قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الخلة هي: كمال المحبة المستلزمة من العبد كمال العبودية لله، ومن الرب سبحانه كمال الربوبية لعباده الذين يحبهم ويحبونه" (^١).
وقال ابن القيم ﵀: "ثم الخلة وهي تتضمن كمال المحبة ونهايتها بحيث لا يبقى لمحبه سعةٌ لغير محبوبه" (^٢).
وقد بَيَّن شارحُ الطحاوية: "أن الخلة أعلى مراتب المحبة" (^٣).
ولما ذكر مراتب المحبة العشر قال: "والعاشرة: الخلة وهي المحبة التي تخللّت رُوح المُحِب وقلبه" (^٤).
* الأدلة من السنة: ثبت في الصحيحين من غير وجه أنه قال - ﷺ -: "إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا" (^٥).
وقال - ﷺ -: "لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت ابن أبي قحافة
_________________
(١) * لسنة لعبد الله بن الإمام أحمد ص ٢٩٩. التحفة العراقية لابن تيمية ص ٨٦. أحكام القرآن للقرطبي ٣/ ٢٦٦. شرح العقيدة الطحاوية تحقيق أحمد شاكر ١٦٤ - ١٦٦. تيسير العزيز الحميد ص ٣٢٦. فتح المجيد ص ٢٦٤. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٥٨. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٣٩٥. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٤٠٦، ط ٢ - ١/ ٥١٤. الدر السنية ١٢/ ١٦٦. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٢/ ٥١٤.
(٢) كتاب العبودية ٣٥.
(٣) الجواب الكافي ص ١٣٤.
(٤) شرح العقيدة الطحاوية تحقيق أحمد شاكر ١٦٤.
(٥) شرح العقيدة الطحاوية تحقيق أحمد شاكر ١٦٦.
(٦) أخرجه مسلم (٥٣٢).
[ ٢ / ١٢٧ ]
خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله" (^١).
* فائدة: قال شارح الطحاوية: "واعلم أن وصف الله تعالى بالمحبة والخُلَّة هو كما يليق بجلال الله تعالى وعظمته كسائر صفاته تعالى" (^٢).
* العلاقة بين الخلة والعبودية:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولفظ "العبودية" يتضمن كمال الذل وكمال الحب، فإنهم يقولون قلب متيم إذا كان متعبدا للمحبوب، والتيم التعبد، وتيم الله عبده، وهذا أعلى الكمال حصل لإبراهيم ومحمد - صلى الله عليهما وسلم - ولهذا لم يكن له من أهل الأرض خليل، إذ الخلة لا تحتمل الشركة، فإنه كما قيل في المعنى:
قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سُمي الخليل خليلا
بخلاف أصل الحب فإنه - ﷺ - قد قال في الحديث الصحيح في الحسن وأسامة: "اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما".
وسأله عمرو بن العاص: "أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قال: فمن الرجال؟ قال أبوها".
وقال لعلي - ﵁ -: "لأعطينَّ الراية رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله"، وأمثال ذلك كثير.
وقد أخبر تعالى أنه يحب المتقين ويحب المحسنين ويحب المقسطين ويحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص، وقال ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]. فقد أخبر بمحبته
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٣٨٣)، والترمذي (٣٦٥٦).
(٢) شرح الطحاوية ١/ ١٦٧.
[ ٢ / ١٢٨ ]
لعباده المؤمنين ومحبة المؤمنين له حتى قال ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
وأما الخلة فخاصة، وقول بعض الناس إن محمدًا حبيب الله وإبراهيم خليل الله وظنه أن المحبة فوق الخلة قول ضعيف" (^١).
وقال ابن القيم: "وأما ما يظنه بعض الغالطين من أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل الله، ومحمد - ﷺ - حبيب الله، فمن جهلهم، فإن المحبة عامة والخلة خاصة، وهي نهاية المحبة، قال: وقد أخبر النبي - ﷺ - أن الله قد اتخذه خليلًا، ونفى أن يكون له خليل غير ربه، مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب - ﵃ - وغيرهم، وأيضا فإن الله يحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويجب الصابرين، وخلته خاصة بالخليلين. وفيه جواز ذكر الإنسان ما فيه من الفضل إذا دعت الحاجة الشرعية إلى ذلك" (^٢).