لغة: الفزع يقال: خافه يخافه خوفًا وخيفة ومخافة (^١).
وفي الشرع: قال الجرجاني: "الخوف: توقع حلول مكروه، أو فوات محبوب" (^٢).
وقال القرطبي: "الخوف: الانزعاج لما لا يؤمن من المضار" (^٣).
وقال ابن عثيمين: "الخوف: هو الذعر وهو انفعال يحصل بتوقع ما فيه هلاك أو ضرر أو أذى وقد نهى الله ﷾ عن خوف أولياء الشيطان وأمر بخوفه وحده" (^٤).
_________________
(١) * التمهيد لابن عبد البر ١/ ٤١. الإبانة لابن بطة العكبري ١/ ١٢٨، ٧٥١. شرح السنة للبغوي ١٤/ ٣٦٦. مدارج السالكين ١/ ٥١١. تيسير العزيز الحميد ٤٨٧. فتح المجيد ٣٩٥. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٢٤٤. مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٤٦. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ١٦٤ ط ٢ - ٢/ ٢٠٢ القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٣٤. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٤٨. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١/ ١٠٠. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٥/ ٣٣٣، ٣٥٣، ٣٩١. معارج القبول ١/ ٣٢٩. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ٢٥٢. الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د: جمال بن أحمد ٢/ ١٧٣. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ١٤٣. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ١٧٤. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ٣٥١. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ٣٧٧. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٢١٦، ٢٢٠.
(٢) لسان العرب (خ وف).
(٣) التعريفات ١٣٧.
(٤) جامع أحكام القرآن ٧/ ٢٢٧ وقد نسبه للقشيري.
(٥) شرح الأصول الثلاثة من مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٦/ ٥٢.
[ ٢ / ١٣٠ ]
وعرفه الجنيد بأنه: "توقع العقوبة على مجاري الأنفاس" (^١).
والخوف من أنواع العبادة قال ابن القيم: "الخوف عبودية القلب فلا يصلح إلا لله، كالذل والإنابة والمحبة والتوكل والرجاء وغيرها من عبودية القلب" (^٢).
وقد تقدم ذكر الفرق بينها وبين الخشية (^٣).
* الدليل من الكتاب: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمرك:١٧٥]، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤].
* الدليل من السنة: عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ خَطَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ قَالَ: "لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا قَالَ: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ الله - ﷺ - وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ. فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ فُلَانٌ: فَنَزَلَتْ هَذه الآيَةُ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ " (^٤).
* أقسام الخوف:
قسم العلماء ﵀ الخوف إلى أربعة أقسام. قال الشيخ سليمان بن عبد الله:
(أحدها: خوف السر وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما يشاء من مرض أو فقر أو قتل ونحو ذلك بقدرته ومشيئته، سواء ادعى أن ذلك كرامة للمخوف
_________________
(١) مدارج السالكين ١/ ٥١٢.
(٢) طريق الهجرتين ص ٤٣٧.
(٣) انظر باب (الخشية).
(٤) أخرجه البخاري (٤٦٢١).
[ ٢ / ١٣١ ]
بالشفاعة، أو على سبيل الاستقلال، فهذا الخوف لا يجوز تعلقه بغير الله أصلًا، لأن هذا من لوازم الإلهية فمن اتخذ مع الله ندًا يخافه هذا الخوف فهو مشرك، وهذا هو الذي كان المشركون يعتقدونه في أصنامهم وآلهتهم ولهذا يخوفون بها أولياء الرحمن كما خوفوا إبراهيم الخليل ﵊ فقال لهم: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾ [الأنعام: ٨٠ - ٨١]. وقال تعالى عن قوم هود أنهم قالوا له: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥)﴾ [هود: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. وهذا القسم هو الواقع اليوم من عباد القبور، فإنهم يخافون الصالحين بل الطواغيت، كما يخافون الله بل أشد. ولهذا إذا توجهت على أحدهم اليمين بالله أعطاك ما شئت من الأيمان كاذبا أو صادقًا، فإن كان اليمين بصاحب التربة لم يقدر على اليمين إن كان كاذبًا، وما ذاك إلا لأن المدفون في التراب أخوف عنده من الله. ولا ريب أن هذا ما بلغ إليه شرك الأولين، بل جهد أيمانهم اليمين بالله تعالى، وكذلك لو أصاب أحدا منهم ظلم لم يطلب كشفه إلا من المدفونين في التراب. وإذا أراد أن يظلم أحدا فاستعاذ بالله أو ببيته لم يعذه، ولو استعاذ بصاحب التربة أو بتربته لم يقدم عليه أحدا ولم يتعرض له بالأذى حتى ان بعض الناس أخذ من التجار أموالا عظيمة أيام موسم الحاج، ثم بعد أيام أظهر الإفلاس، فقام عليه أهل الأموال، فالتجأ إلى قبر في جدة يقال له: المظلوم فما تعرض له أحد بمكروه خوفا من سر المظلوم وأشباه هذا من الكفر، وهذا الخوف
[ ٢ / ١٣٢ ]
لا يكون العبد مسلما إلا بإخلاصه لله تعالى وإفراده بذلك دون من سواه.
الثاني: أن يترك الإنسان ما يجب عليه من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بغير عذر إلا لخوف من الناس، فهذا محرم (^١) وهو الذي نزلت فيه الآية المترجم لها (^٢) وهو الذي جاء فيه الحديث: "إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ما منعك إذا رأيت المنكر أن لا تغيره فيقول: يارب خشيت الناس، فيقول: إياي كنت أحق أن تخشى" رواه أحمد (^٣).
الثالث: خوف وعيد الله الذي توعد به العصاة وهو الذي قال الله فيه: ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤]، وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن:٤٦]، وقال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦)﴾ [الطور: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧]، وهذا الخوف من أعلى مراتب الإيمان ونسبة الأول إليه كنسبة الإسلام إلى الإحسان وإنما يكون محمودا إذا لم يوقع في القنوط واليأس من روح الله ولهذا قال شيخ الإسلام: هذا الخوف ما حجزك عن معاصي الله فما زاد على ذلك فهو غير محتاج إليه.
الرابع: وهو الخوف الطبيعي كالخوف من عدو وسبع وهدم وغرق ونحو ذلك فهذا لا يذم. وهو الذي ذكره الله عن موسى ﵊ في قوله: ﴿فَخَرَجَ
_________________
(١) وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "أن يترك الإنسان ما يجب عليه، خوفًا من بعض الناس، فهذا محرم وهو نوع من الشرك بالله المنافي لكمال التوحيد" فتح المجيد ص ٣٩٦.
(٢) يقصد بذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥].
(٣) أخرجه أحمد (١١٢٧٥) وابن ماجه (٤٠٠٨)، والبيهقي ٩/ ٩٠، ٩١. ونصه: "لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمرًا لله عليه فيه مقالة ثم لا يقوله فيقول الله: ما منعك أن تقول فيه؟ فيقول: رب خشيت الناس فيقول: وأنا أحق أن يخشى".
[ ٢ / ١٣٣ ]
مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١] " (^١).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "لكن إذا كان هذا الخوف (^٢) سببًا لترك واجب أو فعل محرم كان حرامًا؛ لأن ما كان سببًا لترك واجب أو فعل محرم فهو حرام ودليله قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] " (^٣).
وهناك خوف وهمي كالخوف الذي ليس له سبب أصلًا وهذا مذموم.
يقول الشيخ السعدي ﵀ في بيان هذه الأقسام: "اعلم أن الخوف والخشية تارة يقع عبادة وتارة يقع طبيعة وعادة، وذلك بحسب أسبابه ومتعلقاته.
فإن كان الخوف والخشية خوف تأله وتعبد وتقرب بذلك الخوف إلى من يخافه، وكان يدعو إلى طاعة باطنه وخوف سري يزجر عن معصية من يخافه كان تعلقه بالله من أعظم واجبات الإيمان. وتعلقه بغير الله من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله؛ لأنه أشرك في هذه العبادة التي هي من أعظم واجبات القلب غير الله مع الله، وربما زاد خوفه من غير الله على خوفه لله.
وأيضا فمن خشي الله وحده على هذا الوجه فهو مخلص موحد، ومن خشي غيره فقد جعل لله ندًا في الخشية كمن جعل لله ندًا في المحبة، وذلك كمن يخشى من صاحب القبر أن يوقع به مكروها أو يغضب عليه فيسلبه نعمه أو نحو ذلك مما هو واقع من عباد القبور.
وإن كان الخوف طبيعيا كمن يخشى من عدو أو سبع أو حية أو نحو ذلك مما يخشى ضرره الظاهري، فهذا النوع ليس عبادة، وقد يوجد من كثير من المؤمنين،
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٤٨٧، ٤٨٩.
(٢) أي الخوف الطبيعي.
(٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٥٣. وانظر أيضًا مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٤٦. والقول المفيد ط ١ - ٢/ ١٦٤.
[ ٢ / ١٣٤ ]
ولا ينافي الإيمان، وهذا إذا كان خوفا محققًا قد انعقدت أسباب الخوف فليس بمذموم.
وإن كان هذا خوفًا وهميًا كالخوف الذي ليس له سبب أصلًا، أو له سبب ضعيف فهذا مذموم يدخل صاحبه في وصف الجبناء، وقد تعوذ - ﷺ - من الجبن فهو من الأخلاق الرذيلة" (^١).
* تنبيه: على العبد أن لا يفعل شيئًا من أنواع العبادات والقرب لأجل الناس، لا رجاء مدحهم ولا خوفًا منهم، ولا يلتمس رضا الناس بسخط الله بل يرج الله ويخافه ويلتمس رضاه سبحانه ويفعل ما أمر به وإن كره الناس منه ذلك. قال شيخ الإسلام: "والسعادة في معاملة الخلق أن تعاملهم لله فترجو الله فيهم، ولا ترجوهم في الله، وتخاف الله فيهم، ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم، وتكف عن ظلمهم خوفا من الله لا منهم، كما جاء في الأثر: "أرج الله في الناس ولا ترج الناس في الله، وخف الله في الناس ولا تخف الناس في الله". أي لا تفعل شيئا من أنواع العبادات والقرب لأجلهم، لا رجاء مدحهم ولا خوفا منهم، بل ارج الله، ولا تخفهم في الله فيما تأتي وتذر، بل افعل ما أمرت وإن كرهوه" (^٢).
وقال ﵀: "كلما قويت محبة العبد لمولاه صغرت عنده المحبوبات وقلت وكلما ضعفت كثرت محبوباته ونتشرت، وكذا الخوف والرجاء وما أشبه ذلك فإن كمل خوف العبد من ربه لم يخف شيئا سواه قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٩]، وإذا نقص خوفه خاف
_________________
(١) القول السديد ص ٩٨.
(٢) مجموع الفتاوى ١/ ٥١.
[ ٢ / ١٣٥ ]
من المخلوق، وعلى قدر نقص الخوف وزيادته يكون الخوف كما ذكرنا في المحبة، وكذا الرجاء وغيره فهذا هو الشرك الخفى الذي لا يكاد أحد أن يسلم منه إلا من عصمه الله تعالى" (^١).
وقال الإمام ابن القيم ﵀: "ومن خافه واتقاه آمنه مما يخاف ويحذر وجلب إليه كل ما يحتاج إليه من المنافع ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] فلا تستبطيء نصره ورزقه وعافيته فإن الله تعالى بالغ أمره وقد جعل الله لكل شيء قدرًا لا يتقدم عنه ولا يتأخر ومن لم يخفه أخافه من كل شيء وما خاف أحدا غير الله إلا لنقص خوفه من الله قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل:٩٨ - ١٠٠]، وقال: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] أي يخوفكم بأوليائه ويعظمهم في صدوركم فلا تخافوهم وأفردوني بالمخافة أكفكم إياهم" (^٢).
وقال ابن عثيمين ﵀: "يجب على المرء أن يجعل الخوف من الله فوق كل خوف، وأن لا يبالي بأحد في شريعة الله تعالى، وأن يعلم أن من التمس رضا الله تعالى وإن سخط الناس عليه فالعاقبة له، وإن التمس رضا الناس وتعلق بهم وأسخط الله انقلبت عليه الأحوال ولم ينل مقصوده بل حصل له على مقصوده، وهو أن يسخط الله عليه ويسخط عليه الناس" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٢٠٦.
(٢) بدائع الفوائد ٢/ ٤٦٣.
(٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٦٥. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ١٨٤.
[ ٢ / ١٣٦ ]
* تحصيل أسباب الخوف من الله:
من أعظم الأسباب في ذلك معرفة أسماء الله وصفاته والتزود منها علمًا وإدراكا وإيمانا ويقينا، وبقدر نقص هذه المعرفة والإيمان بها يكون النقص في الخوف من الله، ولذلك يقول ابن القيم: "ونقصان الخوف من الله إنما هو لنقصان معرفة العبد به فأعرف الناس بالله أخشاهم لله وهو ينشأ من ثلاثة أمور:
أحدها: معرفة الجناية وقبحها.
الثاني: تصديق الوعيد وأن الله رتب على المعصية عقوبتها.
الثالث: أنه لا يعلم لعله يمنع من التوبة ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب.
فبهذه الأمور الثلاثة يتم له الخوف وبحسب قوتها وضعفها تكون قوة الخوف وضعفه" (^١).
أحكام وفوائد:
١ - حد الخوف الواجب:
يقول ابن القيم ﵀: "والخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله ﷿ فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله" (^٢).
وقال ابن رجب ﵀: "ولا ننكر أن خشية الله وهيبته وعظمته في الصدور وإجلاله مقصود أيضًا، ولكن القدر النافع من ذلك ما كان عونًا على التقرب إلى الله بفعل ما يحبه وترك ما يكرهه ومتى صار الخوف مانعًا ذلك وقاطعا فقد انعكس المقصود منه ولكن إذا حصل ذلك عن غلبة كان صاحبه معذورًا" (^٣).
_________________
(١) طريق الهجرتين ص: ٢٨٣.
(٢) مدارج السالكين: ١/ ٥١١. وقد نقله شارح الطحاوية ٢/ ٤٥٦.
(٣) التخويف من النار والتعريف بحال أهل البوار ص ٢١.
[ ٢ / ١٣٧ ]
وقال قبل ذلك: "والقدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات والتبسط في فضول الحاجات كان ذلك فضلًا محمودًا.
فإن تزايد على ذلك بأن أورث مرضا أو موتا أو همًا لازما بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله ﷿ لم يكن ذلك محمودًا.
ولهذا كان السلف يخافون على عطاء السلمي من شدة خوفه الذي أنساه القرآن وصار صاحب فراش؛ وهذا لأن خوف العقاب ليس مقصودا لذاته إنما هو سوط يساق به المتوانى عن الطاعة إليها.
ومن هنا كانت النار من جملة نعم الله على عباده الذين خافوه واتقوه، ولهذا المعنى عدها الله سبحانه من جملة آلائه على الثقلين في سورة الرحمن" (^١).
وقال ابن عثيمين ﵀: "والخوف العدل هو الذي يرد عن محارم الله فقط، وإن زدت على هذا فإنه يوصلك إلى اليأس من روح الله، ومن الناس من يفرط في خوفه بحيث لا يردعه عما نهى الله عنه" (¬٢).
٢ - الفرق بين الخوف والوجل والفزع:
قال ابن قاسم ﵀ في حاشية ثلاثة الأصول: "الخوف عبادة من العبادات القلبية، بل هو: ركن العبادة الأعظم، ولا يستقيم إخلاص الدين لله، الذي أمر الله به عباده، إلا به. والخوف مصدر خاف، فزع ووجل، لكن الخوف يتعلق بالمكروه، والفزع بما فاجأ منه، وهو انزعاج القلب، بتوقع مكروه عاجل. والوجل من غير متعد، والخوف من متعد" (^٣).
_________________
(١) من كتاب التخويف من النار ص ٢١.
(٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٤٨. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ١٦٦.
(٣) حاشية الأصول الثلاثة ٣٧.
[ ٢ / ١٣٨ ]
٣ - المؤمن بين الحب والخوف والرجاء:
يجب على العبد أن يجمع بين الحب والخوف والرجاء لأنها من المقامات التي يجب اجتماعها في قلب كل عبد مؤمن، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وعمل القلب من التوكل والخوف والرجاء وما يتبع ذلك والصبر واجب بالاتفاق" (^١).
وجاء عن السلف التحذير من إفراد أحدهما عن الآخر.
قال ابن رجب ﵀: "قال ابن المبارك: أنبأني عمر بن الرحمن بن مهدي سمعت وهب بن منبه يقول: قال حكيم من الحكماء: إني لأستحي من الله ﷿ أن أعبده رجاء ثواب الجنة أي فقط فأكون كالأجير السوء إن أُعطى عمل وإن لم يُعطَ لم يعمل، وإني لأستحي من الله أن أعبده مخافة النار أي فقط، فأكون كعبد السوء إن رهب عمل وإن لم يرهب لم يعمل، وإنه يستخرج حبه مني لا يستخرجه مني غيره. خرجه أبو نعيم بهذا اللفظ.
وفي تفسير لهذا الكلام من بعض رواته وهو أنه ذم العباد على وجه الرجاء وحده أو على وجه الخوف وحده، وهذا حسن.
وكان بعض السلف يقول: من عَبَد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد مؤمن.
وسبب هذا أنه يجب على المؤمن أن يعبد الله بهذه الوجوه الثلاثة المحبة والخوف والرجاء ولا بد له، ومن أخل ببعضها فقد أخل بعض واجبات الإيمان، وكلام هذا الحكيم يدل على أن الحب ينبغي أن يكون أغلب من الخوف والرجاء" (^٢).
_________________
(١) الاختيارات ص ٨٥.
(٢) التخويف من النار ص ٣٠.
[ ٢ / ١٣٩ ]
وقال ابن رجب ﵀: "قال حذيفة المرعشي: "إن عبدًا يعمل على خوف لعبد سوء وإن عبدا يعمل على رجاء لعبد سوء كلاهما عندي سواء"، ومراده إذا عمل على إفراد أحدهما عن الآخر" (^١).
وقال القرطبي ﵀: "وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان" (^٢).
ويُعرف وجوب اجتماعهم بمعرفة أهمية كل واحد منهم:
* أهمية الخوف:
قال ابن القيم ﵀: "منزلة الخوف وهي من أجل منازل الطريق وأنفعها للقلب وهي فرض على كل أحد" (^٣).
وقال أيضًا ﵀: "قال أبو سليمان: ما فارق الخوف قلبا إلا خرب.
وقال إبراهيم بن سفيان: إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها وطرد الدنيا عنها.
وقال ذو النون: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا عن الطريق" (^٤).
وقال ابن رجب ﵀: " ولم يزل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون يخافون النار ويخوفون منها" (^٥).
* أهمية الرجاء:
قال ابن القيم ﵀: "لولا رَوْح الرجاء لعطلت عبودية القلب والجوارح
_________________
(١) التخويف من النار ص ٣١.
(٢) جامع أحكام القرآن ٧/ ٢٢٧.
(٣) مدارج السالكين ١/ ٥١١.
(٤) مدارج السالكين ١/ ٥١٣.
(٥) التخويف من النار ص ٢٩، ٣٠.
[ ٢ / ١٤٠ ]
وهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، بل لولا رَوْح الرجاء لما تحركت الجوارح بالطاعة - ولولا ريحه الطيبة لما جرت سفن الأعمال في بحر الإرادات ولى من أبيات:
لولا التعلق بالرجاء تقطعت نفس المحب تحسرا وتمزقا
وكذاك لولا برده بحرارة الـ أكباد ذابت بالحجاب تحرقا
أيكون قط حليف حب لا يرى برجائه لحبيبه متعلقا
أم كلما قويت محبته له قوي الرجاء فزاد فيه تشوقا
لولا الرجا يحدو المطي لما سرت بحمولها لديارهم ترجو اللقا (^١)
وقال ﵀: "الخوف مستلزم للرجاء، والرجاء مستلزم للخوف فكل راج خائف، وكل خائف راج؛ ولأجل هذا حسن وقوع الرجاء في موضع يحسن فيه وقوع الخوف قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ [نوح: ١٣] قال كثير من المفسرين: المعنى ما لكم لا تخافون لله عظمة قالوا: والرجاء بمعنى الخوف، والتحقيق أنه ملازم له، فكل راج خائف من فوات مرجوه والخوف بلا رجاء يأس وقنوط" (^٢).
وإذا كانت هذه هي أهمية الخوف والرجاء فإنهما لا يتأتيان إلا بالمحبة قال ابن
القيم ﵀: "فكل محبة فهي مصحوبة بالخوف والرجاء وعلى قدر تمكنها من قلب المحب يشتد خوفه ورجاؤه، لكن خوف المحب لا يصحبه وحشه بخلاف خوف المسئ ورجاء المحب لا يصحبه علة بخلاف رجاء الأجير، وأين رجاء المحب من رجاء الأجير وبينهما كما بين حاليهما، وبالجملة فالرجاء ضروري
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ٤٣.
(٢) مدارج السالكين ٢/ ٥١.
[ ٢ / ١٤١ ]
للمريد السالك والعارف لو فارقه لحظة لتلف أو كاد فإنه دائر بين ذنب يرجو غفرانه وعيب يرجو إصلاحه وعمل صالح يرجو قبوله واستقامة يرجو حصولها ودوامها وقرب الله ومنزلة عنده يرجو وصوله إليها ولا ينفك أحد من السالكين عن هذه الأمور أو بعضها" (^١).
وبهذا يتبين أن الحب عبادة والخوف عبادة والرجاء عبادة والجمع بينهم واجب شرعًا، ولكل مقام من الثلاثة وظيفة يؤديها.
قال شيخ الإسلام: "فالمحبة تلقي العبد في السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده فهذا أصل عظيم، يجب على كل عبد أن ينتبه له، فإنه لا تحصل له العبودية بدونه" (^٢).
وقال ابن القيم ﵀: "إن الرجاء حاد يحدو به في سيره إلى الله، ويطيب له المسير ويحثه عليه، ويبعثه على ملازمته، فلولا الرجاء لما سار أحد، فإن الخوف وحده لا يحرك العبد وإنما يحركه الحب ويزعجه الخوف ويحدوه الرجاء" (^٣).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "بالمحبة يكون امتثال الأمر وبالخوف يكون اجتناب النهي" (¬٤).
٤ - هل الأفضل للإنسان أن يُغلِّبَ جانب الخوف أو يُغلِّبَ جانب الرجاء؟
قال الشيخ ابن عثيمين: "اختلف في ذلك:
فقيل: ينبغي أن يغلب جانب الخوف، ليحمله ذلك على اجتناب المعصية ثم
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ٤٣
(٢) مجموع الفتاوى ١/ ٩٥.
(٣) مدارج السالكين ٢/ ٥٢.
(٤) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٤٦. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ١٦٤.
[ ٢ / ١٤٢ ]
فعل الطاعة.
وقيل يغلب جانب الرجاء، ليكون متفائلا، والرسول - ﷺ - كان يعجبه الفأل.
وقيل في فعل الطاعة: يغلب جانب الرجاء، فالذي من عليه بفعل هذه الطاعة سيمن عليه بالقبول، ولهذا قال بعض السلف: إذا وفقك الله للدعاء، فانتظر الإجابة، لأن الله يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وفي فعل المعصية يغلب جانب الخوف، لأجل أن يمنعه منها ثم إذا خاف من العقوبة تاب.
وهذا أقرب شيء، ولكن ليس بذاك القرب الكامل؛ لأن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]، أي: يخافون أن لا يقبل منهم، لكن قد يقال هذه الآية يعارضها أحاديث أخرى، كقوله - ﷺ - في الحديث القدسي عن ربه: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني".
وقيل: في حال المرض يغلب جانب الرجاء، وفي حال الصحة يغلب جانب الخوف، فهذه أربعة أقوال.
وقال الإمام أحمد: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا؛ (^١) فأيهما غلب هلك صاحبه، أي: يجعلهما كجناحي الطائر، والجناحان للطائر إذا لم يكونا متساوين سقط" (^٢).
والقول بأن الخوف والرجاء ينبغي أن يستويان هو قول كثير من السلف وقد جاء في الأثر "لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا".
قال المحدث العلجوني ﵀: "قال في اللآلئ: هذا مأثور بعض السلف، وهو كلام صحيح. وقال في المقاصد وتبعه في الدرر لا أصل في المرفوع وإنما
_________________
(١) انظر قول الإمام أحمد ﵀ في مسائل ابن هانئ ٢/ ١٧٨، والآداب الشرعية ٢/ ٣٠.
(٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٤٦،٦٤٧. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ١٦٤.
[ ٢ / ١٤٣ ]
يؤثر عن بعض السلف فرواه البيهقي عن مطرف قال لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه بميزان ما كان بينهما خيط شعرة (^١). ورواه أيضًا عن شعبة قال: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه ما زاد خوفه على رجائه ولا رجاؤه على خوفه (^٢). ومعناه صحيح" (^٣).
قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ قال: خوفًا وطمعًا قال: وليس ينبغي لأحدهما أن يفارق الآخر (^٤).
وقال الشوكاني ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قال: "وفيه أنه يشرع للداعي أن يكون عند دعائه خائفًا وجلًا طامعًا في إجابة الله لدعائه فإنه إذا كان عند الدعاء جامعًا بين الخوف والرجاء ظفر بمطلوبه" (^٥).
وقال أبو علي الروذباري: "الخوف والرجاء هما كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه وإذا نقص واحد منهما وقع فيه النقص وإذا ذهبا جميعا صار الطائر في حد الموت لذلك قيل لو وزن خوف المؤمن ورجاءه لاعتدلا" (^٦).
وقال سهل بن عبد الله: "الرجاء والخوف زمانان على الإنسان فإذا استويا استقامت أحواله، وإن رجح أحدهما بطل الآخر" (^٧).
وبوب الإمام البخاري في كتابه الصحيح فقال: "باب: الرجاء مع الخوف"؛ ثم
_________________
(١) انظر شعب الإيمان (١٠٢٥)، الحلية ٣/ ٧٦.
(٢) انظر شعب الإيمان (١٠٢٦).
(٣) كشف الخفاء ٢/ ١٦٦ (٢١٣١).
(٤) الطبري ١٧/ ٨٤.
(٥) فتح القدير للشوكاني ٢/ ٢١٣.
(٦) شعب الإيمان للبيهقي ٢/ ١٢ (١٠٢٧) شرح العقيدة الطحاوية ٤٥٦، مدارج السالكين ٢/ ٣٦، وانظر مثل هذا في شعب الإيمان ٢/ ١١ (١٠٢٣).
(٧) القرطبي ١٠/ ٢٧٩، ٢٨٠.
[ ٢ / ١٤٤ ]
ذكر حديث أبي هريرة ﵀: "أن الله خلق مائة رحمة؛ وفيه: فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة ولو يعلم المسلم بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار" (^١).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "قوله "باب الرجاء مع الخوف" أي استحباب ذلك، فلا يقطع النظر في الرجاء عن الخوف ولا في الخوف عن الرجاء لئلا يفضي في الأول إلى المكر وفي الثاني إلى القنوط وكل منهما مذموم" (^٢).
وقال ابن تيمية: "وينبغي للمؤمن أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا فأيهما غلب هلك صاحبه ونص عليه الإمام أحمد لأن من غلب خوفه وقع في نوع من اليأس ومن غلب رجاؤه وقع في نوع من الأمن من مكر الله" (^٣)، نقل هذا القول ابن القيم (^٤)، واختاره السهسواني (^٥).
وقال ابن رجب ﵀: "فأما الخوف والرجاء فأكثر السلف أنهما يستويان لا يرجح أحدهما على الآخر قاله مطرف والحسن، وأحمد وغيرهم" (^٦).
وذكر أهل العلم أيضا أنهما يتساويان ولكن يغلب جانب الرجاء عند المرض، ومفارقة الدنيا وقد رجحه كثير من العلماء (^٧).
_________________
(١) صحيح البخاري (٦٤٦٩)
(٢) الفتح ١١/ ٣٠١ ط - السلفية.
(٣) الفتاوى الكبرى ٤/ ٤٤٣ ط - دار المعرفة.
(٤) مدارج السالكين ١/ ٥٥٤.
(٥) صيانة الإنسان ص ٢٨٤ وانظر مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٨٣.
(٦) كتاب التخويف من النار ١٨. وانظر أيضًا مدارج السالكين ٢/ ٣٥، الباري شرح صحيح البخاري ١١/ ٣٠٢ ط. السلفية.
(٧) انظر: شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٤٥٦، وفتح الباري لابن حجر، ١١/ ٣٠١ - ٣٠٧. ومجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٤٧. والقول المفيد ط ١ - ٢/ ١٦٥.
[ ٢ / ١٤٥ ]
ودليل ذلك حديث جابر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: قبل موته بثلاث أيام يقول: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحُسِن الظنَّ بالله ﷿" (^١).
وقال إبراهيم بن يزيد النخعي: "كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته لكي يحُسِن ظنَّه بربه" (^٢).
وعن المعتمر بن سليمان قال: قال لي أبي حين حضرته الوفاة: "يا معتمر" حدثني بالرخص لعلي ألقى الله وأنا حسن الظن به" (^٣).
وقال القرطبي ﵀: "قال بعض أهل العلم: ينبغي أن يغلب الخوف والرجاء طول الحياة، فإذا جاء الموت غلَّب الرجاء قال النبي - ﷺ -: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله" (^٤).
وقال النووي ﵀: "اعلم أن المختار للعبد في حالة صحته أن يكون خائفًا راجيًا ويكون خوفه ورجاؤه سواء، وفي حال المرض يمحض الرجاء وقواعد الشرع من نصوص الكتاب والسنة وغير ذلك متظاهرة على ذلك" (^٥).
وقال ابن مفلح ﵀: "وينبغي أن يكون رجاء المريض أكثر، وقطع به صاحب "النظم" (^٦) " (^٧).
وقال ابن رجب: "ومنهم من رجح الخوف على الرجاء وهو يحكى عن
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٨٧٧)، وأبو داود (٣١١٣)، وابن ماجه (٤١٦٧).
(٢) شعب الإيمان للبيهقي ٢/ ٦، ٧ (١٠٠٧).
(٣) شعب الإيمان للبيهقي ٢/ ٧ (١٠٠٨).
(٤) جامع أحكام القرآن للقرطبي ٧/ ٢٢٧.
(٥) رياض الصالحين ٢٠٧، ٢٠٨. وانظر مثله في روح المعاني للألوسي ١٥/ ١٠٠.
(٦) صاحب النظم هو محمد بن عبد القوي المرداوي (ت:٦٩٩ هـ).
(٧) الآداب الشرعية ٢/ ٣٢.
[ ٢ / ١٤٦ ]
الفضيل وأبي سليمان الدارني" (^١).
وقال ابن القيم: "فصلٌ: القلب في سيره إلى الله ﷿ بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطير جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر، ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف، هذه طريقة أبي سليمان وغيره قال: ينبغى للقلب أن تكون الغالب عليه الخوف فإن غلب عليه الرجاء فسد. وقال غيره: أكمل الأحوال اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب، فالمحبة هي المركب، والرجاء حادٍ، والخوف سائق، والله الموصل بمنِّه وكرمه" (^٢).
وقال ابن حجر ﵀: "وقيل الأَوْلَى أن يكون الخوف في الصحة أكثر وفي المرض عكسه، وأما عند الإشراف على الموت فاستحب قوم الاقتصار على الرجاء لما يتضمن من الافتقار إلى الله تعالى ولأن المحذور من ترك الخوف قد تعذر فيتعين حسن الظن بالله برجاء عفوه ومغفرته، ويؤيده حديث "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله، ".
وقال آخرون لا يهمل جانب الخوف أصلًا بحيث يجزم أنه آمن ويؤيده ما أخرج الترمذي عن أنس: أن النبي - ﷺ - دخل على شاب وهو في الموت فقال له:"كيف تجدك؟ ". فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي. فقال رسول الله - ﷺ -:"لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف" (^٣).
_________________
(١) التخويف من النار ٢٥. وانظر أقوال الفضيل بن عياض وغيره في سير أعلام النبلاء ٨/ ٤٣٢، وشعب الإيمان للبيهقي ٢/ ٧ (١٠١٠).
(٢) مدارج السالكين ١/ ٥١٧.
(٣) فتح الباري ١١/ ٣٠١ ط السلفية.
[ ٢ / ١٤٧ ]
ومن هذه الأقوال يتبين أهمية كل واحد منها إذ لا غنى للعبد عنها وعلى المسلم أن ينظر فيما يصلح نفسه قال الحسن البصري: "نفوسكم مطاياكم فأصلحوا مطاياكم تُبلغكم إلى ربكم ﷿".
قال ابن رجب ﵀ مبينا كلام الحسن: "فالمراد بإصلاح المطايا الرفق بها وتعاهدها بما يصلحها من قوتها والرفق بها في سيرها فإذا أحس بها بتوقف في السير تعاهدها تارة بالتشويق وتارة بالتخويف حتى تسير. قال بعض السلف: الرجاء قائد، والخوف سائق، والنفس بينهما كالدابة الحرون (^١)، فمتى فتر قائدها وقصّر سائقها وقفت فتحتاج إلى الرفق بها، والحدو لها حتى يطيب لها السير كما قال حادي الإبل بالوادي:
بشرها دليلها وقال لها غدا ترين الطلح والجبالا
ولما كان الخوف كالسوط فمتى ألحّ بالضرب وبالسوط على الدابة تلفت فلا بدَّلها مع الضرب من حادي الرجاء يطيب لها السير بحدائه حتى تقطع. قال أبو زيد: "ما زلت أقود نفسي إلى الله وهي تبكي حتى سقتها وهي تضحك" (^٢).
* قال ابن القيم: "وللسالك نظران: نظر إلى نفسه وعيوبه وآفات عمله يفتح عليه باب الخوف إلى سعة فضل ربه وكرمه وبره، ونظر يفتح عليه باب الرجاء، ولهذا قيل في حد الرجاء هو النظر إلى سعة رحمة الله" (^٣).
وقال أيضًا: "والرجاء ثلاثة أنواع: نوعان محمودان ونوع غرور مذموم:
فالأولان: رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله فهو راج لثوابه.
ورجل أذنب ذنوبًا ثم تاب منها فهو راج لمغفرة الله تعالى وعفوه وإحسانه
_________________
(١) أي الصعبة التي وقفت ورفضت الانقياد.
(٢) المحجة في سير الدلجة ص ٧١، ٧٢.
(٣) مدارج السالكين ٢/ ٣٦.
[ ٢ / ١٤٨ ]
وجوده وحلمه وكرمه.
والثالث: رجل متماد في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب" (^١).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والذي عندي في هذه المسألة أن هذا يختلف باختلاف الأحوال، وأنه إذا خاف إذا غلب جانب الخوف أن يقنط من رحمة الله وجب عليه أن يردّ ويقابل ذلك بجانب الرجاء، وإذا خاف إذا غلب جانب الرجاء أن يأمن من مكر الله فليرد ويغلب جانب الخوف، والإنسان في الحقيقة طبيب نفسه إذا كان قلبه حيًا، أما صاحب القلب الميت الذي لا يعالج قلبه ولا ينظر أحوال قلبه فهذا لا يهمه الأمر" (^٢).
وقال الشيخ صالح آل الشيخ: "والتحقيق: أن ذلك على حالين:
الأولى: إذا كان العبد في حال الصحة والسلامة فإنه إما أن يكون مسددًا مسارعًا في الخيرات، فهذا ينبغي أن يتساوى في قلبه الخوف والرجاء، فيخاف ويرجو، لأنه من المسارعين في الخيرات. وإذا كان في حال الصحة والسلامة وكان من أهل العصيان، فالواجب عليه أن يغلب جانب الخوف حتى ينكفّ عن المعصية.
الحال الثانية: إذا كان في حال المرض المخوف فإنه يجب أن يُعظِّم جانب الرجاء على الخوف، فيقوم في قلبه الرجاء والخوف، ولكن يكون رجاؤه أعظم من خوفه، وذلك لقول النبي ﵊: "لا يمت أحدكم إلا وهو يُحسَن الظن بربه تعالى"، وذلك من جهة رجائه في الله ﷻ.
ومن هنا اختلفت كلمات أهل العلم، فتجد بعضهم يقول: يجب أن يتساوى
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ٣٦.
(٢) فتاوى أركان الإسلام ص ٥٩.
[ ٢ / ١٤٩ ]
الخوف والرجاء، وبعض السلف قال: يُغلِّب جانب الخوف على جانب الرجاء، وبعض السلف قال: يُغلِّب جانب الرجاء على جانب الخوف، وهي أقوال متباينة ظاهرًا، لكنها متفقة في الحقيقة، لأن كل قول منها يرجع إلى حالة مما ذكرنا.
فمن قال: يُغلِّب جانب الخوف على الرجاء فهو في حق الصحيح العاصي. ومن قال: يُغلِّب جانب الرجاء على الخوف فهو في حق المريض الذي يخاف الهلاك أو من يخاف الموت. ومن قال: يساوي بين الخوف والرجاء فنظر إلى حال المسددين المسارعين في الخيرات، الذين وصفهم الله - جل وعلا - بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقوله - جل وعلا - في سورة الإسراء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] وهذا ظاهر" (¬١).