عليه بالبهتان
ذا جاحد الرحمن رأشا لم يُقِ ر بخالق أبدا ولا رحمن
هذا هو الإلحاد فاحذره لعل اللـ ـه أن ينجيك من نيران
وتفوز بالزلفى لديه وجنة المـ أوى من الغفران والرضوان١
ومن خلال النقول السابقة يتضح لنا أن الالحاد دائر بين التعطيل والتمثيل، فلابد للنجاة من الإلحاد والسلامة منه أن نحذر من هذين الداءين، وذلك بالبعد منهما أشد البعد.
والله الموفق والهادي إلى سواء السَّبيل.
_________________
(١) ١ القصيدة النونية ص ٥٤، ١٥٦.
[ ٣٨٢ ]