في اللغة: قال ابن الأثير: "الحلف: هو اليمين، حلف يحْلِف حَلْفًا، وأصلها العقد والعزم والنية" (^١).
وفي الشرع: "تأكيد الشيء بذكر معظّم بصيغة مخصوصة بالواو أو الباء أو التاء" (^٢).
_________________
(١) * التمهيد لابن عبد البر ١٤/ ٣٢١، ٣٢٢، ٣٦٧، ٣٧٢، ١٦/ ١٥٨. الاستذكار لابن عبد البر ١/ ٩٣. شرح السنة للبغوي ١٠/ ٣ - ١٩. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص ٢٦٢، ٢٦٩ - ٥٨٥، ٥٩٤، ٦١٧، ٧٩٢، ٧٩٦. أحكام القرآن للقرطبي ٥/ ٣ - ٤، ٦/ ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٦٩، ٢٧٠، ٣٧٥، ١٠/ ٤٠، ٤١، ٤٢. نيل الأوطار ١٠/ ١٦٠.المحلى بالآثار لابن حزم ٦/ ٢٨١، ٢٨٣، ٢٨٤. تيسير العزيز الحميد ص ٥٩٦، ٦٠٣، ٧٢٣. فتح المجيد ص ٤٩٠، ٥٨٧،٤٩٥. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٠٢، ٣٠٥، ٣٨٢. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ٢١٣، ١٠/ ١٠٤٢، ٧٩٦. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٣٢٣، ٣/ ٢١٩ ط ٢ - ٢/ ٣٩٠، ٤٠٩، ٣/ ٢٧٢. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٤٢، ٥١. الدرر السنة ١/ ٢٣٢، ٧/ ٥١١، ١٠/ ١٤٨، ١١/ ٣٣، ٣٧، ١٢/ ٢٤٨، ٢٥٢، فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٢٤. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٢٠٢. معارج القبول ١/ ٣٧٠. مجموع والفتاوى لابن باز ١/ ٢٨٠، ٢/ ٥٥٤. نور على الدرب ٦٠/ ٢٥٧. الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة للسعدي ص ٦٨. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٢/ ٤٩١. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ١٣٥. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ص ٢٦٨. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٣٩٥. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ١٥٣. عقيدة الإمام ابن عبد البر للغصن ص ١٩٥. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٠٧١. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٢٦٥. فقه الأيمان عصام جاد. المرويات الواردة في الحلف بالله أو بغيره د. باسم الجوابرة.
(٢) النهاية لابن الأثير (ح ل ف).
(٣) الفوائد المنتقاة من شرح كتاب التوحيد للشيخ محمد العثيمين ص ٤٢. وانظر أيضا تعريف الحافظ في الفتح ١١/ ٥١٦.
[ ٢ / ٩١ ]
قال الشيخ قاسم الوَنَوِيُّ: "الحلف شرعًا: تقوية أحد طرفي الخبر بذكر اسم الله تعالى" (^١).
قال العلماء: "والحلف بالشيء يقتضي تعظيمه والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده" (^٢).
والسبب في منع الحلف بغير الله أنه يقتضي تعظيم غير الله والثناء عليه واتخاذه ندًا من دون الله وفيه أنه مخالف لما أمر به الرسول - ﷺ - حيث قال: "احلفوا بالله وبروا واصدقوا، فإن الله يكره أن يُحلف إلا به" (^٣).
* الدليل من الكتاب: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ وقال ﷿: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾، وقال ﷿: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.
* الدليل من السنة: عن سعد بن عبيدة أن ابن عمر - ﵁ - سمع رجلًا يقول: لا، والكعبة، فقال ابن عمر: لا يُحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" (^٤).
وجاء في المسند أن ابن عمر كان في حلقة فسمع رجلًا في حلقة أخرى وهو يقول: لا وأبي، فرماه ابن عمر بالحصى وقال: إنها كانت يمين عمر، فنهاه النبي - ﷺ - وقال: "إنها شرك" (^٥).
_________________
(١) انظر: أنيس الفقهاء ١٧١.
(٢) فتح الباري ١١/ ٥٣١.
(٣) حلية الأولياء ٧/ ٢٦٧.
(٤) أخرجه أبو داود (٣٢٥١)، والترمذي (١٥٣٥) وحسنه واللفظ له. والإمام أحمد (٤٩٠٤) (٦٠٧٢)، والحاكم في المستدرك وصححه ٤/ ٢٩٧، وصححه الألباني في الإرواء ٨/ ١٨٩.
(٥) المسند (٥٢٢٢).
[ ٢ / ٩٢ ]
وفي رواية للحاكم: "كل يمين يحلف بها دون الله شرك" (^١).
وفي الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعًا: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" (^٢).
وعن بريدة - ﵁ - مرفوعًا: "من حلف بالأمانة فليس منا" (^٣).
وعن ابن عمر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله" (^٤).
* أقوال بعض السلف:
قال ابن مسعود - ﵁ -: "لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ أن أحلف بغيره صادقًا" (^٥).
قال كعب: "إنكم تشركون في قول الرجل: كلا وأبيك، كلا والكعبة، كلا وحياتك، وأشباه هذا، احلف بالله صادقًا أو كاذبًا، ولا تحلف بغيره" (^٦).
_________________
(١) أخرجه الحاكم (١/ ١٨).
(٢) أخرجه البخاري (٦٦٤٦) ومسلم (١٦٤٦).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٢٥٣).
(٤) أخرجه مسلم (١٦٤٦).
(٥) قال الهيثمي في المجمع (٤/ ١٧٩): رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الإرواء ٨/ ١٩١، وقال الشيخ سليمان ﵀: "وإنما رجح ابن مسعود - ﵁ - الحلف بالله كاذبًا على الحلف بغيره صادقًا، لأن الحلف بالله توحيد، والحلف بغيره شرك، وإن قدر الصدق في الحلف بغير الله فحسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك. ذكره شيخ الإسلام. وفيه دليل على أن الحلف بغير الله صادقًا أعظم من اليمين الغموس، وفيه دليل على أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر. وفيه شاهد للقاعدة المشهورة وهي: ارتكاب أقل الشرين ضررًا إذا كان لا بد من أحدهما". تيسير العزيز الحميد ص ٦٠٠، ٦٠١.
(٦) رواه ابن أبي الدنيا في "الصمت" رقم (٣٥٦)، وقال محققه أبو إسحاق الحويني: رجاله ثقات، وعزاه الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٧٨) للمصنف ابن أبي الدنيا. انظر كتاب الصمت ص ١٩٦، ١٩٧.
[ ٢ / ٩٣ ]
أحكام وفوائد:
١ - حكم الحلف بغير الله:
الحلف بالمخلوقات حرام عند جمهور العلماء.
قال الشيخ ابن باز ﵀: "وممن حكى الإجماع في تحريم الحلف بغير الله الإمام أبو عمر بن عبد البر النمري ﵀. وقد أطلق بعض أهل العلم الكراهة، فيجب أن تحمل على كراهة التحريم عملا بالنصوص وإحسانا للظن بأهل العلم" (^١). وقد تقدم قول الرسول - ﷺ -: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك".
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "أخذ به طائفة من العلماء فقالوا: يكفر من حلف بغير الله كفر شرك، قالوا: ولهذا أمره النبي - ﷺ - بتجديد إسلامه بقول: لا إله إلا الله. فلولا أنه كفر ينقل عن الملة لم يؤمر بذلك. وقال الجمهور: لا يكفر كفرا ينقله عن الملة، ولكنه من الشرك الأصغر كما نص على ذلك ابن عباس وغيره، وأما كونه أمر من حلف باللات والعزى أن يقول: لا إله إلا الله، فلأن هذا كفارة له مع استغفاره كما قال في الحديث الصحيح: "ومن حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله" وفي رواية: "فليستغفر" فهذا كفارة له في كونه تعاطى صورة تعظيم الصنم، حيث حلف به لا أنه لتجديد إسلامه، ولو قدر ذلك فهو تجديد لإسلامه لنقصه بذلك لا لكفره لكن الذي يفعله عباد القبور إذا طلبت من أحدهم اليمين بالله، أعطاك ما شئت من الأيمان صادقًا أو كاذبًا. فإذا طلبت منه اليمين بالشيخ أو تربته أو حياته، ونحو ذلك، لم يقدم على اليمين به إن كان كاذبا فهذا شرك أكبر بلا ريب، لأن المحلوف به عنده أخوف وأجل وأعظم من الله. وهذا ما بلغ إليه شرك عباد الأصنام، لأن جهد اليمين عندهم هو الحلف
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن باز ٧٢٥.
[ ٢ / ٩٤ ]
بالله كما قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل:٣٨]. فمن كان جهد يمينه الحلف بالشيخ أو بحياته، أو تربته فهو أكبر شركًا منهم، فهذا هو تفصيل القول في هذه المسألة" (^١).
وقال ابن باز ﵀: "والحلف بغير الله من الشرك الأصغر، وقد يُفضي إلى الشرك الأكبر إذا اعتقد تعظيمه مثل تعظيم الله، أو أنه ينفع ويضر دون الله، أو أنه يصلح لأن يُدعى أو يستغاث به" (^٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والحلف بغير الله شرك أكبر إن اعتقد أن المحلوف به مساوٍ لله تعالى في التعظيم والعظمة، وإلا فهو شرك صغر" (^٣).
وقال ابن تيمية ﵀: "والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وقد حُكِيَ إجماع الصحابة على ذلك" (^٤).
ويدل على حرمته قول عبد الله بن مسعود: "لأنِ أحلف بالله كاذبا أحب إليّ من أن أحلف بغير الله صادقًا" (^٥)؛ لأن الشرك أعظم من الكذب.
قال ابن قدامة المقدسي من الحنابلة: "ولا تنعقد اليمين بالحلف بمخلوق كالكعبة والأنبياء وسائر المخلوقات ولا تجب الكفارة بالحنث فيها، وقال أصحابنا الحلف بالرسول - ﷺ - يمين موجبة الكفارة، وروي ذلك عن أحمد" (^٦)، ثم
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٥٩٩، ٦٠٠.
(٢) مجموع فتاوى ابن باز ص ٥٦١.
(٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٧٩٧.
(٤) مجموع الفتاوى لابن تيمية ١/ ٢٠٤.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) انظر: المغني لابن قدامة ١١/ ٢٠٩.
[ ٢ / ٩٥ ]
رجح ابن قدامة المنع لأنه ليس بمنصوص ولا يصح قياس اسم غير الله على اسمه.
وقال ابن تيمية: "والصواب ما عليه الجمهور من أنه لا تنعقد اليمين بمخلوق لا النبي - ﷺ - ولا غيره" (^١).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "قال بعض المتأخرين: تجب الكفارة بالحلف برسول الله - ﷺ - خاصة، وهذا قول باطل ما أنزل الله به من سلطان، فلا يلتفت إليه وجوابه المنع" (^٢).
وقال الشيخ ابن باز ﵀: "وقد روي خلاف شاذ في جوازه بالنبي - ﷺ -، وهو قول لا وجه له بل هو باطل وخلاف لما سبقه من إجماع أهل العلم، وخلاف للأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك" (^٣).
وقال القدوري من الحنفية: "ومن حلف بغير الله لم يكن حالفا كالنبي والقرآن والكعبة" (^٤).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والصواب الذي عليه عامة علماء المسلمين سلفهم وخلفهم، أنه لا يحلف بمخلوق لا نبي ولا غير نبي، ولا ملَك من الملائكة، ولا ملِك من الملوك، ولا شيخ من الشيوخ، والنهي عن ذلك نهي تحريم عند أكثرهم كمذهب أبي حنيفة وغيره وهو أحد القولين في مذهب أحمد" (^٥).
_________________
(١) الاستغاثة ص ٣٦٥.
(٢) تيسير العزيز الحميد ص ٥٩٩.
(٣) مجموع فتاوى ابن باز ٧٤٢.
(٤) انظر: اللباب في شرح الكتاب عبد الغني الحنفي تحقيق محمود أمين النواوي ٤/ ٥.
(٥) الفتاوى لابن تيمية ٢٧/ ٣٤٩.
[ ٢ / ٩٦ ]
ومما سبق تعلم حرمة الحلف بغير الله وأنه شرك بالله ﷿ كالحلف بالرسول - ﷺ - أو الحلف بالشرف أو الأب أو الجد أو المشايخ أو الكعبة أو الصداقة أو العظماء أو غير ذلك، لأن الحلف تعظيم للمحلوف به فلا يجوز أن يكون إلا بالله ﷾ أو بصفاته.
ومما ينهى عنه أيضًا للحلف بالأمانة كما تقدم في حديث بريدة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من حلف بالأمانة فليس منا" (^١).
وقال الخطابي عند شرحه لهذا الحديث: "هذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إنما أمر أن يحلف بالله وبصفاته، وليست الأمانة من صفاته، وإنما هي أمر من أمره وفرض من فروضه، فنهوا عنه لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله ﷿ وصفاته" (^٢).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: "الحلف بالأمانة إذا أطلق فهو مكروه أو حرام؛ لأن الأمانة فيها اشتراك، وذلك أن الأمانة بالنسبة إلى المخلوق كمال، ومن المعلوم أن كل كمال اتصف به المخلوق فالله أحق وأولى به، أما إذا قال: وأمانة الله، فليس من ذلك. هذا الذي أفهم الآن، أما "أما من حلف بالأمانة فليس مني" فهو وعيد" (^٣).
٢ - مسألة: إقسام الله تعالى بمخلوقاته:
قال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "فإن قيل: إن الله تعالى أقسم بالمخلوقات في القرآن.
قيل: ذلك يختص بالله ﵎، فهو يقسم بما شاء من خلقه؛ لما في ذلك
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) معالم السنن ٤/ ٤٦.
(٣) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٧١.
[ ٢ / ٩٧ ]
من الدلالة على قدرة الرب ووحدانيته، وإلهيته وعلمه وحكمته وغير ذلك من صفات كماله. وأما المخلوق فلا يقسم إلا بالخالق تعالى، فالله تعالى يقسم بما شاء من خلقه. وقد نهانا عن الحلف بغيره فيجب على العبد التسليم والإذعان لما جاء من عند الله.
قال الشعبي: الخالق يقسم بما شاء من خلقه والمخلوق لا يقسم إلا بالخالق، قال: ولأن أقسم بالله فأحنث أحب إليّ من أن أقسم بغيره فأبر.
وقال مطرف بن عبد الله: إنما أقسم الله بهذه الأشياء ليعجب بها المخلوقين، ويعرفهم قدرته لعظم شأنها عندهم، ولدلالتها على خالقها ذكرهما ابن جرير" (^١).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "وأما قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]. وقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ [البلد: ١]. وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ [الليل: ١]، وما أشبه ذلك من المخلوقات التي أقسم الله بها فالجواب من وجهين:
الأول: أن هذا من فعل الله، والله لا يُسأل عما يفعل، وله أن يقسم سبحانه بما شاء من خلقه وهو سائل غير مسؤول وحاكم غير محكوم عليه.
الثاني: أن قسم الله بهذه الآيات دليل على عظمته وكمال قدرته وحكمته، فيكون القسم بها الدال على تعظيمها ورفع شأنها متضمنا للثناء على الله ﷿ بما يقتضيه من الدلالة على عظمته" (^٢).
٣ - فائدة في ذكر أيمان النبي - ﷺ - من ذلك:
(ومقلب القلوب) (^٣)، (والله) (^٤)، (ورب الكعبة) (^٥)، (وأيم الله) (^٦)، (وأيم الذي
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٥٩٦.
(٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٧٩٨. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٣٢٥.
(٣) أخرجه البخاري ٦٦٢٨.
(٤) أخرجه البخاري ٦٦٣١، ٦١٠١.
(٥) أخرجه البخاري ٦٦٣٨.
(٦) أخرجه البخارى ٦٧٨٨، ٦٦٢٧.
[ ٢ / ٩٨ ]
نفس محمد بيده) (^٣)، (والذي نفس محمد بيده) (^٤)، (والذي نفسي بيده) (^٥)، (والذي لا إله غيره) (^٦).
٤ - مسألة في قوله - ﷺ -: "أفلح وأبيه إن صدق":
قال الشيخ ابن عثيمين: "وأما ما ثبت في صحيح مسلم من قوله - ﷺ -: "أفلح وأبيه إن صدق" (^٧). فالجواب من وجوه:
الأول: أن بعض العلماء أنكر هذه اللفظة، وقال: أنها لا تثبت في الحديث، لأنها مناقضة للتوحيد، وما كان كذلك فلا تصح نسبة إلى رسول الله - ﷺ - فيكون باطلًا.
الثاني: أنها تصحيف من الرواة والأصل: "أفلح والله إن صدق". وكانوا في السابق لا يشكلون الكلمات و"أبيه" تشبه "الله" إذا حذفت النقط السفلى.
الثالث: أن هذا مما جرى على الألسنة بغير قصد (^٨) وقد قال تعالى وهذا لم ينو فلا يؤاخذ.
الرابع: أنه وقع من النبي - ﷺ - وهو أبعد الناس عن الشرك فيكون من خصائصه وأما غيره فهم منهيون عنه، لأنهم لا يساوون النبي - ﷺ - في الإخلاص والتوحيد.
الخامس: أنه على حذف مضاف والتقدير "أفلح ورب أبيه".
_________________
(١) أخرجه البخاري ٦٦٣٩.
(٢) أخرجه البخاري ٦٦٣٠.
(٣) أخرجه البخاري ٦٦٢٩، ٦٦٣٣.
(٤) أخرجه مسلم ٢٦٤٣.
(٥) أخرجه مسلم (١١).
(٦) وارتضى هذا الجواب البيهقي والنووي وتُعُقِّب بأن الرسول - ﷺ - نهى عمر عن الحلف بأبيه وأنه لا يمكن أن نسأل كل شخص حلف بغير الله هل قصد القسم أم لا؟. انظر: الفتح ١١/ ٥٣٣.
[ ٢ / ٩٩ ]
السادس: أن هذا منسوخ (^١)، وأن النهي الناقل من الأصل، وهذا أقرب الوجوه وهذه اللفظة على فرض صحتها من المتشابه فترد إلى المحكم كما هي طريقة الراسخين في العلم" (^٢).
قال الشيخ ابن باز ﵀: "وبكل حال فهي رواية فردة شاذة لا يجوز لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتشبث بها ويخالف الأحاديث الصحيحة الصريحة الدالة على تحريم الحلف بغير الله، وأنه من المحرمات الشركية" (^٣).
ومن هذا الباب أيضًا حديث: "أما وأبيك لتُنبأنه" (^٤). وهي رواية قال العلماء بأنها شاذة (^٥) لأنها إحدى روايتي محمد بن الفضيل عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة وخالف فيها عبد الواحد وسفيان بن عيينة وجرير وشريك حيث رووا الحديث بدون الحلف. ومن قال إن له شاهدا آخر من حديث شريك عن عمارة عن أبي هريرة وفيه: "وأبيك لتنبأن، أمك ثم أمك" فهذه أيضًا خالف فيها شريك بن عبد الله القاضي كلا من فضيل بن غزوان وجرير بن عبد الحميد.
قال الإمام الشوكاني ﵀: "وأما الاستدلال على عدم الإثم بما ورد في غاية الندرة والقلة كحديث "أفلح وأبيه إن صدق" فمن الغرائب والمغالط وكيف تهمل المناهي والزواجر التي وردت موردا يقرب من التواتر بمثل هذا الذي تعرض العلماء لتأويله بوجه من وجوه التأويل التي يجب استعمالها والمصير إليها فيما
_________________
(١) قاله الماوردي: وحكاه البيهقي وقال السبكي أكثر الشراح عليه قال المنذري: دعوى النسخ ضعيفة لإمكان الجمع ولعدم تحقق التاريخ. الفتح ١١/ ٥٣٥.
(٢) فتاوى العقيدة ص ٢٨٦.
(٣) مجموع فتاوى ابن باز ص ٧٢٥.
(٤) أخرجه مسلم رقم ١٠٣٢.
(٥) ممن حكم بشذوذها الشيخ مقبل الوادعي، انظر: فقه الأيمان ص ٦٨.
[ ٢ / ١٠٠ ]
خالف السنن الظاهرة المشتهرة" (^١).
٥ - ما يجب على المحلوف له بالله:
أما في حق المحلوف له بالله فيجب أن يرضى بهذه اليمين كما ثبت ذلك عن ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تحلفوا بآبائكم من حلف بالله فليصدق، ومن حُلف له بالله فليرض، ومن لم يرض بالله فليس من الله" (^٢) وهذا فيه أمر منه - ﷺ - لمن حُلِف له بالله في خصومة أو غيرها أن يرضى باليمين لأن ذلك من تعظيم الله، ثم بين - ﷺ - الوعيد الشديد في حق من لم يرض بالحلف بالله فقال: "ومن لم يرضَ باله فليس من الله".
قال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "لأنه يدل على قلة تعظيمه لجناب الربوبية، إذ القلب الممتلئ بمعرفة عظمة الله وجلاله وعزته وكبريائه لا يفعل ذلك" (^٣).
وقال أيضًا ﵀: "قوله: "ومن حُلِفَ له بالله فليرض" أي: وجوبا كما يدل عليه قوله: "ومن لم يرض فليس من الله" ولفظ ابن ماجه "ومن لم يرض بالله فليس من الله" وهذا وعيد كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨].
وأما من ناحية الأمور الشرعية في باب التحاكم عند القاضي فيجب أن يرضي باليمين ويلتزم بمقتضاها. لأن هذا من باب الرضا بالحكم الشرعي.
قال ابن كثير ﵀: "أي: فقد برئ من الله، وهذا عام في الدعاوى وغيرها، ما لم يفضِ إلى إلغاء حكم شرعي كمن تشهد عليه البينة الشرعية، فيحلف على تكذيبها
_________________
(١) السيل الجرار للشوكاني ٤/ ١٦.
(٢) أخرجه ابن ماجه بسند حسن (٢١٠١)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة وقال صحيح.
(٣) تيسير العزيز الحميد ص ٦٠٣.
[ ٢ / ١٠١ ]
فلا يقبل حلفه، ولهذا لما رأى عيسى ﵇ رجلًا يسرق فقال له: سرقت قال: كلا والله الذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: "آمنت بالله وكذبت عيني" (^١)، وفيه وجهان:
أحدهما: قال القرطبي: "ظاهر قول عيسى عليه للسَّلام للرجل سرقت أنه خبر جازم، لكونه أخذ مالًا من حرز في خفية، وقول الرجل: كلا، نفي لذلك، ثم أكده باليمين. وقول عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني أي: صدقت من حلف بالله، وكذبت ما ظهر لي من كون الأخذ سرقة، فإنه يحتمل أن يكون الرجل أخذ ماله فيه حق، أو ما أذن له صاحب في أخذه أو أخذه ليقلبه، وينظر فيه ولم يقصد الغصب والاستيلاء.
قلت: وهذا فيه نظر وصدر الحديث يرده وهو قول النبي - ﷺ -: "رأى عيسى رجلا يسرق" فأثبت - ﷺ - سرقته.
الثاني: ما قاله ابن القيم: "إن الله تعالى كان في قلبه أجل من أن يحلف به أحد كاذبًا. فدار الأمر بين تهمة الحالف، وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره، كما ظن آدم - ﵇ - صدق إبليس لما حلف له أنه ناصح".
قلت (^٢): هذا القول أحسن من الأول وهو الصواب - إن شاء الله تعالى - " (^٣).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "وأما بالنسبة للمحلوف له فهل يلزمه أن يصدِق أم لا؟ المسألة لا تخلو من أحوال خمس:
الأولى: أن يعلم كذبه فلا أحد يقول إنه يلزم تصديقه.
الثانية: أن يترجح كذبه فكذلك لا يلزم تصديقه.
الثالثة: أن يتساوى الأمران فهذا يجب تصديقه.
الرابعة: أن يترجح صدقه فيجب أن يُصدَّق.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٤٤٤).
(٢) القائل الشيخ سليمان بن عبد الله وما زال الكلام موصولًا.
(٣) تيسير العزيز الحميد ص ٦٠٤.
[ ٢ / ١٠٢ ]
الخامسة: أن يعلم صدقه فيجب أن يصدقه.
وهذا في الأمور الحسية، أما الأمور الشرعية في باب التحاكم فيجب أن يرضى باليمين ويلتزم بمقتضاها؛ لأن هذا من باب الرضا بالحكم الشرعي وهو واجب" (^١).
٦ - حكم كثرة الحلف والحنث فيه:
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ [البقرة: ٢٢٤].
وقال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "الحلف (^٢) منفقة للسلعة، ممحقة للبركة" (^٣).
وعن أبي قتادة أن رسول الله - ﷺ - قال: "إياكم وكثرة الحلف البيع فإنه ينفق ثم يمحق" (^٤).
وعن سلمان: أن رسول الله - ﷺ - قال: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: أشيميط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته، ولا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه" (^٥).
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٨١٠. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٣٣٧.
(٢) والمراد بالحلف هنا الحلف الكاذب كما بينته رواية أحمد: "اليمين الكاذبة" في المسند ٢/ ٢٣٥، ٢٣٤، ٤١٣.
(٣) أخرجه البخاري (٢٠٨٧)، ومسلم (١٦٠٦)، ولفظه عند مسلم (ممحقة للربح).
(٤) أخرجه مسلم (١٦٠٧).
(٥) أخرجه الطبراني بسند صحيح (٦١١١). قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وهذه أعمال تدل على أن صاحبها إن كان موحدا فتوحيده ضعيف" تيسير العزيز الحميد ص ٧٢٧. قلت - القائل الشيخ سليمان -: "وسبب ذلك أنه امتهن اسم الله سبحانه جعله وسيلة لاكتساب المال والتغرير بالناس - والله أعلم -".
[ ٢ / ١٠٣ ]
وفي الصحيحين عن عمران بن حصين - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". قال عمران: فلا أدري: أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة "ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون (^١)، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن" (^٢).
وفيه عن ابن مسعود - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته". قال إبراهيم - أي النخعي -: وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار (^٣).
قال السعدي ﵀: "أصل اليمين إنما شُرعت تأكيدًا للأمر المحلوف عليه وتعظيمًا للخالق، ومن تمام هذا التعظيم أن لا يُحلف بالله إلا صادقًا، ومن تمام هذا التعظيم أن يُحترم اسمه عن كثرة الحلف. فالكذب وكثرة الحلف تنافي التعظيم الذي هو روح التوحيد" (^٤).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ [البقرة:٢٢٤] يقول القرطبي ﵀ " وقيل: المعنى لا تستكثروا من اليمين بالله فإنه أهيب للقلوب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، وذم من كثَّر اليمين فقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)﴾ [القلم: ١٠]، والعرب تمتدح بقلة الأيمان
_________________
(١) والمعنى أنهم يؤدون الشهادة قبل أن تطلب منهم لاستخفافهم بالشهادة وعدم تحريهم الصدق وهذا بخلاف من في ترك شهادته فوات حق وضياعه فإن الشاهد عليه - حينئذ - التقدم بشهادته لإرجاع الحق إلى أهله وعليه يحمل حديث: خير الشهود الذين يشهدون قبل أن يستشهدوا. وفي رواية: أن النبي - ﷺ - قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها" رواه مسلم (١٧١٩).
(٢) أخرجه البخاري (٣٦٥٠)، ومسلم (٢٥٣٥).
(٣) أخرجه البخاري (٣٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٣).
(٤) القول السديد في مقاصد التوحيد ص ١٤٩.
[ ٢ / ١٠٤ ]
حتى قال قائلهم:
قليل الألايا حافظ ليمينه وإن صدرت منه الألية برتِ
وعلى هذا ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ معناه: أقِلِّوا الأيمان لما فيه من البر والتقوى، فإن الإكثار يكون معه الحنث وقلة رعي لحق الله تعالى، وهذا تأويل حسن " (^١).
وقال ابن الجوزي ﵀: "وفي معنى الآية ثلاثة أقوال :
الثالث: أن معناها لا تكثروا الحلف بالله وإن كنتم بارين مصلحين، فإن كثرة الحلف بالله ضرب من الجرأة عليه. هذا قول ابن زيد" (^٢).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ قال في فتح المجيد:
"يقول ابن جرير ﵀ في معنى الآية: لا تتركوها بغير تكفير.
وذكر غيره من المفسرين عن ابن عباس يريد: لا تحلفوا. وقال آخرون: احفظوا أيمانكم عن الحنث (^٣) فلا تحنثوا" (^٤).
ثم بيَّن الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ أن القولين متلازمان فيلزم من كثرة الحلف كثرة الحنث مع ما يدل على الاستخفاف وعدم التعظيم لله وغير ذلك مما ينافي كمال التوحيد الواجب.
قال الشيخ السعدي في التفسير: "واحفظوا أيمانكم: أي الحلف بالله كاذبا وعن كثرة الأيمان، واحفظوها إذا حلفتم عن الحنث فيها، إلا إذا كان الحنث خيرا، فتمام الحفظ: أن يفعل الخير، ولا يكون يمينه عرضة لذي الخير" (^٥).
_________________
(١) تفسير القرطبي ٣/ ٩٧. والبيت لكُثيِّر عزة وقوله: "حافظ ليمينه" وصفٌ منه بأنه لا يحلف.
(٢) زاد المسير ١/ ٢٢٨.
(٣) في مختار الصحاح: الحنث: الإثم والذنب، والحنث: الخُلْف في اليمين، وقال الراغب: وقيل حَنِثَ في يمينه إذا لم يفِ بها. انظر مادة (ح ن ث).
(٤) فتح المجيد ص ٥٨٧.
(٥) تفسير السعدي لقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
[ ٢ / ١٠٥ ]
وقال الشيخ ابن عثيمين: "وكل يمين لها ابتداء وانتهاء ووسط، فالابتداء الحلف والانتهاء الكفارة والوسط الحنث وهو أن يفعل ما حلف على تركه أو يترك ما حلف على فعله وحفظ اليمين يشمل هذه الثلاثة" (^١).
٧ - كفارة الحلف بغير الله:
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من حلف فقال في حلفه: واللات والعزّى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق" (^٢).
قال الخطابي: "إنما أوجب قول لا إله إلا الله على من حلف باللات والعزى شفقًا من الكفر أن يكون قد لزمه؛ لأن اليمين إنما تكون بالمعبود الذي يُعظّم، فإذا حلف بهما فقد ضاهى الكفار في ذلك وأمر أن يتداركه بكلمة التوحيد المبرئة من الشرك" (^٣).
وقال ابن العربي ﵀: "من حلف بها جادًّا فهو كافر، ومن قالها جاهلا أو ذاهلا يقول: لا إله إلا الله، يكفّر الله عنه، ويرد قلبه عن السهو إلى الذكر، ولسانه إلى الحق، وينفي عنه ما جرى به من اللّغو " (^٤).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "والحديث دليل على أنه لا تجب الكفارة بالحلف بغير الله مطلقًا، لأنه لم يذكر فيه كفارة للحلف بغير الله ولا في غيره من الأحاديث، فليس فيه كفارة إلا النطق بكلمة التوحيد، والاستغفار" (^٥).
ولا إله إلا الله تقال عند الحلف بغير الله وليست مختصة باللات والعزى.
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٤٢ باختصار. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢١٩.
(٢) أخرجه البخاري (٤٨٦٠). ومسلم (١٦٤٧).
(٣) أعلام الحديث ٣/ ١٩١٨.
(٤) فتح الباري (٨/ ٦١٢).
(٥) تيسير العزيز الحميد ص ٦٠٠.
[ ٢ / ١٠٦ ]
قال القرطبي ﵀: "وخص اللات بالذكر لأنها أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم، وحكم غيرها من أسماء آلهتهم حكمها إذ لا فرق بينها" (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الأيمان التي يحلف بها الناس نوعان:
أحدهما: أيمان المسلمين.
والثاني: أيمان المشركين.
فالقسم الثاني الحلف بالمخلوقات كالحلف بالكعبة والملوك والآباء والسيف وغير ذلك فهذه الأيمان لا حرمة لها بل هي غير منعقد ولا كفارة على من حنث فيها باتفاق المسلمين. بل من حلف بها فينبغي أن يوحد الله تعالى كما قال النبي - ﷺ -: "من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى. فليقل: لا إله إلا اللهُ"" (^٢).