الردة في اللغة: التحول، تقول ارتد، وارتد عنه، بمعنى تحول (^١) والارتداد: الرجوع، ومنه " المُرتَدّ" و"الرِدَّة" (^٢).
قال الماوردي: "أما الردة في اللغة فهي الرجوع عن الشيء إلى غيره" (^٣) قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١].
وفي الشرع: "هي الرجوع عن الإسلام إلى الكفر" (^٤).
قال المناوي: "الردة شرعًا: قطع الإسلام بنية أو قول أو فعل مكفِّر" (^٥).
قال في معجم مقاييس اللغة: "وسمي المرتد لأنه رد نفسه إلى الكفر" (^٦). وقيل: بأنها كفر المسلم بقول صريح، أو بفعل يتضمنه كإلقاء مصحف أو شد زنار أو نحو ذلك (^٧). وسيأتي مزيد بيان لذلك في أقسام الردة من هذا الباب.
_________________
(١) * التمهيد لابن عبد البر ٥/ ٣٠٤، ٣١٩، ٦/ ١٦٥، ١٠، ١٥٦/ ١٧٠، ٩/ ١٦٤، ١٦٩. ٦/ ٤٣٧ - ٤٤٢. أحكام القرآن القرطبي ١/ ١٩٨، ٣/ ٤٣، ٤٨، ٤٩، ٣٦٢، ٣٦٤، ٢٠/ ٣٧. الدرر السنية ٨/ ١١٧، ١٠/ ١٠٣، ١٢٨، ٢٣٦، ١١/ ٢٠. فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٣. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٥٢٥. نور على الدرب ابن باز ١٥٩. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ٥٧. قضية التكفير لسعيد بن علي بن وهف القحطاني ص ٦٧، ٦٨، ٦٩. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ٤٨. الإمام المروزي وجهوده في توضيح العقيدة للنفيعي ص ٤٥٧.
(٢) انظر لسان العرب (ر د د).
(٣) مختار الصحاح باب (ر د د).
(٤) حكم المرتد ص ٢٥.
(٥) حكم المرتد للماوردي ص ٢٥.
(٦) التوقيف على مهمات التعاريف ص ١٧٦.
(٧) معجم مقاييس اللغة ٢/ ٣٨٦ (رد).
(٨) انظر الإكليل شرح مختصر خليل ص ٤٣٨، شرح منح الجليل ٤/ ٤٦١، وشرح الزرقاني على مختصر خليل ٨/ ٦٢.
[ ٢ / ٢١٠ ]
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤].
* الدليل من السنة:
عن ابن عباس - ﵄ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: "من بدل دينه فاقتلوه" (^١).
وروى عثمان عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنا بعد إحصانه، أو قتل نفسا فيقتل بها" (^٢).
* أقوال السلف:
قاتل أبو بكر الصديق بعد رسول الله - ﷺ - أهل الردة ووضع فيهم السيف حتى أسلموا (^٣). فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: توفي رسول الله - ﷺ -، واستخلف أبو بكر - ﵁ - وكفر من كفر من العرب، قال عمر: يا أبا بكر، كيف تقتل الناس، وقد قال رسول الله - ﷺ -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها، وحسابه على الله"، فقال أبو بكر: والله، لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٠١٧) (٦٩٢٢).
(٢) أخرجه الترمذي (١٤٥٨)، وابن ماجه (٢٥٣٣)، وأحمد (٤٣٧) (٥٠٩) واللفظ له، والحاكم (٤/ ٣٥٠) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. قال الترمذي: وهذا حديث حسن.
(٣) حكم المرتد ص ٢٧. ٢٨.
[ ٢ / ٢١١ ]
كانوا يؤدونها إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منعها، فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله تعالى قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الكافر المرتد أسوأ حالًا في الدين والدنيا من الكافر المستمر على كفره" (^٢).
فوائد وأحكام:
* بم تحصل الردة؟
الردة قد تكون بالاعتقاد أو بالقول أو بالعمل أو بالشك.
قال البهوتي في تعريف المرتد شرعًا: "هو الذي يكفر بعد إسلامه نطقا، أو اعتقادا، أو شكا، أو فعلًا" (^٣).
وقال في مغني المحتاج: "الردة قطع استمرار الإسلام ودوامه، بنية كفر أو فعل مكفر، أو قول مكفر سواء قاله استهزاء أو عنادًا أو اعتقادًا" (^٤).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -: "اعلم رحمك الله: أن دين الله يكون على القلب بالاعتقاد، وبالحب والبغض، ويكون على اللسان بالنطق وترك النطق بالكفر، ويكون على الجوارح بفعل أركان الإسلام، وترك الأفعال التي تكفر، فإذا اختل واحدة من هذه الثلاث، كفر وارتد" (^٥).
وقد سئلت اللجنة الدائمة عن الردة وأنواعها فأجابت بما يأتي: "الردة هي الكفر بعد الإسلام وتكون بالقول والفعل والاعتقاد والشك، فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيته أو وحدانيته أو صفة من صفاته أو بعض كتبه أو رسله أو سب الله أو رسوله أو جحد شيئا من المحرمات المجمع على تحريمها أو استحله أو جحد
_________________
(١) صحيح البخاري (٧٢٨٤)، ومسلم (٢٠)، ومسند أحمد (٣٣٥).
(٢) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٤١٤.
(٣) كشاف القناع ٦/ ١٣٦، وانظر المبدع في شرح المقنع ٩/ ١٧٠، والمغني ٨/ ١٢٣.
(٤) مغني المحتاج ٤/ ١٣٣.
(٥) الدرر السنية ١٠/ ٨٧.
[ ٢ / ٢١٢ ]
وجوب ركن من أركان الإسلام الخمسة أو شك في وجوب ذلك أو في صدق محمد - ﷺ - أو غيره من الأنبياء أو شك في البعث أو سجد لصنم أو كوكب ونحوه فقد كفر وارتد عن دين الإسلام، وعليك بقراءة أبواب حكم الردة من كتب الفقه الإسلامي فقد اعتنوا به - ﵏ - وبهذا تعلم من الأمثلة السابقة الردة القولية والعملية والاعتقادية وصورة الردة في الشك" (^١).
وهذه الأقسام التي نذكرها مأخوذة من كلام العلماء عن الردة لا سيما ما ورد في كتب الفقه عن حكم المرتد فإنهم تكلموا هناك عن الأسباب التي يرتد بها المسلم عن دينه. فالكفر يكون بالقول وبالعمل وبالاعتقاد والشك وسوف نورد نصوصا من أقوال العلماء في ذلك:
١ - الكفر بالاعتقاد:
كمن يعتقد بقلبه أن الله فقير أو أنه بخيل أو أنه ظالم فقد كفر ولو لم يتكلم، أو يعتقد بقلبه أن محمدًا - ﷺ - كاذب، أو أحد الأنبياء، أو يعتقد بقلبه أنه لا بأس أن يعبد مع الله غيره، فهذ كله ردة عن الإسلام لأن الله يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج:٦٢]. وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]. قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. فمن زعم أنه يجوز أن يعبد مع الله غيره ونطق بذلك صار كافرا بالقول والعقيدة جميعا.
قال ابن الوزير اليمني - ﵀ - "واعلم أن أصل الكفر، هو التكذيب المتعمد لشيء من كتب الله تعالى المعلومة، أو لأحد من رسله، أو لشيء مما جاؤوا به، إذا كان الأمر المكذّب به معلوما من الدين بالضرورة. ولا خلاف أن هذا القدْر كفر،
_________________
(١) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٣.
[ ٢ / ٢١٣ ]
ومن صدر عنه فهو كافر" (^١).
٢ - الكفر بالقول:
مثل سب الله، وسب الرسول - ﷺ -، أو نسب العيب إلى الله كأن يقول: إن الله فقير، أو إن الله ظالم، أو يقول: إن الله بخيل، أو يقول: إن الله لا يعلم بعض الأمور - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - أو جحد الصلاة فقال: إن الله لم يوجب علينا الصلاة، فهذه ردة يستتاب فإن تاب وإلا قتل. قال أبو ثور - ﵀ -: "ولو قال: المسيح هو الله، وجحد أمر الإسلام، وقال: لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك أنه كافر بإظهار ذلك، وليس بمؤمن" (^٢).
قال القاضي عياض: "وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قولا يُتوصل به إلى تضليل الأمة وتكفير جميع الصّحابة" (^٣).
ويقول ابن حزم: "ومما يتبين أن الكفر يكون بالكلام، قول الله - ﷿ -: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف:٣٥ - ٣٧]. إلى قوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٢]. فأثبت الله الشرك والكفر مع إقراره بربه تعالى، إذ شك في البعث" (^٤).
ويقول أيضًا: "لم يختلف أهل العلم بأن في القرآن التسمية بالكفر، والحكم بالكفر قطعا على من نطق بأقوال معروفة، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ
_________________
(١) إيثار الحق على الخلق فصل نافع في الولاء والبراء ص ٣٧٦، وانظر باب (كفر الجحود) (كفر الاستحلال).
(٢) أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٤/ ٨٤٩.
(٣) الشفا ٢/ ٣٩٦.
(٤) الفِصَل في الملل والأهواء والنحل ٣/ ٢٣٥.
[ ٢ / ٢١٤ ]
قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة:٧٤]. فصح أن الكفر يكون كلامًا" (^١).
ويقول ابن تيمية - ﵀ -: "إن سبّ الله، أو سبّ رسوله كفر ظاهرا وباطنا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلا له، أو كان ذاهلا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء، وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل" (^٢).
ومما يدل على أن الكفر يكون قولًا باللسان، قوله تعالى في شأن المنافقين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥ - ٦٦].
قال ابن تيمية: "فقد أخبر الله تعالى أنهم كفروا بعد إيمانهم، قولهم إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب، وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام" (^٣).
ويقول ابن نجيم: "إن من تكلم بكلمة الكفر هازلًا، أو لاعبًا كفر عند الكل، ولا اعتبار باعتقاده" (^٤).
٣ - الكفر بالعمل:
مثل من يستهين بالمصحف بوطئه ونحو ذلك، أو يسجد لصنم.
قال القاضي عياض: "وكذلك نكفّر بفعل أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرِّحا بالإسلام مع فعله كالسجود للصنم، أو الشمس، والقمر، والصليب، والنار. والسعي إلى الكنائس والبِيَع مع أهلها، والتزيّي بزيّهم
_________________
(١) المحلى ١٣/ ٤٩٨ بتصرف يسير.
(٢) الصارم المسلول ص ٥١٢.
(٣) مجموع الفتاوى ٧/ ٢٢٠.
(٤) البحر الرايق ٥/ ١٣٤.
[ ٢ / ٢١٥ ]
من شد الزنانير الخ" (^١).
وقال ابن القيم: "وهنا أصل آخر، وهو أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد؛ فكفر الجحود أنه يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودا وعنادا من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه، وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه، وأما كفر العمل، فينقسم إلى ما يضاد الإيمان، وإلى ما لا يضاده فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان" (^٢).
٤ - الكفر بالشك:
مثل من يقول: أنا لا أدري هل الله حق أو ليس بحق، أو يقول: أنا لا أدري هل محمد صادق، أو كاذب أو يقول: أنا لا أدري هل البعث حق، أو غير حق، فهذا يكون كافرا يستتاب فإن تاب وإلا قتل.
قال القاضي عياض: "وكذلك من أضاف إلى نبينا الكذب فيما بلغه وأخبر به، أو شك في صدقه، أو سبه فهو كافر بإجماع" (^٣).
وقال أيضًا: " ولهذا نكفّر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام، واعتقده، واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافر بإظهار ما أظهره من خلاف ذلك" (^٤).
قال الشيخ عبد الرحمن أبا بطين: "فقد دل القرآن: على أن الشك في الجملة كفر، كما في قوله تعالى في الكفار ﴿قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾
_________________
(١) الشفا ٢/ ٣٩٧.
(٢) كتاب الصلاة ص ٥٥، وانظر الرسائل المفيدة للشيخ عبد اللطيف عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ص ٢٧، ٢٨ وأعلام السنة المنشورة للحكمي ص ٧٣، ٧٦.
(٣) الشفا ٢/ ١٠٦٩.
(٤) الشفا ٢/ ١٠٧١.
[ ٢ / ٢١٦ ]
[الجاثية: ٣٢]. وغير ذلك من الآيات الصريحة، والشك غير العناد، وهذا ظاهر بحمد الله تعالى.
ومما يبين لك: مراد الشيخ تقي الدين - ﵀ - ما ذكره في بعض كتبه، بقوله: "من اعتقد أن زيارة أهل الذمة كنائسهم قربة إلى الله فهو مرتد، وإن جهل أن ذلك الأمر محرم عُرِّفَ ذلك، فإن أصر صار مرتدا؛ وقال: من سب الصحابة أو واحدا منهم، واقترن بسبِّه دعوى أن عليا إله أو نبي، أو أن جبريل غلط، فلا نشك في كفره، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره".
وقال أيضا: "ومن زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله - ﷺ - إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر، أو أنهم فسقوا، فلا ريب في كفر قائل ذلك، بل من شك في كفره فهو كافر" (^١).
وقال الشيخ أبا بطين: "فانظر تكفيره الشاك، مع القطع بأن سبب الشك هو الجهل، وأطلق على من ذكر مع العلم القاطع بأن أكثر هؤلاء أو كلهم جهال لم يعلموا أن ما قالوه كفر" (^٢).
وقال ابن تيمية في رده على أهل الحلول والاتحاد: "فهذا كفر باطنا وظاهرا بإجماع كل مسلم، ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين" (^٣).
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - في نواقض الإسلام: الثالث: "من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، كفر إجماعًا" (^٤).
_________________
(١) انظر الصارم المسلول ص ٥٩١، ٥٩٢.
(٢) الدرر السنية ١٠/ ٣٥٧، ٣٥٨، الصارم المسلول لصارم ص ١١١١، ١١١٠.
(٣) مجموع الفتاوى ٢/ ٣٦٨.
(٤) مجموعة الشيخ الرسائل الشخصية ص ٢١٣.
[ ٢ / ٢١٧ ]
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله " فإن كان شاكا في كفرهم أو جاهلا بكفرهم بينت له الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - على كفرهم، فإن شك بعد ذلك وتردد فإنه كافر بإجماع العلماء على أن من شك في كفر الكفار فهو كافر" (^١).
٢ - تنبيه:
ذكرنا طائفة من أقوال العلماء في باب (الإيمان) وبينا أن ترك العمل بالكلية كفر بالله - ﷿ -، وذكرنا هناك نقل الشافعي الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزي واحد من الثلاثة إلا بالآخر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله بقلبه، أو بقلبه ولسانه، ولم يؤد واجبًا ظاهرًا، ولا صلاة ولا زكاة، ولا صيامًا، ولا غير ذلك من الواجبات" (^٢).
ومما يحسن ذكره هنا: حكم ترك الصلاة كسلًا وتهاونًا لا جحودًا ومعلوم إجماع الصحابة على كفر من ترك الصلاة كسلا وذكر الإجماع على ذلك التابعي الجليل عبد الله بن شقيق - ﵁ - وهو قول سعيد بن جبير والشعبي وإبراهيم النخعي والأوزاعي وأيوب السختياني وغيرهم كثير، وبه يفتي علماؤنا ولهم أدلة على ذلك من الكتاب والسنة وآثار السلف.
* ومن أدلة الكتاب: قول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ [المدئر:٣٨ - ٤٧]. وقوله تعالى عن المشركين ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا
_________________
(١) رسالة أوثق عرى الإيمان، الجامع الفريد ص ٣٧٠.
(٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٦٢١.
[ ٢ / ٢١٨ ]
الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. قال ابن عثيمين: "مفهوم الآية: أنهم إذا لم يفعلوا ذلك فليسوا إخوانا لنا - ولا تنتفي الأخوة الدينية بالمعاصي وإن عظمت ولكن تنتفي بالخروج عن الإسلام" (^١).
* ومن السنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" (^٢).
وروى الإمام أحمد وأهل السنن عن بريدة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" (^٣).
وروى عبد الله بن شقيق العقيلي قال: "كان أصحاب محمد - ﷺ - لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة" (^٤).
قال عمر - ﵁ -: "لا إسلام لمن ترك الصلاة" وفي لفظ آخر: "لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة" (^٥).
قال ابن عثيمين: "والحظ: النصيب وهو هنا نكرة في سياق النفي فيكون عاما لا نصيب لا قليل ولا كثير"" (^٦).
وقال الإمام ابن القيم: "وقد جاء عن عمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة - ﵃ -: أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد" (^٧).
قال الحافظ عبد الحق الإشبيلي - ﵀ - في كتابه في الصلاة: "ذهب جملة من الصحابة
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٢/ ٤٧.
(٢) أخرجه مسلم (٨٢).
(٣) أخرجه الإمام أحمد (٢٣٣٢٥)، والترمذي (٢٦٢١).
(٤) أخرجه الترمذي رقم (٢٦٢٢).
(٥) الصلاة لابن القيم ص ٢٣.
(٦) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٢/ ٤٨.
(٧) الصلاة لابن القيم ص ١٥.
[ ٢ / ٢١٩ ]
- ﵃ - ومن بعدهم إلى تكفير تارك الصلاة متعمدا لتركها حتى يخرج جميع وقتها، منهم عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وابن عباس وجابر وأبو الدرداء. هؤلاء من الصحابة ومن غيرهم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والحكم بن عيينة وأبو داود الطيالسي وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو خيثمة زهير بن حرب" (^١).
وفي كتاب الصلاة لابن القيم: "قال علي بن الحسن بن شقيق سمعت عبد الله بن المبارك يقول: "من قال إني لا أصلي المكتوبة اليوم فهو أكفر من حمار". وقال يحيى بن معين: "قيل لعبد الله بن المبارك إن هؤلاء يقولون من لم يصم ولم يصل بعد أن يقر به فهو مؤمن مستكمل الإيمان. فقال عبد الله لا نقول نحن ما يقول هؤلاء، من ترك الصلاة متعمدا من غير علة حتى أدخل وقتًا في وقت فهو كافر".
وقال ابن أبي شيبة: قال النبي - ﷺ -: "من ترك الصلاة فقد كفر" فيقال له ارجع عن الكفر، فإن فعل وإلا قتل بعد أن يؤجله الوالي ثلاثة أيام" (^٢).
وقال الإمام أحمد: "ومن ترك الصلاة فقد كفر وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة من تركها فهو كافر" (^٣).
وفي كتاب السنة له ورسالة الإصطخري عنه قال: "والكف عن أهل القبلة ولا نكفر أحدا منهم بذنب ولا نخرجهم من الإسلام بعمل إلا أن يكون في ذلك حديث فيروي الحديث كما جاء وكما روي نصدقه ونقبله ونعلم أنه كما روي نحو ترك الصلاة" (^٤).
وقال أبو بكر المروذي: "سألت أبا عبد الله عن الرجل يدع الصلاة استخفافًا ومجونًا فقال: سبحان اللهُ إذا تركها استخفافًا ومجونًا فأي شيء بقي. قلت: إنه
_________________
(١) الصلاة لابن القيم ص ٢٣ بتصرف.
(٢) الصلاة لابن القيم ص ٣١.
(٣) المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد ٢/ ٣٦.
(٤) المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد ٢/ ٣٧.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
يسكر ويمجن. قال: هذا تريد تسأل عنه. قال النبي - ﷺ -: بين العبد وبين الكفر ترك. الصلاة. قلت: ترى أن تستتيبه. فأعدت عليه فقال: إذا تركها استخفافا ومجونا فأي شيء بقي" (^١).
قال الحافظ ابن رجب: "وأكثر أهل الحديث على أن ترك الصلاة كفر دون غيرها من الأركان كذلك حكاه محمد بن نصر المروزي وغيره عنهم.
وممن قال بذلك: ابن المبارك، وأحمد - في المشهور عنه - وإسحاق، وحكى عليه إجماع أهل العلم. وقال أيوب: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه" (^٢).
وقد أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فتاوى واضحة في ذلك منها قولهم: "إن الذي يترك الصلاة لا يخلو من إحدى حالتين:
الأولى: أن يتركها جاحدًا لوجوبها فهذا يكفر إجماعًا، لأنه ترك ركنا من أركان الإسلام معلوما بالضرورة جاحدا لوجوبه.
الثانية: أن يتركها تهاونًا وكسلًا مع إقراره بوجوبها، فهذا يكفر في أصح قولي العلماء لقوله - ﷺ -: "من ترك الصلاة متعمدًا برئت منه ذمة الله ورسوله" (^٣) وهذا يدل على إباحة قتله، وقوله - ﷺ -: "بين العبد وبين الكفر والشرك ترك الصلاة" (^٤) فهذا يدل على كفره" (^٥).
وسمعت الإمام عبد العزيز بن باز - ﵀ - يذكر كثيرًا أن من مات من المكلفين وهو لا يصلي ومثله يعلم الحكم الشرعي فهو كافر لا يُغسل ولا يُصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يرثه أقاربه المسلمون بل ماله لبيت مال المسلمين في أصح
_________________
(١) انظر المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد ٢/ ٣٦، ٣٧.
(٢) فتح الباري لابن رجب ١/ ٢٥.
(٣) أخرجه الإمام أحمد (٢٧٩٠٨) (٢٢٤٢٥)، المستدرك على الصحيحين (٤/ ٤١).
(٤) أخرجه مسلم وقد تقدم.
(٥) فتاوى اللجنة الدائمة ٦/ ٣٠. وانظر أيضًا المرجع نفسه ٦/ ٤٠.
[ ٢ / ٢٢١ ]
قولي العلماء (^١) وقد أصدر الشيخ ابن عثيمين في تقرير ذلك رسالة استوفى فيها ذكر الأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف.
٣ - الأعمال التي تبطلها الردة:
تُبطِلُ الردةُ صلاةَ المرتدِّ وصيامه وزكاته وحجه إذا مات على ردَّته، أما إن رجع عن الردة إلى الإسلام فقد جاء في فتاوى اللجنة ما نصه: "من ارتد عن الإسلام ثم عاد إليه لا يحبط ما سبق أن عمله أيام إسلامه من الأعمال الصالحات لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ " (^٢).
٤ - ما يترتب على المرتد من آثار:
إذا ارتد المسلم عن دينه ترتب على ذلك آثار منها:
١ - أن زوجته المسلمة لا يحل لها البقاء معه، بل يجب التفريق بينهما لأن المسلمة لا يصح أن تكون زوجة لكافر بالإجماع.
٢ - يجب أن ينفّذ فيه حكم المرتد وهو القتل بنص حديث رسول الله - ﷺ - ويكون قتله بضرب عنقه بالسيف حتى يهلك (^٣) وذلك بعد أن يستتاب وتقام عليه الحجة.
٣ - إذا مات لا تجري عليه أحكام المسلمين، فلا يغسل، ولا يصلى عليه، ويحرم دخوله مكة وحرمها، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يحل ما ذكاه، ولا يورث، وباقي ماله ينقل إلى بيت المال فيئًا (^٤).
٤ - لا يُدعى له بالرحمة ولا يستغفر له قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ
_________________
(١) انظر الفتاوى جمع المسند ص ٥٤.
(٢) فتاوى اللجنة ٢/ ٢٨.
(٣) انظر حكم المرتد ٢٧، المغني ١٢/ ٢٦٤، ٢٦٩.
(٤) انظر: حكم المرتد ص ٨٠، ٨١، شرح السنة ٨/ ٣٦٥، المغني ٦/ ٣٧٢.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣] (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد استقرت السنَّة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة؛ منها:
أن المرتد يُقتل بكل حال، ولا يُضرب عليه جزية، ولا تُعقد له ذمة، بخلاف الكافر الأصلي.
ومنها: أن المرتد يُقتل وإن كان عاجزًا عن القتال، بخلاف الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال فإنه لا يُقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد، ولهذا كان مذهب الجمهور أن المرتد يُقتل، كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد.
ومنها: أن المرتد لا يرث، ولا يُناكح، ولا تُؤكل ذبيحته، بخلاف الكافر الأصلي. إلى غير ذلك من الأحكام، وإذا كانت الردَّة عن أصل الدين أعظم من الكفر بأصل الدِّين، فالردة عن شرائعه أعظم من خروج الخارج الأصلي عن شرائعه" (^٢).
٥ - شروط الحكم بالردة:
ذكر أهلُ العلم ثلاثةَ شروط يجب توفرها حتى يحكم بردة المرتد:
الشرط الأول: البلوغ على خلاف فيه.
الشرط الثاني: العقل: فلا تصح ردة المجنون ومن في حكمه.
الشرط الثالث: أن يكون مختارًا من غير إكراه ولا يحكم بردته إلا بإقراره بنفسه أو بعد شهادة الشهود عليه (^٣). وإذا أنكر شهادة الشهود فالقول قوله كما نص عليه أحمد في رواية محمد بن الحكم (^٤).
_________________
(١) انظر المراجع السابقة، وكتاب حكم تارك الصلاة للشيخ ابن عثيمين ص ١٨١٢.
(٢) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٥٣٤، ٥٣٥، الفتاوى الكبرى ٣/ ٥٥٠.
(٣) راجع المغني ٨/ ١٤٠، ١٤٢.
(٤) المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد ٢/ ٥٩.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
٦ - استتابة المرتد:
اتفقت المذاهب الأربعة على استتابة المرتد إن ثبتت ردته ثم اختلفوا في مدة الاستتابة، فقيل ثلاث مرات في يوم، وقيل إن التوبة تطلب منه ثلاث أيام متتالية، وقيل مرة فإن تاب المرتد برجوعه للإسلام لا يقتل (^١).
قال الشافعي وأصحابه: "إن امتنع المرتد عن التوبة يقتل في الحال ساعة يأبى إظهار الإيمان، ولو ترك أياما ثم أظهر الإيمان حقن دمه" (^٢).
وقال أبو حنيفة بقول الشافعي إلا أنه زاد: "أن المرتد إذا طلب أن يؤجل أجل ثلاثا" (^٣).
والمشهور عن أحمد: "استتابته ثلاثا على روايتين في وجوبها أو استحبابها والأول أشهر" (^٤).
يقول ابن قدامة: " لا يقتل حتى يستتاب ثلاثا هذا قول أكثر أهل العلم منهم عمر وعلي وعطاء والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي وهو أحد قولي الشافعي، وروى عن أحمد رواية أخرى أنه لا تجب استتابته لكن تستحب وهذا القول الثاني للشافعي" (^٥).
قال الماوردي: "ودليل تأجيله ثلاثا قول عمر - ﵁ - حين أخبر بقتل المرتد: "هلا حبستموه ثلاثًا، اللهم لم أحضر ولم آمر " (^٦)، ولأن الله قضى بعذاب قوم ثم أنظرهم
_________________
(١) شرح منح الجليل ٤/ ٤٦٥، وانظر الكافي ص ٢٢١. وكتاب حكم المرتد ص ٥٧.
(٢) الأم ٦/ ١٧١، حكم المرتد ٥٧، ٦٥.
(٣) انظر المبسوط ١٠/ ٩٨، ٩٩. حكم المرتد ص ٦٣.
(٤) انظر حكم المرتد ص ٦٤.
(٥) المغني ١٢/ ٢٦٦، ٢٦٨.
(٦) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٧٣٧ والبيهقي في السنن ٨/ ٢٠٦ ونصه (هلا حبستموه ثلاثًا وأطعمتموه كل يوم رغيفًا واستتبتموه لعله أن يتوب أو يراجع أمر الله، اللهم لم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني).
[ ٢ / ٢٢٤ ]
ثلاثًا فقال تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]. ولأن المقصود منه استبصاره في الدين ورجوعه إلى الحق، وذلك مما يحتاج فيه إلى الارتياء والفكر، فأمهل بما يقدر في الشرع من مدة أقل الكثير وأكثر القليل وذلك ثلاثة أيام" (^١).
ويُستثنى من ذلك على الصحيح مَنْ سب النبي - ﷺ - فقد جاء عن الإمام أحمد: "إن كل من شتم النبي - ﷺ - أو تنقصه مسلما كان أو كافرا فعليه القتل، وأرى أن يقتل ولا يستتاب" (^٢).
٧ - كيف تكون توبة المرتد؟
تكون توبة المرتد بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن كانت ردته بجحود عبادة من العبادات؛ كالصلاة والصيام مثلا، لم تزل عنه الردة حتى يقر بما صار به مرتدًا، بالإضافة إلى النطق بالشهادتين - كما مر - وإن كانت ردته باستحلال شيء من المحرمات كالزنا والخمر ونحوهما، فإن توبته بالإقرار بتحريم ذلك، بعد النطق بالشهادتين (^٣).
٨ - فائدة: في توبة من تكررت ردته:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والفقهاء إذا تنازعوا في قبول توبة من تكررت ردته أو قبول توبة الزنديق فذاك إنما هو في الحكم الظاهر لأنه لا يوثق بتوبته أما إذا قدر أنه أخلص التوبة لله في الباطن فإنه يدخل في قوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
_________________
(١) حكم المرتد ص ٦٤، ٦٥.
(٢) المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد ٢/ ٩٥. انظر (سب الدين).
(٣) انظر حكم المرتد ١٣٣، ١٣٦، المحرر في الفقه ٢/ ١٦٨، وروضة الطالبين ١٠/ ٨٢، ٨٣.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. ونحن حقيقة قولنا أن التائب لا يعذب لا في الدنيا ولا في الآخرة، لا شرعًا ولا قدرًا" (^١).
٩ - فائدة:
في قوله - ﷺ -: "من بدل دينه فاقتلوه" هو خاص بالمسلمين دون سواهم وهو الذي عليه جمهور العلماء فمن بدل دينه من أهل الإسلام فجزاؤه القتل أما أهل الملل الأخرى فالصحيح أن الحديث لا يشملهم لأنه انتقل من كفر إلى كفر مثله والكفر ملة واحدة.
يقول القرطبي: "واختلفوا من خرج من كفر إلى كفر فقال مالك: وجمهور الفقهاء: لا يتعرض له لأنه انتقل إلى ما لو كان عليه في الابتداء لأقر عليه" (^٢).
قال الإمام أحمد: "من بدل دينه فاقتلوه من المسلمين، لو أن يهوديا تنصر أو نصرانيا تهود لم يقتل" (^٣).