قال الإمام ابن تيمية ﵀: "ذكر الثعلبي ومن اتبعه كالبغوي وغيره عن ابن عباس قال: الحنيف: المائل عن الأديان إلى دين الإسلام قالوا: وأصله من حنف الرجل وهو ميل وعوج في القدم، ومنه قيل للأحنف بن قيس ذلك لأنه كان أحنف القدم" (^١).
وفسرت الحنيفية بـ: الإخلاص والإسلام.
قال محمد بن كعب: "الحنيف: المستقيم". وقال أبو قلابة: "الحنيف: الذي يؤمن بالرسل كلهم". وقال مجاهد: "متبعًا". وقال: "أتباع إبراهيم". وفسرت: بالحج (^٢).
قال الضحاك: "إذا كان مع الحنيف المسلم فهو الحاج، وإذا لم يكن معه فهو المسلم" (^٣).
قال أبو عروبة: "الحنيفية: شهادة أن لا إله إلا الله" (^٤).
قال ابن تيمية ﵀: "الحنيفية هي الاستقامة بإخلاص الدين لله" (^٥).
_________________
(١) * التمهيد لابن عبد البر ١٨/ ٧٥، ٧٧. تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء لشيخ الإسلام ابن تيمية ١/ ٣٩٥. الدرر السنية ٢/ ٢٣، ٧٣. شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ص ٣١٦. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٨٣.
(٢) تفسير آيات أشكلت ص ٣٩٨. وانظر قول ابن عباس ﵄ في تفسير البغوي ١/ ١٥٥.
(٣) انظر هذه الأقوال في كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء ١/ ٣٩٥، ٤٠٤.
(٤) تفسير البغوي ١/ ١١٩.
(٥) تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء ١/ ٣٩٥، ٤٠٤.
(٦) مجموع الفتاوى ١٠/ ٤٦٦.
[ ٢ / ١١٦ ]
وقال أيضًا: "والقرآن كله يدل على أن الحنيفية هي ملة إبراهيم، وأنها عبادة الله وحده والبراءة من الشرك، وعبادته سبحانه إنما تكون بما أمر به وشرعه، وذلك يدخل في الحنيفية، ولا يدخل فيها ما ابتدع من العبادات، كما ابتدع اليهود والنصارى عبادات لم يأمر بها الأنبياء، فإن موسى وعيسى وغيرهما من أنبياء بني إسرائيل ومن اتبعهم كانوا حنفاء بخلاف من بدل دينهم فإنه خارج عن الحنيفية" (^١).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله وحده مخلصًا له الدين" (^٢).
وقال ابن عثيمين ﵀: "الحنيفية هي الملة المائلة عن الشرك، المبنية على الإخلاص لله ﷿" (^٣).
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة:١٣٥]، وقال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، [النساء: ١٢٥] وقال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج:٣٠ - ٣١]، وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ
_________________
(١) تفسير آيات أشكلت ٣٩٤.
(٢) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٣١.
(٣) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٣١.
[ ٢ / ١١٧ ]
الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)﴾ [الروم: ٣٠ - ٣١].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد فرض الله على الناس أن يكونوا حنفاء؛ فرضه الله على أهل الكتاب، ثم على أمة محمد. وأوجب عليه وعليهم أن يتبعوا ملة إبراهيم حنيفًا، فقال تعالى في أهل الكتاب ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥] وهذا أمر لجميع الخلق من المشركين، وأهل الكتاب وغيرهم" (^١).
وقال أيضًا ﵀: "فالقلب إن لم يكن حنيفيًا مقبلا على الله معرضا عما سواه وإلا كان مشركًا ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ [الروم: ٣٠ - ٣٢].
وقد جعل الله سبحانه إبراهيم وآل إبراهيم أئمة للحنفاء المخلصين أهل محبة الله وعبادته وإخلاص الدين له، كما جعل فرعون وآل فرعون أئمة للمشركين المتبعين أهواءهم، قال تعالى في إبراهيم ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ [الأنبياء: ٧٢ - ٧٣].
وقال في فرعون وقومه ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا
_________________
(١) تفسير آيات أشكلت ٣٩٣.
[ ٢ / ١١٨ ]
يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤١ - ٤٢].
ولهذا يصير أتباع فرعون أولًا إلى أن لا يميزوا بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما قدره وقضاه، بل ينظرون إلى المشيئة المطلقة الشاملة، ثم في آخر الأمر لا يميزون بين الخالق والمخلوق بل يجعلون وجود هذا وجود هذا، ويقول محققوهم الشريعة فيها طاعة ومعصية والحقيقة فيها معصية بلا طاعة والتحقيق ليس فيه طاعة ولا معصية، وهذا تحقيق مذهب فرعون وقومه الذين أنكروا الخالق وأنكروا تكليمه لعبده موسى وما أرسله به من الأمر والنهي" (^١).
وقد تقدم في باب (تحقيق التوحيد) لماذا سمي إبراهيم ﵇ بإمام الحنفاء.