الذمة لغة: العهد والأمان.
قال ابن الأثير: "الذمة والذمام" هما بمعنى العهد والأمان الضمان والحُرمة والحق وسُميّ أهل الذمة لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم" (^١).
وذمة الله تعالى وذمة نبيه - ﷺ - "يجب حفظها والوفاء بها، والمراد التي تدخل في العهود وأن عدم الوفاء عدم تعظيم له فهو قدح في التوحيد" (^٢).
* الدليل من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١].
* الدليل من السنة: عن بريدة قال: "كان رسول الله - ﷺ -، إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى - ﷿ - ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: "اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله. اغزوا فلا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا. وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم. ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين. فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين،
_________________
(١) * فتح المجيد ص ٥٩٣. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٨٢. مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٦٣. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢٣٨ ط ٢ - ٣/ ٢٩٨. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٥٢. الدرر السنية ٩/ ٤٠١.
(٢) النهاية (ذ م م).
(٣) حاشية ابن قاسم ص ٣٨٢.
[ ٢ / ٢٠١ ]
يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. "وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه - ﷺ -، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري: أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟ " (^١).
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن - ﵀ -: "قوله: "وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه " الحديث. الذمة: العهد. وتخفر: تنقض. يقال: أخفرت الرجل: إذا نقضت عهده، وخفرته: أجرته، ومعناه: أنه خاف من نقض من لم يعرف حق الوفاء بالعهد، كجهلة الأعراب، فكأنه يقول: إن وقع نقضٌ من متعد، كان نقض عهد الخلق أهون من نقض عهد الله تعالى. والله أعلم" (^٢).
ومعنى "تجعل لهم ذمة الله" أي: تجعل لهم عهد الله وميثاقه. وفي الحديث في دليل على وجوب حفظ العهد والوفاء به والحذر من التعرض للأحوال التي يخشى منها نقض العهود والإخلال بها بعدما يجعل للأعداء المعاهدين ذمة الله وذمة رسوله.
قال السعدي: "فإنه متى وقع النقض في هذه الحال كان انتهاكًا من المسلمين لذمة الله وذمة نبيه، وتركًا لتعظيم الله، وارتكابًا لأكبر المفسدتين كما نبه عليه - ﷺ -، وفي ذلك تهوين لدين الإسلام وتزهيد للكفار به، فإن الوفاء بالعهود خصوصا المؤكدة بأغلظ المواثيق من محاسن الإسلام الداعية للأعداء المنصفين إلى
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٧٣١).
(٢) فتح المجيد ص ٨٢٣، ٨٢٤ من الطبعة الأولى.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
تفضيله واتباعه" (^١).
وقال الشيخ صالح آل الشيخ: "فإنه إذا كان يعطي بعهد الله ثم يخفر فقد خفر عند الله - جل وعلا - وفجر في ذلك، وهذا مناف لكمال التوحيد الواجب؛ لأن الواجب على العبد أن يعظم الله - ﷻ - وألا يخفر عهده وذمته لأنه إذا أعطى ذمة الله فإنه يجب عليه أن يوفي بهذه الذمة مهما كان؛ حتى لا يُنسب النقص لذمة الله - ﷻ - لهذا كان إعطاء مثل هذه الكلمة مثل كثرة الحلف، فلا يجوز أن تجعل في العهد ذمة الله وذمة نبيه - ﷺ -،كما لا يجوز كثرة الأيمان؛ لأن في كل منهما نقصًا في تعظيم الرب - ﷻ - (^٢).
وقال ابن عثيمين - ﵀ -: "ولنا مع المشركين ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن لا يكون بيننا وبينهم عهد فيجب قتالهم بعد دعوتهم إلى الإسلام وإبائهم عنه وعن بذل الجزية، بشرط قدرتنا على ذلك.
الحال الثانية: أن يكون بيننا وبينهم عهد محفوظ يستقيمون فيه فهنا يجب الوفاء لهم بعهدهم لقوله تعالى ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٧]، وقوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة:٤].
الحال الثالثة: أن يكون بيننا وبينهم عهد نخاف خيانتهم فيه فهنا يجب أن ننبذ إليهم العهد ونخبرهم أنه لا عهد بيننا وبينهم لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ [الأنفال: ٥٨] " (^٣).