المبحث الأول: التعريف بالسلف الصالح وبأهل السنة والجماعة.
المبحث الأول التعريف بالسلف الصالح وبأهل السنة والجماعة
أولًا: التعريف بالسلف:
أ- معنى السلف لغة:
(السلف: جمع سالف على وزن حارس وحرس، وخادم وخدم، والسالف المتقدم، والسلف الجماعة المتقدمون) ١.
قال ابن فارس: (السين، واللام، والفاء) أصل يدل على تقدم وسبق، من ذلك السلف الذين مضوا، والقوم السلاف: المتقدمون) ٢.
ب- المقصود بالسلف الصالح:
(تعددت أقوال العلماء في تحديد ذلك من حيث المدى الزمني:
ا- فمن العلماء من قصر ذلك على، الصحابة -رضوان الله عليهم- فقط.
٢- ومن العلماء من قال بأنهم هم: الصحابة والتابعون.
٣- ومن العلماء من قال بأنهم هم: الصحابة والتابعون وتابعو التابعين٣.
والقول الصحيح المشهور الذي عليه جمهور أهل السنة هو أن المقصود بالسلف الصالح هم القرون الثلاثة المفضلة الذين شهد لهم النبي ﷺ
_________________
(١) ١ لسان العرب ٩/١٥٨ ٢ معجم مقاييس اللغة ٣/٩٥ مادة "سلف" ٣ وسطية أهل السنة بين الفرق د. محمد باكريم ص٩٢-٩٤، وكتاب لزوم الجماعة ص ٢٧٦-٢٧٧ تأليف جمال بادي.
[ ٤٧ ]
بالخيرية، حيث قال: "خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، متفق عليه١، فالسلف الصالح هم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين.
وكل من سلك سبيلهم وسار على نهجهم فهو سلفي نسبة إليهم.
والسلفية: هي المنهج الذي سار عليه النبي ﷺ والقرون المفضلة من بعده والذي أخبر النبي ﷺ بأنه باق إلى أن يأتي أمر الله، لحديث: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" ٢.
فيصح الانتساب إلى هذا المنهج متى التزم الإنسان بشروطه وقواعده، فكل من حافظ على سلامة العقيدة طبقًا لفهم القرون الثلاثة المفضلة فهو ذو نهج سلفي.
ج- قواعد المنهج السلفي:
يمكن حصر ركائز وقواعد المنهج السلفي على سبيل الاختصار في النقاط التالية:
أولًا: ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها.
ثانيًا: التقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وذلك يتم بـ:
أ- الاجتهاد في تمييز صحيحه من سقيمه.
ب- الاجتهاد في الوقوف على معانيه وتفهمه٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٥/١٩٩، ١١/٤٦٠، ومسلم ٧/١٨٤، ١٨٥ ٢ أخرجه مسلم في صحيحه ٣/١٥٢٣ ٣ بيان فضل السلف على الخلف لابن رجب ص ١٥٠-١٥٢، وأصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ١/٩-١٠
[ ٤٨ ]
ثالثًا: العمل بذلك والاستقامة عليه اعتقادًا وتفكيرًا وسلوكا وقولًا والبعد عن كل ما يخالفه ويناقضه.
رابعًا: الدعوة إلى ذلك باللسان والبنان.
فمن التزم هذه القواعد في الاعتقاد والعمل فهو على النهج السلفي بإذن الله.
د- الأدلة على وجوب اتباع السلف الصالح ولزوم منهجهم:
أولًا: من القرآن الكريم:
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١.
فرضي ﷿ عن السابقين الأولين رضاءً مطلقًا، ورضي عن التابعين لهم بإحسان.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٢.
فتوعد الله من اتبع غير سبيلهم بعذاب جهنم، ووعد في الآية السابقة متبعهم بالرضوان.
ثانيًا: الأدلة من السنة:
ا- قوله ﷺ: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ٣.
فهذه "الخيرية" التي شهد النبي ﷺ بها لهذه القرون الثلاثة تدل على تفضيلهم وسبقهم وجلالة قدرهم وسعة علمهم بشرع الله، وشدة تمسكهم
_________________
(١) ١ الآية ١٠٠ من سورة التوبة ٢ الآية ١١٥ من سورة النساء ٣ أخرجه البخاري ٥/١٩٩، ٧/٦، ١١/٤٦٠، وأخرجه مسلم ٧/١٨٤، ١٨٥
[ ٤٩ ]
بسنة رسوله ﷺ، وهذا ما تؤكده الأحاديث التالية.
٢- قوله ﷺ: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة" قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" ١ حديث صحيح مشهور.
٣- قوله ﷺ: " فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، فتمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ٢.
فحث ﷺ بأن يتبعوا سنته وسنة من بعده من الخلفاء الراشدين، عند وقوع التفرق والاختلاف.
ثالثًا: من أقوال السلف الصالح وأتباعهم:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد ﷺ ومن أكابرهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم وتفرقت أهواؤهم هلكوا" ٣.
وعنه ﵁ قال: "من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ، أبر هذه الأمة قلوبًا،
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود ٤٥٩٦، ٤٥٩٧، والترمذي ٢٦٤٠، ٢٦٤١، والإمام أحمد ٢/٣٣٢، ٣/١٢٠، ١٤٥، ٤/١٢٠، وابن ماجه ٣٩٩١-٣٩٩٣ ٢ أخرجه الإمام أحمد ٤/١٢٦، ١٢٧، وأبو داود ٤٦٠٧، والترمذي ٢٦٧٦، والدارمي ١/٤٤، وغيرهم ٣ الزهد لابن المبارك ص ٢٨١ ح ٨١٥
[ ٥٠ ]
وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم"١.
وعنه ﵁ قال: "إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر"٢.
وعنه ﵁ قال: " اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم"٣.
وقال حذيفة بن اليمان ﵁: "يا معشر القراء استقيموا وخذوا طريق من كان قبلكم، فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا"٤.
وقال مجاهد: "العلماء أصحاب محمد ﷺ"٥.
وقال الأوزاعي: "العلم ما جاء عن أصحاب محمد ﷺ، فما كان غير ذلك فليس بعلم"، وكذا قال الإمام أحمد رحمه الله٦.
وقال أيضًا: "اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم"٧.
وكان الحسن البصري في مجلس فذكر أصحاب محمد ﷺ فقال: "إنهم
_________________
(١) ١ جامع بيان العلم وفضله ٢/٨٧ ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (ح١١٥) ٣ البدع والنهي عنها لابن وضاح ص١٣ ٤جامع بيان العلم ٢/٢٩ ٥ جامع بيان العلم ٢/٢٩ ٦ جامع بيان العلم ٢/٢٩ ٧ الشريعة للآجري ص ٥٨
[ ٥١ ]
كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفا، قومًا اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فإنهم ورب الكعبة على الهدى المستقيم١.
وقيل لأبي حنيفة ﵀: ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟
قال: "مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة، فإنها بدعة٢.
وقال الأوزاعي: "عليك بآثار السلف وإن رفضك الناس، وإياك ورأي الرجال وإن زخرفوه لك بالقول، فإن الأمر ينجلي وأنت منه على طريقٍ مستقيم٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله أن يكون أصل قصده توحيد الله بعبادته وحدة لا شريك له وطاعة رسوله، يدور على ذلك، ويتبعه أين وجده، ويعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، فلا ينتصر لشخص انتصارا مطلقًا عامًّا إلا لرسول الله ﷺ، ولا لطائفة انتصارًا مطلقًا عامًّا إلا للصحابة ﵃ أجمعين. فإن الهدي يدور مع الرسول حيث دار، ويدور مع أصحابه دون أصحاب غيره حيث داروا، فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط، بخلاف أصحاب عالم من العلماء، فإنهم قد يجمعون على خطأ، بل كل ما قالوه ولم يقله غيرهم من الأمة لا يكون إلا خطأ، فإن الدين الذي بعث الله به رسوله ليست مسلما إلى عالم واحد
_________________
(١) ١ جامع بيان العلم ٢/٩٧ ٢ صون المنطق للسيوطي ٣٢٢ ٣ المدخل إلى السنن للبيهقي رقم ٢٣٣
[ ٥٢ ]
وأصحابه، ولو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظيرًا لرسول الله ﷺ، وهو شبيه بقول الرافضة في الإمام المعصوم.
ولابد أن يكون الصحابة والتابعون يعرفون ذلك الحق الذي بعث الله به الرسول، قبل وجود المتبوعين الذين تنسب إليهم المذاهب في الأصول والفروع، ويمتنع أن يكون هؤلاء جاءوا بحق يخالف ما جاء به الرسول، فإن كل ما خالف الرسول فهو باطل، ويمتنع أن يكون أحدهم علم من جهة الرسول ما يخالف الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإن أولئك لم يجتمعوا على ضلالة، فلابد أن يكون قوله- إن كان حقا- مأخوذًا عما جاء به الرسول، موجودًا فيمن قبله، وكل قول قيل في دين الإسلام، مخالف لما مضى عليه الصحابة والتابعون، لم يقله أحد منهم بل قالوا خلافه، فإنه قول باطل"١.
ثانيا: التعريف بأهل السنة:
يستعمل العلماء تارة مسمى "أهل السنة والجماعة" بدلًا من عبارة "السلف".
وهذه العبارة وردت في استعمال العلماء لمعنيين هما:
أ- المعنى الأخص:
وهو بعينه مدلول لفظة السلف، فأهل السنة والجماعة هم الصحابة والتابعون وتابعوهم ومن سلك سبيلهم وسار على نهجهم من أئمة الهدى ومن اقتدى بهم من سائر الأمة أجمعين.
فيخرج من هذا المعنى كل طوائف المبتدعة وأهل الأهواء.
فالسنة هنا في مقابل البدعة.
_________________
(١) ١ منهاج السنة ٥/٢٦٢-٢٦٣
[ ٥٣ ]
والجماعة هنا في مقابل الفرقة.
فعن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ ١ قالت: "تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة"٢.
وهذا المعنى هو المقصود في الأحاديث التي وردت في لزوم الجماعة. والنهي عن التفرق.
وهذا المعنى وإن كان أخص من جهة معناه لكنه هو الأكثر ورودًا واستعمالًا في كلام العلماء.
٢- المعنى الأعم:
والذي يدخل فيه بعض طوائف المبتدعة في حالة موافقة قولهم لقول السلف في مسألة بعينها في مقابلة طائفة بعينها.
وهذا المعنى أقل استعمالًا لتقيده بشروط معينة هي:
ا- كونه في مسائل اعتقادية معينة.
٢- كونه في مقابل طوائف معينة.
مثاله: استعمال هذا المسمى في مقابل الرافضة في مسألتي "الخلافة" و"الصحابة".
فيقال هنا: المنتسبون للإسلام قسمان:
ا- أهل السنة.
٢- الرافضة.
_________________
(١) ١ الآية ١٠٦ من سورة آل عمران ٢ تفسير ابن كثير ١/٣٩٠
[ ٥٤ ]
فيدخل هنا مع أهل السنة بعض طوائف المبتدعة كالأشاعرة وغيرهم، وقد أدخلوا هنا لموافقة قولهم لقول السلف في مسألتي " الخلافة" و" الصحابة" لما حصل فيهما النزاع مع الرافضة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلفظ (أهل السنة) يراد به:
ا- من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة.
٢- وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة، فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى ويقول: (إن القرآن غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، ويثبت القدر، وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة) "١.
وقد عبر شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذين القسمين بتسمية:
أهل القسم الأول: بأهل "السنة العامة" وهو كل ما ليس برافضي٢.
وأهل القسم الثاني: بأهل " السنة الخاصة" أي أهل الحديث.
_________________
(١) ١ منهاج السنة ٢/٢٢١، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود ٢ قال شيخ الإسلام: "ولا ريب أنهم (أي الروافض) أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنة، ولهذا كانوا هم المشهورين عند العامة بالمخالفة للسنة، فجمهور العامة لا تعرف ضد السني إلا الرافضي، فإذا قال أحدهم: أنا سني، فإنما معناه: لست رافضيا.." مجموع الفتاوى ٣/٣٥٦
[ ٥٥ ]
المبحث الثاني: معتقد أهل السنة في أسماء الله وصفاته
المبحث الثاني: بيان معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته
معتقد أهل السنة في أسماء الله وصفاته هو: أنهم يؤمنون بما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة إثباتًا ونفيًا، فهم بذلك:
ا- يسمون الله بما سقى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ، لا يزيدون على ذلك ولا ينقصون منه.
٢- ويثبتون لله ﷿ ويصفونه بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
٣- وينفون عن الله ما نفاه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله محمد ﷺ، مع اعتقاد أن الله موصوف بكمال ضد ذلك الأمر المنفي.
فأهل السنة سلكوا في هذا الباب منهج القرآن والسنة الصحيحة فكل اسم أو صفة لله سبحانه وردت في الكتاب والسنة الصحيحة فهي من قبيل الإثبات فيجب بذلك إثباتها.
وأما النفي فهو أن ينفى عن الله ﷿ كل ما يضاد كماله من أنواع العيوب والنقائص، مع وجوب اعتقاد ثبوت كمال ضد ذلك المنفي.
قال الإمام أحمد ﵀: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وطريقة سلف الأمة وأئمتها: أنهم يصفون
[ ٥٦ ]
الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فهذا رد على الممثلة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١ رد على المعطلة.
فقولهم في الصفات مبني على أصلين:
أحدهما: أن الله ﷾ منزه عن صفات النقص مطلقًا كالسنة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك.
والثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات"٢.
ومن النصوص التي توضح ذلك ما يلي:
أ- قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣.
ففي مقام النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ .
وفي مقام الإثبات: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
ب- قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ ٤.
ففي مقام الإثبات: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ﴾ .
وفي مقام النفي: ﴿الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ .
_________________
(١) ١ الآية ١١ من سورة الشورى ٢ منهاج السنة ٢/٥٢٣ ٣الآية ١١ من سورة الشورى ٤ الآية ٥٨ من سورة الفرقان
[ ٥٧ ]
ج- قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ ١.
ففي مقام الإثبات: ﴿اللَّهُ﴾، و﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ .
وفي مقام النفي: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، و﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ .
وأما من السنة، ففي مقام الإثبات قوله ﷺ: "ينزل ربنا ﷿ حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى سماء الدنيا" ٢، متفق عليه.
وقوله ﷺ: "لما قضى الله ﷿ الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش أن رحمتي غلبت غضبي" ٣، متفق عليه.
وفي مقام النفي قوله ﷺ: "أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا" ٤.
وقوله ﷺ: "إن الله تعالى ليس بأعور" ٥.
وقوله ﷺ: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام" ٦.
أولًا: شرح قول أهل السنة: "من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل".
توحيد الأسماء والصفات له ضدان هما:
ا- التعطيل.
٢- التشبيه والتمثيل.
_________________
(١) ١ الآية ٢٥٥ من سورة البقرة ٢ البخاري ٣/٢٢٩، ومسلم ١/٥٢١ ح١٦٨ ٣ البخاري ٦/٢٨٧، ح١٩٤، ومسلم ٤/٢١٠٧ ح١٤ ٤ البخاري ١٣/٣٧٢ ح ٧٣٨٦ ٥ متفق عليه، البخار ١٣/٩٠، ومسلم ١٨/٥٩ ٦ مسلم في صحيحه ١/١١١
[ ٥٨ ]
فمن نفى صفات الرب ﷿ وعطلها، فقد كذب تعطيله توحيده.
ومن شبهه بخلقه ومثله بهم، فقد كذب تشبيهه وتمثيله توحيده١.
أولًا: معنى قولهم: "من غير تحريف ولا تعطيل":
هذه العبارة فيها تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة أهل التعطيل:
أ- معنى التحريف وبيان أنواعه:
ا- معنى التحريف:
التحريف لغة: التغيير والتبديل والإمالة.
فهو في الأصل مأخوذ من قولهم: حرفت الشيء عن وجهه إذا أملته وغيرتة.
والتحريف شرعًا: الميل بالنصوص عما هي عليه، إما بالطعن فيها، أو بإخراجها عن حقائقها مع الإقرار بلفظها.
أو نقول بعبارة مختصرة: هو العدول بالكلام عن وجهه وصوابه إلى غيره٢.
والتحريف في باب الأسماء والصفات: هو تغيير ألفاظ نصوص الأسماء والصفات أو معانيها عن مراد الله بها.
٢- أنواع التحريف:
التحريف نوعان:
النوع الأول: تحريف اللفظ:
وتعريفه: هو العدول باللفظ عن جهته إلى غيرها، وله أربع صور:
ا- الزيادة في اللفظ.
_________________
(١) ١ اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٣٦ ٢ الصواعق المرسلة ١/٢١٥
[ ٥٩ ]
٢- النقصان في اللفظ.
٣- تغيير حركة إعرابية.
٤- تغيير حركة غير إعرابية.
ومن أمثلة تحريف اللفظ:
المثال الأول: تحريف إعراب قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ١ من الرفع إلى النصب، وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾ أي موسى كلم الله، ولم يكلمه الله، ولما حرفها بعض الجهمية هذا التحريف قال له بعض أهل التوحيد: فكيف تصنع بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ ٢ فبهت المحرف.
مثال آخر: إن بعض المعطلة سأل بعض أئمة العربية: هل يمكن أن يقرأ العرش بالرفع في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣ وقصد بهذا التحريف أن يكون الاستواء صفة للمخلوق لا للخالق٤.
النوع الثاني: تحريف المعنى:
وتعريفه: هو صرف اللفظ عن معناه الصحيح إلى غيره مع بقاء صورة اللفظ٥. أو نقول: تعريفه: هو العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته، وإعطاء اللفظ معنى لفظ آخر بقدر ما مشترك بينهما.
وهذا النوع هو الذي جال فيه أهل الكلام من المعطلة وصالوا وتوسعوا
_________________
(١) ١ الآية ١٦٤ من سورة النساء ٢ الآية ١٤٣ من سورة الأعراف ٣الآية ٥ من سورة طه ٤ الصواعق المرسلة ١/٢١٨ ٥ الصواعق المنزلة ١/٢٠١
[ ٦٠ ]
وسموه تأويلًا، وهو اصطلاح فاسد حادث لم يعهد به استعمال في اللغة١.
ومن أمثلة تحريف المعنى:
كقول المعطلة في معنى استوى: استولى في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢.
وفي معنى اليد في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان﴾ ٣ النعمة والقدرة.
وفي معنى المجيء في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ٤ وجاء أمر ربك.
وقد ذكر الله التحريف وذمه حيث ذكره، وهو مأخوذ في الأصل عن اليهود، فهم الراسخون فيه، وهم شيوخ المحرفين وسلفهم، فإنهم حرفوا كثيرًا من ألفاظ التوراة وما غلبوا عن تحريف لفظه حرفوا معناه، ولهذا وصفوا بالتحريف في القرآن دون غيرهم من الأمم.
وقد درج على آثارهم الرافضة، فهم أشبه بهم من القذة بالقذة، وكذلك الجهمية، فإنهم سلكوا في تحريف النصوص مسالك إخوانهم في اليهود٥.
وأصحاب تحريف الألفاظ شر من أصحاب تحريف المعنى من وجه.
وأصحاب تحريف المعنى شر من أصحاب تحريف اللفظ من وجه.
فأصحاب تحريف اللفظ عدلوا باللفظ والمعنى جميعًا عما هما عليه فأفسدوا اللفظ والمعنى، بينما أصحاب تحريف المعنى أفسدوا المعنى وتركوا اللفظ على حاله فكانوا خيرًا من أولئك من هذا الوجه.
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق ٢/١٤٧ ٢ الآية ٥ من سورة طه ٣ الآية ٦٤ من سورة المائدة ٤ الآية ٢٢ من سورة الفجر ٥ الصواعق المرسلة ١/٢١٥-٢١٦
[ ٦١ ]
فأصحاب تحريف اللفظ لما أرادوا المعنى الباطل حرفوا له لفظًا يصلح له لئلا يتنافر اللفظ والمعنى، بحيث إذا أطلق ذلك اللفظ المحرف فهم منه المعنى المحرف، فإنهم رأوا أن العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته مع بقاء اللفظ على حاله مما لا سبيل إليه، فبدأوا بتحريف اللفظ ليستقيم لهم حكمهم على المعنى الذي قصدوا١.
وأما كون أصحاب تحريف المعنى شرا من أصحاب تحريف اللفظ من وجه، فلأن تحريف المعنى هو الأكثر استعمالا عند أصحاب التحريف، ولأنه أسهل رواجا وسوقًا عند الجهلة والعوام من الناس، فيفتتن به من ليس لديه زاد من العلم الصحيح المعتمد على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة.
ب- معنى التعطيل:
التعطيل لغة: مأخوذ من "العطل": الذي هو الخلو والفراغ والترك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ ٢ أي أهملها أهلها وتركوا وردها٣.
والتعطيل في جانب الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، وهو المتمثل فيمن ينكر وجود خالق لهذا الكون، وهو قول الدهرية الملاحدة.
القسم الثاني: تعطيل عبادته ﷿، أي ما يجب له ﷿ على عباده من حقيقة التوحيد وإفراده بالعبادة، وهو المتمثل في أهل الشرك الذين صرفوا شيئا من العبادة لغير الله ﷿.
القسم الثالث: تعطيل الله سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق ٢/١٤٧، ١٤٨ ٢ الآية ٤٥ من سورة الحج ٣ شرح الواسطية ص ٢٠
[ ٦٢ ]
وأوصافه وأفعاله١.
وهذا القسم الثالث هو الذي نقصده هنا.
فالمراد بالتعطيل في باب الأسماء والصفات هو: نفي الأسماء والصفات أو بعضها وسلبها عن الله.
أو نقول: هو نفي الصفات الإلهية، وإنكار قيامها بذات الله تعالى٢.
وقد وقع في التحريف والتعطيل طوائف، يجمعهم أهل العلم تحت مسمى"المعطلة".
وينقسم المعطلة إلى قسمين رئيسيين هما:
القسم الأول: الفلاسفة.
وهم صنفان:
الصنف الأول: أهل الفلسفة البحتة.
الصنف الثاني: أهل الفلسفة الباطنية، وهي نوعان:
أ- رافضية. ب- صوفية.
والقسم الثاني من المعطلة هم: أهل الكلام.
وهم خمسة أصناف:
ا- الجهمية.
٢- المعتزلة.
٣- الكلابية.
٤- الأشاعرة.
_________________
(١) ١ الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص١٥٣ ٢شرح الواسطية ص٢٠
[ ٦٣ ]
٥- الماتريدية.
وسأفصل الحديث عنهم بإذن الله في دراسة مستقلة.
ثانيا: معنى قولهم: "من غير تكييف ولاتمثيل":
هذه العبارة فيها تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة المشبهة.
"فالتكييف"هو: جعل الشيء على حقيقة معينة من غير أن يقيدها بمماثل١.
مثال ذلك: قول الهشامية عن الله: "طوله كعرضه "٢.
أو قولهم: " طوله طول سبعة أشبار بشبر نفسه".
وعلى هذا التعريف يكون هناك فرق بين التكييف والتمثيل.
فالتكييف: ليس فيه تقيد بمماثل.
وأما التمثيل فهو اعتقاد أنها مثل صفات المخلوقين.
ولعل الصواب أن التكييف أعم من التمثيل.
فكل تمثيل تكييف، لأن من مثل صفات الخالق بصفات المخلوقين فقد كيف تلك الصفة أي جعل لها حقيقة معينة مشاهدة.
وليس كل تكييف تمثيلًا، لأن من التكييف ما ليس فيه تمثيل بصفات المخلوقين، كقولهم: طوله كعرضه.
ومعنى قول أهل السنة: "من غير تكييف" أي من غير كيف يعقله البشر، وليس المراد من قولهم: "من غير تكييف" أنهم ينفون الكيف مطلقًا، فإن كل شيء لابد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد أنهم ينفون علمهم بالكيف، إذ
_________________
(١) ١ القواعد المثلى ص٢٧ ٢ مقالات الإسلاميين ص ٣١
[ ٦٤ ]
لا يعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه١.
فمن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفاته ﷿، لأنه تعالى أخبرنا عن الصفات ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تعمقنا في أمر الكيفية قفوًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به.
وقد أخذ العلماء من قول الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" قاعدة ساروا عليها في هذا الباب.
"ولا تمثيل":
المثيل لغة: هو الند والنظير.
والتمثيل: هو الاعتقاد في صفات الخالق، أنها مثل صفات المخلوقين.
وهو قول الممثل: له يد كيدي وسمع كسمعي، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
والتمثيل والتشبيه هنا بمعنى واحد، وإن كان هناك فرق بينهما في أصل اللغة٢.
فالمماثلة: هي مساواة الشيء لغيره من كل وجه.
والمشابهة: هي مساواة الشيء لغيره في أكثر الوجوه.
ولكن التعبير هنا بنفي "التمثيل" أولى لموافقة لفظ القرآن.
في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾ ٤.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الواسطية ص ٢١ ٢ القواعد المثلى ص ٢٧ ٣ الآية ١١ من سورة الشورى ٤ الآية ٧٤ من سورة النحل
[ ٦٥ ]
وقد وقع في التمثيل والتكييف "المشبهة" الذين بالغوا في إثبات الصفات إلى درجة تشبيه الخالق بالمخلوق.
وقد وقع في التمثيل كل من:
ا- الكرامية: أتباع محمد بن كرام السجستاني.
وهم طوائف يبلغ عددهم اثنتي عشرة فرقة، وأصولها ستة هي:
ا- العابدية ٢٠- النونية ٣٠- الزرينية.
٤- الإسحاقية ٥٠- الواحدية ٦٠- الهيصمية.
٢- الهشامية الرافضية الإمامية.
وهم أصحاب: هشام بن الحكم الرافضي.
وأحيانًا تنسب إلى: هشام بن سالم الجواليقي، وكلاهما من الإمامية المشبهة، والجدير بالذكر أن الرافضة الإمامية كان ينتشر فيهم التشبيه وهذا في أوائلهم١.
وأما الرافضة الإمامية في الوقت الراهن، فعلى عقيدة المعتزلة في مسائل الصفات، وكذلك "الزيدية" من الشيعة.
ثالثا: "كل معطل ممثل، وكل ممثل معطل"
فكل واحد من فريق التعطيل والتمثيل جامع بين التعطيل والتمثيل.
ا- بيان جمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل:
أما تمثيل المعطلة: فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات.
فهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء
_________________
(١) ١ شرح الأصفهانية ص ٦٥
[ ٦٦ ]
خلقه وصفاتهم.
وتعطيل المعطلة: في نفيهم لما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات اللائقة به سبحانه.
وبذلك جمعوا بين التعطيل والتمثيل: مثلوا أولًا، وعطلوا آخرًا.
وامتاز أهل التعطيل عن أهل التمثيل بنفيهم المعاني الصحيحة للصفات.
مثال لجمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل:
نصوص الاستواء، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١.
فإن المعطل يقول: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويًا، وكل ذلك من المحال، ونحو ذلك من الكلام. فهذا المعطل لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا اللازم الذي جاء به المعطل تابع لهذا المفهوم.
وكان الواجب عليه أن يثبت لله استواء يليق بجلاله ويختص به، فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي هي من لوازم المخلوقات، ويجب نفيها في حق الله.
فأهل التعطيل وقعوا في أربعة محاذير:
الأول: كونهم مثلوا ما فهموه من النصوص بصفات المخلوقين، وظنوا أن مدلول النصوص هو التمثيل.
الثاني: أنهم عطلوا النصوص عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله.
الثالث: أنهم بنفي تلك الصفات صاروا معطلين لما يستحقه الرب من صفات الكمال.
_________________
(١) ١الآية ٥ من سورة طه
[ ٦٧ ]
الرابع: أنهم وصفوا الرب بنقيض تلك الصفات، من صفات الأموات والجمادات والمعدومات١.
٢- بيان جمع أهل التمثيل بين التعطيل، والتمثيل ٢:
أما تعطيل الممثل فمن وجوه ثلاثة:
أحدها: أنه عطل نفس النص الذي أثبت الصفة، حيث صرفه عن مقتضى ما يدل عليه، فإن النص دال على إثبات صفة تليق بالله لا على مشابهة الله لخلقه.
الثاني: أنه إذا مثل الله بخلقه فقد عطله عن كماله الواجب، حيث شبه الرب الكامل بالمخلوق الناقص.
الثالث: أنه إذا مثل الله بخلقه فقد عطل كل نص يدل على نفي مشابهة الله لخلقه، مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٤.
أما تمثيل أهل التمثيل: فإنهم يقولون: إن الله ﷿ لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فإذا كان مستويًا على العرش فهو كاستواء الإنسان على السرير، إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا، فامتاز هؤلاء الممثلة بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين، كما امتاز المعطلة بتعطيل كل اسم للاستواء الحقيقي.
والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ويختص به، فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل
_________________
(١) ١ الرسالة التدمرية ٧٩- ٨٠ ٢ انظر: الفتوى الحموية ص٦٢- ٦٣ ط: دار فجر للتراث ٣ الآية ١١ من سورة الشورى ٤ الآية ٤ من سورة الإخلاص
[ ٦٨ ]
شيء قدير، وأنه سميع بصير ونحو ذلك، ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين وقدرتهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق وملزوماتها.
(فقد هدى الله أصحاب سواء السبيل للطريقة المثلى فأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، وتفوا عنه مماثلة المخلوقات، فكان مذهبهم مذهبا بين مذهبين وهديا بين ضلالتين.
فقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تكييف.
بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات، فلا نعطل ولا نؤول ولا نمثل ولا نجهل.
ولا نقول: ليس له يدان، ولا وجه، ولا سمع، ولا بصر، ولا حياة، ولا قدرة، ولا استوى على عرشه.
ولا نقول: له يدان كأيدي المخلوقين، ووجه كوجوههم وسمع وبصر وحياة وقدرة واستواء، كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم.
بل نقول: له ذات حقيقة ليست كذوات المخلوقين.
وله صفات حقيقة ليست كصفات المخلوقين.
وكذلك قولنا: في وجهه ﵎، ويديه، وسمعه، وبصره، وكلامه، واستوائه.
ولا يمنعنا ذلك أن نفهم المراد من تلك، الصفات وحقائقها، كما لم يمنع ذلك من أثبت لله شيئا من صفات الكمال من فهم معنى الصفة وتحقيقها، فإن
[ ٦٩ ]
من أثبت له سبحانه السمع والبصر أثبتهما حقيقة وفهم معناهما، فهكذا سائر الصفات المقدسة، يجب أن تجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فإن الله سبحانه لم يكلف العباد ذلك، ولا أراده منهم، ولم يجعل لهم إليه سبيلا) ١.
_________________
(١) ١ الصواعق المرسلة ٢/٤٢٥- ٤٢٧
[ ٧٠ ]
المبحث الثالث: الأسس التي قام عليها معتقد أهل السنة في أسماء الله وصفاته
المبحث الثالث: الأسس التي قام عليها معتقد أهل السنة في باب الأسماء والصفات
ارتكز معتقد أهل السنة في باب أسماء الله وصفاته على ثلاثة أسس رئيسية، هي١:
الأساس الأول: الإيمان بما ورددت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة من أسماء الله وصفاته إثباتًا ونفيًا.
الأساس الثاني: تنزيه الله جل وعلا عن أن يشبه شيء من صفاته شيئًا من صفات المخلوقين.
الأساس الثالث: قطع الطمع عن إدراك كيفية اتصاف الله بتلك الصفات.
وهذه الأسس الثلاثة هي التي تفضل وتميز عقيدة أهل السنة في هذا الباب عن عقيدة أهل التعطيل (من الفلاسفة وأهل الكلام) من جهة.
وعن عقيدة أهل التمثيل (من الكرامية والهشامية وغيرهم) من جهة أخرى.
فالأساس الأول: فيه تمييز لعقيدة أهل، السنة عن عقيدة المعطلة، فأهل السنة يجعلون الأصل في إثبات الأسماء والصفات أو نفيها عن الله تعالى هو
_________________
(١) ١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص ٢٥
[ ٧١ ]
كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، ولا يتجاوزونها، فما ورد إثباته من الأسماء والصفات في القرآن والسنة الصحيحة فيجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما فيجب نفيه.
(وأما ما لم يرد إثباته ونفيه فلا يصح استعماله في باب الأسماء وباب الصفات إطلاقًا، وأما في باب الأخبار فمن السلف من يمنع ذلك، ومنهم من يجيزه بشرط أن يستفصل عن مراد المتكلم فيه، فإن أراد به حقًّا يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أراد به معنى لا يليق بالله عر وجل وجب رده) ١.
ومجمل القول إن في الأمر ثلاثة أبواب:
ا- باب الأسماء: وهذا يجب الاعتماد فيه على الكتاب والسنة فقط.
٢- باب الصفات: وهذا كذلك يجب الاعتماد فيه على الكتاب والسنة فقط.
٣- باب الأخبار: وهذا لا يشترط فيه ورود النص الشرعي، ولكن يشترط أن يكون معنى اللفظ المستعمل ليس بسيء.
أما أهل التعطيل: فقد جعلوا "العقل" وحده هو أصل علمهم، فالشبه العقلية هي الأصول الكلية الأولية عندهم، وهي التي تثبت وتنفي، ثم يعرضون الكتاب والسنة على تلك الشبه العقلية، فإن وافقتها قبلت اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن عارضتها ردت تلك النصوص الشرعية وطرحت، وفي هذا يقول قائلهم: (كل ما ورد السمع به ينظر فإن كان العقل مجوزا له وجب التصديق به..
وأما ما قضى العقل باستحالته فيجب فيه تأويل ما ورد السمع به، ولا يتصور أن يشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول.
_________________
(١) ١ رسالة في العقل والروح ٢/٤٦- ٤٧ لابن تيمية (ضمن مجموعة الرسائل المنيرية)
[ ٧٢ ]
وظواهر أحاديث التشبيه- يعني بها أحاديث الصفات- أكثرها غير صحيحة، والصحيح منها ليس بقاطع، بل هو قابل للتأويل) ١.
فهذا النقل يبين لك مدى تقديم هؤلاء لشبههم العقلية وتعصبهم لها، وكيف أنهم يجعلونها هي الأصول والسمع معروضا عليها، فما أجازته عقولهم قبلوه، وما لم تجزه عقولهم شككوا فيه وانتقصوه، ومن ثم سعوا في تأويله وتحريفه، ومن يلقي نظرةً على كتب الأشاعرة مثلًا يجد أن القوم يقسمون أبواب العقيدة إلى إلهيات- ونبوَّات- وسمعيات، وهم في باب الإلهيات والنبوات لا يقبلون نصوص الكتاب والسنة، ولذلك لن تجد في هذين البابين إلا الشبه العقلية المركبة وفق القواعد المنطقية، ويا عجبا أنأخذ ديننا من كلام الله ورسوله، أم من ملاحدة اليونان وتلاميذهم!
وأما باب السمعيات- أي البعث والحشر والجنة والنار والوعد والوعيد- فهم يقبلون فيه النصوص الشرعية، وبالتالي سموا هذا الباب بالسمعيات. في مقابل باب الإلهيات والنبوات، إذ إنهم يعتمدون فيهما على العقليات، وهؤلاء شابهوا حال من قال الله تعالى فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الاقتصاد في الاعتقاد لأبي حامد الغزالي ص ١٣٢- ١٣٣. وقال في كتابه المستصفى ٢/١٣٧- ١٣٨: "كل ما دل العقل فيه على أحد الجانبين فليس للتعارض فيه مجال، إذ الأدلة العقلية يستعجل نسخها وتكاذبها، فإن ورد دليل سمعي على خلاف العقل، فإما أن لا يكون متواترًا فيعلم أنه غير صحيح، وإما أن يكون متواترًا فيكون مؤولًا ولا يكون متعارضًا" ٢ الآية ٨٥ من سورة البقرة
[ ٧٣ ]
وأما الأساس الثاني: وهو تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، ففيه تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة المعطلة من جهة، وعن عقيدة المشبهة من جهة أخرى.
فأهل السنة: يعتقدون أن ما اتصف الله به من الصفات لا يماثله فيها أحد من خلقه، فالله ﷿ قد أخبرنا بذلك بنص كتابه العزيز حيث قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١، فإذا ورد النص بصفة من صفات الله تعالى في الكتاب أو السنة فيجبب الإيمان به والاعتقاد الجازم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والشرف والعلو مما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فالشر كل الشر في عدم تعظيم الله، وأن يسبق في ذهن الإنسان أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فعلى القلب المؤمن المصدق بصفات الله التي تمدح بها أو أثنى عليه بها نبيه ﷺ، أن يكون معظمًا لله جل وعلا غير متنجس بأقذار التشبيه، لتكون أرض قلبه طيبة طاهرة قابلة للإيمان بالصفات على أساس التنزيه أخذا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢
أما أهل التعطيل: فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات التي لا وجود لها إلا في أفهامهم الفاسدة، فعقيدة هؤلاء المعطلة جمعت بين التمثيل والتعطيل، وهذا الشر إنما جاء من تنجس قلوبهم وتدنسها بأقذار التشبيه، فإذا سمعوا صفة من صفات الكمال التي أثنى الله بها على نفسه كاستوائه على عرشه ومجيئه يوم
_________________
(١) ١ الآية ١١ من سورة لشورى ٢ انظر: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص ٢١- ٢٢
[ ٧٤ ]
القيامة وغير ذلك من صفات الجلال والكمال، فإن أول ما يخطر في أذهانهم أن هذه الصفة تشبه صفات الخلق، فيتلطخ القلب بأقذار التشبيه لم يقدر الله حق قدره ولم يعظم الله حق عظمته حيث سبق إلى ذهنه أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فيكون أولًا نجس القلب بأقذار التشبيه ثم دعاه ذلك إلى أن ينفي صفة الخالق جلَّ وعلا عنه بادعاء أنها تشبه صفات المخلوق، فيكون فيها أولًا مشبهًا، وثانيًا معطلًا ضالًاّ ابتداءً وانتهاءً متهجمًا على رب العالمين ينفي صفاته عنه بادعاء أن تلك الصفة لا تليق١.
وأما عقيدة أهل التمثيل: فهي تقوم على دعواهم أن الله ﷿ لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فإذا أخبرنا عن اليد فنحن لا نعقل إلا هذه اليد الجارحة، فشبهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين، فقالوا: له يد كيدي، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وأمَّا العارفون به، المصدقون لرسله، المقرون بكماله فهم يثبتون لله جميع صفاته، وينفون عنه مشابهة المخلوقات، فيجمعون بين الإثبات ونفي التشبيه، وبين التنزيه وعدم التعطيل، فمذهبهم حسنة بين سيئتين، وهدًى بين ضلالتين.
وأما الأساس الثالث: ففيه تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة المشبهة، فأهل السنة يفوضون علم كيفية اتصاف الباري ﷿ بتلك الصفات إلى الله ﷿، فلا علم للبشر بكيفية ذات الله﵎ (ولا تفسير كنه شيء من صفات ربنا تعالى كأن يقال استوى على هيئة كذا، وكل من تجرأ على شيء من ذلك فقوله من الغلو في الدين والافتراء على الله ﷿، واعتقاد ما لم
_________________
(١) ١ انظر: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص ١٩- ٢٠
[ ٧٥ ]
يأذن به الله ولا يليق بجلاله وعظمته ولم ينطق به كتاب ولا سنة، ولو كان ذلك مطلوبًا من العباد في الشريعة لبينه الله تعالى ورسوله ﷺ، فهو لم يدع ما بالمسلمين إليه حاجة إلا بينه ووضحه، والعباد لا يعلمون عن الله تعالى إلا ما علمهم كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ١ فليؤمن العبد بما علمه الله تعالى وليقف معه، وليمسك عما جهله وليكل معناه إلى عالمه) ٢.
وأما المشبهة فقد تعمقوا في شأن كيفيات صفات الله وتقولوا على الله بغير علم، فقالوا: له بصر كبصري، ويد كيدي،، وقدم كقدمي، تعالى الله عمّا يقولون علوًّا كبيرًا.
_________________
(١) ١ الآية ٢٥٥ من سورة البقرة ٢ انظر: معارج القبول ١/٣٢٦- ٣٢٧
[ ٧٦ ]
توضيح الأسس الثلاثة
ا- الأساس الأول: الإيمان بما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة من أسماء الله وصفاته إثباتا ونفيا.
وهذا الأساس لابد فيه من مراعاة ما يلي:
أولًا: إن طلب العلم في المطالب الإلهية إنما يكون عن طريق الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة.
فالذي يجب اعتقاده هو أن معرفة هذا النوع من أنواع التوحيد تتوقف على دراسة الكتاب والسنة، لأن هذا التوحيد يتطلب، أسماء وصفات معينة، وهذه لا سبيل إلى معرفتها والحصول عليها إلا من طريق الكتاب والسنة (فنحن نؤمن بالله تعالى وبما أخبر به عن نفسه سبحانه على ألسنة رسله من أسمائه الحسنى وصفاته العلى بلا تكييف ولا تمثيل، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه مما لا يليق بجلاله وعظمته، فإنه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلًا وأبين دليلًا من غيره) ١، ولذلك كان معتقد أهل السنة هو الإيمان بما سمى ووصف الله به نفسه إثباتًا ونفيًا، لأنه لا يسمي الله أعلم بالله من الله، قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٤، وقال تعالى:
_________________
(١) ١ معارج القبول ١/٣٣٠- ٣٣١ ٢ الآية ١٤٠ من سورة البقرة ٣ الآية ١٢٢ من سورة النساء ٤ الآية ١٤ من سورة فاطر
[ ٧٧ ]
﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ١، فالله ﷿، هو الذي سمى ووصف نفسه بما جاء في نص كلامه الذي هو القرآن.
ولا يسمي ويصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله ﷺ، الذي قال الله في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٢، ولقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصلًا على وجه ثلجت به الصدور واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، وفصلت ذلك أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقررته أكمل تقرير في أبلغ لفظ، ولذلك كان لزامًا على كل مسلم أن يؤمن بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة من غير زيادة ولا نقصان.
ثانيًا: تقديم الشرع على العقل، فالأصل في الدين الاتباع والمعقول تبع. فمعتقد أهل السنة في هذا الباب وفي غيره من أبواب العقائد والأحكام أن العقل المجرد ليس له إثبات شيء من العقائد والأحكام، وإنما المرجع في ذلك إلى القرآن والسنة.
فالعقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات فوجب الوقوف في ذلك على النص، لأن العقل يقصر عن إدراك حقيقة المغيبات حتى وإن كانت تلك المغيبات أقرب شيء إليه، فهو قاصر عن أن يحيط علمًا بحقيقة روحه التي بين جنبيه لما أخفى الله أمرها عنه، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٣، فإذا كان الإنسان يجهل أمر روحه فكيف يحيط علمًا بذات الله وما يصلح وما لا يصلح لذاته من الأسماء والصفات، والله قد أخفى عن الخلق كيفية ذاته؟!.
_________________
(١) ١ الآية ٥٩ من سورة الفرقان ٢ الآيتان ٣، ٤ من سورة النجم ٣ الآية ٨٥ من سورة الإسراء
[ ٧٨ ]
(ونحن إذا تدبرنا عامة ما جاء في أمر الدين من ذكر صفات الله، وما تعبد الناس باعتقاده من ذكر عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، والحوض، والميزان، والصراط، وصفة الجنة وصفة النار، وجدناها أمورًا لا ندرك حقائقها بعقولنا، وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها، فإذا سمعنا شيئا من أمور الذين، وعقلناه، وفهمناه، فلله الحمد في ذلك، والشكر ومنه التوفيق، وما لم يمكنَّا إدراكه ولم تبلغه عقولنا آمنا به، وصدقناه، واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته، واكتفينا في ذلك بعلمه، ومشيئته، قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء﴾ ٢١.
(واعلم أن فصل ما بيننا وبين المعطلة هو "مسألة العقل"، فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعًا للمعقول) .
وأما أهل السنة فقالوا: الأصل في الدين الإتباع، والمعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي، وعن الأنبياء، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء) ٣.
فالتقرير بأن النقل مقدم على العقل لا ينبغي أن يفهم منه أن أهل السنة ينكرون العقل والتوصل به إلى المعارف والتفكير به في خلق السموات والأرض، وفي الآيات الكونية الكثيرة، فأهل السنة لا ينكرون استعمال العقل، ولكتهم توسطوا في شأن "العقل" بين طائفتين ضلتا في هذا الباب، هما:
أهل الكلام: الذين يجعلون العقل وحده أصل علمهم، ويفردونه،
_________________
(١) ١ الآية ٢٥٥ من سورة البقرة ٢ الحجة في بيان المحجة ١/٣٢١ بتصرف ٣ المصدر السابق ١/٣٢٠
[ ٧٩ ]
ويجعلون الإيمان والقرآن تابعين له، والمعقولات عندهم هي الأصول الكلية الأولية، المستغنية بنفسها عن الإيمان والقرآن.
فهؤلاء جعلوا عقولهم هي التي تثبت وتنفي والسمع معروضا عليها، فإن وافقها قيل اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن عارضها رُدَّ وطُرِحَ، وهذا من أعظم أسباب الضلال التي دخلت على هذه الأمة.
وأهل التصوف: الذين يذمون العقل ويعيبونه، ويرون أن الأحوال العالية، والمقامات الرفيعة، لا تحصل إلا مع عدمه، ويقرون من الأمور بما يكذب صريح العقل.
ويمدحون السكر والجنون والوله، وأمورًا من المعارف والأحوال التي لا تكون إلا مع زوال العقل والتمييز، كما يصدقون بأمور يعلم بالعقل الصريح بطلانها.
وكلا الطرفين مذموم.
وأما أهل السنة: فيرون أن العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلًاّ بذلك.
فالعقل غريزة في النفس، وقوة فيها، بمنزلة قوة البصر التي في العين.
فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن، كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس أو النار.
وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها.
وإن عزل بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أمورًا حيوانية.
فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة، والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، ولم تأت بما يعلم بالعقل
[ ٨٠ ]
امتناعه١.
فائدة: "مسكن العقل":
سُئِل شيخ الإسلام ابن تيمية: أين مسكن العقل في الإنسان؟
فأجاب بقوله: "العقل قائمٌ بنفس الإنسان التي تعقل، وأمَّا البدن فهو متعلق بقلبه، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ٢.
وقيل لابن عباس: بماذا نلت العلم؟
قال: "بلسانٍ سؤولٍ وقلبٍ عقولٍ"، لكن لفظ القلب قد يُرَادُ به:
ا- المضغة الصنوبرية الشكل التي في الجانب الأيسر من البدن، التي جوفها علقة سوداء، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" متفق عليه٣.
٢- وقد يراد بالقلب باطن الإنسان مطلقًا، فإن قلب الشيء باطنه، كقلب الحنطة، واللوزة والجوزة، ونحو ذلك، ومنه، سمي القُليب قُليبًا، لأنه أخرج قلبه وهو باطنه، وعلى هذا فإذا أريد بالقلب هذا فالعقل متعلق بدماغه أيضًا، ولهذا قيل: إن العقل في الدماغ كما يقوله كثير من الأطباء، ونقل ذلك عن الإمام أحمد، ويقول طائفة من أصحابه: (إن أصل العقل في القلب، فإذا كمل انتهى إلى الدماغ) .
والتحقيق "أن الروح التي هي النفس لها تعلق بهذا وهذا، وما يتصف من
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٣/٣٣٨- ٣٣٩ بتصرف ٢ الآية ٤٦ من سورة الحج ٣ أخرجه البخاري في الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه ١/١٢٦ ح٥٢، ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات ٥/٥٠- ٥١
[ ٨١ ]
العقل به يتعلق بهذا وهذا، لكن:
مبدأ الفكر والنظر في الدماغ.
ومبدأ الإرادة في القلب.
والعقل يراد به العلم، ويراد به العمل، فالعلم والعمل الاختياري أصله الإرادة، وأصل الإرادة في القلب، والمريد لا يكون مريدًا إلا بعد تصور المراد، فلابد أن يكون القلب متصورًا، فيكون منه هذا وهذا، ويبتديء ذلك من الدماغ وآثاره صاعدة إلى الدماغ، فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء.
وكلا القولين له وجه صحيح"١.
ثالثًا: الإيمان بما دلت عليه نصوص الأسماء والصفات من المعاني والأحكام.
فالسلف يؤمنون بأسماء الله وصفاته، وبما دلت عليه من المعاني والأحكام، أما كيفيتها فيفوضون علمها إلى الله.
وهم برآء مما اتهمهم به المعطلة الذين زعموا أن السلف يؤمنون، بألفاظ نصوص الأسماء والصفات، ويفوضون معانيها.
وهذا الزعم جهل على السلف، فإنهم كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا لآيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ، خاصة فيما يتعلق بمعرفة الله تعالى، فكانوا يدرون معاني ما يقرأون ويحملون من العلم، ولكنهم لم يكونوا يتكلفون الفهم للغيب المحجوب، فلم يكونوا يخوضون في كيفيات الصفات شأن أهل الكلام والبدع، فإنهم حين خاضوا في ذات الله وصفاته وقعوا في التأويل والتعطيل، وإنما ألجأهم إلى ذلك، الضيق الذي دخل عليهم بسبب
_________________
(١) ١ رسائل في العقل والروح ٢/٤٨- ٤٩ (مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية)
[ ٨٢ ]
التشبيه، فأرادوا الفرار منه فوقعوا في التعطيل،، ولم يقع تعطيل إلا بتشبيه، ولو أنهم نزهوا الله تعالى ابتداء عن مشابهة الخلق، وأثبتوا الصفة مع نفي المماثلة لسلموا ونجوا، ولوافقوا اعتقاد السلف ولبان لهم أن السلف لم يكونوا حملة أسفار لا يدرون ما فيها.
ومن تدبر كلام أئمة السلف المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظرًا، وأعلم الناس في هذا الباب، وأن الذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، ولذلك صار أولئك الذين خالفوا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ١.
ومن له اطلاع على أقوال الأسف المدونة في كتب العقيدة والتفسير والحديث عند الحديث عن نصوص الصفات يعلم أن السلف تكلموا في معاني الصفات وبينوها ولم يسكتوا عنها، وهذه الأقوال هي أكبر شاهد على فهم السلف لمعاني الصفات وإيمانهم بها.
رابعًا: رفض التحريف والتعطيل لنصوص الأسماء والصفات.
فالسلف يعتقدون أن الواجب في نصوص القرآن والسنة بما في ذلك نصوص الأسماء والصفات هو إجراؤها على ظاهرها، وذلك بأن تُفهتم وفق ما يقتضيه اللسان العربي، وأن لا يتعرض لها بتحريف أو تعطيل كما فعل المعطلة، الذين تلاعبوا بظواهر النصوص! لمجرد أنها خالفت باطلهم ومناهجهم الفاسدة٢.
_________________
(١) ١ الآية ١٧٦ من سورة البقرة ٢ درء تعارض العقل والنقل ٢/٣٠١
[ ٨٣ ]
فنصوص الصفات ألفاظ شرعية يجب أن تحفظ لها حرمتها، وذلك بأن نفهمها وفق مراد الشارع، فلا نتلاعب بمعانيها لنصرفها عن مراد الشارع.
فمن الأصول الكلية عند السلف أن الألفاظ الشرعية لها حرمتها، ومن تمام العلم أن يبحث عن مراد الله ورسوله بها ليثبت ما أثبته الله ورسوله من المعاني، وينفى ما نفاه الله ورسوله من المعاني١.
وبحمد الله وفضله نجد أن نصوص الصفات الواردة في القرآن والسنة هي من الوضوح والكثرة بمكان، بحيث يستحيل تأويلها والتلاعب بنصوصها، فلقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصَّلًا على وجه أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل به العلم اليقيني، ورفع الشك والريب، فثلجت به الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، فلقد فصلت رسالة نبينا محمد ﷺ الأسماء والصفات والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقررت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ.
فالمطلع على نصوص القرآن والسنة الخبير بهما، لا يزيده تحريف المعطلة لتلك النصوص إلا احتقارًا لهم، ويقينًا بفساد معتقدهم وبطلانه.
ولا تروج تحريفات المعطلة إلا على الجاهل بمعرفة تلك النصوص قليل البضاعة فيها، فهذا الصنف! أتي من جهة جهله لا من قلة النصوص الواردة في هذا الباب، والله أعلم.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٢/١١٣- ١١٤ بتصرف
[ ٨٤ ]
وأما الأساس الثاني وهو: تنزيه الله جل وعلا أن يماثل شيء من صفاته شيئا من صفات المخلوقين.
فتوضيحه يكون وفق ما يلي:
أولًا: الأدلة الشرعية الواردة في تنزيه، الله عن مشابهة المخلوقين:
ا- قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١
٢- وقال تعالى.: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ ٢.
٣- وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ ٣.
٤- وقال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ ٤.
٥- وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ٥.
٦- وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٦.
٧- وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٧.
وجه دلالة الآيات:
ا- قوله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾: دليل على أن الله منزه عن أن يكون له مثل في شيء مما يوصف به من صفات كماله٨.
_________________
(١) ١ الآية ١١ من سورة الشورى ٢ الآية ٧٤ من سورة النحل ٣ لآية ٦٠ من سورة النحل ٤ الآية ٢٧ من سورة الروم ٥ الآية ٦٥ من سورة مريم ٦ الآية ١ من سورة الإخلاص ٧ الآية ٤ من سورة الإخلاص ٨ مجموع الفتاوى ١٦/٩٨
[ ٨٥ ]
والآية في تفسيرها وجهان:
الأول: أن يكون معناه: ليس هو كشيء، وأدخل "المثل "في الكلام توكيدًا للكلام.
والثاني: أن يكون معناها: ليس مثله شيء، فتكون "الكاف" هي المدخلة في الكلام توكيدًا١ وهذا وجه قوي حسن وهو الأظهر٢.
وقد اتفق أهل السنة على أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله٣.
٢- وقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾:
قال ابن جرير الطبري في تفسيرها: "فلا تمثلوا لله الأمثال، ولا تشبهوا له الأشباه، فإنه لا مثل ولا شبه"٤.
وقال ابن كثير: "أي لا تجعلوا له أندادًا وأشباهًا وأمثالًا"٥.
٣- وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ .
٤- وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
(فالله تعالى وصف نفسه بأن له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلَّما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٢٥/١٢- ١٣ ٢ شرح الطحاوية ص ١٤٦ ٣ شرح الطحاوية ص ٩٩ ٤ تفسير الطبري ١٤/١٤٨ ٥ تفسير ابن كثير ٢/٥٧٨
[ ٨٦ ]
ولما كانت صفات الرب ﷾ أكثر وأكمل، كان له المثل الأعلى وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان، لأنهما إن تكافآ من كل وجه، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ، فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير، وهذا برهان قاطع على استحالة التمثيل والتشبيه، فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة) ١.
٥- وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾: روي عن ابن عباس في تفسيرها قوله: هل تعلم للرب مثلًا أو شبيهًا٢.
وكذلك قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغيرهم٣.
٦- وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: فالأحد يقتضي أنه لا مثل له ولا نظير.
٧- وكذا قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ فالوحدانية تقتضي الكمال، والشركة تقتضي النقص٤.
ثانيًا: دلالة العقل على بطلان. شبيه صفات الخالق بصفات المخلوقين:
ا- القول في الصفات كالقول في الذات، فإن الله ليس كمثله شي لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات،
_________________
(١) ١ الصواعق المنزلة ٣/١٠٣٢، وشرح الطحاوية ص ١٤٤ ٢ تفسير الطبري ١٦/١٠٦ ٣تفسير الطبري ١٦/ ١٠٦، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٣١ ٤ مجموع الفتاوى ١٦/٩٩
[ ٨٧ ]
فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات١.
فقد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تباينًا في الذات، وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات، لأن صفة كل موصوف تليق به كما هو ظاهر من صفات المخلوقين المتباينة في الذوات، فقوة البعير مثلًا غير قوة الذرة، فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكهما في الإمكان والحدوث، فظهور التباين بينهما وبين الخالق أجلى وأقوى٢.
وبهذا نعلم أن الله لا مثل له، ولا تضرب له الأمثال، التي فيها مماثلة لخلقه، بل له المثل الأعلى.
٢- أن يقال: كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابهًا في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى من يكمله، وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق، فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا٣.
٣- (إذا كان المخلوق منزهًا عن مماثلة المخلوق، مع الموافقة في الاسم، فالخالق أولى أن ينزه عن مماثلة المخلوق وإن حصلت موافقة في الاسم) ٤.
(فإن الله ﷾ أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات، من أصناف المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والمساكن، فأخبرنا أن فيها لبنًا وعسلًا وخمرًا وماءً ولحمًا وفاكهةً وحريرًا وذهبًا وفضةً وحورًا وقصورًا.
وقد قال ابن عباس ﵄: "ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء".
_________________
(١) ١ لرسالة التدمرية ص ٤٣ ٢ القواعد المثلى ص ٢٦ ٣ القواعد المثلى ص ٢٦ ٤ الرسالة التدمرية ص ٥٠
[ ٨٨ ]
فإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها، هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا، وليست مماثلة لها بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالخالق ﷾ أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق، ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا، إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق، وهذا بين واضح١.
ثالثًا: الاتفاق في الاسم لا يلزم منه تماثل المسمى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الله ﷾ سمى نفسه وصفاته بأسماء وسمى بها بعض المخلوقات.
فسمى نفسه حيًّا عليمًا سميعًا بصيرًا عزيزًا جبارًا متكبرًا ملكًا رؤوفًا رحيمًا.
وسمَّى بعض عباده عليمًا، وبعضهم حليمًا، وبعضهم رؤوفًا رحيمًا، وبعضهم سميعًا بصيرًا، وبعضهم ملكًا، وبعضهم عزيزًا، وبعضهم جبارًا متكبرًا.
ومعلوم أنه ليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم، ولا السميع كالسميع، وهكذا في سائر أسماء الله.
قال ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ٢.
وقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ٤٧ ٢ الآية ٣٠ من سورة الإنسان ٣ الآية ٢٨ من سورة الذاريات
[ ٨٩ ]
وقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ١، وقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ٢. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.
وقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٤.
وقال. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ٦.
وكذلك سائر ما ذكر، لكن الإنسان يعتبر بما عرفه على ما لم يعرفه، ولولا ذلك لانسدت عليه طرق المعارف للأمور الغائبة، فإن الإنسان يعلم أنه حي عليم قدير سميع بصير متكلم فيتوصل بذلك إلى أن يفهم ما أخبر الله به عن نفسه من أنه حي عليم قدير سميع بصير، فإنه لولا تصوره لهذه المعاني من نفسه ونظره إليها لم يمكن أن يفهم ما غاب عنه، كما أنه لولا تصوره لما في الدنيا من العسل واللبن والماء والخمر والحرير والذهب والفضة لما أمكنه أن يتصور ما أخبر به من ذلك من الغيب، لكن لا يلزم أن يكون الغيب مثل الشهادة، فقد قال ابن عباس ﵄: "ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء"، فإن هذه الحقائق التي أخبر بها أنها في الجنة ليست مماثلة لهذه الموجودات في الدنيا بحيث يجوز على هذه ما يجوز على تلك، ويجب لها ما يجب لها، ويمتنع ما يمتنع عليها، ويكون مادتها مادتها ويستحيل استحالتها، فإنا نعلم
_________________
(١) ١ الآية ٤٤ من سورة الإسراء ٢ الآية ١٠١ من سورة الصافات ٣ الآية ١٤٣ من سورة البقرة ٤ الآية ١٢٨ من سورة التوبة ٥ الآية ٥٨ من سورة النساء ٦ الآية ٢ من سورة الإنسان
[ ٩٠ ]
أن ماء الجنة لا يفسد ولا يأسن، ولبنها لا يتغير طعمه، وخمرها لا يصدع شاربها ولا ينزف عقله، فإن ماءها ليس نابعًا من تراب ولا نازلًا من سحاب مثل ما في الدنيا، ولبنها ليس مخلوقًا من أنعام كما في الدنيا وأمثال ذلك.
فإذا كان المخلوق يوافق ذلك المخلوق في الاسم وبينهما قدر مشترك وتشابه فعلم به معنى ما خوطبنا به، مع أن الحقيقة ليست مثل الحقيقة.
فالخالق ﷻ أبعد عن مماثلة مخلوقاته مما في الجنة لما في الدنيا، فإذا وصف نفسه بأنه حي عليم سميع بصير قدير لم يلزم أن يكون مماثلًا لخلقه، إذ كان بعدها عن مماثلة خلقه أعظم من بعد مماثلة كل مخلوق لكل مخلوق، وكل واحد من صغار الحيوان له حياة وقوة وعمل وليست مماثلة للملائكة المخلوقين، فكيف يماثل رب العالمين شيئًا من المخلوقين"١.
رابعًا: توضيح المسألة من جهة اللغة ثم الشرع:
يشكل على البعض كون الله سمى نفسه بصفات وسمى عباده بنظير ذلك، فيتردد عند ذلك هل يثبت تلك الصفات لله حقيقة أم لا؟.
فمن أجل توضيح هذه المسألة أقول: اعلم وفقك الله أن الألفاظ منها:
ا- ما هو مترادف: هو ما اختلف لفظه واتحد معناه.
مثال ذلك: الليث- الأسد- أسامة- الغضنفر.
هذه ألفاظ مختلفة والمسمى بها واحد، فتسمى الألفاظ المترادفة.
٢- ما هو مشترك: وهو ما اتحد لفظه واختلف معناه.
مثال ذلك: لفظ: " العين ":
_________________
(١) ١ رسالة في العقل والروح لابن تيمية ٢/٤٢- ٤٣ (مطبوعة ضمن المجموعة المنيرية) بتصرف
[ ٩١ ]
فهي تطلق على العين الباصرة- والعين الجارية- والجاسوس- والحسد.
فاللفظ واحد والمعاني مختلفة، وهذه تسمى الألفاظ المشتركة.
٣- ما هو متباين: وهو ما اختلف لفظه ومعناه:
مثال ذلك: السماء والأرض- والجنة والنار.
فلكل لفظ من هذه الألفاظ معنى يختلف عن الآخر، فهذه تسمى الألفاظ المتباينة.
٤- ما هو متواطيء: وهو ما اتفق لفظه ومعناه، وهو نوعان:
الأول: التواطؤ المطلق: وذلك إذا كان المعنى متساويًا في الجميع.
مثاله: لفظ "الرجل" يقال: زيد رجل وعمر رجل، فالمعنى متساو في الجميع.
الثاني: التواطؤ المشكِّك: وذلك إذا كان المعنى متفاوتا متفاضلًا، وسمي بالمشكك لتشكك السامع هل هذا اللفظ من قبيل المتواطيء أم من المشترك؟.
مثاله: لفظ " النور" فيقال: نور الشمس ونور السراج، فالمعنى في الاثنين واحد، ولكن هناك تفاوت وتفاضل، فشتان بين نور الشمس ونور السراج١.
فالأسماء التي تطلق على الله وعلى العباد هي من الألفاظ المتواطئة التواطؤ المشكك، فالحق فيها هو أن يقال إنه بالنسبة للأسماء والصفات التي تطلق على الله وعلى العباد كالحي، والسميع، والبصير، والعليم، والقدير، والحياة، والسمع، والبصر، والعلم ونحوها هي حقيقة في الرب وحقيقة في العبد.
_________________
(١) ١ التحفة المهدية ٢٠٩ بتصرف
[ ٩٢ ]
ولكن للرب تعالى منها ما يليق بجلاله.
وللعبد منها ما يليق به.
وذلك لأن الاسم والصفة من هذا النوع له ثلاثة اعتبارات:
الاعتبار الأول: اعتبار من حيث هو مع قطع النظر عن تقييده بالرب ﵎ أو العبد.
الاعتبار الثاني: اعتباره مضافًا إلى الرب مختصًّا به.
الاعتبار الثالث: اعتباره مضافًا إلى العبد كل مقيدًا به.
فما لزم الاسم لذاته وحقيقته كان ثابتًا للرب والعبد، وللرب منه ما يليق بكماله، وللعبد منه ما يليق به.
وهذا كاسم السميع الذي يلزمه إدراك المسموعات.
والبصير الذي يلزمه رؤية المبصرات.
والعليم والقدير وسائر الأسماء.
فإن شرط صحة إطلاقها حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها، فما لزم هذه الأسماء لذاتها فإثباتها للرب تعالى لا محذور فيه بوجه، بل يثبت له على وجه لايماثله فيه خلقه ولا يشابههم.
فمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق ألحد في أسمائه وجحد صفات كماله، ومن أثبته على وجه لا يماثل فيه خلقه به، كما يليق بجلاله وعظمته فقد بريء من فرث التشبيه ودم التعطيل، وهذا طريق أهل السنة.
وما لزم الصفة لإضافتها إلى العبد وجب نفيه عن الله كما يلزم حياة العبد من النوم والسنة والحاجة إلى الغذاء ونحو ذلك، وكذلك ما يلزم إرادته من حركة نفسه في جلب ما ينتفع به ودفع ما يتضرر به، وكذلك ما يلزم علوَّه من
[ ٩٣ ]
احتياجه إلى ما هو عال عليه وكونه محمولًا به، مفتقرًا إليه، محاطا به، كل هذا يجب نفيه عن القدوس السلام ﵎.
وما لزم الصفة من جهة اختصاصه تعالى بها فإنه لا يثبت للمخلوق بوجه، كعلمه الذي يلزمه القدم والوجوب والإحاطة بكل معلوم، وقدرته وإرادته وسائر صفاته، فإن ما يختص به منها لا يمكن إثباته للمخلوق.
فإذا أحطت بهذه القاعدة خبرًا وعقلتها كما ينبغي خلصت من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين:
ا-آفة التعطيل ٢٠- وآفة التشبيه.
فإنك إذا وفيت هذا المقام حقه من التصور أثبت لله الأسماء الحسنى والصفات العلى حقيقة فخلصت من التعطيل، ونفيت عنها خصائص المخلوقين ومشابهتهم، فخلصت من التشبيه، فتدبر هذا الموضع واجعله جنتك التي ترجع إليها في هذا الباب، والله الموفق للصواب) ١.
ومن كلام شيخ الإسلام في هذا الموضوع قوله: "سمى الله نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره".
وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم، توافق تلك الأسماء إذا قطعت من الإضافة والتخصيص.
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد ١/١٦٤، ١٦٦
[ ٩٤ ]
ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده -عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص- اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص فضلًا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص.
فقد سمى الله نفسه حيًّا فقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ١.
وسمى بعض عباده حيًّا فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيّ﴾ ٢.
وليس هذا الحي مثل هذا الحي.
لأن قوله: "الحي" اسم لله مختص به.
وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ اسم للحي المخلوق مختص به.
وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركًا بين المسميين.
وعند الاختصاص: يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق.
ولابد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته.
يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق.
وما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه ﷾.
وكذلك سمى الله نفسه: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وسمى بعض عباده حليمًا ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾، يعني إسماعيل، وسمى آخر عليمًا، فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ يعني إسحاق، وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم.
_________________
(١) ١ الآية ٢٥٥ من سورة البقرة ٢ الآية ١٩ من سورة الروم
[ ٩٥ ]
وسمى نفسه سميعًا بصيرًا ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وسمى بعض عباده سميعًا بصيرًا فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإَنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وليس السميع كالسميع ولا البصير كالبصير ".
(وكذلك سمى صفاته بأسماء، وسمى صفات عباده بنظير ذلك، فقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ١، ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ٢، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ٣، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّة﴾ ٤، وسمى صفة المخلوق علمًا وقوة: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٥، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ٦، وقال: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ٧، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَة﴾ ٨، وقال: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ ٩، وليس العليم كالعلم ولا القوة كالقوة.
ووصف نفسه بأنه استوى على عرشه، فذكر ذلك في سبعة مواضع من كتابه أنه استوى على العرش.
ووصف بعض خلقه بالاستواء على غيره في مثل قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى
_________________
(١) ١ الآية ٢٥٥ من سورة البقرة ٢ الآية ١٦٦ من سورة النساء ٣ الآية ٥٨ من سورة الذاريات ٤ الآية ١٥ من سورة فصلت ٥ الآية ٨٥ ن سورة الإسراء ٦ الآية ٧٦ من سورة يوسف ٧ الآية ٨٣ من سورة غافر ٨ الآية ٥٤ من سورة الروم ٩ الآية ٥٢ من سورة هود
[ ٩٦ ]
ظُهُورِه﴾ ١، وقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ ٢.
وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ ٣، وليس الاستواء كالاستواء.
ووصف نفسه ببسط اليدين فقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ ٤.
ووصف بعض خلقه ببسط اليد في قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ ٥، وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط، وإذا كان المراد بالبسط الإعطاء والجود فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم، ونظائر هذا كثيرة.
فلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفي ماثلته لخلقه.
فمن قال: ليس لله علم، ولا قوة، ولا رحمة، ولا كلام، ولا يحب، ولا يرضى، ولا نادى، ولا ناجى، ولا استوى- كان معطلًا جاحدًا ممثلًا له بالمعدومات والجمادات.
ومن قال: له علم كعلمي أو قوة كقوتي، أو حب كحبي، أو رضاء كرضائي، أو يدان كيداي، أو استواء كاستوائي- كان مشبهًا ممثلًا لله بالحيوانات، بل لا بد من إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل)
خامسًا: فصل ما بين معتقد أهل السنة في هذا الأساس ومعتقد أهل التعطيل وأهل التمثيل:
قال شارح الطحاوية: " اتفق أهل السنة على أن الله ليس كمثله شيء لا في
_________________
(١) ١ الآية ١٣ من سورة الزخرف ٢ الآية ٢٨ من سورة المؤمنون ٣ الآية ٤٤ من سورة هود ٤ الآية ٦٤ من سورة المائدة ٥ الآية ٢٩ من سورة الإسراء ٦ الرسالة التدمرية ص ٨- ١٢ بتصرف
[ ٩٧ ]
ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
ولكن لفظ "التشبيه" قد صار في كلام الناس لفظًا مجملًا يراد به:
ا- المعنى الصحيح: من أن خصائص الرب تعالى لا يوصف بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته، وهذا ما دل عليه القرآن، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فهذا رد على الممثلة المشبهة.
فمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوقين فهو المشبه المبطل المذموم، ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق فهو نظير النصارى في كفرهم.
٢- المعنى المردود: أن يراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات فلا يقال: له قدرة، ولا علم، ولا حياة، لأن العبد موصوف بهذه الصفات ولازم هذا القول إنه لا يقال له: حي، عليم، قدير، لأن العبد يسمى بهذه الأسماء، وكذلك كلامه وسمعه وبصره وإرادته وغير ذلك١.
وأصل الخطأ والغلط توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتا في هذا المعين وهذا المعين، وليس كذلك، فإن ما يوجد في الخارج لا يوجد مطلقًا كليًّا، بل لا يوجد إلا معينًا مختصًّا.
وهذه الأسماء إذا سُمي الله بها كان مسمَّاها معينا مختصا به.
فإذا سُمي بها العبد كان مسماها مختصًّا به.
فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق؟
وبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى فزادوا فيه على الحق
_________________
(١) ١ شرح الطحاوية ص ٩٩ بتصرف
[ ٩٨ ]
فضلوا.
وأن المعطلة أخذوا نفى المماثلة بوجه من الوجوه وزادوا فيه على الحق حتى ضلوا.
وأن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه١.
الأساس الثالث: قطع الطمع عن إدراك كيفية اتصاف الله بصفاته:
وتوضيح هذا الأساس يتم بما يلي:
أولًا: إن الله لم يطلع الخلق على ذاته ولم يكلفهم معرفة ذاته.
لم يشأ الله ﷿ أن يجعل للعباد من سبيل إلى معرفة كيفية وكنه صفاته، فقد سد سبحانه الطرق الموصلة إلى ذلك، فهو من جهة لم يطلع الخلق على ذاته، فهذا باب موصود إلى قيام الساعة كما جاء في الحديث: "تعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا".
ومن جهة ثانية لم يخبرنا الله ﷿ بكيفية وكنه صفاته في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، فما وردت به النصوص إنما هو إثبات وجود لتلك الصفات لا إثبات كيفية.
ومن جهة ثالثة فإن الله لم يكلف العباد معرفة كيفية صفاته، ولم يتعبدهم بذلك ولا أراده منهم، بل قصرهم على الإيمان بما أخبرهم به، فالواجب عليهم أن يؤمنوا الإيمان الصحيح بما كلفوا به، وأن لا يتجاوزوا حدود ذلك.
وقد ورد النص في وجوب قطع الطمع عن إدراك حقيقة كيفية صفات الله، فإدراك ذلك مستحيل، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ
_________________
(١) ١ شرح الطحاوية ص ١٠٤ بتصرف
[ ٩٩ ]
بِهِ عِلْمًا﴾ ١
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "إدراك حقيقة الكيفية مستحيل، وهذا ما نص عليه في هذه الآية من سورة طه، فقوله: ﴿يُحِيطُونَ بِهِ﴾ فعل مضارع منفي، والفعل الصناعي الذي يسمى (بالفعل المضارع، وفعل الأمر، والفعل الماضي) ينحل عند النحويين عن مصدر وزمن، فالمصدر كامن في مفهومه إجماعًا، فيحيطون في مفهومها (الإحاطة) فيتسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل فيكون معه كالنكرة المبنية على الفتح، فيصير المعنى: لا إحاطة للعلم البشري برب السموات والأرض، فينفى جنس أنواع الإحاطة عن كيفيتها، فالإحاطة المسندة منفية (للخلق) عن رب العالمين"٢.
ثانيًا: قصور العقل عن معرفة كيفية صفات الله.
إن على العقل أن ييأس من تعرف كنه الصفات وكيفياتها لعجزه عن معرفة ذلك، لأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته، أو العلم بنظيره المساوي له، أو بالخبر الصادق، وكل هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله، فوجب بطلان تكييفها.
وعلم الإنسان محدود كما أخبر الله بذلك، حيث قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الآية ١١٠ من سورة طه ٢ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص ٢٤ ٣ الآية ٨٥ من سورة الإسراء ٤ الآية ٢٥٥ من سورة البقرة
[ ١٠٠ ]
وإذا كانت نفس الإنسان التي هي أقرب الأشياء إليه بل هي هويته، لا يعرف الإنسان كيفيتها ولا يحيط علمًا بحقيقتها، فالخالق ﷻ أولى أن لا يعلم العبد كيفيته ولا يحيط علمًا بحقيقته١.
وقد أدب الله عباده المؤمنين ووجههم بأن لا يخوضوا في أمور لا علم لهم بها، فقال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفاته ﷿، لأنه تعالى أخبرنا عنها، ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تعمقنا، في أمر الكيفية قفوًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به، ومخالفة لما نهانا الله وحذرنا منه، وحرمه علينا.
فيجب الكف عن التكييف تقديرًا بالجنان أو تقريرًا باللسان، أو تحريرًا بالبنان، لأن أية كيفية تقدرها الأذهان فالله أعظم وأجل من ذلك، ثم هي في الوقت ذاته ستكون كذبًا، لأنه لا علم لقائلها بذلك٤. ولهذا نقل أصحاب المقالات عن بعض المشبهة -الذين خاضوا في كيفية صفات الله- أنه قال في
_________________
(١) ١ رسالة في الحقل والروح لابن تيمية ٢/٤٤ "مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية" ٢ الآية ٣٦ من سورة الإسراء ٣ الآية ٣٣ من سورة الأعراف ٤ القواعد المثلى ص ٢٧- ٢٨
[ ١٠١ ]
ربه في عام واحد خمسة أقاويل١، وصدق الله إذ قال في كتابه العزيز: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ٢.
فعلى المسلم أن يحذر من التكييف أو محاولته، فإن من فعل ذلك فقد وقع في مفاوز لا يستطيع الخلاص منها، فالخوض في ذلك هو مما يلقيه الشيطان في القلوب، وهو نزغة من نزغاته، فلذلك يجب على المؤمن أن يلجأ إلى ربه ويستعيذ به من نزغات الشيطان، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣.
ثالثًا: معنى قول السلف: "بلا كيف".
إن معنى قول السلف "بلا كيف" أي بلا كيف يعقله البشر، فليس المراد من قولهم "بلا كيف" هو نفي الكيف مطلقًا، فإن كل شيء لابد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد هو نفي العلم بالكيف، إذ لا يعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه٤، فهذا مما استأثر الله بعلمه فلا سبيل إلى الوصول إليه، فكما أن ذات الله لا يمكن للبشر معرفة كيفيتها، فكذلك صفاته سبحانه لا نعلم كيفيتها. ولهذا لما سئل الإمام مالك ﵀ فقيل له: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥ كيف استوى؟
قال ﵀: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ثم قال للسائل: وما أراك إلا رجل سوء، وأمر بإخراجه من مجلسه.
_________________
(١) ١ مقالات الإسلاميين ص ٣٣ ٢ الآية ٨٢ من سورة النساء ٣ الآية ٢٠٠ من سورة الأعراف ٤ شرح العقيدة الواسطية للهراس ٥ الآية ٥ من سورة طه
[ ١٠٢ ]
وقد روى عن شيخه ربيعة بن عبد الرحمن قوله: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول" أي لا تعقله العقول ولا تحيط به.
وهذا يقال في سائر الصفات، وقد مشى أهل العلم على هذا الميزان واعتبروا ذلك قاعدة من قواعد الصفات.
فقول الإمام مالك (الاستواء معلوم): أي معلوم المعنى في لغة العرب، فاستوى هنا عديت بعلى فهي هنا بمعنى علا وارتفع، وهكذا الأمر في سائر نصوص الصفات، فإن معانيها معروفة في لغة العرب، وليست مجهولة.
(والكيف مجهول): أي مع إثباتهم لمعنى الاستواء واعتقادهم بأن الله مستوٍ على عرشه ومرتفع عليه، إلا أنهم يكلون علم كيفية ذلك الاستواء إلى الله ﷿، لأنه مما استأثر الله بعلمه.
(والإيمان به واجب): أي الإيمان باستواء الله على عرشه حقيقة واجب لوروده في النصوص الشرعية.
(والسؤال عنه بدعة): أي السؤال عن كيفية الاستواء، لأن السائل قال: كيف استوى؟
رابعًا: عدم معرفة الكيفية لا يقدح في الإيمان بالصفات ومعرفة معانيها.
إن عدم العلم بكيفية صفات الله لا يقدح في الإيمان بتلك الصفات ومعرفة معانيها، لأن الكيفية وراء ذلك، فالسلف يثبتون لله ما أثبته لنفسه من صفات الكمال ويفهمون معاني تلك الصفات، ويفسرونها، فإذا أثبتوا لله السمع والبصر أثبتوهما حقيقية وفهموا معناهما، وهكذا سائر الصفات يجب أن تجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فإن الله
[ ١٠٣ ]
سبحانه لم يكلف العباد ذلك ولا أراده منهم ولم يجعل لهم إليه سبيلًا.
وكثير من المخلوقات لم يجعل الله للعباد سبيلًا إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فهذه أرواح الخلائق التي هي أدنى إليهم من كل دان قد حجب عنهم معرفة كنهها وكيفيتها، وقد أخبرنا الله عن تفاصيل يوم القيامة وما في الجنة والنار، فقامت حقائق ذلك في قلوب أهل الإيمان وشاهدته عقولهم ولم يعرفوا كيفيته وكنهه، فلا يشك المسلمون أن في الجنة أنهارًا من خمر وأنهارًا من عسل، ولكن لا يعرفون كنه ذلك ومادته وكيفيته كما قال ابن عباس: "ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء".
فكذا الأسماء والصفات لا يمنع انتفاء نظيرها في الدنيا من فهم معانيها وحقائقها والإيمان بذلك واعتقاد اتصاف الله بها١.
فإيماننا صحيح بحق ما كلفنا به، وإن لم نعرف حقيقة ماهيته وكيفيته، والله أعلم.
وهذه الأسس الثلاثة يجب الأخذ بها جميعًا، ولا يجوز الإخلال بشيء منها، فهذا ما كان عليه معتقد السلف من هذه الأمة ومن سار على نهجهم.
وهم بهذا توسطوا في هذا الباب بين طائفتين ضلتا في هذا الباب هما:
ا- المعطلة ٢٠- المشبهة.
فمعتقد السلف هو الإثبات بلا تشبيه، والتنزيه بلا تعطيل، فهم لا ينفون عن الله ما سمى أو وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ، فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العلى ويحرفوا الكلم عن مواضعه، ويلحدوا في أسمائه وآياته كما فعل المعطلة.
كما أنهم لا يشبهون صفات الله بصفات خلقه كما فعل المشبهة.
_________________
(١) ١ مدارج السالكين ٣/٣٥٨
[ ١٠٤ ]
الخاتمة
دين الله تعالى بين الغالي فيه والمقصر عنه، وإنما القصد في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين.
فدين الإسلام وسط بين الأطراف المتجاذبة، فالمسلمون وسط بين أهل الملل.
فهم وسط في التوحيد بين اليهود والنصارى:
فاليهود تصف الرب تعالى بصفات النقص التي يختص بها المخلوق ويشبهون الخالق بالمخلوق، كما قالوا: إنه بخيل، وإنه فقير، وإنه لما خلق السموات والأرض تعب، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، ولعنوا بما قالوا.
وهو سبحانه الجواد الذي لا يبخل، والغني الذي لا يحتاج إلى غيره، والقادر الذي لا يمسه لغوب.
والنصارى يصفون المخلوق بصفات الخالق التي يختص بها ويشبهون المخلوق بالخالق، حيث قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، وإن الله ثالث ثلاثة.
وقالوا: المسيح ابن الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح بن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عمَّا يشركون.
فالمسلمون وحدوا الله ووصفوه بصفات الكمال، ونزهوه عن جميع
[ ١٠٥ ]
صفات النقص، ونزهوه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات، فهو موصوف بصفات الكمال لا بصفات النقص، وليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
وكذلك هم وسط في النبوَّات.
فاليهود تقتل بعض الأنبياء، وتستكبر عن اتِّباعهم، وتكذبهم وتتهمهم بالكبائر.
والنصارى يجعلون من ليس بنبي ولا رسول نبيًّا ورسولًا، كما يقولون في الحواريين: إنهم رسل، بل يطيعون أحبارهم ورهبانهم كما تطاع الأنبياء.
فالنصارى تصدق بالباطل واليهود تكذب بالحق.
فاليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون.
وأما الشرائع:
فاليهود منعوا الخالق أن يبعث رسولًا بغير شريعة الرسول الأول، وقالوا: لا يجوز أن ينسخ ما شرعه.
والنصارى: جوزوا لأحبارهم أن يغيروا من الشرائع ما أرسل الله به رسوله.
فاليهود عجَّزوا الخالق، ومنعوه ما تقتضيه قدرته في النبوَّات والشرائع.
والنصارى جوَّزوا للمخلوق أن يغير ما شرعه الخالق، فضاهوا المخلوق بالخالق.
وكذلك في العبادات:
فاليهود معرضون عن العبادات حتى في يوم السبت الذي أمرهم الله أن يتفرغوا فيه لعبادته، إنما يشتغلون فيه بالشهوات.
[ ١٠٦ ]
والنصارى يعبدونه ببدع ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان.
فاليهود مستكبرون عن عبادته، والنصارى مشركون به.
والمسلمون عبدوا الله وحده بما شرع، ونم يعبدوه بالبدع.
وهذا هو دين الإسلام الذي بعث الله به جميع النبيين، وهو أن يستسلم العبد لله لا لغيره، وهو الحنيفية دين إبراهيم، فمن استسلم له ولغيره كان مشركًا، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر.
وكذلك في أمر الحلال والحرام: في الطعام واللباس وما يدخل في ذلك من النجاسات.
فاليهود حرمت عليهم طيبات ما أحل لهم، فهم يحرِّمون من الطيبات ما هو منفعة للعباد، ويجتنبون الأمور الطاهرات مع النجاسات، فالمرأة الحائض لا يأكلون معها ولا يجالسونها فهم في آصار وأغلال عذبوا بها.
والنصارى لا تحرِّم ما حرَّمه الله ورسوله، ويستحلُّون الخبائث المحرمة كالميتة والدم ولحم الخنزير، حتى إنهم يتعبدون بالنجاسات كالبول والغائط ولا يغتسلون من جنابة، ولا يتطهرون للصلاة، وكلَّما كان الرَّاهب عندهم أبعد عن الطهارة، وأكثر ملابسة للنجاسة، كان معظمًا عندهم١.
كذلك أهل السنة في الإسلام متوسطون في جميع الأمور، فإن أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل.
وقد توسط أهل السنة في كثير من مسائل الاعتقاد، منها ما يلي:
_________________
(١) ا- في أسماء الله وصفاته: فإن مذهب السلف هو إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها، فتوسطوا بذلك بين المعطلة الذين نفوها ١ منهاج السنة ٥/١٦٨، ١٧٢
[ ١٠٧ ]
فأبطلوا ما أثبته الله ورسوله.
والمشبهة الذين خرجوا بها إلى ضرب من التشبيه والتكييف.
٢- في أفعال الله "القدر": فإن مذهب السلف هو أنهم أثبتوا لله فعلًا ومشيئة وأثبتوا للعبد فعلًا ومشيئة داخلة تحت مشيئة الله وقدرته، فتوسطوا بذلك بين الجبرية الذين أنكروا قدرة العبد ومشيئته والقدرية الذين أنكروا قدرة الله في أفعال العباد.
٣- في الإيمان: فإن مذهب السلف هو أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل يزيد وينقص، فتوسطوا بذلك بين المرجئة الذين أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، والخوارج والمعتزلة الذين أنكروا زيادة الإيمان ونقصانه.
٤- في وعيد الله "أي مرتكب الكبيرة": فإن مذهب السلف هو أن مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه، فاسق بمعصيته، وهو مستحق للوعيد ولكنه تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه على قدر ذنبه ثم يخرجه من النار، وإن شاء غفر له وأدخله الجنة.
فهم بذلك توسطوا بين المفرطين من المرجئة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وبين الوعيدية (الخوارج والمعتزلة)، فالخوارج يقولون: هو كافر في الدنيا، والمعتزلة يقولون: هو في منزلة بين منزلتين، ويتفقون على أنه في الآخرة خالد مخلد في النار.
٥- في أصحاب رسول الله ﷺ: فإن مذهب السلف هو الاعتراف بفضل الصحابة جميعًا ﵃ وأرضاهم، وأنهم أكمل هذه الأمة إيمانًا وإسلامًا وعلمًا وحكمة، وأنهم عدول بتعديل الله لهم، ولكنهم لم يغلوا فيهم ولم يعتقدوا عصمتهم، بل قاموا بحقوقهم وأحبوهم لعظيم سابقتهم وحسن
[ ١٠٨ ]
بلائهم في نصرة الإسلام وجهادهم مع رسول الله ﷺ، فهم بذلك توسطوا بين الرافضة والخوارج.
فالرافضة -قبحهم الله- يسبون الصحابة ويلعنوهم وربَّما كفروهم أو كفروا بعضهم، والغالية منهم مع سبهم لكثير من الصحابة والخلفاء يغلون في علي ﵁ وأولاده ويعتقدون فيهم الإلهية.
والخوارج قابلوا هؤلاء الروافض فكفروا عليًّا ومعاوية ومن معهما من الصحابة وقاتلوهم واستحلُّوا دماءهم وأموالهم.
والمقصود أن أهل الستة هم أعرف الناس بالحق، ولذلك فإن كل طائفة سوى أهل السنة والحديث المتبعين آثار رسول الله ﷺ، لا ينفردون عن طائفة أهل السنة إلا بقول فاسد، ولا ينفردون بقول صحيح، وكل من كان عن السنة أبعد، كان انفراده بالأقوال والأفعال الباطلة أكثر.
فالسعيد من لزم السنة، والله الموفق وهو الهادي إلى سبيل الرشاد.
[ ١٠٩ ]